السنة الرابعة عشرة، العدد الخامس، شباط 2018

السنة الرابعة عشرة، العدد الخامس، شباط 2018

 

مختارات آبائية

القديس نيكولا فيليميروفيتش، حالما يظهر الهوى اقتلعّه

الأرشمندريت جورج كابسانيس، المسيح والمسألة الإجتماعية

دراسات آبائية

أفثيميوس أسقف أخيلوس، الأقمار الثلاثة والإلحاد المعاصر

لاهوت

قسطنطين سكوتيريس، أفكار معاصرة حول الأرثوذكسية

الشيخ أفرام الفاتوبيذي، إصلاح التعليم أهو للشخص أو لسوق العمل؟

رعائيات\دراسة كتابية

الأرشمندريت ييرونيموس نيكولوبولوس، عبادة الذات

برنابا، ميتروبوليت نيابوليس وستافروبوليس، لا يستطيع المال أن يشتري كل شيء

حالما يظهر الهوى اقتلعْه

حالما يظهر الهوى اقتلعْه

القديس نيكولا فيليميروفيتش

يتكون الحبل السميك من ألياف القنب. واحد من الألياف الرفيعة لا يمكنه ربطك، ولا خنقك. لأنه يمكنك أن تتحرر منه بسهولة. ولكن إذا كنت مربوطاً بحبل سميك، فأنت محتَجَز وقد يخنقك. لا يمكنك قطعه بسهولة.

كما أن هذا الحبل السميك يتكون من العديد من الألياف الرقيقة الضعيفة، كذلك أهواؤنا تتكون من ما يبدأ على شكل هفوات صغيرة.

يمكن أن نتحرر ونهرب في المراحل الأولى من الهفوات الصغيرة. ولكن عندما تتكرر الخطيئة بعد الأخرى، يتقوّى نسيجها شيئاً فشيئاً حتى، في النهاية، يتشكّل الهوى. هذا يحول الناس إلى ما يشبه الوحوش، حتى لا يعودوا يعرفون طريقة أخرى للتصرف. لا يمكنك إيقاف الهوى بسهولة، أو الخروج منه أو الانفصال عنه.

إذا احترس الناس واحتموا واستعدّوا واقتلعوا براعم خطاياهم الجديدة وحسب. فلن يكونوا بحاجة للمعاناة كثيراً حتّى يتحرروا من الأهواء.

في إحدى المرات، قال راهب من الجبل المقدس أن قطع الأهواء ذات الجذور العميقة هو كمثل قطع أصابعك. ذكر الموت ساعد القديس أميليانوس إلى حد كبير في تحرره من الأهواء الخاطئة بنعمة الله على الأكيد، إذ بدونها يصعب كثيراً على الناس هزيمة أهوائهم.

فكّرْ غالباً بموتك الوشيك، تُبْ وتوسّل إلى الله الفائق القدرة. هذه الأعمال الثلاثة تحررنا من عبوديتنا للخطيئة.

سؤل مرة الأنبا صيصوي لكم من الوقت تحتاج لاقتلاع جذور الأهواء، فأجاب: “حالما يظهر الهوى اقتلعّه

المسيح والمسألة الإجتماعية

المسيح والمسألة الإجتماعية

الأرشمندريت جورج كابسانيس

بقدر ما يتطهر الناس من الأهواء، تزداد قدرتهم على التواصل الحقيقي مع الله ومع غيرهم من الناس.

إن الذين يتبنّون وجهة نظر رومانسية وخارجية عن الشخص البشري ينقلون الشرّ من الشخص إلى المجتمع، وهذا هو سبب إعلانهم أن أي تحسن في المجتمع سوف يجلب معه تحسناً في الناس. ولكن، من دون إنكار أثر المجتمع على الناس، نحن الأرثوذكس نعطي الأفضلية لتحول الشخص من خلال التوبة والنعمة الإلهية.

إنه لخطأ عظيم أن نرغب بتغيير المجتمع من دون السعي أولاً لتغيير أنفسنا. ومن السذاجة، على الأقل، أن نعتقد بأن التغيير في عدد قليل من المؤسسات الاجتماعية سيحدِث أيضاً تغييراً في الناس إن لم يتوبوا.

الأشخاص المرضى يخلقون مجتمعات مريضة والمجتمعات المريضة تجعل المرضى أكثر سوءاً. إن محاولة علاج الأمراض الاجتماعية من دون علاج المرض الشخصي هو ببساطة تحويل للمشكلة، إنه رفض لقبول مسؤوليتنا الشخصية، تهرّب من التوبة، خضوع لأنانيتنا، إحجام عن رؤية أنفسنا كما نحن حقاً. من المهم أن نتذكّر أن الرب جعل التوبة الشخصية شرطاً لدخول مملكته.

كما أنه لا ينبغي بنا أن نتجاهل عمل الشيطان في تفكيك المجتمعات والأفراد وفي انتشار الشرّ عموماً. إن التبسيط الإنساني للمشاكل الاجتماعية ينكر وجود الشيطان. ومع ذلك، في الإنجيل كما في الخبرة المسيحية، فإن مدى مشاركة الشيطان النشطة في الحالات الشخصية والاجتماعية واضح، على قدر الحاجة إلى الجهاد ضده ونبذ ورفض الأرواح الشريرة وطردها. إن التعرّف على الأرواح هو موهبة عند بعض الكهنة الرهبان والأشخاص العاديين، لاستخدامها لمنع المسيحيين من الوقوع في الفخاخ التي وضعها لهم الشرير، عندما يظهر متخفياً شكل الخير.

لقد ركّزنا على قدرة القوى المناهضة للإفخارستيا والمعادية للمجتمع لا من أجل إثبات استحالة التغلب عليها، بل لإظهار أن على أنّ المسيحيين المجاهدين أخذها بعين الاعتبار. لقد هزم المسيح هذه القوى بقوته، وبدعم النعمة الإلهية يمكن للمسيحيين المشاركة في هذا النصر.

في هذه النقطة يختلف نضال المسيحيين الاجتماعي عن كل جهاد آخر. إن المجتمع الذي ترغب النظم الإنسانوية (المثالية والمادية) في إنشائه يتمحور حول الإنسان. يتمحور مجتمع المسيحيين حول الرب المتجسد. إن الوسائل التي يستخدمها الإنسانوي هي بدورها تتمحور حول الإنسان؛ وسائل المسيحيين محورها الله. أساس الاشتراكية المسيحية هو التواضع، بينما في أساس النسخة الإنسانية نجد العُجب والاكتفاء الذاتي واستبعاد الله. إن هذا هو تكرار لخطيئة آدم: السعي إلى الألوهية بدون الله.

قد لا يكون من قبيل المصادفة أن هذين النظامين الإنسانويين (الرأسمالية والشيوعية) وآثارهما الاقتصادية، تكمن أصولهما في الغرب الهرطوقي، وقد سبقهما الدين ذو المركزية الإنسانية في عصمة البابا المعصوم وعقيدة انبثاق الروح القدس. وهذا ينبغي أن لا يغيب عن فكر الأرثوذكسيين والأرثوذكسيين السابقين الذين بتهوّر يهملون تقليدنا الأرثوذكسي، بالعادة من الجهل، رغبة بمشايعة النظم الغربية.

حقيقة أن المجتمع غير المسيحي هو إنسانوي وحسب يحرمه من إمكانية إحلال السلام في نفوس الناس، لأنه يمنع عنا المصالحة مع أبينا السماوي، فلا يبقى إمكانية لأن يكون هو المركز. لنتذكّر كلمات القديس أوغسطين، التي تعبّر عن تجربة الإنسان: “أنت جعلتنا، يا رب، لنفسك، وقلبنا لن يجد الاستقرار حتى يجد الراحة معك“.

إن الأنظمة الاجتماعية الإلحادية تساعدنا على إيجاد حلول لبعض المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ولكن ليس لندخل في علاقة حقيقية وكبيرة مع الله والناس الآخرين. إنها لا تجيب فعلياً عن أسئلتنا الوجودية، ولا سيما عن مسألة الموت. يستقرّ الناس بشكل مريح جداً من أجل الموت. وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة، وخاصة الماركسية، تتميز بمسيحانية علمانية قوية، إلا إنها لا تقود في الحقيقة من الموت إلى الحياة، وبالتالي فهي تخلق أناساً مأساويين ومن دون أمل. في بعض الأحيان يكون النشاط الإنساني أو الريادي المكثف نتيجةً لمحاولة نسيان مشكلتنا الأساسية، وهي الموت، لتحريرنا وإيصالنا من القلق والفراغ والملل التي تَسِم الحياة المنفصلة عن مصدرها، أي الإله الثالوثي.

لهذا السبب، وبالرغم من أفضل النوايا لدى الكثيرين من الناس النبلاء الذين جاهدوا وضحّوا بأنفسهم من أجل مثلهم، فإن هذه النظم تعارض الإنسان بشكل أساسي. باسم مجتمع أفضل وأكثر عدلاً، فإنها تشكّل عقبة أمام شركتنا الكاملة مع الله، الذي في النهاية، هو الشيء الوحيد الذي يرضي ويكمّل طبيعتنا. إنهم يقصروننا على الأبعاد المقيدة لعالم مغلق، ميكانيكي، غير شخصي ومادي، يمنعون عنّ رؤية السماء. أيّ معنى تتخذه الحياة بالحقيقة إذا كنّا حيوانات متطورة ولسنا صوراً لله؟ إذا أدِنّنا للموت دون أي إمكانية للمشاركة في حياة الله الأبدية؟

الأقمار الثلاثة والإلحاد المعاصر

الأقمار الثلاثة والإلحاد المعاصر

أفثيميوس أسقف أخيلوس

وقاحة الهرطقات انهزمت

نشأت ظاهرة الإلحاد في الغرب، وأصبحت حركة على مستوى العالم وكلّفت الحضارة الغربية غالياً في القرن العشرين. بدأ الإلحاد داخل الكنيسة الغربية كرد فعل من جانب الرجال المتعلّمين على طبيعة تلك الكنيسة التعسفية وقسوتها (محاكم التفتيش وما شابه). في الشرق، لم يكن هناك مشكلة من هذا القبيل خاصةً حول العلاقة بين العلماء والكنيسة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ثلاثة رؤساء كهنة عظماء نحتفل بهم اليوم.

ا. كانوا رجال تعلّم. لقد كانوا رؤساء كهنة باحثين مع سنوات من الدراسة وراءهم وكانوا أكاديميين لامعين. باسيليوس الكبير درس في جامعة أثينا في تلك الأيام. يقول غريغوريوس أن باسيليوس كان سيد جميع فروع المعرفة فيما كان الآخرون سادة واحد فقط. لقد كانوا في نفس الوقت علماء وقديسين. لقد حلّوا مسألة العلاقة بين العلم والإيمان بطريقة شخصية. من خلال حياتهم، أعلن الأقمار الثلاثة أن العلم والإيمان ليسا متناقضين.

ب. لقد خدموا الحقيقة. الكنيسة كما أسسها المسيح والرسل هي عالم نور وحقيقة وحياة. من جهة أخرى، يسعى العلماء إلى الحقيقة والنور بطريقتهم الخاصة. خدم الأقمار الثلاثة حقيقة المسيحية دون أي تزييف. لقد اختلف العلماء في الغرب وكان عندهم اعتراضات قوية على لاهوت الكنيسة الغربية السكولاستيكي. أمّا إذا قرأنا تعليم الأقمار الثلاثة، فلا شكّ ولا اعتراضات. لأنهم خدموا النور والحقيقة ولا أحد يعارض الحقيقة.

الإلحاد ليس ظاهرة روحية من الشرق. لقد تقدّم الإلحاد كمُنتَجٍ روحي من الغرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. في تلك السنوات، لسوء الحظ كان الناس يُلَقَّمون مع التغذية المادية والروحية التي تم استيرادها من الخارج.

نحن نعيش اليوم في عصر آخر. كانت هناك عودة إلى التقليد الروحي الأرثوذكسي وآباء الكنيسة. لقد اكتفينا من القشورالمستوردة من الغرب. حان الوقت للعودة إلى بيت آبائنا، للتمتّع بكنوزهم، للاغتذاء وتغذية الناس الذين يعانون من الجوع لكلمة ربنا.

أفكار معاصرة حول الأرثوذكسية

أفكار معاصرة حول الأرثوذكسية

قسطنطين سكوتيريس

أين الأرثوذكسية اليوم؟ ماذا تعني الملاحظات التاريخية بالنسبة لنا الآن؟ هل للعالم الأرثوذكسي كما هو عليه أي وعي لتقليده؟ هل خطاب الأرثوذكسية ذو صلة بعصرها؟ هل لاهوتها نظري جداً وبالتالي غير واقعي؟ هل هناك نقطة مرجعية مشتركة بين الشعوب الأرثوذكسية اليوم، قاعدة وحدة أم أن القومية والطموحات المحلية تظلل أفق رابطة المحبة؟ هذه الأسئلة، وغيرها أيضاً، تلزمنا بصياغة أفكار تمهيدية معينة قد تؤدي إلى نقد ذاتي أكبر، لإدراك مسؤوليتنا ورسالتنا. في البداية، نحتاج إلى أن نشير مجدداً إلى أن الشرق في القرن الحادي والعشرين يجد أن الأرثوذكسية تواجه حالات تتحداها جدياً للإعراب عن شهادتها. يعتقد الكثيرون أن زمان الأرثوذكسية قد أتى. في الجوهر، نحن نعيش في عالم من القلق، ولكن أيضا من الترقّب الشديد. بعد عقود من الهدوء والازدهار الاقتصادي وانفجار التكنولوجيا، وفيما ساد الاعتقاد بأن القيم الروحية قد فقدت جاذبيتها، نحن بالحقيقة نندهش لرؤية العالم الحديث مثكلاً بالتساؤلات الميتافيزيقية. فالناس اليوم، مرهقون مما حققوه، عبيد للتقدم الذي خلقوه، هم أنفسهم يتحولون، طوعياً أو كرهياً، إلى ما هو خارج نطاق نفوذهم. تُلاحظ مشاركة الكنيسة بشكل خاص في أماكن حيث الدعاية المعادية للدين هي وسيلة للسياسة والسلوك الاجتماعي.

الدول الاستبدادية، باضطهادها للكنيسة استطاعت فقط أن تؤكّد كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم: “كثيرون قاتلوا الكنيسة والمهاجمون اختفوا؟ لأنها قد ارتفعت فوق السماوات. هذه هي عظمة الكنيسة: يحاربونها فتفوز. يتآمرون عليها فتزدهر. يلعنونها فتزداد إشعاعاً“. وإلى جانب هذا الالتزام مع الكنيسة، الذي كما ذكرنا، يثير الإعجاب بشكل خاص في الأماكن التي تحكّم فيها العنف على مدى عقود، لا يجدر بنا أن نبقى غير مبالين إزاء حقيقة أن الفروع الهرطوقية، فضلاً عن الأديان الشرقية وشبه الديانات أخذت تتزايد ليس فقط في البيئة الغربية تقليديًا، بل أيضاً في الشرق الأرثوذكسي. وبطبيعة الحال، لا يسعنا التغاضي عن صعود الإسلام الذي ولعدة قرون كان منطوياً في مناطقه التقليدية، إلا إنه اليوم يطمح إلى أن ينتقل إلى بلدان أخرى. يوجد اليوم تحرّك سكاني لأسباب تتعلّق بالعمل أو الاستجمام أو ربما بسبب سهولة السفر خاصةً في البلدان التي كانت تقليدياً مسيحية. فإلى جانب الاقتناص المنظم من الجماعات الدينية وشبه الدينية تتسبب حركة السفر هذه بمشاكل إضافية.

إن أتباع التقاليد والمعتقدات الدينية الأخرى يخلقون أركاناً داخل البيئات المسيحية وبالتالي يغيّرون الميزات والأعراف الاجتماعية. هذه الظاهرة لم تترك البلدان الأرثوذكسية من دون تأثّر. فالكنائس الغربية، ولا سيما تلك الموجودة في المدى البروتستانتي، تعالج هذه الظاهرة بطريقة مرتجلة لا بل بطريقة رومانسية. وهم يذهبون بالفعل إلى حد الحديث عن ضرورة التعددية والاعتراف بالإسلام والديانات الشرقية الأخرى كشركاء على قدم المساواة. وكثيراً ما ينشأ الانطباع بأن الإيمان المسيحي في تقهقر، مفسحاً المجال لظاهرة دينية جديدة، سمتها الرئيسية هي التلفيقية (syncretism).

في العالم الأرثوذكسي، كثيراً ما تثير هذه الغارات التي تقوم بها الأديان الأخرى حالة من الذعر، وتُواجه المشكلة برمتها بشعور من الدفاعية. بالتأكيد، ما هو مفقود هو الدراسة الجادة والإعداد واستخدام تجربة الشعوب الأرثوذكسية الأخرى الذين عاشوا في بيئات غير مسيحية. وبطبيعة الحال، وفي سياق الاجتماعات والاتصالات الأرثوذكسية، تُبذَل جهود لتوفير خطاب أرثوذكسي جدي في مواجهة هذه التحديات، ولكن الحاجات والأحداث تجري بمعدل سريع تعجز الآليات الأرثوذكسية عن اللحاق به. فهل يمكننا القول أننا إجمالاً نفتقر إلى الشغف الرعائي والإرسالي ما من شأنه أن يؤدي حقاً دوراً حاسماً في هذه المواجهة؟

في محاولتنا رسم واقع اليوم وتسجيل بعض التحديات التي يواجهها العالم الأرثوذكسي اليوم، لا يمكننا تجاهل الحقائق التي تختبر بالفعل صحة العلاقات بين المسيحيين. لقد سمي القرن العشرين قرن اللقاء المسكوني، وحوار الحقيقة والمحبة. ولكن إلى أي مدى كانت هذه الاتصالات حقيقية وكان الحوار صادقاً؟ هل كان هناك، ربما، نوع من الدافع الطائفي المخفي وراء الاجتماعات المسكونية؟ بالطبع، كان للوجود الأرثوذكسي في الحوارات المسيحية والاجتماعات المسكونية منظور ثابت ووحيد، منظور الشهادة. لا يمكن التوفيق بين هذه الشهادة مع تكتيك الاقتناص، كما ولا مع النظرة التي تنادي بالتسوية.

والسؤال الذي نود أن نورده هو: ما هي الصلة الممكنة بين الأحداث التي تتكشف اليوم في أوروبا الشرقية وعقلية البحث المسكوني والحوار اللاهوتي الحقيقية؟ إن الشعوب الأرثوذكسية، التي تحتاج إلى الوحدة بعد ليل وظلم طويل من الشمولية، والاضطهاد، والإهانة الإنسانية، تنقسم مرة أخرى. المأساة هي أن العامل الأهم في تأليب هذه الخلافات هي التعصب الديني، وعقلية مسيحيي القرون الوسطى التوسعية ومفهوم السلطة، وهذا كلّه تشكّل في أزمنة الانحطاط الروحي.

وفي 20 كانون الثاني 1992، أعربت كلية اللاهوت في جامعة أثينا في قرار عن عدم ارتياحها ل الجهود المنسقة للفاتيكان لتفعيل بقايا الاتحادية في أوكرانيا ومولدوفا ويوغوسلافيا وألبانيا وتشيكوسلوفاكيا على حساب الشعوب الأرثوذكسية المنكوبة، بهدف فرض سيطرة البابوية في أوروبا الشرقية“. في عيد الكرسي المسكوني (عيد القديس أندراوس في 30 تشرين الثاني) 1991، البطريرك بارثولومايوس، في خطابه أمام وفد البابا، صرّح بجلاء أن الحوار بين الأرثوذكسية والكاثوليكية الرومانية في خطر ليس فقط لكونه تأجّل إلى أجل غير مسمى، مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها، بل قد يتم إلغاؤه تماماً على الرغم من كون الإلغاء أمراً مؤسفاً، بسبب الوضع غير المقبول الذي أنشأه الاتحاديون في أوروبا الشرقية والوسطى فيما يتعلق بعلاقاتهم مع الكنائس الأرثوذكسية المحلية، وهي العقيدة المسيحية الأقدم انتشاراً في المنطقة، والتي على الأكيد من الضروري إظهار المزيد من الاحترام والثقة الأخوية نحوها“.

ومن الممكن تسجيل العديد من الملاحظات والاحتجاجات المماثلة من أجزاء مختلفة من العالم الأرثوذكسي وحتى من الدوائر المسكونية. كل هذه الملاحظات تؤكّد أوقات التجربة والأزمة في الاتصالات المسكونية. هل نحن، ربما، في بداية حقبة ما بعد المسكونية؟ يواجه العالم الأرثوذكسي معضلات وتفكيراً صعباً، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيير الخطط، وألا نحو تواجد أكثر مسؤولية. قد حان الوقت لتفضيل المسائل الأرثوذكسية الداخلية، لأن تكون وحدة الشعوب الأرثوذكسية مطلباً. لقد حان الوقت لكي ندرك أننا لا نستطيع أن نكون أرثوذكسيين، في عالمنا المتغير، إذا استمر كل واحد منا في العيش في برج عاجي.

إنها لضرورة وجودية أن نسعى إلى الخروج من حدودنا الإقليمية الضيقة حتى نتمكن من مواجهة واختبار الأرثوذكسية المسكونية. يجب أن يكون لاهوتنا وخدمتنا، تعليمنا ورعايتنا: “مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ” (أفسس 3:4). ومن واجبنا أن نعترف بأننا غالباً ما نتميز بكسلنا، وفي الحقيقة غالباً ما نمضي فترات طويلة كما لو أننا مصابون بالبكم. نحن نعيش مع رؤية الأبدية، لكن ننسى الحاضر.

في بعض الأحيان تزيد متلازمة الاحتراف من ثقل مهمتنا، فتفتقر خدمتنا إلى الحماس والخيال والجرأة. يمكننا جميعاً أن نرى فقدان الجاذبية والمسؤولية في أعمالنا. نحن نعمل بشكل أكثر غريزية، كالهواة، وأقل شعوراً بأنه مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِرِخَاءٍ” (إرمياء 10:48). إن الأحداث التي نعيشها تجري أساساً على المسرح الأوروبي، وما يصل إلينا لا يترك مجالاً كبيراً للرضا عن النفس. نحن الأرثوذكس لا يمكن أن نكون متفرجين سلبيين في مواجهة التطورات السريعة والمدمرة للأرض والتي سوف تختم بالتأكيد تاريخ أوروبا لعقود قادمة. في ظروف اليوم، إن كنيسة الغرب، أعني الفاتيكان، جعلت وجودها واضحاً بشكل خاص. من خلال تعبئة جميع القوى التي تحت تصرفها، الدبلوماسية والتجمعات السياسية التي تعترف بالسلطة البابوية، وخاصة في إعادة تشكيل الاتحادية، إنها تسعى إلى إنتاج واقع جديد حيث للشعب الأرثوذكسي قرون من التاريخ.

بالتأكيد، نحن الأرثوذكس ليس لدينا القوة الدهرية للتأثير على الأحداث، ونشكر الله على ذلك، ولا تسمح روحنا بمواجهةٍ تقوم على آليات سياسية. ولكن لدينا عاصمة روحية تركها لنا الآباء، ولدينا كنز ليتورجي ثمين، ونحن أعضاء في مجتمع الكنائس الأرثوذكسية المتحدة في إيمان واحد وفكر واحد. إن واجبنا الأسمى هو تحقيق أفضل استخدام لوحدتنا.

لا ينبغي أن يبقى ضوءنا تحت مكيال (متى 15:5). لقد حان الوقت حتى أن كل واحد منا، بالاعتدال وبقدر مستطاعنا، يستغل الكنز الذي عندنا، والذي مع كونه في آنية ترابية إلا إنه لا يزال إنجيل مجد المسيح (2كورنثوس7:4). الرسالة في هذا اليوم العظيم، إذ نحتفل بانتصار الأرثوذكسية، هي بالتأكيد رسالة تفاؤل. في ظل اليأس المتفشّي وعدم اليقين، ترتفع الأرثوذكسية كإمكانية حقيقية وفريدة من الأمل والحياة. يقع على عاتق كل منا، من خلال البحث المتواصل عن إرادة الله، وضع هذا الأمل موضع التنفيذ في حياتنا اليومية وعملنا، إذ في الواقع إن الذين يسعون إلى إرادة الله ويحققونها هم الفلاسفة وعندهم الخطاب العملي والأعمال البليغة “(القديس غريغوريوس بالاماس).

إصلاح التعليم – أهو للشخص أو لسوق العمل؟

إصلاح التعليم أهو للشخص أو لسوق العمل؟

الشيخ أفرام الفاتوبيذي

الرهبنة الأرثوذكسية الأثوسية ليست معزولة عن العالم؛ ليست منطوية على نفسها. على العكس من ذلك، يمكن للمرء أن يقول أن الراهب الحقيقي هو أكثر اجتماعية من العلمانيين، لأنه يتصل مباشرة مع الكائن الاجتماعي الأعلى، خالق الإنسان والمجتمع: الرب. كرهبان أثوسيين نحن نتألّم ونقلق حول مستقبل الإنسان هذه الأيام. الكثير من الناس الساخطين يزورون الجبل المقدس، مضطربين من مشاكل مستحيلة تؤدّي إلى طرق مسدودة. إن أسلوب العيش الخاطئ، أي الحياة خارج الكنيسة، هو الجاني الرئيسي في كل هذه المصاعب.

من صفات زماننا أنّ كل محيطنا وقيمنا تمرّ بأزمة. إن التقدم العلمي والتكنولوجي يؤثر على حياتنا الاجتماعية؛ الاستهلاك، الشهوانية، الفوضى الأيديولوجية، ووفرة النظريات وتشوشها، فضلاً عن العولمة، تشير إلى أن الإنسان الحديث يجد نفسه في نقطة تحول حاسمة في تاريخه.

في ظل هذه الظروف، من الصعب جداً، حتى بالنسبة للبالغ الرصين أن يكوّن فكرة واضحة عن وضعه وأن يدرك ما هي خياراته الشخصية بالحقيقة، من دون أن يتأثر بعوامل أخرى، أو أن يفهم المدى الذي يمكن أن يتحرك فيه بحرية وكيف يقع تحت هيمنة شيء ما أو شخص ما. إذا كان هذا صعباً بالنسبة لشخص ناضج، تخيّلوا كم يكون معقّداً بالنسبة للطالب أو التلميذ، الذين عليهم إلى هذا أن يتعاملوا مع عصر يجهلونه إلى اليوم فيما عليهم أن يؤسسوا شخصياتهم ويخلقوا هويتهم الخاصة!

التربية هي مؤسسة تهدف إلى تنمية الفرد كشخص، لتطوير قيمه الروحية واستكمال شخصيته. لقد كان الفيلسوف اليوناني القديم أفلاطون يقول: “كل المعرفة عند فصلها عن العدالة والفضيلة تصير مكراً وليس حكمة” (Plato Collected Dialogues: Menexenus: p 196, 246e-247a). إذا كان أسلافنا قد اعتقدوا بأن المعرفة تنمّي الروح من خلال الفضيلة، وأن هذا ليس اقتناءً خارجياً، كيف يفترض بنا التعامل معها، ونحن لسنا مسيحيين أرثوذكسيين وحسب، بل أيضاً أحفاد الفلاسفة الإغريق القدماء، كما أحفاد الرسل و آباء كنيستنا العظماء؟

ترتبط التربية ارتباطاً لا رجعة فيه بتاريخ كلّ بلد وثقافته وتقاليده. في جزيرتنا، قبرص، كانت الأرثوذكسية النموذج الذي ارتكزت عليه التربية، لأنها كانت عاملاً في مشكّلاً ومانحاً للحياة، وليس فقط للتعليم بل ولكل المؤسسات الأخرى أيضاً.

بعد الحكم البريطاني الذي دام ما يقرب من قرن من الزمن، دخلت العناصر الأجنبية في تقاليدنا الأرثوذكسية. خصوصاً بعد حركة أيار 1968″، التي بدأت في فرنسا وأثرت على النسيج الأخلاقي والاجتماعي لمجتمعنا مع ما يسمى بالتحرر الجنسي، ورفض المؤسسات والبُنى الاجتماعية والدين، تغيرت التربية وتبعت اتجاهات العصر ومطالبه. لقد امتثلت التربية لنظرية المنفعة وركّزت على إنتاج خريجين ينتجون، يستهلكون، يطورون ويكسبون المال. وبعبارة أخرى، لقد شجّعت التقدم الاقتصادي والتكنولوجي بطريقة غريبة. وهكذا لم تعد التربية تلبّي احتياجات الشخص الوجودية، كما أنها لا تعالج القضايا الأخلاقية أو تنمّي الفضيلة؛ إنها غير مبالية بالدين ولا ترغب في أن تُعرّف على أنها أرثوذكسية“.

لقد فهمنا اليوم أن نظامنا التعليمي، للأسف، على المستويات الثلاثة، لا يسهم في تشكيل شخص مسؤول، متطور، شخص حقيقي، أي القبرصي التقليدي الأرثوذكسي. وحتى في المرحلة الابتدائية هناك محاولة لقطع التلاميذ عن جذورهم التقليدية. وعلاوة على ذلك، يرغب كثير من المثقفين في تحديث الكنيسة والعلمانية وإزالة الإيمان المسيحي من الدولة؛ أي أنهم يرغبون في أن تتفق الكنيسة مع هذا العالم” (رومية 12، 2) من أجل تحديثها على ما يبدو. هذه الأمور تسبب الضيق والكثير من الألم للمؤمنين ولأولئك الذين يحبون بلدنا. صلّوا، أين تحدث كل هذه؟ أنها تجري في قبرص، الجزيرة الأرثوذكسية أساسا وثقافيا، جزيرة القديسين.

يبدو أن نظامنا التربوي هو نتاج الانفجار التكنولوجي الحديث الذي يفصل الجسد عن الروح ويقسّم الإنسان ويوجهه نحو المادية. إنه يحرمه من القدرة على أن يترجّى بإخلاص، وأن يكون صادقاً في معاملاته وضميره وأن يبقى حراً في داخله. إنه بالغالب يدعم قدرته على التحرك بحرية في الأوساط العلمية، وبالنهاية تغذيته بالمعرفة والتثقيف الجافين، وهو ما ينفخ” (كورنثوس 8، 1) بحسب قول القديس بولس. أي أن هذا يجعله فخوراً، أنانياً، محباً لذاته وبشكل عام ممتلئاً من الأهواء. إن الهدف الأساسي للذين يذهبون إلى الثانويات والجامعات هو إيجاد وظيفة. بالطبع هذا ما يجب أن يهدفوا إليه، ولكن لا ينبغي أن يكون طموحهم الوحيد.

التعليم كمقياس للجودة يجب أن تسعى إلى تجديد قلب المرء وتحويل نفسه. يجب ألا تسعى إلى الإنتاجية أو تلبية احتياجات الدولة. بل أن تكون مستقلة عن هؤلاء لكي تنتج أشخاص أحراراً، سيتوجّهون نحو إدراك الذات ومعرفة الله، ولكي توفّر لهم تعليماً شاملاً يحوّلهم. يجب أن لا تشوههم بمدّهم بالمعرفة الجافة أو جعلهم يطاردون العلامات، محرّضة إياهم على التعلّق بالمادية العابرة.

ينبغي على المعلمين ومسؤولي وزارة التربية أن يهدفوا إلى توفير التعليم المناسب للشباب، أي التعليم في المسيح. يجب أن يحتملوا مخاض الولادة حتى يتشكّل المسيحفي قلوبهم بحسب قول القديس بولس (غلاطية 4، 19). يجب أن تصير المدرسة والجامعة أرحام روحية حيث الشخص، الرجل في المسيح، يستطيع النمو والنضوج روحياً. على المدرسة أن تزرع أشخاصاً حقيقيين أبديين بالنعمة، والتي سوف تكتمل في صورة الشخص الحقيقي الوحيد الأبدي، أي المسيح. يمكن تحقيق ذلك بالتعاون مع الكنيسة. فقط في الكنيسة الأرثوذكسية بتمّ اختبار المسيح والحياة الروحية. ليست الكنيسة هيئة إدارية أو مؤسسة إنسانية، بل مؤسسة الإله الإنسان؛ إنها جسد المسيح.

لن يحقق المراهقون والشباب جودة عالية في الحياة من خلال ترقية الوسائل التعليم الخارجية وتجديدها. لأن هذا النوع من الحياة هو سطوع أداء شخص نامٍ داخلياً بالروح القدس. إنه نوع الحياة الذي يتحقق بالتماهي مع الناس الذين يتركون بصماتهم على حياة الشباب ووعيهم. في أي حال، لسنا هنا لتوجيه اللوم بل لتوعية قلوب الناس.

لا ينبغي على التلاميذ والطلاب حصر تفكيرهم بالعمل لصالحهم. ولا ينبغي بهم أن يختاروا مهنة لإشباع فخرهم ومصلحتهم الشخصية بغض النظر عما إذا كانت ستقوّضهم كأشخاص. في الأيام الخوالي، كان المرء أن يختار مهنته وفقاً لمهاراته وقدراته، وتحديداً لأهليته. في هذه الأيام، لسوء الحظ يعتمد الاختيار على الوضع الاجتماعي المتوقّع من المهنة أو آفاقها الاقتصادية. وهكذا، تأتي قدرة المرء في المرتبة الثانية. وما يزيد من حدة هذا التوجّه هو البطالة وعجز الشباب عن متابعة المهنة التي تحلو لهم. هذا الوضع يحوّل الوظيفة في كثير من الأحيان إلى عبودية.

عند اختيار مهنته، يجب على المؤمن، أن يأخذ بعين الاعتبار أيضا آفاق تطوره الشخصي وتأوّجه بالمسيح، وهي مهمة مسيحية رئيسية. (القديس غريغوريوس النيسسي: ما هو اسم المسيحي أو مهنته؟) لا ينبغي النظر إلى المهنة بشكل مستقلّ بل يجب أن تشكّل وسيلة لتقدّم حياة المرء في المسيح. المسيحي مدعو إلى الاضطلاع بواجباته المهنية كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ” (كولوسي: 23:3).

جميع المهن جيدة من تنظيف الطريق إلى التعليم الجامعيطالما أنها تُمارَس بأمانة وبضمير وبدقة. لقد وضع الرب أجدادنا في الجنة لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا” (تكوين 15:2). حتى المسيح، في حياته على الأرض، عمل كنجّار. القديس باسيليوس، الكبير، يقول إن بين أعضاء الكنيسة صيادين وبنّائين ومزارعين ورعاة ورياضيين وجنود؛ على كل واحد منهم أن يؤدي واجباته بضمير. (القديس باسيليوس: عظة انتبه لنفسك“). فالمهن المختلفة لا ينبغي أن تلبّي احتياجات الشخص فحسب بل أن تفيد الآخرين أيضاً. يحثّ القديس بولس كل واحد من أهل أفسس على أن يَتْعَبُ عَامِلاً الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ.” (أفسس 28:4).

يكون التلميذ أو الطالب أو العامل متناغماً في وظيفته، كما في علاقته مع الآخرين والرب، إذا كان يدرك المعنى الحقيقي لحياته. بتعبير آخر، بلوغ قداسته الشخصية وتألّهه، التي هي الهدف النهائي لخلق الإنسان.

لهذا السبب يشدد الشيخ يوستينوس بوبوفيتش الصربي ويؤكد أن كل إنسان مدعو إلى التقدّس. وهكذا، يصبح العالِم عالِماً قديساً، الفيلسوف فيلسوفاً قديساً، المزارع مزارعاً قديساً، الغني رجلاً غنياً قديساً، الفقير فقيراً قديساً، الطالب طالباً قديساً والتلميذ تلميذاً قديساً. (يوستينوس بوبوفيتش: الإنسان والإلهالإنسان)

هذا يعني أن رسالة القداسة الإنجيلية يمكن أن يطبّقها أي إنسان، من أي مكانة اجتماعية وفي أي سنّ. الجهاد لتحقيق القداسة يعطي الحياة معناها الحقيقي. هذا الجهاد، وإن كان صعباً، هو أيضاً حلو ومليء بالفرح، لأن النعمة الإلهية تسير إلى جنب المقاتل. يتقدّس الإنسان بالمشاركة في القوى الإلهية غير المخلوقة، بصرف النظر عما إذا كان في المرحلة التي يجاهد فيها لتطهير نفسه من الأهواء أو قد بلغ الاستنارة أو وصل إلى مرحلة التألّه النهائية. إن مَن يحاول أن يصير قديساً يسعى باستمرار للازدياد، للتقدم روحياً، لملامسة اللاهوى وتذوقه. اللاهوى بحسب القديس يوحنا السلمي هو كمالٌ لا نهاية له” (القديس يوحنا السلمي، السلم، المقالة 19). مَن يختبر اللاهوى، أي القداسة، يختبر حالة روحية فاعلة ودائمة. هذه الحالة، التي هي اختبار النعمة الإلهية، لا يمكن مقارنتها بأي فرح أو خبرة على الأرض.

لكي يكون الشباب في وضع أفضل من جهة التعليم وأكثر قدرة على اختيار المهنة المناسبة بحيث لا تضعِف التربية التعليمَ وتتحوّل إلى مركبةِ بحثٍ عن الوظيفة، فعليهم أن يتخلّوا عن السعي إلى المعرفة الدنيوية وأن يسعوا جاهدين لتحقيق المعرفة الروحية كما وصفها القديس بولس. عليهم أن لا يسعوا إلى استرضاء مصالحهم الأنانية والموجَّهة نحو المال متجاهلين احتياجاتهم الروحية ومهملين إياها. من ناحية أخرى، على الأهل أن يدركوا أنهم لا يملكون أبناءهم بل أن الأبناء هم أشخاص مستقلّون وفريدون. إن العادة هي أنّ الأهل في محاولتهم لتحقيق تطلعاتهم ومشاريعهم الخاصة من خلال أبنائهم، يعذّبون ذريتهم.

وأخيراً، يجب على المربّين – معلمي المدارس وأساتذة الجامعات الاعتراف بأن التعليم الحقيقي يشكّل الأشخاص الذين سيقدمون أنفسهم ومهاراتهم لخدمة الآخرين. وإذا ما أردنا تحقيق ذلك، ينبغي على المربّين أن يظهِروا رعاية صادقة وحقيقية في تعليمهم، وليس مجرد أداءٍ لواجب مهني مجرّدٍ هدفه النهائي هو كسب المال. يجب أن يكونوا أصحاب ضمير عميق، ناضجين فكرياً وروحياً وأن يكونوا مستعدين للتضحية بأنفسهم؛ بالإضافة إلى هذا، يجب أن يسلكوا في حياة طاهرة بنزاهة وضمير أرثوذكسي، وأن يكتسبوا الإيمان الصادق بالمسيح. يجب على كل من المعلمين والتلاميذ أن يتعلموا في المدرسة العظيمة التي تسمى الكنيسة.

عبادة الذات

عبادة الذات

الأرشمندريت ييرونيموس نيكولوبولوس

كثيراً ما تكرر، على مدى القرون الماضية، بأن الناس أغوتهم النظريات الفلسفية والمشاريع الاقتصادية والنظم الاجتماعية، فنسوا الله وأعلنوا الاستقلال عنه. إذ نتعثر بوعود السعادة الأرضية ونتكرّس للسعي خلف السلع المادية، ليس لدينا لا القوة ولا الرغبة لرفع رؤوسنا من غبار طبيعتنا القاتلة والنظر إلى أبينا السماوي. وحتى عندما نكون عالقين في المستنقع المستمر من المشاكل المتعددة ونسمع الآخرين يقولون بسلطة بأنّ الأزمة ليست اقتصادية بل هي أساساً أزمة أخلاق وروحانية، فإننا نرفض عملياً تحويل هذه الموافقة إلى أفعال من شأنها أن تجلب قيامتنا الروحية وتوقف الانحدار الفوضوي نحو المزيد من التعاسة.

وعلاوة على ذلك، بما أن كل واحد منا يسعى إلى ما هو أفضل له شخصياً، فإننا نقصر ذواتنا على المسائل الشخصية ولا نبالي بشؤون المجتمع والبلد وإخوتنانعتقد أن رعاية المصالح الذاتية هي واجبنا الوحيد، ونتصرّف وكأننا مركز كلّ شيء. وفي النهاية، نتوصل إلى استنتاج مفاده أن وحدها آراءنا ونظرياتنا هي الصحيحة والدقيقة. هذا يكمّل عملية عبادة الذات عندنا، وهي عملية مختلفة جداً عن طريقة التألّه بالنعمة التي يدعونا إليها المسيح.

وقت الصلاة

يشير مثل الفريسي والعشّار إلى بداية أكثر فترات السنة روحانية، وقت إعدادنا للفصح، أعظم أعياد الكنيسة. هذه الفترة تأخذ اسمها من الكتاب الليتورجي، تريوديون، لأن استخدامه يبدأ في الغروب مساء يوم الأحد الذي فيه يُقرأ المثل ويمتد إلى سهرانية يوم السبت العظيم. وبالتالي فإن هذه الفترة هي فترة صلاة تصاعدية، من حيث الكمية والنوعية.

ولأن هذا الوقت هو بالضبط مناسبة لصلاة أكثر كثافة وحماسة فالكنيسة تبدؤه مع تعليم المسيح نفسه عن كيفية إرضاء الله بصلاتنا. ويأتي هذا التعليم في قصة، في هذا المثل الأكثر منفعة عن الفريسي والعشار، الذي تمّ تحليله على نطاق واسع على مرّ القرون، وأثار الكثير من النقاش والتفكير.

إن سمته الرئيسية هي الملاحظة البسيطة للمخاطر الروحية التي تبدد الصلاة وتجعلها إهانة للروح القدس، أو بل والأسوأ من ذلك، تدنيس المقدسات. ففي الوقت نفسه، يشير الرب إلى الطريقة التي بها تصل الصلاة إلى عرش الله، وتكون مرضية له، وتجلب نعمة لأولئك الذين يصلّون ويطئون طريق القداسة والتمجيد.

كان يصلي لنفسه

يبدو الأمر وكأن ناس هذه الأيام كانوا في بال المسيح عندما وصف الفريسي قبل ألفي سنة. ومن الواضح، وبدون تنميق كلمات، أن المسيح يشدد على أنه رغم وجود الفريسي في المعبد، فإنه لم يكن يصلّي إلى الله، بل لنفسه، التي كان يعبدها. هذا يفسر صلاته، التي كانت مفعمة بالغرور والخيلاء. “أنا كامل؛ كل شخص آخر عنده الكثير من العيوب. أنا أفعل ما عليّ، بل أكثر من ذلك؛ الآخرون لا يفعلون ما عليهم وهم مسؤولون عن كل العلل في العالم. أنا لا أرتكب أخطاءاً ولا أخطئ أبداً؛ الآخرون مملؤون بالخطيئة، هم دائماً على خطأ، والأسوأ من ذلك كله، أنهم لا يعترفون بأنني متفوق عليهم“. لا شيء عن احتمال مملكة السماء، لا شيء عن إمكانية الأبدية، لا إشارة إلى الآب وغيره من الناس، لا بل بالأحرى، فصل عام للآب واشمئزاز تجاه الآخرين، أو حتى أسوأ من ذلك، إدانة قوية للآب بسبب جميع أخطاء الناس الآخرين، الذين لا يمكن اعتبارهم بأي حال من الأحوال إخوة وأخوات.

لطالما صلّى الناس دائماً. ومع ذلك، فإن المشكلة هي لمَن يوجهون صلاتهم. وهذه المشكلة واضحة بشكل خاص هذه الأيام، إذ يتوجّه معظم الناس نحو أنفسهم وليس نحو الله. إنهم يحاولون إيجاد حلولهم الخاصة للمشاكل والمصاعب والضيقات، معتمدين فقط على حكمهم وعلى ما قد يكون لديهم من قدرات، في وقت لا يثقون فيه بالآخرين. كل ما يحققونه من خلال هذا، هو رفع الجدران التي تعزلهم عن الله وغيرهم من الناس والتي تحاصرهم في الوحدة واليأس.

لقد أصبح زماننا مدمّراً. نحن نُشَجّع على الاعتقاد بذاتنا غير الكاملة والضعيفة وحسب. نحن محرومون من خيار الحياة الروحية، كما من الاعتماد على الله ومحبته. نحن محاصرون في الهُنا والآن، ومثقلون بالمشاكل الشائكة، حتى نتورّط فيها باستمرار، ونضيّع الوقت من حياتنا ونُحرَم من الاتصال بمصدر الحياة وسبب وجودنا . في كل هذا، هناك حلّ واحد فقط من شأنه أن يتوفّر لنا: الركوع على ركبتينا أمام الأيقونات، بندامة العشّار وتوبته، مصلّين يا الله ارحمني أنا الخاطئ“.

لا يستطيع المال أن يشتري كل شيء

لا يستطيع المال أن يشتري كل شيء

حول (لوقا 18:18-27)

برنابا، ميتروبوليت نيابوليس وستافروبوليس

مثل أي شخص آخر، الناس المتديّنون، الذين على احتكاك مع حياة الكنيسة الأسرارية، يريدون التحسينات المستمرة في حياتهم. لذلك يكرّسون أنفسهم لتحسين مستوى معيشتهم ولاقتناء الأشياء المادية لأنفسهم ولأقرب الناس إليهم وأعزهم عندهم.على الرغم من ذلك، معظمهم لا يريدون أن ينسوا الله، ويواصلون الالتزام بوصايا الإنجيل.

ولكن خطراً ما يكمن هنا: قد يبدأ الناس بالتفكير بأن الثروة التي تراكمت هي علامة على تأييد الله لهم. هذا كان الاعتقاد في زمان العهد القديم. وحتى اليوم، فإن الكثير من المسيحيين يحفظون مفاهيم من هذا القبيل، كمثل البروتستانت الذين يفسّرون العهد القديم حرفياً. وهناك أيضاً الذين يعتقدون بأنه، كما أن ثروتهم توفر لهم مجموعة من السلع المادية، كذلك يمكنهم أن يضمنوا خلاص نفوسهم عبر القوة المالية.

قد يبدو أن هذا ما كان يعتقده الإنسان البارز في المقطع الإنجيلي من لوقا 18:18-27. فقد اقترب من يسوع وسأله ما ينبغي أن يفعله لكسب الحياة الأبدية. ولكن الرب الذي يقرأ قلوب الناس، أدرك ما كان عليه الرجل. لذلك عندما خاطب المسيح بأنه صالح، أجابه يسوع بأن الله وحده صالح. بعبارة أخرى، أدرك أن هذا الشخص لم يرَه كإله، بل كإنسان من شأنه أن يبرر اختياراته. هذا ما أراده وهذا ما سعى إليه من المسيح. أراد أن تكون المحادثة على مسمع الجميع وأن يعرف الحاضرون أنه صالح وقد ضمن خلاصه.

لذلك عندما سأله المسيح عن تطبيق وصايا الناموس، شعر بالارتياح. وقال إنه لم ينتهِكْها أبداً. ولكنه ليس مستحيلاً أن يكون ذلك بسبب قوته الدهرية. قد يكون مرتاحاً لدرجة أنه لم يكن يوماً بحاجة لانتهاك أي من وصايا الناموس الموسوي. والحقيقة هي أن بعض تفسيرات هذا الناموس تورِد إمكانية شطببعض الفروض الدينية.

لهذا السبب أضاف الرب أن الرجل كان يفتقر إلى شيء ما. وقال له أن عليه بيع جميع ممتلكاته وتوزيع المال على الفقراء. كلمات الرب أحزنت الرجل كثيراً، لأنه كان فائق الغنى. الأمر واضح جداً: الله يطلب من الإنسان كلّ شيء. إنه يريد أرواح الناس خالية من المصلحة الذاتية في هذه الحياة. اتّخذ الرجل الغني قراره على الفور: هو يفضّل الخيرات الدنيوية على الحياة الأبدية. هو ليس على استعداد للتخلي عن ملذاته لصالح ما كان يبدو، قبل دقيقتين فقط، أنه اهتمامه الأساسي.

بعد ذلك مباشرة، يوضح المسيح بالضبط ما على المحك. من الصعب جداً، إن لم يكن من المستحيل على شخص غني دخول ملكوت السماوات. هؤلاء الناس مرتبطون بثرواتهم إلى درجة أنهم يرفضون التخلّي عن أي شيء، حتى من أجل أمر جذّاب كالملكوت. الذين كانوا يستمعون أدركوا أن التعلق بالأمور المادية يشكل خطراً على الجميع، الأغنياء والفقراء على حد سواء، وسرعان ما سألوه: “إذاً مَن يخلص؟

ولكن إلهنا الرحوم لن يترك أحداً في اليأس. هو يحبّ مخلوقاته ولن يسمح لهم أن يضيعوا. إن رغبته هي أن يعيش معهم أبدياً، وهذا هو سبب مواساته لهم: ما لا يستطيع الناس إنجازه لوحدهم، يمكنهم تحقيقه بمعيّة محبة الله. لذلك لا تنشغلوا بممتلكاتكم ولا تتباهوا بفضيلتكم. أبقوا رجاءكم في الله وفي محبته، وكلّ ما تبقّى تهتمّ به العناية الإلهية.