القدّيس البار أفلاطون رئيس دير ساكوذيون (+ 814 م)

القدّيس البار أفلاطون

رئيس دير ساكوذيون

(+ 814 م)

تيتّم إثر وفاة والدَيه بالطاعون الذي اجتاح القسطنطينية وضواحيها سنة 747 م. عمره، يومذاك، كان ثلاثة عشر عاماً. اُلحق بأحد أعمامه، وزير المالية في الأمبراطورية. تلقّى تعليماً ممتازاً وأبدى قابليات مدهشة في إدارة الشؤون العامة حتى إن العديدين من ذوي الرفعة التمسوا عشرته. أما هو فنفرت نفسه من المعاشرات الدنيوية والأوساط المترفّهة وارتحل ذهنه إلى ناحية الكنائس والأديرة أخذ يقصدها للصلاة كلّما سنحت له الفرصة. فلما بلغ به الوجد الإلهي حدّه وخبا في عينيه كل بريق العالم، أطلق خدّامه ووزّع ثروته على الفقراء، بعدما أمّن لأختَيه مهرهما، ووجّه طرْفه ناحية جبل الأوليمبوس في بيثينيا مصحوباً بأحد خدّامه. فلما بلغا مغارة جعل خادمه يقصّ له شعره ثم تبادل وإيّاه الأثواب وأطلقه وجاء إلى دير الرموز. أبدى، هناك، رئيس الدير، ثيوكتيستوس، حياله تحفّظاً بعدما استعرفه واحداً من الارستقراطية، معتاداً السيرة المخملية. لكنه ما لبث أن غيّر رأيه، لا سيما بعدما أخضعه للاختبار واستبانت لناظريه أصالة محبّته لربّه وصلابة نفسه وشدّة عزمه وكمال زهده. سنّه، يومذاك، كانت الرابعة والعشرين.

سلك أفلاطون في الطاعة الكاملة لأبيه الروحي مقتبلاً، ببركته، أشدّ الأتعاب النسكية. على هذه الدرب مشى بخطى واثقة ثابتة، مخضعاً نوازع جسده لفكر المسيح في قلبه، دائباً على الأسهار وسكب العبرات، معترشاً التواضع أساساً لكل سعي. حَفِظَه كشفه لسرائر أفكاره، كل حين، من فخاخ شيطان الكبرياء، فازداد رغبة في محاكاة تواضع المسيح. وإذ هجر مهنته المفضَّلة، وهي النسخ، جعل نفسه في خدمة إخوته يتّخذ، إثر سؤالهم، أملَّ المهام وأمقتها، كنقل الزبل وعرك العجين. وابتغاء تمحيصه كان ثيوكتيستوس، أحياناً، يتّهمه، زوراً، في محضر الغرباء، بفعلة أو بأخرى وينتهره بقسوة لارتكابه ما هو براء منه. بإزاء ذلك كان أفلاطون يطأطئ رأسه ويسأل العفو دامعاً، غير مبرِّر نفسه بكلمة لأنه كان يحسب الإهانات والتعيير كسباً ومجداً.

فضائله أفاضت عليه محبّة أبيه وسائر السالكين في مخافة الله حتى إنه قبل مرغماً أن يرأس الدير بعد رحيل ثيوكتيستوس إلى ربّه. ارتقاء سدَّة الرئاسة كان، لأفلاطون مناسبة لإحراز المزيد من التقدّم الروحي. فأقام على حدة، لا سيما وأن بعضاً من دير الرموز كان لافرا. واللافرا، في الأصل، قلال تتصل بممر. أخذ يقتات من البقول النيء طوال الأسبوع ولا يأخذ نصيباً من المائدة المشتركة إلا في الآحاد. كان على اعتدال كبير في الشراب، لا يأخذ من الماء سوى نصيب كل يومين، وأحياناً مرّتين في الأسبوع. كما كان يسوس القطيع بحكمة مبدياً، في الصلاة، أعظم الحميّة، وكان يدفع الرهبان صعداً إلى جبل المعاينة الإلهية. كل وقت كان فيه خلواً من الصلاة كان يملأه من النسخ بخط دقيق جميل لكتابات الآباء القدّيسين. هذا أكسبه معرفة فذّة بتراث الكنيسة وألهمه مبادئ الإصلاح الرهباني التي دعت إليها الحاجة إثر الفوضى التي ترافقت وفترة العداء للإيقونات.

وكان في زمن حملة الأمبراطور قسطنطين الخامس، الزبلي الإسم، عام 780م، أن أفلاطون قام بزيارة القسطنطينية فاستقبله أنسباؤه كالناهض من بين الأموات. مسحته النسكية وعذوبته ونعمة كلامه المشبع بالنسغ الإنجيلي جعلته موضع اهتمام المدينة بأسرها. يومذاك كان الكلّ للكلّ نظير رسول جديد، يصلح الساقطين في مهاوي الهرطقة ويبثّ روح العفّة في المتزوّجين ويعظ الفتية إلى العذرة ويعزّي المكروبين ويضع السلام فيما بين المتخاصمين، مقدِّماً نفسه طبيباً للنفوس وعشيراً لمَن هم في سدّة المسؤولية، باعثاً في الجميع الرغبة في الكمال. على هذا اجتذب إلى الحياة النسكية شقيقته ثيوكتيستي وزوجها فوتينوس وأولادهما الثلاثة: ثيودوروس ويوسف وأفثيميوس مع أختهم، وكذا إخوة فوتينوس وآخرين أصدقاء لهم. وبعدما اعتذر عن رئاسة أحد ديورة العاصمة وامتنع عن قبول أسقفية نيقوميذية، اعتزل وإيّاهم في ناحية ساكوذيون العائلية فحوّلوها ديراً شركوياً. قام الدير الجديد على أسس متينة تمتّ إلى تراث الآباء القدّيسين وضمّ، في فترة قصيرة، مائة راهب. وقد أضحى نموذجاً للعديد من الأديرة في زمانه.

سلك الإخوة في الشركة متّحدين، بعمق، برئيسهم، نظير أعضاء الجسد بالرأس. غيرأن قلب أفلاطون كان إلى العزلة الكاملة. فلما لحظ المزايا الفائقة التي تمتّع بها القدّيس ثيودوروس – وهو الذي صار على ستوديون فيما بعد وعُرف بالستوديتي (11 تشرين الثاني) – وبعدما أعدّه للقيادة، أسلمه دفّة الشركة متعلِّلاً بعلّة المرض واعتزل (794 م).

غير أن حبل السلام في الدير اضطرب وتعرّض الرهبان للاضطهاد إثر الموقف الذي تبنّاه أفلاطون وثيودوروس في شأن اقتران الأمبراطور قسطنطين السادس، بصورة غير شرعية، بثيودوتا، إحدى وصيفات الأم الملكة ونسيبة أفلاطون وثيودوروس. نبذ القدّيسان كل خوف من الناس وتعرّضا للأمبراطور لأنه تجاسر فتجاهل القوانين الكنسية وحرمتها. وقد استدعى الملك القدّيس أفلاطون إلى القسطنطينية وضغط عليه لحمله على الرضوخ لمشيئته، فكان جوابه، نظير معمدان جديد، أن صرخ في وجه الأمبراطور: “لا يحلّ أن تكون لك امرأة أخيك!” (مر 6: 18). للحال أُوقف وأُلقي في حبس ضيِّق وصاروا يمرِّرون له طعامه عبر نافذة صغيرة. أما رهبان ساكوذيون فتبعثروا ونُهب الدير فيما نُفي القدّيس ثيودوروس وأحد عشر معه إلى تسالونيكي.

ومرّ وقت جرى بعده تغيير في القصر أُطيح خلاله بقسطنطين السادس وقبضت الأمبراطورة إيريني على زمام الأمور فأطلقت أفلاطون وردّت ثيودوروس من المنفى، فعاد الرهبان إلى ساكوذيون عام 797 م. لكنهم ما لبثوا، تحت تهديد غزوات المسلمين العرب، أن غادروا الدير إلى القسطنطينية حيث قدّمت لهم الأمبراطورة دير ستوديون الذي كان قد حلّ به الخراب خلال الهجمة على الإيقونات. ثيودوروس، هناك، هو الذي تولّى الشركة فيما اعتزل أفلاطون في قلاّية مغطّاة بالرصاص، متجمّدة في الشتاء ومحرقة، كآتون بابل، في الصيف. هذا الكوخ المظلم أضحى لقدّيس الله مرسحاً لمعارك مضاعفة. فإنه جعل في رجله سلسلة ثقيلة فيما انطلقت روحه، بالمعاينة الإلهية، في رحاب السماء. هذا لم يحل البتّة دون اتصاله بالإخوة الذين كان يستقبلهم معزّياً في المحن ومشدِّداً في ساحات الحرب اللامنظورة، داعياً إيّاهم إلى الصبر والثبات، ومفقِّهاً في تعليم الآباء القدّيسين.

كان أفلاطون وثيودوروس لرهبان دير ستوديون نظير موسى وهرون لشعب العهد القديم. وقد أبديا حيال تقليد الكنيسة المقدّسة غيرة لا تخبو. على هذا قاوما، باسم القوانين الكنسية، ترقية القدّيس نيقيفوروس، من الحالة العامية إلى الرتبة البطريركية. من جديد أخرجهما الجند الملكي، بعنف، من الدير، وعرّضهما لاضطهادات شرسة على مدى سنة كاملة. وإنّ مجمعاً للأساقفة الخاضعين للأمبراطور أدان القدّيس أفلاطون الذي أُسلم إلى رهبان مزيّفين وأُخرج بطريقة محقِّرة إلى جزيرة أوكسيا في أرخبيل الأمراء حيث أغلقوا عليه في حبس ومنعوا عنه العناية الصحيّة الضرورية، لا سيما وأن وضعه الصحّي كان في تردٍّ.

ومرّة أخرى حدث تغيير في الحكم، بعدما قُتل الأمبراطور نيقيفوروس الأول في معركة ضد البلغار، وتبوّأ العرش ميخائيل الأول. فعاد المنفيّون إلى ديرهم، لكن أفلاطون لم يعد إلى خلوته بل اتّخذ قلاّية خضع فيها للعلاج بعدما أضنت جسده كثرة الأتعاب. هذا لم يُعق صلاته المتواصلة ولا تمتّعه بالمعاينة الإلهية، ولمّا يحل دون تواصله ورهبان الشركة يزوّدهم بنصائحه.

فلمّا كان الصوم الكبير من العام 814 م مرض مرضاً شديداً فنُقل، بناء لطلبه، ليكون بقرب مدفنه الذي أمر بإعداده سلفاً. فلمّا وقعت عليه عيناه هتف بارتياح: “هذا موضع راحتي!” وجاءه زائراً عددٌ من ذوي المعالي بينهم البطريرك نيقيفوروس الذي تصالح وإيّاه عن محبّة خالصة. وبعد أن غفر لمَن اضطهدوه أفعالهم، نظير معلّمه، وعبّر لثيودوروس ورهبانه أنه لا يحتفظ لنفسه بعد بأي شيء بل أعطاهم كل شيء، أسلم الروح لربّه يوم سبت لعازر وهو ينشد: “الموتى يرتفعون والذين في القبور يقومون والذين وُوروا الثرى يبتهجون”.

ملاحظة . كتب سيرة حياة القدّيس أفلاطون ابن أخته القدّيس ثيودوروس الستوديتي. يُعيِّد له الغربيون مثلنا اليوم.

 

عن سير القديسين – السنكسار، وسائر الاعياد في الكنيسة الارثوذكسية، الارشمندريت الراهب توما بيطار

القديس يوسف الدمشقي (U10 تموز 1860م)

القديس يوسف الدمشقي

(U10 تموز 1860م)

 

هو الأب يوسف بن جرجس موسى بن مهنا الحدّاد1 المعروف، اختصاراً، بإسم الخوري يوسف مهنا الحداد. وهو بيروتي الأصل، دمشقي الموطن، أرثوذكسي المذهب، كما كان يطيب له أن يعرّف عن نفسه أحياناً2. ترك والده بيروت في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وجاء فاستقر في دمشق حيث عمل في صناعة النسيج، وحيث تزوّج وأنجب ثلاثة أولاد ذكور هم موسى وابراهيم ويوسف. وهو من أصل عربي غسّاني حوراني، انتقل أجداده الى بلدة الفرزل البقاعية اللبنانية في القرن السادس عشر ومنها الى بسكنتا، في قضاء المتن الشمالي حالياً، فبيروت.

وقد وصفه مترجموه، وهو كاهن، بأنه كان مربوع القامة، معتدل الجسم، أبيض البشرة، مهيب الطلعة، بارز الجبهة، متوقد العينين ذكاء، كثّ اللحية على توسّط في طولها وعرضها، نشر فيها الشيب أسلاكه حتى شابهت أشعة الشمس في الضحى.

ولادته ونشأته

ولد يوسف في دمشق خلال شهر أيار من العام 1793 3 لعائلة فقيرة تقية. تلقى بعض التعليم4 فألمّ باللغة العربية وقليل من اليونانية. انقطع عن  الكتّاب5 بعد حين لأنه لم يكن في طاقة أبيه أن يكمل له تعليمه. صار يعمل في نسج الحرير. ولم يطفىء العوز وشغل اليد شوقه الى العلم والمعرفة. كان لا بدّ له أن يجد حلاً. فكان الحلّ العمل اليدوي في النهار والدرس على النفس في الليل. الحاجة جعلته عصامياً. ولعلّ ميله الى العلم زكّاه فيه أخوه البكر موسى الذي كان أديباً ملمّاً بالعلوم، لا سيما اللغة العربية، واقتنى مكتبة صغيرة6، لكنّه رقد وهو دون الخامسة والعشرين، وقيل إرهاقاً، من كثرة إقباله على المطالعة. وقد أثّر المصاب سلباً في موقف والدي يوسف من شغفه هو أيضاً بالكتب. ومع ذلك بقيت شعلة المعرفة متوقدة في نفسه.

فلما بلغ الرابعة عشرة أخذ بمطالعة كتب أخيه. لكنه شعر بالإحباط لأنه كان لا يفهم ممّا يقرأ إلاّ قليلاً. وعوض أن يثنيه الفشل عن عزمه زاده إصراراً. لسان حاله كان: “ألم يكن مؤلّف هذه الكتب إنساناً مثلي، فلماذا لا أفهم معناها؟! لا بدّ لي من أن أفهم”7.

وتسنّى له أن يدرس على علاّمة عصره الشيخ محمد العطّار الدمشقي فأخذ عنه العربية والمناظرة والمنطق والعلوم العقلية8. لكنه تراجع، من جديد، بعد حين، لأن أجور التعليم وأثمان الكتب أثقلت عليه وعلى والديه، فعاد الى سابق وتيرته: العمل نهاراً والمطالعة ليلاً.

من المهم أن نعرف أن طلب العلم في ذلك الزمان كان متداخلاً مع التقوى وطلب المعرفة الإلهية. ولا ننسى أن من أبرز الكتب الدراسية، آنذاك، كان الكتاب المقدّس.

فعلى التوراة والمزامير والعهد الجديد انكب يوسف في لياليه يقابل النسخة اليونانية على العربية والعربية على اليونانية  حتى أتقن النقل من اليونانية وإليها. ولم يقف تحصيله عند حدّ اللغة لأنه كان قد استظهر أكثر الكتاب المقدّس.

واستمر يوسف يرصد الفرص الدراسية، الواحدة تلو الأخرى، بشوق لا قرار له. فأخذ الإلهيات والتاريخ عن المرحوم جرجس شحادة الصبّاغ4. وبدأ يقبل التلامذة في بيته. ثم أخذ العبرية عن أحد تلامذته اليهود.

كل هذا النشاط الدؤوب أثار مخاوف والديه من جديد فحاولا صرفه عن المطالعة والدرس والتدريس لئلا يصيبه ما أصاب أخاه موسى، فلم يفلحا. أخيراً، بدا لهما أن الحل الوحيد الباقي هو تزويجه، فزفّاه الى فتاة دمشقية تدعى مريم الكرشة، وهو بعد في التاسعة عشرة من عمره (1812). إلاّ أن الزواج لم يكن ليصرفه عن المطالعة فثابر على القراءة بنهم حتى في ليلة عرسه، كما أورد كاتب سيرته.

 

يوسف كاهنا

وفطنت له رعية دمشق بعدما شاع ذكره بين الناس، فرغبوا الى البطريرك سيرافيم (1813 – 1823) أن يجعله راعياً لهم، وكان هو أيضاً يكنّ له اعتباراً طيّباً، فسامه شمّاساً فكاهناً، في خلال أسبوع، وهو في الرابعة والعشرين (1817). كما أعطاه البطريرك مثوديوس (1824 – 1850) لقب مدبر عظيم (ميغاس ايكونوموس) بعدما عهد فيه الغيرة والتقى والعلم والإقدام9.

إهتمّ يوسف بالوعظ في الكنيسة المعروفة بالمريمية10 سنوات طويلة، فأبدع. اعتبره البعض يوحنا ذهبي الفم ثانياً7، وتحدّث نعمان قساطلي في “الروضة الغناء…” عن كونه “واعظاً مفلقاً”11. وذكر أمين ظاهر خير الله في “الأرج الزاكي…” في نهاية القرن التاسع عشر (1899)، أي بعد رقاد يوسف بتسع وثلاثين سنة، أن الشيوخ الدماشقة كانوا ما يزالون يردّدون بعضاً من مواعظه. وقد بقي صداها يتردّد في اوائل القرن العشرين، فعرّف عنه حبيب أفندي الزيّات، الملكي الكاثوليكي، بأنه “المشهور بين أبناء العرب الأرثوذكسيين في ذلك الوقت بعلمه ووعظه”12.

امتاز يوسف، في وعظه، بقوّة الحجّة والجواب الدامغ المقنع. وكان -بكلمات عيسى اسكندر المعلوف13 -ذا صوت خفيف “يسمع من بعيد والناس يصغون الى سماع كلامه بكل لذّة وشوق ويتأثّرون منه ويأتمون14 بنصائحه… ويحفظون وصاياه…”.

وكان، الى الوعظ، دؤوباً في مؤاساة البؤساء وتسلية الحزانى ومعاضدة الفقراء وتقوية المرضى13. ولمّا تفشى الهواء الأصفر في دمشق سنة 1848، أظهر الأب يوسف غيرة كبيرة في خدمة المرضى، غير مبال بإمكان التقاط المرض، هو نفسه، متكلاً على الله في كل حال، ومهتماً بدفن الموتى وتعزية الحزانى. فعل ذلك كله وأكثر بهمّة لا تعرف الكلل فيما فقد أحد أولاده، مهنا، مضروباً بالوباء. وقد زادت غيرته وصلابته وحنانه في آن من احترام الدمشقيين له أيّما احترام، ورأوا فيه صورة القائل “…مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين، متحيّرين لكن غير يائسين… مطروحين لكن غير هالكين، حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع لكي تظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا” (2 كورنثوس 4 :8 – 10).

وسعى الخوري يوسف، فيما سعى، الى صرف الشعب المؤمن عن الكثير من العادات الشائعة، مما لا يتفق واستقامة الرأي، فأثّر كلامه في النفوس ونجح في تغيير الكثير من عادات الخطبة والعرس والمأتم15.

وكما اهتمّ ببناء النفوس اهتمّ أيضاً ببناء الهياكل الحجرية فسعى في العام 1845م الى تجديد كنيسة القديس نيقولاوس16 المتاخمة للكنيسة المريمية فجرى ترميمها بإتقان، لكنها احترقت في أحداث 1860 10.

المدرسة البطريركية

لا نعرف بالتدقيق من أنشأ ومتى نشأت المدرسة البطريركية في دمشق. الثابت أنها اقترنت في القرن التاسع عشر باسم الأب يوسف حتى صارت تعرف بمدرسته.

انتقل الخوري يوسف الى المدرسة البطريركية سنة 1836 فضم اليها التلامذة الذين كان يقوم بتعليمهم في بيته17. ولم يلبث أن طوّرها فعمد الى توسيعها وجعل عليها وكلاء، واهتم بـ”النظارة” فيها، كما عيّن للمعلمين رواتب محدّدة. وما لبث أن اجتذب طلاب العلم من أرجاء سورية ولبنان.

كان الهمّ الأول للأب يوسف تثقيف عقول الناشئة من أبناء الرعية الأرثوذكسية “وترشيحهم للكهنوت واقتبال درجاته ليخدموا الرعية خدمة نافعة”18. نفقات التعليم في المدرسة كان يغطيها المؤمنون والبطريركية19.

وكان طبيعياً، ضمن رؤية الأب يوسف للأمور، أن يتضاعف الاهتمام بدراسة اللاهوت في المدرسة. ففي العام 1852، في زمن البطريرك ايروثيوس (1850 – 1885)، بادر الخوري يوسف الى افتتاح فرع عال للعلوم اللاهوتية، وفي نيته أن يجعله في مستوى أكاديمي رفيع يضاهي المعاهد اللاهوتية في العالم الأرثوذكسي20. وقد انتظم في هذا المعهد اثنا عشر تلميذاً أصبحوا كلهم من أحبار الكنيسة الأنطاكية. لكن موت الشهادة في السنة 1860 قطع عليه إرساء الحلم على قواعد ثابتة راسخة توفر للمعهد ديمومته.

هذا وقد نفخ الخوري يوسف في تلامذته “روح سلام ونجاح لا مثيل لامتدادها – في نظر العارفين – الا لكبار القدّيسين حتى إن تلك الروح المقدسة تجاوزت تلامذته وخريجيه الى جميع المتقربين منهم والمتخرجين عليهم والمعاشرين لهم. وهؤلاء نقلوها الى من اتصل بهم حتى كانت بمثابة سلسلة مرتبطة الحلقات. فذاعت تعاليمه وأثمرت تربيته صلاحاً”21.

الى ذلك يذكر أن الأب يوسف كان أحد الذين علّموا في مدرسة البلمند الاكليريكية في وقت من الأوقات22، بين العامين 1833 و 1840 .

خصال رجل الله

أولى ميزات الخوري والمعلم يوسف أنه كان فقيراً. بعض المصادر يذهب الى حدّ القول أن خدمته للكنيسة كانت “بدون عوض”23 أحد العلماء الروس المطلعين19 قال عنه انه لم يكن له دخل البتة لانصرافه الى خدمة المدرسة، لكن نفقاته كان يحصّلها أولاده من شغل أيديهم24.

في كل حال، لم يكن المال ليغريه البتة.

من أخباره أنه بعدما ذاع صيت مدرسته رغب اليه البطريرك الأورشليمي كيرللس الثاني (1845 – 1872) أن يدرّس العربية في مدرسة المصلبة الإكليريكية غربي القدس، فاعتذر، فعرض عليه راتباً شهرياً مغرياً، خمساً وعشرين ليرة25، بالإضافة الى المسكن وايراد البطرشيل وتعويضات أخرى، فأبى رغم حاجته الى المال. قال مشيراً الى رعيته في دمشق: “إني دعيت لخدمة هذه الرعية دون سواها والذي دعاني يكفيني”26.

وكان، الى ذلك، حسن العبادة، حار الإيمان، صبوراً صبراً عظيماً19، صالحاً جداً، وديعاً، هادئاً27، متواضعاً، شفوقاً، دمثاً، يكره الكلام عن نفسه ويمجّ الافتخار حتى يخجل من مادحيه28 ولا يعرف بما يجيبهم.

وكان حكيماً حليماً في رعايته يتحدّث بلغة الحكماء والعلماء فيفحمهم ويتكلم بلغة البسطاء فيقنعهم. من أخباره أن بعض الساذجين تركوا الكنيسة مرة لأمر تافه، فأشار اليه البطريرك مثوديوس أن يذهب في إثرهم ويسترجعهم. فلما أتى اليهم لم يبد أي استياء من عملهم، بل لاطفهم وعرض عليهم بعض الأيقونات الصغيرة التي كانت بحوزته فلمس قلوبهم وعاد واياهم الى الكنيسة خجلين نادمين29.

كعلاّمة كان أستاذ المعلمين30 وكوكب الشرق والعلاّمة العامل31. وقد شهد أهل زمانه من غير كنيسته أنه من أكبر علماء النصارى البارعين في وقته32. “لم يكن أحد يقارنه في عصره، في الطائفة الأرثوذكسية، من أبناء العرب، في علمه ومعارفه إلاّ جرجي اليان”33.

وكرجل كنيسة اعتبر لاهوتياً كبيراً وفخر الأرثوذكسية والشهيد في الكهنة وأنموذج التقوى والفضيلة31.

هكذا ارتسمت ملامح الخوري يوسف الدمشقي في زمانه: واحداً من رجال الله.

مكتبته ونتاجه

لا نعرف شيئاً عن مكتبة الخوري يوسف عندما استشهد لأنها احترقت في أحداث 1860 أو نهبت وضاعت. ابن أخيه، يوسف ابراهيم الحداد، قال إن مجموع ما كان لديه من الكتب والمخطوطات، في حدود العام 1840 34، كان 1827، أو ربما 2827 مجلّداً.

أما عمله الكتابي فكان، فيما يبدو، غزيراً. قابل المزامير والسواعي والقنداق والرسائل على أصلها اليوناني فدقّق فيها وضبطها. ونقل الى العربية كتاب التعليم المسيحي لفيلاريت، مطران موسكو. نسخ الكثير من المخطوطات وقابل فيما بين النسخ فجاءت مضبوطة مصححة “كالدراهم المصكوكة جيداً لا زيوف فيها ولا بهارج”35. من ذلك تفسير أيام الخليقة الستة وما خلق فيها منذ القديم للقدّيس باسيليوس الكبير، وهو من تعريب الشمّاس عبدالله بن الفضل الأنطاكي، وثلاثون ميمراً للقدّيس غريغوريوس اللاهوتي. وقد اعتاد أن ينهي مخطوطاته بأقوال كهذه: قد نقل هذا الكتاب عن نسخة قديمة وقوبل عليها بالتمام. وكان يمهرها بختمه ويوقعها، وبذلك يجيز التي تطبع أو تنسخ منها. المطابع الأرثوذكسية، آنذاك، كمطبعة القدّيس جاورجيوس في بيروت ومطبعة القبر المقدّس في القدس والمطابع العربية في روسيا وسواها كانت كلها تعتمد عليه لتصليح مطبوعاتها ومقابلتها على الأصل. كان ختمه ختم الثقة في مجال اللاهوت والأدب والثقافة. وقد اعتاد أن يشترك في النقل من العربية الى اليونانية ومن اليونانية الى العربية مع يني بابادوبولوس. وله أيضاً مساهمته في تنقيح النسخة العربية للكتاب المقدّس، وهي المعروفة بطبعة لندن. كان فارس الشدياق يعرض عمله الذي كان يقوم به بالتعاون مع المستشرق الإنكليزي لي، على الخوري يوسف فيقابله على الأصل العبراني أو اليوناني ويبدي رأيه بشأنه.

وقد أظهر الخوري يوسف، في عمله الكتابي، جلداً فائقاً وتنقيباً واسعاً وأمانة ودقة، وقد كان يشكو دائماً من التحريف الذي كانت تتعرّض له منقّحاته في المطابع.

لا نعرف إذا كان الخوري يوسف قد ترك مؤلفات، غير بعض المقالات هنا وهناك. ربما لم يتسنّ له، أو لم يحسب نفسه مستحقاً لمجاراة الآباء في نتاجهم، بل اكتفى بنقل ما كتبوه، عاملاً عمل الفاحص المدقّق ليقدّم لأبناء الإيمان وما ادّخره لهم تراثهم سليماً، مضبوطاً، لا زيغ فيه ولا عيب ولا فساد.

الخوري يوسف والروم الكاثوليك

مشكلة التعاطي مع الروم الملكيين الكاثوليك – وهم الذين كانوا بالأمس36 من ضمن الكنيسة الأرثوذكسية – كانت احدى أصعب وآلم المشكلات التي واجهت أبناء الإيمان القويم في أيام الخوري يوسف. وقد انصبّ السعي، آنذاك، من قريب أو بعيد، على استعادة المنشقين. البعض نهج، في سبيل ذلك، نهج الإكراه والضغط السياسي والإداري، والبعض الآخر اعتمد التفاهم والإقناع.

الخوري يوسف مهنا الحدّاد كان من الفريق الثاني37.

كان يكره العنف ولا يوافق على الاتصال بالدولة العثمانية لضرب الروم الكاثوليك38 والتضييق عليهم. هذا لا يليق ولا يجدي. يكرس الفرقة ولا يعيد اللحمة.

لا نعرف مقدار نجاح الخوري يوسف في سعيه، في هذا الاتجاه. لكن ما جرى في السنة 1857 وما تبعه دلّ على أن رؤيته للأمور كانت أدقّ من رؤية غيره وأوفق وأجدى. ففي تلك السنة، حاول بطريرك الروم الكاثوليك، اقليموس أو اكليمنضوس، فرض التقويم الغربي على كنيسته فامتنع الكثيرون وشعروا بالغربة وبدأ بعضهم يشقّ طريق العودة الى الكنيسة الأرثوذكسية الأم39. وقد اجتمع من هؤلاء فريق بزعامة شبلي أيّوب الدمشقي ورفاقه أمثال جرجس العنحوري ويوحنا فريج وموسى البحري وسركيس دبّانة وبطرس الجاهل. هؤلاء اتصلوا بالخوري يوسف فاحتضنهم وشدّدهم واجتهد في تنوير اتباعهم، ثلاث سنوات متتالية. كما قدّم لكتاب وضعه شبلي وضمّنه احتجاجات هذا الفريق. اسم الكتاب كان “تنزيه الشريعة المسيحية عن الآراء الفلكية“، طبع بمطبعة القبر المقدّس سنة 1858 . وقد أخذ حجم هذا الفريق في الازدياد حتى قيل إنه لولا استشهاد الخوري يوسف، في مذبحة 1860، لنجح في استرداد البقية الباقية من الروم الكاثوليك، في دمشق، الى الإيمان القويم37.

الخوري يوسف ودعاة البروتستانتية

وكانت للخوري يوسف اكثر من مواجهة مع دعاة البروتستانتية، أبرزها في حاصبيا وراشيا، ثم في دمشق بالذات.

ففي حاصبيا لقي المرسلون البروتستانت الأميركيون40 نجاحاً من خلال مدرستهم التي أقاموها هناك. وقد انضم اليهم مئة وخمسون شخصاً. إثر ذلك حصل خلاف حاد بين هؤلاء، ومعظمهم من الروم الأرثوذكس، وبقية الروم في حاصبيا وراشيا وتوابعهما. فأوفد البطريرك مثوديوس41 الخوري يوسف الى هناك، حيث أقام بضعة أشهر، وتمكّن من رد بعض القطيع الشارد الى الحظيرة، كما أفحم المرسلين الأميركيين في أكثر من مناسبة، ونجح في ايقافهم عند حدّهم37.

أما في دمشق فقد سعى الخوري يوسف بالرعاية والوعظ والإرشاد الى توعية شعبه وتنبيهه وتحصينه ضد البدع والهرطقات الرائجة آنذاك.

ومما يروى عنه بشأن التعامل مع المرسلين الأجانب، أن مرسلاً انكليزياً، اسمه جريم، لعلّه كبيرهم، كان يلتقي الخوري يوسف ويباحثه في مسائل الكتاب المقدّس42. وفطن يوسف الى أن جريم هذا بدأ يطرح عليه أسئلة ثم يحرّف أجوبته عليها، فطلب أن تكون اسئلة المرسلين خطية. وبعدما بعثوا اليه بعدة اسئلة لم يجبهم، فظنوا انهم أفحموه. فجاؤوا اليه في الأسبوع الأول من الصوم الكبير، مرّة، فأجابهم على كل أسئلتهم، واحدة فواحدة، بتدقيق واقناع حتى عادوا متعجبين من دقة بحثه وكثرة علمه وزادت منزلته في عيونهم. ويقال إنهم أقلعوا، مذ ذاك، عن حملاتهم، وصاروا من أصدقائه، يسرّون بزيارته ويسألونه لا كمحاججين بل كمستفسرين37.

رجل النهضة الأول

لا شك أن الخوري يوسف مهنا الحدّاد كان رجل النهضة الأول في الكنيسة الانطاكية، في القرن التاسع عشر.

فأنطاكية، يومذاك، كانت في حال شقية. انشقاق الروم الملكيين الكاثوليك أدّى الى مضاعفات خطيرة على كافة الصعد، لا سيما الرعائي منها. المرسلون البروتستانت نشطوا في كل اتجاه، فيما سادت الكنيسة حالة من الوهن والضياع مقرونة بالفقر والجهل. الرعية كانت في واد والرعاة في واد آخر. البطاركة منذ السنة 1724 كانوا غرباء عن البلاد ومعاناة شعبها. وقعت انطاكية تحت الوصاية أكثر من ذي قبل بحجة إمكان سقوطها في الكثلكة. الكرسي القسطنطيني والكرسي الأورشليمي تقاسما، باسم الأرثوذكسية، تحديد مسارها وتعيين أحبارها. لا كهنة قادرين ولا رعاية تذكر. هكذا ارتسمت صورة انطاكية: سفينة تكدّها الأمواج وتهدّدها بالتفكّك والغرق…

وسط هذه الأخطار والتحديات نبت الخوري يوسف فرعاً جديداً غيوراً على ما لله وكنيسة المسيح في هذه الديار…

فانطلقت النهضة…

سيرة الخوري يوسف، غيرته، تقواه، فقره، شغفه بالمعرفة، ومن ثم عمله الرعائي الدؤوب، وعظه وارشاده، ترجماته ومقالاته، مدرسته وسهره، كل هذا وغيره خلق مناخاً نهوضياً حرّك النفوس من حوله، بعث الروح من جديد وشحذ الهمم. جيل جديد بدأ يتبرعم، فكر جديد، توجّه جديد. أخذت العظام اليابسة تتقارب، كل عظم الى عظمه، وبدأ الروح يدخل فيها (حزقيال 37).

أكثر من خمسين شخصاً من أبرز رجال الكنيسة الناهضة درسوا عليه وغاروا غيرته. البطريرك ملاتيوس الدوماني (U 1906)، أول بطريرك محلي منذ السنة 1724، كان من تلاميذه، وكذلك السيد غفرائيل شاتيلا، مطران بيروت ولبنان (U1901)، والسيد جراسيموس يارد (U 1899)، مطران زحلة وصيدنايا ومعلولا، علاّمة عصره، وما لا يقل عن عشرة مطارنة آخرين وعدد كبير من الكهنة، بينهم الإرشمندريت أثناسيوس قصير (U 1863) مؤسس مدرسة البلمند الاكليريكية والخوري اسبيريدون صرّوف (U 1858) مدير مدرسة المصلبة في القدس ومصحّح مطبوعات القبر المقدّس، والايكونوموس يوحنا الدوماني (U 1904)، منشىء المطبعة العربية في دمشق. وبين الأسماء أيضاً ديمتري شحادة الصبّاغ، أحد أبرز أركان النهضة، ومخايل كليلة، مدير المدارس البطريركية في دمشق والدكتور ميخائيل مشاقة (U1888).

إذن ما كان الخوري يوسف يرجوه تحقّق، بعضه في أيامه وبعضه بعد مماته، ولطالما ردّد “لقد زرعت في كرمة المسيح الحقيقية في دمشق، وأنا بانتظار الحصاد”.

كل هذا وغيره يفسّر قولة السيّد غفرائيل شاتيلا، مطران بيروت، أن كواكب دمشق ثلاثة: بولس الرسول ويوحنا الدمشقي ويوسف مهنا الحداد.

بقي أن يكلّل خادم المسيح حياته بخاتمة في مستوى غيرته وحبه الكبير يمجّد الله بها فكان استشهاده.

استشهاده43

بدأت مجزرة العام 1860، في دمشق، في اليوم التاسع من شهر تموز. يومها لجأ عدد كبير من المؤمنين الى الكنيسة المريمية، بعدما سدّت دونهم منافذ الهرب، وكان بينهم من قدم من قرى حاصبيا وراشيا، حيث كانت المذبحة قد وقعت وأودت بحياة الكثيرين، وكذلك من قرى الغوطة الغربية والشرقية وجبل الشيخ.

وكان الخوري يوسف يحتفظ في بيته بالذخيرة المقدّسة، كما كانت عادة كهنة دمشق، آنئذ، فأخذها في عبّه، وخرج باتجاه المريمية فوق سطوح البيوت، من بيت الى بيت، الى أن انتهى اليها. وقد أمضى بقية ذلك النهار والليل بطوله يشدّد المؤمنين ويشجعهم على مواجهة المصير اذا كان لا بدّ منه وأن لا يخافوا من الذين يقتلون الجسد لأن النفس لا يقدرون أن يقتلوها، وأن أكاليل المجد قد أعدت للذين بالإيمان بالرب يسوع المسيح أسلموا أمرهم لله. وكان يروي لهم قصص الشهداء الأبرار ويدعوهم الى التمثّل بهم.

ثم في صباح اليوم التالي، الثلاثاء، العاشر من شهر تموز، حصلت على المريمية هجمة شرسة وأخذ المهاجمون بالسلب والنهب والقتل والحرق، فسقط العديدون شهداء، وتمكّن آخرون من الخروج الى الأزقّة والطرقات. وكان من بين هؤلاء الخوري يوسف. كان متستراً بعباءة وسار بضع مئات من الأمتار الى أن وصل الى الناحية المعروفة بمأذنة الشحم. هناك عرفه أحد المهاجمين وكان من العلماء، وقد سبق ليوسف أن أفحمه في جدال فأضمر له الشر. هذا لمّا وقع نظره عليه صاح بمن كانوا معه: “هذا إمام النصارى. اذا قتلناه قتلنا معه كل النصارى!”. وإذ صاح الرجل بهذا الكلام أدرك الخوري يوسف أن ساعته قد دنت، فأخرج لتوه الذخيرة الإلهية من صدره وابتلعها. وإذا بالمهاجمين ينقضون عليه بالفؤوس والرصاص وكأنهم حطّابون حتى شوّهوه تشويهاً فظيعاً. ثم ربطوه من رجله وصاروا يطوفون به في الأزقة والحارات مسحوباً على الأرض الى أن هشّموه تهشيماً.

هكذا قضى الخوري يوسف مهنا الحدّاد شهيداً للمسيح44. شهد له بأتعابه وأسهاره، وشهد له بدمه وأوجاعه. اشترك في آلامه وتشبّه بموته (فيليبي 3 :10) فحقّ له أن يتكلّل بمجده ويحلّ في أخداره. وقد صار لنا مثالاً يحتذى وبركة تقتنى وشفيعاً حاراً لدى ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، له المجد الى الأبد آمين.

فبصلوات أبينا الشهيد في الكهنة، يوسف الدمشقي ورفقته، أيها الرب يسوع المسيح، إلهنا، ارحمنا وخلّصنا، آمين.

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ـــــــــــ

(1)      هكذا كتب نسبته بخط يده في خاتمة احدى مخطوطاته. انظر الحاشية (2) من مجلة النعمة – عدد حزيران 1910 – ص 16 .

(2)      أنظر مجلة النعمة – عدد تموز 1910 – ص 80 .

(3)      مصادر أخرى تجعل ولادته في نحو السنة 1780 (أنظر “الروضة الغنّاء في دمشق الفيحاء” لنعمان أفندي قساطلي 1879) أو في السنة 1791 (أنظر “الأرج الزاكي في تهانىء غبطة البطريرك الأنطاكي…” لأمين ضاهر خير الله 1899).

(4)      تلقى الأب يوسف التعليم أول ما تلقاه على المعلم جرجس بن صروف (سيرافيم) بن اليان الحموي الذي كان ضليعاً بالعربية وآدابها واليونانية والتركية والذي تولى التعليم في المدرسة البطريركية في دمشق ثم أصبح كاتباً للبطريرك أنثيموس (1792 – 1812). وقد خلفه المعلم جرجس شحاده الصبّاغ الدمشقي. “الآسية مسيرة قرن ونصف” اعداد جوزيف زيتون. أيلول 1991 . ص 52 .

(5)      موضع التعليم كما كان يعرف في الماضي، وهو عبارة عن غرفة يجتمع فيها التلامذة الى معلم يلقنهم ما تيسّر له.

(6)      النعمة 1910 – حزيران – ص 16 .

(7)      من سيرة حياته كما وضعها يوسف، إبن أخيه ابراهيم، عام 1884 .

(8)      من المفيد أن نذكر هنا أن من رفاق يوسف في التحصيل العلمي، في هذه الحقبة، الخوري نقولا السبط الدمشقي الذي صار طبيباً واستشهد، هو أيضاً، في مذبحة 1860 (النعمة 1910 – حزيران – ص 18).

(9)      النعمة 1910 – حزيران – ص 21 .

(10)    جاء في كتاب “الروضة الغنّاء في دمشق الفيحاء” لنعمان أفندي قساطلي (بيروت 1879) أن الكنيسة المريمية قديمة العهد يظن أن أسسها موضوعة منذ أيام أركاديوس قيصر (395 – 408)، وقد كانت عظيمة. فلما فتح المسلمون دمشق كانت من القسم الذي استولى عليه خالد بن الوليد بالسيف، فأخذها المسلمون وأهملوها فخربت. ولمّا تولى الخلافة الوليد بن عبد الملك الأموي (705 – 715) كانت تلاصق الجامع الأموي كنيسة على إسم القدّيس يوحنا، فأخذها من النصارى وألحقها بالجامع. ولما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز (717 – 720) استدعى النصارى اليه وعوّض عليهم، في مقابل ما أخذه الوليد منهم، بالكنيسة المريمية، فعمّروها وجعلوها عظيمة. وقد بقيت هكذا الى 27 رمضان من سنة 658 هجرية عندما قام المسلمون على النصارى وأخربوها. ثم بعد مدّة، استأذن النصارى وأعادوا بناءها من جديد كما كانت. بعد ذلك، في السنة 1400 للميلاد خربها تيمورلنك، ثم استعيدت. وكانت مبنية من حجارة كبيرة في غاية المتانة، لها أقبية كبيرة تحت الأرض قتل فيها سنة 1860م عدد وافر من الذين التجأوا اليها. وكانت تقسم الى كنيستين، الأولى على إسم السيدة وبها ايقونة جميلة يسمّونها المسكوبية والثانية كنيسة مار نقولا. وسنة 1860 احترقت الكنيسة المريمية وخربت خراباً تاماً. وسنة 1861 شرعوا في تجديدها وعملوها كنيسة واحدة يبلغ طولها نحو سبعين ذراعاً وعرضها نحو أربعين. وقد اعتنوا ببنائها فأتت من أجلّ كنائس سوريا ومصر (ص 101 – 102).

الى هذا يذكر أنه كانت في جوار الكنيسة المريمية حتى القرن التاسع عشر كنيسة صغيرة على اسم القديسين الشهيدين قبريانوس ويوستينة كانت قبل احتراقها عام 1860 خربة وهيكلها مسقوف وفيها ايقونسطاس بديع ويقام فيها القداس مرة في السنة في عيدها. هذه أيضاً ضمّت الى المريمية لمّا جرى توسيعها.

(11)    أفلق الواعظ أي أتى بالأمور العجيبة.

(12)    مجلة المشرق. السنة الخامسة. العدد 2 . أول كانون الأول 1902 . ص 1012 .

(13)    النعمة 1910 – حزيران – ص 23  .

(14)    أتم بنصائحه أي أقام فيها وأخذ بها.

(15)    نفس المصدر ص 20 .

(16)    ذكرها الدكتور أسد رستم في تاريخه “كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى” الجزء الثالث ص 57، فقال إن فيها، في السنة 1660، جرى طبخ الميرون المقدس في زمن البطريرك مكاريوس الثالث ابن الزعيم، ثم في زمن البطريرك سلفسترس الأول 1766 (ص151). وقد قال إنها كانت تحت الأرض وكان يدفن فيها البطاركة والمطارنة والكهنة (ص 160).

(17)    يفيد جوزيف زيتون في كتاب “الآسية” (انظر الحاشية4)، نقلاً عن الوثائق البطريركية، أن المدرسة، في الأساس، كانت “على شاكلة الكتّاب، وهي عبارة عن غرفة كبيرة مقسومة بساتر قماشي. فكان [الخوري يوسف] وزميله يني بابادوبولوس يقومان بالتدريس في هاتين الغرفتين، فاختص هو بتدريس العربية والرياضيات والعلوم الروحية ومبادىء اليونانية، بالإضافة الى الخط، بينما اختص يني بتدريس اليونانية وآدابها، وكان يتعلم، بنفس الوقت، من الخوري يوسف العربية” ص 54 .

(18)    النعمة 1910 – حزيران – ص 19 .

(19)    ينقل عيسى اسكندر المعلوف عن أحد العلماء الروس قوله عن الأب يوسف: “…هو الذي حرّك البطريرك مثوديوس لفتح مدرسة للشعب في دمشق، بل هو الذي كان سبب انشائها وثباتها بطوافه على بيوت المسيحيين وتحريضه إيّاهم لإرسال أبنائهم إليها. وهو ذاته الآن يدرّس نخبة من الشبان اللغة العربية والكتاب المقدّس والمنطق والبيان… أما المدرسة فقسمان أحدهما ابتدائي يدرّس القراءة والكتابة على الطريقة القديمة وفيه ثلاثة أساتذة من العرب. والثاني لغوي تدرّس فيه اللغات العربية والتركية واليونانية… وفيها الآن ثلاث مائة تلميذ. ورواتب الأساتذة يدفع بعضها المسيحيون والآخر البطريركية” (النعمة 1910 -تموز -ص 76 – 77).

(20)    كمعهد خالكي التابع للكرسي القسطنطيني وأثينا وبطرسبرج وموسكو (أنظر “الآسية” ص 55 نقلاً عن الوثائق البطريركية).

(21)    النعمة 1910 – تموز – ص 83.

(22)    “كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى” لأسد رستم. الجزء الثالث. ص 190.

(23)    النعمة – حزيران 1910 – ص 19 .

(24)    ولده فضل الله، حسب عيسى اسكندر المعلوف، كان عماد البيت في تجارته وأخلاقه23. اتجر بالبضائع الدمشقية مع شقيقه جرجي في الاسكندرية فأسسا محلاً واسعاً اشتهر بحسن ادارته ( “الخوري يوسف مهنا الحدّاد” لجوزيف زيتون، أمين الوثائق البطريركية، مقالة مخطوطة).

(25)    حسب تقرير القنصل الانكليزي بدمشق كانت أجرة المعلم ليرة واحدة في الأسبوع.

(26)    النعمة – حزيران 1910 – ص 21 .

(27)    بشهادة تلميذه المرحوم الخوري اسبيريدون صرّوف الدمشقي (النعمة 1910 – تموز – ص77).

(28)    النعمة – حزيران – ص 23 .

(29)    نفس المصدر ص 22 .

(30)    “نخبة الآداب لتنوير الفتيان والشباب“. ترجمه المعلم ايواني بابادوبولوس. 1867 . ص 2 .

(31)    النعمة – تموز 1910 – ص 75 .

(32)    نفس المصدر ص 76 .

(33)    أنظر الحاشية 26 . وبشأن جرجي إليان، راجع الحاشية 4 .

(34)    تاريخ انتقاله الى بيت جديد.

(35)      النعمة 1910 – تموز – ص 80 .

(36)    قبل السنة 1724، سنة انضوائهم تحت راية الكنيسة اللاتينية.

(37)    “الخوري يوسف مهنا الحدّاد” لجوزيف زيتون.

(38)    حادثتان يشار إليهما بصورة أخص: حادثة حلب في السنة 1819، أيام البطريرك سيرافيم (1813 – 1823)، ومشكلة القلاليس، حتى السنة 1847، أيام البطريرك مثوديوس (1823 – 1850). فأما حادثة حلب فإن جراسيموس، مطران حلب، سعى، من خلال اتصاله بالسلطة العثمانية، الى إجبار كهنة الروم الكاثوليك على ارتداء لباس العامة وتقييدهم في مسائل الجنانيز والعمادات والأكاليل. وقد أعقب ذلك جدل طويل فخصام وقتال أسفر عن إعدام اثني عشر شخصاً من الروم الكاثوليك بأمر الدولة واستقالة المطران جراسيموس وانتقاله الى صيدا (“مشهد العيان بحوادث سورية ولبنان” لمخائيل مشاقة).

أما مشكلة القلاليس ففيها أن البطريرك سيرافيم، ثم البطريرك مثوديوس، سعيا إلى منع كهنة الروم الكاثوليك من لبس حلّة كهنة الروم الأرثوذكس. وبقي الأمر سجالاً، ومرمر النفوس، الى أن صدرت ارادة سلطانية من قبل السلطان عبد المجيد، في السنة 1847، فرضت على المطارنة والكهنة والرهبان الملكيين الكاثوليك لبس “قلنسوة مسدسة الزوايا بلون البنفسج” وأوجبت أن يكون لون اللاطية فوقها البنفسجي أيضاً. (“تاريخ انطاكية” لأسد رستم. الجزء الثالث. ص 184 – 185).

(39)    جاء في المصدر عينه – ص 214 – أنه “في أوائل السنة 1857 دعا اكليمنضوس، بطريرك الروم الكاثوليك، الى الحساب الغربي فقبل البعض بذلك وامتنع البعض الآخر. وكان على رأس الممتنعين أساقفة بيروت وزحلة وبعلبك وصيدا والخوري يوحنا حبيب والخوري غبريال جباره. واشتدّ الخلاف فعقد الأساقفة مجمعاً في عين الذوق، فوق زحلة، وأمّ الآستانة الكاهنان يوحنا حبيب وغبريال جباره، فوصلاها في أيار سنة 1859 واتصلا بمجمع البطاركة المنعقد فيها آنئذ وفاوضا باسم أنصارهما في سورية ومصر وعادا الى حضن الكنيسة بقرار من مجمع البطاركة…”.

(40)    في المصدر عينه أن المرسلين الأميركيين اقتصروا في بادىء أمرهم على التعليم الابتدائي وتوزيع الانجيل. ثم بدأوا يضمّون مسيحيين شرقيين من الروم والموارنة والأرمن فتكونت بذلك نواة لطائفة انجيلية في بيروت (1827). وتابعوا أعمالهم التبشيرية فتسرّبت تعاليمهم الى القرى. وفي السنة 1832 أمر مطارنة اللاذقية وطرابلس وصور وصيدا بإحراق المطبوعات البروتستانتية فتم ذلك في احتفالات علنية في دور الكنائس (ص 192).

(41)    زار البطريرك مثوديوس ناحية حاصبيا شخصياً، لخطورة الوضع. (رستم- ص 193).

(42)    النعمة – تموز 1910 – ص 78 .

(43)    رواية استشهاد الخوري يوسف بتفاصيلها مستقاة من سيرة حياته كما وضعها يوسف، ابن أخيه ابراهيم، سنة 1884 بناء لطلب الطيّب الذكر ديمتري شحادة الصبّاغ. وهي محفوظة في المكتبة البطريركية بدمشق ويعرّف عنها بـ “الوثيقة 264”. تجدر الاشارة الى أن كاتب السيرة إنما ينقل، على حد قوله، ما سمعه من والده أو ما عرفه شخصياً عن الشهيد حيث إنه كان متتلمذاً عليه وملازماً له في أكثر الأوقات، مدّة حياته في المدرسة والى يوم الحادثة.

(44)    في الثامن من شهر تشرين الاول عام 1993 اتخذ المجمع الانطاكي المقدّس المنعقد في دير سيّدة البلمند البطريركي القرار التالي:

”           إن الكنيسة الانطاكية التي عاشت بقداسة القدّيسين وشهدت لها ترى اليوم نفسها عطشى الى ان تتجدّد بهم وهي تعي نفسها “محاطة بسحابة كثيفة من الشهود” (عب1:12).

إن كنيسة انطاكية تحسّ نفسها مشدودة الى واحد من هؤلاء الشهود الخوري يوسف مهنّا الحدّاد الذي وعظ وعلّم وأشاع نور معرفة اللاهوت وكان فقيرا، عميق الإيمان، صبورا، وديعا، متواضعا، شفوقا، دمثا وكلّل حياته بمجد الشهادة في دمشق في العاشر من تمّوز السنة 1860 فجاء بذل دمه نطق الروح فيه (راجع متى 10 :20، مرقس 13 :10). وإذ نحن تأمّلنا سيرته و “هالة مجد الله” عليه (رؤ 21 :11) “حسن لدى الروح القدس ولدينا” (أع 15 :8) ان نعلن قداسة الخوري يوسف مهنّا الحدّاد وحدّدنا تاريخ العاشر من تمّوز من كلّ سنة ذكرى “للقدّيس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي ورفقته” “.

هذا وكان قد صدر كتيّب تضمّن سيرة القديس وخدمة ليتورجية كاملة له جعلنا بعضها في متن هذا الكتاب. وقد قدّم غبطة أبينا السيّد أغناطيوس الرابع (هزيم) للسيرة بكلمة هذا نصّها:

“عجيب هو الله في قدّيسيه”

والتعداد في الكنيسة تعداد قدّيسيها. في أوساط الكنيسة المقدّسة قول كثير على قول وكلمة سخية على كلمة وغيرة أين منها غيرة ايليا النبي. لكن الكنيسة في قداستها وبالتالي في قدّيسيها، ففيهم يتمجد الله ويتمجد الرب يسوع المسيح. صفة القداسة المحبة. لأن الله محبة. ومجرد القول ليس المحبة، ومجرد الكلمة ليس المحبة. وأكثر ما يكون كلاهما تعبيرا عن المحبة لا المحبة بالذات. في المسيح فقط، في الكلمة المتجسد وحده “صار القول فعلا” وأمسى التعبير واحدا مع المعبّر عنه واللفظ صار وجوداً.

والقديس الخوري يوسف مهنا الحداد الذي نطلب شفاعاته يحصى اليوم مع القدّيسين. فقد كهن للرب لا لسواه. علّم فلم يعلّم عن ذاته. كتب فلم يقل من هو بل أخبر بالسيّد السيّد الذي تنحني امامه كل ركبة في السماء وعلى الأرض. متزوج لكن زواجه في الكنيسة ومن اجلها. كان الكاهن هو وزوجته واولاده، وكاهن الشعب أخاً وأباً ومرشداً، عاملاً دون هوادة: هو كان لله ولكنيسته ولم تكن الكنيسة له. وهبها كل شيء ولم “يستوهبها” أي شيء، لا لنفسه، ولا لامرأته، ولا لأولاده ولا لسواهم. الا انه كان في كل شيء للكنيسة الحية وللشعب الذي يرعاه.

القديس الخوري يوسف لم يخلّف على الأرض إلا جسداً مقطعاً تغذى بالقربان ليصبح هو قربانا.

يا قديس الله صلّ من اجلنا نحن الخطأة واشفع بنا.

دير مار الياس شويا 17/8/1993

U أغناطيوس الرابع

بطريرك انطاكية وسائر المشرق

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

القدّيس فوتيوس المعترف بطريرك القسطنطينية (+891م)

نشأته

ولد القدّيس فوتيوس المعترف سنة 820 م لعائلة مميّزة. أبوه سرجيوس وأمه إيريني معترفان في الكنيسة. يُعيَّد لهما في السنكسار البيزنطي في 13 أيار. قاوما الأمبراطور ثيوفيلوس (829 – 842 م) لسياسته الكنسية المعادية لإكرام الإيقونات فتعرّضا للنفي. وقد ذكر فوتيوس نفسه في رسالة له، فيما بعد، ان عائلته بكاملها بمن فيها عمّه، البطريرك القدّيس تراسيوس (+ 806 م)، أبسلهم أحد المجامع المعادية للأيقونات. ويبدو ان أملاك العائلة، وهي كثيرة، قد صودرت. العائلة كانت تنتمي إلى طبقة النبلاء. وقد كان لفوتيوس أخوان، سرجيوس وتراسيوس . سرجيوس، كما ورد ، اقترن بإيريني، أخت الأمبراطورة ثيودورة، المدافعة عن الأيقونات. مصادر أخرى ذكرت ان من تزوّج من أخت الأمبراطورة كان خاله لا شقيقه. في جو مشبع بالاهتمامات الكنسية، إذن، نشأ فوتيوس. الدفاع عن الإيمان القويم كان إرثاً عائلياً درج عليه قدّيسنا طيلة حياته .

إلى ذلك تسنّى لفوتيوس ان يحصّل ثقافة واسعة في مختلف ميادين العلم الكنسي والدنيوي في آن. لم يترك مجالاً من مجالات المعرفة في زمانه الا سبر غوره حتى أضحى أكثرَ أهل زمانه علماً وأبرز وجوه النهضة الفكرية في بيزنطية بعد مرحلة اضطهاد الأيقونات .

 

المعلم والموظف الكبير

في إحدى رسائل القدّيس فوتيوس إلى البطاركة الشرقيين ذكر انه مال في شبابه إلى الحياة الرهبانية لكنه التزم التعليم، استاذاً في الجامعة الملكية في قصر مغنورة، بعدما عيّنه فيها ثيوكتيستوس ، رئيس وزراء الأمبراطورة ثيودورة ، معلماً للفلسفة الأرسطوطاليسية واللاهوت. وما لبث، بعد حين، ان جرى تعيينه مديراً للمحفوظات الملكية وعضواً في مجلس الشيوخ. في العام 855 م ترأس سفارة إلى حاضرة الخليفة العباسي، المتوكل، في بغداد. هناك، فيما يبدو، وبناء لطلب أخيه، وضع ما يُعرف بالميريوبيبلوس أو ” المكتبة ” وهو مؤلَّف ضمّنه فوتيوس خلاصات مئتين وثمانين من أعمال القدامى وتعليقات عليها. فعل ذلك بالاعتماد على ذاكرته وحسب. يذكر ان عدداً من الذين كتب فوتيوس عنهم ضاعت أعمالهم ولم يبق لنا غير “المكتبة” شاهدة لها. مثل هؤلاء ستاسياس وممنون وكونون وديودوروس سيكولوس .

 

بطريركاً رغماً عنه

كان القدّيس فوتيوس خارج مدينة القسطنطينية عندما جرت فيها أحداث سياسية غيّرت مجرى الأمور وحملت فوتيوس إلى رأس سلّم الإدارة الكنسية. فلقد نجح برداس، شقيق الأمبراطورة ثيودورة، بتشجيع من الأمبراطور الحدِث ميخائيل الثالث ، في إنهاء ولاية شقيقته بالوصاية عن ابنها بعدما فتك برئيس وزرائها ثيوكتيستوس، ونصّب نفسه وصيّاً محلها. أوساط الليبراليين والمفكّرين ساندته فيما وقف المحافظون بجانب ثيودورة. القدّيس أغناطيوس، بطريرك المدينة المتملكة الذي سبق للأمبراطورة المخلوعة ان عيّنته، كان من المحافظين، لذا فقد حظوته لدى الحكومة الجديدة. ويبدو ان أتباعه أطلقوا للسانهم العنان في إذاعة أخبار مشينة طعنت بحياة برداس الشخصية. فلما جرت محاولة فاشلة لإعادة ثيودورة إلى الحكم، أُلزمت وبناتها بأخذ النذور الرهبانية. أغناطيوس، من ناحيته، رفض ان يبارك ثوبهن الرهباني دلالة على عدم رضاه وانصياعه لتدبير برداس . وإذ بدا كأن أزمة في العلاقة بين الدولة والكنيسة على الأبواب، نصح بعض الأساقفة أغناطيوس بالاستقالة للحؤول دون ذلك فنزل عند رغبتهم وطلب من مناصريه ان يختاروا لهم بطريركاً آخر غيره. فلما التأم مجمع محلّي للنظر في الأمر، برز الصراع واضحاً وحاداً بين فريقين من الأساقفة. وإذ غلب، في نهاية المطاف، الاتجاه التوفيقي بعدم اختيار بطريرك من بين الأساقفة المتناحرين، استقر رأي الجميع على اختيار رجل من العامة هو فوتيوس، ورفعوا توصيتهم إلى الأمبراطور. حتى أكثر مناصري أغناطيوس ولاء له وافقوا على الرأي المقترح. استصوب برداس التوصية وعيّن فوتيوس بطريركاً. فوتيوس، على ما قيل، لما بلغه الخبر استفظعه وحاول التملّص بكل الطرق الممكنة. الوقت صعب والمهمة دقيقة وليس سهلاً على من التزم الدرس والتدريس، استاذاً ومفكِّراً، ان يتخلى عن عالم نعم فيه بهدوء لا شك فيه، ليخوض غمار عالم صاخب مضطرب محفوف بالمخاطر كبطريركية القسطنطينية. لذا قال في رسالة إعلان إيمانه إلى نيقولاوس، بابا رومية، بعد ذلك بزمن، انه رُفِّع إلى البطريركية بغير إرادته وهو يشعر بأنه يقيم فيها بمثابة سجين .

أنّى يكن الأمر فإنه جرى ترفيع فوتيوس في سلم الرتب الكهنوتية في خلال أسبوع لأن الوقت كان قريباً من عيد الميلاد وكانت على البطريرك مهام تجدر ممارستها في أقرب وقت ممكن. على هذا جرى تنصيبه بطريركاً يوم الخامس والعشرين من كانون الأول عام 858 م.

لم يتح لفوتيوس ان ينعم بالسلام طويلاً لأن المتطرفين من أنصار أغناطيوس ما لبثوا ان رصّوا صفوفهم وأعلنوا رفضهم للبطريرك الجديد رغم الضمانات التي سبق له ان أعطاها بشأن منـزلة البطريرك المستقيل . هكذا بدأت متاعب فوتيوس التي فرضت عليه مواقف حرجة أملت عليه قرارات صعبة فأثارت بشأنه تساؤلات جمّة وجعلت منه رجل الملمّات عنوة. والحق انه جمع، في ادائه، بين الوداعة والمواجهة والدقّة والرحابة والإحجام والإقدام والفضيلة والمسؤولية .

 

أوّل الغيث

ما ان مضى شهران على تنصيب فوتيوس بطريركاً حتى بدأت القلاقل. جماعة أغناطيوس المتطرِّفة تداعت إلى اجتماع في كنيسة القدّيسة إيريني وأعلنت رفضها للبطريرك الجديد وتمسّكها بأغناطيوس بطريركاً شرعياً. السبب المباشر للعصيان ليس واضحاً. ربما نشب خلاف بشأن الضمانات الآنف ذكرها للبطريرك المستقيل. أنّى يكن الأمر فإن واحدة من حجج الجماعة كانت عدم جواز ترفيع فوتيوس إلى الدرجة البطريركية بالسرعة التي تمّ فيها .

حاول فوتيوس اجتناب الصدام وتهدئة الخواطر وأخذ الأمور بالرويّة فلم يُفلح. فدعا إلى مجمع في كنيسة الرسل القدّيسين للبحث في الأمر واتخاذ القرار المناسب بشأنه . ولكن قبل ان يلفظ المجمع حكمه تدهور الوضع ووقعت حوادث شغب أثارها المتطرِّفون. وإذ أخذت المسألة بعداً سياسياً تصدّى العسكر الملكي للمتظاهرين وقمعهم بقوة السلاح فسالت الدماء وتفاقمت الأزمة. فوتيوس، من ناحيته، ندّد باستعمال القوة وهدّد بالاستقالة. ولكن، أمام إصرار المعارضة على موقفها، من ناحية، وعدم استعداد السلطة المدنية للرضوخ، من ناحية أخرى، طالب برداس الكنيسة بحسم الأمر، فاضطر فوتيوس إلى دعوة المجمع من جديد وإلى اتخاذ قرارات مؤلمة بحق أغناطيوس (859 م) . فبناء لطلب برداس، أعلن المجمع ان بطريركية إغناطيوس باطلة من أساسها لأن أغناطيوس لم ينتخبه المجمع بل عيّنته ثيودورة. البطريرك المستقيل كان، خلال حوادث الشغب ، قد تعرّض للسجن وبعض من أنصاره. فلما أبطل المجمع بطريركيته تمّ نفيه إلي ميتيلين ثم إلى جزيرة ترابنتوس. ولكن تبيّن، بعد حين، انه لم تكن لأغناطيوس علاقة بحوادث الشغب وهو براء مما أثاره المتطرّفون من أتباعه باسمه فسُمح له بالإقامة في قصر بوسيس في القسطنطينية.

لم تهدأ الحال، رغم التدابير المتخذة، ولا استكان المتطرِّفون. فدعا فوتيوس والأمبراطور ميخائيل الثالث إلى مجمع جديد (861 م) وطلبا من البابا نيقولاوس الأول، بابا رومية، (858 – 868)، إيفاد مبعوثين عنه. الموضوع الأساس كان دحض محاربة الإيقونات وتثبيت القرارات المتّخذة في حينه (843 م) برعاية الأمبراطورة ثيودورة . نيقولاوس، في رسالته الجوابية، اعترض على ترفيع عاميٍّ إلى درجة البطريركية، لكنه أوفد رادوالد أسقف بورتو وزخريا أسقف أناغني، لاستطلاع الوضع في القسطنطينية تاركاً لنفسه أمر البتّ في شرعية فوتيوس بطريركاً. نيقولاوس كان يتصرّف كمن له سلطان على الكنيسة في كل مكان. هذا لم يكن في حساب فوتيوس ولا كنيسة القسطنطينية . اطّلع المندوبان على الوضع القائم واستجوبا أغناطيوس. فلما بانت لهما الصورة في القسطنطينية على حقيقتها ثبّتا، باسم بابا رومية، قرارات مجمع 859 بشأن لا شرعية بطريركية أغناطيوس. ويبدو ان أغناطيوس رضخ. فظن المبعوثان أنهما، بما فعلا، أكدا سلطة البابا كحكم. لكن سير الأمور بيّن، بعد حين، ان البابا نيقولاوس لم يكن مستعداً للاكتفاء بما جرى وان صورته عن نفسه، فيما خصّ سلطته في الكنيسة، كانت غير صورة الآخرين عنه .

 

تدهور في العلاقات

في تلك الأثناء، وصل إلى رومية عدد من متطرّفي حزب البطريرك أغناطيوس وعلى رأسهم ثيوغنوسطوس الراهب. هؤلاء نقلوا صورة عن الأوضاع في القسطنطينية لم تكن مطابقة لواقع الحال، حتى إنهم ناشدوا البابا، باسم أغناطيوس زوراً، التدخل لإحقاق الحق ووضع الأمور في نصابها. وإذ بدا كأن نيقولاوس كان مهيَّئاً لقبول شهادة من النوع الذي وصل إليه لأنها تناسب رؤيته وتزكّي نزعته إلى الهيمنة، بادر إلى الطعن بالموقف الذي اتخذه مبعوثاه، كما أعلن ان قرارات مجمع 861 م باطلة. كذلك أعلن تنحيته لفوتيوس كبطريرك للمدينة المتملكة وادّعى ان لباباوات رومية سلطاناً ان يحكموا في شرعية أو لا شرعية المجامع المحلّية. وفي العام 863 جمع نيقولاوس أساقفة من الغرب في رومية أدانوا فوتيوس وأبسلوه هو والأساقفة والكهنة الذين سيموا بيده، وأعلنوا ان أغناطيوس هو البطريرك الشرعي للقسطنطينية. وقد جرى إبلاغ فوتيوس والأمبراطور ميخائيل الثالث بذلك. لم تأخذ القسطنطينية القرارات الباباوية في الاعتبار واحتجّ الأمبراطور على تدخّل رومية في الشؤون الداخلية للكنيسة في القسطنطينية، فصرّح نيقولاوس سنة 865 انه يستمدّ سلطته على الكنيسة الجامعة من المسيح نفسه وله حق التدخّل في الشؤون الداخلية للكنائس المحلية ساعة يشاء .

 

زيت على النار

على صعيد آخر، وجّه فوتيوس طرفه ناحية الشعوب السلافية راغباً في تبشيرها. وقد وقع اختياره، لهذه الغاية، على أحد أصدقائه، قسطنطين، الذي كان عالماً فذّاً. هذا نعرفه في الكنيسة باسم القدّيس كيرللس. وكذلك استدعى فوتيوس شقيق هذا الأخير، وهو ناسك في جبل الأوليمبوس، يدعى مثوديوس. هذان شرعا بمهمة رسولية لدى الخازار في روسيا الجنوبية ، ثم انتقلا إلى مورافيا بناء لطلب أميرها. هذا كان إيذاناً بالبدء بهداية الشعوب السلافية إلى المسيح. وقد جرت، بعد حين، معمودية بوريس (ميخائيل) أمير بلغاريا. هذا عمّده فوتيوس وكان الأمبراطور عرّابه. بمعمودية بوريس، أنشدّت بلغاريا إلى المسيحية. لكن بوريس ما لبث ان دخل في خلاف مع القسطنطينية. السبب انه طمح في ان يكون للبلغار بطريرك خاص بهم. فلما لم يستجب فوتيوس والأمبراطور لرغبته حوّل نظره شطر رومية. كان ذلك عام 866 م. فاغتنم البابا نيقولاوس الفرصة وبعث بمرسلين لاتين أخذوا يبثّون بين البلغار اللاهوت الغربي والعادات اللاتينية. وقد ورد ان من جملة ما أخذ يشيع، آنئذ، التعليم الخاص بانبثاق الروح القدس من الآب والابن معاً (الفيليوكوي). وكان طبيعياً ان يصطدم الروم واللاتين هناك. الروم كانوا موجودين على الأرض. الصراع بدا مكشوفاً . الروم اعتبروا الخطوة اللاتينية اقتحاماً لنطاق خاص بهم واللاتين مجالاً لتأكيد سلطة البابا  ونشر عادات الكنيسة اللاتينية وفكرها اللاهوتي في مقابل الفكر البيزنطي المشبوه والعادات البيزنطية الفاسدة. فلم يلبث فوتيوس، رداً على الهجمة اللاتينية، ان بعث برسالة إلى أساقفة الشرق بيّن فيها ضلالات اللاتين، لا سيما لجهة مسألة الإنبثاق. ثم دعا إلى مجمع كبير في القسطنطينية، عام 867، أكّد الإيمان القويم وأبسل البابا ومرسليه في بلغاريا. وعليه طلب الأمبراطور البيزنطي من الأمبراطور الجرماني لويس الثاني الإطاحة بنيقولاوس. ولكن قبل ان تصل إلى نيقولاوس قرارات مجمع القسطنطينية رقد .

 

تغيُّر الرياح السياسية

في أيلول 867 فتك باسيليوس الأول الذي سبق ان عيّنه ميخائيل الثالث امبراطوراً مشاركاً، أقول فتك بميخائيل بعدما كان ان فتك بعمّه برداس. ولكي يكسب ودّ المحافظين عمد إلى إقالة فوتيوس وإعادة أغناطيوس إلى سدّة البطريركية. وإذ دخل اكليروس القسطنطينية في صراع فيما بينهم وساد البلبال ، رأى الأمبراطور ان يستعين برومية لوضع الأمور في نصابها. فدعا البابا أدريانوس الثاني إلى مجمع انعقد في القسطنطينية عام 869 م. هذا  اعتبره اللاتين بمثابة مجمع مسكوني ثامن. في هذا المجمع الذي ضمّ مائة وعشر أساقفة وحسب جرت إدانة فوتيوس وإبطال مجمع 867 . كما جرت إقالة مائتي أسقف وتجريد العديد من الكهنة ممن سامهم فوتيوس أو كانوا من مناصريه. أما فوتيوس فأوقف أمام المجمع ليجيب عن التهم الموجهة إليه فلزم الصمت مكتفياً بالقول: ” الله يسمع صوت الصامت… تبريري ليس من هذا العالم ” . ثلاث سنوات بقي في الإقامة الجبريّة مقطوعاً عن أصحابه  ومحروماً من كتبه. لا اشتكى ولا تذمّر. ولا حمل على أحد. عانى المرض. صبر صبراً عجيباً. واكتفى بتوجيه رسائل تشجيع وتشديد للذين كانوا يتألّمون من أصدقائه .

 

رياح دافئة

لم يكن عمل أغناطيوس في الفترة الجديدة من بطريركيته سهلاً . وما لبث ان وجد نفسه في صراع مع البابا يوحنا الثامن. لكنه احتضن بوريس (ميخائيل) البلغاري بعدما ارتدّ عن رومية إلى القسطنطينية. وإذ ازدادت القناعة في المدينة المتملكة ان الدور الذي أُتيح لرومية لعبه عظّم شأنها على حساب  القسطنطينية نصح الأساقفة باسيليوس الملك، توحيداً للكنيسة فيها  ورفعاً لشأنها، بإبطال قرارات مجمع 870 وإطلاق سراح فوتيوس. فعمد الأمبراطور إلى استعادة فوتيوس بإكرام بالغ وأسماه مربّياً لأولاده. وكانت أول بادرة فوتيوس أتاها انه التقى وأغناطيوس وتصالحا  وأعلن دعمه له ووقوفه بجانبه. أغناطيوس كان مريضاً فصار فوتيوس يزوره بانتظام. فلما رقد أغناطيوس بالرب، عاد فوتيوس إلى السدّة البطريركية بمباركة الجميع. وإلى فوتيوس يعود التدبير بشأن إعلان الكنيسة لقداسة أغناطيوس في 23 تشرين الأول من كل عام. فوتيوس وأغناطيوس، كما تبيّن، كانا ضحية الخلافات التي زكّاها الآخرون باسمهما .

ثم ان مجمعاً عُقد في القسطنطينية عام 879 – 880 ضمّ 383 أسقفاً وعرف بمجمع الوحدة رأب الصدع بين رومية والقسطنطينية وأعاد الاعتبار لفوتيوس رسمياً، كما أكّد الإيمان الأرثوذكسي وكفّر الزيادة على دستور الإيمان لجهة انبثاق الروح القدس. مبعوثو البابا يوحنا الثامن كانوا موجودين. ومجمع 869 اعتُبر لاغياً. فلما بلغ بابا رومية خبر المجمع وافق على مقرّراته. وهذا ما يفسّر ان مجمع 869 ، الذي سُمّي في الغرب بالمجمع المسكوني الثامن، لم يُحسب كذلك في رومية إلى القرن الحادي عشر حين ادّت تغيرات إلى إعادة الاعتبار لمجمع 869 وإهمال مجمع الوحدة، مما ولّد الاعتقاد الشائع في الغرب الذي اتّهم فوتيوس ظلماً بأنه أبو الانشقاق وعدو الوحدة . هذه الحقيقة يُقرّ بها حتى العديد من علماء الكثلكة اليوم، أمثال الأب فرنسيس دفورنيك .

 

احتجازه ورقاده

ومرة أخرى تغيّرت الأوضاع العامة وانعكست سلباً على فوتيوس. في العام 886 خلف لاون السادس أباه باسيليوس أمبراطوراً. وإذ كان على عداء وأسقف أوخاييطا، غريغوريوس، وهو أحد أتباع فوتيوس، أقال البطريرك القدّيس وحجزه كفاعل سوء في دير الأرمن جاعلاً أخاه استفانوس بطريركاً محلّه. بقي فوتيوس في الإقامة الجبرية خمس سنوات محروماً من كل عزاء بشري. كأنما الرب الإله أراد تمحيصه كالذهب في الكور إلى المنتهى. في هذه الفترة من حياته كتب ” ميستاغوجية الروح القدس ” الذي دحض فيه مسألة انبثاق الروح القدس من الآب والابن (الفيليوكوي). رقد في الرب مكمّلاً بالفضائل في 6 شباط 891 . وقد جرت بجسده للتوّ عجائب جمّة

 

القديس البار سيرافيم ساروفسكي الحامل الإله

يجعل مترجموه تاريخ ميلاده يوم التاسع عشر من تموز سنة ۱٧٥٩م في بلدة كورسك في روسيا الوسطة. كان ابوه، إيزيدوروس، بنّاءً. رقد وقديسنا في السنة الأولى من عمره. أمه، أغاثا، كانت امرأة طيّبة قويّة النفس معروفة بحبها للمرضى والأيتام والأرامل وعنايتها بهم. محبّة أمّه للناس أثّرت في نفسه أيّما تأثير، فلما كبر أبدى من التفاني في خدمة المرضى والمضنوكين ما كان في خط أمه يزيد. سيرافيم، الذي كان اسمه يومذاك بروخوروس، هو ثالث الأولاد في الأسرة بعد أخ وإخت.

عندما بلغ بروخوروس العاشرة من عمره مرض مرضاً خطيراً. وفيما ظنّ من حوله أنه مشرف على الموت تعافى. وقد أخبر أمه، فيما بعد، إن والدة الإله أتت إليه في رؤية ووعدته بأن تشفيه. مذ ذاك نمت بين والدة الإله وبينه علاقة مميزة.

 

عندما بلغ السابعة عشرة اشتغل في التجارة مع أخيه ألكسي، لكن التجارة لم تستهوِه بحال. كان عقله في الإلهيات أبداً. وما فهم البيع والشراء ورأس المال والدين إلا إشارات ورموزاً للحقائق الروحية. وقد مالت نفسه الى الحياة الرهبانية فسافر واثنين من اصحابه الى كييف. هناك سمع من فم أحد الآباء الشيوخ كلمة إعتمدها، والكلمة كانت: “سوف تذهب إلى ساروف، يا ولدي. هناك تكون نهاية حجّك الأرضي… والروح القدس يهديك ويسكن فيك”.

مذ ذاك سلك بروخوروس طريق الساروف وكانت ساروف على بعد ثلاثمائة كيلومتر من كورسك.

راهباً مبتدئاً

انضم برخوروس الى دير ساروف الكبير هو في التاسعة عشرة من عمره. كان قوي البنية، تبدو عليه علامات الذكاء والحيوية. عيناه زرقوان. وروحه فرحة مرحة.

سلك في الطاعة والتواضع وصلاة القلب والأصول الرهبانية ككل الرهبان. عمل في الدير خبّازاً وعمل نجّاراً. جمع بين العمل وصلاة يسوع. واعتاد أن يقول فيما بعد: “كل الفن هناك! فسواء جئت أم ذهبت، كنت جالساً أم واقفاً أم في الكنيسة، لتخرج هذه الصلاة من بين شفتيك: أيها الرب يسوع المسيح، ارحمني أنا الخاطئ. فإذا استقرّت هذه الصلاة في قلبك، وجدتَ سلاماً داخليّاًَ وخفراً في النفس والجسد”. هذه الكلمات كانت نتاج الخبرة لديه.

لاحظ رؤساء بروخوروس صبره واحتماله وحميّته في الخدم الليتورجية فجعلوه قارئاً. وكان محبّاً لكتب الآباء. نُهي عنه أنه درس مؤلّف القديس باسيليوس الكبير عن الخلق في ستة أيام وكذلك مقالات القديس مكاريوس وسلّم الفضائل للقديس يوحنا السلّمي وغيرها من كتابات الآباء النسّاك، إضافة الى الكتاب المقدس الذي اعتاد أن يسمّيه “زوّادة النفس”، وكان يقرأه، لا سيما العهد الجديد منه، واقفاّ أمام الأيقونات.

كان برخوروس، أوّل الأمر، يقسو على نفسه قسوة شديدة؛ يسهر كثيراً ولا يأكل إلاّ قليلاً. وقد سبب له ذلك أوجاعاً حادّة في الرأس ومرض. لذلك أخذ نصح المبتدئين، فيما بعد، بعدم التقسّي الشديد في النسك، أن يناموا خمس أو ست ساعات ويرتاحوا قليلاً أثناء النهار إذ ليست الإماتة موجّهة للجسد بل للأهواء. الجسد يجب أن يكون عشير النفس ومساعدها غي عمل الكمال، وإلاّ فإنّ الجسد المضنى يضعف النفس. هذا ولم يستردّ برخوروس عافيته إلاّ بعد ثلاث سنوات وبعدما ظهرت له والدة الإله، من جديد، برفقة بطرس ويوحنا، وقالت لهما عنه: “هذا واحد منا!”.

لبس بروخوروس الإسكيم الرهباني وهو في السابعة والعشرين. من ذلك اليوم صار اسمه سيرافيم.

شماساً

تشمّس سيرافيم سبع سنوات عرف خلالها الإكتئاب لقصوره عن تسبيح الله كالملائكة على الدوام. وقد أُعطي أن يعاين الملائكة يشتركون في خدمة الهيكل والكهنة والشمامسة، وسمعهم يرنّمون تراتيم سماويّة لا مثيل لها بين الناس. قال “في نشوتي، التي لم يكن يعكرها شيء، كنت أنسى كل شيء. لم أكن واعياً أني على الارض. أذكر فقط أني دخلت الكنيسة وخرجت منها. أما الوقت الذي أمضيته في خدمة هيكل الربّ فكان خفيفاً رقيقاً رائعاً. ذاب قلبي كالشمع في وجه ذاك الفرح الذي لا يدانى”.

وقد عاين سيرافيم الربّ يسوع مرّة وكان يشمّس فتسمّر في موضعه الى أن خرج شمّاسان وحملاه الى الداخل حملاً.

كاهناً

سيم القديس كاهناً وهو في سن الثلاثين فصار يقيم الذبيحة الإلهية كل يوم. وقد منّ عليه الرب الإله بمواهب الشفاء وطرد الأرواح الشريرة والبشارة بكلمة الله. كما اعتاد أن يحثّ المؤمنين على المناولة المتواترة. لكنه كان يعرف أنّ للمناولة أكثر من قناة. قال، مرة، لارملة مات زوجها ولم يتسنّى له أن ينال القدسات: “لا تخافي على خلاصه، يا فرحي، لانه يحدث أحياناً أن تحول ظروف قاهرة دون مناولة إنسان ما؛ فمثل هذا يمكن أن يحظى بالقدسات، بحال غير منظورة، من يد ملاك الرب”.

بعد سنة من ذلك، سمح له رؤساؤه بمغادرة الدير والعيش ناسكاً على بعد حوالي ستة كيلومترات من الدير في الغابة.

ناسكاً

كان القديس سيرافيم قد شاخ قبل أوانه. كما كان المرض والإمساك قد أضنياه، وكانت رجلاه منتفختين متقرحتين. لهذا سمح له رؤساؤه بالعزلة.

اعتاد أن يقرأ الأناجيل كمن يطلب أن يشترك في خبرة أحداثها. لهذا السبب أطلق على عدد من الأمكنة في محيطه أسماء كتابية، وأخذ يقرأ في كل منها الفصول التي تناسبها. فهنا الناصرة وهناك بيت لحم وهناك قمّة ثابور والجسمانية.

كان لا يذهب الى الدير إلاّ في آخرالاسبوع ولا يحمل معه إلاّ القليل من الخبز عائداً. وقد كان له شركاء في طعامه: حيوانات البريّة التي صارت له عشيرة أليفة. فمن المعروف مثلاً أن دباً كان يأتيه كالحملان ليأكل من يده وقد اعتاد أن يعمل قليلاً في الأرض ويرتل أثناء العمل. وكثيراً ما كان يحدث أن يُخطف بالروح وهو يرنّم.

وفي عودة القديس الى الدير، في الآحاد والأعياد، كان الرهبان يتحلقون حوله ويصغون إليه وهو يحدثهم عن الله: “بمقدار ما تُدفئ محبة الرب قلب الإنسان، بنفس المقدار، يجد المرء في إسم الرب يسوع، حلاوة وسلاماً”.

اعتاد الرهبان انتظاره في مجيئه إليهم والبهائم في عودته الى منسكه. كانت الحيوانات والعصافير والزحّافات تجتمع أمام بابه تنتظر طعامها. مرة سأل الشماس ألكسندروس القديس سيرافيم كيف يتمكن من إطعام هذا الجمّ من الحيوانات فأجابه: “لا أعرف كيف، أعرف فقط إني كلما مددت يدي الى كيسي وجدت فيه ما ألقيه إليها”.

كان منسكه أجرد. حتى السرير لم يكن موفوراً، لأن سيرافيم كان يستلقي على كيس من الحجارة الملساء. غمبازه كان يتيماً وله حبل يربط وسطه به، لكن كان عنده للشتاء معطف سميك وقبعة رهبانية.

كثيرون أخذوا يشقّون طريقهم إليه طلباً للنصح والبركة قتضايق وسأل الله حلاّ فتشابكت الأغصان حول منسكه الى حد تعذّر معه وصول الراغبين إليه.

صراع مع إبليس

وكثيراً ما كان يبدو للقديس سيرافيم كأن حيطان منسكه على وشك التداعي والعدو يزأر ويهاجم من كل صوب والحيوانات الضارية تضرب المكان بعنف لتنقضّ على من في الداخل. أصوات الصراخ والحيوانات الهادرة ملأت أذنيه. أحياناً كان يحس كأن أحداً يحمله في الجو ثمّ يلقيه أرضاً بعنف. ولما سُئل القديس ما إذا كان قد رأى الأبالسة أجاب ببساطة: “إنها مقرفة!”.

ثم بعد حين تغيّر نوع هجمات الشرير عليه فربضت على قلبه كآبة ثقيلة واضطربت في روحه أفكار داكنة. عاين القديس نفسه مداناً، وقد تخلى الله عنه. ساعتذاك قاربت معاناته اليأس. لذا قال: “من اختار حياة النسك وُجِب عليه أن يشعر بأنه مصلوب أبداً… والناسك، متى هاجمه روح الظلمة، كان كأوراق الشجر الميتة في مهب الريح، وكالغيوم في هوجة العاصفة. شيطان البرية ينزل على الناسك قرابة نصف النهار ليزرع فيه قلقاً لا يستكين… هذه التجارب لا تُقهر بغير الصلاة”.

معركته مع الأبالسة دامت سنوات. لا نعرف الكثير عنها، نعرف فقط أنه بقي ألف يوماً راكعاً أو منتصباً على الصخر يصلّي.

ثلاثة لصوص

وجاء الى القديس ثلاثة لصوص فيما كان يقطع الحطب في الغابة وطلبوا منه مالاً. وإذ لم يكن عنده ما يعطيه لهم غضبوا أشد الغضب وضربوه بقسوة فأغمي عليه. وبالجهد، بعدما استعاد وعيه، جرّر نفسه الى الدير. كانوا قد تسببوا في إحداث كسور في جمجمته وأضلاعه علاوة على الجراح. ولم يسترد عافيته إلاّ بعد أشهر. وقد شاب شعره واحدودب ظهره وصار لازماً له أن يستعين في مشيته بعصى. فلما عاد الى منسكه دخل في صمت ولم يعد يذهب الى الدير، فاتخذ مجلس الشركة قراراً باسترداده، فعاد طائعاً. كان قد مضى على نسكه خمسة عشر عاماً.

مُقفلاً على نفسه

أقفل القديس على نفسه قرابة الخمس سنوات قليلاً ما كان فيها يكلّم أحداً، وكانو يأتونه بالقدسات إلى قلاّيته. ثم بعد ذلك انفتح وصار يقبل الزائرين المنتصحين. بعض رؤساء الأديار في الجوار كان يأتي إليه سائلاً المنفعة فكان يحثّهم على اللطف ومحبة الأخوة كمثل ما تحبّ الأم أولادها وأن يصبروا على ضعفاتهم وشتى سقطاتهم. كما اعتاد أن يقول لهم: “تعلّموا أن تكونوا في سلام وألوف النفوس من حولكم تجد الخلاص”. على هذا النحو، وبعد سبعة وثلاثين عاماً من التهيئة بانت موهبة القديس: أن يكون شيخاً روحانياً، ستاريتزا يعنى بالنفوس. وصاروا يأتون إليه من كل مكان. حتى القيصر الكسندروس الأول اعتاد المجيء إليه. وإذ زاد عدد الطالبين صلواته فوق الطاقة صار أحياناً يكتفي بإضاءة شمعة لكل منهم إقتداء بموسى الذي أشعل من أجل الشعب قديماً ناراً تكفيرية.

موهبة الرؤية

كانت للقديس سيرافيم موهبة معرفة مكنونات القلوب ورؤية الامور على بعد في المكان والزمان. وقد سأله أحدهم مرة راغباً في معرفة كيفية حدوث ذلك فأجابه: “القلب البشري مفتوح لله وحده وكلما اقترب منه أحد وجد نفسه على حافة جبّ عميق… أنا لا أفضي لأحد إلاّ بما يفضي به إليَّ الربّ الإله. وإني لمؤمن أن الكلمة الأولى التي ترد على ذهني موحاة من الروح القدس. ثم متى أخذت في الكلام لا أعرف ماذا يكمن في قلب الرجل الذي يسألني. أعرف فقط أن الله يوجّه كلماته من أجل ما فيه خيره. لكن، إذا أعطيت جواباً من بنات حكمي على الأمور دون أن آتي به الى الرب الإله أوّلاً فإني أقع في الشطط… على هذا كما الحديد بين يدي الحداد كذلك أنا بين يدي الله، لا أبدي تحرّكاً من دون مشيئته ولا أتلفّظ بكلمة غير ما يلحّ هو به عليّ…”.

أباً للراهبات

على بعد اثني عشر كيلومتراً من ساروف كانت قرية ديفيافو وفيها كان دير نسائي اهتمّ القديس سيرافيم به. ثم ما لبث أن أسس ديراً للفتيّات بين الراهبات أسماه دير الطاحونة قريباً من الدير الأول. وكان بينهنّ عدد من القدّيسات. تعاطيه معهنّ إمتاز بالسعة والمرونة. سأل إحداهنّ مرة: “هل تقيمين صلواتك حسناً؟ أجابته: كلا! عندي الكثير من المهام ولست أُصلّي كما يجب! فقال لها: ليس هذا مهماً، يا فرحي. إذا لم يكن لديك وقت كافٍ للصلاة فبإمكانك أن تصلّي وأنت تعملين أو فيما أنت ذاهبة من مكان إلى مكان أو حتى في السرير شرط ألا تنسي أن تدعي الربّ في قلبك وأن تسجدي أمامه صبحاّ ومساءً. فإذا فعلتِ ذلك فإنّ الله نفسه سوف يُعينك على بلوغ الصلاة الكاملة”.

إحدى الراهبات في دير الطاحونة كانت هيلانة منتوروف. هذه كان القديس يعتمد على أخيها ميخائيل في الكثير من أشغال البناء. وإذ أصيب ميخائيل بمرض خطير ولم يشأ القديس أن يخسره لأنه كان بعد بحاجة إليه، أرسل في طلب هيلانة وقال لها: لقد كنتِ دائماً تُطيعينني، يا فرحي، والآن عندي لك عمل طاعة، فهل أنت مستعدّة لأن تتمّميه؟ فأجابت: انا مستعدّة دائماً لطاعتك يا أبانا. فقال لها: حسناً، يا فرحي… أخوك كما تعلمين مريض بمرض خطير وقد يموت، ولككنا لا نستطيع في الوقت الحاضر أن نستغني عنه. أنت تفهمين ما أقول. هذا هو عمل طاعتك، إذاً: أن تموتي بدلاً منه! فأجابت: ببركتك با أبانا! ثم أخذ القديس يتحدث عن سر الموت وهيلانة تسمع ولا تتفوّه بكلمة. فجأة هتفت: لكني يا أبانا خائفة من الموت! فأجابها: ولكن ليس في الموت ما يخيف لأنه يحمل إلينا الفرح! فلما خرجت من عنده أصيبت بتوعّك وإغماءة ولازمت الفراش قليلاً. في أول الأمر إنتابها الخوف، ثم ما لبث أن فارقها. صار الموت لها يعني أن تعطي حياتها لأخيها وللشركة الرهبانية التي كانت تنتمي إليها. وقبل رقادها بأيام قليلة بدت وكأنها انتقلت الى عالم آخر: “إنه آتٍ مع الملائكة…”. وبعدما تناولت جسد الرب ودمه طلبت من الأخوات أن يعددن لدفنها. كان اليوم سهرانة عيد العنصرة. وكانت قد بلغت السابعة والعشرين. عندما أتت الأخوات الى القديس ليخبرنه بموتها وهنّ باكيات قال لهنّ: “يا لسخفكنّ أن تنتحبنَ على هذا النحو! آه لو كان بإمكانكنّ أن تَرينَ روحها. فإنّ الشيروبيم والسارافيم إرتدّت الى الوراء عندما شقّت هيلانة طريقها الى الثالوث القدّوس!”.

موتوفيلوف

نيقولاوس موتوفيلوف اسم بارز في سيرة القديس سيرافيم أسماه القديس “صديق الله” وقد صار مدبّراً لدير الراهبات في ديفيافو. عندما جيء به الى قديسنا كان في الثانية والعشرين، صاحب أملاك واسعة خلّفها له ابوه. وأقول جيء به لأنه كان مريضاً لا يقوى على الحركة، لا بل كان مشلولاً. فسأل قديس الله ان يشفيه فأجابه: “لكنني لست طبيباً؛ عليك أن تذهب الى أحد الأطباء!” فأخبره موتوفيلوف عن معاناته والعلاجات التي تلقّاها وكيف انه لم ينتفع شيئاً ولم يعد له رجاء إلاّ بالله. فسأله القديس: “هل تؤمن بالرب يسوع المسيح الذي خلق الإنسان وبأمّه الكليّة القداسة مريم الدائمة البتوليّة؟”. فأجاب: “أؤمن!”. فقال له: “تؤمن بأن الرب الذي اعتاد أن يُبرئ المرضى بقوة كلمته وحسب قادر في أيامنا أيضاً أن يُبرئ من يسألونه بنفس السهولة؟”. قال: “أؤمن!”. “وهل تؤمن بأن لشفاعة والدة الإله قوّة لا تقهر من لدن إبنها القادر على شفائك؟” فأجاب: “أؤمن من كل قلبي، ولولا هذا الإيمان ما طلبت أن يؤتى بي الى هذا الموضع!” حسناً، إذن!، إذا كنت تؤمن فأنت معافاً سلفاً”. “كيف ذلك وأنت وخدمي تمسكونني لكي لا اقع أرضاً”. “كلا، كلا، أنت الآن معافى تماماً!” عند ذلك سأل القديس الرجال أن يرفعوا أيديهم عن موتوفيلوف، ثم أخذه بكتفه وجعله على قدميه قائلاً له: “قف على قدميك ولا تخف!” ولما امسك بيده دفع به قليلاً إلى الأمام ودار به حول الشجرة. “أترى كيف تقدر أن تمشي حسناً!” “هذا لأنك تمسكني جيداً!” “كلا بإمكانك أن تمشي لوحدك من دون مساعدتي!” قال هذا وسحب يديه، فشعر موتوفيلوف بقوة خفيّة تسري في بدنه وأخذ يمشي لوحده من دون خوف. وقد شهد، فيما بعد أنه لم يشعر بالعافية والحيوية في حياته كما شعر في ذلك اليوم.

القديس ووالدة الإله

شهد سيرافيم نفسه ونقل عارفوه أنه كانت للقدّيس إلفة كبيرة بوالدة الإله وأنها أتت إليه لا اقل من اثنتي عشرة مرّة في حياته. وقد روت إحدى الراهبات واسمها أفدوكيا أن القديس دعاها الى قلاّيته في الدير ليلة عيد البشارة في ٢٤ آذار سنة ۱٨٣۱م قائلاً أن فرحاً عظيماً سوف يُعطى لها في ذلك اليوم. فبعدما صلّيا معاً هتف القديس فجأة: “ها نعمة الله تنزل علينا!” في تلك اللحظة سُمع صوت كهفيف نسيم عليل يتخلّل رؤوس الأشجار وانبعثت اصوات الترتيل. وإذا بجو القلاّية يعبق بالطيب أغنى وأحلى من البخور، فيسجد القدّيس هاتفاً بفرح: “يا والدة الإله الكليّة القداسة، الكليّة النقاوة، يا أيّتها الملكة الممتلئة نعمة!” ثم رأت الراهبة ملاكين يتقدمان فوالدة الإله وعن جانبيها القديسين بوحنا المعمدان ويوحنا الحبيب ومعهما انثتي عشرة عذراء، لكل منهنّ إكليل على رأسها. فامتلأت القلاّية نوراً كما من ألف شمعة. ثم أخذ النور يقوى حتى أضحى أكثر بهاء من الشمس. وقد بدت حيطان القلاّية كأنها اتّسعت والمنسك أرحب ممّا كان. ثم كلّم القدّيس والدة الإله بدالة فلم تسمع الراهبة من الحوار شيئاً سوى ما قالته والدة الإله للقديس: “قريباً، يا صاح، تكون معنا!”. ثم تقدّمت والدة الإله من الراهبة وأقامتها من وضع السجود ودعتها للتحدّث الى العذارى مقدّمة إليها كُلاًّ منهنّ بالاسم، ثم غادرت. كان قد مضى على الزيارة أربع ساعات.

إقتناء الروح القدس

في يوم من الأيام الباردة المثلجة جرى بين القديس سيرافيم ونيقولاوس موتوفيلوف حوار. هذا بعض ما جاء فيه:

+ القديس سيرافيم: لقد كشف لي الرب أنّك عندما كنت ولداً رغبت في معرفة غاية الحياة المسيحية وطرحت السؤال بشأنها على عدد من رجال الكنيسة البارزبن.

– اعترف أن هذا السؤال كان يؤرقني منذ أن كنت في سن الثانية عشر…

+ ومع ذلك لم يقل لك أحد شيئاً واضحاً محدّداً. قالوا لك أن تذهب الى الكنيسة وأن تصلّي وأن تصنع صلاحاً وأن هذه هي غاية الحياة المسيحية. حتى أن بعضهم قال لك: لا تبحث عن أمور أكبر منك. لذلك سأحاول، أنا العبد الشقي، أن اشرح لك ما هو هذا القصد. فالصلاة والصيام وأعمال الرحمة كلها صالحة لكنها أدوات للحياة المسيحية وليست القصد منها. إن الغاية الحقيقية هي إقتناء الروح القدس.

– ولكن، ماذا تعني بلفظة “إقتناء؟” لست أفهم تماماً ما تقول.

+ أن تقتني معناه أن تمتلك. أنت تعرف معنى أن يربح الإنسان مالاً، أليس كذلك؟ الشيء نفسه يُقال عن الروح القدس. يرمي بعض الناس لأن يصيروا أغنياء وأن يحظوا بكرامات وامتيازات. والروح القدس نفسه رأسمال، لكنه رأسمال أبدي. السيّد يشبّه حياتنا بالتجارة وأعمال هذه الحياة بالشراء: “أُشير عليك أن تشتري مني ذهباً… لكي تستغني” (رؤيا ٣:۱٨). أثمن الأعمال على الأرض هي الأعمال الصالحة التي نقوم بها من أجل المسيح. هذه تُكسبنا نعمة الروح القدس. ولا تأتينا الاعمال الصالحة بثمار الروح القدس إلاّ إذا كانت معمولة من أجل محبّة المسيح. لذا قال السيّد نفسه: “من لا يجمع معي يُفرّق… في مثَل العذارى، دُعي فريق منهنّ جاهلات رغم كونهنّ محافظات على عذريتهنّ. ما نقصهنّ في الحقيقة كانت نعمة الروح القدس. الأمر الأساسي ليس أن يصنع الإنسان صلاحاً بل أن يقتني نعمة الروح القدس، ثمرة كل الفضائل، الذي من دونه لا يكون خلاص… هذا الروح القدس الكلي القدرة مُعطى لنا شريطة أن نعرف نحن كيف نقتنيه. فإنه يُقيم فينا ويعدّ في نفوسنا وأجسادنا مكاناً للآب حسب كلمة الله: “إني سأسكن فيهم وأسير فيما بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً” (٢ كورنثوس ٦:۱٦)… هذا وأكثر الأعمال التي تعطينا أن تقتني الروح القدس هي الصلاة.

– لكن، يا أبي، انت تتكلم عن الصلاة وعن الصلاة وحدها. حدّثني عن الصالحات الأخرى المعمولة باسم المسيح.

+ أجل، بإمكانك أن تُحصّل نعمة الروح القدس من خلال أعمال صالحة أخرى… الصوم… الإحسان… ولكن ليس معنى الحياة أن نستزيد من عدد الصالحات بل أن نجني منها أعظم النفع، أعني المواهب الفضلى للروح القدس. وأنت عليك أن تكون موزّعاً لهذه النعمة… فإنّ بركات النعمة الإلهية تزداد في من يوزّعها…

– إنك لا تكفّ يا أبي عن ترداد أن نعمة الروح القدس هي غاية الحياة المسيحية. ولكن كيف وأين يمكنني أن أُعاين مثل هذه النعمة؟ الأعمال الصالحة منظورة ولكن هل يمكن للروح القدس أن يكون منظوراً؟ كيف يمكنني أن أعرف ما إذا كان فيّ أم لا؟

+ في أيّامنا، وبسبب فتور إيماننا ونقص إهتمامنا بتدخلّ الله في حياتنا، نجدنا غرباء بالكليّة عن الحياة في المسيح… في الكتاب المقدس مقاطع كثيرة عن ظهور الله للناس. البعض اليوم يقول أن هذه مقاطع غير مفهومة. مردّ عدم الفهم هنا هو فقدان البساطة التي تمتّع بها المسيحيّون الأوائل… إبراهيم ويعقوب عاينا الله وتحدّثا إليه، ويعقوب صارعه، وموسى تفرّس فيه، وكذلك الشعب كلّه في عمود الغمام الذي لم يكن غير نعمة الروح القدس هادياّ شعب إسرائيل في البرّية… لم يكن هذا حلماً ولا غيبوبة ولا في الخيال بل في الواقع والحق. ولكن لأننا صرنا لامبالين بشأن خلاصنا، لم نعد نُدرك معنى كلمات الله كما ينبغي. لم نعد نلتمس النعمة، ويحول كبرياؤنا دون تجذّر النعمة في نفوسنا. ولم يعد لنا نور السيّد الذي يهبه للذين يتوقون إليه بحميّة وجوع وعطش…

– ولكن كيف يمكنني أن أعرف أني داخل نعمة الروح القدس هذه؟ كيف يمكنني أن أتأكّد من أنني أحيا في روح الله؟ آه كم أتوق لأن أفهم!

إذ ذلك أمسك القديس سيرافيم موتوفيلوف بكتفه بقوة وقال له:

+ كلانا، يا صاح في هذه اللحظة، في الروح القدس، أنت وأنا. لماذا لا تنظر إليّ؟

– لا أستطيع أن أتطلّع إليك، يا أبي، لأن نوراً ينبعث من عينيك ووجهك أبهى من الشمس ضياء!

+ لا تخف، يا صديق الله، أنت نفسك مضيء مثلي تماماً. أنت أيضاً الآن في ملء نعمة الروح القدس وإلا ما أمكنك ان تراني كما أنا.

لم يحتجّ قدّيس الله حتى إلى رسم إشارة الصليب ليكون لموتوفيلوف أن يعاين النور بعين الجسد. فقط صلّى من أجله في قلبه.

+ هيا، أُنظر إليّ ولا تخف لأن السيّد معنا!

فنظر موتوفيلوف الى القدّيس مرتعداً فرآه سابحاً في نور يفوق بهاء الشمس في نصف النهار… رأى شفتيه تتحركان، ورأى تعبير عينيه وسمع صوته وشعر بيديه حول كتفيه، لكنه لم يعاين لا ذراعيه ولا جسده ولا وجهه. كما فقد الإحساس بنفسه. كان النور يملأ كلّ شيء ورقع الثلج المتساقط عليهما كأنها اشتعلت.

+ بماذا تشعر؟

– أشعر بأني في أحسن حال وأتعجّب!

+ ماذا تعني بذلك تماماً؟

– أشعر بسكون عظيم في نفسي. أشعر بسلام لا يمكن التعبير عنه بالكلام!

+ هذا هو السلام الذي يفوق كل عقل الذي تحدّث عنه الرسول (فيليبي ٤:٧). ماذا أيضاً!

– أشعر ببهجة غريبة لم آلفها من قبل!

+ عن هذه البهجة قال المرنّم في المزمور: “… يشبعون من دسم بيتك وأنت تسقيهم من نهر نعمك” (٣٥:٨). ماذا أيضاً؟

– فرح مدهش يملأ قلبي!

+ هذه أولى ثمار الفرح الذي أعدّه الله للذين يحبّونه والذي قال عنه الرسول: “ما لم ترَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعدّه الله للذين يحبّونه” (كورنثوس 2، ٢:٩). بمَ تشعر أيضاً؟

– أشعر بدفء مدهش!

+ … نحن في عمق الغابة وفي نصف الشتاء والثلج تحت أقدامنا وعلى أثوابنا!؟… إننا الآن، يا فرحي، في عداد من قال السيّد عنهم: لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت السموات قد أتى بقوّة. ها أنت قد فهمت معنى أن نكون في ملء الروح القدس… لا يهمّ أن أكون أنا راهباً وأنت علمانيّاً، المهم، في عين الله، هو الإيمان الحقيقي به وبإبنه الوحيد. من أجل هذا أُعطيت لنا نعمة الروح القدس. ملتمس السيّد قلوب تفيض بمحبته ومحبة القريب. هذا هو العرش الذي يجلس هو عليه ويظهر منه ذاته في ملء مجده. “يا بني أعطيني قلبك” (أمثال ٢٣:٢٦). في القلب يُبنى ملكوت الله.

رقاده

رقد قدّيس الله في سن السبعين. كان في أيّامه الأخيرة يتحدّث عن قرب مغادرته بفرح ووجه مشعّ. وكان بعض الإخوة يسمعونه وهو يرنّم ترانيم الفصح. تناول القدسات الإلهيّة في الأوّل من كانون الثاني سنة 01833 وقَبّل أيقونات الكنيسة مشعلاً أمام كل منها شمعة. ثم بارك الإخوة قائلاً لهم أن يصنعوا خلاصهم وأن يسهروا لأنّ الأكاليل قد أُعدّت لهم. بعد ذلك زار مدفنه، ثم أغلق على نفسه في القلاّية. وأثناء الليل رقد، وقيل كان على ركبتيه. عُرض للتبرّك ثمانية أيّام في الكاتدرائيّة وتبرّك منه الآلاف. وقد ذكر أحد الرهبان في الجوار أنّ نوراً عظيماً التمع في السماء فقال: “هذه روح الاب سيرافيم تطير الى السماء”.

في19٩ تموز سنة 1903 جرى إعلان قداسته بحضور العائلة المالكة ومئات ألوف المؤمنين.

(عن سير القديسين – السنكسار، وسائر الاعياد في الكنيسة الارثوذكسية، الارشمندريت الراهب توما بيطار)

 

من  أعمال القديس على هذا الموقع

منتخبات روحية

القديس الشهيد في الكهنة يعقوب الحمّطوري

نسك القديس يعقوب في دير السيدة في حمطورة ، كوسبا – الكورة ، لبنان. في أواخر القرن الثالث عشر وبرز روحيا بنشاطه الذي فيه ثبّت الحياة الرهبانية في منطقة الدير بعد ان دمره المماليك . واذ أعاد البناء وجدد الحياة الرهبانية ونشّطها ، التفت المماليك اليه وقرروا تغيير عزمه وثنيه عن نشاطه وتحويله عن ايمانه الى مسلم فلم يقبل رغم الشدة ، وعلى عادة المماليك الذين جروا على تعذيب أخصامهم والتنكيل بهم أخذوه من دير القديس جاورجيوس في أعلى الجبل المدعو ” حمطوره ” حيث كان ينسك وجرّروه الى مدينة طرابلس حيث الوالي . فبدأت محاكمته وتمليقه تارة واتهامه أخرى ضاغطين عليه بتعذيبات شديدة وتهويلات . فلم ينثن، فقطعوا رأسه أخيرا بتعسف في الثالث عشر من تشرين الاول ( 13 ت1) . وإمعانا بالتعسف أحرقوا جسده لئلا يسلموه الى الكنيسة فيتم تكريمه ودفنه كشهيد وكما يليق بالقديسين المجاهدين . لكن الله توجه بأكاليل لا تذبل ومتّعه بالنعيم بعد الهوان في زمن قليل فبرز في استشهاده كما كان بارزا في حياته بل واكثر من ذلك فأعلنته الكنيسة قديسا تكرمه وتستشفع به .

 

ولكن نتيجة الضعف الروحي وعدم القراءة والمعرفة في زمن العثمانين نسي القديس تماما . لذا نسي ذكره بسبب الحروب والشدائد التي مرت على بلادنا وبسبب استخدام الكتب الليتورجية المترجمة عن اليونانية وإهمال الكتب المحلية ، فسقط من الحسبان العديد من اسماء الشهداء والابرار المحليين ، الذين هم اقرب الى شعبنا والى معاناته ومشاكله .

 

غير ان زوار الدير وحجاجه كانوا يشعرون بحضوره وقد ظهر لكثيرين وصنع المعجزات والاشفية ممجدا الله وهو مستتر .

الى ان وجدنا ذكرا واضحا له في مخطوط في دير البلمند ( رقم 149 ) يوضح ان الكنيسة تعيّد له في الثالث عشر من تشرين الاول .

 

وقد احيا الدير ( دير سيدة الحمطورة ) في كوسبا تذكاره للمرة الاولى في 13 – 01 – 2002 في سهرانية اشترك فيها عدد كبير من الكهنة والشمامسة والاخوة المؤمنين مرنمين خدمة العيد التي دوّنها الارشمندريت الأب بندلايمون  رئيس الدير .

في الصيف الفائت برز كثيرون من المؤمنين الذين جاؤوا الى الدير فأخبروا عن ظهورات له أو عجائب وأشفية مما ساعد كثيرا الحماسة الروحية لاعادة التعييد لهذا القديس ، وتقديم الشكر للرب فيما نكرم هذا القديس الذي لا زال حيا في ديره من خلال عجائبه التي بها يفتقد المؤمنين .

لماذا اطلق على الدير تسمية حمطورة وما هو معناها؟

– التسمية هي لفظة سريانية مركبة من كلمتين جبل الحماسة، التي تعني ان يكون لدى الانسان الذي سيعيش هنا الحماسة والنشاط لكي يستطيع التدرب على تحمل المشقات التي نعانيها هنا بشكل جيد.

القديس البار ثيوفانيس الحبيس (+۱٨٩٤م)

أعلنت الكنيسة الروسية قداسته سنة ۱٩٨٨م بمناسبة العيد الالفي لمعمودية الشعب الروسي. يُعتبر، عن حق، من أبرز صنّاع النهضة الروحية في الكنيسة الروسية قبل الثورة البولشفية (۱٩۱٧). ويعتبره البعض أبرز من كَتَب في “الروحانية الأرثوذكسية”، لا في القرن التاسع عشر وحسب، بل عبر التاريخ الروسي برمّته.

اسمه في العالم كان جورج غوفوروف. ولد في ۱٠ كانون الثاني ۱٨۱٥ في قرية شرنافسك في مقاطعة الأورال في روسيا الوسطى. كان والده باسيليوس كاهناً تقيّاً موهوباً، وكانت أمّه محبّة لله، ممتلئة لطفاً ورأفة. طفولة البار كانت سعيدة. أُرسل في الثامنة من عمره الى المدرسة الإكليرية ثم الى المعهد الإكليركي في الأورال. كان واقعيّاً أن يُصار الى إعداده كاهناً، في خط والده، تبعاً للعادة المتبعة يومذاك. تميّز، منذ حداثته، بهدوء الطبع والميل الى الصمت، كما أحبّ الصلاة والعزلة. وقد أبدى، الى ذلك، مقدرة عقلية فذّة. انتقل، بعدما أتمّ دراسته في المعهد الإكليركي، الى الأكاديمية الكنسية في كييف حيث درس اربع سنوات ولمع. تردّد، أثناء إقامته في كييف، على دير الكهوف الذي هو مهد الرهبنة الروسية، فنما في قلبه ميل الى الرهبنة. من الذين أثّروا فيه، في تلك الفترة من حياته، شيخ روحاني اسمه برثانيوس. قبِل النذور وهو في سن السادسة والعشرين. قال له الأب برثانيوس يومذاك: “أنتم، رهط الرهبان المتعلمين، لكم علم جزيل، ولكن تذكّروا أنّ أهمّ عمل يمكن لكم أن تؤدّوه هو الصلاة. فصلّوا الى الله بلا انقطاع في وحدة ذهن وقلب. هذا ما عليكم أن تضعوه نصب أعينكم.”

تقلّب القديس ثيوفانيس في مناصب عدة، استاذاً فمراقباً للمعهد اللاهوتي في نوفغورود فعميداً للمعهد اللاهوتي في أولونيتز. كان في تعليمه واضحاً ومثيراً وكان يبعث الحميّة في تلاميذه.

عام ۱٨٤٧ قرّرت الحكومة الروسية ايفاد بعثة كنسية الى اورشليم القدس لتقصّي احوال الأرثوذكسية في الشرق الاوسط وإنشاء إرسالية روسية دائمة في فلسطين . أحد أعضاء البعثة كان ثيوفانيس ورئيسها الأرشمندريت بورفيريوس أوسبنكسي. تحرّك اعضاء البعثة ما بين سوريا ومصر وسيناء وجبل آثوس. زارت المكتبات ودرست المخطوطات . عمل ثيوفانيس، بصورة خاصة، في مكتبتي دير القديس سابا في فلسطين ودير القديسة كاترينا في سيناء. كما زار الأديرة القبطية واحتكّ بالاكليروس الارثوذكسي واطّلع على أوضاعه ودرس أحوال الإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية في الارض المقدسة. وقد تسنّى له خلال السنوات الثمانية التي امضاها هناك ان يتعلّم الفرنسية واليونانية والعربية والعبريّة. ثمّ عاد الى روسية إثر إندلاع الحرب الكريمية سنة ۱٨٥٥م.

عام ۱٨٥٧م عيّن ثيوفانيس عميداً للأكاديمية الكنسيّة في بطرسبرج وبقي في منصبه هناك سنتين.

عام ۱٨٥٩م اختير أسقفاً على كرسي تامبوف حيث اقام أربع سنوات ثمّ انتقل الى كرسي فلاديمير حيث اقام ثلاث سنوات. اهتمّ قديسنا، في هذه المرحلة من حياته، بصورة خاصة، بتحسين نوعية الوعظ بين الكهنة واستحدث لذلك دروساً خاصة فيها. هو نفسه كان واعظاً من الطراز الأول. كما اهتمّ بتعليم الناس طريق الخلاص وكيفية الصلاة. الى ذلك كان لشعبه أباً بكل معنى الكلمة وكان بسيطاً في عيشه، لا يأكل غير مرة واحدة في اليوم. معالم الرهبنة كانت واضحة في طريقة تعاطيه مع الأمور. ورغم كونه إدارياً قديراً كان يأبى ان يلعب دور القاضي. حضور المحاكم الكنسية كان يوجعه جدّاً، لذلك تخلى لإحدى الكهنة عن هذا الدور. ميله الى الوحدة والصلاة كان في ازدياد، لذا قرّر التخلّي عن الاسقفية وأن يصير راهباً بصورة نهائية. وقد منحه المجمع المقدّس إذناً بذلك. كان قد مضى عليه في الأسقفية سبع سنوات.

عام ۱٨٦٦ جعله المجمع المقدّس رئيساً لدير فيشا. هناك قضى قديسنا بقية سني حياته الثمانية والعشرين. كان، أوّل الأمر، يشترك في صلوات الدير ويستقبل الزوّار ويقوم ببعض المهام المتعلّقة به كرئيس للدير. أقام على هذه الحال ستّ سنوات اعتزل بعدها وصار يلازم ركنه ولا يقابل أحداً غير رئيس الدير وأب اعترافه والراهب الذي كان يقوم بخدمته. كان ركنه عبارة عن غرفة نوم صغيرة وغرفة استقبال صغيرة وكنيسة صغيرة ومكتبة ومشغل. وكان الى جانب شغفه بالعمل الفكري والكتابي رسّام أيقونات جيّداً وحفّاراً على الخشب. مذ ذاك أخذ يتمّم الخدم الإلهيّة، بما فيها القدّاس الإلهي، في محبسه. كان يقيم الذبيحة الإلهية، في البداية، كل أحد وعيد مهمّ، ثم أخذ يقيم الذبيحة كل يوم. لا نعرف عن حياته النسكية الكثير. لكننا نعرف أنه كان يقضي أكثر أوقاته في الصلاة الليتورجية أوالصلاة الشخصية – صلاة يسوع – أو القراءة والكتابة. كان يتناول الشاي صباحاً ومساءً، وياكل مرّة واحدة في اليوم. قوام وجبته كان بيضتين وكوباً من الحليب وقطعة خبز. هذا خارج أوقات القطاعة والصوم. ألّف العديد العديد من الكتب. نقل الكثير من مؤلفات آباء الكنيسة الى اللغة الروسية الحديثة، لا سيما مجموعة الفيلوكاليا، واعتاد الردّ على حجم هائل من الرسائل التي كان يتلقاها من المؤمنين بمعدّل عشرين الى أربعين رسالة كل يوم. ومع انه كان حبيساً كان معروفاً في كل أرجاء روسيا بفضل كتاباته ومراسلاته. ويبدو ان محاولة جرت لاجتذابه إلى المتروبوليتية على كرسي كييف لكنه لم يشأ قبولها.

أضنى القديس ثيوفانيس التعب لصرامة نسكه وسنه ومثابرته على الكتابة والتأليف. سنة ۱٨٨٨م فقد بصر إحدى عينيه. ومع ذلك استمر في نظامه النسكي وشغفه بالكتابة من دون تغيير. رقد بسلام في الرب دونما مرض أو نزاع. حدث ذلك قبل أربعة أيام من بلوغه سن الثمانين.

هذا وقد ترك لنا القديس ثيوفانيس مؤلفات عديدة تشكّل مكتبة بكل معنى الكلمة. تتضمن مؤلفاته الروحية والمستيكية ما يلي:

أ- رسائل في الحياة الروحية

ب- رسائل في الحياة المسيحية

ج- رسائل للناس في موضوع الإيمان والحياة

د- ما هي الحياة الروحية وكيف نسلك فيها؟

ه- طريق الخلاص (أهمّ مؤلفاته في تقدير العارفين)

و- في التوبة وسرّ الشكر وإصلاح النفس

ز- في اليقظة والصلاة

ح- تفسير أكثر رسائل الرسول بولس

ط- تفسير المزمورين ٣٣ و ۱۱٨

ي- نقل الفيلوكاليا أو كتابات آباء البريّة

ك- نقل القواعد الرهبانية القديمة

ل- نقل مواعظ القديس سمعان اللاهوتي الحديث

م- نقل كتاب “الحرب الروحيّة” للورنزو سكوبولي

(عن سير القديسين – السنكسار، وسائر الاعياد في الكنيسة الارثوذكسية، الارشمندريت الراهب توما بيطار)

 

من رسائل القديس على هذا الموقع

كيف تخلص النفس

قانون الصلاة

كيف يحاول العدو تحويل المبتدئ عن الطريق الصحيح

السلام الداخلي

الحياة المسيحية

 

أبينا الجليل في القدّيسين مرقص أسقف أفسس (+۱٤٤٤م)

لمع نجم هذا القديس في وقت من أصعب الأوقات التي مرّت بالامبراطوريّة البيزنطيّة. وضعها الاقتصادي كان شقيّاً والغزاة الأتراك على الأبواب. كان أمام الامبراطوريّة أحد خيارين: إما السقوط في أيدي الاتراك وإما الاستسلام للاّتين. هؤلاء عرضوا المساعدة المالية والعسكرية في مقابل إعلان الوحدة بين الكنيسة الاروذكسية والكنيسة الكاثوليكية. هذا عنى، في ذلك الزمان، خضوع الأرثوذكسية للبابويّة.

وُلد مرقص في كنف عائلة تقيّة في القسطنطينية حوالي العام ۱٣٩٢م. درس على خيرة المعلّمين وكان لامعاً. أضحى، منذ سنّ مبكّرة، استاذاً في المدرسة البطريركية. ترك كل شيء وهو في السادسة والعشرين وترهّب في دير صغير قريب من نيقوميذية. انتقل الى دير بإسم القديس جاورجيوس في القسطنطينية بعدما اشتدّت وطأة الأتراك على تلك الناحية. وضع عدداً من المؤلّفات العقائديّة في خط القديس غريغوريوس بالاماس. كتب عن الصلاة. علمُه وفضله لفتا الامبراطور يوحنا الثامن باليولوغوس إليه. كان الامبراطور في صدد الإعداد لمجمع كبير بشأن الوحدة مع الكنيسة اللاتينية آملاً في الحصول على دعم البابا وأمراء أوروبا بالمقابل. جُعل مرقص أسقفاً على أفسس وضُمّ الى الوفد البيزنطي ممثّلاً بطاركة أورشليم وانطاكية والإسكندرية. كان في عداد الوفد البيزنطي الأمبراطور والبطريرك يوسف الثاني وخمس وعشرون أسقفاً. أبحر الوفد الى إيطايا بهمّة وحماس. كان يؤمَل أن تتحقق الوحدة المرتجاة بسرعة. وصل أعضاء الوفد إلى فرّاري. تبيّن، شيئاً فشيئاً، إنهم أدنى الى المساجين ولم يسمح لهم بمغادرة المدينة. افتتحت جلسات المجمع. جدول الأعمال تضمن البنود التالية: انبثاق الروح القدس، المطهر، الخبز الفطير والتكريس بكلمات التأسيس وحدها أو باستدعاء الروح القدس، وأوليّة البابا. عولجت، بدءاً، المسائل الأقل تعقيداً. طُرح موضوع المطهر. تكلّم مرقص عن الفريق الأرثوذكسي. قال: “لا شك أنّه يمكن لنفوس الموتى أن تنتفع وحتى للمدانين أن يتنيّحوا نسبياً بفضل صلوات الكنيسة ورأفة الله التي لا حد لها. أما فكرة العقاب قبل الدينونة الأخيرة والتطهير بالنار المحسوسة، فغريبة تماماً عن تراث الكنيسة”.

انتقل البحث، بعد أسابيع، الى مسألة الفيليوكوي، أي انبثاق الروح القدس من الآب والإبن. مرقص كان واضحاً وحازماً. سبعة أشهر من المباحثات انقضت دون نتيجة. نقل البابا إفجانيوس الرابع المجمع الى فلورنسا. بيصاريون، أسقف نيقية، وإيسيدوروس أسقف كييف وسواهم كانوا مع الوحدة بأي ثمن. سعوا في الكواليس الى إقناع الفريق الأرثوذكسي بأن اللاتين ليسوا على خطأ فيما يختص بإنبثاق الروح القدس. زعموا أن العقيدة هي إيّاها، لكن اللاتين يعبّرون عنها بلغتهم وبطريقتهم الخاصة. اللاتين ضغطوا. كان الأرثوذكس في وضع صعب للغاية، لا سيما ومصير القسطنطينية والأمبراطورية البيزنطية في خطر والأتراك على الابواب. الاستعداد لدى الأكثرين كان الى التمييع والتساهل والتخفّي وراء كلامية تترك للجميع أن يفسّروا الأمور، كلاّ حسب هواه وعلى طريقته. المهم أن تتحقق الوحدة ولو كلاميّاً. هذا كان الجو المسيطر. كل الأرثوذكس بدوا مستعدّين للتنازل والرضوخ للأمر الواقع تحت ستار الوحدة إلاّ مرقص. ثبت على موقفه ولم يتزحزح. لسان حاله كان: “لا مسايرة في مسائل الإيمان!” قرّر أن ينسحب ويتالّم بصمت. أخيراً وقّع الجميع مرغمين اتفاق الوحدة المزعومة كما رغب فيه اللاتين. وحده مرقص امتنع. فلما علم البابا إفجانيوس بالأمر هتف: “أسقف أفسس لم يوقّع، إذاً لن نحقّق شيئاً!” دعا مرقص إليه وأراد الحكم عليه. تدخّل الأمبراطور وعاد الوفد إلى القسطنطينية بعد سبعة عشر شهراً من الغياب.

في القسطنطينية، رفض الشعب المؤمن الوحدة المزعومة. الشعب، عند الأرثوذكس، هو حافظ الإيمان. اعتُبر مرقص بمثابة موسى جديد وعمود الكنيسة. خرج عن صمته. كان همّه أن يعيد اللحمة الى الكنيسة الأرثوذكسية. سعى إلى ذلك بالكتابة والوعظ والصلاة والدموع. البيزنطيون الوحدويون استمرّوا ولو نبذهم أكثر الشعب. قال مرقص: “انا مقتنع أني بقدر ما أبتعد عن الوحدويين بالقدر نفسه أدنو من الله وجميع قدّيسيه. وبقدر ما أقطع نفسي عنهم بقدر ذلك أتّحد بالحقيقة”. كان الصراع صعباً: أكثر السلطة الكنيسة في مواجهة أكثر الشعب المؤمن. لجأ مرقص الى جبل آثوس. قُبض عليه في الطريق وأودِع الإقامة الجبرية في جزيرة ليمنوس بأمر الأمبراطور. أُطلق سراحه سنة ۱٤٤٢م. عاد الى ديره ليواصل المعركة الى آخر نَفَس. رقد في الرب في ٢٣ حزيران ۱٤٤٤م. سلّم مشعل الأرثوذكسية، قبل موته، لتلميذه جاورجيوس سكولاريوس الذي اضحى أول بطريرك على المدينة بعد سقوطها في يد الاتراك بإسم جنّاديوس. بقي فريق الوحدويين يأمل في وصول المعونات من الغرب وأعلن الوحدة من القسطنطينية رسميّاً في كانون الأول ۱٤٥٢م. لكن التوقعات خابت فسقطت القسطنطينية بيد الأتراك في ٢٩ أيار ۱٤٥٣م وسقطت معها وحدة الزيف والقهر.

(عن سير القديسين – السنكسار، وسائر الاعياد في الكنيسة الارثوذكسية، الارشمندريت الراهب توما بيطار)

القدّيس البار سمعان اللاهوتي الجديد (+1022 م)

بين الكواكب اللامعة في سماء القدّيسين الأبرار ثلاثة أُهِّلوا للقب ” اللاهوتي”: القدّيس يوحنا الإنجيلي، التلميذ الذي كان يسوع يحبّه والذي اتكأ على صدره في العشاء واغترف المياه الحيّة لمعرفة كلمة الله. والقدّيس غريغوريوس النـزينـزي الذي بعدما عاين بعين داخلية منقّاة سر الثالوث القدّوس صدح به مسخّراً لخدمته خير ما أبدعته البلاغة الهيلينية. إلى جانب هذين هناك القدّيس سمعان اللاهوتي الجديد الذي بعدما غاص في نور الروح القدس أرسله الله نبياً جديداً إلى مجتمع بيزنطي مرتهن إلى المسيحية الشكلية والرسمية شاهداً لكون كل مسيحي مستحق لاسمه مدعواً، هو أيضاً، إلى الاستنارة المقدّسة وأن يصير ابناً لله في الروح القدس.

ولد قدّيسنا في غلاطية بفلاغونية، في آسيا الصغرى، سنة 949 م لعائلة مقتدرة من النبلاء. فلما بلغ الثانية عشرة أرسلوه إلى المدينة المتملّكة لمتابعة دروسه استعداداً للدخول في خدمة القيصر. سلك في الطيش بعضاً من الوقت لكنْ رأف الرب الإله به فلما ينـزلق في مزالق الفساد بل انتشله من الجب من خلال قراءات روحية كانت له فشرع يبحث ، على الأثر ، عن رجل قدّيس قادر ان يرشده إلى الخلاص رغم الكلام المحبط الذي سمعه من المحيطين به . قالوا عن زمانه إن رجلاً قدّيساً كالذي يلتمس لا وجود له . رغم ذلك استمرّ في البحث إلى ان وجد أباً روحياً، راهباً حبيساً في دير ستوديون. هذا كان سمعان التقي . لكن سمعان هذا لم يشأ ان يقتبله راهباً واكتفى بإعطائه كتاب القدّيس مرقص الناسك ليقرأ . حالما فتح قدّيسنا الكتاب طالعه القول التالي:” إذا كنت تبحث عن الشفاء فاعتنِ بضميرك واصنع ما يمليه عليك فتجد المنفعة” (القول 69). للحال اعتبر وشرع في اتباع ما يشير به. قال له ضميره، محبة بيسوع، ان يستزيد من الصوم والسهر فأخذ يفعل كذلك. ولم يطل الوقت به حتى تلقّى عربون الحظوة عند الله في معاينة عجيبة للنور غير المخلوق نقلته كخارج العالم وخارج جسده. ملأته الفرحة الكبرى وسبح في الدمع حاراً وأخذ يردّد بلا توقّف ولا كلل: كيرياليصون (يا رب ارحم). وفي قلب ذلك النور عاين أباه الروحي سمعان قائماً إلى يمين غيمة مضيئة يعلّمه فن الصلاة دونما تشتّت.

وإذ لم تكن خبرته الأولى في معاينة المجد الإلهي مؤسسة على ركائز اللاهوى فإنه ما لبث ان سقط في الفتور والتراخي. لكنه عاد فتاب كما عن خطيئة عظيمة. ولسِت أو سبع سنوات، بعد ذلك، استمر في علاقته بأبيه الروحي دون ان يسعى إلى الخروج من العالم وبطلانه.

ومن جديد رأف الرب الإله به وانتزعه كما من شعره من حمأة العالم وأقامه أمام وجهه. خرج إلى مسقط رأسه في مهمة رتّب خلالها شؤونه المعلّقة وعاد بسرعة إلى المدينة المتملكة لينضوي تحت لواء أبيه الروحي مسلماً نفسه إليه بالكامل.

استقرّ في قلاّية صغيرة تحت درج قلاّية سمعان أبيه. هناك كان دائم النظر في خطاياه يقوم من الأعمال بأحقرها لاغياً إرادته الخاصة تماماً معتبراً أباه كالمسيح نفسه، لاثماً، بإكرام كبير، كل مكان وقف فيه أبوه للصلاة كما لو كان قدس الأقداس. على هذا، وقد احتمى قدّيسنا بصلاة سمعان، صار بإمكانه ان يردّ عن نفسه، بلا خوف، هجمات الأبالسة التي حاولت، بكل قواها، ان تبثّ فيه الخوف والكسل والنجاسة والحسد، بكل عنف، لتبعث في نفسه اليأس.

غريباً أضحى عن كل شيء، يحفظ الصمت متواتراً. كان يقف أثناء الخدم الليتورجية مطأطئ الرأس يذرف الدمع مدراراً لسماعه النصوص الكريمة. بعض الرهبان اضطرب لمعاينة التقدم الذي أحرزه طالب جديد. اعتبروا الأمر دينونة لهم ولفتورهم في السيرة. اتهموه لدى رئيس الدير بأن له بأبيه الروحي صلات أوثق مما ينبغي. وإذ لجأ قدّيسنا إلى صلاة أبيه ليتقوّى أكّد له أبوه انه سيأخذ من العلاء نعمة تزيد مرتين عن النعمة التي له هو. إثر ذلك دخل إلى قلاّيته، تلك الليلة، فإذا بنور سماوي يستلب عقله ويمتّعه من الحب الإلهي بفرح لا يوصف. ومع انه كان، بعد، قليل الدراية فإن الله أسبغ عليه، مذ ذاك، من الحكمة قدراً أثار دهش رفقائه. لكنْ حقد عليه حسّاده وتآمروا عليه إلى ان نجحوا في إخراجه من دير ستوديون.

من دير ستوديون انتقل قدّيسنا إلى دير صغير هو دير القدّيس ماما. انضمّ إليه كطالب رهبنة، لكنه حافظ على صلاته بأبيه الروحي سمعان التقي. وقد بقي كذلك إلى ان اقتبل الإسكيم من يده واتخذ اسم سمعان أيضاً. تلك المناسبة كانت إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من الترقي الروحي في حياته فلاذ بالصمت كاملاً وكذا بالصلاة وتأمل الكتاب المقدّس مكتفياً لجسده من الطعام ببعض البقول. قلاّيته، التي لم يعد يخرج منها إلا للإشتراك في الخدم الإلهية، أضحت له أتوناً متقداً غاص فيه بكليته ليتحوّل إلى لهب حب نقي كثيراً ما أدخله ربه، من خلاله، حالة الذهول والدهش. سمعان، في إحدى مقالاته، شبّه نفسه برجل شقي بعدما سقط في جب الحمأة سحبه ربّه منها رأفة به، ومن ثمّ استاقته يد أبيه الروحي عبر فخاخ العدو وصعوبات عاناها جمّة إلى ينابيع المياه ليغتسل ويتنقى مما علق فيه ويتحوّل من العمى إلى معاينة الروحيات. وعلى قدر ما تنقّت بصيرته نعم برؤى نورانية تنامت وضوحاً. وفي نور كالشمس لا هيئة له سقط حجاب عدم الحس لديه، فعاين، شيئاً فشيئاً، وجه المسيح وميّزه بنقاوة متزايدة. أُخذ كما خارج الجسد فصار في ذهول. كلّمه المسيح وأسماه أخاً وربيباً. لم يفهم إلا بعد سلسلة من الرؤى وبعدما استغرق في ذرف الدموع أمام إيقونة والدة الإله انه اقتنى، داخل قلبه، ذاك الحب مشخصناً الذي هو السيّد نفسه.

مضت على قدّيسنا في دير مار ماما سنتان لاحظ رئيسه خلالها انه تقدّم، في الروح، تقدّماً عجيباً فسامه كاهناً. يوم سيامته نزل الروح القدس نوراً بسيطاً لا هيئة له ليغلّف الذبيحة. مذ ذاك، وعلى امتداد حياته الكهنوتية، عاد لا يمرّ عليه يوم أقام فيه الذبيحة دون رؤية مماثلة. وإذ كانت تحيط به غيمة مضيئة، كان يرتسم على وجهه تعبير ملائكي حتى لم يكن بإمكان أحد ان يحدّق فيه كلّما بارك الشعب.

ورقد رئيس الدير واختير سمعان خلفاً له. الحياة الرهبانية هناك كانت متراخية واستحال المكان مدافن للعامة. فشرع قدّيسنا، مذ ذاك، في إعادة بناء ما تهدّم إلا الكنيسة، كما أخذ يستنهض همم الرهبان سعياً لاجتذابهم إلى التماس وجه العليّ كما عرفه هو. كان، لهذه الغاية، يقف واعظاً كالنار ثلاث مرّات في الأسبوع. لم يكتفِ بتذكيرهم بمبادئ الحياة المشتركة بل نظير ” امرء فقير امتلأ محبة أخوية”، متى حظي ببركة خاصة، ركض إلى رفقة الشقاء فرحاً ليعرض عليهم ما حصل عليه ويحثّهم على التحرّك بسرعة ليستفيدوا، هم أيضاً، من سخاء الذي أحسن إليه. هكذا شرع سمعان يكشف لرهبانه العجائب التي تمّمها فيه ربّه مؤكّداً بقوة ان لنا جميعاً، منذ الآن، في هذه الحياة، ان نبلغ رؤية ملكوت السموات. هذه الرغبة العميقة في إشراك إخوته بالنعمة التي تلقّى هي التي كمنت وراء الحميمية الشخصية لكتاباته مما لا نجد له مثيلاً عند الآباء إلا ما ندر.

هذه ” الحميّة الجامحة” لسمعان أثارت اعتراض بعض الرهبان وملاحظاتهم التهكّمية. هؤلاء آثروا سيرة سهلة وأدانوه كمتبجّح. اشتدت حركة المقاومة ضدّه إلى ان انفجر في وجهه ثلاثون راهباً قاطعوه بعنف، ذات مرة، خلال إحدى عظاته، وأخذوا يزأرون عليه كالحيوانات الشرسة . لم يترك مكانه . حافظ على ابتسامته وهدوئه فحدّ من هياجهم . فما كان منهم سوى ان خرجوا من الكنيسة في جلبة عظيمة، وطلبوا وجه البطريرك سيسينيوس مشتكين . فلما نظر هذا  الأخير في الأمر برّر القدّيس بالكلية وحكم عليهم بالنفي . غير ان محبة سمعان كانت أكبر من ان يسلم خرافه  إلى  الضلال  فعمل  على  إبطال العقوبة  في حقّهم  وخرج  يلملمهم ويستسمحهم ويتوسّل إليهم ان يعودوا إلى الدير.

ولم يمض على تلك الحادثة وقت طويل حتى عاد السلام من جديد وأخذ الرهبان ينشطون في معارج الحياة النسكية إلى ان أضحى المكان أحد أبرز الحصون الروحية في المدينة. هذا التطوّر الطيّب جذب إلى الدير العديد من عامة المؤمنين وتلاميذ قدموا من بعيد . مهام سمعان الرعائية تضاعفت. ومع ذلك لم يَحلَّ شيئاً من أتعابه النسكية فكان، ثلاث مرات في اليوم، في ساعات محدّدة، ينكفئ في قلاّيته ليغسل الأرض بدموعه. الدموع بالنسبة إليه باتت طبيعة ثانية ومنها ازدهرت المحبة والرأفة حيال الجميع وكذا الصبر في المحن. كانت مسحة جذّابة من النعمة الإلهية تضيء وجهه من الروح بفرح داخلي. وإثر رؤية نورانية جديدة، تلقّى هبة اللاهوت. مذ ذاك كان إذا انخطف يصير في ذهول وإلا أمضى لياليه في تأليف أناشيد للحب الإلهي عجيبة، وهو ما فتئ يشكّل احدى أثمن الشهادات عن مفاعيل النعمة في نفس قدّيس. انتشار كتاباته وتعاليمه أتاح للعديدين ان يستعيدوا حميّة زمن الآباء القدّيسين وهيّأ ، من بعيد ، لانتصار الهدوئية بصفتها العقيدة  الرسمية للكنيسة الأرثوذكسية.

سنة 1005 استقال سمعان من رئاسة الدير واعتزل، حباً بالله، في إحدى القلالي ليعطي نفسه بالكامل لسيرة الهدوء المقدّس ويدعم، بالصلاة، جهادات رهبانه كمثل موسى الصاعد إلى رأس التل. كان قد ألف المشاهد الإلهية وخبر معرفة المستقبلات وما ستؤول إليه الخليقة. في إحدى الليالي، صار في النور الذي اخترق كل أعضائه وجعله، بكلّيته، ناراً ونوراً. وإذا بصوت من فوق يذيع عليه ان هذا المجد الذي جعله يتجلّى هو إياه المدّخر للمختارين في القيامة العامة. مذ ذاك، وقد ملكه روح الرب القدّوس وصار إلهاً بالنعمة، أخذ يخط مقالاته اللاهوتية والميستيكية.

ومع ان قدّيسنا كان قد بلغ الكمال، على قدر ما هو ممكن للإنسان على الأرض ان يبلغه، فإنه عانى مشقات وأتعاباً مستجدة. استفانوس، متروبوليت نيقوميذية، الذي أضحى مساعداً للبطريرك وكان رجل علم كثير وذا وزن في الأوساط الرسمية كبير، لما رأى ما تمتّع به سمعان من مكانة في نفوس الكثيرين حسده وأخذ يتحيّن الفرص للطعن فيه وإخزائه . أثار معه إحدى المسائل اللاهوتية الحسّاسة فأعطاه القدّيس جواباً باهراً في شكل أبيات شعرية. مما قاله له ان الكلام في اللاهوت لا يكون إلا لمن خبر الروح القدس . هذا الجواب أثار حقد الأسقف فعمل كل ما في وسعه للإطاحة بسمعان إلى ان تمكّن سنة 1009 م من استصدار أمر بنفيه. فلقد اتُّهم بأنه يكرم، كقدّيس، رجلاً خاطئاً هو سمعان التقي، أبوه الروحي، فإن قدّيسنا كان قد استصنع إيقونة لأبيه بعد رقاده وهيّأ لإكرامه خدمة ليتورجية، وبقي ستة عشر عاماً يقيم له تذكاراً سنوياً في حضور جحافل من المؤمنين.

أقام قدّيسنا في منفاه، في عزّ الشتاء، فوق هضبة قاحلة من ناحية خريسوبوليس. وبقي هناك إلى ان تدخل تلاميذه والمعجبون لدى البطريرك. إثر ذلك مثل أمام السينودس. ولما فاتحوه بموضوع أبيه الروحي رفض ان يتنازل عن إكرامه له. وكانت النتيجة ان رضخ البطريرك وأطلق سمعان قائلاً:” إنك لراهب ستوديتي لا غش فيه، لك حبك العميق لأبيك الروحي، ولكن لك أيضاً عناد الستوديين. ولعل في موقفك ما يستحق المديح!”

إثر عودة سمعان تلقى المزيد من النعم الإلهية رغم ما أثارته عليه الأبالسة. وبإلهام الروح القدس تابع تأليف نشائده ووضع مقالاته التي علّم فيها انه لا غفران الخطايا ولا التقديس يعطى لأحد من غير الاستقرار الواعي لنعمة الروح القدس فينا. هذه النعمة لم تجعل سمعان في ذهول وحسب بل أجرت به عدداً  من العجائب تخفيفاً عن تلاميذه وتعزية لزائريه.

ولما بلغ سمعان شيخوخة متقدّمة أصابه مرض في الأحشاء مؤلم طال أمده وسمّره في فراشه بلا حراك. رغم هذه العلّة عاينه أحد تلاميذه، أثناء صلاته، يرتفع عن الأرض محاطاً بنور لا يوصف. أخيراً عرف بدقة يوم مماته وكذلك يوم نقل رفاته بعد ثلاثين سنة من ذلك، فرقد في الرب في 12 آذار 1022 مكمّلاً بالفضائل.

(عن سير القديسين – السنكسار، وسائر الاعياد في الكنيسة الارثوذكسية، الارشمندريت الراهب توما بيطار)

عظات للقديس على هذا الموقع

المعرفة الروحية

الروح القدس

التجديف على الروح القدس

المحبة

الإرشاد والأبوة الروحية

النور الإلهي

أعمال الرحمة

المحبة الفعليّة الكاملة

في التقشف وطول الأناة

فحص النفس بالتطويبات

الصوم

الندامة وخوف الله

القيامة

أديار القديس في العالم

دير القديس سمعان اللاهوتي – كالاموس – اتيكا – اليونان

الأمّ رافاييلا

 

الأمّ رافاييلا

شهادة معاصرة عن الحياة المسيحيّة الرهبانيّة من قلب أميركا الشماليّة

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

 

نتساءل أحياناً كثيرة ما الذي يمكن لراهب أو راهبة أن يقدّمه أو يعلّمه لنا في هذه الحياة الفاسدة في حين أنّهم يعيشون منعزلين في أديرتهم…

يأتينا الجواب من عمق تعليم كنيستنا الأرثوذكسيّة: “لا يوجد طريقتان للحياة المسيحيّة، واحدة للذين في العالم وأخرى للذين في الأديرة، لأنّه ليس هناك سوى إنجيل واحدٍ و‘حياة وطريق وحقّ’ واحد وهو يسوع المسيح نفسه، وبه يمكن أن نعيش إيماننا بطرق متنوّعة بحسب مواهبنا المختلفة المعطاة لنا من السيّد” هكذا تشهد الأمّ رافاييلا من وسط أميركا الشماليّة.

لأوّل مرّة، في تاريخ هذه القارّة، تبرز حركة قويّة من رجال ونساء يحاولون عيش الحياة الرهبانيّة الأرثوذكسيّة في هذا الجزء من العالم. لقد ظهرت على الأقلّ، في السنوات الأخيرة، ستّ مجموعات رهبانيّة، أو شبه رهبانيّة، تتألّف في معظم الأحيان من خمسة إلى ستّة أعضاء، يدبّرها واحد من الآباء الرهبان من خارج البلاد.

بيد أنّ دير حاملات الطيب المقدّس الذي ترأسه الأمّ رافاييلا، كاتبة هذه المقالات، لا ينتمي إلى هذه المجموعات. إذ قد أنشأته الأمّ رافييلا، (وقد كانت سابقاً راهبة تابعة للكنيسة الأسقفيّة البروتستانتيّة)، وهي لم تزل إلى اليوم ترأسه وتدبّر أموره.

عندما كانت الأمّ رافاييلا راهبة أسقفيّة، كانت تعلّم في المدارس، وتعزف الأورغ، وتحرِّر منشورات الجماعة الرهبانيّة، كما كانت تمثّل الدير التابعة له في اجتماعات الأساقفة. وقد تركت الكنيسة الأسقفيّة بعد عشر سنوات من رهبنتها، وانضمّت إلى الكنيسة الأرثوذكسيّة في العام 1977. وفي السنة نفسها أعطيت بركة متابعة مسيرتها الرهبانيّة في الكنيسة الأرثوذكسيّة في أميركا مع أخت أخرى كانت هي أيضاً راهبة أسقفيّة سابقة. وهكذا تأسّست أخويّة حاملات الطيب. وفي العام 1988 حصلت الأخويّة على ملكيّة خاصّة بها شمالي ولاية نيويورك. وفي العام 1997 سُميّت الأخويّة ديراً تحت رعاية المتروبوليت ثيودوسيوس الجزيل الاحترام الذي نصّب الأمّ رافاييلا رئيسة بحضور أسقف أوتاوا سيرافيم.

لقد قامت الأمّ رافاييلا، على مدى عشرين سنة، بكتابة مقالات عديدة كانت عصارة خبرتها في التعامل مع اللّواتي قصدن الدير بغية انتهاج الحياة الرهبانيّة. وتقول الأمّ: “إنّ تعليم المسيح الحقيقيّ هو لكلّ إنسان، فالصلاة والصمت والإيمان والطاعة والطهارة وحسن التمييز…. وأهمّ هذه كلّها المحبّة، هي لكلّ إنسان مسيحيّ سواء كان مدعوّاً إلى حياة البتوليّة، أو إلى الحياة العائليّة على حدّ سواء.

ولنعد، الآن، إلى سؤالنا الأساسيّ وهو: “ما الذي يمكن أن نتعلّمه، نحن العلمانيّين من الرهبان؟”. تجيبنا الأمّ رافاييلا قائلة: “يأتي الرهبان من عالمنا نفسه حاملين معهم إنسانهم العتيق في أعماقهم وأذهانهم وأجسادهم، وحتى في ذكرياتهم وعواطفهم وأهوائهم. لذلك، فالشيطان الذي يعمل في المجتمعات والعائلات الدنيويّة، هو نفسه يعمل عملاً مضاعَفاً في الأديرة المسيحيّة، ليمنع الرهبان من التحرّر من هذا الإنسان القديم.”

ولكنّنا نحن نحتاج إلى سماع “صوت البريّة” و”كلمة القفر” ( أي الكلام الإلهيّ الصادر عن الأديرة المسيحيّة)، وذلك، لأنّ جوّ السكون المحيط بأولائك الرهبان يزوّدهم بالقدرة على رؤية الأمور بطريقة أوضح وأدقّ، وهذا ما لا يمكننا، نحن العلمانيّين، الوصول إليه في لجّة حركتنا التي لا تتوقّف، ونشاطاتنا التي لا تنتهي، والصخب والضجيج المحيطان بنا. لذلك، باستطاعة الرهبان، لا بل من واجبهم، أن يقدِّموا الإرشاد الروحيّ إلى إخوتهم المسيحيّين العلمانيّين الذين يلجأون إليهم، وذلك من أجل الحفاظ على صحّة جسد المسيح الواحد وسلامته. أمّا نحن، فنؤكّد أنّ الصوت الصادر إلينا من الدير هو حقيقةٌ لا يمكن أن يُستهان بها، لأنّ قوّته تنبع من حيث يصدر أي من البيئة الرهبانيّة”.

فلنتلقّف، إذاً، هذا الصوت شاكرين الله الذي يرسله إلينا ليحثّنا وينيرنا ويشجعنا ويؤدّبنا…

الأب توماس هوبكو

معهد القدّيس فلاديمير للاهوت

 

الصمت!!

 

كثيراً ما أسمع الأهل يشتكون بأنّهم لا يفهمون ما يجري مع أولادهم المراهقين، فهم صامتون وحسب، وفلان لا يكلّم فلان الآخر لأنّه قد أساء إليه. إنّ أصدقائي، العاملين مع المراهقين في المدارس والأبرشيّات، غالباً ما يشاركونني انطباعاتي عن المراهقين ” الذين لا يستطيعون تحمّل فترات حتّى قصيرة من الصمت.” وخبرتي الخاصّة مع اللّواتي أردن دخول الحياة الرهبانيّة تؤكّد هذه الانطباعات.

يقول خبراء نموّ الأطفال بأنّ الطفل الذي يكبر متابعاً التلفاز الذي يغدو بمثابة مربٍّ مرافق له، ومصدر رئيسيّ للثقافة منذ عمر الروضة، لا يكون، هذا الطفل، قادراً في ما بعد على استعادة قدراته الخلاقّة على التعلّم، هذه القدرات التي تتشكّل خلال تلك الفترة من النموّ عند الطفل.

ويقول جون روزموند، وهو عالم نفس مختصّ بالعلاقات العائليّة: “إنّ الطفل الذي يقضي أمام التلفاز ثلاثين ساعة في الأسبوع في مرحلة ما قبل المدرسة، يصل إلى عمر الستّ عشرة سنة وقد شاهد ستّة عشرة ألف ساعة من التلفاز مقابل اثنتي عشرة ألف ساعة من المدرسة، وإنّ هذا الوقت لا يمكن أن يعوَّض”. وبرأيه، ورأي علماء النفس الآخرين، أنّ ساعة من اللّعب في الطين، مع تشكيل أشكال مختلفة منه، لهي أفضل بكثير من ساعة أمام التلفاز، ولو كان البرنامج المعروض من أفضل البرامج التثقيفيّة، لأنّ اللّعب يحفّز قدرات الدماغ، بينما يقوم التلفاز بدور المهدّئ لجسد الطفل وخياله وذكائه.

من الضروريّ أن لا يقضي الأطفال أكثر من خمس ساعات في الأسبوع أمام التلفاز أي بمعدّل نصف ساعة في اليوم. وقد تظنّ أنّ التلفاز يصنع لك معروفاً  بتهدئة طفلك المشاغب، ولكنّك مخطئ في ظنّك هذا. فالتلفاز يمنع طفلك، فقط، من تعلّم كيف يقضي وقته بشكل خلاّق، إذ إنّه بصوره المتلاحقة السريعة يحدّ من قدرة الطفل على الانتباه.

فلا نعجبنّ، بعد ذلك، عندما يقع الناس في حيرة، وفي نوع من الضياع متى تعرّضوا لفترات من الصمت المتواصل لا تتخلّلها تسلية أو تنوّع.

أظنّ أنّ قلّة من الأولاد هم قادرون على الصمت. ويؤكّد الكثيرون من الأصدقاء المثقَّفون بأنّ كلامي هذا ليس مبالغاً فيه، وإنّ عمليّة تعليم الأولاد اليوم هي جهد بلا أمل إن لم يملك المعلِّم، من جهة، وسائل تعليم متطوِّرة تتضمّن إحدى وسائل الإعلام، ومن جهة، أخرى مواهب مقدِّم تلفزيونيّ.

حبّذا لو يتمّ تطوير علاج نفسيّ  (psychotherapy) قادر على معالجة الأذى الحاصل لهذا الجيل، لكي يستطيع أن يستعيد مَلَكَة التفكير البشريّ وطاقاته، بالإضافة إلى القدرة على التعامل مع الصمت بشكل طبيعيّ حتى ولو كلّف ذلك الكثير من العمل الشاقّ.

ولكن يبدو أنّ معظم الناس اليوم يعتبرون الصمت صفة سلبيّة تنمّ عن عدم القدرة أو عدم الرغبة في التواصل. أو يعتبرونه سلاحاً لرفض التعبير عن الحبّ والثقة و الغفران، هذه الأمور التي تدعونا المسيحيّة لإظهارها نحو الآخر، وبخاصّة ضمن العائلات.

أعتقد، أيضاً، أنّ هناك أمران يخلقان هذا الشعور بعدم الارتياح تجاه الصمت:

فمن الناحية الأولى، لقد لعبت عمليّة التعليم عن طريق التلفاز دوراً مهمّاً في تحويل عدّة أجيال إلى أناس لا يستطيعون الصمت. لأنّ خبرة هؤلاء في التعلّم، ليست خبرة صراع من أجل الفهم، لأنّهم يخضعون للعلم، فقط، من خلال التسلية، متلقّفين المعلومات بشكل سلبيّ من دون أيّ تشغيل لفكرهم ليصبح مبدعاً.

في الحقيقة، هناك العديد من الأشياء التي لا نستطيع أن نتعلّمها بهذا الأسلوب، إذ إنّ الكثير من الفكر الذي وصل إلينا عن طريق الأدب المكتوب قابل للتفسير والنقاش بما أنّه غير محدود. وأعني بهذا الأدب أعمال الفلاسفة الكلاسيكيّين واللاّهوتيّين وآباء الكنيسة والنسّاك بالإضافة إلى الإنجيل نفسه، ناهيك عن الخدم الكنسيّة وبخاصة القدّاس الإلهيّ.

فكلّ ما نحتاجه نجده في هذا الأدب الشبيه بالمعلِّم الحاذق الذي يقدِّم التعليم الجيّد.  ولكن، ولكي يقطف الطالب ثمرة هذا التعليم، عليه أن يُعمل فكره لاستنباط المعاني، فيحصّل، نتيجة لذلك، فكراً خلاّقاً ذا حسّ بالمسؤولية .

وبعكس البرامج البصريّة، تتيح لنا هذه الكتب والخدم الكنسيّة فرصة للإصغاء، فتوقظ قدرتنا على الاستجابة الراكدة في أعماقنا، وهكذا نستطيع أن نؤكّد وجود شكل من الصمت خلاّقٍ ضمن هذا النوع من الأدب والعبادة والثقافة.

وعلينا أن نقدّر فرصة النموّ والتطوّر المذخرة في هذه الكتب والخدم الليتورجيّة، فلا نضيّعها، بل نجني ما تحمله من تطوّر ثقافيّ خلاّق.

 

“الصمت يمنعني من التواصل مع الآخرين وفهمهم!!”

ومن الناحية الثانية، تنتج الصعوبة في التعامل مع الصمت عن هذا الادّعاء بأنّ الصمت هو حاجز أمام التواصل. في الحقيقة، إنّ المرء لا يستطيع أن يعرف الناس والظروف التي حولهم بشكل جيّد من دون الإصغاء إليهم، والسماح لهم بكشف أنفسهم. وأيّة معرفة يمكن الحصول عليها عن طريق آخر، غير هذا الإصغاء، هي معرفة مرتكزة على التكهّن أكثر منها على الحقيقة، والتي غالباً ما تكون مضلِّة وغير صحيحة.

ونحن إذ ندّعي أنّنا نحبّ الخليقة الإلهيّة، فلنأخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار والجدّ، وإذ ذاك سوف نرى أنّ هذا هو السبب الجوهريّ الخفيّ للدمار الذي يحصل حولنا.

الشخص الوحيد الذي أنا مسؤول عنه، وعن معرفته بشكل كامل أمام الله هو أنا نفسي. نحن لا نستطيع أن نوجّه الآخرين إلى تعلّم أو فعل ما لا نستطيع نحن أنفسنا أن نفعله أو حتّى نرغب بفعله. لذا، إذا أردنا أن نتعلّم أفضل الطرق لمحبّة الآخرين، وجب علينا أن نتعلّم الطرق الصحيحة لمحبّة أنفسنا أوّلاً. أمّا أوّل محطّة تعبر بها هذه الطرق فهي الصمت، أي الصمت الضروريّ لتعلّم فنّ الإصغاء، وأعني الإصغاء إلى أنفسنا أوّلاً.

لقد عرّف الآباء القدّيسون معرفة النفس، معرفة حقّة، بأنّها الطريق الضيّق والشّاق, فكم بالأحرى يكون هذا الطريق شاقّاً وصعباً على من تشرّبوا، منذ طفولتهم المبكّرة، عدم القدرة على التعامل مع الصمت.

فالآباء الذين لا يستطيعون، أو ببساطة لا يريدون، أن يصغوا إلى أولادهم كأشخاص أحبّاء، وليس كمصدر للإزعاج، يجدون أنفسهم أمام أولاد مشبعين بالألم والغضب. وإذ يتعلّم هؤلاء الأولاد من آبائهم أنّ الأشياء المزعجة أو المؤلمة, بما فيها هم ذواتهم, يجب تجنّبها، يعطيهم ألمهم وغضبهم دافعا آخر ليهربوا من الصمت, أي من مواجهة حقيقية ذواتهم. وحينذاك، كم يكون مفرّحاً أن نرى معجزة ما تجعل أولئك الأشخاص يعثرون على من يساعدهم، في وقت من الأوقات في حياتهم، ليبدؤوا بالتعلّم من جديد. إذ لا يتمّ الشفاء من الغضب والألم إلاّ بمواجهته والتعبير عنه أو الاعتراف به. ولا يتعلّم الإنسان محبّة الآخرين، والقدرة على الغفران، إلاّ إذا تعلّم محبّة نفسه ومسامحتها، وذلك كلّه يكون في الصمت.

ومن المؤسف، حقّاً، أن نتعرّض، نحن أبناء الكنيسة، لهذا النوع من الأذى، وذلك عندما لا نجد ضمن الرعيّة من يستطيع الإصغاء لنا. وهكذا، وطلباً للشفاء، نلجأ إلى طبيب نفسيّ، أو إلى مجموعات[1] تحتضننا، أي إلى حيث نجد من يصغي لنا، وجوّاً يمنحنا (ربّما لأوّل مرّةٍ في حياتنا) القدرة الخلاّقة على الاستجابة. فتنمو في داخلنا ردّة فعل تجاه الكنيسة تتجلّى في الغضب عليها، لأنّها لم تقدّم لنا الدعم الذي نحتاجه، والذي منحنا إيّاه الأطبّاء أو المجموعات المختصّة. ردّة الفعل هذه ليست مفاجئة بل متوقَّعة، ومن وجهة نظري مبرَّرة.

وبالنتيجة، فحين نتجاوز المراحل الأساسيّة للشفاء بأن نجد من يصغي إلينا في جوّ علاج نفسيّ متوازن، نجد أنفسنا، بدورنا، قادرين على الإصغاء. إذ إنّنا نبدأ بسماع ورؤية الأشياء من حولنا، تلك الأشياء التي، حين كنّا مصابين بالأذى، لم نكن قادرين على رؤيتها  وسماعها من قبل. وكلّما تقدّمنا في الشفاء، كلّما اكتشفنا أنّنا ما زلنا أطفالاً نتغذّى بالحليب في خطواتنا الأولى, وأنّ هناك عالماً كاملاً من البالغين المسيحيّين الناضجين الذين ينتظروننا لكي نبدأ في النموّ الصحيح لأوّل مرّة.

وإذ نصل إلى نقطة البداية في الإصغاء إلى أنفسنا في الصمت نجد أنّنا, بخلاف ما كنّا نتوقّع, لسنا وحيدين… فما يدعوه غير المؤمنين اليوم “القوّة الأعلى الأسمى” (أي الله) يكشف عن نفسه، بقوّة أكبر، في الصمت، فيعلن ذاته لنا كوجود جوهرّي سرمديّ…

مبارَكون أولئك الذين ينهلون من منابع التعليم الأرثوذكسيّ، ويعلمون أنّ ذلك “الوجود” هو “خالقهم نفسه” الذي أحبّهم الى درجة الموت عنهم على الصليب. فإذ نعرف أنّه “هو” خلقنا ويعرفنا أفضل مما نعرف، نحن، أنفسنا، وأنّه “هو” مات لأجلنا ونحن خطأة, تقودنا هذه المعرفة إلى روحه القدوس الشافي الذي هو أعظم محبّة وقوّة، وأقرب من أيٍّ من الأشخاص المحدودين المخلوقين الذين قد أساؤوا استعمال محبّتهم تجاهنا في الماضي. “هو” يشفي بطريقة لا يستطيعها أحد منّا تجاه نفسه ولا تجاه الآخرين. ومع ذلك فإنّنا عندما نتّحد به في المناولة، نبدأ، فعلاً، بالتوسّط لديه من أجل الآخرين ليحصلوا على حبّه الشافي ووجوده المحيي.

ولكن… ما دور الكنيسة هنا؟!

نستطيع القول إنّه من واجب الكنيسة أن تقدِّم طرق تعليم خلاّقة مع خبرتها الروحيّة المتنامية. ولكن، من ناحية، لا يمكن للكنيسة أن تنافس وسائل التسلية، وتبقى أمينة لنفسها في الوقت نفسه. ومن ناحية أخرى، إنّه لخطأ فادح أن تتحوّل الأبرشيّات ومعاهد اللاّهوت والأديار إلى مجموعات دعم أو عيادات من أجل العلاج النفسيّ الاحترافيّ، لأنّ هذه المؤسّسات لها دور آخر في الكنيسة، فهي مُعدَّة لتكون مدارس بالمعنى الكامل للكلمة.

فالكهنة ورعاة الأبرشيّات أو حتّى رؤساء الأديار، لا يقومون، مثلاً، بجراحة قلب مفتوح لأعضاء الرعيّة، ولا يحاولون أن يجبروا كسور عظامهم, كما أنّه لا يتوجّب عليهم أن يقوموا بأدوار أخرى لا تخصّهم. على هؤلاء الرعاة أن يكونوا واعين تماماً أين يمكن أن يقدِّموا المساعدة والتشجيع. وبنفس الوقت، لا بدّ أن يمتلكوا التواضع، لكي يطلبوا المساعدة من أجل أنفسهم عندما يحتاجونها, تماماً كما يحصلون على استشارة طبيّة عند إصابتهم بمرض ما.

فإذا لم يختبر هؤلاء الرعاة هذا الإصغاء الشافي في حياتهم, وإذا لم يمارسوا الصلاة الصامتة أمام الله، ويتعلّموا من الكتب المقدّسة والخدم الكنسيّة، فلن يستطيعوا أن يكونوا معلّمين لغيرهم. وإذ يعترفون بمحدوديّة معرفتهم في هذا المجال، يبادرون إلى استلهام الروح القدس الذي ينيرهم ليتفهّموا، بعمق، صراعاتهم الخاصّة، وصراعات أبنائهم.

إذاً هيّا لنبدأ, نحن من ندعو أنفسنا مسيحيّين، وربّما معلّمين لغيرنا, بالدخول في هذه الشركة الحقيقيّة مع الله إلهنا, لنعرفه بالصمت والصلاة، ونعرف أنفسنا والآخرين وكلّ الخليقة، وندرك وجودنا، كلّنا معاً، في الثالوث القدّوس الذي يخلق ويعزّي ويفتدي كلّ الناس.

 

آدم يتحدّث من خارج الفردوس

 

“ها أنا جالس خارج الفردوس وقد أُغلق الباب خلفي. نعم، هذه هي النتيجة البديهيّة والمنطقيّة لخياراتي الشخصيّة. لقد عرفت معنى الفرح والحرّيّة في الفردوس, ولكنّي لا أستطيع العودة إلى هناك, كما إنّني لا أستطيع الإدّعاء أو التظاهر بأنّ هذا لم يحدث قطّ.

إنّني أعي، تماماً، ما هي الخيارات التي تبنيّتها, ولذلك أدرك، أيضاً، أنّني عالق هنا بكليتي. إنّني أرى، الآن وبوضوح، إلى أيّ حدّ قد خُدعت، وكم كانت الحيّة مضلِّلة لي إذ فتحت عينيّ على خيارات أخرى كانت أمامي في الفردوس. إنّني, إذ أرى النتائج الحاصلة, أدرك، الآن، كم كانت تلك الرؤية مضلِّلة, فما اعتقدت أنّه بديل آخر عما أعطاني إيّاه الله كان مبنيّاً على وهم وكذبة كبيرة.

ولكن ربّما, هنا خارج الفردوس, أستطيع أنا والحيّة أن نعمل بجدّ على تحقيق هذا البديل, إلى أن يأخذ الشكل الذي نريد أن يكون عليه, ألا وهو نمط حياة رغدة أكثرعذوبة من هواء الفردوس العليل.

لقد تعلّمت أنّه علي أن أعمل على ضوء الحقيقة الجديدة للحياة التي خلقتها خياراتي الخاصّة؛ ألا وهي الموت. لم يكن للموت وجود هناك، فكيف كان لي، إذاً، أن أعرف أنّ الصور الجميلة التي زيّنها لي عقلي (عندما تخيّلت أنّ الله كان يخفي عنّي شيئاً رائعاً بالتأكيد) هي صور مضلِّلة, وبخاصّة عندما فكّرت أنّني أستطيع أن أكون إلهاً، أنا أيضاً، وأن أشرّع القوانين مثله؟ كيف كان لي أن أعرف أنّ قوانيني لن تجلب لي إلاّ الموت بدلاً من الحياة التي تمنحنيها شريعته.

لقد وسوس لي فكري بأنّ الله ليس عادلاً!! فأنا أحبّ أن آكل أيّ شيء يبدو لي جيّداً! وبخاصّة عندما يكون هناك من يؤكّد لي أنّه ما من حاجة لإنكار نفسي. أيّ نوع من الآلهة هو هذا الإله الذي يصوغ مثل هذه القوانين بقوله: “إن أكلت من هذه الفاكهة موتا تموت؟” لا أظنّ أنّني أستطيع أن أحبّ إلهاً كهذا بعد الآن.

هو يقول إنّني إذا كنت أحبّه، فعليّ أن أحفظ وصاياه. ولكن، ها هو قد طردني خارج ملكوته, فلماذا عليّ أن أحبّه بعد الآن؟! سوف أنساه هو وقوانينه، وأخلق عالماً خاصّاً بي له حقائقه الخاصّة به. ها هي الأفعى خارج الفردوس معي، وتبدو أنّها واثقة من نفسها تماماً, فإذا كانت هي قادرة على أن تبقى على قيد الحياة، بطريقتها الخاصّة، فأنا، أيضاً، أستطيع ذلك.

وها أنا، مع كلّ غضبي ومرارتي، مضطرّ أن أعمل بجدّ لتدبير حياتي الجديدة، ولأتصارع مع الله على الدوام. ولكن من حسن الحظّ أنّ هناك موتاً, وبهذا لا أعود مضطرّاً على أن أستمرّ على هذا المنوال الى الأبد.

يتوجّب عليّ أن أعمل بجدّ لكي أحرث الأرض، مع أنّ هذا العمل لا يبدو سهلاّ هنا في الخارج. كما أنّني لا أحبّ الطريقة التي باتت الحيوانات تنظر بها إليّ. وكلّ تلك النباتات الجميلة تبدو، الآن، وكأنّها أصبحت غير نافعة. وحين يأتي الموت، ذات يوم، يمكنني أن أستريح من كلّ هذا, وحتّى ذلك الوقت يمكنني أن أستمتع بحياتي حسب قوانيني الخاصّة.

ومع أنّ هذه الحياة تبدو قاسية، إلاّ أنّني إذا فكّرت بها على أنّها مجرّد لعبة، فسأكون بخير. سأحوّل حياتي إلى لعبة حظّ، وأستمتع بخداعها قليلاً. ففي النهاية سوف أموت، فلماذا، إذاً، لا أستمتع بحياتي. أستطيع أن أستمتع بالكثير من الأشياء التي حولي, ليس الأكل فحسب، وإنّما العديد من الأشياء، أيضاً. ومع أنّ شريعة الله تقول إنّ هذا التمتّع سيجلب لي المزيد من الموت والدمار، ولكن، لا بأس، سأفعل ما يحلو لي.

آه, لدي مشكلة هنا. لقد سمعت أنّ الله هو في حالة حرب مستمرّة مع هذه الحيّة. حسناً… إنّه يعلم أنّ الحيّة جالسة معي هنا، خارجاً، تساعدني لأحيك هذه الأفكار. آه, عليه أن يجد طريقة لكي يغادر عالمه المثاليّ، ويجلس هنا معنا أيضاً. ولكن، لا, لا, فليبقَ مكانه إذ سيكون من المزعج جدّاً أن أجده هنا حولي, فأنا والأفعى نحاول أن ننشئ عالماً بديلاً خاصّاً بنا, فعلى الأقلّ يجب أن يسمح لنا باللهو فيه، قليلاً، إلى أن نموت.

لقد طردنا الله من عالمه النقيّ السامي، ولا بدّ أنّه يشعر أنّ ما  فعله كان جيّداً جدّاً، لأنّنا كنّا قد نثرنا الفوضى في عالمه المرتَّب. حسناً, يمكنه، الآن، أن يتركنا وشأننا, فنحن، الآن، بالغون، ويمكننا أن نتّخذ قراراتنا بأنفسنا، ونحيا وفقاً لهذه القرارات، وبالتالي أن نقبل نتائجها. على كلّ حال، فالموت الذي تسبّبنا به ليس سيّئاً إلى هذا الحدّ، إذ إنّنا بواسطته لسنا مضطرّين للعيش في هذه النتائج إلى الأبد.

إنّني أمرّ بوقت عصيب حقّاً مع أنّه لم يمضِ عليّ هنا خارجاً سوى فترة قصيرة، ويوجد معي في هذا العالم الكثير من الناس يعيشون مثلي تماماً. يمكنني أن أرى جيّداً أنّ هذا المكان لا يشبه الفردوس أبداً. ويبدو أنّ قوانيني تواجه العراقيل أينما ذهبت. وكلّ واحد، هنا، يحاول أن يسنّ قوانينه، وقراراته، بحيث نستمرّ جميعاً سائرين في طريق بديل لطريق الله. إنّي لا أحبّ نتائج قرارات هؤلاء الناس, وأنا مستعدّ للموت بسبب قراراتي، ولكن، لماذا عليّ أن أعاني بسبب ما يفعله هؤلاء الناس الأغبياء. حقّاً إنّ هذا ليس عدلاً!!

عليّ، إذاً، أن أكون حريصاً  في اختيار قراراتي، لتأتي أقوى من خيارات الناس الآخرين، فلا يستطيعون، بالتالي، أن يؤذ     وني. يمكنني، ببساطة، أن أتجاهلهم وأبتعد عنهم، أو أن أجد طرقاً أخرى للتخلّص منهم إذا لم يتبعوا طرقي الخاصّة. أليس هذا ما فعله الله نفسه معي؟؟ حتّى إنّه يمكنني أن أقتلهم إذا لم يكن هناك طريقة أخرى.

في الليلة الثانية، لوجودي خارج الفردوس، حلمت حلماً خرج فيه الله إلينا، إلى ههنا، بطريقة لم أكن أتصورها قطّ, إذ اتّخذ بشريتي نفسها, تلك التي أعطاني إيّاها, وذلك من إحدى حفيداتي. لقد بدا الله، في الحلم، وكأنّ عليه أن يعيش هنا، في هذا المكان، كما أفعل أنا, وأن يواجه نتائج خيارات كلّ منّا, وحتّى إنّه كان معرَّضاً لأن تلعب الحيّة أيضاً بأفكاره.

لقد كان بإمكانه أن يكوِّن جسده الخاصّ كما يريد، كونه يعرف سرّ تركيب الجسد, كما كان قادراً أن يتحكّم بكلّ منّا، ويجبرنا أن نعيش وفقاً لقوانينه هو، بما أنّه قادر على ذلك.

لكنّه فعل شيئاً غريباً للغاية, في الحلم  طبعا. إنه لم يحاول حتّى أن ينافسنا في لعبتنا, بل اتّخذ أكثر شكل قابل للعطب على الإطلاق، وبدلاً من أن يتجنّبنا، أو على الأقلّ أن يتّخذ بعض الخطوط الدفاعيّة لكي لا نكون قادرين حتّى على لمسه، قضى كلّ وقته معنا، محاولا أن يكون قريباً منّا على قدر المتاح. لقد ظلّ يتحدّث عن الحبّ، وعن كلّ المشاعر المعاكسة لشعوري أي الغضب والمرارة. ظلّ يردّد أنّ الغفران هو المفتاح لدخول الفردوس, ولقد بدا أنّه يعني هذا الكلام حقّاً.

لقد علمت أنّه “هو”، لأنّه لمرّة واحدة، في الحلم، نزع الحجاب، وشعّ منه ذلك النور البهيّ الفردوسيّ عندما كان على الجبل مع بعض تلاميذه. وكانت تلك هي اللّحظة الوحيدة التي بدا فيها مختلفاً عنّا.

إلاّ أنّ حلمي بدأ يتحوّل إلى كابوس في نهايته، فلقد كان قادراً أن يعمل كلّ الأشياء التي كنت أفعلها لكي لا أسمح لهذه الحياة أن تكون جدّيّة, ولقد كان قادراً أن يحوّلها إلى لعبة. لكنّه بدلاً من ذلك، دفعنا إلى إخراج أسوأ ما فينا، وبالحقيقة، أجبرنا على أن نكون لئيمين وقاسين وساخطين إلى أقصى درجة. لقد انتزع منّا الجوّ اللّطيف الذي كنّا قد خلقناه حولنا هنا، لنعوّض عن صلاحه الفائق النقاء، وجماله الذي تركناه خلفنا في الفردوس. ولذلك, فقد فعلنا الشيء الوحيد الذي كان بإمكاننا فعله، لنحافظ على عالمنا مستمرّاً, لقد قتلناه… على كلّ حال، فإنّه “هو” من سنّ ذلك القانون بخصوص الموت!!

لكنّ الجزء الأخير من حلمي هو الذي ما زال يزعجني باستمرار. كان من المفترض أن يُنهي الموت القصّة بالنسبة لنا وله, لكن ذلك لم يحدث. لقد بدا أنّنا استطعنا قتل جسده، لكنّنا لم نستطع قتله “هو”. لقد عاد, عاد حتّى بالجسد الذي قتلناه به, وكان له نفس المجد الفردوسيّ الذي ظهر للحظات قليلة على الجبل.

وعندها سمعت, في حلمي, أنّه كوننا لم نستطع قتله، فإنّ الموت لن يكون المحطّة النهائيّة بالنسبة لنا بما أنّنا نماثله في كلّ النواحي ماعدا صلاحه وحبّه. والأسوأ أنّني سأعيش منذ الآن وفقا لمعاييره، هو، مرّة أخرى، ولن أكون قادراً على متابعة اللّهو والتسلية. لقد ولّى زمن المرح.

عندما استيقظت من حلمي أتت الحيّة، في الحال، لتؤكّد لي أنّه لم يكن حقيقيّاً, فحتّى لو حدث مثل ذلك الأمر، فما نزال نملك خياراتنا. يمكنني أن أحافظ على شعوري بالمرارة, ويمكنني أن أستمرّ في تجنّب الله حتّى لو أتى إليّ ليريني كم يحبّني ويفهمني ذلك كونه عاش هنا بنفسه. يمكنني أن أستمرّ بتفضيل تسليتي وقوانيني الخاصّة. كما أشارت الحية إلى أنّها هي نفسها ستفعل ذلك، وأنّه يمكنني أن أنضمّ إليه إن أردت. إذاً، ستبقى لدينا حياتنا وخياراتنا البديلة إلى الأبد، تماماً، كما هي الحال هنا الآن. المشكلة، فقط، إنّه لن يكون هناك موت لينهيها.

لكنّ الأمر سيصبح أسوأ، وسيبقى هكذا الى الأبد, فكلّ منّا سوف يسنّ قوانينه الخاصّة، ولن يكون هناك أحد يطيع قوانين الآخر. سوف نقضي كلّ وقتنا ونحن نحاول تدمير أحلام الآخرين وإبداعاتهم. وسيكون ذلك هو الجحيم حقّاً.

سيكون صعباً عليّ جدّاً الابتعاد عن هذه الأفعى!! ترى، ماذا سيحدث لو أنّي حاولت أن أمشي بحسب طريقة هذا الإله, الذي أصبح له اسم، الآن، إذ سمح لي أن أدعوه يسوع في الحلم؟!. ماذا لو تعلّمت أن أحبّ وأغفر؟! ماذا لو أنّني حرمت نفسي بعضاً من تلك الخيارات التي ماكنت لأتّخذها لو كنت ما زلت في الفردوس؟!

لا, سيكون ذلك صعباً جدّاً جدّاً، وسأكون بلا حول ولا قوّة كما كان هو هنا أثناء صلبه. يا للنبل!! عندما أضحّي بحياتي وأحلامي وكلّ خططي، في سبيل مساعدة شخص آخر! أن أتعلّم بأن أحبّ شخصاً آخر، أيّ شخص على الإطلاق، لدرجة أن أقوم بتلك التضحية!! لا أن أختار، وأنتقي، من هو مستحقّ لتضحيتي إذ سبق هو واعتبر كل إنسان مستحقِّا، مضحىً عن الجميع.

إنّ الأمر مغرٍ حقّاً! فلقد قال “هو” إنّه سوف يعطيني حياته نفسها، لكي تكون لي القوّة والحبّ والسلطة، لأفعل هذه الأشياء بطريقته هو.

عليّ أن أفكّر بهذا. عليّ، الآن، أن أتّخذ قراراً. ولكن… إنّني لست متأكّداً تماماً أيّ طريق أريد حقّاً أن أسلكه!

ألا يمكن أن يكون صراع آدم هذا صراعك أنت بالذات؟

وأي طريق تريد أن تسلك؟ الطريق الواسع الذي يؤدّي إلى الهلاك،أم الضيّق الذي يفضي إلى الحياة؟

 

 

 


[1] تنتشر في الولايات المتّحدة الأميركيّة مجموعات تضمّ أشخاصاً يعانون من مشاكل عائليّة واجتماعيّة، فيتبادلون الخبرات، ويسندون بعضهم البعض في مجابهة الحياة. من أمثال هؤلاء، مجموعات تضمّ أشخاصاً متزوّجين من أناس مدمنين على الخمر أو على كثرة الأكل أو… أو… (المعرب)