السنة الثالثة عشرة، العدد السابع، نيسان 2017

السنة الثالثة عشرة، العدد السابع، نيسان 2017

مختارات آبائية

الأب رومان براغا، ضبط نغمتنا

البطريرك بولس الصربي، ماذا يعني الصراع ضد الشر

الشيخ جرمانوس الستافروفوني، في المحبّة الحقيقية والصافية

الشيخ تريفون، عندما تحدث الأمور السيئة

دراسات آبائية

د. قسطنطين كافارنوس، الإنسان العقلاني بحسب القديس أنطونيوس

رعائيات

الأب أنطوان ملكي، طاعة الكهنة للرؤساء

مسكونيات

الأب أنطوان ملكي، اتفاق القاهرة: خطوة إلى الوراء على طريق الوحدة الصحيحة

الأب أنطوان ملكي، من تداعيات لقاء كريت – تابع

ضبط نغمتنا

ضبط نغمتنا

الأب رومان براغا*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لقد كنتُ في سجن الشيوعيين لمدة إحدى عشر سنة، وفي الحجز الانفرادي لثلاث سنوات. وجدت في السجن أني لم أعرف شيئاً. اختفت فكرتي عن الله. لكن ما وجدته هو أن إله الكتب مختلف عن إله الخبرة. عندما تشعر بأن الله حي تفهم: أنا أحيا لأن المسيح حيّ فيّ. عندما يكون المسيح حياتك لا تحتاج إلى كتب، لا تحتاج أطروحات في اللاهوت، ولا محاضرات، ولا أيّ شيء. لقد وجدت الإله الحقيقي بعد سنوات كثيرة في المعهد واللاهوت والكتب والأناجيل وكل أنواع الدراسات. أنت تتعلّم بالخبرة لأن الله هو موضوع يجب اختباره. الله حيّ. نحن عبيد للكتب. في بعض الأحيان أنت لا تجد الوقت لتكون ذاتَك، فأنت مصنوع من الاقتباسات، هذا ما قاله كانت وأفلاطون، والآباء القديسون يقولون أيضاً هذا القول. أنت مختلف.

لا ينبغي بنا تقليد أيّ كان لأننا نحن مَن نحن. نحن نتبنّى المبادئ من هنا ومن هناك. لكننا نحتاج الكتاب المقدس فقط، نحن لا نحتاج أيّ كتاب آخر لأن الله يحاكينا من خلال الكتاب المقدس. أنت تبدأ بالتحدّث إلى الله قائلاً: “أنظر أيها الرب، أنت خلقتَني. مَن أنا؟ أنت أردتني أن أكون في هذا العالم“. هنا تبدأ بالتعلّم، الله نفسه يعلّمك مَن تكون.

كل رجل أو امرأة هو شخص محدد، ليس مثل أي آخر. لا يكرر الرب نفسه عندما يخلق شيئاً. إذاً لديك طريقتك في الصلاة والتي هي خاصتك. من العبث أن أخبرك طريقتي. لكن ابْدأ، مارِسْ، والله يمنحك طريقتك التي هي شخصية. حياتنا في الله شخصية جداً، وتختلف عن حياة شخص آخر. لكن المهم هو القيام بهذا العمل، أي بالحياة في الله. تحدثوا إليه، اشعروا بحضوره وهو سوف يعلّمكم مَن تكونون.

* أرشمندريت في الأسقفية الرومانية التابعة للكنيسة الأرثوذكسية في أميركا. وُلد في بيساربيا في 1922 وتوفي في دير رقاد السيدة في ميشيغن في 2015. بعد أ، سجن عدة مرات واضطُهِد في رومانيا، انتقل إلى أميركا في 1972 حيث قام بنقل الخدم الليتورجية الرومانية إلى الإنكليزية. عمل الكثير في التربية المسيحية للرومان في أميركا.

ماذا يعني الصراع ضد الشر

ماذا يعني الصراع ضد الشر

البطريرك بولس الصربي

نقلتها إلى العربية شيم حموي

أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ:لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ. «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ.” (متى33:4-41).

يذكّرنا الربّ أنه يجب أن لا نحلف، ويجب أن يكون فيما بيننا من محبّة الحق والثقة ما يجعل القول نعميعني نعموقول لايعني لا“. هناك بالطبع بعض الحالات الضرورية التي تسمح فيها الكنيسة بالإقسام لتأكيد الحقيقة خاصةً في المحاكم. نعرف من الكتاب المقدس أن الله قد حلف مرة بنفسه. ليس أن القَسَم ممنوع بشكل قاطع بل واجبنا أن نحاول أن نكون محبّين للحقّ لأن الله هو الحقّ، والشيطان هو الكذّاب وأبو الكذب. بهذا المعنى يجب أن نحبّ الحقّ. وأكرر ذلك.

قيل في ناموس موسى القديم أنه عين بعين وسن بسن” (خر 24:21) هذه كانت قانوناً أعلى مما سبقه. قال لامك الذي كانت له امرأتان إِنِّي قَتَلْتُ رَجُلاً لِجُرْحِي، وَفَتىً لِشَدْخِي” (تك 4: 23). ويظهر ناموس موسى يقول: “عين بعين وسن بسن ويد بيد وقدم بقدم” (خر 24:21) بقدر ما يفعلون بكم يمكنكم أن تردوا بالمثل.

وفي النهاية يعلمنا الرب يسوع أن نفعل أكثر من ذلك، أن نبدأ بمقاومة الشر. يقول الربّ: لا تقاوموا الشر بالعنف. ليس ألا نقاوم الشر البتة حيث ستكون هذه سلبية وإبادة للفارق بين الخير والشر، لكن ليس مقاومته بالعنف، ولا الردّ على الشر بالشر. ويقول بولس الرسول: “لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ” (رو 21:12). هذا هو معنى قول السيد المسيح، ولكن مجدداً أكرر هذا ليس حرفياً. لأنه هو نفسه عندما كان واقفاً أمام المحكمة لم يحوّل خده الأيسر للخادم الذي جاء وصفعه بل قال له: “إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟” (يو 23:18).

أظن أنكم فهمتم ما الذي قصده بالضبط، علينا أن نكون مستعدين لمواجهة الشر الموجّه ضدنا بالخير، وأن نبحث عن فرصة لتقويم الخاطئ وأن نفعل كل شيء لكي يفهم حجم خطيئته. بكل الأحوال لا يجب أن نكون سلبيين بل أن نأخذ المبادرة ونوجهها نحو الخير. كم من المجرمين الحقيقيين صاروا مسيحيين حقيقيين لأن المسيحيين تبعوا كلمات المسيح وأحبّوا أعداءهم محاولين توجيههم إلى التوبة؟

فليسعفنا الرب لنبني محبة الحقّ فيما بيننا، لنحبّ حتى خصومنا: لنصلي إلى الله ليريهم بحياتنا الحقيقية أنهم يتخبطون في جحيم روحي وظلمة أبدية وبأن عليهم أن يتوبوا ويكونوا مُخلَّصين.

فليبارككم الرب

* من كتاب مواعظ وأقوال البطريرك الصربي بولس السير إلى الأبدية – مواعظ مختارة – حوارات، نشره دير سريتينسكي

في المحبّة الحقيقية والصافية

في المحبّة الحقيقية والصافية

الشيخ جرمانوس الستافروفوني

نقلتها إلى العربية علا مقصود

هل تريد أن تعرف ما نوع المحبة التي تشعر بها؟

قف أمام مرآة الإصحاح 13 من رسالة بولس الرسول الأولى لأهل كورنثوس وفكّر بصدق هل ينطبق عليك ما قال الرسول بولس.الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

هؤلاء الذين يحبّون قريبهم محبة صادقة متوافقة مع مشيئة الله يشعرون بسلام وفرح كبيرَين في داخلهم. أما الذين يحبّون بشكل زائف سطحي، جسدي، ومادي، يشعرون باضطراب واهتياج في داخلهم.

المحبة الحقيقية مرتبطة بروح التواضع والتضحّية والعطاء. هؤلاء الذين يحبّون بصورة مطابقة لمشيئة الله يضحّون برغباتهم وراحتهم لأجل من يحبّون. أما الحب غير المتوافق مع مشيئة الله متعلق بالأنانية ومن يحب مثل هذه المحبة يطلب من الآخرين التضحية من أجله بدلاً من التضحية لأجلهم.

إن محبة أعدائنا تخفي حكمة كبيرة فعندما نقابل الشر بالخير نصبح مشابهين للمسيح فتأتي نعمته وتغمرنا. إن نعمة الروح القدس تفيض علينا. القديسون يحبّون حتى مضّطهديهم. وهذه الحقيقة كانت أساسية ليظهَروا أصدقاء حقيقين للمسيح، أي قديسيه.

إن محبة القريب لا يُعبّر عنها بالكلام فقط بل يجب أن تُبرهن بالأعمال. إن المحبة الحقيقية تشع على الوجه نوراً فائق الطبيعية للشخص المحبوب. أما وجه من يبغض فمتجهّم ومكفهر لا بلّ مظلم. المحبة الحقيقة لا تبتهج بمصائب الآخرين ولا هي تحزن من نجاحاتهم.

عندما تحدث الأمور السيئة

عندما تحدث الأمور السيئة

الشيخ تريفون

نقلتها إلى العربية وعد مخول

نحن غالباً ما نتساءل لماذا يسمح الله بحدوث الأمور السيئة، حتى أحياناً نتساءل فيما إذا كان الله يهتم على الإطلاق بالأمور الشريرة التي تحدث للأشخاص الصالحين. لكننا ننسى أن إلهنا خلقنا بطريقة تتيح لنا أن نردّ محبته لنا، وبهذه الحرية نقدر أن نحبّ الآخرين.

لقد أُعطينا كلنا الحرية لفعل ما نريد، ولنعيش حياتنا بالطريقة التي ترضينا. الرب يتركنا نتعاطى المخدرات، يتركنا نقلّل من احترام أهلنا أو الأشخاص الذين قررنا أنهم أدنى منا. إنه يتركنا نتجنّب دفع ضرائبنا، أو نحتال لأجل الكسب. الرب يتركنا نتجنّب الذهاب إلى الخدم في كنائسنا، في حين أنه يسمح لنا بالاحتفال مع أصدقائنا في ليلة السبت بدل مناجاتنا لله خالقنا.

يسمح لنا إلهنا بإضاعة كل وقتنا على متابعة تسليتنا ، والتركيز على الشبكات الاجتماعية من دون أي همّ لنبتعد عن الصلاة إليه. إنه يتركنا نسرع ونقطع خط الوسط نحو حركة السير القادمة، مع أنه لا يحب ذلك عندما نفعله. هو يمتنع عن فرض نفسه علينا، ويتركنا نتخذ قرارات حتّى ولو خاطئة، ولكن ذلك محزن لأنه يعرف ماذا سيحصل نتيجة ذلك.

إلهنا، الذي هو دائماً محبّ وراعٍ ورحيم يسهر على كل واحد منا، حتى أن لديه آمال وخطط لنا تماماً كما تفعل عائلاتنا. ولكنه، كما أهلنا الأرضيين، يسمح لنا باتخاذ قرارنا بما سنفعل، وكمثل أصدقائنا وعائلاتنا هو يحزن عندما نتّخذ قرارات خاطئة. الأمور الخاطئة تحصل ليس لان الله لا يهتم، ولكن لأننا في إرادتنا الحرة، نحن مخلوقاته، نجعل الأمور السيئة تحصل باختيارنا أن نفعل ما نريد بغضّ النظر عن النتائج.

أخيراً، نحن نعيش في عالم ساقط، وهذا ليس من عمل الله، إنه من عملنا. الله لم يخلق الشر، نحن خلقناه، والنتيجة النهائية كانت أن الموت دخل إلى عالمنا. المسيح أتى ليدمّر قوة الموت بموته وبقيامته المقدسة.

الإنسان العقلاني بحسب القديس أنطونيوس

الإنسان العقلاني بحسب القديس أنطونيوس

د. قسطنطين كافارنوس

القديس أنطونيوس (250-356) هو أحد أكبر معلمي الحياة الروحية في المسيحية الشرقية، وقد تمتّع بأعلى درجات الاحترام لدى مسيحيي الشرق منذ زمانه حتى الحاضر. أحد أبرز محبّيه كان القديس أثناسيوس الذي عرفه شخصياً وكتب سيرته التي هي أهمّ مصادر ما نعرف عنه. من محبيه البارزين أيضاً القديس مكاريوس مطران كورنثوس (1731-1805) والقديس نيقوديموس الأثوسي (1748-1809) اللذين أدرجا في مطلع الفيلوكاليا، التي جمعاها ونقحاها وطبعاها سنة 1782، عملاً يحتوي الكثير من الأقوال والملاحظات التي نُسبَت إلى القديس أنطونيوس.

بالرغم من أنه كان أميّاً، صار القديس أنطونيوس رجلاً ذا حكمة وفهم روحيين مميّزين، قادراً على تعليم الآخرين بكلمة الفم في ما يتعلّق بخليقة الله وتدبيره ونعمته، وفي ما يختصّ بالطبيعة والمصير البشريين، والسبل التي تؤدّي بالإنسان إلى الكمال الشخصي والخلاص. أجزاء من تعليمه، بما فيها تلك التي يحويها العمل المذكور أعلاه، سجّلها آخرون ممن استمعوا إليه وتأثروا بقيمته وذلك للتذكير بشخصية الناس والحياة الفاضلة. الكثير من الأفكار المميزة محتواة في مجموعة الأقوال هذه. إحدى هذه الأفكار هي الإنسان العقلاني“. قد قيل الكثير عن هذا الموضوع بشكل مبعثر وليس في جزء محدد منفصل. وإذ أتمنّى أن أقدّم تعليم القديس أنطونيوس حول هذا الموضوع بشكل دقيق ومعبّر قدر الإمكان، فقد ترجمتُ المقاطع المعنيّة عن النص اليوناني الموجود في الفيلوكاليا، وجمعتها بنفس التسلسل الذي يظهر في هذا العمل، وقدّمتها كما يلي مع بعض الملاحظات التفسيرية.

الإنسان العقلاني عند القديس أنطونيوس ليس المتعلّم ولا الباحث، ولا المفكّر المجادل أو المتأمل. إنه الإنسان المتمحور حول الله، الذي يوجّه كلّ فكره وطموحه نحو الله، الذي تحوّل بشكل قاطع عن الأرضي والمؤقّت نحو السماوي والأبدي؛ الذي يختار الصلاح ويعمله ويتلافى الشر، أو أقلّه يسعى بشكل واعٍ إلى ذلك. إنه الرجل الذي غيّر داخله بشكل جذري.

المَلَكة العقلانية بالنسبة للقديس أنطونيوس أي الصفة المميّزة للإنسان، هي ما يفرّقه عن البهائم ويجعله قريباً من الله ويوحده به. يفهم هذه المَلَكة على أنها قبل كل شيء قوة فهم القيَم، تمييز الخير عن الشر، تنظيم حياة الإنسان الداخلية والخارجية، مع الرغبة في اكتساب أو صنع ما هو صالح وتجنّب أو تخطي الشر، والتأمّل بالله. بتعبير آخر، إن مهمة العقل التي تُعتَبَر مهمّة ليست التحزرية بل الأخلاقية، ولا الخطابية بل البديهية و التأملية.

تحضر هذه المَلَكة بحسب قديسنا في أغلب الناس بحالة كامنة غير ناشطة، ميتة كأخلاقية وقوة تأملية. الناس، بدلاً من أن يحكمهم العقل، تسيطر عليهم الرغبات غير العقلانية، وبدلاً من أن يكون اتجاههم، كما ينبغي أن يكونوا، إلى الأبدي والإلهي، فهم غارقون في الوقتي والمادي. إن نفوسهم في حالة من الظلام مجردةً من النور الإلهي. هذا يتبعه أنهم ، بالمعنى الدقيق للكلمة، ليسوا بشراً. وحده الإنسان العقلاني، صاحب الملَكة العقلانية الناشطة العاملة هو إنسان بالمعنى الدقيق للكلمة.

واضح أن الإنسان العقلاني عند القديس أنطونيوس ليس إلا إنسان الرسول بولس الجديد (روما 2:12)، أي المتصوّف المسيحي، القديس، أو مَن هو على الطريق ليكون كذلك.

قد يبدو تعليم القديس أنطونيوس غريباً بالنسبة للكثيرين من المسيحيين غير الأرثوذكسيين لأن المسيحية الغربية مالت إلى نفي العقل من الحياة الروحية أو أقلّه إلى تقليص دوره. من جهة أخرى، الأرثوذكسيون المتآلفون مع تقليدهم الطويل، سوف يجدون أن هذا تعليمهم وموقفهم التقليدي معبَّراً عنه بطريقة مؤكّدة واضحة.

طاعة الكهنة للرؤساء

طاعة الكهنة للرؤساء

الأب أنطوان ملكي

وجّه أحد الأساقفة الأرثوذكس في بلاد العم سام أكثر من رسالة إلى أحد الكهنة الذين تخطّوا حدود اللياقة في الكلام في السياسة والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي وأمور رعائية أخرى، داعياً إياه إلى الهدوء وعدم إثارة العثرات لدى المؤمنين. لم يردّ الكاهن فأوقفه الرئيس عن الخدمة. لم يثنِ التوقيف الرجل عن الاستمرار في ما بدأه فشارك في خدمة حيث لا شركة مع كنيسته الأصلية. فما كان من رئيسه إلا أن جرّده.

في الكنيسة نفسها كهنة يتخطون حدود اللياقة في السياسة، وفي الاشتراك حيث لا شركة، وفي أمور رعائية عديدة، ولا يُجَرَّدون. ما الفرق بين الحالتين؟ الفرق هو الطاعة. ذاك الكاهن لم يُطِع فوصل به الأمر إلى التجريد. الآخرون لم يقل لهم أحد اعملوا أو لا تعملوا، فبالتالي لم يتخطوا كلمة رئيس لذا لا شائبة على وضعهم. أترى مَن الذي عمل مشيئة الأب، الابن الذي قال أذهب ولم يذهب أم الذي رفض الذهاب لكن عاد وذهب (أنظر مثل الابنين في متى 28).

المقارنة تُظهِر أن الكهنة الذين لم يجرّدوا تخطوا قوانين الكنيسة أي لم يطيعوها، أما الذي جُرِّد فتخطّى قوانين الكنيسة وكلمة المطران. وكأنّ في الحالة الأولى لا مشكلة، أمّا في الحالة الثانية فالويل والثبور. هذا واقع يتيح التساؤل حول واقع الطاعة في حياة الكنيسة ومعناها وتطبيقها.

ما لا يُناقشه أحد هو أن الطاعة مصدر بركة للمطيع بغض النظر عن ما تحمل وما ينتج عن فعلها. يزخر الكتاب المقدس بهذا التعليم، ولو لم يكن الحال كذلك لما صارت الطاعة نذراً لدى الرهبان. فالطاعة هي خروج من النفس وتخلٍ عن الإرادة الذاتية لإرادة أخرى نؤمن أنها من الله. فالطاعة يمارسها بنو الحكمة جماعة الصديقين وذريتهم أهل الطاعة والمحبة” (بن سيراخ 1:3)، وهي تُكسِب الروح القدس الرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضًا، الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ” (أعمال 32:5)، والطاعة تحمي من الشهوات ومن الجهالة كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ” (1بطرس 14). لكن الكتاب المقدّس حدّد بأنّه يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ” (أعمال 29:5)، وبأن الطاعة تطهّر إذا كانت بالحق طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ” (1بطرس 22).

الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة نسكية والرهبنة هي النموذج النسكي الأسمى فيها، لكنه ليس الوحيد. لذا من الخطِر استنساخه أو إسقاطه على غير الرهبان، أو حتّى على المتبتلين خارج الدير. فهذا النموذج يعمل متكاملاً في مكانه الطبيعي أي الدير، ومع مكوناته الطبيعية أي رئيس الدير والرهبان والدير بموقعه في الزمان والمكان، مع التشديد على الزمان والمكان معاً. من هنا أن هذا النموذج لم ينجح خارج هذا الإطار الطبيعي إلا مع حالات نادرة جداً، سلكت في تفاعل محدد غير عادي مع الجماعة. وفي حالة الإكليروس، فإن اختيار الرؤساء من الرهبان كان في الكثير من الأحيان عامل حماية للكنيسة وضابطاً لاتزانها، لكنه أيضاً في حالات كثيرة كان عامل تضعضع وعثرة، خاصةً متى تخلى الرؤساء عن مزاج الرهبان وتواضعهم وانفتاحهم وسعة صدرهم. فخارج الدير يفقد الراهب العديد من مقومات هدوئيته، لذا قد يصير غضوباً يتلافى الحوار ويتسرع في إصدار الأحكام، متشبثاً في رأيه معتبراً المخالفة له خروجاً على الطاعة. هذا الأمر لم يخفَ على الكنيسة التي في مجمعيتها قالت في القانون الرابع عشر من مجمع سرديقية على لسان الأسقف هوسيوس: “أي أسقف تسرّع في غضبه (ومَن كان مثله يجب ألا يستسلم للغضب) وثار فجأة يريد طرد قس أو شماس من الكنيسة فيجب أن يُوضَع حدٌّ فلا يصدر حكم بسرعة ضد هذا (أو فلا يصدر حكم ضده إذا كان بريئاً) ويُحرَم هكذا من الشركة” (مجموعة الشرع الكنسي ص. )

إذاً، في الرهبنة، عدم الطاعة هو نكث بالنذر. أما خارج الرهبنة فليس من كلام يفيد بأن عدم الطاعة يفقِد البركة، لأن الطاعة هي لله وللحق قبل أي إنسان. كلام الرسول بولس إلى العبرانيين واضح بأن أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا” (17:13)، فإذا لم يسهر المدبّرون ﻷجل نفوس الرعية فالطاعة ليست ملزِمة مع التشديد على أن التمرّد هو دينونة لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ” (1 صموئيل 23:15). في الكنيسة الاعتراض ممكن وإلا تحوّلت الطاعة إلى غطاء لكل المخالفات، تماماً كما هو حاصل في التدبير الذي صار حجة لكل أشكال التراخي والمسايرة. إن الرؤساء مُطالَبون بالسهر من أجل النفوس حتّى تكون رئاستهم بركة لهم ولكل مَن معهم، ﻷنهم سوف يعطون حساباً.

اﻷبوّة مطلوبة والعدل مفتَقَد والحقّ تحجبه الشهوات. إن طلب الطاعة قبل طلب الحق هو ادّعاء مبطّن للعصمة، كما أن التمرد هو طلب مبطّن لرئاسة مشتهاة. إن الوصية هي بالاتكال على الله قبل الرؤساء. يدعونا قول الذهبي الفم المذابح التي عمت الكنائس، والخراب الذي حلَّ بالمدن، بسبب التشاحن على الرئاسة” [في الكهنوت] إلى التوبة والتعقّل والاستماع إلى صوت الرب. “هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ” (1صموئيل 22:15).

يا رب يا رب اطّلع من السماء وانظر وألبِس الكهنة البِر فتتهلل الكنيسة.

اتفاق القاهرة: خطوة إلى الوراء على طريق الوحدة الصحيحة

اتفاق القاهرة: خطوة إلى الوراء على طريق الوحدة الصحيحة

الأب أنطوان ملكي

قام البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة مصر في العام 2000 من دون أن تؤدّي هذه الزيارة إلى حوار رسمي جدي بين روما والأقباط. انعقد أول اجتماع رسمي بين الفاتيكان والأقباط الشرقيين في القاهرة بين 27 و30 من كانون الثاني 2004. رأس وفد الفاتيكان الكاردينال كاسبر رئيس المجلس البابوي لتعزيز الوحدة المسيحية فيما ترأس وفد الأقباط الميتروبوليت الأنبا بيشوي مطران دمياط. خلال الاجتماع تمّ تقديم ورقةً عَمِل عليها مجلس أساقفة الكنائس الشرقية (أقباطسريانأرمنمالانكار) في أميركا مع مجلس أساقفة الكاثوليك في أميركا، ما يشير إلى أن هذا الاجتماع الرسمي قد سبقه اجتماعات غير رسمية. كان واضحاً في كلمة الافتتاح التي ألقاها الكاردينال تركيزه على الكنائس الشرقية وليس على الأقباط دون سواهم بينما كلمة الأنبا بيشوي فكانت باسم الأقباط فقط. انتهى الاجتماع بوضع خطة عمل للمستقبل والاتفاق على اجتماع سنوي.

لم تسِر الأمور من دون مشاكل خاصةً مع وصول بندكتوس السادس عشر إلى كرسي البابوية. ففي تموز 2007، صدر عن الفاتيكان وثيقة تعتبر أن الكثلكة هي كنيسة المسيح الحقيقيةوالطريق الحقيقي الوحيد للخلاص، في حين أنّ الكنائس الأخرى إما معيبةأو غير حقيقية، كما إن الإيمان المسيحي خارج الكنيسة الكاثوليكية ليس كاملاً“. وأن الكنائس المسيحية الأرثوذكسية كنائس حقيقية، لكنها تعاني جرحاً، لأنها لا تعترف بالبابا رأساً لها، وأن الجرح أعمق بالنسبة للكنائس البروتستانتية“. هذه الوثيقة أثارت غضب الأقباط وكتبوا ضدها ونبشوا في الماضي وعادوا إلى الدفاع باستماتة عن ديوسقوروس الذي أدانه المجمع المسكوني الرابع في خلقيدونية والذي كان وراء انشقاق الأقباط عن الكنيسة المسيحية. إلى هذا، جاء في تصريحات الأقباط الردّ بأن الكثلكة هي حركة منحرفة عن المسيحية.

إلى هذا، يمكن ملاحظة دور أساسي للأنبا شنودة في التشدد ضد الكثلكة بشكل خاص والحوارات المسكونية بشكل عام. فالأقباط انسحبوا من مجلس كنائس الشرق الأوسط في 28 نيسان 2010. سبب الانسحاب هو أن اللجنة التنفيذية لمجلس الكنائس، في اجتماعها في عمان، رفضت إعادة انتخاب مرشح الأقباط جرجس صالح للأمانة العامة لفترة جديدة، وأثناء المناقشات ردّ ممثل كنيسة أورشليم على ممثل الأقباط الأنبا بيشوي، سكرتير المجمع القبطي، بشكل اعتبره الأقباط إهانة من الكنيسة المضيفة، وقرروا الانسحاب.

لكن هل كانت زيارة فرنسيس إلى الأقباط أم إلى مصر عامةً؟ الواضح أنها كانت إلى مصر كما ظهر في التصريحات أو في تصرّفه، كما في كل الحالات، كرئيس دولة الفاتيكان. فلماذا تمّ توقيع الاتفاقية، التي ما لبث طرفاها أن اجتهدا في تفسيرها بشكل مختلف؟ وهنا يصير السؤال مشروعاً حول ما الذي تغيّر حتّى قَبِل الأقباط ما كان البابا شنودة صارماً في رفضه، أي عدم إعادة تعميد الكاثوليكي الذي يريد أن يصير قبطياً والعكس. فالوقائع تشير إلى أن قرار هذا القبول ليس مستنداً إلى حوار لاهوتي واضح، بل على الأرجح أنه قرار مرتبط بمئات الضحايا الذين سقطوا في كنائس الأقباط. وما يعزز هذا الفهم هو المعارضة التي نشأت عند تسريب خبر توقيع الاتفاقية مع الفاتيكان. فكلام المعارضين كان قاسياً وقد استذكروا البابا شنودة الثالث معتبرين إياه المحامي عن الإيمان“.

ورد في البيان المشترك للبابا فرنسيس والبابا تواضروس الثاني: “نحن اليوم، البابا فرنسيس والبابا تواضروس الثاني، لكي نسعد قلب ربنا يسوع، ‏وكذلك قلوب أبنائنا وبناتنا في الإيمان، فإننا نعلن، وبشكل متبادل، بأننا نسعى جاهدين، بضمير صالح، نحو عدم إعادة سر المعمودية الذي تمَّ منحه ‏في كلٍّ من كنيستينا لأي شخص يريد الانضمام للكنيسة الأخرى. إننا نقرُّ بهذا طاعةً للكتاب المقدس ولإيمان ‏المجامع المسكونية الثلاثة التي عُقدت في نيقية والقسطنطينية وأفسس.‏”

في المحصّلة، صار الأقباط على طريق الأرثوذكس الذين يقبلون تدبيرياًبالمعمودية التي تُقام خارج الكنيسة الأرثوذكسية إنّما على اسم الثالوث، وهذه سوف يكون لها توابع. أمّا الذي رسب في هذه الاتفاقية فهم الكاثوليك الذين ارتضوا التخلّي عن المجامع السبعة والاكتفاء بالمجامع الثلاثة فقط، كون الأقباط انسحبوا من الكنيسة قبيل انعقاد المجمع الرابع وهم يرفضونه ويرفضون وما بعده.

الخلاصة هي: 1) لا يمكن أن يؤدّي تدخّل السياسة بين المجموعات المسيحية، برضى هذه المجموعات أو من دونه، إلا إلى المزيد من الخطأ. 2) لا يمكن لأي اتفاق إداري أن يؤدّي إلى تحسين شهادة أي من المجموعات المسيحية إلا إذا كان قائماً على الحق. لكن مَن يسمع؟

من تداعيات لقاء كريت – تابع

من تداعيات لقاء كريت – تابع

إعداد الأب أنطوان ملكي

في الثالث من آذار الماضي 2017، أرسل المتقدم في الكهنة ثيوذوروس ذيسيس رسالة إلى السيد أنثيموس، مطران تسالونيكي، يعلِمه فيها بأنه ابتداءً من أحد الأرثوذكسية، الواقع في الخامس من آذار، سوف يتوقّف عن رفع اسمه في القداس. هذه الرسالة من النتائج المباشرة للقاء كريت في حزيران 2016.

الأب ثيوذوروس ذيسيس هو أستاذ شرف (Emeritus) في كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي، كاتب غزير ومدافع عن الأرثوذكسية والتقليد. هو أحد المعترضين بقوة على الخط المسكوني الذي انتهجته البطريركية المسكونية في إعدادها لمجمع كريت، الذي لم يصل إلى استحقاق تسمية المجمع، لأسباب عديدة متعلقة بتركيبته وإدارته والحضور المشارك ونتائجه.

تبدأ الرسالة المطوّلة التي أرسلها الأب ثيوذوروس، بإعلام المطران قرار الكاهن، محدداً السبب بأنهّ اتّباع التقليد الرسولي والآبائي المتعلّق بالشركة مع الهراطقة والذي أظهر أن مطران تسالونيكي وغيره كثيرين من المطارنة تخلّوا عن التقليد المقدّس وانحرفوا عن طريق الآباء. ويشدد الأب ثيوذوروس على أنه في إطار الليتورجيا يدين المسكونية مسمياً إياها بالهرطقة الجامعة ويرفض المجمع المزيّف في كريت الذي اعترف بالهرطقات على أنها كنائس وأكّد النهج المسكوني التوفيقي المدمّر.

ومن ثمّ يفنّد الأب ثيوذوروس أسباب موقفه فيبدأ بإظهار الشبه بين المسكونية والحرب على الأيقونات ليستنتج بأن الأولى أسوأ من الأخيرة، وهذا واضح من ارتباط العمل المسكوني بالبروتستانت الذين يرفضون الأيقونات ويذمّون والدة الإله وغيرها من القديسين. وفي هذا إساءة إلى الكنيسة الأرثوذكسية خاصةً في مساواتها بالبدع البروتسانتية التي تُسمّى كنائساً.

النقطة الثانية التي يتساءل حولها هي سبب قبول المسكونية التي لطالما كانت مرفوضة، وما تزال، لدى الكثيرين من الأرثوذكسيين، وخاصةً الذين أُعلنَت قداستهم. ويشير هنا إلى بيان رفض المسكونية الذي نشره تجمّع الإكليريكيين والرهبان في 2009 ووقعه الآلاف من المطارنة والكهنة والرهبان من مختلف الكنائس الأرثوذكسية في العالم (ما عدا أنطاكية)، والذي تضمّن الدعوة إلى الخروج من مجلس الكنائس العالمي، والتشديد على أن الكثلكة هي رحم الهرطقات والانحرافات، وأن البروتستانتية ورثت ما للكثلكة وأضافت إليه. كما يرد أن الوسيلة الوحيدة لاستعادة الشركة هي في عودة الغرب عن انحرافاته، ويحذر من تمدد العمل المسكوني بين المسيحيين نحو الأديان الأخرى حيث تتساوى المسيحية بغيرها، ويختم بتحميل رؤساء الأرثوذكسية مسؤولية الوصول إلى هذه الحالة.

من ثم يتساءل الأب ثيوذوروس عن سبب الاستعجال في عقد مؤتمر كريت بالرغم من مختلف الاعتراضات المبدئية والعقائدية والتنظيمية المتأتية من أكثر من طرف. ليستنتج أن المنظمين خافوا على أجندتهم فاستعجلوا واستبدلوا الكثير من التحضيرات التي كانت تتمّ منذ زمن بنصوص أخرى، وبتنظيم لا يترك مجالاً للنقاش والتصحيح، ما أدّى إلى مقاطعة أنطاكية وروسيا وبلغاريا وجورجيا، إضافة إلى موجة اعتراض عارمة في كل من الكنائس التي شاركت، وخاصة كنيسة اليونان.

وعليه فإن محاولة اللقاء إضفاء الشرعية على المسكونية لم تحقق هدفها، خاصةً أن العديد من النشاطات تجري للإضاءة على الخطأ في لقاء كريت.

من هنا أن القراءة للوضع لا توصل إلا إلى ضرورة الامتناع عن رفع أسماء المطارنة الذين شاركوا في اللقاء أو دعموه أو يتبنون أفكاره. فلكي يُرفع اسم المطران يجب أن يكون تعليمه أرثوذكسياً قاطعاً باستقامة كلمة الحق. ولما لم يكن لائقاً الكذب أمام المائدة المقدّسة ولأن هذا لا ينطبق على المطران أنثيموس وجد نفسه الأب ثيوذوروس مضطراً إلى عدم رفع اسمه، مورداً كأمثلة امتناع الجبل المقدس عن ذكر أثيناغوراس عند اتفاقه مع روما ومعهم عدد كبير من مطارنة الأرض الجديدة” (أراضي يونانية تتبع البطريركية المسكونية). ولما كان هذا الأمر ينطبق على المطران أنثيموس فهو يمتد إلى كل أساقفة كنيسة اليونان التي لم تدِن المؤتمر بالرغم من الأصوات المرتفعة التي علَت فيها ضده كمثل أمبروسيوس كالافريتا وييرثيوس نافباكتوس وسيرافيم بيريه وغيرهم.

وختاماً لرسالته يؤكّد الأب ثيوذوروس ذيسيس على أن طبيعة التدبير مؤقتة بينما الدقة في تطبيق القوانين الكنسية هي الثابتة، لهذا يرى أن مطران تسالونيكي يقع تحت أحكام القانون الخامس عشر من المجمع الأول الثاني خاصةً أنه أرسل رسائل إلى الشعب مدافعاً عن المسكونية وعن مؤتمر كريت، وبالتالي فإنه يمتنع عن ذكر اسمه كي لا يظهر أنه موافق على مواقف المطران. وختم مذكراً بموقف أثيناغوراس الذي لم يتّخذ أي موقف معادٍ لآباء الجبل عندما امتنعوا عن رفع اسمه بل تركهم يتابعون ويعلمون ما هم مقتنعون به. واستباقاً لاتهامه بشق الكنيسة، أكّد الأب ثيوذوروس بأنه لن ينضمّ إلى أي من المجموعات المنشقة أو كنائس التقويم القديم، كما أنه لن يذكر أي مطران آخر، على رجاء أن يعود أنثيموس عن ما هو فيه.

آخر جملة في الرسالة هي: “أنا كَراعٍ ومعلّم أدّيت مهمتي. أصلّي أنك كرئيس رعاة سوف تقوم بما ينيرك الله إلى عمله. مع احترامي لرئاستك“.

1- في يوم الإثنين التالي لأحد الأرثوذكسية، في 6 آذار 2017، أصدر المطران أنثيموس قراراً أوقف فيه الأب ثيوذوروس عن الخدمة وجرّده من رتبة المتقدّم ومنعه من الخدمة في أي من كنائس أبرشية تسالونيكي.

الجدير بالذكر أن دقة الأب ثيوذوروس اللاهوتية صعبة المواجهة وبالتالي قد يكون تجريده هو الحل الأكثر إراحة للمطران، خاصة في الأجواء التي تتمدد إلى كل العالم الأرثوذكسي وتظهر في سقوط الكنائس الواحدة تلو الأخرى من الالتزام بالتقليد. هذا الأمر قد يكون معثِراً للكثيرين لكنه نتيجة طبيعية للاستنساب في تطبيق القوانين الكنسية والتعاطي مع القوانين بروح دهرية لا كأنها علاجات فرضها سقوط الإنسان. والأخطر في هذا، أن تخلّي الأرثوذكسيين عن النهج التقليدي يضرّ بهم كما بغيرهم من المسيحيين، إذ إن انخراط الأرثوذكس في الممارسات المسكونية وخاصةً الصلوات المشتركة من دون أي تقدم لاهوتي فعلي يتجلّى بتراجع الغربيين عن ابتداعاتهم، سوف يخفي النموذج المطلوب من الأرثوذكسي إظهاره لغير الأرثوذكسي. فالكلام عن التقليد يبقى في إطار العواطف ما لم يتمكّن الإنسان الغربي من رؤيته.

ما يؤكّد أهمية هذا النموذج هو تكاثر حالات التحوّل من الغرب إلى الأرثوذكسية عند معاينتها لهذا النموذج التقليدي في عصرنا. يمكن تعداد الكثير من الأسماء المهمّة في الأرثوذكسية من المطران كاليستوس وير إلى جان كلود لارشيه إلى المئات من الرهبان في جبل أثوس، إلى الرهبان والراهبات الذين يملؤون الأديار التي تتضاعف أعدادها في مختلف أنحاء أوروبا وأميركا حتّى يمكن القول بأن الأرثوذكسية في حال صعود (ما عدا في بلادنا) بسبب تزايد أعداد المتحولين إليها، والذين يأخذون المُلك الذي يتخلّى عنه الذين ورثوه.

إن تفضيل التدبير على الدقة، والانقياد للعواطف البشرية والرضوخ للضغوط السياسية والانخراط في التيارات الدهرية تهدد الأرثوذكسية، خاصةً إذا ما وُجِد مَن يعرِف تماماً كيف يستغلّ تفاعل هذه العوامل مع بعضها، وهو موجود.

2- هنا لافت للنظر مقارنة موقف البطريرك أثيناغوراس، الذي لم يتّخذ أي موقف معادٍ لآباء جبل أثوس عندما امتنعوا عن رفع اسمه بل تركهم يتابعون ويعلمون ما هم مقتنعون به، بالبطريرك الحالي برثلماوس الذي أبلغ كل الأساقيط والقلالي التي فيها رهبان يمتنعون عن ذكر اسمه بوجوب إخلائها مباشرة أو العودة عن قرارهم. لم يضع مجلس إدارة الجبل المقدس هذا القرار موضع التنفيذ.