أنستاسيّا القبرصيّة

أنستاسيّا القبرصيّة

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

زارت إحدى النّساء القبرصيّات يوماً القدّيس يوحنّا الرّحوم، فبسطت شعرها على قدميه مبلّلة إيّاهما بالدّموع ومتسلّحة بالإيمان الوطيد وقالت له: “أيّها السّيّد المثلّث الغبطة، لقد اقترفت خطيئة كبيرة لا تستطيع إذن بشر سماعها، ولكنّي أعلم أنّك، إن أردت، فأنت قادر أن تسامحني لأنّ الرّبّ قال للرّسل: “كلّ ما حللتموه على الأرض يكون محلولاً في السّماء، وكلّ ما ربطتموه على الأرض يكون مربوطاً في السّماء: متى:18:18”.
فلمّا سمع القدّيس هذا خاف أن يسدّ أذنيه عن توسّل المرأة فيكون سبباً في هلاكها فقال لها:
– إن كنت حقيقة تؤمنين، أيّتها المرأة، بأنّ الرّبّ سوف يغفر لك خطيئتك بواسطتي أنا الحقير فاعترفي بها لي.
– لا أظنّ بأنّ أذن بشر تستطيع تحمّل سماع اعترافي، لكنّي واثقة بأن الرّبّ سوف يحميك أنت لدى سماعها.
– إن كنت تخجلين من البوح بها، اذهبي واكتبيها لي بأيّة لغة أردت ثم اعطيني الورقة.
– بالحقيقة، يا سيّدي، لا أستطيع.
– (بعد صمت قصير) أتستطيعين بعد كتابتها أن تختميها ثم تسلّميها لي؟
– نعم، يا سيّد، سأفعل هذا. ولكنّي أستحلفك بنفسك الملائكيّة ألا تقع هذه الورقة بيد إنسان.
فوعدها القدّيس بأن لا يدع أحداً يفتح الورقة أو يقرأها. فذهبت تلك وكتبت خطيئتها بخطّ يدها، ثم ختمت الورقة وقصدت القدّيس المغبوط. فأخذها ذاك وخبّأها. وبعد خمسة أيّام رقد دون أن يترك أيّة وصيّة أو إشارة بشأن الورقة.
وصدفة، أو بالأحرى بتدبير إلهيّ، لم تكن المرأة في المدينة يوم رقاد البطريرك. وأغلب الظنّ بأنّ الله سمح بهذا ليُظهر دالّة القدّيس لديه.
وصلت أنستاسيّا، وهذا كان اسمها، إلى المدينة في اليوم الثّاني لدفن البطريرك في كنيسة القدّيس تيخون. وما إن علمت بموت البطريرك، حتّى اعتراها للحال هيجان شديد وكأنّه قد مسّها جنون، ظانّة بأنّ الورقة التي سلّمتها له أصبحت في دار الأسقفيّة وستُفضح خطيئتها أمام الملأ. فركضت مهرولة إلى حيث يرقد القدّيس، وطفقت، وكلّها إيمان، تتوسّل إليه، وكأنّه حيّ أمامها، وتصرخ من أعماق قلبها وتقول:
” يا رجل الله، لم أستطع أن أشرح لك ذنبي الكبيراً جدّاً، وها هو الآن قد أصبح معروفاً لدى الجميع. يا ليتني لم أُفصح لك عن سرّي. يا لشقاوتي وبؤسي. ظننت بأنّي سأُعتق من خجلي، وها قد أصبحت سخرية للكلّ، وعوض الشّفاء لقيت الإهانة. ما كانت حاجتي في اعترافي لك بمشكلتي؟ ولكنّي لن أفقد إيماني ولن أكفّ عن البكاء فوق ذخائرك المقدّسة حتّى أعلم ماذا سيحصل لي. إنّك لم تمت أيّها القدّيس بل أنت نائم. إنّه مكتوب بأنّ الأبرار يحيون إلى الأبد (حكمة سليمان:15:5) فأنا لا أطلب شيئاً سوى أن أعلم ماذا حصل للورقة التي سلّمتها إليك.
إنّ الرّبّ الذي قال وقتاً ما للكنعانيّة: “إيمانك خلّصك: متى 28:15″، أراد أيضاً أن يؤكّد لها شفاءها ككنعانيّة أخرى.
بقيت أنستاسيّا ثلاثة أيّام قرب ضريح القدّيس دون أن تأكل شيئاً البتّة. وفي الليلة الثّالثة وبينما كانت تكرّر نفس الكلام، ممتلئة إيماناً وذارفة الدّموع السّخينة، فجأة خرج القدّيس من قبره يرافقه أسقفان آخران كانا مدفونين معه، الأوّل عن اليمين والآخر عن اليسار وقال للمرأة: “إلى متى أيّتها المرأة تزعجين الرّاقدين هنا؟ اتركيهم في هدأتهم. لقد بلّلت دموعك ثيابي”. ثم سلّمها الورقة المختومة مضيفاً: “خذيها. أتعرفينها؟ افتحيها لتري ما فيها”. ثم ما لبثوا أن عادوا ثلاثتهم إلى مثواهم. وأمّا المرأة فعندما عادت إلى نفسها وجدت الورقة لا تزال في يدها، فأخذت تتفحّصها بتدقيق فوجدت الختم على حاله والورقة غير مفضوضة، فراحت تفتحها بيد مرتعشة، وإذا بالورقة بيضاء لا كتابة فيها سوى هذه الملاحظة القائلة: “بشفاعة القدّيس يوحنّا غُفرت لك خطاياك”.

المتقدّم في الكهنة جون رومانيدس

المتقدّم في الكهنة جون رومانيدس

المتقدم في الكهنة جورج ميتالينوس[*]

كشف الأب رومانيدس في تعريف عن نفسه، وهو أمر نادراً ما كان يقوم به، ما يلي:

“أتى والداي من مدينة كاستروبوليس الرومانية في أراباسوس كابادوكية، وهي مسقط رأس الإمبراطور الروماني موريق (582-602) الذي حدّد القديس غريغوريوس الكبير (590-604) بابا لروما، الذي بدوره عيّن أوغسطين أوّل رئيس أساقفة لكانتربري.

لقد أبصرتُ النور في بيرية في الثاني من آذار 1927. مع أهلي تركت اليونان مهاجراً إلى أميركا في الخامس عشر من أيار 1927، بعمر 72 يوم فقط، ، وتربيّت في منهاتن في مدينة نيويورك.

أنا خرّيج الكلية اليونانية في بروكلين، كلية اللاهوت في جامعة يال، مع دكتوراه من كلية اللاهوت في جامعة أثينا الوطنية، ومن مدرسة الفلسفة في جامعة هارفارد (كلية الآداب والعلوم). أنا أستاذ فخري في كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي وأستاذ زائر في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في جامعة البلمند في لبنان، منذ 1970.”

إلى هذه سوف نضيف أنّه دَرَس أيضاً في معهد القديس فلاديمير في نيويورك، ومعهد القديس سرجيوس في باريس، كما في ميونيخ، ألمانيا. سيم كاهناً في 1951، ومنذ ذلك الحين خدم في عدّة أبرشيات من الولايات المتحدة الأميركية. كما خدم كأستاذ في كلية الصليب المقدّس للاهوت، لكنّه استقال في 1965، احتجاجاً على صرف الأب جورج فلوروفسكي من الكلية.

تمّ تعيينه لكرسي العقائد في كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي في الثاني عشر من حزيران 1968، لكنّه لم ينتسب لأنّه اتُهِم بالشيوعية. في النهاية التزم هناك في 1970. استقال في 1984 لأسباب شخصية وأُعطي تعويضاً كاملاً، لكن ما لم يكن مناسباً هو إعطاؤه لقب أستاذ فخري.

أعماله

بين كتاباته وفرة من الدراسات، أغلبها لم يزل غير منشور، وينبغي نشره كلّه في سلسلة من الأجزاء. ينبغي الحفاظ على هذه الآثار لأن فيها الكثير لتقدّمه وتظهره.

أطروحته في الدكتوراه حول “الخطيئة الأصلية” كانت بحثاً ثورياً بكل معنى الكلمة إذ فتحت سبلاً جديدة في لاهوتنا، أعقبتها كتبه ذات الشأن حول الرومانية في حقل التاريخ. لقد أعاد الأب جون إحياء كلاً من البحث والفهم. كتب أندرو سوبكو أطروحة للدكتوراه تحت عنوان “نبي الأرثوذكسية الرومية – لاهوت الأب جون رومانيدس”، في كندا عام 1998. في هذه الأطروحة دقّق سوبكو بشكل منهجي في أعمال الأب رومانيدس ومساهمته في العلوم.

على نفس المستوى من الأهمية كانت مساهمته في كنيستنا، باشتراكه في الحوارات اللاهوتية مع غير الأرثوذكس، خاصةً الأنكليكان، كما مع غير المسيحيين (اليهود والمسلمين). لقد ساعده كون الإنكليزية لغته الأصلية وأمّن له اليسر الذي كان يحتاجه ليبسط بدقة مواقف كنيستنا. في الحوار مع الاتحاد اللوثري العالمي (1978)، كان لي فرصة التعرّف إليه أكثر، لأصبح صديقاً له، وما هو أكثر أهمّية من ذلك بالنسبة لي هو أني أصبحت تلميذاً له، إضافةً إلى اكبابي على الدراسة المستفيضة والمستمرّة لأعماله. في هذه الحوارات، كانت تظهر بوضوح معرفته بالتقليد الآبائي، في موازاة معرفته للتزوير الذي تعرّض له هذا التقليد في الشرق كما في الغرب. كما كانت تظهر بشكل خاص معرفته بلاهوت القديس غريغوريوس بالاماس، حجر زاوية التقليد الأرثوذكسي.

كان الأب جون من دعاة الترابط بين اللاهوت والخبرة في الروح القدس، ومن حَمَلَة التعليم عن مراحل تقدم القديسين الروحي (التطهر- الاستنارة – التأّله) كمتطلبات أساسية للمجامع المسكونية ولقبولها بإخلاص، وهو ما أُهمِل في الغرب، وحتّى في فكرنا اللاهوتي المتغرِّب. هذه النزعة نحو الفكر الآبائي كأحد أشكال الأصالة الكنسية كان استمراراً وتكميلاً لاتجاه الأب جورج فلوروفسكي الذي تابع الأب رومانيدس مساره في الحوار المسكوني، وعلى مثاله تحوّل هو أيضاً إلى مصدر إزعاج وصلابة في التعاطي. في يوم من الأيام، سوف يُكتَب كلّ هذا، وسوف تظهر شخصية هذا الراحل البارزة، إلى جانب مساهمته الحقيقية في حضور الأرثوذكسية عالمياً ومسكونياً.

ما قبل رومانيدس وما بعده

عند مراجعة أعماله اللاهوتية، التربوية والأدبية والنضالية، نحن نُلزَم طبيعياً بالإشارة إلى فترتين: ما قبل رومانيدس وما بعده. فهو قد أدخل فاصلاً حقيقياً وصدعاً في تاريخنا السكولاستيكي الذي كان بمثابة أسر بابلي للاهوتنا. لقد ختمت أطروحته هذا المسلك الإحيائي إلى درجة أنّ تأثيره على التفكير اللاهوتي ظهر حتى في كتابات الذين انتقدوه لأسباب متعددة أو عارضوه فكرياً. من إنجازات الأب يوحنا بشكل خاص:

‌أ.        أعاد الأولوية إلى اللاهوت الآبائي التجريبي في حقل اللاهوت الأكاديمي، مستبعداً طريقة اللاهوت العقلانية-التأملية-الماورائية.

‌ب.    ربط اللاهوت الأكاديمي بالعبادة وتقليد الفيلوكاليا الآبائي، مبرهِناً الترابط ما بين اللاهوت والحياة الروحية والميزة الروحية العلاجية للاهوت العقائدي.

‌ج.     في طريقته اللاهوتية، أدرك وتبنّى الصلة الشديدة بين العقيدة والتاريخ، وبفضل هذه الطريقة استطاع أن يفهم، على غرار القليلين، أنّ اللاهوت تغرّب في أوروبا الغربية ومات بتأثير القوة التي فرضها الاحتلال الإفرنجي. إلى هذا، فإن معرفته الواسعة بالتاريخ، الإفرنجي والرومي (فهو كان أستاذاً للتاريخ في جامعة يال Yale)، ساعدته على تحديد وتحليل التضاد بين الحضارتين الإفرنجية والرومية مع تقديم معايير رومية لتفحص تاريخنا وحضارتنا.

‌د.       وهكذا قد ساعد في البحث الواسع حول الهلينية أيضاً، بما يتخطّى السيناريوهات الغربية المفبركة، عن طريق استعماله المستقيم المؤهَّل للأسماء التاريخية وأهميتها ودورها في مجرى تاريخنا.

غير الأرثوذكس

في الواقع، لقد اعترف غير الأرثوذكس، أكثر منّا، بشخصية الأب يوحنا وأهميته للأرثوذكسية. لقد اعتُبِر أرفع الباحثين الأرثوذكسيين في فكر أوغسطين، حتى أنّه ساعد اللاهوت الغربي على فهمه، وتميّز في أنّه “على الأكيد أهمّ اللاهوتيين الأرثوذكسيين الذي تضمنّت أعماله دراسة نقدية لفكر أوغسكين على ضوء اللاهوت الآبائي”. وينبغي أن نذكر أننا مدينون للأب يوحنّا لجزمه البالغ الأهمية بأنّ تعليم برلعام الكالبري القائل بأن خبرات الأنبياء في إدراك الله هي “ظواهر طبيعية، يمكن إنجازها أو إهمالها”، هو تعليم مستمّد من رسالة أوغسطين عن الثالوث.

أيها الأب يوحنا المحترم والعزيز، إن أصدقاءك وزملاءك الناطقين باسمك، جميعهم يعبّرون عن امتنانهم لكل ما قدّمت لنا بنعمة الله، ومعهم الآلاف من الطلاب المباشَرين وغير المباشَرين. نحن نتمسّك بالحقيقة اللاهوتية التي تركت لنا، لتكون لنا مشعلاً في الظلمة التي بذرها الجهل والمراوغة واللامبالاة والنفعية. لقد وحّدتَنا بالعنصر الآبائي المُتَضَمَّن في دنيا اللاهوت الأكاديمي بالتحفيز المستمر نحو العبادة والممارسة النسكية، حيث ينشأ اللاهوت الحقيقي. شكراً لك.

يا زميلي وشريكي في الخدمة، فليكن ذكرك مؤبّداً وإلى اللقاء مجدداً عند المذبح السماوي.

——————————————————————————–

[*] عميد كلية اللاهوت في جامعة أثينا. هذا النص هو من كلمة ألقاها في حفل تأبين للأب يوحنا رومانيدس.

الأب الشيخ جرفاسيوس براسكيفوبولوس من بترا

الأب الشيخ جرفاسيوس براسكيفوبولوس من بترا

نقلها إلى العربية بتصرف الأخ يوسف كبا

طفولته

نسبٌ فقير، ونفسٌ غنيّة
في أحد الأيّام من عام 1877 ولد جاورجيوس براسكيفوبولوس في قرية غرانيتسا (Granitsa) في غورتينيا (Gortynia). وكان لوالديه خرالمبولوس وفاسيليكي قطيع من الغنم. كان ابنهما يساعدهما بالإعتناء بها. إلاّ أنّه حُرم من أمه وهو في الرابعة من عمره، وقد عانى فيما بعد من قسوة زوجة أبيه وظلمها له. ومن غرائب ذلك انها كانت تشدّ رباطاً حول معدته لئلا يشتكي من الجوع. ومع هذا فإن جاورجيوس لم يكن يتشكّى من شئ. ولحالة الفقر التي كانت اسرته عليها، لم يتمكّن من الدراسة الإبتدائيّة إلاّ بصعوبات مالية كبيرة، وبمساعدة رفاقه.

بعد هذا ما لبث جاورجيوس أن انخرط في العمل الشاق لمساعدة أسرته. عمل أولاً في التجارة، ثم في الخياطة، وأخيراً لدى لحّام. في هذه الفترة كان يزعجه أمران: الأوّل، أنه كان يتعب من دون نتيجة ملموسة، والثاني توقه الحار الى التعلّم. لكن اللّه كان يهيّئه من خلال كل هذه الأتعاب لجعله عاملاً في كنيسته المقدسة. كان جاورجيوس يتوق لأن يتشبّه بالقديسين. وكثيراً ما كان يناجي والدته المتوفية، ويطلب مساعدتها لتمكينه من مغادرة الى الدير، لكي يكرّس نفسه للعذراء والدة الإله.

“الشوق الإلهي لأهل البراري لا يتوقف” (اللحن الأول الانديفونا الاولى2)
بقي جاورجيوس يُخفي شوقه الى التكريس إلى أن أباح به يوماً لأمه بالتبني التي عارضت في البداية ثم ما لبثت أن أعطته بركتها قبيل بدء صوم الميلاد.

وصل جاورجيوس إلى ديره الحبيب، دير كيرنيتسا (Kernitsa)، يوم عيد القديس متى الإنجيلي عام 1890، وكان حينها في الثالثة عشرة من عمره. وعندما دخل الكنيسة أحس وكأن ايقونات العذراء وسائر القديسين تبتسم له وترحّب به. من البداية اتخذ وعداً على نفسه، بأن يطيع إرشادات الشيوخ كأنّها من اللّه. كان واجبه أن يقرأ في الكنيسة، وأن يساعد في الفرن، ثم بتنظيف ساحات الدير وغسل الثياب… وكان يجاهد بتعب لإتمام واجباته على أكمل وجه. بالإضافة الى ذلك، كان يسير مدة ساعة على الاقدام للوصول الى المدرسة، حيث كان يتابع دراسته. إلاّ إن رئيس الدير، على ما يبدو، كان فظاً، فنصحه بالتوقف عن الدرس لئلا “يبذّر زيت المصابيح بلا فائدة”. وبالإضافة إلى إزعاجات وتأثيرات سلبيّة أخرى من إخوة الدير، اضطر جاورجيوس الى مغادرة الدير بعد سنتين من دخوله. فتوجّه الى دير الكهف الكبير.

في دير الكهف الكبير  (Great Cave – Μέγα Σπέλαιον)
كانت روح جاورجيوس تتوق دوماً الى المزيد من العلم والمحبة الإلهية. في طريقه الى دير الكهف الكبير، عانى كثيراً من التعب والجوع واعتلّت صحته. لحسن الحظ استطاع الوصول الى دير القديس اثناسيوس في فيليا ((Kleitoria Philia حيث اهتم به الأب بيصاريون بعد أن عانى الفتى جاورجيوس من حمى الشمس وتورّم القدمين خلال أسابيع من سيره على الأقدام. ثم لدى تحسُّن صحته، تابع سيره الى دير الكهف الكبير، وقد كان لأول مرة يشاهد جماعة رهبانية كبيرة كهذه. فدخل الكنيسة وكانت تُقام خدمة الغروب في الاسبوع العظيم المقدس. لكن مع الأسف، شاهده كل الرهبان ولم يعِره أحد منهم أي انتباه. فقال في نفسه: “لعلّي لن أستطيع ان أحقق آمالي في هذا الدير؟” فقط ايقونة والدة الإله أعطته بنظراتها شيئاً من الأمل. ثم أخذ يصليّ بدموع… فأتاه صوت يقول له :”اذهب الى دير رئيس الملائكة في إيجيليا ((Aigialeia وتابع دراستك في مدرستها العليا”. عندما خرج من الكنيسة، انتبه إليه أحد الرهبان واعطاه قطعة خبز ليأكل، ومكاناً ليرتاح فيه. وقد عرف، رغم انكسار قلبه والدموع التي في عينيه، أن العذراء، الأم الحنون، لا بد أن تسرع وتساعده.

في دير رؤساء الملائكة
يقول الانجيل” ملكوت السموات يُخطف اختطافاً…”(متى12:11(. الملكوت يأتي بغصب النفس. هذا لم يغِب عن تفكير جاورجيوس الفتى، بل كان له طريق حياة. هكذا سعى الى دير رؤساء الملائكة وعندما وصل تلقى استقبالاً كمضافة ابراهيم. وفي الحال وضع نفسه في حماية رؤساء الملائكة، وتقبّل بطاعة سلطة الأب جرمانوس الروحية عليه. وهكذا عاد ليتابع حياته النسكية والدروس اليومية. وفي الحال احتل المكانة الأولى في الصف. إلاّ إن هذا جلب عليه غيرة رفاقه وحسدهم. فقد تعرّض للافتراء المنظّم، إلاّ انه لم يفقد شجاعته متسلحاً بأسلحة الروح. ثم شعر يوماً بعد يوم أن اللّه يريده في مكان آخر، لا في دير رؤساء الملائكة.

دير آخر
سمع مرة أن دير الييروكوميو(بيت المُسنّين) ذو حالة روحية جيدة، وان مطران باترا كان رجلاً قديساً. وما لبثت السيدة العذراء في هذا الدير (الييروكوميتيسا Gerokomitissa) أن ألهمته بزيارة ذاك الدير، وقد زاره بالفعل، واحسّ أن اللّه يريده أن يمضي بقية حياته هنا. وهكذا ما لبث أن انضم جاورجيوس المبتدئ الى أخوية هذا الدير تحت اسم جرفاسيوس (Gervasios) ومن هناك أيضاً تابع دراسته المحبوبة في مدرسة باترا العالية، مطبّقاً ما كان يؤمن به من أن “على الثقافة أن تترافق مع الحياة في المسيح”. وهكذا كان يخدم الدير من كل قلبه، بدون تذمّر ويصلّي ويصوم ويدرس، بصلوات القديس اندراوس الرسول شفيع مدينة بترا.

في الهيكل المقدّس

سيامته شماساً
بعد أن عانت شجرة نفس جرفاسيوس من الرياح العاتية، ضربت جذوراً عميقة في الأرض وأينعت ثماراً طيبة، فكان شماساً في عام 1902. وقد كان يتابع دراسته إلى ذلك الحين وأصبح من مدرسة ريزاريوس Rizarios)) حيث كان مدير المدرسة حينها القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس. وأمّا الشماس فكان يحبّ القديس كثيراً، ويتشبّه به في فضيلته باستمرار. كان الشماس تلميذاً نموذجياً في مدرسة ريزاريوس الكهنوتية، مختاراً بإشعاعه الروحيّ، وطيبة نفسه، كنموذج صالح بين زملائه. كان القديس نكتاريوس يدرّسهم مادة الرعائيات. ويروي أحد زملاء جرفاسيوس عنه انه طلب يوماً ان يتكلّم في الصف، فبعد أن سمح له القديس قال الشماس جرفاسيوس: “الراعي الصالح هو الذي لا يكتفي بأداء واجباته روتينياً كوظيفة، بل يكرّس نفسه للكنيسة من كل قلبه ونيّته، ويجاهد من دون توقف ليجعل شعبه يختبر تعاليم الانجيل، بعمق، وصولاً إلى جوهر الأمور، من دون أن يتوقف عن محاربة الفريسيّة كما فعل السيّد في هيكل سليمان…محباً الأصدقاء والأعداء، باذلاً نفسه في سبيل إعادة الخروف الضال…” فناداه القديس نكتاريوس وقال دامع العينين “هذا هو النوع الذي نريده من الرعاة”، وأضاف متنبئاً: “إني أرى فيه (جرفاسيوس) قائداً مستقبلياً للكنيسة، وراعياً للمسيحية، فليباركه اللّه”.

وقد تمكّن الشماس جرفاسيوس من متابعة دراسته اللاهوتية في جامعة أثينا، بدعم من محسنة تُدعى كاترينا ماتزونيس (Matzounis) تكفّلت بمصاريفه.

سيامته الكهنوتية
منذ أن كان شماساً كانت ترنيمته المحببة “لقد فرحت نفسي وابتهج قلبي، عندما قالوا لي: إلى بيت الرب نحن ذاهبون” (أنافثمي اللحن الأول، الأنديفونا 3:1). هكذا إلى أن ضمّه الربُ إلى خدّام هيكل العلي.

بين العامين 1912-1913 خدم الكاهن جرفاسيوس في الجيش أثناء حرب البلقان. في عام 1917 أُوقف أمام محكمة عُرفية، وكما يشهد بنايتوس تريمبيلاس (Trembelas)، أنه خرج بريئاً مما اتُهم به لشجاعته وهدوئه واستقامته. بين العامين 1918-1919، درّس في مدرسة سيروس العليا Syros))، ثم عاد إلى ديره (الييروكيميو) مجاهداً في إحيائه. يقول أحد تلاميذه، بيروسيوس مطران هيدرا: “كان الأب جرفاسيوس متحمّساً في عمله، لقد أنكر كل شئ لنفسه، من أجل غايته المقدسة. حاول إصلاح الحياة الليتورجية في الدير لجعله كأديرة الشركة الأخرى… إلاّ إن الرهبان القدماء في الديرعارضوه بعناد، وما لبث أن أدرك انه لن يستطيع الإستمرار. فأخذ إذناً من المطران بمغادرة الدير وأقام في مكان قريب من المدينة، متذكراً دائماً واجباته الرهبانية العزيزة على قلبه”.

نشاط الأب جرفاسيوس

كاهن الرعية الغيور
عَيَّن مطران بترا، أنطونيوس، الأب جرفاسيوس كاهناً على كنيسة القديسة براسكيفي ثم كنيسة القديس ديميتريوس. وكان الأب كمنارة تنيرالجميع. كان يعرف كل أبناء رعيته شخصياً، بخاصة الشباب منهم، مواظباً على الخدمة والتعليم، متذكراً قول سفر الرؤيا “إنك لست بارداً ولا حاراً… فأنا مزمع أن أتقيّأك” (رؤ3:15-16). في الصيف كانت العادة ان يرتاح الكاهن لفترة من كثافة عمله البشاري، إلاّ أن الاب جرفاسيوس كان يرفض ذلك قائلاً: “إن الشيطان لا يتوقف عن العمل (الرديء) فلماذا أتوقّف أنا؟ ثم إنه في الصيف يعمل الشيطان أكثر، ولاشيء يقيّده”. هكذا كانت غيرته كبيرة للربّ، رغم معارضة البعض له، واعتباره إيّاه مبتدعاً. لقد ألغى تمرير الصينية. ونقل طاولة بيع الشمع الى الرواق الخارجي للكنيسة (Narthex) ليوقف أصوات تبديل الاموال وسط القداس الإلهي. وفَتَح الابواب الجانبية للكنيسة ليدخل كل من يريد من الفقراء دون إحراج أو خجل من ثيابهم أو من عدم استطاعتهم دفع المال. ورغم تشكّي عمدة الكنيسة عليه الى المطران كان جوابه “إن بيت ابي بيت صلاة يُدعى” (مت13:21). وكان يمنع الزواج عندما تكون القربى من الدرجة الاولى أو الثانية أو الثالثة.

الى ذلك، كان يحب الخدم الكنسية والصلوات كثيراً. يردّد كلمات الصلاة بحيوية وانفعال لا يُعبَّر عنه، بحيث أن الذي يسمع قراءته لصلاة الساعات أو الغروب أو غيرها لا يستطيع أن يبقى على الأََََرض. لكن نشاط الأب جرفاسيوس الرعائي هذا لم يكن أبداً على حساب نسكه (Askesis) الشخصي. فقد كان يُمضي معظم لياليه مصلياً، خاصة في كتاب المزامير، أمام القنديل المشتعل بالإضافة الى كتابته المواعظ ومقالات أخرى حتى الصباح. ومن عاداته أنه لم يكن يستلقي الليلة السابقة لاحتفاله بالذيبحة الإلهية، بل كان يمضي كل الليل واقفاً أو جالساً في كرسيّه. إن خدمته للقداس الإلهي وموعظته النارية فيه كانت تحمّس المؤمنين كثيراً على حضور الصلاة في كنيسته.

كان الأب جرفاسيوس مشتعلاً بالحب الإلهي، مرتعداً من خطاياه ومن الخدمة الرعائية السماوية التي يؤديها. وقد اعتاد أن يصف الاطفال بملائكة السماء. ويحب كثيراً صوت ترتيلهم، كأن المسيح يتكلم من خلالهم. كما أنه لم يتوقف عن الإحسان، نهاراً وليلاً. وكثيراً ما شوهد ليلاً يتفّقد بيوت الفقراء، محسناً إليهم روحياً ومادياً. وقد تَجدَّدت فيه بالفعل روح القديسين، يوحنا الذهبي الفم وباسيليوس الكبير ويوحنا الرحوم.

الكارز بالنعمة
التعليم الإلهي والوعظ هما روح كل خدمة مقدّسة في الكنيسة، وخاصة خدمة القداس الإلهي، ومن دونها تؤول العبادة الإلهية إلى طقوس جافة. لأن كثيرين من المؤمنين ليسوا معتادين على الرمزية (Symbolism)، فمن الضروري إيضاح معاني المفردات والعبارات في صلواتنا. ولكي ندرك اهتمام الاب جرفاسيوس بخدمة الكلمة الإلهيّة يمكن لنا أن نلقي نظرة على برنامجه العادي ليوم الأحد: دائماً كان يعظ في الليتورجيا الإلهية الليلية في كنيسة القديس ديميتريوس. ثم كان لديه حديث تعليمي للذكور والإناث، ثم أيضاً حديث آخر في كنيسة القديس ديميتريوس بعد الظهر، وفي المساء كان يعظ في الكنيسة الكتدرائية ((Evangelistria. وفوق هذا، فهو لم يتوقف عن الوعظ يومياً لكي ينقذ ما أمكنه من الخراف من فم الوحش العقلي (الشيطان).

حتى في سنيه الأخيرة، عندما لم يعد باستطاعته النهوض، كان يعظ بواسطة الميكروفون الموصل إلى غرفة مجاورة يحتشد فيها المؤمنون لسماع مواعظه. هكذا بقي على اتصال مع شعبه حتى أيامه الأخيره. حماسه هذا في الوعظ أثار حسد الكثيرين، أما لسان حاله فكان “الويل لي إن لم أبشر” (كو9 :16). يقول إيروثيوس مطران هيدرا (Hydra) عن وعظه: “إنه كان كتابياً”. فقد كان الأب جرفاسيوس يتمتع بمعرفة عميقة للكتاب المقدس، وبخاصة العهد القديم، والآبائيات. مما حمل تعزية وتنبيهاً وتحذيراً للمؤمنين ودافعاً للتوبة. كان معلماً شارحاً للكلمة الإلهية، لا مجرّد واعظ من الباب الملوكي. كان واعياً أيضاً لكون التعليم والوعظ لا يكتملان إلاّ بسرّ الشكر الإلهي (أع 24:2). هكذا، هذه معاً، تؤمّن لنا عملاً روحياً متكاملاً، هكذا يتحقق التجسُّد الإلهي لمخلصنا يسوع المسيح، بتمامه. لقد كان من الصعب الفصل بين الواعظ والمحتفل بالأسرار في شخص الأب جرفاسيوس اثناء الليتورجية الإلهية. مما يفسّر نبوياً عبارة بولس الرسول “حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لأجل الأمم في الخدمة الكهنوتية التي لإنجيل اللّه، ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدّساً بالروح القدس (رو16:15)”. ويتابع المطران إيروثيوس قائلاً: “أذكر أن قلبي كان يزداد خفقاناً عندما كنت أسمع مواعظ الأب جرفاسيوس، كنت متأكداً دوماً أني سأعود بشيء جديد سيغيّر عالمي الداخلي. وهذا كان حال الكثيرين، ليس أنا فقط. لقد كان تأثيره كبيراً في مثاله الشخصي، وحياته المقدسة من جهة، ومحتوى مواعظه السامي من جهة أخرى. كل من يسمع وعظه كان يدخل في جو التراث الآبائي المقدس”.

مؤسس مدرسة تعليم ديني
كان للشباب المكانة الأولى في قلب الأب جرفاسيوس. لذلك قام بحملة روحية لإنقاذهم من صحراء الجهل والإهمال. فقد أسّس في عام 1932 مدرسة تعليم مسيحي لا فقط في بترا بل في كل اليونان. وكان تلاميذه بالآلاف. ويشهد تلميذه الاستاذ بنايوتس تريمبيلاس كم كان صبوراً ومُحبّاً ومتفهّماً لتلاميذه. كان الأب جرفاسيوس قد قسّم التلاميذ الى مجموعات من خمسة الى عشرة طلاّب، وكان ينبّه الجميع على أنهم هم مستقبل الكنيسة، خاصة الفتيات،لأن مستقبل الوطن ككل يعتمد على قلب الأسرة، وهوالأم. وقد اعتاد أن يقول: “أعطني أمهات صالحات، ولا تخف من اي سوء يصيب المجتمع، مهما حل به من شرور. إن بقي رابط العائلة، الأم، سليماً، فأنا أضمن لكم حضارة حيّة مقدّسة…” لذلك كان يريد من النساء، وخاصةالفتيات، أن يكنّ محتشمات رزينات منتبهات في كلامهنّ وتصرفاتهن. لهذا كان يخصّص كل يوم إثنين، حديثاً لاهوتياً أو روحياً خاصاً بالنساء.

لم تتوقف نشاطات الاب جرفاسيوس عند هذا الحد. فقد أنشأ في أيام الصيف مخيمات للشباب بدءً من عام1946، ثم بنى أبنية ثابتة لهذه الغاية في منطقة سيخينا قرب باترا. هنا أيضا كان عيش الأسرار الكنسية محور النشاط الرعائي للأب جرفاسيوس. كنيسة القديسة براسكيفي كانت في وسط المخيمّ. كان مؤمنا أن هذا هو السبيل لتجديد الشباب روحياً. وعند اجتماع الراعي مع الشبيبة عند المساء في الكنيسة، كان يتم اعتراف جماعي عن شوؤن المخيم، كعائلة واحدة.

اهتمام الراعي بالسجناء
الى جانب مهمّاته الرعائية الكثيرة، لم يهمل أولئك الذين في السجون. فقد عمل في سبيل تحسين ظروف حياتهم اليومية، من أجل تقريبهم قدر المستطاع من الرّب الفادي، من خلال الأسرار الكنسية. لم يكن الأب جرفاسيوس يخشى من الأتعاب والتضحيات عندما كان يتبنى إلتزامَ عمل رعائي ما.

المرشد الروحي المستنير
نفوس مثقلة بالخطيئة كثيرة كانت تجد الراحة والسلام بالقرب من الأب جرفاسيوس. فقد كان يعيش الحياة المقدّسة بنفسه، ويوفي الحق كما يجب، وذلك لاستنارته بالروح القدس. كثيراً ما كان يستمر في تقبّل الاعترافات حتى منتصف الليل وحينها كان يبدأ الاستعداد لإقامة الليتورجيا الإلهية (القداس) كما هي عادته، لكي يتمكّن أبناؤه من حضور القداس قبل شروق الشمس، لكي يذهبوا من ثمَّ إلى أعمالهم في أوقاتها المحّددة.

كان لسرّ التوبة والاعتراف أهمية بالغة لدى الاب جرفاسيوس. فقد كان يقول: “سرّ التوبة والاعتراف هو بامتياز مفتاح ملكوت السموات”. وكان يوصي بأن يبدأ الفتيان بالاعتراف في حين السادسة من عمرهم. وذلك عملاً بقول الكتاب المقدس “جيّد للرجل ان يحمل النير منذ صباهُ” (مراثي 3:27). لم يكن الأب جرفاسيوس يرى في القصاصات والحروم الكنسية إجراءات عقابية، بل تعبيراً عن محبة الكنيسة للخاطئ. فهذه القصاصات مقترنة دائماً مع التعطّف والتسامح مع أولئك الراغبين في الخلاص ومعرفة الحق. كان الأب جرفاسيوس يتمتع بموهبة التمييز وكشف الأفكار المخبأة بالإضافة إلى تعزية وإرشاد وتشديد كل مَن يأتي إليه، بالإضافة لموهبةٍ لا نجدها في كل الآباء الروحيين، وهي موهبة تشخيص الحالة الروحية لكل مؤمن من خلال اعترافه، والإشارة بدقة الى ما هو مفيد له للخلاص ولتقدّمه الروحي. ثم إنه كان يتقبّل حتى عصيان توصياته من أبنائه الروحيين عندما كانوا يعودون تائبين، مهما كانت خطاياهم كبيرة. هذا شيء بسيط مما يمكن قوله عن اهتمام الأب جرفاسيوس برعاية خراف المسيح الناطقة، مما يعطي فقط اشارات إلى استنارته وقداسة حياته.

حث المؤمنين على المناولة المتواترة
كان يقول الأب جرفاسيوس عن أهمية القداس الإلهي (الليتورجيا الإلهية) ما يلي: “الليتورجيا التي نتممّها نحن الارثوذكس لها غاية أساسية هي تأليهنا، هذا يتم من خلال المشاركة بخوف اللّه وإيمان ومحبة في الأسرار الطاهرة، بعد ان يدعونا خادم الأسرار، كما من فوق، من السماء، أن نفعل. طبعاً إلاّ إذا كان لدينا أسباب موجبة تمنعنا من التقدّم”. هكذا كان حضور لقداس بالنسبة له ولأبناء رعيته يعني المشاركة في المناولة. وقد كان يتمّم القداس حوالي أربع مرات في الاسبوع. كان يركّز في تعليمه على الإصحاح السادس من انجيل يوحنا حيث يقول الربّ “الذي يأكل جسدي ويشرب دمي له حياة ابدية” (يو54:6)، مع تأكيده على حُسن الاستعداد للمناولة، بالاعتراف كلما دعت الضرورة، مع الصوم والصلاة. وقد جعلتْ المناولةُ المتواترة الأب جرفاسيوس وأبناء رعيّته جسداً وحداً مع المسيح، وإخوة فيما بينهم. لقد كانوا يشعرون بالترابط معاً، من خلال عيش أسرار الكنيسة. وبالرغم من أن اللّه “نور لا يُدنى منه” إلاّ أن المؤمنين الأطهار يستحقون ان تستحوذ عليهم النعمة الإلهية كالعليقة الملتهبة قديماً.

بطل راسخ في التسليم الشريف وقوانين الكنيسة

اليوم تحارَب الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية من عدة اطراف, من الداخل والخارج. هناك مَنْ يجاهر بموت التسليم الشريف وعقائد الكنيسة. لقد عاش الاب جرفاسيوس, ولم يعلّم فقط أرثوذكسياً, بل لم يحِدْ عن التسليم وقوانين الكنيسة المقدسة, ولم يغيّر أي شيء في ما أسَّسه الآباء على قاعدة الإنجيل وبالإلهام الإلهي. كان محارباً حاراً للهراطقة ومدافعاً عن الكنيسة من الذئاب الخاطفة التي في ثياب الحملان, كالاتحاديين (Uniates) وشهود يهوه والماسونيين… وقد حمّل الرسالة للكثيرين من أبنائه الروحيين. لم يكن يتردد في إعلانه صراحةً استهجانه لمقولة عصمة بابا رومية, وتحكّمه بالروحيات والقوانين الكنسية والعقائد. كان يقول “نحن بحاجة الى اهتمام كبير وحساسية, كما في أمور العقيدة والايمان, كذلك في أمور التسليم الشريف مما تتبنّاه الكنيسة. فآباء كثيرون قد حفظوا لنا وسلّمونا الأرثوذكسية الصافية, بجهاداتهم ونضالهم ومعاناتهم بطرق شتى… ولم يقبلوا, لا بالترغيب ولا بالترهيب, أن يخونوا الارثوذكسية…”. وفي قضية التقويم الكنسي كان يقول “لا يحق لأحد ان يغيّر شيئاً من الكنيسة, إلا من خلال مجمع عام, كالمجمع المسكوني مثلاً, لان الآباء حافظوا على ما ألهَمَهم به الروح القدس لقرون طويلة. والتراجع عن أمور صغيرة يقود الى أمور أكبر… فليحفظ الرب رعيته وينيرها”.

يعتقد البعض أن قوانين الكنيسة لا علاقة لها مباشرة بتعليم الرب يسوع, أو أنها صارت قديمة, هذا الفتور أو حتى هذه الوقاحة لدى البعض, كانت تُحزن الأب جرفاسيوس كثيراً.

اضطهاد الكارز الناريّ بالانجيل

الافتراء الاول
كما اضطُهِدَ المسيح, هكذا ينتظر المؤمن ان يُضطَهَد ايضاً (يو 20:15). وهذا ايضاً كان وضع الأب جرفاسيوس, الذي تعرّض لافتراءات واضطهادات عدة. لكنه كان واعياً أن كل ما يعمله كان لمجد الله.

كان الاتهام الأول أن إتمامه للقداس الالهي ليلاً كان يترافق مع العربدة. هذا ما وصل إلى المطران. إلا إن الشرطي الذي أتى فجأة إلى أحد القداديس الليلية, صُعِق من الخشوع والورع الإلهيين اللذين كانا سائدين أثناء الخدمة الإلهية, وقال في تقريره فيما بعد “لقد غادرتُ مسرعاً اذ شعرتُ أنني في السماء لا على الارض…”

الاتهام الباطل التالي الذي رتّبه الشيطان باذر الشرور, هو أن الأب جرفاسيوس كان يعامل الفتيات والصبيان بقساوة ورعونة ليجعلهم يرفضون الزواج وينضمون إلى الرهبنة. إلا إن كتابات الأب ومواعظه والوقائع, أثبَتَت زيف هذه الادعاءات.

ثم إن كثيرين ممن كانوا يتضايقون من نشاط الأب جرفاسيوس وتعليمه راحوا يشون به إلى مطران باترا طالبين منه أن يتدخَّل مباشرة ليحد من مواعظه ونشاطاته الروحية إلاَّ إن جواب الأب كان: “إن الله جدير بالطاعة أكثر من النَّاس, الويل لي إن لم أبشر… يمكن أن تعاقبني أو تحبسني… إلاَّ أنَّ كلمة الله لا تقيد” (2تيم 9:2). إلا أنه تحت ضغط بعض المنافقين والأثرياء وبعض البعيدين عن الكنيسة وحياتها الروحية وبعض الكهنة المتهاونين، قرّر المطران تغيير وقت المواعظ المسائية من السابعة الى الرابعة بعد الظهر, آملاَ في إلغائها في مرحلة قادمة. إلا إن الأب جرفاسيوس والشعب رفضا ذلك حيث أن هذا الوقت غير مناسب, وحدث أن بعض المؤمنين كانوا يفتحون الكنيسة المغلقة عنوة من أجل إتمام المواعظ في وقتها… وحصلت بلبلة كبيرة أتُهم فيها الأب جرفاسيوس بالتمرد والعصيان. وقد بلغت الأمور إلى المجمع المقدس الذي دعى الأب جرفاسيوس للإستجواب… إلا أن براءته ظهرت في النهاية، وهذا ما شهد به حتى الأعداء بعد رقاده. وكان للشعب المؤمن دور كبير في إثبات براءة الأب جرفاسيوس وقداسة سيرته.

بعد هذه الأحداث، وبعد إيقافه في إحدى الأديرة لفترة, عاد الأب جرفاسيوس الى نشاطه الروحي أكثر من السابق, حيث أصبح يعظ في الكنيسة الكاتدرائية في باترا.

الأب جرفاسيوس مستشار المجمع

طاعته لصوت الكنيسة

في عام 1939 اعتلى رئاسة أساقفة أثينا المطران خريسانثوس. رئيس الأساقفة هذا بعد مشاورات وتفكير، كما يذكر الأستاذ تريمبيلا الذي كان له دور في المسألة, إقتنع بتعيين الأب جرفاسيوس سكريتيراً أولاً له (chancellor). وبعد معارضة أولية وتهيُّب قبل الأب القديس, وخضع كإبن أمين للكنيسة المقدسة.

هكذا أقام الأب جرفاسيوس في دير بتراكي (Petraki) ولم يكن ليهدأ ليلاً نهاراً من النشاط بغيرة إيليا النبي عاملاً في مختلف المجالات الكنسية.

مساعيه في تنقية الكنيسة من الشوائب.

همه الأكبر كان: كيف يمكن تخليص الكنيسة من الذين دخلوها كذئاب لا تشفق على الرعية؟ لقد ساهم في إيقاف العديد من الأكليريكيين المنحرفين في البدع والماسونيَّة والعصرانية والتحررية (medernism) وتعب في سبيل إصلاحهم, بعد أن كانوا معتادين على البارات والمقاهي, وحلق الذقون وجمع الثروات والتسكع في شوارع أثينا والمدن الأخرى. وبخاصة المتبتلين منهم الذين كان يدعوهم للإلتزام بقوانين أديرتهم .

في عام 1941 إستراح الأب جرفاسيوس من مهامه الكبيرة وعاد الى رعيته المحبوبة في باترا. وحتى عندما انتخب رئيس أساقفة جديد طلب منه العودة الى أثينا كواعظ إلا أنه رفض. وقال لأحد أبنائه الروحيين في هذا الخصوص: “إنهم يريدونني أن أعود كواجهة يتخفون وراءها ويعيدون بناء كل الإنحرافات والشواذات التي هدمتها بيدي. إن فعلت هذا وعدت, فأنا متعد للشريعة (2غلا 18:2). ثم إنَّهم قد يضعون التاج الأسقفي على                 رأسي, ولكن هل هذا ما أريده؟ بالطبع لا, فأنا لي رسالة أخرى في مكان آخر. بالنسبة لي منبر الوعظ الذي أخدم الكنيسة من خلاله يكفيني”.

هكذا لم يكن الأب جرفاسيوس يطلب ما لنفسه مقابل أعماله وأتعابه في كرم الكنيسة. إقتداءً بالأباء القديسين، كان يتجنب كل مركز رئاسي في الكنيسة مؤثِرا أن يبقى راعياً بسيطاً لشعب الله.

“إنَّ الله عجيب في قديسيه الذين في أرضه”

موهبة التبصر

في الواقع كان الأب جرفاسيوس عائشاً ومتحركاً بالروح القدس. فبعد أن كرَّس ذاته وكل حياته لمن أحب منذ شبابه لم يبخل عليه الرب بالمواهب الإلهية ومنها موهبة النبؤة والتبصر في الأحداث. وقد قصَّ العديد من أبنائه الروحيين وقائع عن تنبوئه في شؤونهم وكيف تمَّت بالفعل كما سبق وقال لهم.

موهبة صنع العجائب

تلقّى خادم الرب المتواضع الذي لم يكن يسعى الى المناصب من الرب ما هو أثمن جزاء عن أتعابه. فإنه كان يصنع العجائب وهو لم يزل على قيد الحياة. وقد تمتع بقوة كبيرة على طرد الشياطين. كثيرون شهدوا بأنه كان يكفي للأب جرفاسيوس أن يرفع يديه للصلاة حتى يشفي شخصاً مريضاً.

“الصدِّيق يحيا الى الأبد”

رقاد الأب جرفاسيوس

في التاسع والعشرين من شهر حزيران 1964 شعر الأب جرفاسيوس بتلاشي قواه الجسدية. فإنه خلال سبعة وثمانين سنة من عمره “لم يعطي لعينيه نوما ولا لصدغيه راحة” (مز4:131). لقد اجتهد في سائر الشؤون الرعائية بروح طفولية بريئة. لكن منذ ذاك اليوم لم يستطع النهوض من سرير مرضه. إلاَّ أنَّ الرب لم يشأ أن يبقى خادمه طويلاً في سرير المرض فما عاناه خلال سني حياته من الأتعاب كان كافياً. في يوم عيد الرسل القدِّيسين (29 حزيران)، في ساعة الصباح الأولى، طلب أيقونة والدة الإله وأخذ يقبلها ويقول: “يا أمِّي الحنونة لا تهمليني”. بهذه الكلمات أسلم روحه بين يدي الله, ودخل الأبدية حيث سيستمر في الصلاة من أجل أبنائه وكنيسته. هكذا قرعت الأجراس الحزينة في كل باترا. الكل، إكليروساً وشعباً، بكوا وتألموا على فقدانه. تجمع الناس حول قلاَّيته لمرافقته الى كنيسة القديس ديميتريوس, حيث كان يمضي معظم أوقاته في الرعاية. الكل تدافعوا للمس رفاته للتبرك. الجميع شاركوا في دفنه, كانوا يدفنون أحد أقاربهم الشخصيين, في صمت وخشوع, رجالاً ونساءً, شيوخاً وشباباً وأطفالاً. سيل من الناس رافقه حتى مثواه الأخيرة. لقد غاب جسده في التراب لكنه كقدوة منيرة، وكغيور حار للرب, بقي حياً في نفوس الكثيرين. وقد تبعت رقاده علامات صامتة عدة, أظهرت تلقي الرب لروح الأب جرفاسيوس الطاهرة, وأكَّدت سكناه في أحضان إبراهيم أبي الأباء.

عن كتاب

Kostopoulos Cyril, Hierd.

Elder Gervasios of Patras

Orthodox Kypseli Publications

Thessaloniki, 1995

الأرشمندريت المتوحّد اسحق (عطالله) الآثوسي

الأرشمندريت المتوحّد اسحق (عطالله) الآثوسي

† سيرته قيد الإعداد

† الجناز الذي أقيم للذكرى الخامسة لرقاده

بدعوة من حركة الشبيبة الأرثوذكسية (مركز طرابلس – فرع كوسبا) أقيم نهار الأربعاء الواقع في 16/7/2003 صلاة الغروب تليها خدمة التريصاجيون لراحة نفس الأب اسحق في كنيسة القديسَين سرجيوس وباخوس (كوسبا).

شارك في الخدمة الأسقف ستيفانوس حداد، وعدد من رؤساء ورئسات الأديار وآباء الرعايا في المنطقة وحشد من المؤمنين الذين قدموا من الرعايا المختلفة.

وقد وزّع القمح المسلوق وصورة للأب اسحق على جميع الحاضرين.

بعد الصلاة، توجّه الجميع إلى صالون الكنيسة حيث كانت كلمة لفرع كوسبا في حركة الشبيبة الأرثوذكسية ألقاها الدكتور شاكر جريج، ثم قرأ الأب أفرام كرياكوس الكلمة الواردة على هذه الصفحة. آخر الكلمات كانت شهادة حياة قدّمها الأرشمندريت بندلايمون فرح.

الآباء في الجناز

المشاركون في الندوة

الأرشمندريت أفرام كرياكوس يلقي كلمته

الأرشمندريت بندلايمون يقدم شهادته

† كلمة الأرشمندريت أفرام كرياكوس رئيس دير الملاك ميخائيل – بقعاتا

سيّدي، آبائي، إخوتي الأحباء

عرفته في البدايات في جبل حماطوره، يدفعني إلى البريّة، إلى الصحراء التي تذكّر بالله، بآباء البريّة. تذكّر أنه باطل كل ما في العالم. تعطي سلاماً هكذا بعيداً عن العالم وصخبه. ومع السلام هناك فرح وهدوء وبساطة في العيش. كل ذلك كان يتسرّب في نفسي ىنذاك دون أن أعرف.

كنّا نأتي إلى كوسبا حيث ابراهيم فرح ومن هناك نصعد إلى حماطوره كما إلى جبل ثابور.

مرة فيما كنا في دير مار جرجس، قال لي الأب داود: لنذهب ونزور السيدة فنزلنا مشياً على الأقدام، هو بخطى ثابتة كالغزال في البرية، وأنا تابع. أنا الآتي من المدينة وهو من الصحراء من العلى. ولماذا كل هذا النسك؟ هذه الحياة الغريبة عن حياة البشر؟

هذا كله لتذوق حلاوة الرب، لتذوق الحرية في المسيح.

† † †

كان الأب اسحق قاسياً، قاسياً على نفسه. لكنه خلال الجلسات الشخصية في قلايته في كابسالا في الجبل المقدس، كان يكشف عن نعومة قلبه، عن عطفه الأبوي، عاطفة الأم على أولادها.

الشواذ أو الهرطقة هذا كان يقلقه جداً، كان يغيظه فينتفض. كان يعتز بأرثوذكسيته. قلتها مرة للشيخ باييسيوس بعد خطيئة وقعت فيها قلايته حين أحزنته، قلت: هو أكثر ملكية من الملك Plus royaliste que le roi. نعم، هو أرثوذكسي حتى المخاخ. نحن نعيش أرثوذكسية مائعة، نخجل من إيماننا. هو كان يفتخر بإيمانه.

كنتً أتحفظ منه. صرامته لم تنسجم مع ميوعتي. ومع ذلك، كل مرة أزور فيها الجبل المقدس، جبل أثوس، أقصده أولاً، أتحادث معه. يرشدني في كل شيء. اسأله يجيبني. حتى اليوم وفي كل سنة أعبر إلى قلايته. أمضي بضعة أيام، استرجع فيها قواي. هو الذي قادني لأول مرة إلى الجبل المقدس. كنّا في سالونيك طلاباً في اللاهوت، آخر السنة الدراسية 1976. كنتُ مريضاً في المعدة. ذهب الطلاب في رحلة وبقيتُ وحدي معه فأصرّ علي بمثابة دواء شافٍ أن أرافقه إلى دير ستافرونيكيتا إلى الجبل. قضيتُ حوالي الأسبوع في غرفة هادئة تطل على البحر أسمع الأمواج تضرب صخرة الدير باستمرار. الصورة مع أصوات الناقوس الخشبي وأصوات هيجان البحر لا تفارقني حتى اليوم. نمتُ واسترحتً طويلاً، والراهب بروذروموس المسؤول عن المطبخ (مايراس) كان يطبخ لي طعاماً خاصاً مع شوربا لتريح معدتي. عناية متواصلة، محبة لا تطلب شيئاً لذاتها. والأب اسحق كان يريد أن يستريح هو أيضاً، بعد سنة دراسية متعبة، إذ كان مسؤولاً عنّا.

† † †

شيئاً فشيئاً، اكتشفتُ السر، سر هذا الشخص الغريب. سر هذه الحياة الهدوئية. هذا عندما قادني مرةً إلى أبيه الروحي، إلى الشيخ باييسيوس. أذكر أني بعد اللقاء كتبتُ رسالةً إلى المطران جورج خضر قلتُ فيها أن الأب باييسيوس يشبه فقيراً مستعطياً، لكننا أنا والأب اسحق أمامه كنا كالأطفال يسمعان هذا الشيخ يتكلّم بلهجة شعبية لم أكن لأِفهم إلى القليل منها والأب اسحق يترجم. لماذا أحبني توّاً هذا الشيخ العجيب ولم يعرفني من قبلُ؟ هذا الوصال المفاجئ لا أعرف كيف تم! شيء كان يجذبني إلى تلك الحياة منذ الطفولة.

سألني الأب باييسيوس ماذا كنتُ أعمل؟ قلتُ له في الهندسة. قال: هذا سوف يساعدك كثيراً في الحياة الروحية وبطريقة غير مباشرة. وبعدما عبّرت عن رغبتي في اختبار الحياة الرهبانية، قال للأب اسحق: اذهبْ معه، خذه بيدك واعملا جولة على الأديار والمناسك الرئيسية في الجبل أسبوعاً كاملاً ومشياً على الأقدام كما فعلتُ معك لأول مرة. وهكذا كان إذ عرّفني الأب اسحق على الأديار والرهبان والقلالي والنسّاك فأضحى هذا الأسبوع من أجمل أيام حياتي.

نعم، كان الأب اسحق جسراً لي وللكثيرين إلى الجبل المقدس. له الفضل الكبير وتدبير إلهي لا أنساه. كان يردد باستمرار “أنا هنا من أجلكم. أنا هنا في الجبل المقدس، في جبل أثوس، من أجل أنطاكية”. هو يذكّرنا بالنساك الأنطاكيين القدماء. لقد أحيا في شخصه التقليد المقدس. بلحمه وبعظامه حقق شعار آباء البرية: “أعطِ دماً وخذ روحاً”، فكيف ننساه؟

والأجمل والأحلى لأنه تبع أباه باييسيوس حتى النهاية، أعني حتى فراق الموت. الأب الروحي يشارك آلام الآخرين في اعترافاتهم وفي حياتهم. قال لي مرة الأب اسحق: “إن الأب باييسيوس لكثرة ما تألّم وصلّى من أجل الذين يعانون من مرض السرطان، صلّى إلى الله ليعطيه مثل هذه الآلام. وقد حصل على طلبه إذ صابر على آلام السرطان بنفسه حتى الموت دون تذمر بل مع شكر بشهادة مَن عاينوه في آخر حياته على الأرض”.

هذا بالنسبة للأب باييسيوس، أمّا بالنسبة للأب اسحق، فقد كابد أيضاً الآلام والمرض على غرار الشهداء، حتى آخر لحظة وبدون تذمر. يشهد على ذلك الكثيرون، منهم أخوه الذي زاره مرّة وهو على فراش المرض، فقال له: “لا تبكِ عليّ، أنا في سلام وفرح داخلي. انتبه فقط لنفسك وصلِّ”.

† † †

هو جاثٍ الآن تحت التراب ولكنه بالحقيقة في السماء، قالها رئيس دير غريغوريو. إنه يستريح ويصلي من أجلنا. وقد زرته مرة منذ سنة وأعطاني هدية على قبره. صليتُ من كل قلبي فأهداني في يدي بخوراً عطراً، قدّمتُه لزوّار قلاّيته ولم أحتفظ إلاّ بالعطر الزكي.

أشكر الله على الذي جمعنا اليوم لذكره، وكل مَن هيأ هذا اللقاء عندنا منه ذكر طيب.

صلاته تكون معنا على الدوام. آمين.

سيرة أبينا الشيخ يعقوب رئيس دير داود البار

سيرة أبينا الشيخ يعقوب

رئيس دير داود البار

نقلها عن اليونانية بتصرّف الأخ يوسف كبا

1-  نَسَب الشيخ وسنوات طفولته

آسيا الصغرى، التي أنجبت قدّيسين كثيرين في كنيستنا، هي موطن الأب يعقوب. فقد وُلد في قرية ليفيسي في ماكري (Λιβίσι Μάκρης). كانت أسرته ميسورة الحال، من أغنياء القرية. وغناها الأكبر كان التقوى والمحبة المسيحيتين. وقد أنجبت في تاريخها العريق رهباناً وإكليريكيين وقديس.

وُلد الشيخ في 5 تشرين الثاني 1920. وبسبب أحداث تلك الأيام المريعة وتهجير المسيحيين، انتقل إلى قرية القديس جاورجيوس في أمفيسا (Αμφισσας) وسط اليونان، وبعد سنتين إلى قرية فراكلا (Φαράκλα) في جزيرة آفيا، بقرب دير البار داود، حيث عاش حتى الثلاثين من عمره هناك.

كان لأمه ثيوذورا الدور الأكبر في حياته، وقد كانت مزدانة بالفضائل والتقوى والروح الرهبانية التي أورثتها لابنها المحبوب يعقوب. وقد روى الشيخ يعقوب، عن لسان أمه، أنه كان في طفولته ضعيف البنية في طفولته ولهذا كانت تدعوه “العصفور الخريفي”.

عند التهجير، أثناء النزوح من آسيا الصغرى، بقي الوالد، ستافروس تساليكي، أسيراً لدى الأتراك، وغادرت كل من أمه وجدته وعماته وخالاته بالسفينة إلى بيريا، وكان يعقوب في الثانية من عمره. ثم لحق الأب بهم إلى قرية فاراكلا. لكن الأم بقيت دائماً المربي الأساسي ليعقوب. عن طفولته، كان الشيخ يقول: “نادراً ما كنت أخرج من البيت، إلاّ إلى المدرسة. بعد إنجاب الأولاد، عاش والديّ ممسكَين متعففَين، في حياة روحية أخوية متواضعة مباركة. علمتني أمي الصلاة والسجود، وكنتُ أساعدها في الأعمال البيتيّة النسوية. وهكذا تعلمت الخياطة ومهارات أخرى. هذا أفادني في حياتي الرهبانية كثيراً. كل خمسة عشرة يوماً أو عشرين كان يأتي كاهن إلى القرية ليقيم الذبيحة الإلهية. كنت منذ المساء أذهب إلى الكنيسة لأساعد الكاهن وأبقى هناك مصليّاً إلى أن يأتي الناس صباحاً. لم نكن نعرف الاعتراف. فقط كنَا نصوم صوماً صارماً. أمّا قبل المناولة فكنَا نقبّل أيدي والدينا والشيوخ”.

ويقول الشيخ في مكان آخر: “كانت يدا أمي مفتوحة للمحتاجين. فأبي كان بناءً، وكان بمقدوره تأمين مستوى معيشي جيد لنا. اعتادت أمي على مساعدة الفقراء بسخاء بأطعمة وثياب، إلى درجة أننا، والدي وأنا، مراراً كثيرة عدنا من العمل في البناء ولم نجد ثياباً أخرى لنبدّل ثيابنا المتسخة! لكن حياتنا العائليّة كانت تعبر سلاميّة هادئة”.

يتابع الشيخ متحدثاً عن طفولته فيقول: “اعتدت الذهاب إلى الكنائس الصغيرة في البراري، وخاصةً إلى مقبرة القرية، من دون أن يعني هذا أنه كان لديّ مشكلة نفسية تعكّرني. بالعكس، كنت أتأمل هناك بطلان هذه الحياة الزائلة، وهكذا تولّد في نفسي ذكر الموت بفعاليّة”.

لقد أنار الروح القدس الشاب يعقوب إذ وجد فيه نفساً نقية طاهرة، فأخذ يفكر بتكريس نفسه لله، وبأن يصير ناسكاً عندما يكبر. كان يخرج من القرية إلى التلال المحيطة ويقيم في بعض التجويفات الصخرية التي كان يغطيها بأغصان الشجر، مصلياً ومعتبراُ نفسه ناسكاً. كما كان يزور بعض الكنائس المنتشرة في الريف، ككنيسة القديسة باراسكيفي، ينظّفها ويشعل قناديلها ويصلي فيها حتى الليل في عشرة مع الله وقدّيسيه، الذين طالما ظهروا له وتحاوروا معه.

بعد إنهائه المدرسة الابتدائية بتفوق، أصرّ استاذ القرية على إرساله إلى خالكيذا لمتابعة الدراسة. إلاّ إن أهله خافوا من إبعاده عنهم، وفضّلوا بقاءه في القرية. هكذا اكتفى بهذا المقدار من العلم العالمي ليمتلئ من “الحكمة التي من فوق” التي أظهرت الصيادين غزيري الحكمة.

تواضع الشيخ وإيمانه وصلوات أمه، جعلته على علاقة حميمة مع والدة الإله وجميع القديسين. يروي الشيخ أنه مرض في طفولته مرضاً شديداً، أصابته بردية وضيق نفس وآلام مبرحة في الصدر. “حينها لم يكن في القرية طبيب إلاّ الله وقدّيسيه. صلّت أمي كثيراً أمام أيقونة عجائبية للقديس خارالمبوس، كانت عندنا في البيت. عند المساء رأيتُ يد كاهن ترسم الصليب على وجهي، وتلامس مكان الألم وتداعبني. ومن لحظتها، أحسست بالتحسن ثم شُفيت. مَنْ شفاني كان القديس خارالمبوس، كما قال لي أمي”.

عندما رأى أهل القرية حياة يعقوب الصغير المقدسة، صاروا يحترمونه جداً ويعتبرونه ابناً باراً للكنيسة وفتى الله. وبما أن القرية كانت بلا كاهن، كانوا يلحون عليه كثيراً لأن يقرأ صلاة ما على المحتاجين أو المرضى، إيماناً منهم بأن صلاته ستساعدهم. وقد روى الشيخ قصصاً عديدة في هذا الخصوص.

كثيراً ما تحدث الشيخ عن ممارسة الصوم في أسرته المباركة. فقد قالت له أمه مرة، خلال الصوم الأربعيني المقدّس: “يا بنيّ يعقوب، أنظر كم أنت ضعيف. كُلْ ولو بيضة صغيرة لتتقوّى قليلاً”. فأجاب: “إن أكلتُ الآن، فلن أشعر بالقيامة. فأنا أريد أن آكل بيضة فصحيّة لأدرك معنى الفصح”.

عندما كان يساعد والده في أعمال البناء، سواء في القرية أو في القرى المجاورة، كان يتجنّب الأكل، في أيام الصوم، ممّا يقدمه لهم أصحاب البيوت التي يبنونها، لأنه غالباً ما كان زفراً. كان يعقوب الفتى يفضّل العودة إلى البيت ليتناول طعاماً صيامياً، على أن يتناول الجبن وغيره مما يقدّم، أمّا إذا وجد بعض الزيتون والخبز فكان يكتفي بذلك.

عند بلوغه الخامسة والعشرين من عمره، جاءت أمه في أحد الأيام وأخبرته أنها رأت ملاكها الحارس وأخبرها بأنها ستغادر هذه الحياة بعد ثلاثة أيام وأوصاها بأن تستعد. كان لهذا أثر كبير في نفس يعقوب، لا بسبب العلاقة الطبيعية بينهما كأمّ وابن وحَسب، بل بسبب العلاقة الروحية أيضاً. وهكذا، مرضت ثيوذورا وانطرحت في الفراش بسلام، باركت ابنها الحبيب داعيةً له أن يصبح كاهناً بعد أن يهتمّ بتأمين مستقبل أخته الصغرى. ثم تنفسّت الصعداء وأسلمت الروح.

2-  حياة يعقوب العسكرية

كانت فترة خدمة الشيخ في العسكرية خلال أصعب وأقسى العهود في اليونان، فترة الحرب الأهلية. كانت خدمة يعقوب في مدينة فولوس. وقد أخبر: “كانت أيقونة القديس خارالمبوس دائماً معي. وقد تضرعت إليه مراراً ألاّ يختارني الضابط المسؤول لأكون من رجال الدورية، لأني لم أكن رجل قتل ودماء. وبالفعل لم يحصل ذلك. كلّفوني مرة بالمناوبة في حراسة قطاع معيّن. فجلست وراء الرشاش وأخرجت أيقونة القديس خارالمبوس الصغيرة ووضعتُها عليه، وقلت له: ‘يا قدّيسي الحبيب، أنت أحرسْ الآن الهدف. أحرسْ هذا القطاع من هنا إلى هناك‘. بعدها غرقت في الصلاة بلا همّ، ونجوت من مخاطر كثيرة”.

ثم انتقل يعقوب إلى أثينا. هناك أنار الله قلب الضابط المسؤول عنه، فكان يعطيه كل يوم إذناً خطياً بزيارة كنائس أثينا وبيريا. واستمرت الصداقة بين الشخصين إلى أن أصبح الشيخ في دير البار داود، حيث زاره الضابط مراراً. ورغم وداعته وبراءته، ورغم محاولاته أن يعيش مع المسيح بخفية، إلاّ إنه لم يسلَم بالطبع من تهكمات بعض العساكر وإزعاجهم، إذ لم يكونوا يفهمون تصرفاته العجيبة بعقولهم البشرية. لكن البعض الآخر كانوا يحترمونه، وقد زاروه في ديره فيما بعد.

وهكذا مرّت سنوات خدمته العسكريّة الثلاث بسلام فعاد إلى قريته وهو في الثلاثين من عمره. وبعد أن أمّن على أخته، كما أوصته أمه، أصبح حرّاً في تحقيق ما حلُم به منذ الطفولة.

3-  حياة الشيخ يعقوب الرهبانية

في السيرة الرهبانية، رغب الشيخ باتباع حياة هادئة في بعض المغاور، كما في الأماكن المقدسة، مكتفياً ببعض الماء والأعشاب البريّة المتوفرة. لكن قبل المباشرة في تنفيذ رغبته، رأى ضرورة أن ينال البركة من دير البار داود. عندما وصل إلى الدير، كما يروي هو نفسه، وجده متغيراً عمّا كان عليه، أي أكثر جمالاً وعظمة وبهاء. “هناك قابلت شيخاً وقوراً أبيض اللحية. كان هذا هو البار داود. سألته وأنا مندهش إن كان بالإمكان أن يعطوني غرفة في الدير فأجابني: ‘أنت أتيت لتسجد كزائر. فإن كنت ستبقى يمكن أن نعطيك غرفة‘. فأجبته في الحال: ‘سأبقى أيها الشيخ‘. فأدخلني الدير بعد أن تفوهت بهذا الوعد ثم غاب الشيخ الوقور عن عينيّ وكأن جداراً انفتح ومر عبره. بعد لحظات أدركتُ واقع الحال، فالدير بسيط، وفيه خرائب هنا وهناك، وكنيسة صغيرة. لقد أتيتُ كزائر عادي، لكن من خلال ما حدث وجدتُ نفسي أعطي وعداً من كل قلبي بأن أخدم دير القديس داود”. حينها، كان في الدير ثلاثة رهبان كبار السن يعيشون بطريقة انفرادية. الأرشمندريت نيقوديموس كان رئيساً للدير وكان يتردد عليه من حين لآخر. وقد تمتع بفضائل كثيرة، لكنه كان يعاني من أمراض عديدة بالإضافة إلى وجود بعض الإخوة من داخل الكنيسة كانوا يضطهدونه. وقد رقد هذا الرئيس الرحوم بعد فترة قصيرة. يقول الشيخ: “كنتُ اطلب بركتَه في كل أمر. وهذا لم يكن سهلاً. فقد كنتُ أمضي أربع إلى خمس ساعات للوصول إلى القرية التي كان يخدم فيها الرئيس نيقوديموس، لآخذ بركته في أمور تخص الدير”.

كان الدير مهمَلاً لسنوات، فأخذ الشيخ يعقوب يعمل فيه طوال النهار مع الصلاة المتواصلة. ولكي يصبح الدير قادراً على الاعتماد على نفسه، وحتى على تقديم الإحسان للفقراء، عمل في كافة الأشغال: إصلاح، بناء، زراعة، وغيرها.

في انطلاقة حياة الشيخ الرهبانية المشتركة، عانى صعوبات وتجارب كثيرة. هذا ليس غريباً، فهو قانون الحياة المسيحية، وقد طبّقه الله على شيخنا يعقوب، فكانت حياته استشهاداً طوعياً حيناً وقسرياً حيناً آخر. لقد أثار إبليسُ الرهبانَ السابقين في الدير عليه، لكي يقفوا في وجه حماسته ويحملوه على اليأس ومغادرة الدير. لقد كان “منظره ثقيلاً عليهم”. إلاّ إن فضائله وبساطته الموهوبة من الله تغلبت على شرورهم. قلايته كانت شبه خربة: لا زجاج على النوافذ، بالإضافة إلى الشقوق في الباب صيفاً وشتاءً. وقد كان الشيخ يعقوب يعزّي نفسه بمقارنتها بالنسّاك العموديين، الذين لم يكن من سقف يحميهم، وبالنسّاك سكان البراري الذين لا مأوى لهم. هكذا كان يرى ذاته أفضل حالاً منهم ويشكر الله. و كان الشيخ مستفيداً وأكثر خبرةً في مختلف التجارب والآلام. لكن الشيطان زاد أيضاً من تجاربه، على غرار تجربته لآباء البرية المتوشحين بالله. وقد روى الشيخ حادثة عن هجوم الشياطين عليه في أحد الأيام، فيما كان مستلقياً قليلاً قبيل الظهر ليرتاح من العمل، فضربوه ضرباً مبرحاً في كل أنحاء جسمه وأسمعوه الشتائم والتجاديف مانعين إياه حتّى من رسم إشارة الصليب. إلاّ أنه أخيراً استطاع رسم إشارة الصليب وطردهم باسم يسوع.

في أحد الأيام، جاء رئيس الدير وقال له: “يا أبانا  يعقوب، اغتسِلْ واستحمّ وسرّح شعرك. لأننا سننزل معاً إلى خالكيذا”. أطاع الشيخ يعقوب من دون أن يدري ما القضية. “بالفعل نزلنا إلى مطرانية خالكيذا، وكان المطران غريغوريوس هناك إنساناً قديساً متواضعاً رحوماً… استقبلنا ورحّب بنا، ثم أخبرني بأنهم قرروا منحي رتبة الكهنوت. هذا الأمر لم يكن يخطر على بالي. إلاّ إني لم أستطع أن أجادل احتراماً لرئيس الدير والأسقف القديس. وهكذا في الثامن عشر من كانون الأول 1952 رسموني شماساً، وفي اليوم التالي كاهناً. وقد أهدوني محفظة فيها أيقونة للسيدة العذراء كُتب تحتها: ‘أيها الأب يعقوب، أيقونة العذراء هذه فلتحفظْك في المكان القفر، هناك حيث تقيم…‘ ثم بعد أيام أخذت إذناً مكتوباً بممارسة الأبوّة الروحيّة وسرّ الاعتراف”.

4-  حياة الشيخ يعقوب الكهنوتية

منذ بداية حياته الكهنوتية، أخذ الشيخ يعقوب يقيم الصلوات اليومية والقداس الإلهي ويتناول القدسات بتواتر، مما كان يعطيه قوة روحية كبيرة ونشاطاً كل النهار. ونظراً لحاجة المنطقة إلى كهنة، صار يخدم القرى المحيطة بالدير. لقد كانت غيرته على بيوت الله الناطقة (المؤمنين) وغير الناطقة كبيرة جداً. فكان يعمل بنشاط وحماس في خدمة النفوس والكنائس والأوقاف.

كان الشيخ يغار من فضائل القديسين الذين يقرأ عنهم، ويحاول تطبيق شيء منها بنفسه. لذلك عندما قرأ عن إمساك القديس دانيال العمودي حتى عن ضروريات حياته اليومية محبةً بكثرة زائريه، راح الشيخ يعقوب يمسك عن حاجاته الطبيعية منذ خروجه من الدير في الصباح، ليخدم في مختلف القرى المحيطة، إلى أن يعود إليه.

حسب عادة ذلك الزمان، كان الأب يعقوب يطوف برفات البار داود في القرى المجاورة ليتبرّك منها المؤمنون. وقد كان هذا متعباً جداً له بالرغم من طبعه النسكي. يروي تعزية حصلت له إحدى المرات عندما كان عائداً من إحدى جولاته في الرعايا المحيطة، إذ عندما دنا من الدير، رأى نوراً بهياً خارج الدير ينير الطريق الضيقة المؤدية إليه. ثم “عندما وصلتُ إلى الدير دخلتُ الكنيسة. فوجدتُ شيخاً منتصباً عن اليمين ينتظرني. بعد أن وضعتُ الرفات وسجدتُ للأيقونات بحثتُ عن ذاك الشخص لأحيّيه معتقداُ أنه أحد آباء الدير، إلاّ إني لم أجده. فقد اختفى. لقد كان البار داود حيّاً ينتظر عودتي بسلام”.

عجائب أخرى عديدة حصلت مع البار بنعمة الله، لا يسعنا ذكرها جميعاً. نذكر أن الشيخ يعقوب كان يسعى دائماً لتأمين الزيت لجميع الكنائس المحيطة بالدير. بالإضافة إلى الإحسانات الأخرى التي كان يقدمها للمؤمنين. في أحد الأيام، كان يصلّي متضرعاً إلى العذراء والبار داود والنبي إيليا بشكل خاص، لأن يساعدوه في تأمين الزيت في كل المنطقة. بعد فترة من صلاته، نزل إلى المستودع حيث وعاء الزيت الكبير، فوجد الغطاء يتحرّك والزيت ينسكب من الوعاء، فظنّ لأول وهلة أن فأراً في الوعاء يحاول الخروج منه بعد أن أسال كل هذا الزيت على الأرض. إلاّ إنه عندما دنا ورفع الغطاء، لم يجد لا فأراً ولا ما شابه، بل تأكّد أن الزيت كان يفيض عجائبياً! فمجّد الله على مراحمه وشكر قدّيسيه.

لقد كان الإحسان والعطاء بلا حدود شيمةً راسخةً في الشيخ البار يعقوب. وقد ورث ذلك عن أمه. كان دائماً يفرّغ يديه ممّا يملك، فيعود الله ويملؤها أكثر فأكثر. وكان الشيخ يتعجّب من مراحم الله هذه العظيمة.

كانت صحة الشيخ حديدية إلى أن بلغ الخامسة والخمسين. إلاّ أن الله سمح، بعد هذا العمر، بأن يعاني الشيخ من أمراض كثيرة ثقيلة. يقول الشيخ عن هذا: “لقد أخذ إبليس الإذن بأن يجرّب جسدي” كما حصل مع أيوب البار في العهد القديم. “لم أكن أريد الذهاب إلى الأطباء في البداية، إذ كنت أعتبر أنه من العيب أن يروا جسدي عارياً، جسد كاهن”. إلاّ إنه اضطر مراراً لزيارة الأطباء فيما بعد، خاصةً عندما كان يعاني آلاماً مبرحة. وخضع لعمليات جراحية. وكثيراً ما كان القديس البار داود يزوره مع القديس يوحنا الروسي، فيراهما واقفين بجانبه، حتى في غرفة العمليات، يتشفعان من أجل شفائه.

في تلك الأيام، بالرغم من توصيات الأطباء له بتجنّب الوقوف، إلاّ إنه لم يكن يتهاون في أداء الخدمات الكنسية الشريفة وإتمام القداس الإلهي، رغم الآلام اللاحقة التي كان يعاني منها عند المساء وطوال الليل. وقد كانت تنتابه نوبات من الآلام في عنقه ورأسه وأماكن أخرى من جسده، خاصةً بعد قضائه ساعات طويلة في تقبّل اعترافات أبنائه الروحيين. لقد كان يعتبر كل هذا نوعاً من النسك، يحتمله بصبر وشكر.

5-  رقاد الشيخ يعقوب

آخر تجاربه كان مرض القلب الذي أودى به إلى الحياة الأخرى. وقد أجرى عمليتين جراحيتين في القلب، وكانت الثانية من دون تخدير، بعد فشل العملية الأولى. رغم آلامه المتواترة، حافظ الأب يعقوب على ابتسامته وخدمته للآخرين بمحبة، في نفوسهم وأجسادهم. كانت أحاديثه في سنيه الأخيرة تتناول علاقته الحميمة بالبار داود، وطفولته وقصصه الروحية المختلفة، ونصائحه ورؤاه العجائبية. كان يتحدث دائماً ببراءة طفولية تطفح منها النعمة والبساطة، معزياً كل مَن حوله وناصحاً ومشدداً لهم، رغم ما كان يخفي من آلام وضعفات في جسده.

رقاده في البرارة كان أيضاً مدعاة للعجب. لقد سبق وعرف اليوم الذي سيموت فيه. في ذلك اليوم كان سعيداً جداً. في صباح يوم الحادي والعشرين من تشرين الثاني من عام 1991، عيد دخول السيدة، كان يرتل في كنيسة الدير. وبعد الظهر حوالي الرابعة، حينما كان يتقبّل اعترافات المؤمنين كالعادة، عَبَر إلى الراحة الأبدية، مغادراً ما في العالم، منتقلاً إلى قرب السيد الرب.

صلواته تحفظنا. آمين.

الشهيد في الكهنة حبيب (خشّة)1 ( U 16 تموز 1948)

الشهيد في الكهنة حبيب (خشّة)1

( U 16 تموز 1948)

تاريخه

ولد حبيب في مدينة دمشق، سنة 1894 . وهو البكر في عائلة قوامها ثمانية أولاد. أبوه هو الشهيد في الكهنة نقولا خشّة (أنظر سيرته في غير مكان).

تلقّى حبيب دروسه الابتدائية والثانوية في مدرسة عينطورة اللبنانية. وفي السنة 1914 حاز، من الجامعة الاميركية في بيروت، على شهادة البكالوريوس في الآداب. ثم انتقل والعائلة الى مرسين، قبيل الحرب العالمية الأولى، حيث خدم والده الرعيّة الأرثوذكسية وكلّل حياته بالشهادة للمسيح.

إثر ذلك نزحت العائلة الى بور سعيد. وفيها تزوّج حبيب من وديعة توما، إحدى بنات العائلات السورية المهاجرة، سنة 1922 .

عمل حبيب في بور سعيد محاسبا ومترجما لحساب شركة “وورفر للنفط والتصدير”. كان ذلك بين العامين 1922 و 1924 . ومنها انتقل الى فرع الشركة في بيروت.

استمر حبيب موظفا حتى العام 1931 حين قدّم استقالته وفي نيّته أن يقتبل الكهنوت. يومذاك انتقل من بيروت الى دمشق. لكنه اصطدم بمعارضة زوجته له، فانتظر سنة كاملة حتى لان موقفها ثم سيم كاهنا سنة 1932 في الكاتدرائية المريمية.

خدم الخوري حبيب الرعية المريمية، في دمشق، حتى العام 1935 تنقل بعدها بين بور سعيد ودمشق والقاهرة الى العام 1943 حين استقرّ في العاصمة السورية بصورة نهائية.

اهتم الخوري حبيب بالآثار القديمة وانكبّ على دراستها، خصوصا ما تعلّق منها بالأديان. وكان قد شرع بوضع تأليف عنها.

وفي 16 تموز من العام 1948، اذ كان في خلوة في قرية عرنة (جبل الشيخ)، خرج باكرا الى موقع جميل قريب منها، متأملاً مطالعاً مصلياً، فالتقاه عدد من المهربّين فأمسكوه وعذّبوه، لكونه كاهناً، عذاباً مبرحاً ثم قتلوه.

أسرته2

أنجب الخوري حبيب خمسة أولاد: جوليت، مرسيل، فدوى، نقولا وسليم. سليم، الأصغر، ولد خلال السنة الأولى من كهنوت أبيه. وبعد ذلك بسنتين أو ثلاث رقد نقولا عن خمس سنوات. يومها كان الخوري حبيب في بور سعيد والعائلة في دمشق. فأول ما التقى زوجته بادرها بالقول: “الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركا”.

كانت وديعة، الزوجة، امرأة تقيّة فاضلة، كريمة النفس، محبّة للخير، قلّما تلقاها في أوقات فراغها جالسة الا والكتاب المقدّس أو كتاب الصلوات في يدها. وقد اختارها الخوري حبيب، أصلاً، بتبصّر، بعدما رأى فيها صدى للهف روح الرب فيه. كانت شريكة حياته وهمومه وحاملة أسراره. يطلعها على أحواله ومشكلاته ويستمزجها الرأي في صعوباته. حتى شؤون صلاته كان يكشف لها جوانب منها. ومع ذلك اعترضت عندما أبدى لديها رغبته في ان يصير كاهنا. السبب كان حرصها على الوضع المعيشي للاسرة، لا سيما وان حبيب كان ناجحاً في وظيفته، محبوباً، محترماً، وكهنة ذلك الزمان، بعامة، معوزون. لم يشأ حبيب ان يفرض رأيه فرضاً على زوجته لأنه كان رفيقاً بها خفراً في تعاطيه معها، فأسلمها الى ربه وانتظر. انتظر سنة كاملة رأت وديعة في نهايتها حلماً غيّرت، على أثره، رأيها. عاينت جندياً مقبلاً صوبها فارتعشت، نظر اليها ثم أشار الى حنفية يدفق منها الماء دفقا، فإلى حنفية ينقط الماء منها نقطا، وقال: عليك بعد اليوم ان تكتفي بالقليل! فلما استفاقت وجف قلبها وقالت: انما الجندي ملاك من عند الرب! مذ ذاك رضيت بأمر الله وسايرت زوجها واقتبلت، برضى وتسليم، ما يأتي عليها وعلى عائلتها.

كان الخوري حبيب سوياً في حياته البيتية. يوفّق بين التزاماته الأسرية والتزاماته الرعائية جيّداً. يومياته اتّسمت، عامة، بالترتيب. يؤاكل العائلة بانتظام الا متى قضت الضرورة، يجالسها كأي رب أسرة، يخرج بها متنزها ويمازح الجميع. لم يسع البتة الى فرض الأصوام والصلوات على أحد، لكنه كان يسأل مستفسراً.

أما وضع العائلة المعيشي، بعد سيامة حبيب كاهناً، فقد ضاق بعض الشيء، لا إهمالاً منه لمسؤولياته البيتية، بل لأن دخله كان متواضعاً، دون احتياجات العائلة بقليل. لهذا كان يوسف، أحد إخوته، يمد الأسرة ببعض المال بانتظام.

كهنوته

انتمى الخوري حبيب الى الكهنوت عن دعوة. كان يهمّه ان يسلك في خطى أبيه حتى الشهادة.

لا نعرف تفاصيل كثيرة عن خدمته كاهنا. لكننا نعرف انه أحبّ رعيّته وغار لها غيرة المسيح وكان عهده افتقادها بحرص وتواتر. وقد اشتهر فيها بأمور ثلاثة: صلاته ومواعظه وعنايته بالفقراء.

فأما صلاته فقد حفظ الناس انه كانت للخوري حبيب تجلّياته اثناء الخدمة الإلهية. من هذه التجليات ارتفاعه عن الأرض أحياناً. زوجته وديعة، بعد استشهاده، كشفت عن انه أخبرها بذلك مرارا.

أما عظاته فكانت مختصرة لكنها كانت تخرج من كل كيانه.

وأما عنايته بالفقراء فكانت كبيرة. الفقراء كانوا اصدقاءه بمعنى الكلمة، والميسورون من أحبة الرب، كانوا يعطونه ليعطي المحتاجين. كانوا واثقين ان معوناتهم تذهب الى حيث ينبغي. كل هذا أثار في وجه الخوري حبيب متاعب جمّة من الكهنة الذين حسدوه وحاولوا نثر الأشواك في طريقه. “الناس يدفعون له أكثر مما يدفعون لنا!”، فكان يجيب: “اذا كان الناس يعطونني فما ذنبي؟!”.

أحد المصريين، ممن عرفوه، أجاب مرة على سؤال في شأنه، وبصورة عفوية: “هذا مجنون، يوزّع كل فلوسه على الفقراء!”.

عائلته خبّرت ان امرأة محتاجة دقّت بابه، مرة، وطلبت طعاما لنفسها ولعائلتها، فاستدار بصورة تلقائية واتجه صوب المطبخ وتطلع فرأى وعاء فيه طبخة جاهزة من “المحشي الملفوف” فرفعه وخرج به ودفعه للمرأة.

أكثر أعمال المحبة عند الخوري حبيب كانت مستورة. هذا بديهي بالنسبة لرجل مثله. فقط بعض الأخبار عنه عرفت هنا وثمة. من هذه الأخبار قصّة الجبّة.

مفاد قصّة الجبّة ان يوسف، شقيق الخوري حبيب، أرسل اليه مرة جبّة جديدة فلبسها وذهب الى البطريركية. هناك التقاه غبطة البطريرك فسأله: “ما هذه الجبّة الأنيقة؟” فأجاب: “أخي يوسف بعثها لي من مصر”. “ماذا فعلت بجبّتك العتيقة؟” “تركتها في البيت”. “حسناً سوف أرسل اليك خوري حوران فأعطه ايّاها”. “كما تريد يا سيدنا”. فلما حضر اليه خوري حوران أعطاه الجبّة، ولكن لا جبّته العتيقة، بل الجديدة!

الى ذلك أشيع ان الخوري حبيب كان يستدين الكثير من المال مقابل سندات دفع لأجل قريب ليقوم بتجهيز ابنة ارثوذكسية أو مقطوعة من الأهل، لا سيما اذا حام حولها أحد المسلمين، ثم يقوم بزفّها الى شاب أرثوذكسي.

شهادات أخرى أفادت ان أفراد عائلته وجدوا، بعد استشهاده، دفتر حسابات يشير الى “ديون” على الخوري حبيب مع اسماء المدينين. فلما رغبوا في تسديد ما عليه تبيّن ان هذه المبالغ اعطيت للخوري حبيب لمساعدة الفقراء. بالنسبة اليه كانت ديونا!

صفاته وفضائله   

كان الخوري حبيب صافيا صادقا مستقيما مخلصا لله كل الاخلاص. لا يسيء الظن بصحبه. سمته الكبرى الشفافية الخالية من الشوائب والغموض. يقرأ الأشخاص وكأن كلا منهم كتاب مفتوح أمامه.

كانت عيناه غائرتين في وجه نحيل مشعّ. جسمه نحيل من عظم وجلد. روحه تحمل جسده، كعبء، في شوقه الى السماء. وهو دوماً في ذهول. المحبة والحنان مرسومان في وجهه وأنامله. واذا ما طاف على شعب الله ومساكين الأرض كانت في يده بركة وعلى لسانه تعزية وصلاته إيمان وخشوع.

جعلته الرقة أوهن من أن يرد سائلا يأتيه محتاجا. كان الرب يسوع ملء حياته وجنباته.

جاهد الجهاد المرّ ضد كل العيوب وأحبّ حياة النسّاك وأخبارهم، فجاءت شفافيته ثمرة الكّد في الروح القدس.

عاش مجروحا بحب الرب يسوع ومات كذلك.

قبل الاستشهاد

قبل ان يخرج الخوري حبيب في رحلته الى جبل الشيخ حيث استشهد حدث له أمر غير عادي أطلع زوجته عليه، وهي خبّرت فيما بعد. قال لها: اليوم اثناء صلاتي، أحسست بأني ارتفعت عن الأرض أكثر من المعتاد. فوجف قلب زوجته ورجته الا يذهب، لا سيما وانه كان من المفترض ان يترافق وآخرين فاعتذروا، فلم يرض. فسدّت الباب في وجهه فأخذ يضحك قائلا لها: ما بالك اليوم، على غير عادتك، تمنعينني من الذهاب، مع انها ليست المرة الأولى التي أخرج فيها الى جبل الشيخ؟ نصف ساعة حاولت خلالها صرفه عن الذهاب، على مرأى من بقية أفراد أسرته، فلم يشأ. فتركته لإلهامه. فخرج وكان استشهاده.

شهادته

طيلة حياته اشتهى الخوري حبيب أن يمجّد الله بميتة الشهادة، فأعطاه الله منية قلبه في 16 تموز من العام 1948 . يومها وقع بين أيدي مهرّبين انهالوا عليه ضربا أربع ساعات متواصلة لكونه كاهنا. لم يتركوا عظما من عظامه الا كسروه. ثم بعدما ارتووا من تعذيبهم له ألقوه من علو، في جبل الشيخ، فقضى شهيدا للمسيح.

ولدى القبض على الجناة3 ادعوا انهم ظنّوه جاسوسا يهوديا. لكن وقائع محاكمتهم دلّت على افترائهم وكذبهم. وقد حكم على أحدهم ويدعى أحمد علي حسن أبي الحسن بالإعدام شنقا ونفذ فيه الحكم فجر السبت في 25 أيلول 1948 .

ووري جسد الخوري حبيب التراب في مقبرة مار جرجس شرقي سور دمشق.

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ـــــــــــ

(1)      هذه السيرة أخذناها من ثلاثة مصادر:

أ-       جبّور، اسبيرو. “من تراثنا الخوري حبيب خشّة”. من المرأة في نظر الكنيسة. اللاذقية: 1994، ص 19 – 25 .

ب-      زيتون، جوزيف. “الخوري الشهيد حبيب خشّة”. مقال مخطوط كتبه أمين الوثائق البطريركية، ظهر، فيما بعد في النشرة البطريركية، عدد تموز 1994، ص 33 – 45، معدّلاً ومزيداً.

ج-      حديث الى فدوى اسعيد، ابنة الشهيد، بتاريخ 15/11/1994.

(2)      بعدما اطلعت فدوى اسعيد على ما كتبه الشماس اسبيرو جبّور وجوزيف زيتون بشأن الخوري حبيب اعترضت، وقد علمت بأننا في صدد ترجمة للخوري حبيب، على بعض المسائل التي ذكراها. قالت انها غير دقيقة أو غير صحيحة. من ذلك:

أ-       إعطاء الانطباع ان الخوري حبيب كان مهملا لمسؤولياته الأسرية. بل كان الشهيد سويا يهتم بعائلته كما يهتم برعيته والفقراء. يعطي كل مسؤولية من مسؤولياته حقها. كان مرتبا في هذا المجال، ويحسن تنظيم أموره.

ب-      إعطاء الانطباع عن زوجة الخوري حبيب وأسرته انها كانت تتذمر عليه في شأن اهتمامه المفرط بالفقراء حتى اتصلت سراً بأخيه يوسف في مصر فصار يمدّ العائلة ببعض المساعدة. هذا غير صحيح. زوجة الخوري حبيب كانت امرأة تقية، تفرح بعمل زوجها. ويوسف كان يرسل للعائلة عونا، لكن هذا لم يكن البتة نتيجة تفريط الخوري حبيب بخبز العائلة او تشكي الأسرة منه، عوزا.

ج-      بعض التفاصيل الواردة هنا وثمة على غير دقّة كمثل خبر الجبّة.

هذا وقد أخذنا نحن بملاحظات فدوى وأكملناها ببعض ما ورد في المصدرين الآنفين.

(3)      لقد قيل لنا ان نسخة من ملف محاكمة الجناة موجود في المكتبة البطريركية فلما استوضحنا تبيّن لنا ان الموجود ليس سوى أخبار عن المحاكمة وردت في بعض الصحف المحلية.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

المطوّب الذكر غريغوريوس الرابع بطريرك أنطاكية وسائر المشرق* (U 1928)

المطوّب الذكر غريغوريوس الرابع

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق*

(U 1928)

من هو؟

اسمه في الأساس كان غنطوس الحدّاد. وهو إبن جرجس بن غنطوس من عبيه، إحدى قرى الغرب (جبل لبنان)، وهند بنت عسّاف سليم من كفرشيما القريبة. ولد في الأوّل من تموز من سنة 1859م ونشأ في قرية أبيه، عبيه. وصف، فيما بعد، بأنه كان معتدل القامة، صبوح الوجه، أبيض البشرة، أشقر الشعر، بهي الطلعة، ناعم اليدين، جاحظ العينين، باسم الثغر، وديعا، طاهر القلب.

تعليمه

بدت على غنطوس، منذ الطفولية، علامات الذكاء إذ كان عريض الجبهة، حاد الذهن، سريع الفهم، فاهتمّ أبواه بإلحاقه بمدرسة عبيه الأميركية حيث أتمّ دروسه الإبتدائية (1872 م). ثم انتقل الى كلية الثلاثة الأقمار الأرثوذكسية في بيروت فأنهى فيها دروسه الثانوية. وإذ لاحظه السيد غفرائيل شاتيلا، مطران بيروت ولبنان (1870-1901)، ألحقه بمدرسته الإكليريكية المتاخمة لكاتدرائية القدّيس جاورجيوس.

سيامته وترقّيه

لبس غنطوس الاسكيم الرهباني ودعي “غريغوريوس” في 19 كانون الأول 1877 . تشمّس في 29 آب 1879 . كهن في 6 أيار 1890 . تسقّف على طرابلس في 10 أيار من السنة نفسها. وأخيرا تبطرك في 5 حزيران 1906 .

خدمته شمّاساً

بعد أن خدم غنطوس معلمه، السيّد غفرائيل، كاتباً أربع سنوات، منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره، سامه أسقفه شمّاساً وأوكل اليه مهمات كنسيّة عديدة، رغم حداثته. فاهتم بإنشاء جريدة “الهديّة” وأشرف على طبع كتاب “البوق الإنجيلي” و “الصلوات والمزامير” وعمل على نقل خطب ومقالات عديدة من اليونانية الى العربية قام بنشرها في جريدة “الهديّة”. كما أنشأ مكتبة في دار المطرانية حفظ فيها كتباً ومخطوطات قيّمة وناب عن البطريرك في جمعية القدّيس بولس الرسول. وقد ترقّت الجمعية، بهمتّه، وأخذ أعضاؤها يطوفون البلاد عاملين على نشر الثقافة الإيمانية بين الناس.

خدمته أسقفاً

اختير غريغوريوس أسقفاً على طرابلس وهو في الحادية والأربعين عقب وفاة المثلّث الرحمات، السيّد صفرونيوس (النجّار). وقد سار بالأبرشية الى ميناء التآخي والمصالحة بعدما طالت المنازعات فيها.

في هذه المرحلة، التي استمرت ست عشرة سنة من حياته، اهتمّ غريغوريوس، فيما اهتمّ، بتأسيس الأخويّة الأرثوذكسية الطرابلسية للعناية بالمحتاجين، وإنشاء مكتبة في دار المطرانية وتجديد مدرسة بكفتين، بعدما كانت متوقفة منذ بعض الوقت. كذلك تعهّد مدرسة البلمند الإكليريكية واستقدم لها مرتلين متفوّقين لتعليم الترتيل البيزنطي فيها، كما زوّدها بمكتبة ومدّ مكتبات أديار النورية وحماطورة وكفتون بالكتب والمخطوطات.

خدمته بطريركاً

خلف غريغوريوس المطوّب الذكر، البطريرك ملاتيوس الدوماني، إثر وفاته. كان له من العمر سبع وأربعون سنة. من أبرز ما جرى في أيامه عودة السلام الى مجاريه بين الكرسي الأنطاكي من جهة وكراسي القسطنطينية وأورشليم والإسكندرية من جهة أخرى. وكانت الأجواء قد اكفهرّت وانقطعت العلاقات بين الفريقين بعدما تمكّن المحلّيون من إيصال ملاتيوس الدوماني الى سدّة البطريركية سنة 1899 دون الذين كانوا يعيّنون عليها من الخارج، في اسطنبول أو أورشليم أو كليهما معا، منذ العام 1724 .

كبطريرك، عزّز غريغوريوس المدارس، لا سيما البلمند منها بعدما كان سلفه قد افتتحها في مطلع السنة 1900 . كما أنشأ مجلّة النعمة سنة 1909 . وسعى الى تحريك عجلة النهضة في سائر أرجاء الكرسي الأنطاكي وزار بقاعاً عديدة منها.

ترأس غريغوريوس سنة 1913 الاحتفالات الدينية المقامة في بطرسبرج بمناسبة مرور ثلاثمائة عام على تملّك أسرة رومانوف في روسيا. ولدى عودته استقدم بضعة عشر راهباً روسيا أوكل اليهم إدارة دير مار الياس شويا البطريركي. وقد أعجب نصارى المنطقة بورع هؤلاء الرهبان وزهدهم ووداعتهم ومحبتهم المسيحية الطاهرة ونشاطهم. لكنهم عادوا فتركوا لبنان سنة 1915 إثر الحرب العالمية الأولى.

أثناء هذه الحرب (1914 – 1918) تجلّت محبة البطريرك وأحشاء رأفاته على الفقراء والمرضى والمظلومين ففتح أبواب قلبه والبطريركية لكل محتاج الى أية ملّة انتمى، لا فرق، حتى دعي بـ “أب الفقير”. وله في هذا الشأن مآثر وأخبار وشهادات تناقلتها الألسن طويلاً وما زالت الى اليوم.

وفي ربيع سنة 1920 ، إثر مؤتمر دمشق الذي نادى باستقلال سورية الطبيعية وبايع الوجهاء والأعيان فيه فيصلاً ملكاً عليها، كان البطريرك في طليعة المبايعين. ولما رجحت كفّة الفرنسيين واضطر فيصل الى أن يبرح دمشق في تموز من العام نفسه كان غريغوريوس الوحيد الذي خرج لوداعه حفظاً للعهد وثباتاً على العقد. قال له: “إن هذه اليد التي بايعتك ستبقى على العهد الى الأبد”. فما كان من الملك فيصل سوى أن قبّلها باكياً.

صلاته وصومه ومحبته

اذا كانت الصلاة سر المؤمن ومرآته فإن البطريرك غريغوريوس الرابع، كما بدا لأهل زمانه، كان رجل صلاة ممتازاً. لا أخبار كثيرة أو مفصّلة عندنا في هذا الشأن بل عيّنات. فقد ذكر عنه أنه أثناء الحرب العالمية الأولى، في مساء أحد مرفع الجبن، التقى نساء مسلمات يشكين الجوع قائلات: “نريد خبزاً يا أبا المساكين. نريد خبزاً لأطفالنا الجائعين!” فعاد أدراجه الى الدار البطريركية وأمر بأن توزّع عليهن المؤن من البطريركية ثم أقفل على نفسه راكعاً يصلي بين الساعة الرابعة من بعد الظهر والحادية عشر ليلاً. ولما جاءه طبّاخ البطريركية عارضاً إعداد بيضتين مقليتين بالسمن مع رغيف وقطعة حلوى، أجاب “لا يليق بي أن آكل وغيري يتضوّر جوعاً!”. ثم أمر بأن يعطى طعامه لأول فقير يمرّ بالبطريركية في الغد.

تأخّر البطريرك يوماً عن وجبة الطعام فحفظ له الطبّاخ حصّة مميّزة. فلما حضر ولاحظ أن ما أفرز له كان أشهى مما قدّم لسواه بادر بالقول: “أعطوني مما قدّمتم لإخوتي!”.

لما حان وقت الطعام مرة، وكان الزمن صياماً، أحضر له الطاهي إفطاره. في هذه الأثناء كان أولاد يضجّون في ساحة البطريركية فسأل عما بهم فقيل له إنهم فقراء جائعون فاستدعاهم وأعطاهم طعامه.

وقد قيل عن البطريرك غريغوريوس إنه كان يصلّي من دون ملل ويصوم من دون تذمّر. وإذ اعتلّت صحته في كبره أصرّ على ملازمة تقشفاته حتى الأخير.

هذا وكثيراً ما كان البطريرك يطوف على أفراد حاشيته سائلاً منهم الصفح عما بدر منه حتى لا يدع الشمس تغيب على غضبه.

وكان يوقظ النائمين في البطريركية ليقيم وإيّاهم صلاة السحر باكراً.

من جهة أخرى، كان البطريرك غريغوريوس يشمل كهنته، لا سيما الفقراء منهم، بعطف أبوي كبير. وإذ كان المعوزون بينهم يأتون اليه بجبب رثّة كان يعطيهم من أجود ما عنده ويبقي لنفسه الممزّقة يرقّعها بنفسه ويسكف نعله بيديه. وقد اضطرت حاشية البطريرك، تدبيراً، الى إخفاء بعض ملابسه الكهنوتية عنه حتى لا يهبها للمحتاجين، هي أيضا.

هذا وقد فتح غريغوريوس أبواب البطريركية أمام الجميع، أيّام الحرب الأولى، دونما تمييز. ويقال انه استدان أموالاً طائلة لإطعام الجائعين. من أخباره في هذا الشأن أنه كان له صليب ماسي أهداه إيّاه قيصر روسيا، نقولا الثاني. هذا رهنه البطريرك لدى صائغ يهودي دمشقي بألف ليرة عثمانية. فلاحظه أحد أغنياء المسلمين وفك رهنه وأعاده الى البطريرك. فأخذه البطريرك وباعه من جديد دون أن يدري به أحد وحفظ مثيلاً له من زجاج. هذا لم يعرف به أهل الدار البطريركية الا بعد موته.

وقد كان البطريرك يطوف مع شمّاسه وقوّاسه يجمع المطروحين في الأزقة الى الدار البطريركية والمدرسة التي تقابلها ويعنى بإعالتهم. وكثيراً ما كان يطعمهم بيده.

وقد قيل انه لما تفشّى وباء الكوليرا وغريغوريوس مطران على طرابلس، لم يهرب من المدينة بل شرع يزور المرضى ويعزّي المنكوبين ويعطف على الفقراء. ولمّا ألحّ عليه أصدقاؤه بالمغادرة أجاب: “ليست حياتي أفضل من الذين لا يستطيعون الفرار من الوباء!”.

بلغه يوما نفاذ الدقيق من البطريركية الا كيساً عزم الخدّام على خبزه وتوزيعه على الأرثوذكسيين دون غيرهم. فجمعهم وأخذ رغيفاً بيديه وقلّبه ثم نظر اليهم قائلاً: “لم أجد كتابة ما على الرغيف تقول إنه للروم دون سواهم!” وللحال أمرهم بتوزيع الخبز على الفقراء كافة دونما تفرقة.

سأل متسوّل البطريرك يوماً حسنة فقال له أحد الإكليريكيين المرافقين له: ما طائفتك؟ فانتهره البطريرك قائلاً: هل تمنع عنه الصدقة اذا كان من طائفة غير طائفتك؟ ألا يكفيه ذلاً انه مدّ يده ليستعطي لتذله بسؤالك عن عقيدته؟! ولما قال هذا أخرج نقوداً من جيبه وأعطاه إيّاها فانصرف مسروراً مجبور الخاطر.

كان البطريرك مرة في زحلة. فبعد القدّاس الإلهي تقدّم منه رجل درزي وطلب إحساناً فلم يجد البطريرك ما يعطيه فاعتذر منه وصرفه. وما كاد الرجل يبتعد قليلا حتى دفع صاحب المنزل الذي استضاف البطريرك اليه بخمس ليرات ذهبية، فنادى غريغوريوس الرجل الدرزي وأعطاه مما منّ به الرب عليه قائلاً: لقد بعث الله لنا ولك!

من جهة أخرى، عرض مرة، على ما روى الشمّاس ثيوذوسيوس مطلق، انه أثناء القداس الإلهي والبطريرك جالس في كرسيّه، خرج الشمّاس بالإنجيل ولم تكن أمامه شمعة لأنه لم يكن هناك من يحملها. فما كان من البطريرك سوى أن نزل عن كرسيه وأخذ شمعة وسار بها أمام الشمّاس وهو يحمل الإنجيل.

رقاده

لفظ البطريرك غريغوريوس الرابع أنفاسه الأخيرة في سوق الغرب عند الساعة الخامسة من صباح يوم الأربعاء 12 كانون الأول 1928 . كانت صحته قد أخذت في التدهور قبل ذلك بثلاثة أيام فيما كان المجمع المقدّس على وشك اختتام إحدى دوراته. وقد قيل إن كلماته الأخيرة كانت “لقد صبرت حتى النهاية!”.

نقل جسده عبر بيروت الى دمشق فاستقبله خمسون ألف مسلم دمشقي غير المسيحيين وأطلقت المدفعية مئة طلقة وطلقة فيما كانت الجماهير تصرخ: “مات أبو الفقير، بطريرك النصارى وإمام المسلمين. نزلت بالعرب الكارثة العظمى!”.

وقد شارك الملك فيصل الأول من العراق بمئة فارس استقبلوا نعشه. كما شارك في الجنازة عدد كبير من شيوخ المسلمين.

مفتي البقاع، محمد أمين قزعون، قال على تابوته: “لو أجاز لنا ديننا الإعتراف بنبي بعد محمد لقلت أنت هو!”. وقد قيل إن المسلمين أرادوا الصلاة عليه في الجامع الأموي الكبير.

أحد التجّار المسلمين الدمشقيين كان يرشّ الملبّس ويصيح بأعلى صوته: “هذا القدّيس أعالني أنا وأسرتي طيلة الحرب”.

وقد ووري جسد البطريرك في مدافن البطاركة أمام الكاتدرائية المريمية.

ــــــــــــــــــــ

الحاشية

ـــــــــــ

(*)      هذه السيرة استمددنا عناصرها من المراجع التالية:

أ-       رستم، أسد. كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى الجزء الثالث. ص 326 – 380 .

ب-      المثلث الرحمات غريغوريوس بطريرك أنطاكية وسائر المشرق. جمع وتنسيق المبتدىء سمير فياض. اللاذقية

ج-      المثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس الرابع (حداد). مقال غير منشور أعدّه جوزيف زيتون أمين الوثائق البطريركية.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

الشهيد جبرائيل (جبرا) نصير1 U 1918 م

الشهيد جبرائيل (جبرا) نصير1

U 1918 م

هو من بلدة “الحفّة”، مركز قضاء “الحفّة” في محافظة اللاذقية السورية. ذهب، مرة، واثنين من رفاقه في تجارة باتجاه “جسر الشاغور”2.كان رفيقاه مسيحيين. وقد صحبهم سائس مسلم. فتصدى لهم في الطريق رجال مسلّحون وصرخوا في وجوههم: “أسلموا تسلَموا!”3. فاللذان كانا معه شهرا إسلامهما للحال، وكان منهما واحد من قرية “شتيغو” التي تبعد حوالي خمسة كيلومترات عن الحفّة، ولعله من آل بدر أو القدسية. وأما جبرائيل المعروف بـ “جبرا” فأبى أن يشهر إسلامه وتمسّك بإيمانه المسيحي. فهدّده المسلّحون فلم يأبه لهم. فانهالوا عليه ضرباً بأعقاب البنادق فلم يستسلم. عبارة واحدة بقي يتفوّه بها: “أنا مسيحي!”. فازداد ضاربوه حنقاً وعنفاً عليه حتى اسودّ بدنه كله وسال دمه. ولما لم يعد يقوى على التفوه بكلمة واحدة جعل سبّابة يده اليمنى فوق سبّابة يده اليسرى بشكل صليب ورفعهما الى فمه وقبلّهما. وإذ استمرّ جلاّدوه يضربونه بلا هوادة خارت قواه وسقط مغمى عليه. فظنّوه قد مات، فتركوه وانصرفوا.

ثم ان السائس الذي عاين ما حدث وسمع ما قيل، وكان صالحاً أميناً، فقد عاد الى “الحفّة” وخبّر. فخرج نسيم حنا الياس، ابن أخت الشهيد، الى بعض أصحابه المسلمين مستجيراً فأجاروه ورافقوه الى حيث وقعت الحادثة. فلما بلغوا الموضع أخذوا الشهيد على بغل فربطوه وعادوا الى البلدة. وإذ وصلوا به الى هناك استعاد وعيه لكنه لم يستطع ان يكلّم أحداً بكلمة. فقط أشار الى أقربائه بما فهموا منه انه يريد ان يتناول جسد الرب ودمه. فجيء بالقدسات للحال وناوله الكاهن اياها بعدما جعلته أخته المدعوّة أفروسيني نصير الياس على صدرها. فلما أخذ القدسات تمّت شهادته وأسلم الروح.

هذا وقد دفن الشهيد عند مدخل كنيسة البلدة4 المسمّاة على اسم القدّيس، رئيس الملائكة، ميخائيل. صلاته تنفعنا، آمين.

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ـــــــــــ

(1)      أفضت لنا بهذه المعلومات الأم أنطونينا، رئيسة دير سيدة كفتون التابع لأبرشية جبل لبنان، وهي ابنة نسيم حنا الياس الذي اهتمّ بإعادة الشهيد الى البلدة. وتقول الأم أنطونينا ان هذه هي القصّة التي سمعتها منذ الطفولية وما زال العديدون في بلدة الحفّة يردّدونها الى اليوم. على ان تقصياً للمعلومات بين من حفظوا الخبر، لا سيما المسنّين منهم، ربما ساعد في الكشف عن المزيد المفيد منها، كالتاريخ المحدّد الذي قضى فيه الشهيد مثلاً.

(2)      ناحية جسر الشاغور كانت، قديماً، احدى أبرشيات سورية الثانية وكانت تعرف باسم  Seleucobelos. أقدم أساقفتها المذكورين في كتب التاريخ  Aristonicus الذي اشترك في مجمع انطاكية (363م) ومرقيانوس الذي اشترك في مجمع القسطنطينية (المجمع المسكوني الثاني 381م). ومن أساقفتها، أيضاً، كيرياكوس الذي عاش في أيام الامبراطور يوستنيانوس (القرن 6)، والذي اشترك في رفع عريضة ضد ساويروس الانطاكي، جنباً الى جنب مع بولس افاميا وسويريانوس عرطوز واستفانوس شيزر (Larissa) وسرجيوس حماه وسواهم (أنظر Devresse, R.  في Le Patriarchat d’Antioche p. 74, 183).

(3)      هذا التعبير قد وجدناه شائعاً بين الناس وكأن حوادث عديدة ردّدت الذاكرة الشعبية صداها كانت تقع، هنا وثمة، بيد جماعات ظنّت ان في تصرفها غيرة على الإسلام أو استغلته لمآرب شخصية.

(4)      من المؤسف ان أبناء البلدة جهلوا في الماضي قيمة رفات الشهيد. فلما أرادوا توسيع الكنيسة قاموا بجرف الرفات مع الاتربة من أمام الكنيسة دونما تمييز، وألقوا بها بعيداً. ترى إذا استطلع المرء الأمر أيكون بإمكانه ان يتعرف الى ما ينفعه في هذا الشأن؟ لسنا نعلم! نعلم فقط ان هذه عينة من الجهل والإهمال واللامبالاة التي خلفتها قرون من القهر والتغريب. أترانا ندوس رفات القدّيسين، أحيانا، ولا نعلم؟ ليس هذا ببعيد ولا بمستغرب! فإنه ينسب الى الأب القدّيس بائيسيوس الآثوسي (U 12 تموز 1994) انه فيما كان في رحلة بالطائرة، مرة، ارتجّت نفسه فجأة فسأل: أين نحن؟ فقيل له: فوق البلاد السورية. فأجاب: هذه أرض ملأى برفات القدّيسين!.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

الشهيد في الكهنة نقولا خشّه1 2 آب 1917

الشهيد في الكهنة نقولا خشّه1

2 آب 1917

ولد نقولا خشّه في مدينة دمشق في 31 آب سنة 1856م من أبوين تقيين هما يوسف خشّه ومريم مقبعة.

تلقّى العلم في المدرسة الآسية البطريركية.

انضم الى الجمعية الأرثوذكسية الوطنية الساعية الى تعريب الكرسي الأنطاكي فكان أحد أبرز العاملين فيها. وقد عانى، من جرّاء ذلك، السجن والمضايقة والملاحقة.

تعاطى تجارة الحرير. ولما عطلت مطاردة البوليس له، في دمشق، عمله انتقل الى مصر ولازمها ثمانية أشهر.

إثر انتخاب السيد ملاتيوس الدوماني بطريركاً سنة 1899م اتجهت أنظار رعية دمشق صوب نقولا خشّه فسيم شماساً لها في 25 آذار سنة 1900 وكاهناً، بعد ما يزيد قليلاً على الشهرين، في 3 حزيران.

نطاق خدمته

خدم الخوري نقولا رعية دمشق “بكل ما أوتي من همّة وحكمة واختبار”2.

أدار جمعية القدّيس يوحنا الدمشقي مدة طويلة واهتم بمدرستها الليلية والنهارية في القصّاع وكذلك بغرف المطالعة التابعة لها. يذكر أنه كانت للجمعية يومذاك مكتبة خاصة تذخر بالمخطوطات القيّمة والمطبوعات الفريدة في شتى اللغات3.

جعله البطريرك ملاتيوس ملاحقاً لأعمال البطريركية في الدوائر الرسمية، ووكيلاً عنه خلال زيارته التفقدية لبعض نواحي وأبرشيات الكرسي الأنطاكي كزحلة وبيروت وجبل لبنان واللاذقية وأنطاكية والاسكندرونة.

تولّى وكالة دير صيدنايا البطريركي مدة من الزمن وتعب في ضبط حساباته وتحسين أوقافه.

اعتاد البطريرك ملاتيوس إيفاده لمعالجة إشكالات وأزمات رعائية مختلفة كانت تطرأ، بين الحين والآخر، في بقاع شتى من أرجاء الكرسي الأنطاكي كحلب وحاصبيا ودير عطية ويبرود. الخوري نقولا، في هذا الإطار، كان “محبوباً جداً، حائزاً على اعتبار عظيم وفضّاضاً للمشاكل”2.

سنة 1908، أوفده البطريرك غريغوريوس الرابع وكيلاً بطريركياً عنه في أبرشية كيليكيا بعد استعفاء المثلث الرحمات السيد الكسندروس طحّان.

كان للخوري نقولا في مرسين دور بارز في تهدئة الخواطر والدفاع عن مصالح بعض الطوائف المسيحية، غير الأرثوذكسية، إثر المذابح التي وقعت في الولاية.

سعى الخوري نقولا، في مرسين، لإصلاح الأوقاف وكنيسة رؤساء الملائكة. كما أعاد فتح مدرستين فيها، احداها للصبيان والأخرى للبنات. اهتمّ بإنشاء جمعية لمساعدة الفقراء وأخرى للعناية بمدرسة البنات. كما عزّز المجلس الملّي. وكانت له حظوة لدى متصرف مرسين لاستقامته وغيرته ودماثته.

ولما وقعت الحرب العالمية الأولى كان له دوره في احتضان العائلات المحتاجة والتوسط لأجل المظلومين وتسهيل أمور الرعية لدى السلطات الرسمية.

مناقبه وفضائله

هكذا وصفه ولده، الشهيد في الكهنة حبيب4. قال: “كان رحمه الله كريم الأخلاق مضيافاً بشوشاً ذا إرادة حديدية وحكمة وثبات وانعطاف على المظلوم. من فطرته تضحية كل ما كان بإمكانه لمساعدة الضعيف من أي مذهب وجنس. ولا ينسى لطفه وعنايته وجهاء بيروت والشام الذين كانوا مدة الحرب منفيين في مرسين. وكان لا يهاب ملامة ولا يهمه حظوة في سبيل الحق. واكليروس الكرسي الأنطاكي كلهم يعرفونه حق المعرفة وكانوا يحترمون آراءه ونفوذه وإخلاصه ويقدّرون خدماته. غيوراً على الدين والعلم، كثير المطالعة، كثير الاختلاط بجميع طبقات الناس. ينال مراده بأحسن أسلوب. يصلح بين فريقين وينال محبة كليهما. يعرف كيف يتصرّف مع كل إنسان حسب مداركه ومقامه. وكان ذا نفوذ ومنزلة كبرى عند أولي الأمر وأصحاب الجاه والمراكز الرفيعة، يعرف كيف يعاملهم وينجز الأشغال المتعلقة بهم. وبالإجمال كان رجلاً اجتماعياً وخادماً للشعب بكل معنى الكلمة” (حبيب خشّه، ذكرى شهيد، 1920، ص7).

وكان الخوري نقولا الى ذلك، خطيباً جريئاً وواعظاً مفوّهاً. وقد بقيت رعية دمشق تذكر مواعظه المرتجلة في الكنيسة المريمية، بعد استشهاده بزمان. قال عنه السيّد أثناسيوس عطا الله، مطران حمص وتوابعها بعد استشهاده: ” أذكر طلاقة لسانه واسترساله في الوعظ والتفسير مما يذكرنا بالذهبي الفم”5.

استشهاده

جاء في خبر استشهاد الخوري نقولا أن رجلاً من أهل مرسين اسمه جرجي، من أبناء الرعية الأرثوذكسية فيها، اضطرته الفاقة والعوز الى الانتقال الى جزيرة قبرص. وهناك اتصل بالقنصل الإنكليزي في مرسين، المدعو الخواجا أبيلا، فكلّفه هذا الأخير بنقل رسائل الى عدد من الأشخاص المعروفين في مرسين لقاء مبلغ من المال. حمل جرجي الرسائل وعاد بها الى بلده. ولكن قبل أن يعمل على توزيعها على أصحابها خطر بباله أن يستشير الخوري نقولا، فلما عرض عليه الأمر وبّخه ومنعه من تنفيذ مهمّته، ثم أخذ الرسائل منه وأتلفها وكتم خبرها. لكن جرجي ما لبث، حباً بالمال، أن تحرّك باتجاه قبرص من جديد فألقى الأتراك القبض عليه. ولما أخضعه القومندان بهاء الدين، المشهور بعدائه للمسيحيين، للتعذيب اعترف أنه اتصل بالخوري نقولا. فجيء بالخوري وبعدد من وجهاء الطائفة وسلّموا للتحقيق. غرض بهاء الدين، منذ البداية، كان انتزاع اعتراف المقبوض عليهم باعتبارهم متّهمين بالعمالة لا فرق أأبرياء كانوا أم مذنبين. يقول أحد الرواة أن القومندان كان يصدر الى هيئة التحقيق “الأمر تلو الأمر بأن تنزل في المتهمين أفظع ما يمكن أن يخترعه العقل البشري من وسائل التعذيب ليجيء قرارهم على ما يوافق رغبته الخبيثة من وقوع التهمة على الأبرياء بجرم خيانة الوطن والتمتّع بلذّة الانتقام”6. وبعد أن ضاقت بأكثر المتهمين فسحة تحمّل فنون التعذيب وقّعوا مرغمين على اعتراف بالعمالة والخيانة. أما الخوري نقولا فلم يثنه عن عزمه لا جوع ولا ألم ولم يبال بالسياط ولا بقلع الأظافر وتكسير الأضلاع. احتمل بمنتهى الجلد فظاظة حارس ضخم قضى الليل بطوله يرتمي بجثته الضخمة على الصدر النحيف للخوري نقولا. لم ينبس ببنت شفة ولا ذكر أياً من أسماء الذين كانت الرسائل موجّهة اليهم لئلا يعرّض أحداً منهم للأذى. عزاؤه في عذابه كان بتلاوة فصول من الكتاب المقدّس. ولم يزل الجلاّدون يشبعون الخوري نقولا ضرباً وتهشيماً حتى حطّموا جمجمته فقضى نحبه شهيداً للمسيح، غيوراً على ما لله وما لشعب الله. كان ذلك في الثاني من شهر آب من السنة الميلادية 1917.

شهادات أهل زمانه فيه7

*          في رسالة للبطريرك غريغوريوس الرابع وجّهها، في 17 تشرين الثاني سنة 1918، الى عائلة الشهيد في مصر، جاء ما يلي: “تمسّك بالأمانة واستودع نفسه بيد خالقه متيقناً أنه ينال إكليل الحياة في مجد القدّيسين الأبدي” (ص14).

*          وقال عنه السيّد أثناسيوس عطا الله، مطران حمص وتوابعها: “لا تمر في مخيّلتي صورة الشهيد في الكهنة المثلث الرحمات الخوري نقولا خشّه حتى أذكر لأول وهلة وقفة العبد الصالح الأمين الذي أحسن الجهاد في مدة تجنّده وهو ينتظر كلمة مولاه الأخيرة… هنالك في تلك الساعة الرهيبة… تبرز تلك الكلمة العذبة… معلنة أن العدل الإلهي قد قدر له خدماته حق قدرها وهو يكافئه عما فعل…” (ص14).

*          وقال عنه السيد جراسيموس مسرّة، مطران بيروت وتوابعها: “… عرفناه عامياً فإكليريكياً وكان في كلتا الحالتين مثال البر والصلاح وقدوة في السيرة الفاضلة ونموذجاً في الأعمال الحسنة وأباً حقيقيا لأولاده الروحيين… قضى نحبه تحت أشد الظلم… فكان موته موت استشهاد يذكره أبناء الكنيسة بالمديح ويكتبه له الباري في صحيفة الأبناء المخلصين في سفر الحياة…” (ص16).

*          وقال عنه السيد الكسندروس طحّان، مطران طرابلس وتوابعها: “…في عصر تهافت فيه الناس على اختراع أساليب الحيلة للنجاة من الموت… نرى صورة مخشعة تتجلى فيها أمامنا نفس الخوري نقولا خشّه تجود بجسدها الخائر القوى من تعذيب المعذّبين وقلة القوت لتخلص آخرين. هذه صورة… لامعة للصورة العظيمة التي رآها العالم يوماً ما في الجلجلة يوم صلب فادي العالم لخلاص البشر… سأذكر اسمك مثالاً للرعاة الأمناء على رعيّتهم وأورد ذكرك وعملك كلما ذكرت خدمتك في مرسين البلد الذي خدمت نفوس رعيتك فيه خدمة الأمين ومتّ من أجلهم موت الأبطال لتخلص الغير” (ص 16 – 17).

*          وقد رثاه السيد ايليا ديب مطران صور وصيدا وتوابعهما بقصيدة طويلة هذا بعض أبياتها (ص 21 – 22):

سديد الرأي مقداماً جريئاً
شديد الحزم بين العاملينا

رشيداً في مناحيه مفيداً
مجيداً في مآتيه رصينا

فكم جبرت عنايته كسيراً
وكم عزّت مواعظه حزينا

وكم آوت بشاشته غريباً
وكم شملت رعايته سجينا

وكم أحيا ليالي ساهرات
ليجلي عن ذوي البؤس الشجونا

ولست مبالغاً في وصف خلّ
أقرت بأنس طلعته العيونا

بأبناء الكنيسة هام حباً
لذا في عشقه هام البنونا

فأعلاه الفضا منه سناما
وأركبه الهوا منه متونا

وتوّجه العلي بتاج فخر
وكلّل بالسنا منه الجبينا

وألبسه فضائله رداء
منيراً أسوة بالنيّرينا

وها هو يسمع التبريك منهم
وينشد مع صفوف المنشدينا

*          وقال عنه السيد روفائيل نمر، مطران حلب واسكندرونة وتوابعهما: “… كان ممن تاجروا بوزناتهم فربحت أضعافاً… مات شهيداً بيد الجور والظلم يكلله الوفاء… فذكّرتنا أعماله… بجهاد الشهداء والأبرار…” (ص23).

*          ومن قصيدة رثاه بها الخوري برناردس نحاس مدبّر الرهبنة الباسيلية الحلبية (الملكية الكاثوليكية) نقتطف الأبيات التالية (ص 24 – 25):

اذا قدّر الرحمن موت امرىء فما
لنا غير إذعان لرب البريّة

ولكن من لم يجن يوماً جناية
فكيف به إن مات أصعب ميتة

كمن قد مضى والنور كلّل رأسه
وسار به جند العلاء بغبطة

هو الأب نيقولا الذي عمّ ما جرى
به من ضروب الجور كل البسيطة

لقد عاش وألا للعفاة وقد قضى
شهيداً حميد الذكر سامي الفضيلة

سقى الله أرضاً حل فيها رفاته
سحاب الرضا والعفو عن كل هفوة

*          وكتبت عنه السيدة روزا توفيق اسكندر من هليوبوليس في مصر تقول: “…طوباكم يا أبانا الحنون لصبركم على ما قاسيتموه. طوبى لغيرتكم وحكمتكم وتفانيكم… طوبى لرأفتكم بالقاصر والفقير… ان ذكركم الكريم… في سبيل مساعدة الضعيف لا تمحوه الأيّام من قلب كل من عرفكم” (ص26).

*          وكتب فيه من القاهرة سيرافيم أفندي كسّاب الذي عرفه قبل استشهاده بسنوات في دمشق، فقال: “… عرفته نقيّاً تقيّاً غير متعصب ورعاً عاملاً مخلصاً سباقاً الى المكرمات واعظاً مؤثراً وخطيباً متدفّق اللسان عذب المنطق ظريف العشرة بشوش الوجه ولكنه عصبي المزاج… فكان يقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت غير هيّاب ولا وجل… أما حياته البيتية فكانت مثالاً يحتذى… فهل… توحي الى نفوسنا… وضع مثالك أمام عيوننا حتى نقوى على اجتياز هذه المخاضة الملأى بالأخطار؟!… ولربما كلامك غير الملفوظ بكلمات يسمع أوقع في النفوس من كلامك المسموع!…” (ص 29 – 30).

*        ورثاه عيسى اسكندر المعلوف بأبيات منها (ص 30 – 31):

“يعز عليّ أن تقضي شهيداً
وفي مرسين عن وطن بعيدا

وأن يجنى عليك بغير ذنب
وقد أحموا لمقتلك الحديدا

فذقت الموت ألواناً بصبر
عجيب قد أراك الموت عيدا

نظيرك معشر الأبرار كانوا
وقد سفكوا دماءهم صديدا

فنلت منالهم إكليل مجد
وكنت بجنّة الأخرى سعيدا “

كما رثاه نجيب اللاذقاني من بيروت بأبيات منها (ص32):

” أبعدوا الخوري نقولا عنوة
وجنود خانة تتبعه

ضربوه بعصي بعد أن
أثخنوه ووهت أضلعه

قتلوه صابراً مستسلماً
للردى والموت لا يفزعه

وأذاعوا أنه قد مات من
علّة قلبية توجعه

أيها الكاهن طوباك فقد
نلت إكليلا سما موضعه “

*          وتحدثت جريدة الحوادث بطرابلس الشام (عدد 343، تاريخ 22 تموز سنة 1919) عن الخوري الشهيد نقولا خشّه فاعتبرته “ذلك الذبيح الذي آثر الموت على خرق حرمة الواجب… في سبيل افتداء المئات من أبنائه”. ولاحظت أن “أعظم دليل على فضل هذا الكاهن الشهيد إجماع الكل على محبته وتقدير فضله”. ثم خاطبته بقولها: “لقد عشت عيشة العاملين الأبرار ومتّ ميتة الشهداء الأخيار فذكر هذه الشهادة لا يمحوه كرور الأدهار” (ص 33 – 34).

*          وفي رسالة كتبها المعلم حنا ياسمين في مرسين جاء ما يلي: “… رأيته وكنت بمعيّته أيام حصول المذبحة بولاية اطنه فكان يطوف ليل نهار في شوارع مرسين مسكّناً قلق الأهالي. ولقد دعاني أن أطوف معه أكثر من مرة في الليل لهذا الغرض… كان يحسن لكل إنسان لا فرق عنده من أي ملّة كان… كان ليّن الجانب… يقابل الكبير والصغير بالإحترام وبتواضع… كان كل من رآه يحبّه… وكثيراً ما كنت أصحبه لقضاء بعض الأشغال فأعجز من كثرة وقوفه بالطريق مع من يصادفهم من الأهالي… كان إنساناً بكل معنى الكلمة…” (ص 36 – 37).

*          وكتبت “فتاة مرسين” التي كانت تلميذة في المدرسة التي انشأها الخوري نقولا هناك، أقول كتبت مقالاً بعنوان “مات من ذكره لن يموت”، جاء فيه: “مات كما لا يموت سواه… وهو يتمّم الصلاة من أجل خلاص شعبه والوطن… قدّم روحه فداء عن الغير… كان لمرسين راعياً أميناً… أتى مرسين رجل الله الحقيقي… كنت أجده وراء مكتبه يكتب حتى الغروب واصلاً ليله مع نهاره حارقاً نفسه كالشمعة كي يضيء طريق الظلمة… له همّة لا تعرف الملل وحكمة نادرة… أب حنون للفقير وأخ مخلص للغني… يرشده ويذكّره دوماً بأخيه البائس المسكين… هو رب الخطابة وأمير من أمراء المنابر… أب مجاهد يعزّ وجود من يماثله… أما ذكرك فسيبقى خالداً على مدى الأيّام” (ص 38-40).

*          وظهر في “مرآة الغرب” بنيويورك، (عدد الأربعاء في 8 كانون الثاني سنة 1919) مقال كتبته إحدى خريجات المدرسة في مرسين. مما جاء فيه انه “أب ساهر على خير رعيته سهر الأم على طفلها. وهو المحامي عن الطائفة كلها والشبان خصوصاً من اعتداء الحكومة. فكم وكم من مرة حماهم في منزله متحملاً المسؤولية وذهب يدافع عنهم دفاع الأسد في دار حكومة الظلم مخاطراً بنفسه فلا يعود الا وإكليل النصر معقود فوق رأسه بفضل جرأته الأدبية وبراعته المشهورة وحماية روسيا… اني أشعر بعجزي وقصوري عن تدوين مآثره الغرّاء لكن صوت ضميري أبى أن يسكت عن مصدر الفضل…” (ص 42 – 44).

*          وفي قداس لراحة نفسه أقيم له في الكاتدرائية السورية الأرثوذكسية في بروكلين ترأسه الأسقف أفتيميوس وإكليروسه، أبّنه المتقدم في الكهنة باسيليوس خرباوي فوصف ما لاقاه رجال الكنيسة المسيحية من قديم الزمن من الاضطهادات وقال ان قتل الخوري نقولا ليس الا من تلك الاضطهادات فلذلك هو أحد الشهداء الذين تقوم على ثباتهم في الإيمان والوطنية أسس المبادىء. وقد وزع رسم الشهيد على المصلّين لدى خروجهم من الكنيسة (نقلاً عن جريدة السائح بنيويورك عدد 27ك2 سنة 1919). (ذكرى شهيد. ص 45).

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ــــــــــ

(1)      ان المعلومات التي أوردناها في هذه السيرة استعرناها، بصورة أساسية، من كتيّب للخوري الشهيد حبيب خشّه، ابن الخوري نقولا، وضعه وطبعه في مطبعة الهلال بمصر سنة 1920. وقد جمع الخوري حبيب، في هذا الكتيّب، ما تمكّن من جمعه، آنذاك، من رسائل ومقالات وأخبار، في الوطن والمهجر، تناولت استشهاد أبيه. دونك عنوان الكتيّب: ذكرى شهيد ” مراثي قيلت في شهيد الكنيسة والوطن المثلّث الرحمات الخوري نقولا خشّه الدمشقي”. مصر: مطبعة الهلال، 1920 .

الى هذا استعنّا بورقة مخطوطة وضعها جوزيف زيتون، أمين الوثائق البطريركية بدمشق في 14/12/1992، واعتمد فيها على عدد من مصادر البحث نجد من المفيد ذكرها للقرّاء:

أ –      الوثائق البطريركية (أبرشية دمشق، مرسين)

ب-      السجلاّت البطريركية. مسوّدة سجل القومسيون 1892 – 1894

ج-      حبيب خشّه، شهيد الكنيسة والوطنية

د-       روايات شفهية

هـ-     مشاهدات من رحلة غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع الى أنطاكية والاسكندرونة وكيليكيا (زيارة مرسين) 1992 .

عنوان ورقة جوزيف زيتون هو التالي:

زيتون جوزيف، شهيد الكنيسة والوطنية: الخوري الشهيد نقولا خشّه. مقال مخطوط.

يذكر ان مقالاً بعنوان “الخوري الشهيد نقولا خشة الدمشقي وابنه الخوري الشهيد حبيب خشة” ظهر في زاوية “أعلام أرثوذكسيون” من نشرة البطريركية، عدد تموز، 1994 ص 33 – 45 .

(2)      ذكرى شهيد. ص  5

(3)      شهيد الكنيسة والوطنية. ص1

(4)      ذكرى شهيد. ص7

(5)      المصدر عينه. ص15

(6)      المصدر عينه ص11

(7)      هذه كلها مستعارة من كتيب “ذكرى شهيد”.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

الشهيد داود الحلبي1 ( 28 تموز 1660م )

الشهيد داود الحلبي1

( 28 تموز 1660م )

هكذا ارتسمت صورة داود الحلبي لما دنت ساعة شهادته بدمه للمسيح: رجلاً رومياً أرثوذكسيا، متزوجا2، ذا أربعة أولاد وأم عجوز تعهّدها، غنياً، عامل خراج سابقاً أميناً شهد الناس لاستقامته، حاد الطبع، ثابتاً في قناعته، يقول الحق متى احتدت روحه فيه كائناً ما كان الثمن. لا يحابي الوجوه ولا يأبه لوعيد. وقد كان له من العمر لما قطع الأتراك رأسه خمسون سنة.

فإذ أخذ مكانه في الجباية رجل ظالم حسود أثيم اسمه يوسف، ضاق هذا الأخير بداود ذرعاً لما كان القوم يعيبون عليه سيرته وسوء معاملته لهم وادين لداود ذكراً طيّباً على استقامة في السيرة وحسن في الشميلة دون خلفه. فلما بلغ يوسف من الغيظ أبلغه واشتدت به أفكار السوء، عزم في سرّه على التخلّص من غريمه. فحاك له في نفسه حيلة نكراء من بطون الأبالسة دهاء.

كان يوسف عالماً بكون سلفه حاد الطبع، سريع الغضب، فأوفد اليه وكيله الجوّال برفقة شاهدين اثنين من المسلمين. فما أن التقوه حتى بادره الوكيل بالقول ان عليه ضريبة لم يسدّدها هي ضريبة الطرابيش. لبس الطربوش، يومذاك، كان يخضع للضريبة، والطرابيش على ألوان، وليس مأذوناً للمسيحيين أن يلبسوا منها الا ما تلوّن بالأزرق المخطّط بالأبيض. فاعترض داود مؤكداً أنه سبق له أن سدّد ما عليه. وإذ كان همّ المتحرّشين به إثارته وإخراجه عن طوره، أساؤوا معاملته وضربوه بالقضبان فصعد الدم الى رأسه واغتاظ حتى ذهب الغيظ بصوابه فأمسك طربوشه وطرحه أرضاً وصاح: “ماذا ! أيكون حالي أسوأ من حال الأتراك، ولأني مسيحي تستحلّون اهانتي وتسيؤون اليّ على نحو ما تفعلون؟!” ولكن، تمثّل الوكيل ورفيقاه تهدئة الرجل وتعميمه وانصرفوا وعاد داود الى داره.

فلما بلغ الدار طالعته أنظار أهل بيته في دهشة واستغراب. ماذا على رأسك؟! كان على رأس داود لا طربوشه المعتاد، الأزرق المقلّم، بل طربوش آخر، أخضر اللون محظر لبسه على غير الأتراك المسلمين. وإذ أخذ داود يضرب أخماساً بأسداس لا يدري أفي اليقظة كان أم في المنام، فيما أهل بيته يستسترون الله عاقبة، أخذت أصوات الطبول والمزامير تتردّد في البعيد ثم تعلو وتشتدّ وكأنها تدنو من الدار. ماذا هنالك؟ مرسلون من القاضي أتوا، بهرج ومرج، يهنئون داود على انتقاله الى الإسلام ويكتتبونه ويعدّونه للختان. ألبسوه طربوشاً إسلامياً، على غفلة منه، وأشهدوا عليه اثنين أمام القاضي فحسبه على الإسلام! وإذ فطن الرجل الى الحفرة التي سعى المحتالون الى إيقاعه فيها، هتف: “معاذ الله أن أتترّك، فأنا مسيحي وعلى دين المسيح أموت”. ثم تناول الطربوش التركي وداسه بقدميه والتفت الى المقبلين اليه وقال: “عودوا الى معلّمكم وقولوا له إني لا أستفظع شريعة أكثر مما أستفظع شريعته… والطربوش الذي وضعوه على رأسي، على غفلة مني، قد جعلته تحت قدميّ ودسته على مرأى منكم لتعلموا التصاقي بيسوع المسيح”. فوثب عليه الناس وهم  يقذفونه بالصيحات والشتائم وتطايرت أيديهم وأرجلهم عليه لبطاً ولكماً. ثم قيّدوه في يديه وجرّروه الى “المتسلّم”، ونائب الباشا، فاستجوبه ثم أحاله الى القاضي، فتودّد اليه القاضي وأسبغ عليه من المواعيد أحلاها فلم يلق منه غير الخيبة، فردّه الى “المتسلّم” فلم يشأ أن يلقيه في سجن العاديين بل جعله في السرايا مكبّلاً بالسلاسل والحديد، في مقصورة من مقصورات المحكومين بالإعدام.

أقام داود في السجن شهرين كاملين سعى غرماؤه خلالها الى كسر مقاومته بشتى الطرق فلم يفلحوا. هدّدوه مرّات بما سيؤول اليه حاله وحال أهل بيته. جدّدوا وعودهم لهم بالخير العميم اذا أذعن. أفلقوا رجليه بالقضبان مرّات. ألزموا والدته وزوجته بالوقوف أمامه والبكاء عليه والطلب اليه أن يرضخ ولو في الظاهر ويبقى على مسيحيته في السرّ فلم يستجب لندائهم ولا أخذ بالتماسهم وإن آلمه الحال أشدّ الإيلام، واضطربت نفسه واهتزّ كيانه. لكن الرب الإله شدّده فثبت على الإيمان قويماً.

أخيراً استحضره الباشا وقال له: “ألا اعلم، يا كلب، اني ما زلت بعد رئيفاً بك. أستحلفك بالله العليّ العظيم أن تعترف بشريعة النبي العظيم فإن فعلت أكرمتك ومنحتك كل ما تحتاج اليه لتسعد أنت وأهل بيتك، وإن لم تفعل أزهقت روحك وجعلت الحياة على ابنك أسوأ من الممات”. فأجاب داود انه لم يسبق له أن قبل بدين محمّد ولا نيّة له في قبوله الآن بل هو باق على دين المسيح وهو مستعد لأن يموت من أجله. فعصب الجلاّد عينيه ورفع السيف فوق رأسه، وهوى به عليه، فأصاب كتفه الأيمن، عن قصد، ليرهبه. كلمة واحدة كان بإمكانها أن ترفع السيف عنه فلم يتلفظ بها. ثبت على الأمانة للمسيح! وهوى السيّاف بالسيف ثانية عليه فأصاب كتفه الأيسر فقطع بعضه. وارتفع صوت داود: لست أقبل بغير المسيح ديناً! فهوى السيف ثالثة فقطع رأسه وتمّت شهادته. حدث ذلك في الثامن والعشرين من شهر تموز من السنة الميلادية ألف وستمائة وستين.

في اليوم التالي، التاسع والعشرين من تموز، رأس الخدمة البطريرك مكاريوس ابن الزعيم (1647 – 1672م) بحضور البطريرك السرياني والبطريرك الأرمني وخمسة أساقفة آخرين وأعداد من الكهنة وجموع حاشدة من أهل حلب. كانت الخدمة خدمة الشهيد. وقد واراه الثرى أربعة من الأساقفة، من الروم الأرثوذكس.

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ـــــــــــ

(1)      هذه السيرة استمددناها مما وضعه عنه ايلي ضنّاوي بين أيدينا مشكوراً من أخبار وتقارير الإرساليات الأجنبية وقنصل فرنسا في حلب François Picquet (1652-1662م) في ذلك الحين. أنظر في هذا الشأن:

+  Goyau, Georges, “Le rôle religieux du consul François Picquet dans Alep (I652 – I662)” dans Revue d’Histoire des Missions, Tome XI, I934 P. I6I – I98

+  “L’âge d’or des Missions Latines en Orient (XVIIe – XVIIIe siècles)” dans L’Unité de l’Eglise, 8I (I936) P. 784 – 789.

+  Goyau, Georges, “Un précurseur: François Picquet…”, t.2 Institut Français de Damas, Paris I942, P. I03 – II4.

+  “Briève Relation de la Mission d’Alep en I662”, Archives Nationales, Paris, L. 932 n. 4, P. 450 – 460.

(2)      ولد داود وترعرع وعاش رومياً أرثوذكسياً. ولكن، ذكرت المصادر الأجنبية أن أحد المرسلين الكرمليين، الأب Bruno de St – Yves ، وهو رئيس الكرمليين الحفاة في حلب، تمكّن بهمة القنصل Picquet من الدخول الى الزنزانة التي كان داود محتجزاً فيها واقتنصه الى الكنيسة اللاتينية. كما ذكرت المصادر عينها أن القنصل الفرنسي اشترى جسده بالذهب بعدما جرى قطع رأسه. ولما ووري الثرى كتب على قبره باللاتينية ما ترجمته: “هذا هو داود الذي عاش قبلاً مفصولاً عن الرأس. وهو ملتصق الآن بالرأس بثقة ولو جرى قطع رأسه . فإن موته حياة بعدما كان عائشاً في حال من الموت؛ لأن الحياة من الرأس الأوحد تنساب كما يعلّم الإيمان الأوحد”. وقد ذكر أن وهبة (الله)، ابن الشهيد، انضم الى الكرمليين، فيما بعد، واتخذ اسم David de Saint – Charles ، تيمناً بأبيه، ودرس في روما ومات قاصداً رسولياً وأسقفاً على إزمير.

من المفيد أن نذكر شيئاً عن المرسلين الأجانب ومناخهم الذهني في حلب يومذاك. هؤلاء كانوا من الكرمليين والكبّوشيين واليسوعيين. استقروا، في المدينة، في العشرينات والثلاثينات من القرن السابع عشر. وقد جاؤوا الى البلاد السورية مشبعين بالفكرة البابوية أن من ليس من إيمان بابا رومية وخاضعاً له وفي شركة معه فهو خارج عن الكنيسة. على هذا رمى المرسلون، بكل قصد حسن، الى استعادة من أسموهم “الانفصاليين والهراطقة” معتبرين أنفسهم “ملزمين بتوفير العناية لهم لإعادتهم الى حضن الكنيسة ووضعهم، من جديد، على درب الخلاص”. الانفصاليون، في نظرهم، كانوا الروم، الذين أسموهم “اليونانيون”. أما الهراطقة فكانوا السريان والأرمن والكلدان. قبل وصول القنصل Picquet كان عمل المرسلين محدوداً ومحفوفاً بالمضايقات والمخاطر، كما كان أكثره في الخفاء. فلما جاء Picquet الى حلب، قنصلاً، وفّر لهم الغطاء الأمني والدعم المالي والسياسي حتى بدا عمله في خدمة الإرساليات الأجنبية أبرز بكثير من عمله القنصلي. كل هذا أمّن للإرساليات امتيازات شجعتهم على الخروج من تواريهم وبدّدت مخاوفهم فأضحوا مقدامين جسورين يتحركون بثقة وحريّة دون سائر المسيحيين المحلّيين. في إطار المناخ الجديد، بات همّ المرسلين الإفادة من كل الفرص المتاحة لاختراق الكنائس المحلية. هنا لا بد من الإقرار بأن الغاية، بالنسبة لهؤلاء المرسلين، كانت تبرّر الوسيلة. فقد سعوا، عبر Picquet ومعه، الى كسب الدعاية لأنفسهم، بكل الطرق الممكنة. ولعله من الصعب التفريق بين ما كان لـ Picquet وما كان لهؤلاء المرسلين لأنهم كانوا جميعهم يعملون يداً واحدة وفكراً واحداً. ولا شك أن Picquet كان رجل علاقات عامة من الطراز الرفيع، عرف كيف يستميل الباشا وغيره من الموظفين الأتراك بالهدايا والمال، كما عرف كيف يتقرّب من البطاركة والأساقفة من خلال الموائد والخدمات والمساعدات، وكيف يعكس عن نفسه صورة الرجل الشعبي، من خلال بذل الأموال لإطعام الجياع وفضّ المشاكل.  ولا شك، قبل ذلك كله، أنه كان يعرف جيداً كيف يجيّر كل هذه الخدمات لصالح الإرساليات. من جهة أخرى لم يكن Picquet والمرسلون ليتورّعوا عن التآمر واستغلال النفوذ السياسي لتمرير مخطّطاتهم وضرب السلطات الكنسية المحلية. من ذلك مثلاً اختيار وتنصيب اندراوس Akidzian السرياني المنشق رئيس أساقفة على السريان في حلب، بعد وضع اليد عليه من قبل البطريرك الماروني في دير قنوبين (!) ثم استصدار فرمان من السلطان التركي في اسطنبول يأمر باعتراف الملّة السريانية، في حلب، به تحت طائلة الموت شنقاً. إثر ذلك فرّ البطريرك السرياني من حلب ودخل الكهنة السريان في صراع مع رئيس الأساقفة المزعوم. وقد استمر الصراع الى أن اضطر   Akidzian  الى الخروج من حلب. ولكن حدث، بعد مدة، أن جريمة حصلت في حي السريان ففرض الأتراك على أهل الحي أن يدفعوا مبلغاً من المال عقاباً لهم. وإذ تحيّر القوم في أمرهم ولم يدروا كيف يتدبّرون تدخّل Picquet مستفيداً من الفرصة ودفع المال عنهم، فجاؤوه شاكرين ممتنين فجعل ثمن خدمته لهم أن يخرج الكهنة الذين قاوموا Akidzian للبحث عنه وإعادته رئيس أساقفة أصيلا على حلب (!).

في هذا المناخ الاقتناصي الانتهازي المنحرف تحدثت مصادر الإرساليات، بإكبار(!)، عن انضمام داود الشهيد، الرومي الأرثوذكسي المرتع، الى الكنيسة اللاتينية. ولم ينس اللاحقون أن يلفتوا الى أثر ذلك على الكهنة والناس الذين صاروا يقبلون على المرسلين بغيرة وحماس لم يعهده المرسلون، من قبل، في حلب.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(