السنة الرابعة عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2018

السنة الرابعة عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2018

مختارات آبائية

الشيخ صوفروني آسكس، عن الأرثوذكسية والمسكونية

رعائيات

جوزيف مانغوس فرانجيباني، النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

مسكونيات

شركة جبل آثوس المقدسة، حول الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية

الأب أنطوان ملكي، بين الأرثوذكس والأقباط: الالتباس اللاهوتي وامتداده الرعائي

***

بعد انتهاء المرحلة التجريبية لما يقارب السنة أُنجز تحميل كافة أعداد التراث الأرثوذكسي إلى قواعد بيانات EBSCO، وبهذا انضمّت التراث الأرثوذكسي إلى مجموعة تزيد عن 6000 مجلة علمية وبحثية من مختلف الدول واللغات يمكن الوصول إليها من كافة مكتبات الجامعات والمعاهد الدراسية والمكتبات العامة والمدارس والمستشفيات والمؤسسات الطبية والشركات والمنظمات الحكومية التي تستفيد من خدمات ابيسكو (EBSCO).

عن الأرثوذكسية والمسكونية

عن الأرثوذكسية والمسكونية

الشيخ صوفروني آسكس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

اغفروا لي؛ ربما كل هذا غير ضروري. في هذه المرحلة، أود أن أقول القليل عن واقع أن جزءًا كبيرًا من العالم المسيحي في الوقت الحالي يميل إلى قبول واحدة من أخطر الهرطقات. وهي قول الناس أنّ في أيامنا هذه لا توجد كنيسة واحدة تحتفظ بتعليم المسيح الحقيقي، أو تمتلك معرفة كاملة بسرّ الحياة المسيحية المقدسة المليئة بالنعمة على المستوى الأخلاقي والنسكي. هذا على افتراض أن الكنائس الكثيرة المسمّاة مسيحية تملك نعمة متساوية، ولهذا يجب أن نمضي نحو وحدة الكنائس على أساس برنامج مشترك ما. واحد من أكثر الأسئلة تكرراً هو مَن يخلص ومَن لن يخلص. يعتقد هؤلاء الناس عادةً أن ليس فقط الأرثوذكس سيخلصون (بحسب تعليم الأرثوذكس)، وليس فقط الكاثوليك (وفقاً للتعليم الكاثوليكي)، بل كل البشر الفاضلين الذين يؤمنون بالمسيح. وجهة النظر هذه قد انتقلت من البروتستانت إلى مؤمني الكنائس الأخرى. هناك الكثير من الأرثوذكس الذين يحملون هذا الرأي.

يعتقد البعض أنه لا يمكن لأيّ من الكنائس الموجودة أن تحصل على ملء المعرفة والنعمة، لأن كل واحدة منها قد انحرفت عن الحقيقة إلى درجة ما. إنهم يعتقدون أنه الآن فقط في نهاية الأزمنةفَهِم هؤلاء الحكماءتماماً روح تعليم المسيح، وأن العالم المسيحي بأسره كان ضالاً طريقه لعدة قرون حتى الآن. إن الوقت قد حان الآن وعلينا أن نوحّد كل الأجزاء المنفصلة في كنيسة عالمية رسولية واحدة، وهي ستمتلك ملء الحقيقة بكلّ جوانبها، على الرغم من أن هذه الوحدة ستضمّ فقط ما هو مشتَرَك بين جميع الكنائس. ما هو أسوأ من ذلك، أن البعض منهم يفكّر في قلبه بمنطق فوق الكنسي، باطني، في فهمه للدين المسيحي ، الذي لن أقول المزيد عن هذا.

أردت مناقشة هذا لسبب واحد فقط: لأخبركم بأنني أريدكم بشدة (وأدعو الله لهذا) أن لا تنخدعوا بكل ذلك، بل أن تقتنعوا بحزم في قلبكم وعقلكم بأن على هذه الأرض كنيسة وحيدة وصحيحة أسّسها المسيح. وأن هذه الكنيسة تحفظ تعليم المسيح غير معابٍ، وأنها في كليّتها (وليس في أعضائها كأفراد) تمتلك ملء المعرفة والنعمة والعصمة. (أريدكم أن تكونوا مقتنعين) أن ما يبدو بالنسبة للعديد من الناس نقصاً في تعاليمها ما هو إلا إمكانية بعض التفصيل العلمي لثرواتها التي لا تنضب ولا حصر لها – ومع ذلك، هذا لا يتناقض بأي قياس مع ما قلته أعلاه عن امتلاكها لملء المعرفة.

لا يمكن أن يخضع شكل تعليم الكنيسة النهائي كما تمّ التعبير عنه في المجامع المسكونية لأي تغيير. يجب أن تتفق جميع الأعمال الأكاديمية المستقبلية مع ما تمّ تقديمه في الوحي الإلهي وفي تعليم المجامع المسكونية. وينطبق الشيء نفسه على النعمة: وحدها الكنيسة الواحدة والفريدة من نوعها يمكن أن تحمل ملء النعمة. الكنائس الأخرى لديها نعمة بسبب إيمانها بالمسيح، ولكن ليس لديها الملء. علاوة على ذلك، يمكن أن نؤمن أنه في أيامنا هذه لا يزال هناك أناس، بنعمة الروح القدس، مساوون للقديسين العظماء في كنيسة العصور القديمة. (أنا أقول هذا على أساس ما سمعته عن عدة أشخاص في روسيا). [هذا] لأن المسيح هو بالأمس واليوم وإلى الأبد (عبر. 13: 8). كل هذا هو الحقيقة. كل من يغادر هذا الإيمان لا يستقيم.

* “الجهاد من أجل معرفة الله”. رسالة 11. قيد الترجمة

النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

جوزيف مانغوس فرانجيباني

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لا تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟” (2 كور 6: 14- 18).

   نشأتُ كاثوليكيّاً. أحببتُ الصّلاة. تمشّيت في الغابات، لعبتُ في الجداوِل، وكنت أركض عبر سهول الخَيال الرَّحبة. هذه الأشياء كانت كالصَّلاة بالنسبة لي: السُّكون والهدوء والهدوئيّةالتي وَجَد الأولادُ أنفسَهم فيها، تقريباً، بالطبيعة. لم أبقَ، دائماً، في حالة الورع هذه، لكنني أدركتُها وسلّمْتُ بها على أنها عملٌ بسيطٌ في القلب.

كلُّنا نختبر ذلك بدرجات متفاوتة. نستعمل كلمات مختلفةأو لا كلمات على الإطلاق، كونها جميعُها تبدو غير مناسبةللتعبير عن حركة القلب نحو الله. يبدو أننا، عندما نكون بسطاءَ في القلب، خاصةً في طفولتنا، يكون هناك إدراك ملموسٌ لأمرين اثنين في ما نختبره: المُحِبُّ والمحبوب، الآخَر. كوني صبياً يافعاً لم أربط هذا الحضوربالمسيحتماماً كعدم ربطي والدَيَّ بإسميهما، فقد كنت أعرفهما وحَسْب.

* * *

في المرحلة الدراسية الثانوية، أردت ان أصبح راهباً ترابّيست trappist” (رهبان من الممتنعين عن الكلام!- المترجم)، إذ أن جَدَّيّ أدخلاني إلى ثانوية كاثوليكية للصبيان. كنت أحضَر الخدم الكنسيّة بانتظام، وغالباً ما كنتُ أقرأُ الكتابَ المقدّس. إن الكتاب المقدس، بالحقيقة، هو كالباب، فأنتَ تستطيع الدخولَ عبْرَه، والروحَ القدس يقودك إلى أماكن، حتى دون أن ترفع قدمكَ عن الأرض. لكنني علمتُ أن هناك شيئاً أكثر من ذلك، إنه كالفرق بين القراءة عن الخبرة والخبرة نفسها.

يكتب الدكتور هاري بوساليس في مجلة التسليم المقدس: “لسنا مدعوّين إلى أن «نتبع» التسليم أو أن «نقلّدَه»، نحن مدعوّون أن نختبرَهتماماً كما فعل القديسون، ولا يزالون“. إننا نعلَمُ أن هناك شيئاً مفقوداً في العالم حولنا. بعض الغنى، شيءٌ من العُمق الذي ندركه ونلاحقه بطريقة غامضة. إنه، بالطّبع، غنى محبة الله ونوره ونعمته. إلا أنني، في تلك الفترة من حياتي، لم أمتلك الكلمات لكي أُعَبِّرَ عن ذلك. وكالعديد من الناس، كنت أنسب عدمَ الرِّضا والقلق إلى أمور أخرى.

ثم قام أستاذٌ لعلم النفس في الثانوية بتوجيه صفِّنا نحو التنويم المعناطيسي الذّاتي (self-hypnosis)، وسرعان ما تلا ذلك انخداعي بالتّأمُّل(meditation). شعرت بالاسترخاء، وكنت أدَعُ نفسي تنقادُ إلى خبُرات جديدة، وأحسستُ كما لو أن باب قلبي الخلفي قد فُتِح على مصراعيه بشكل دائم. رفضتُ الله لأنطلق متّكلاً على ذاتي. واختبرتُ، بشكلٍ جَليّ، أن ضوءاً قد انطفأ في داخلي. احترمَ الحضورُ، الآخَر، الصديقُ هذا القرار. كان شعوراً كما لو أنه قد غادر بهدوء. لقد احترم الإرادة الحرة، ولم يفرض نفسَه أبداً. لقد كان يقرع على باب القلب وينتظر.

* * *

وهكذا بدأت بممارسة التَّأَمُّل بانتظام. في البداية، وخاصّة لكوني مراهقاً، كان الأمر صعباً: الجلوس لساعات بصحبة بوذيِين كبار السِّنّ من التّيبت، بصمت كلّي، حاملاً أفكاري إلى الحائط الفارغ وتمثال بوذا البرونزي الذي أمامي. بدأتُ بدراسة التَّقَمُّص، والكارما والسامسارا [1]. لم أكن قد انتبهتُ، بعد، لأصول البوذية في الدين الشاماني الذي يطلَق عليه اسم بون، ولا لعلاقته بالتنجيم والسحر وممارسات وثنية أخرى [2].

لقد أردت تَعلُّمَ كيفيةِ تهدئة القلق والاكتئاب، وإزالة الأفكار المشتّتة. في زياراتي لقاعات التّأمّل البوذية والآشرام البوذيين( وهو مكان كالديرالمترجم) افتتنتُ بـ الألعاب النارية الرُّوحيةكالانخطافات والانتشاءات والمشاعر والرؤى. هذه كلُّها مرتبطة بالتّأمُّل واليوغا في كافة مستوياتهما، وهي تتزايد مع الممارسة. هذه الخبرات وغيرها يُشار إليها على أنها سيدهيس (siddhis)” أو قوى اكتُسِبت عن طريق الـسادهانا” (تطبيقٌ عملي للتأمّل واليوغا). فالخديعة تحوّلت إلى افتتانُ، والفاتن صار بدوره مألوفاً. ومن دون أن أنتبه، حشريَّتي الأولى غير المؤذيةنحو اليوغا قويَت لتصبح عادة. أمضيتُ أكثر من عَقدٍ غارقاً في هذا البحر الروحي.

خلال تلك السنوات، كانت تُطرح الكثير من الأسئلة. مثلاً، هل يعرف الرّهبان والكهنة الكاثوليك إذا كان المسيحيون الأوائل يؤمنون بالوجود المُسبق للنفس وبالتَّقَمُّص؟ أجابوا بأنهم لا يعلمون، إضافةً إلى أنهم تساءلوا: ما المهم في هذا الأمر؟ في قراءاتي المتزايدة عن مبادىء ومعاني أديان الشرق الأقصى، وبسبب توقي إلى اختبار الـباردوس (bardos)”، وهي أبعاد متوسطةٌ للعالمين المادّي والروحي، قمتُ بدراسة كتاب الموت والحياة من التيبت“.

لقد قرأت كلِّ الأدب الروحاني والباطنيّ الذي استطعتُ الوصول إليه، واحتفظتُ بنسخةٍ مغلّفة من الـبْهاغافاد غيتا، في جيبي الخلفي، وقرأتُ كتابات الـباراماهانسا يوغاناندا(باراماهانسا يوغناندا هو يوغي هندي ومعلم (غورو) أدخل الملايين من الهنود والغربيين إلى تعاليم التأمل واليوغا من خلال جمعية تحقيق الذات (Self-Realization Fellowship) – المترجم). أغرقتُ نفسي في كتابات الـأوشوOsho (اسمه أشارايا راجنيش، وهو غورو هندي مثير للجدل وقائد لحركة راجنيشالمترجم)، وقرأتُ الـرام داس(معلّم روحاني أميركي صار بوذياً وأسس جمعيات المترجم) والـرامانا ماهارشي(معلّم هندي كتب الكثير عن حالات الروح وإخضاعها والتأمّل والحكمة الذاتية المترجم)، فصرت مقتنعاً بأنه لا يوجد كائنٌ مقدَّس أكثر من نفسي. كان الأمر يعود إليَّ لتحطيم نظرتي المشوبة بالوهم حول نفسي. واستناداً إلى أغلبية ما قرأتُ وسمعتُ، لم يعد بالامكان البقاء على علاقة شخصية مع الإلهي (Divine)، ممّا وضعني في صراع داخلي، فتلاشى ما فُطرتُ عليه من طبعٍ طفولي هادئ وسلاميّ. كلّما كنت أغوص في لُبّ التّأمل واليوغا، كنت أختبر دوافع فجائيّةً وغيرَ متوقّعةٍ لأؤذيَ نفسي. كانت روحي تتعرّض لهجوم عنيف، تلك كانت فترة من حياتي مُفعَمةً ظلاماً وقُحطاً.

في بحثي عن الهدوء، أخذتُ نذر بودهيساتفا (نذر يتّخذه البوذيون ويتعهدون بتحرير القلوب الحساسةالمترجم) وجدَدتُ باحثاً، داخل البوذية، عن نظام ديري للعلمانيين ذي طابعٍ هاديء تأمّلي، في محاولة مني للارتباط بمكانٍ أو بشيء ما. بعد فترةٍ أوليّة من السَّلام النسبي، نشأ فيّ الجسارة، وحتى الاهمال فيما يخص النشاطات الروحانية. كنت أدخل في نوعٍ من السّكْر الروحاني، لكنني لم أدرك ذلك.

* * *

أكل الابنُ الشّاطرُ من طعام الخنازير في بلدٍ بعيد. لكنه، عندما تذكّر طعْمَ الخبز في منزل أبيه، عاد إلى البيت. ذلك أنني، ولعقدٍ من الزّمن، عشتُ في هذا البلد البعيد أتناول من طعامه.

عاينتُ الكثيرَ من الناسبعضُهم أصدقاء والبعضُ الآخَر غرباءوهم يسعَون وراء فَناء الذات. كان لديهم نهَمٌ لا يَشبع لإضاعة أنفسهم، لا في حياة ونور الله، بل في الظلمة والفراغ، حيث الانفصالُ عن المحبةِ التي تتجاوز كلَّ شيء“. ما هذا الانفصال سوى الجحيم نفسِه. يسعى العديد من الرجال والنساء والأولاد إلى هذا الجحيم، وهم يدورون حول علاقات مشوَّشة، فيقعون في براثن المخدرات.

لكنني درستُ ومارستُ الـكونداليني يوغاوالشامانية [3]، حيث تعرّفت إلى الخوف والصّقيع. اشتهرت بقراءتي للـ تاروت” (ورق اللعب) وهو أسلوب سرّي للعرافة. علَّمتُ اليوغا، وأرشدتُ مجموعات من الناس إلى التأمّل والإنشاد في صحارى الحكماء. لقد جرّبنا الإسقاط الأثيري (تفسيرٌ افتراضيّ لحالَةِ الخروجِ من الجسد وذلك بافتراضِ أنّ هُناكَ هيئةٌ نجميّة تنفصل عن الجسد الفيزيائي قادِرة على السفر خارجه – المترجم)، وخبرات الخروج من الجسد الموجّهة، عن طريق الـ باردوسبحسب ما تم وصفها في الكتب التيبيتية. لم أحمل معي، فقط، نسخاً من بهاغافدا جيتا، بل من الـ أوبانيشادوالـ سوتراالبوذية، أينما ذهبت[4]. كلُّ واحدٍ من هذه المساعي كان ضرباً من السباحةٍ بعيداً عن جبل المسيح المقدس. دع قطرات الماء تتساقط على حجر لمدةٍ كافية وسوف تفتته. كنت أمسحُ الليمونَ الملتصق بجبهتي وأنا أقرع الجرس مقدّما الفاكهةَ والنار كعبادةٍ لـكريشناومتجوّلاً حافيَ القدمين في شوارع مدن أوجين وسياتل، وأخيراً في ريشيكاش وهاريدوار ودهارامسالا، في شمال الهند.

* * *

يقول الأرشمندريت زخريا في كتاب إنسانُ القلب المستترُ“: “في انفصاله عن الله الذي هو نبع الحياة، يستطيع الإنسانُ فقط أن ينسحب إلى داخل نفسِهويصير، شيئاً فشيئاً، منعزلاً غارقاً في الملذّات“.

ترفضُ البوذيّةُ الذاتَ والنفسَ والشخص. إنها تفرد ذراعيها بصمت ضد الله. لا يتجلّى الألم. في البوذية هناك صلبان لكن لا قيامة البتّة. نستطيع القول بأن البوذية تجد القبر الفارغ وتُقِرُّ بوجود هذا الفراغ وبطبيعة الأشياء وحتى بأن هذا الفراغ هو هدفها. كل شيء بالنسبة للبوذية– الفردوس والجحيم والله والذات والنفس والشخصهو ضلال بانتظار أن يتم تَخَطّيه والتخلص منه وتدميره. هذا هو الهدف. الإلغاء الكامل. حقيقة هذا القرن التاسع عشر البديهية تُلخِّصُ مبدأَ البوذية هكذا: “إذا ما شاهدت بوذا اقتله“.

لا تعترفُ البوذية، ولا هي تستطيع، بشفاء النفس والجسد. يجب تَخَطّي كلا النفس والجسد وإهمالهما. في الكنيسة الأرثوذكسية، النفس والجسد يُفتَرَض أن يشفيا. تُعلّمُ البوذية أن لا شيء ذو قيمة بذاته. بينما تعلّم الكنيسةُ أن الله جعلَ لكلِّ شيء قيمةً في ذاته، وهذا يتضمّنُ الجسدَ الإنساني. نحن كائناتٌ معقّدة التّكوين. إن أداء أجسادنا وعقولنا وأنفسِنا مترابط. وهذه الأفعال المترابطة مرتبطة بعلاقتنا بالله وبالحيّز الروحي.

بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكسيين، كلُّ شيءٍحتى الألمهو باب خفيٌّ عبره نلاقي المسيحَ، ويعانقُ واحدنا الآخر.

* * *

ذاتَ خريف، سافرتُ إلى ريشيكاش، في الهند. يعود اسمُ هذه المدينةِ إلى الإله الوثني فيشنو إله الحواسّ“. ريشيكاش هي عاصمة اليوغا في العالم“. من المتعارف عليه، عامّةً، أنها منشأ اليوغا على الأرض. لأربعين يوماً، درستُ ومارسْتُ ما يُعرَف بالطريق السّرّي الرّوحيّ لليوغا المتكاملة[5] على سفوح الهيمالايا. لم يشمل هذا، فقط، رياضة اليوغا الأميركية، بل كان كلُّ صف يبدأُ وينتهي بصلاة موجّهة لـ شيفا، إله العاصفة المزمجرة، في حين كنت أدرّس الإنكليزية للّاجئين التيبيتيّين، وأعمل محرّراً لدى حكومة التيبت المحلية. تعود جذورُ اليوغا، تاريخياً، إلى الهندوسية. مدفوعاً بفضولي، أجريتُ حديثاً مع رينكوش، في دير الدالاي لاما[6]. سألته عمّن تكون هذه الآلهة الهندوسية بحسب الكوزمولوجية البوذية، فجاء جوابُه مفاجئاً: “إنها كائناتٌ مخلوقةٌ، لديها «أنا» (ego)… وهي أرواحٌ عالقةٌ في الجو“[7].

* * *

ما هي اليوغا؟ وما هي طاقةُ الكونداليني؟

المعنى الحرفيّ لليوغا هو النِّير، إنها تعني تقييدَ إرادتِنا بأفعى الـ كوندالينيورفعها نحو شيفا واختبار ذاتِنا الحقيقية“. كل طرق اليوغا مربوطةٌ ببعضها كما ترتبطُ فروعُ الشجرة بجذورها الضاربة نزولاً في مساحة العالم الروحي. إنه أمر جليٌّ في كتب البهاغافدا غيتا والسوترا اليوغية القديمة لباتانجالي. أدركتُ بأن الهدف النّهائي لليوغا هو إيقاظ طاقةِ الكونداليني الملتفّة في أسفل العمود الفقري على صورة أفعى، حيث تُوصِلُك إلى حالة تستطيع بها معرفة الـ تات تْفام آشي” [8].

ممّا لا شك فيه أن اليوغا ربما تُسَهّلُ الوصولَ إلى اختبارات استثنائية للجسد والعقل، لكن هذا ما يفعلُه تناولُ العقاقير المسببة للهلوسة والسمومُ التي لا تُلاحَظ ولا طعم لها. شيئاً فشيئاً، ومن خلال اليوغا، يقوّي الإنسان الـ شاكتيالتي يشيرُ إليها اليوغيون بـالأُم المقدسةوهي إلهة الظلاموعلى علاقة بآلهة هندوسية رئيسية أخرى. هذه الطاقة ليست الروح القدس، المسببة للهلوسة كما أنّ هذا ليس رياضة أيروبيك ولا أي نوع من الرياضة. يتّصل هذا النظام بالـ بهاجناسوكيرتانس“- وهي ممارسات وثنية تشبه المديح في المسيحية الأرثوذكسية، إلا أنها موجّهة للآلهة الهندوسيةإضافة إلى الـ مانتراالتي هي صيَغ مقدسة، لا بل بمثابة أرقام وبطاقات الهواتف، لمختلف الغورو والآلهة الوثنيين.

* * *

كيف ترتبطُ اليوغا بالهندوسية؟

لنكن واضحين. لا تشير الهندوسية إلى أيّ دين معيّن. إنها عبارة أطلقها الإنكليز على طوائف عديدة من الفلسفات والأديان الشامانية في الهند. إذا سألتَ هندوسياً عمّا إذا كان يؤمن بالله، ربما يجيبك بأنك أنت الله. لكن لو سألت آخراً فسيُشير إلى حجر أو تمثال أو شعلة نار. هذه هي القطبية في الهندوسية: إمّا أن تكون أنت الله، أو أي شيء آخر يمكن أن يكون إلهاً.

تنضوي اليوغا تحت هذه المظلّة الهندوسية كما ينضوي أيضاً قطب هذه المظلة بعدة طرق مختلفة أيضاً. إنها تقوم بوظيفة الذراع التبشيرية للهندوسية والعصر الجديد، خارج الهند[9]. تشبه الهندوسيةُ الدّميةَ الروسيّة (وهي دمى خشبية مفرغة تحوي كلٌّ منها دميةً أصغر حجماً في داخلهاالمترجم): تفتحُ فلسفةً فتجدُ داخلَها عشرات الآلاف، إضافة لها. وكل التي لم يتم فتحُها هي مخاطرة بذاتها. من الممكن أن تسبح بسهولة وبدون اهتمام في المياه التي لا تعرفها، لكنك، بعدم إدراكك للتيارات والظلال في الموقع، ربما تكون في خطر. من الممكن أن يجرَّك التيار السفلي بعيداً. من الممكن أن تجرح نفسك بالصّخور غير المرئيّة أو تلتقط عدوى خفيّة أو تُصاب بالتسمّم. هذا ما يحدثُ في الحياةِ الرّوحيَّة.

عندما نغوصُ في المحيط، من المحتمل أن تجذبَنا سمكةُ لامعة وملوّنة ومخادعة، لكن الأشياء المزدانة بالألوان والغريبة غالباً ما تكون فائقة السُّمّيّةِ ومميتة.

عندما زرتُ الهند للمرة الأولى، نزعتُ حذائي وجواربي وصرت أمشي عبر الماء وجوز الهند والحلوى المرميّة ونار معبد كالكاجيالمتوهجة. إنه واحد من أكثر المعابد شهرةً والمكرّسة لـكالي، إلهة الموت. لم أكن أعرف ذلك، إلا أنني كنت في خضمّ أكثر أعيادها أهمية في السنة. كانت الفوضى تعمُّ المعبد، والطاقةُ كانت ظلامية وفي أوجِها.

تجمّع آلافُ الرجال والنساء والأولاد في معبد ريشيكاشهذا لكي يقدموا العبادة للشيطان. بقربي، كانت هناك امرأة تتقلّب عيونها في محجريها، أما يداها فكانتا تتحركان جيئة وذهابا، ولسانها ذو اللون الزّهري يتأرجح في فمها، وكانت رِجلاها تتحرَّكان صعوداً وهبوطاً كدُميةٍ مربوطة بخيطان. من الواضح أن ذلك كان مَسّاً شيطانياً.

مرّةً، قمتُ بالسجود لأيقونةَ والدة الإله في سيتكا فأختبرتُ دفئاً هائلاً ودموعَ فرحٍ ومحبة وصفاءَ ذهن وسلاماً. كان الأمر كالمشي أمام نافذة تفيض بنور الشمس العَطِر والدافىء. أما في معبد كالكاجيفقد اختبرتُ العكس.

تُصَوَّرُ كاليبشكل آلهة مخيفة متعدّدةِ الأيدي جلدها زهري اللّون، ترفعُ رأساً بشريّاً مقطوعاً ومن فمها يتدلّى لسانٌ دمويّ. ترتدي عقداً من رؤوس بشرية وتتمنطقُ بزنّارٍ من الأذرُع.

تناولتُ القهوة مع أناسٍ مؤثّرين في حركة اليوغا والهندوسية والعصر الجديد في أميركا، الذين، من أجل أن يصبحوا أعضاء في طائفتها، دُفِعوا لكي يأكلوا جثثاً بشرية من مدافن في نيبال. منذ زمن ليس ببعيد، ورد تقريرٌ في الغارديان“- الصّحيفة البريطانية الواسعة الانتشاريقول بأنه، حتى يومنا هذا، يتم تقديم أضاحي بشرية من الأولاد في عبادة الشيطان كالي“. كلُّ هذا مرتبط بالهندوسية، وله علاقة باليوغا كون وضعياتها الجسدية ليست محايدة من الناحية الدينية. كل الـ أساناالكلاسيكية لها مدلولاتٌ روحانية. فقد ورد، على سبيل المثال، في تقرير مراسل صحفي بأن تقديم التَّحية للشمسربما هي مجموعات الـ أساناالأكثر شيوعاً أو وضعيات الـ هاثا يوغا“- وهي النوع الأكثر ممارسةً في أميركاهي، حرفياً، طقوس هندوسية.

لم تكن تحيةُ الشمس ، مطلقاً، تقليداً من الـ هاثا يوغا‘”، هذا ما يقوله سوبهاس رامبرسود تيواري الأستاذ في فلسفة اليوغا والتّأمّل في الجامعة الأميركية الهندوسية في أورلاندو، فلوريدا، بل هي مجموعات كاملة من طقوس تبجيلية للشمس، كتعبير عن الشكر لذلك المصدر للطاقة” [12].

***

إن اعتبار اليوغا مجرّد حركةٌ جسدية يعادلُ القول بأن المعمودية هي مجرّد تمرين تحت الماء“. هذا ما يكتبه سوامي بارام من الأكاديمية الهندوسية لليوغا الكلاسيكية وأشرم دهارما يوغا في ماناهاوكين في نيو جيرسي.

إن الإلهة كالي تحاولُ، عبر اليوغا، توحيد الممارسين عبر الـ شاكتيمع شيفا. في معبدها الواقع خارجَ نيو دلهي، شاهدت صنماً يصف ذاته وهو كنايةٌ عن صخرةٍ مستدقّة ذات عيون من الخرز مغطّاة بالطّين الأصفر والطعام المتخثّر. في الهندوسية، يتم إيقاظ الأصنام وإلباسهم وإطعامهم والغناء لهم، ثم يتم جعلهم ينامون. كنت قد شاركت في المئات من تلك المراسيم.

إن مجلة اليوغاهي من أكثر مجلات اليوغا مبيعاً في العالم، بعددٍ من القرّاء يناهز الخمسة ملايين. في لحظةٍ من البَوح حول تَفَوُّقِ اليوغا كعلاج نفسي، تكشف مجلةُ اليوغاالفلسفةَ الهندوسية التي وراء هذه الممارسة: “من وجهة النظر اليوغية، كل الناس قد<وُلِدوا مقدَّسين>، وكل منهم يمتلك في جوهره روح الـ أتمانالتي تُقيمُ أبدياً في الحقيقة الثابتة واللانهائية والكليّةِ السّيادة، ألا وهي الـ براهمان“. يعرض باتانجاليوجهةَ نظره الكلاسيكيةنحن ما نفتش عنه. نحن الله متنكّراً. إننا كاملون بالوراثة، وفي كل لحظةٍ لدينا القوةُ الكامنة لنستفيق مدركين هذه الطبيعة الحقيقية الواعية المستنيرة“.

يُحَيّي المعلّمون والتلاميذُ بعضَهم البعض بشكل نموذجي بالعبارة السنسكريتية ناماست، التي تعني: “إنني أُجِلُّ الكائن المقدس الذي فيك“. هذا تأكيد على الحلوليّة وإنكارٌ للإله الحقيقي المتجلّي في الكتاب المقدس. نشأت تحيَّة الشمس، أو سورا ناماسكارا، من العبادة الهندوسية لـسورياإلهة الشمس.

في سير القديسين وفن الأيقونات المقدس، نكرّمُ القديسين الذين هم أشخاص حقيقيون عاشوا باستقامة أمام الله وقد دخلوا، ولا يزالون، في شركة مع نوره ومحبته، ونطلب شفاعتَهم. بالمقابل، فإن الأصنام هي صوَرٌ لآلهة كاذبة، وعبادتُها هي عبادة للشياطين، أو لكائنات متخَيَّلَة لا وجود لها. فهي، من حيث المبدأ، عبادة لأشياء لا حياة لها15، كما يكتب الأب مايكل بومازانسكي.

لقد شاهدتُ سواميعديدين في هذا البلد، في أميركاينقلون هذه الطاقة الشيطانية التي هي الـ كونداليني، فقط عبر نظرهم في عيني الشخص. وإذا ما كان الإنسان منفتحاً على ذلك، من الممكن أن يرتعش الجسمُ ويهتز كلعبة تُدار بالزّنبرك.

رغم ذلك، عندما حان وقتي لتَلَقّي هذه الطاقة الملعونة عبر شاكتيبات، اجتاحني خوفٌ كالماء المكهرب البارد، فرفعتُ سيفي وترسي وبدأت بصلاة يسوع. المجد لله! لقد تمَّ صدُّ هذا الحضور بواسطة اسمِ يسوع. علينا أن نتذكر، كما يقول القديس بولس الرسول: “ بأنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ ٱلرُّؤَسَاءِ، مَعَ ٱلسَّلَاطِينِ، مَعَ وُلَاةِ ٱلْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا ٱلدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ ٱلشَّرِّ ٱلرُّوحِيَّةِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ” (أفسس 6: 12). بهذه الصلاة، التي هي تُرسي وسيفي، سبحتُ شوطاً عائداً إلى المسيح. لقد قمتُ بخطوةٍ خارج البلد البعيد، خطوةٍ داخل منزل أبي.

* * *

هل من علاقة بين اليوغا بالأرثوذكسية؟

اليوغا هي ممارسةٌ نفسجسدية، إنها تَفاعلٌ بين العقل والجسد والروح (أو الأرواح). يجب ألّا يغيبَ عن بالنا بأن كلمة يوغا تعني النير، وهو قطعة خشبيةٌ متعارضة مشدودةٌ إلى رقاب الحيوانات ثم إلى المحراث. يحذّرنا القديسُ بطرس قائلاً: ” لا تَشْتَرِكوا مَعَ الكَفرةِ تَحتَ نِيرٍ واحد؛ إِذْ أَيُّ شِرْكةٍ بَيْنَ البِرِّ والإِثْم؟ وأَيُّ مُخالَطَةٍ للنُّورِ مَعَ الظُّلْمَة؟” (2كور 6: 14).

ليست اليوغا من الكتاب المقدس، ولا هي جزءٌ من تسليم كنيستنا المقدس. كلُّ شيء نبحثُ عنهأقول: “كلّ شيء“- يمكننا إيجاده في الكنيسة الأرثوذكسية. لذا، ما الذي نريده من اليوغا؟

من المهم أن نعرف أنه، في اليوغا، كما في العديد من المذاهب الروحانية، من الممكن أن ترافقَ ممارسيها أنوارٌ غريبةٌ، إلا أنه غالباً ما يكون مصدرها الشياطين أو ما يتولّد من العقل، ذلك أن :”الشيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور” (2 كور 11: 14). الكثيرون تابعوا، ولا يزالون يتابعون، الألعاب النارية الروحية” spiritual fireworks لما يسمّى بالـ عصر الجديد“. ليس هذا، بالطبع، النورَ غيرَ المخلوق الذي اختبره موسى والتلاميذ، على جبل ثابور. وليس أيضا النور المقدس الذي دافع عنه القديس غريغوريوس بالاماس، في القرن الرابع عشر، ضدَّ السكولاستيكية الغربيّة. معرفةُ الله المباشِرة مُمكنة، وكذلك الاختبار المباشر، لكنَّ معرفة الشيطان واختباره المباشرين مُتاحان، دون أدنى شك. لدينا كاملُ الحرية لاختيار ما ومَن نفتش عنه، وهو ما يتطلّبُ، بالطّبع، تمييزاً وخبرة، حيث من الضروري بمكان العودة إلى كاهن أو شيخ ذوي خبرة. أيضاً، لا غنى عن المساهمة الخلاصية في القدسات. من الأحسن النظر في خفيّات قلوبنا بدل إمتاع أنفسنا بتلك التَّخيّلات التي من رأسنا.

إضافة لذلك، فهناك ما يجب قولُه بخصوص الادّعاء بأن أشكال فرقعات رياضة اليوغا لا تشكل أيَّ خطرٍ أو تهديد لمن يمارسها. صاحب هذا الرّأي إما قد فاتته، أو قصَدَ أن تفوتَه، التحذيرات المتعدّدة التي تَرِدُ في كتيّبات اليوغا الشرقية بخصوص الـ هاثا يوغاالتي تُمارَس في صفوف كهذه. هل المدرِّبُ على درايةٍ بتلك التحذيرات، وهل هو قادرٌ على أن يضمن عدم حدوث أي ضررٍ للتلميذ؟

في كتابِه مدارس اليوغا السّبع، يبدأ إرنست وود وصفَه للـ هاثا يوغابقوله: “عليّ أن لا أعود لأيٍّ من تمارين الـ هاثا يوغا تلك دون الالتفات إلى التحذيرات الصّارمة. لقد جلب العديدون على أنفسِهم أمراضاً لا شفاء منها أو حتى حالات جنون، دون تأمين ظروف مناسبة لجسدهم وعقلهم. إن كتبَ اليوغا مليئةٌ بتحذيرات كهذه…”. على سبيل المثال، يُعلنُ غيراندا سامهيتا بأنه إذا ما بدأ أحدُهم بالتمارين في طقس حار أو بارد أو ماطر، فسوف يصاب بأمراضٍ، والحال نفسُه إذا لم يكن هناك اعتدال في نظام الطعام، فعلى معدتِه أن تكون نصفَ مملوءة بالطّعامجاء في الـ هاثا يوغا براديبيكابأن التّحكّم في التنفّس يجب أن يأتي تدريجيّاً كما الأمر في ترويض الأسود والفيلة والنمور، وإلا فإن الممارِسَ قد يُقضى عليه، فبوقوع أيِّ خطأ سيحدثُ سعالٌ أو ربو أو أوجاع في الرّأسِ أو العين أو الأُذُن، أو أمراضٌ أخرى عديدة“. يختمُ وودتحذيرَه حول الوضعية والتنفّس في اليوغا بقوله: “أرغب في إيضاح أنني لا أوصي بتلك التّمارين، كما أصرُّ على أن كل الـ هاثا يوغاخطرة للغاية“. [20]

إذا ما رغب المسيحي الأرثوذكسي بالقيام بالتمارين، فبإمكانه – أو بإمكانهاالسّباحة أو الهرولة أو التّنزّه أو المشي أو القيام بتمارين تمديد (stretching) أو الرياضة أو الـ بيلاتيس[21]، فهذه بدائل مأمونة لليوغا. نقترح أيضاً السجدات أمام الله. فالكنيسة لا ترغب بأن يكون أحدُنا مريضاً أو متضايقاً. علينا الوثوق بوصفات أُمِّنا الكنيسة، وبأن نطبّقها بقدر ما نستطيع، وبقدر ما تسمح به نعمةُ الله. على الجميع أن لا يحاولوا إطالةَ عمر الجسد على حساب الروح. وفوق ذلك كلّه، علينا أن لا نثِقَ بحُكمنا الشخصي، بل علينا الرجوع إلى شخصٍ ما. “تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ[22].

إننا نَعلَمُ، كمسيحيين أرثوذكسيين، بأن حركات أجسادنا، كالانحناء والسجدات ورسم إشارة الصّليب، لها صِلةٌ بحالتنا الروحية أمام الله الحقيقي. فلماذا نُجازفُ بتقليد حركات جسدية ارتبطت، لقرونٍ، بعبادة الشياطين؟ أن لهذه الحركات عواقبُ خطيرة على جسدنا وروحنا اللذين هما للمسيح. “لنكن حكماء كالحَيّات وودعاء كالحمام[23].

[1] التقمّص هو حلول النفس في شخص آخَر أو حيوان أو جسد روحاني، بعد الموت الجسدي. الكارماعقيدة أساسية لدى الهندوسية والبوذية، كالتقمُّصهي مبدأ حيث تؤثّرُ نوايا وأفعالُ الشخص على حالته المستقبلية. تُزيل الكارما اللهَ من الصورة مركّزةً على أنك أنت مخلّصُ نفسِك الوحيد. أما السامسارا فهي تكرار دورة الولادة والحياة والموت.

[2] الشامانية هي ممارسة خطرةٌ تنطوي على التَمَلّك من قِبلِ أرواح خيّرة وشريرة، وهي تستخدم المخدرات للدخول في غيبوبة وتستحضر أرواحاً وتقرأ الطّالع والبخت مستخدمة عظام البشر والحيوانات. أما الـ بونفهي ديانةً حلولية قديمة مُشبعة بمعاني الأعداد السحرية والتنجيم والعُرافة والأضاحي الحيوانية والسّحر. لا تزال هذه العناصر موجودةً ضمن مدارسَ بوذيةٍ عديدة.

[3] الـ كوندالينيهي عنصر أساسي، لكن خَطِر، لليوغا. يُصَوَّرُ كأفعى مُلتفّة في أسفل العمود الفقري، يتم إيقاظها عبر التّأمّل ووضعيات يوغيّة. إن وجود الـكوندالينيالموقَظَة يطلَقُ عليه اسم الـشاكتي، الذي يُزعَمُ أنه يوَحّد من يمارسُه مع شيفا“- مبدأ وإله اليوغا. إن فتح الـشاكراعلى اختلافهاأو نقاط الضغط الروحيةفي الجسد عن طريق أوضاع جسدية (هاثا يوغا) والتّأَمُّل (راجا يوغا) يُسَهّلُ حلّ هذه الأفعى. الأعراض المرتبطة بإيقاظ الـكوندالينيتتضمّنُ حالات متغيّرة من الوعي وضغطاً متزايداً في الجمجمة ووخزاً وارتفاع ضغظ الدّم ورغبة جنسية جامحة وتخدّرا في المشاعر وأموراً أخرى كثيرة.

[4] الـبهاغافاد غيتاأو أغنية اللههي حوار بين الإله الهندوسي كريشنا ومحارب بخصوص بهاكتي” (اليوغا التعبدية)، جنانا” (‘التحرّرعبر المعرفة) ودهارما، أو مسؤوليات الشخص الروحية. الـأوبانيشادهي كتاباتٌ فيديّة سرّيّة حول طبيعة الحقيقة والإدراك الأقصى. “سوتراهي تعاليم يعطيها، عادةً، الحكماءُ البوذيون أو الهندوس.

[5] ثمّةَ العديدُ من مدارسأو شُعَباليوغا تتناسب مع اختلاف الممارسين وتنوُّعِّهم. مثلاً، أربعةٌ من أنواع اليوغا الرئيسية أو الكلاسيكية تتضمّن: الـجانا يوغا” (يوغا المعرفة المباشرة) والـبهاكتي يوغا” (يوغا التكريس) والـكارما يوغا” (يوغا العمل) والـراجا يوغا” (الطريق الملكيالذي من ضمنه الـهاثاوالـتانتراوالـكونداليني، وأشكال أخرى من اليوغا).

[6] الـرينبوشيُعرف بأنه معلّم متقمّص بارع للبوذية.

[7] يتكلّمُ القديس بولس عن الشيطان قائلاً أنه رئيس سلطان الهواء” (أفسس 2: 2).

[8] من السنسكريتية وترِد في اﻷوبانيشاد تعني الجملةُ بأن الممارس يتماهى مع الحقيقة القصوى، او مع الله أو مع إله ما.

[9] من الصَّعبِ تحديد حركةُ العصر الجديد، كما الهندوسيّة، لكنها، عامّةً، ترتبط، دون أن تنحصر، بالغنوصيّة والسِّحر والـويكا” (ديانة وثنية سحريّةالمترجم) والنشوة والكشوفات الناتجة عن المخدرات، والشامانية والكائنات الفضائية والبلورات وحركة تعدد الآلهة الأمومية والمثلية، لكنها تتحاشى المسيحية الأرثوذكسية.

[10] هدية من عُمّال كاتدرائيّة القديس ميخائيل رئيس الملائكة في سيتكاالاسكا، وتُعتبَرُ،حقاً، هذه الأيقونة العجائبية المميَّزة بجمالها أنها نافذة إلى الملكوت.

[11] مجلة الغارديان، السبت، 4 أيار 2006.

[12] درو سافتون، هل ممارسة اليوغا من قبل العلمانيين تَحطُّ من قدْرِها؟ Newhouse News, July 15, 2005, http://www.freerepublic.com/focus/f-religion/1445950/posts.

[13] المصدر نفسه

[14] Stephen Cote, “Standing Psychotherapy on Its Head,” Yoga Journal, May/June 2001, p.104. http://michaeltalbotkelly.com/standing-psychotherapy-on-its-head/.

[15] Orthodox Dogmatic Theology, p. 323.

[16] الـشاكتيباتهي منح الطاقة الشيطانية الروحية بكلمة أو نظرة أو فكرة أو لمسة.

[17] أفسس 12:6

[18] 2 كورنثس 14:6

[19] 2 كورنثس 14:11

[20] تقدّمُ الـسانديليا أوبانيشادتحذيرات مشابهة. أنظر المدارس السبعة لليوغالإرنست وود، ص: 78- 79.

[21] الـبيلاتيسبديل مثاليّ ومناسب لليوغا. وهو نظام تمارين ذهنية يساعد على المرونة والقوة والتركيز. الـبيلاتيسهو نمط تَكَيُّف يشدِّدُ على التّنسيق والتوازن والتنفُّس. بيَّنت الدّراسات، أيضاً، بأن تمارين المرونة تُعتَبرُ بديلاً فعّالاً لليوغا في علاج آلام أسفل الظَّهر.

[22] أمثال 5:3.

[23] متى 16:10

حول الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية

حول الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية

مذكرة من شركة جبل آثوس المقدسة

نقلها إلى العربية الأب انطوان ملكي

كتب الرئيس المشارك للجنة المشتركة للحوار اللاهوتي بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية، الجزيل الاحترام دمسكينوس، أسقف سويسرا، مقالاً بعنوان الحوار اللاهوتي للكنائس الأرثوذكسية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية: خواطر ووجهات نظر “[Episkepsis # 516 / March 31، 1995]. ساهم هذا المقال برفع مستوى القلق لدى الجبل المقدس فيما يتعلق بتطوّر هذا الحوار اللاهوتي.

أمام هجمة العديد من الأرثوذكسيين نحو الحوار العشوائي مع غير الخلقيدونيين رأينا من الضروري ترجمة هذه الرسالة ووضعها بين يدي المؤمنين الأنطاكيين [المترجم]

من المعروف أن اتحادًا متعجلاً يتمّ فرضه على الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين على الرغم من الاختلافات العقائدية القائمة حاليًا والمشاكل الكنائسية المتنازع عليها، كمثل قبول غير الخلقيدونيين غير المشروط لقرارات المجامع المسكونية وقدسيتها وعالميتها.

عبّر مجلس الشركة المقدسة، في تقريره حول حوار الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين بتاريخ 1 شباط 1994، عن تحفظاته حول مسيرة هذا الحوار اللاهوتي. باختصار، لا يقود هذا الحوار إلى وحدة في الحقّ، أي وحدة مقبولة من وجهة النظر الأرثوذكسية. هذه التحفظات عبّر عنها أيضاً أساتذة بارزون في المعاهد اللاهوتية وغيرهم من رجال الكنيسة في دراسات خاصة بهذه المسألة المحددة.

من المفروض وجود نقاش واسع ضمن جسد الكنيسة حول أمور مهمة مثل هذه للإعلام وحتى يتحرّك وعي الكنيسة بحرية ومن دون عوائق.

غير أن أسقف سويسرا قد وصف هذه المناقشة في مقالته المذكورة أعلاه بأنها انتقادات أعرب عنها بعض الأوساط الدينية لإثارة الشكوك حول القضايا التي يغطيها تماماً اللاهوت المعبَّر عنه في البيانين المشتركين‘” [ص. 15]. يبدو من هذا الوصف أنه يفهم الحوار اللاهوتي كموضوع خاص فقط ببعض اللاهوتيين، خبراء العقائد، الذين لا يهتمون تمامًا بقلق الأتقياء. إذا كان بالحقيقة شعب الله غاضبًا من لاهوت الإعلانات المشتركة، أليس من المفروض أن تتخذ الكنيسة قراراً مجمعياً حول أرثوذكسيتها؟ وينبغي اتخاذ مثل هذا القرار في وقت قصير جداً، خشية أن يستمر التطور المقلِق لهذا الحوار اللاهوتي القائم على لاهوت الزائف.

بعد أن علمنا بمثل هذا الخطر، أي الاتحاد مع غير الخلقيدونيين على أساس افتراضات غير أرثوذكسية، نحن في حالة عدم ارتياح دائم وسخط مقدّس. الإيمان في خطر، ونحن لا نستطيع أن نعبث بأشياء لا يُعبَث بها. نحن على علم بمسؤوليتنا في حماية عقيدة الكنيسة المقدسة وكنسيّتها وحفظها من دون ابتداعات كما تلقيناها من الآباء القديسين.

لهذا نحن نتوجّه من:

صاحب القداسة برثلماوس، البطريرك المسكوني ومجمعه المقدس

الرؤساء الفائقو البركة للبطريركيات القديمة والبطريركيات الأخرى ومجامعها المقدسة

الرؤساء الفائقو البركة للكنائس الأرثوذكسية المستقلّة ومجامعها المقدسة

كل الإكليروس الأرثوذكسي المقدس والشعب المؤمن في كل العالم

لشجب اللجنة المشتركة لهذا الحوار بسبب الانحرافات التالية التي لاحظناها فيما بعد وتحققنا منها، وفي عملنا هذا، نحن نعترف بأن ما يحرّكنا هو الشعور بالمسؤولية فقط.

أولاً) تشكيك اللجنة المشتركة بوعي كنيستنا المستمر بأنها الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، عندما قبلت اللجنة ما يرد في البيان: “على الدوام حفظت كلتا العائلتين بصدقٍ الإيمانَ الأرثوذكسي الخريستولوجي نفسه والتسلسل الرسولي غير المنقطع“. [II البيان المشترك ، الفقرة 9]

ثانياً) مهاجمة صلاحية وسلطة المجامع المسكونية المقدسة في قرار اللجنة المشتركة بأن رؤساء الكهنة غير الخلقيدونية ديوسقوروس ويعقوب وسفيروس، وغيرهم، لا يعتبرون هراطقة بل أرثوذكسيين في تفكيرهم. إن وعي الكنيسة الأرثوذكسية يدرك أن العصمة والسلطة في الروح القدس هي في المجامع المسكونية وترفض قبول إمكانية إعادة النظر في قرارات أيّ مجمع مسكوني في ايّ مجمع مسكوني آخر من دون اعتبار المجمع الأخير محفلاً هرطوقياً، كمثل مجمع أفسس اللصوصي.

ثالثاً) قرار اللجنة المشتركة المتعلّق بإمكانية رفع الحرم الذي وضعه مجمع مسكوني. هذا قرار غير مقبول وغريب على فكر الكنيسة السليم، وهو يسيء إلى وعي الكنيسة الأساسي لسلطة المجامع المسكونية.

رابعاً) مخالفة اللجنة المشتركة جذرياً لتعاليم الآباء القديسين عن خريستولوجيا غير الخلقيدونيين. إن الآباء (مكسيموس المعترف، صفرونيوس أورشليم، أناستاسيوس السينائي، يوحنا الدمشقي، فوتيوس الكبير، ثيوذوروس الستوديتي، ثيوذوسيوس رئيس الأديرة، وغيرهم) يصفون خريستولوجية غير الخلقيدونيين بالهرطقة، لكن اللجنة المشتركة تعتبرها أرثوذكسية واستمرارًا لإيمان الكنيسة الرسولي القديم.

خامساً) قبول اللجنة المشتركة بأن غير الخلقيدونيين المعاصرين يؤمنون بنفس خريستولوجيتنا. ومع ذلك، هذا غير واضح في البيان المشترك (1989 ، 1990)حيث يوجد العديد من التعبيرات القابلة للتفسير المونوفيزي الشبيه بتعليم سفيروس، الطبيعة الواحدة المتّحدة” [البيان المشترك 1] والطبيعتان تختلفان فقط في الفكر “[البيان المشترك 2]. فقد طُلب من غير الخلقيدونيين توضيح هذه المصطلحات لتبديد أي حالة من عدم اليقين حتى نكون متأكدين من أنهم يفهمونها بالمعنى الأرثوذكسي. للأسف لم يتم الحصول على إجابة.

سادساً) حصر اللجنة المشتركة طلب الإدانة بتطرف أوطيخا في الاعتقاد بالطبيعة الواحدة. بحسب تعاليم الآباء القديسين وضمير الكنيسة المتعبّد، حتى المونوفيزيتية المعتدلة عند ديسقوروس وسفيروس هي بدعة. إن المقارنة بين بعض الصيغ في البيانات المشتركة وتعبيرات معاصرة للبطاركة واللاهوتيين غير الخلقيدونيين المعاصرين تثبت تمسكهم بالمونوفيزيتية المعتدلة.

سابعاً)إعلان مطران سويسرا المضلّل بأنّ غير الخلقيدونيين يقبلون تعاليم مجامعنا المسكونية [Episkepsis # 5/16، March 31، 1995، p]، على الرغم من رفضهم قبول التفسير الأرثوذكسي لتحديدات المجامع المسكونية الرابع والخامس والسادس والسابع، على أنها تفسيراتهم. سوف نقدم كلمة بكلمة نص البيان المشترك الذي يفترض أنه يدعم قبولهم لتعاليم هذه المجالس المسكونية: “أما بالنسبة لمجامع الكنيسة الأرثوذكسية الأربعة اللاحقة، فإن الأرثوذكس يصرحون بأن بالنسبة لهم، النقاط المذكورة أعلاه من واحد إلى سبعة هي أيضاً تعاليم المجامع الأربعة اللاحقة للكنيسة الأرثوذكسية، بينما في نفس الوقت يعتبر الأرثوذكس الشرقيون هذا التصريح بمثابة التفسير الخاص بالأرثوذكس. بهذا التفهّم المتبادَل تجاوب الشرقيون“. نحن نسأل: أيمكن أن يُستنتج من هذا الإعلان أن غير الخلقيدونيين يقبلون بدون تحفظ تعاليم مجامعنا المسكونية؟

ثامناً) نظرية اللجنة المشتركة الجديدة بأن إعلان غير الخلقيدونيين الرسمي عن مسكونية المجامع المسكونية الرابع والخامس والسادس والسابع، كان يعتبر عمومًا نتيجة طبيعية لاستعادة الشركة الكاملة أو أنه يمكن تقييمه في المستقبل“. [Episkepsis # 516 / March 31، 1995، p. 15]. بعبارة أخرى، إن الوحدة سوف تتمّ من دون الاعتراف بالمجامع المسكونية. ولكن بعد الوحدة، سيتمّ قبولها على الأرجح أو سيتمّ طرح مسألة تقييمها. نحن نسأل: أي أسقف أرثوذكسي وقد أقسم على أن يدافع عن المجامع المسكونية والمحلية، سيقبل بالمناولة المشتركة مع أساقفة يناقشون مسكونية المجامع المسكونية؟

إن الشك في قبول غير الخلقيدونيين لمسكونية المجامع، تثبّت في إعلان البطريرك القبطي شنودة الثالث أمام اللجنة الأرثوذكسية في شامبيزي: “أما بالنسبة للمجامع المسكونية، فنحن نقبل الثلاثة الأولى نحن نرفض مجمع خلقديدونيةأستطيع أن أقول بصراحة شديدة أن كل المشرق لا يستطيع قبول مجمع خلقيدونيةلديكم سبعة مجامع مسكونية. إذا اضطررتم أن تخسروا واحداً، فلن يكون خسارة كبيرة بالنسبة لكم” [من المتروبوليت خريسوستوموس كوستانتينيدس مطران ميرا، حوار الكنيسة الأرثوذكسية مع الكنائس الشرقية القديمة، في دورية Theologia، أثينا 1980، Vol. 51، Issue 1، page 229-230].

تاسعاً) ميل اللجنة المشتركة إلى إخفاء الأحداث وإعطاء معلومات مضللة إلى الجسم الكنسي ما يُعتَبَر أعمالاً مثيرة للغاية لحساسيات الكنيسة، وهو يثبت في ما يلي:

أ) يجب نشر محاضر الاجتماعات الرسمية للجنة المشتركة للحوار بهدف إعلام رؤساء الكنيسة والإكليروس والشعب المؤمن وتوعيتهم.

ب) بأوامر من الكنائس المحلية، عقدت اللجنة المشتركة اجتماعها الرابع، وعلى أساس ما تمّ قبوله والاتفاق عليه في البيانات المشتركة، واتخذت قرار إمكانية رفع الحروم. [إعلان الاجتماع الرابع ، Episkepsis 498 ، 30 تشرين الثاني 1993 ، ص. 4 ، 6]. نحن نسأل: أيٌ من المجامع المحلية أعطى هذا الأمر أو على أساس أي قرارات مجمعية وافق رؤساء الكنائس على نصوص البيانات المشتركة وباركوا قرار رفع الحرم، أعلى أساس لاهوت البيانات المشتركة كما لو أنها تقوم على قاعدة أرثوذكسية قوية؟ فلتُنشر مثل هذه القرارات الصادرة عن المجامع المقدسة. وإلا فسيُفهَم أن اللجنة المشتركة ستقوم باتخاذ قرارات متتالية دون أن تؤمّن أولاً موافقة مجمعية على تشريعاتها السابقة وقراراتها.

ج) يؤكّد أسقف سويسرا الفائق الاحترام: “كل الكنائس الأرثوذكسية والشرقية المحلية المذكورة أعلاه رحّبت بحماسة، لا بالنتائج الإيجابية للحوار اللاهوتي وحسب، بل أيضًا باحتمال استعادة الشركة الكنسية بعد انفصال دام خمسة عشر قرن؛ لقد وصفوا الاتفاق الكامل على العقيدة الخريستولوجية بأنه حدث تاريخي.” [Episkepsis # 516 / March 31، 1955، p. 14]. هذا التأكيد هو تناقض مدوٍّ مع إجراءات ملموسة اتخذنها الكنائس وهي تشهد على عكس ذلك. نشير على وجه التحديد إلى:

1) توصية المجمع المقدس للكنيسة اليونانية، في 2 شباط 1994، إلى اللجنة المجمعية حول القضايا العقائدية والقضائية، حيث تقترح اللجنة أن لا تسارع الكنيسة اليونانية إلى قبول هذه ’البيانات’ وأن تعتبر ما يلي كشروط عقائدية أساسية لاتحاد غير الخلقيدونيين مع الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة :

أ) قبول غير الخلقيدونيين بتحديدات المجمع المسكوني الرابع

ب) الاعتراف بالمجامع المسكونية الرابع والخامس والسادس والسابع على أنها مسكونية بالإضافة إلى تحديداتها العقائدية ومن دون بيانات تفسيرية

ج)عدم التشجيع على الصلوات المشتركة أو غيرها من مظاهر العبادة المشتركة“…

إذا لم تُستوفى هذه الشروط، فإن غير الخلقيدونيينيبقون… غير أرثوذكسيين[Ecclesia، January 1-15، 1995، issue 1، p. 31]

2) في كانون الأول 1994 قدمت اللجنة اللاهوتية المجمعية لكنيسة روسيا تقريراً إلى مجمع رؤساء الكهنة المقدس، وعليه قرر مجمع الرؤساءما يلي:

1) الموافقة على تقرير اللجنة اللاهوتية المجمعية؛

2) تحديد أن البيان المشترك الثاني ومقترحاته إلى الكنائسلا يمكن اعتباره نصًا نهائيًا

3) وجوب أن تجري اللجنة اللاهوتية المجمعية دراسة إضافية لمحاضر الاجتماعات السابقة للاهوتيي الجانبينومن ثمّ، ستقوم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بإبلاغ اللجنة المشتركة للحوار اللاهوتي برأيها…

4) مع الأخذ في الاعتبار ضرورة مشاركة شعب الله في هذا الأمر من أجل تأسيس الوحدة بثبات، حيث أن الشعب بحسب رسالة بطاركة الشرق، هوحارس التقوى القديمة، فإن المجمع يرى أن الوقت مناسب لتنظيم مناقشة لكل الكنيسة حول هذا الموضوع المحدد” [Episkepsis، 516، March 31، 1995، p. 16].

ألم يكن هناك خداع فاضح في المعلومات المقدّمة إلى شعب الله؟

د) لقد أعلن لنا أساقفة من كنائس أرثوذكسية مختلفة أنه لم يتم إطلاعهم أبداً على الأحداث في هذا الحوار اللاهوتي وأنهم لن يقبلوا أبدًا الوحدة ما لم يقبل غير الخلقيدونيين المجامع المسكونية.

نحن نسأل: أيمكن تبرير مثل هذا الإغفال في إعلام أساقفة الكنيسة أصحاب الاهتمام المباشر، خاصة وأن الموافقة المجمعية المسبقة هي شرط لا غنى عنه عند التعامل مع مثل هذه القضايا الخطيرة؟

عاشراً) قرار مجمع الكنيسة الرومانية المقدس الغريب عن فكر الكنيسة، لكونه:

أ) يعتبر أن المجامع المسكونية وضعت الحروم على الهراطقة بروح تفتقر إلى المحبة، بينما اليوم، بوجود المحبة، يمكن إنجاز الوحدة. إن هذه الطريقة بالتفكير هي تجديف عميق ضد الروح القدس، الذي بإلهامه اتُخذَت هذه القرارات، كما ضد ذكرى الآباء القديسين المقدسة، الذين تدعوهم الكنيسة متوشحين بالله، أفواه الكلمة، قيثارات الروح، إلخ

ب) يقترح استبدال سلطة المجمع المسكوني بإجماع المجامع المقدسة المحلية أولٌ جديد في تاريخ الكنيسة.

ج) يوافق على تنظيم برامج لنشر قرارات اللجنة المشتركة بين الشعب دون أن يكون هناك قرار سابق بالإجماع. هذه الظروف الحالية هي بالتأكيد مؤلمة وضارّة للشعب الروماني التقي.

لهذا السبب ، تمتلئ قلوبنا بحزن لا يوصف لكنيسة رومانيا.

حادي عشر) قرار اللجنة المشتركة المثير للقلق للغاية بتطهير الكتب الطقسية من النصوص التي تشير إلى غير الخلقيدونيين كهرطقة. إن هذا القرار سوف يشوّه الخدم المقدسة لكثير من القديسين المعترفين بالإيمان والعديد من الآباء الأبرار، ولا سيما آباء المجمع الرابع في خلقيدونية وعملياً سيتمّ إسكات سينوذيكون الأرثوذكسية كما سوف يتوقف شعب الله عن قراءة سيَر العديد من القديسين.

نحن نسأل: هل النصوص المشار إليها أعلاه هي مجرّد عناصر زخرفية من الترتيل الأرثوذكسي بحيث يمكن إزالتها بدون ألم وبدون ضرر، أم أنها عناصر أساسية للأرثوذكسية، سيؤدي عزلها إلى استئصال فهمنا للأرثوذكسية؟

بقدر ما نحن معنيون، هذا سيكون ابتداعاً غير مقبول له عواقبه على هوية الكنيسة الأرثوذكسية ذاتها.

إننا بشجبنا لكل ما سبق، أمام البطريركية المسكونية المبجلة ورؤساء الكنائس الأرثوذكسية المحترمين والإكليروس المقدس والشعب المؤمن، نسعى إلى إعادة تأسيس الحوار اللاهوتي بأسرع ما يمكن على المبادئ الصحيحة، حتى يحفظ الأرثوذكس لأنفسهم الإيمان الأرثوذكسي غير معاب، ولكن أيضًا حتى يكون لغير الخلقيدونيين إمكانية العودة إلى كنيسة المسيح الحقيقية، التي انقطعوا منها لمدة خمسة عشر قرناً.

نحن نؤمن أنه بنعمة المسيح ستحقق مساعي كافّة أعضاء الكنيسة الدؤوبة نتائج إيجابية.

وفي حال، لا سمح الله، أتت الوحدة خارج الحقيقة الوحيدة، نعلن صراحة وبشكل قاطع أن الجبل المقدس لن يقبل مثل هذا الاتحاد الخاطئ.

بين الأرثوذكس والأقباط: الالتباس اللاهوتي وامتداده الرعائي

بين الأرثوذكس والأقباط: الالتباس اللاهوتي وامتداده الرعائي

الأب أنطوان ملكي

إن العلاقة بين الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين ملتبسة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وقد عملت دوائر حوارية عديدة في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة على تسخيف الخلاف العقائدي الخريستولوجي الذي دام خمسة عشر قرن، ببثّ الاعتقاد بأنّ الخلاف مع غير الخلقيدونيين هو خلاف لفظي وحسب. لطالما شكّل هذا الكلام التباساً يأخذ بعداً أكبر في أيامنا هذه، خاصةً مع الفوضى الناتجة عن سهولة النشر والتواصل الإلكترونيين.

في مكتبتنا العربية دراسة، هي الأهمّ في العالم الأرثوذكسي، حول الفرق اللاهوتي بين الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين، كتبها العلّامة الآبائي جان كلود لارشيه، نقلها إلى العربية الأب الدكتور يوحنا اللاطي، راجعها ودقق فيها الأرشمندريت توما بيطار، هي في الأصل مقال منشور في Le Messager Orthodoxe العدد 134 منشورات ACER في باريس، وقد صدرت بالعربية عن عائلة الثالوث القدوس، أوراق ديرية 7، سنة 2004، بعنوان المسألة المسيحيانية في شأن مشروع اتّحاد الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس غير الخلقيدونية: مشكلات لاهوتية وكنائسانية معلّقة“. يؤكّد الكاتب في خاتمته: “ليس الحوار بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس اللاخلقيدونية بجديد… أنشئت مشاريع اتحاد عدة على مرّ القرون إلى أيامنا هذه. يبيّن التاريخ لسوء الحظ أن المناهضين لخلقيدونيا (باستثناء الكنيسة الأرمنية) ما غيّروا قط في مواقفهم، وأن كل الخطوات إلى الأمام باتجاههم قامت بها الكنيسة الأرثوذكسية، الأمر الذي أدّى في حالات كثيرة إلى أن يقترب عدد ليس بقليل من رؤساء الكهنة من الهرطقة…”

إن حجم الدراسات والمواقف الأرثوذكسية الرزينة والمستندة إلى الآباء القديسين كبير، لكنه لا يحظى بالدعم السياسيالكافي لنشره بين المؤمنين وتحصينهم ضد العواطفية التي تجعلهم يعتقدون بإمكانية الوحدة أو التقارب من دون العقيدة والحق. يزيد هذا الواقع من الالتباس في هذه العلاقة، خاصةً عندما ينتقل الالتباس من المستوى اللاهوتي إلى المستوى الرعائي، فيتحوّل الالتباس خطراً. وما يزيد الخطر هو تمسّك غير الخلقيدونيين بمواقفهم التاريخية بمقابل التراخي الأرثوذكسي.

كمثال على أن الأقباط لم يتزحزحوا عن تعاليمهم عدد من الفيديوات المنتشرة للبابا شنودة وغيره يشرحون فيها عقيدتهم. في واحد منها بعنوان شرح مجمع خلقيدونية وطبيعة السيد المسيح، 1989″ يشرح شنودة تعليم الأقباط عن الطبيعة المركّبة مستعملاً عبارات تخالف بشكل لا لبس فيه تعليم الأرثوذكسية عن الطبيعتين فيقول: ” لا نستطيع من بعد الاتحاد أن نتكلّم عن طبيعتين. إنما طبيعة واحدة بعد الاتحاد… لما اكتمل الجنين اصبح طبيعة واحدة…” [1] هذا الكلام يردّ عليه حرفياً تعليم القديس يوحنا الدمشقي لا سبيل للكلام عن طبيعة واحدة في ربنا يسوع المسيح… فإننا نقول بأن الاتحاد صائر من طبيعتين كاملتين…” (المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، منشورات المكتبة البولسية، ص. 156).

عليه، سوف نتطرّق إلى موضوع هذا الالتباس عبر ملاحظات رعائية نضعها تحت ثلاثة عناوين: 1) أثر شبكات التواصل الاجتماعي، 2) مساعي التقارب المستمرّة، و3) الحوارات الشعبية.

1) أثر شبكات التواصل الاجتماعي

تنتشر عظات وأقوال الأنبا شنودة وغيره من اﻷنبايات كالنار في الهشيم. وما يشير إلى الخطر الرعائي أن العديد من الكهنة الأرثوذكسيين يساهمون بقوة في نشرها. ففيما تظهِر الإحصائيات ضعف المشاركة في المنشورات الإلكترونية ذات المصدر الأرثوذكسي، تظهِر تفوقاً كبيراً في المشاركة في المنشورات ذات المصدر القبطي. إن قواعد الاتصال الجماهيري (mass communication) تؤكّد خطأ هذه الممارسةحيث أن مشاركة تعاليم من مصادر غير أرثوذكسية تشرّع هذه المصادر. فعلى سبيل المثال، إذا شارك أحد الكهنة مع رعيته فيديو لكاهن غير أرثوذكسي يتحدّث صواباً عن موضوع ما، ولم يرفِق مشاركتَه بتعليم واضح حول صحة الكلام الوارد في الفيديو حصراً من دون أن يشرّع مصدره، فإن أبناء الرعية، أو أقلّه بعضهم، سوف يشاركون فيديوات أخرى من المصدر نفسه لأنه صار محسوباً مصدراً شرعياً. كمثالٍ نورد خبراً من إحدى الرعايا، حيث شارك كاهنها رعيتَه فيديو لكاهن قبطي يتحدّث بدقّة عن موضوع أخلاقي، فأُعجب بعض أبناء رعية هذا الأب بالكاهن القبطي الذي كان متحدثاً لبقاً وصاروا من الزوار الثابتين لموقعه، وبعد فترة صاروا يتكلّمون لغة الأقباط حول طبيعتي المسيح.

فيما تمثّل هذه القصة خفّةً غير مقصودة في التعاطي إلا إن الخفّة بشكل عام تجرّح كنيستنا على أكثر من مستوى. كمثال وفي إطار مشابه، عندما يرى المؤمنون أنّ مطارنة يشاركون في صلوات مشتركة بملابس الخدمة الكهنوتية، فإنهم يعتبرون أن المشاركة مع غير الأرثوذكس شرعية، فلا يتوانون عنها.

2) مساعي التقارب المستمرّة

يقوم اليوم مسعى للتقارب مع الأقباط غير متّضح الملامح بعد. فعلى موقع حركة الشبية الأرثوذكسية بعنوان التقارب بين الكنيسة القبطية وكنيسة الروم الأرثوذكس خطة الاتحاد العالمي المسيحي للطلبة، بتاريخ 24 أيلول 2018، يرد الخبر التالي: <بدعوةٍ من الاتّحاد العالمي المسيحيّ للطلَبة في الشرق الأوسط، وتحت عنوان “الكنيسة والتربية: تحدّيات معاصرة (منطلقات من فكر كوستي بندلي المفكّر الكبير)”، أُقيمت 3 ندوات في مصر حاضر فيها الأخ الدكتور نقولا لوقا وذلك في 20، 21 و22 أيلول في خطوة تقارب بين الكنيسة القبطيّة والكنيسة الأرثوذكسيّة> [2]. هذا الخبر يطرح مجموعة من التساؤلات: مَن يأخذ قرار التقارب، أهو المجمع الأنطاكي أم الاتّحاد العالمي المسيحيّ للطلَبة في الشرق الأوسط؟ هل وافق المجمع على هذا التقارب؟ ما هو الأساس العقائدي لهذا التقارب؟ ما هو الثمر الرعائي الذي سوف ينتج عن هذا التقارب؟ إذا كان هناك مشكلات لاهوتية وكنائسانية معلّقة بين الكنيستين، هل يكون علاجها وتخطيها بالحوار التربوي وبفكر كوستي بندلي أم بحوار لاهوتي دقيق يقوم به لاهوتيون مُنتَدَبون؟

هذه المجموعة من الأسئلة، وطبعاً هناك غيرها، إنّما تظهِر عدم الوضوح والالتباس في العلاقة.

3) الحوارات الشعبية

فيما الحوارات الشعبية قد تقرّب الناس من بعضها إلى أنها متى تطرّقت إلى الأمور اللاهوتية تعمّق الالتباس المذكور أعلاه. نورد الحَدَث التالي لتأكيد ضرورة أن يكون الموقف الأرثوذكسي ثابتاً في أرثوذكسيته، وإلا فإن أصحابه يساهمون من حيث لا يدرون في انتشار الخطأ.

نشرت مجموعة محبو كوستي بندليعلى صفحتها في 1 أيلول 2018، القول التالي للأستاذ بندلي، مأخوذاً من فتات من نور“: <ما يؤكد هذا الخفر الإلهي، الذي رأينا أنه سمة أساسية في تعاطي الله مع الكون، هو أنه، لما انحدر اليه، لم يتّخذ شكلاً فائقاً، بل شكل إنسان كسائر الناس، آخذا صورة عبد ، صائراً بشبه البشر، وكأنه أفرغ ذاتهمن ألوهته (فيليبي 7:2). هكذا تواجد لديه أقصى الحضور، نتيجة حبه للكون، وأقصى التواري، نتيجة الحب عينه> ومن ضمن مساهمات القرّاء الطبيعية، جرَت المحادثة التالية حيث كتب أحد المشاركين واسمه مارتن رأفت: “افرغ ذاته من الوهته.. الكلمة دي صعبةفردّ المسؤول عن الصفحة: “لهذا من الضروري أن نقرأها مع كلمة كأنهالتي أثبتها الكاتب قبل هذه العبارة ونصِلها بالفكرة السابقة آخذا صورة عبد‘…فكان رد مارتن رأفت: “يعني فالحقيقه هو لم يفرغ ذاته“. بنتيجة هذا الحوار، حذف المسؤول عن الصفحة المحادثة، لكن يمكن الوصول إليها من محفوظات فايسبوك. جدير بالذكر أن زيارة صفحة مارتن رأفت تظهِر أنه قبطي ملتزِم.

ما معنى هذه المحادثة؟ يعبّر بندلي عن التعليم الأرثوذكسي حول إفراغ السيّد لذاته واتّخاذه الطبيعة البشرية، استناداً إلى تعليم الرسول بولس في الآية المذكورة التي تقول حرفياً: “لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ“. زيادة كلمة كأنهغير الواردة في الآية أصلاً هي خطأ. إن كانت هذه الزيادة مقصودة نستنتج أن بندلي يعلّم غير ما تعلّمه الكنيسة. وإن كانت هذه الزيادة هفوة لغوية، فيعني أنه يفتقد للدقة في أمور حساسة لا تتحمّل الهفوات.

لا يهدف هذا المقال إلى مناقشة فكر بندلي بل الأكيد هو أن فكر بندلي، أو غيره، لا يمكن أن يكون مادة للتقارب في اللاهوت إلا إذا اعتمده وجدان الكنيسة الجامعة مرجعاً. أما في الأمور الأخرى، كالتربية وعلم النفس وغيره، فالحكم هو لأصحاب الاختصاص، مع التشديد على أن لا مجلس الكنائس ولا اتحاد الطلبة المسيحيين ولا حركة الشبيبة الأرثوذكسية، ولا أي كاهن أو علماني يتبرّع للمساهمة في هذا التقارب منفرداً هو مَن يختار.

من جهة أخرى، تظهِر المحادثة أن الأقباط متمسّكون بنظرتهم المسيحانية التي تخالف التعليم الأرثوذكسي وهم يعلّمون أجيالهم هذا التعليم، بما يؤكّد أن القول بأن الخلاف بين الأقباط والأرثوذكس هو خلاف لفظي غير صحيح. فوق هذا، إن عملية الحذف عن فايسبوك تؤكّد خطورة أن يتعاطى الحوار اللاهوتي مَن هو غير مؤهّل ومتدرّب لذلك. واضح أن عبارة وكأنهتعني أن الأمر فعلياً لم يحدث، وهذا ما وجد فيه القبطي دعماً لنظرته، وما وجد فيه القائم على الصفحة إحراجاً واتّهاماً لكوستي بندلي بالافتقاد إلى التعبير الدقيق عن العقيدة الأرثوذكسية فلجأ إلى الحذف. لكن مَن يعرِف كم من الناس قرأ هذا الحوار قبل حذفه؟

في الختام، نعيش في أنطاكيا فوضى لاهوتية سببها الأساسي عدم الاهتمام باللاهوت من جهة وغياب المجمعية من جهة أخرى. لا لجان تدرس ولا أساقفة تراقب ولا معاهد تبحث ولا أديار تسهر، فيما شبكات التواصل الاجتماعي تفتح شهية الجميع على اتّخاذ دور التعليم بغضّ النظر عن النوايا. من جهة أخرى، انفتاح بعض الأنطاكيين على المؤسسات الكونية التي يهمها تسجيل اللقاءات بين الكنائس على أنها إنجازات في سِيرِها، يزيد من قابلية التأثّر والإصابة في الكنيسة. يُضاف إلى هذه التوهّمُ الذي يعيشه البعض، ومنهم من الرؤساء، بأن الوحدة المسيحية الشكليّة تزيد من مناعتهم في الوضع السياسي والاجتماعي القائم.

[1] https://youtu.be/ZUzzqdRj0hY ابتداءً من الثانية 2:50

[2] http://mjoa.org/archives/30004