الاعتراف أو سر التوبة

 

الاعتراف أو سر التوبة

سامر عوض

 

مقدمة

إن سر التوبة والاعتراف، من الأسرار المهجورة المنسية في حياتنا اليومية الكنسية، إذ إنه يحتشد في الكنائس أيام الآحاد والأعياد، الكثير من المؤمنين الذين يرتادون الخدم والأسرار، إلا أنه قلما نجد إنساناً تائباً، يحاول أن يعود إلى الكنيسة من خلال هذا السر العظيم. لذا كثيراً ما يجول بخاطري السؤال الآتي: لِمَا لا نعترف؟ هل السبب يعو د للكهنة أم للمؤمنين؟ في الحقيقة أنه في كل مشكلة أو معضلة، لابد أن تقع اللائمة على طرفي النزاع، إذ أن المؤمنين لا يتحركون، والكهنة لا يُحَركون، إذ يوجد تقصيرٌ مِن قِبَل الطرفين، وإن اختلفت النسب، قكثير من الكهنة لا يمنحون من وقتهم سوى ما فََضُُل لهذا السر، سواء تلقياً أم شرحاً أم اهتماماً. وفي الوقت عينه وبالنسبة للمؤمنين فالجسد يشتهي عكس الروح وضدها، إذ أنَّ الخطيئة تغلب آدم؛ لأنه يريدها.

ماهية السر

ليس في الكنيسة ما يُدعى بسر الاعتراف، بل سر التوبة والاعتراف. إذ كيف أقول سر القربان، إنه سر القربان المقدس، فالقربان بحد ذاته هو خبز، لكنه ليس بمُقَدَس إلا بحلول نعمة الروح الكلي قدسه. وكذا الأمر بالنسبة للاعتراف، إذ هو مجرد كلام لا أكثر ولا أقل، إذا اعتبرناه مجرد سرد للخطايا، إذ أحدث صديقي أو صديقتي، أخي أو أختي، بما يجول في خاطري، وبذلك أعترف بما عندي. لكن الاعتراف إن لم يقترن بالتوبة، فليس له علاقة بالناحية الأسرارية البنيوية المكونة له. فغرض الاعتراف بحد ذاته هو العودة للذات البشرية، فالتوبة هي عودة لله عبر الكنيسة. تاب المرء أي آب وعاد، إذ يرجع إلى الحضن الأبوي. لذا ففي الفكر الكنسي ليس الاعتراف بالخطأ فضيلة، بل يجب أيضاً أن يتوب الإنسان؛ لأن التوبة هي التاج المتربع على رأس الاعتراف والصولجان الذي يرتكز عليه. أمَّا السر وهو ما خَفِيَ، هذا في اللغة، أمَّا اصطلاحاً فإن الكنيسة تطلق هذه التسمية على مجموع الخدم والصلوات، التي ترقي بالإنسان، حين يتممها، وهو سر؛ لأن ما خفي منه (نعمة الروح القدس) هو الأساس، وأنه يَخفى عن غير المؤمنين به؛ لأن السر بداية بدايتها، ونهايتها، وتكملتها تتم معا، وفهم ماهية هذه الآلية تتطلب إيماناً عميقاً بيسوع المسيح.

أهمية السر

للسر لذة عودة الأبن الشاطر، وهجران الخطايا، والسر هو تلبية لمشيئة الروح (كونوا قديسين كما أن أباكم السماوي قدوس)، إذ أنَّ درب التوبة هو درب قداسة، وليس بشائك كما يتصور البعض؛ لأنه (إن كان الرب معنا فمن عليا)، الله يساعدنا إن أردنا العودة إليه، إذ أنه يدعونا كل يوم، وكل ساعة وكل لحظة؛ كي نكون بالقرب منه. ولكن كما يقول الفيلسوف توما الإكويني: (الله الذي خلقك بدونك، لا يستطيع أن يساعد بدونك)، أيها الإنسان ساعد نفسك يساعدك الله؛ لأنه كريم وجواد يحب عودة الخاطئ، إذ يترك التسعة والتسعين؛ كي يعيد الخروف الضال.

الكاهن المُعَرِِّف

ليس الكاهن بشخص لطيف محب، آتيه كي أعترف عنده. إذ أن المطران جورج خضر قد جاءه مرة رجلٌ، يقول: (أنا لا أتناول من يد هذا الكاهن)، فأجابه المطران جورج قائلاً: ( يا بني: الكاهن ليس عنده يد، يده هي يد المسيح). وكذا الأمر بالنسبة للاعتراف إذ أنَّ الكاهن ليس بكينونة في الاعتراف، بل هو السلك الذي ينقلنا إلى المسيح، وينقل المسيح إلينا. يشددنا بما أعطاه الله من قوة، ويرفعنا بما له من محبة لنا، وإخلاص تجاهنا. الكاهن هو أب لذا يسعد بعودتنا إليه، يَسعد بخاطئ يتوب؛ لأن الكنيسة هي: (جماعة التائبين) بحسب القديس أفرام السرياني؛ لأننا إن قلنا أنها جماعة المؤمنين فهذا يعني، أنَّها تجمع من آمن بالمسيح، والإيمان بالمسيح وحده لا يكفي، إذ (أرني إيمانك بأعمالك) والعمل الأجلى للتعبير عن الإيمان بيسوع، هو التوبة والعودة إليه، إذ نحن نخطئ كل يوم، لذا يجب أن نتوب كل لحظة. التوبة عن الخطيئة هي إيمان وتعبير عن الإيمان، بأن يسوع المسيح هو حاجة دائمة وماسة؛ لأنه ثابت وبه نولد ونتحرك ونوجد وبدونه لسنا بشيء. لذا أعجب من كثيرين يغضون الطرف، عن السعي لفهم هذه المبادئ والمفاهيم، ويخشون أن يتخذ الكاهن موقفاً منهم، فهل الكاهن بقادر (إن فرضنا أنه يستاء) أن يعادي كل مَن يعترف من خلاله، وإذا كان، هل يَقبَل أن يعاديه، الأب الذي يعترف من خلاله. وبذلك يسبب تلقي الاعتراف بحد ذاته خطيئة للكاهن، بدل أن يفرح بتوبة الخاطئ. وهل الكاهن أساس، أليس يسوع هو الأساس الذي وجدت فيه الكنيسة ومن أجله، وليس العكس. ومتى كانت الكنيسة بمعبد لأبنائها وجاذبة إياهم إلى إكليريكييها، أًما تصبح عند ذلك تائهة عن الهدف الحقيقي، لذا علينا التيقن بأن الكاهن يحبنا لذا يسُر بعودتنا، ولا يحق له أصلاً اتخاذ المواقف؛ لأنه معبر وليس مستقَراً لما تقول له.

سبب عدم الاحتفال بهذا السر

نعود للسؤال المهم: لماذا لا نعترف؟ وهذا ما يذكرني بالمهاتما غاندي، الذي يقول: (احتقرت الرياضة في شبابي، فاحتقرتني في شيخوختي). إذ حين أحتقر الاحتفال بهذا السر في طفولتي، لن أشعر بالحاجة إليه في شبابي، وكهولتي، وشيبي، وعجزي. ولكن ما الحل؟ الحل يكمن في الإرادة (إذ لا مستحيل لصاحبها)، ولندع الأهواء جانباً، إذ الجسد يشتهي عكس الروح، فهو ضعيف. لكن إرادتنا إن لم تتغلب على أهوائنا، نُصبحُ مُسَيَرٍين. يحيا الجسد في أهوائه وملذاته، وهنا محذور خطير، إذ يحيا الإنسان بالجسد ناسياً الروح التي تحاول أن ترقى بنا متى سمحنا لها، فالجسد أداة الروح. كما أن هذا الثنائي يشكل مع النفس ثلاثية مُقدسة، كما الثالوث القدوس. لذا لندع قصد الله يتحقق فينا؛ كي نصبح يسوعاً آخر كما أراد.

غرض السر

السر تفعيل للروح القدس فينا. هو عنصرة تتجدد بالإنسان؛ لأنه يجمع الكنيسة إلى واحد، ويقربها من بعضها؛ لأن القديسين(التائبين)، هم ثمرة الروح القدس، نعم نحن حين نتوب نبدو كالقديسين، إذ كان، في القديم، الاحتفال بسر التوبة والاعتراف يسبق تناول القربان المقدس، لذا يقول الإعلان السابق لمناولة القربان المقدّس: (القدسات للقديسين) فقداستنا من توبتنا، وتوبتنا من صدقية وجدية نيتنا في العيش بحسب مشيئة الروح القدس، وبمقتضى الإنجيل، والتعاليم المقدسة.

الاحتفال بالسر منذ الصغر، وعلاقته بسر القربان المقدس

لم نُرَبََّ على الاحتفال بسر التوبة الاعتراف، مثلما أعتاد معظمنا، المشاركة في سر القربان المقدس. وهذا يعود، بحسب أكثرية الآباء القديسين، إلى أن الطفولة مفعمة بالخطايا والأخطاء، ولا يوازيها قوة (سر التوبة والاعتراف). فقد سَأَل مرة مطران حوران سابا أسبر (عندما كان علمانياً) من خلال صديق له يجيد اليونانية، أحد الآباء في الجبل المقدس قائلاً: (كيف لنا أن نعيش الحياة الروحية المُثلى التي تحدثونا عنها)، فأجاب الأب: (هل يصلّي والديك قبل تناول الطعام، وقبل النوم وبعده…)، فاستوضح سيادته من صديقه عما إذا كان قد ترجم بصورة صحيحة، فردَّ الأخير بالإيجاب، ولمَّا استوضح الأب أجابه: (بأن الحياة الروحية لا تُفعَّل بصورة جيدة اللهم إلا إذا عاش الإنسان الأسس الصحيحة للحياة المسيحية منذ الطفولة). لذا يجب التشديد على أهمية الاحتفال بهذا السر، منذ سنوات الطفولة الأولى. لنتعلم التوبة والتهيئة لها، كما المناولة والتهيئة لها، إذ نأتي يسوع بالأولى، ويأتينا بالثانية. فبالمناولة يدخل المسيح فينا لنصبح معه جسداً واحداً، وبالتوبة والاعتراف نعود إليه لنصبح وإياه روحاً واحدة. لذا للسرين ارتباط بنيوي يكمل في العنصران الجسدي والروحي، والعكس بالعكس. إذ الاعتراف هو تنظيف النفس، والمناولة تربع السيد على تاجها، إذ لا مناولة حقيقية بدون توبة حقيقية هكذا يقول الآباء، فأساس استحقاقنا الجسد والدم يكمن في الاستعداد، ومدماك الاستعداد هو التوبة، إذ كيف أتقدم إلى إنسان كي آكل وأشرب على مائدته، وأنا بإرادتي بعيد عنه، وكم بالحري إن كان يطعمني جسده ودمه اللذين أراقهما على عود الصليب من أجلي.

علاقة السر بالتجسد

بالتجسد أصبح يسوع ابن الله إنساناً، وبالتوبة يصبح الإنسان إلهاً؛ لأن التوبة تفعيل للتألّه الذي حلّ فينا، بتجسد الكلمة، الذي جاءنا؛ لأنه يحبّنا ويريد أن يخلّصنا، وامتداده هو العنصرة (الروح القدس) فبالتوبة يحلُّ الروح القدس فينا فنصبح في قبضة الله، الذي يقرع كل يوم، منتظراً إيانا كي نفتح له أبواب قلوبنا فيلجها ويَسعد، ونسعد نحن بما له من قوة وقدرة.

الاختلاف الطقسي بين الكنائس في الاحتفال بالسر

في المنهج الكاثوليكي، يتربع الكاهن على كرسي الاعتراف، على أن يجلس بالجهة المقابلة، مَن يريد الاحتفال بالسر. أمَّا المنهج الثاني، فيتمثل بما هو مُتَبع لدى الكنيسة الإنجيلية حيث يعترف فيها المؤمنون، قلبياً دون حاجة إلى ممارسة السر وحلول روح قدس. أمَّا المنهج الأرثوذكسي فيتبع مسلكاً وسطاً: إذ فيه يجلس الأب المعرِّف بالقرب من الابن؛ ليتحاورا ويتحادثا ندياً، يتناقشان ويتباحثان؛ كي يفهم كل واحد منهما، ماذا يريد الآخر. ليس العلاقة بينهما كعلاقة المُشَرٍِع والمشرَّع له، بل علاقة أب رؤوف يمثل يسوع المسيح، والابن الذي يمثل الابن الشاطر الذي يعود إلى حضن الكنيسة. نقاشهما بَنَّاء؛ لأن مادته هي الواقع، وغايته هي إصلاح هذا الواقع وتحويله إلى واقع أفضل. ليست العلاقة بينهما كعلاقة الجلاد بالمجرم؛ لأنه حتى الله ليس بديَّان بل محب، كم يالحري الأب الذي يخطئ هو أيضاً ومن ثم يتوب. إذ أنَّ ما يجمعنا ككنيسة حقيقية مجاهدة، هو التوبة (السير والسعي الدائم والدؤوب نحو الله).

الكاهن ليس بكبش محرقة، وماهية الخطيئة

ليس الكاهن بكبش للمحرقة أعلق عليه شؤوني وشجوني، بل يأخذ الخطايا ويمحوها، لا يحملها أو يأتزر بها. فكما أن الخطيئة من زوال، كلك الأمر فإنها إلى زوال، فزوال الخطيئة من خواصها، لا تستمر إلا إذا، أرادها صاحبها. فالكاهن يساعد،ويعضد، ولا يُخلص أحد، دوره ثانوي؛ لأنه يوجه ويعلم ويعزي، لا يعمل عن أحد ولا يصلي ولا يصوم عن أحد. ففي المنطلق اللاهوتي: (الإنسان لا يخلص إنساناً)، إذ أنَّ لاهوتية يسوع هي التي خلصت إنسانيتنا البشرية، كما أن إرادتنا الروحية تخلص كينونتنا من سلطان الخطيئة، وتجعلنا ملاصقين لله في وجوده ومداه.

التبعية ليسوع

لا تبعية للأب المُعَرِف، إذ لست أنا من صُلِبَ لأجلكم يسوع هو من صُلبَ لأجلكم، يسوع هو الغاية العظمى التي من أجلها نعيش ونتحرك ونوجد. أمَّا الأب فهو مرآة نرى من خلالها سعينا لتأليه نفوسنا من خلال تعريفه لنا بالله، وبلوريته لمآثمنا، وإظهاره لحقيقتنا. فأب الاعتراف، هو أداة للوصول إلى الله. ويختلف الأب المعرف بحسب الطريقة من أب إلى آخر، حسب المنهجية التفكيرية التي يتبناها، فالله جعل من كنيسته بستاناً، تختلف فيه أنواع الشتول؛ كي تتناسب والرغبات والطبائع. لكن المؤدى وهو الأهم فواحد، وهو الله الواحد في وجوده وكينونته، لكننا نختلف بحسب طبائعنا، في كيفية فهمه، لذا ننتقل من خلال الأب إلى الله بحسب اختلاف ذواتنا، فعلينا أن نعمق حبنا لله، وننسى اختلاف آبائنا؛ لأن كل هذه لا ترقى إلى مستوى الخلاف، ولا يمكن أن تخلق شرخاً بين الأبناء؛ لأن التبعية واحدة (ليسوع)، والاختلاف للاغتناء، واستيعاب اختلاف التائبين، وليس للتحارب والتضاد. للارتقاء وليس للتركيز على الصغائر من الأمور، ونسيان كبائرها أو تناسيه، ألا وهو أن الله الثالوث في: آب، وأبن، وروح قدس. أي أن العلاقة بين الأب، والابن يجللها الروح القدس، وهذه هي النمطية الحقيقية للعلاقة السليمة بين الأب المُعَرِف، والابن المعترف، بأن تكون علاقة متساويين، ومحبين.

التوبة الحقيقية

إن التوبة تؤدي إلى الغفران، ولكن أي توبة؟ فالتوبة الحقيقية هي النابعة من القلب، والتي يتهيأ لها المؤمن بجدية. فالغفران الحقيقي يتبعه عيش مع الله، وبدون توبة حقيقية، لا يمكن العيش مع الله. والتوبة الحقيقية بحد ذاتها جهاد وكد وتعب. إذ يقول المطران جورج خضر: (الرقي الكبير بحاجة إلى شجاعة كبيرة)، وما الرقي الكبير كنسياً سوى العيش بحسب تعاليم الله والسعي إليه. حين أقف أمام ذاتي أولاً، ثم أمام الله عبر الكاهن، لأقول قد أخطأت. فالخطيئة ليست بعيب، بقدر ما أن الاستمرار فيها هو العيب الأكبر، فالشجاعة التي يتطلبها السر، هي كشجاعة المحارب في ساحة القتال؛ لأن دفاع المؤمن عن نفسه في ساحة المعركة الروحية، بمثابة هجوم على الشيطان، في مسعاه ومبتغاه في أن يدنسنا، لذا علينا دائماً أن نبادر نحن إلى الله بأن نتهجم على الشيطان، ونصارعه؛ كي يفقد سلطته علينا، ويجب ألا ننتظره، كي يأتي وينخر في ضلوعنا، وحنايا وثنايا روحنا ونفسنا، إذ عندما نواظب على محاربته، نعتاد التغلّب عليه.

أكاكيوس

يُحكى بأن، شاب أسمه أكاكيوس، قد قرر دخول الرهبنة في الجبل المقدس (آثوس). وأن يعترف عند أول كاهن يراه، وإذ بالأب (الأول) الذي رآه مجنون، لذا كان يكلفه بأن ينقل دلاء ماء من مكان إلى آخر، ومن ثم العودة بها إلى المكان عينه، وهكذا دواليك. إلا أن هذا الشاب قد تقدس وقدَّس أباه الروحي. هذه القصة لا تناقض طبعاً فقرة سابقة تتحدث عن الحوار والنقاش، بل تكملها، إذ الطاعة الكاملة هي أساس الممارسة الصحيحة، للسر. لذا عند الانتهاء من النقاش لابد من تنفيذ ما قد توصل إليه الأب والابن.

أبانا الذي

يُحكى أن راهبان قد تباريا، في مَن يصلي أكثر. فاحتكما لرئيس الدير، الذي طلب منهما أن يصليا في اليوم التالي (الصلاة الربية)، وأن يأتيا إليه مساءاً. وفي مساء اليوم التالي جاءا رئيس الدير، وعند سؤاله: (كم مرة صلى كل منهما الصلاة الربية؟) أجاب الأول: (9319مرة)، أمَّا الثاني فقد أجاب: (ما زلت عند كلمة (أبانا)). فتعلم الاثنان بأن قيمة الصلاة ليست بكثرتها العددية، بل بممارستها الفعلية والنابعة من القلب. وكذا الأمر بالنسبة لسر التوبة والاعتراف، فالكثرة والتكرار ليسا أساساً، الأساس هو أن تنبع التوبة من صميم القلب.

كلمة لا بد منها

ورد في البند الأول، من القانون رقم (736) المختص بتنظيم كيفية الاحتفال بسر التوبة والاعتراف، لدى الكنائس الكاثوليكية الشرقية، ما يلي: (يُحتَفل بسر التوبة والاعتراف في الكنيسة، إلا إذا حلَّ ظرف خاص كالمرض…). نعم، يُحتقل بالسر. فكما يُحتقل بسر (القداس الإلهي)، كذلك يتم الاحتفال بهذا السر. وكما أن الأسرار الستة الباقية يُحتفل بها في الكنيسة كذلك الأمر بالنسبة لهذا السر. لا بل ويجب أن يرتدي الكاهن (البطرشيل) أثناء الاحتفال به، كما باقي الأسرار.

السر وسيلة وليس غاية…

 

ليس السر بغاية، بل وسيلة للخلاص؛ لأننا به نرقى إلى السيد، لكنه وسيلة حتمية. إذ كما أنه (لا يأتي أحد إلى الآب إلا بي) كذلك لا يأتي أحد إلى الابن إلا بالتوبة وبالرجوع إلى أحضانه، فهو كريم وجواد، يستقبل الكل، ويقبل الضعفات؛ لأنه يعرف علم اليقين، ما الجِبلة، وكيف تكونت، يعرف الله أننا نخطئ لكنه يعرف أيضاً، أن الخطيئة قد دخلت الطبيعة البشرية، ليس عنوة بل طواعية. وإذ جاءنا الله وعايشنا وخالطنا وشاركنا بكل شيءَ خلا الخطيئة، بما أنها دخيلة على طبيعتنا وليست من صميميتها وفطريتها. وكوننا قد وُلدنَا على صورة الله، أمَّا اكتسابنا لمثاله فيتحقق عندما نسعى كي نكون معه وفيه، إذ لم يخلقنا الله، كي نكون بعيدين عنه، خلقنا بالقرب منه، في فردوسه أوجدنا، ومن ينابيعه أسقانا الماء الحي، وهو يحبنا لذا يؤلف لنا وسائل للتقرب منه. محبته لنا مطلقة وجنوحه للتقرب منا مطلق أيضاً. إذ يقف دائماً على الباب ويقرع، هو لا يملّ ولا يكلّ، بل يقرع كل دقيقة وكل ساعة. لذا علينا ألا نهرع، بل أن نسمع الصوت ينادينا. فالضمير صوت الله الداخلي فينا، والكتاب صوت الله الخارجي الذي لا يتوانى وهو ينادينا. يصرخ الله دائماً كي نكون معه؛ لأنه يحبنا، لذا فما التوبة إلا نداء إلهي، واستجابة إنسانية، طلب علوي ورد سفلي. هو كالملك الذي لا يتعب عن العمل، وكالعامل الذي لا يكلّ وهو يسعى، إنه يتوسم فينا على الدوام أن نكون مستعدين ومتهيئين للمجيء إليه.

إنَّ الحجر صعب الحَمل، والخطيئة ثقيلة، (الحجر يا سيزيف ما أثقله!)، كما تقول إحدى الروايات الميثولوجية، إلا أن الله يحمل عنا، كما حمل سمعان عن يسوع صليبه. يحمل عنا؛ لأنه لا يحمِّلَنا ما يفوق طاقتنا، هو لا يجر بنا بل يسمح بذلك، أي أنه لا يسعى ولا يسمح أن نتعرض للأذى، بل عندما نختار طريقاً ما، يباركها ولا يتدخل.

 

 

سر التوبة والاعتراف

سر التوبة والاعتراف – 1

الأب جورج يوسف

مقدمة

“الأسرار هي أبواب النعمة والخلاص، ورحمة الله التي لا تحد وصلاحه غير المتناهي هما اللذان فتحاها لندخلها” (القديس نيقولا كاباسيلاس). فهي وإن تكن، لغوياً، الأمور المخفية أو المستترة، لكنها تدرك عند المؤمنين في شركة الإيمان. ففي النهاية هي تدبير الله الخلاصي وسر محبته الفائقة.

وإن عَدَّت الكتب الأسرار سبعة، إلا أن الكنيسةالأرثوذكسية تقرّ، بأن كل عمل في الروح القدس، ينمي ويبني الجماعة، هو سر مقدس.
وانطلاقاً من حاجة الإنسان للإشتراك بسر المسيح، تأتي الأسرار “بمثابة أبواب السماء”، التي إذا ما ولجناها، ننتقل إلى المسيح معشقنا. فالمعمودية تلدنا، والإفخارستية تغذينا وتتحدنا بالرب، والميرون يعطينا التثبيت وعربون الروح، في حين يأتي سرّ التوبة والاعتراف ليصالح الإنسان مع الله من جديد من بعد المعمودية، إذا ما ابتعد عنه، وأما بقية الأسرار فتخدم الهدف نفسه ألا وهو الاتحاد بالرب.
في هذه الصفحات القليلة، سأحاول أن أتناول سراً من هذه الأسرار، ألا وهو سر التوبة والإعتراف، لشعوري بأهمية هذا السر في العودة المستمرة نحو الله، وبالتالي الاتحاد به. فهو في التعريف لغوياً، التغيير الكياني والتحول الأوّل للمؤمن نحو الله، بحيث يصبح الله هو المحور في حياته. وهذا حتى يتحقق، لا بد أن يكون مبنياً على أسس قوية وإستعداد صحيح لتقبل النعمة الإلهية. فعل الرب يساعدني في إيصال ذلك وإيضاحه من خلال ما سأورده من براهين من الكتاب المقدس وحياة الكنيسة، ومن خلال تحديد بعض الأسس والمفاهيم المتعلقة بالتوبة.

التوبة في الكتاب المقدس: التوبة في العهد القديم

الرباط بين الجماعة والله كان دوماً معرضاً للإنقطاع بسبب معاصٍ قد ترتكبها الجماعة أو شخص منها يؤثر في الجماعة سلباً. لذا كانت النوائب والنكبات بمثابة المنبّه لوعي وإدراك الجماعة لخطيئتها، فتبادر إذ ذاك إلى استعادة الرباط مع الرب، فتعاقب المسؤولين عن المعصية (خروج32: 25 – 28، عد25: 7 – 9، يش7: 24)، أو تسارع لالتماس العفو الإلهي بممارسات نسكية وترتيبات طقسية خاصة بالتوبة كالصوم (قض20: 26، 1مل21: 8 – 10)، وتمزيق الملابس ولبس المسوح (1مل20: 31 – 32؛ 2مل6: 30و19: 1 – 2؛ أشع22: 12)، وافتراش الرماد (أشع58: 5). كما كانت الجماعة تلجأ، في بعض الأحيان، إلى الذبائح التكفيرية (عد16: 6 – 15)، وفي أحيان أخرى، إلى طلب الشفاعة بواسطة رئيس ديني أو نبي (خر32: 30 – 33)، أو تلجأ إلى اعتراف جماعي أمام الرب (1مل8: 33 – 34).

وكثيراً ما نجد في الكتاب المقدس، أحداثاً لأشخاص يعترفون بخطاياهم، ويقدمون توبة صادقة. فعلى سبيل المثال، يعترف لامك لامرأتيه بأنه قد قتل رجلاً (تك4: 23)، وداود يعترف لناثان النبي بإثمه الذي اقترفه بحق أوريا (2صم12: 13)، ويصرخ إلى الرب: قد خطئت إلى الرب” (2صم11: 2).
الدعوة إلى التوبة، في العهد القديم، تركزت ابتداءً من القرن الثامن قبل الميلاد، نتيجة لابتعاد إسرائيل عن الله وانتهاكه لعهد الرب. فانتقد الأنبياء التوبة الشكلية غير الصادقة، ولم يكتفوا بشجب الخطايا، بل طالبوا الشعب بتوبة حقيقة مقامها “البحث عن الله” (عا5: 4 – 6)، وطلب الخير والابتعاد عن الخطيئة (عا5: 4 – 15؛ أشع1: 16 – 18)، والتوجه بالكلية إلى الله، والثقة به، والخضوع لمشيئته وإرضائه.
هكذا تجذرت التوبة في العهد القديم، حتى باتت نقطة جوهرية في بشارة الأنبياء وحياة الجماعة التقية. فقد فهم الأنبياء التوبة على أنها الطريق الوحيد لعودة الوصال مع الله.

1. التوبة في العهد الجديد

في مستهل الإنجيل، أول دعوة توجّه إلى الشعب، كانت “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات” (مت4: 17). هذه الصرخة أطلقها في البدء من كان يهدي كثيرين من بني إسرائيل إلى الله ربهم (لو1: 16 – 17)، أي يوحنا المعمدان، فاتحاً بذلك باب الرجاء في الملكوت، وداعياً للاعتراف بالخطايا، وصنع أثمار تليق بالتوبة (مت3: 8)، وتقويم السيرة الحياتية (لو3: 10 – 14).

المسيح ذاته يكرر عبارة يوحنا المعمدان، فيدعو الناس إلى التوبة لأن ملكوت الله بات وشيك التحقق، لكنه “لا يكتفي فقط بإعلان اقتراب ملكوت الله، بل يحققه بقدرته”. فالمسيح إنما جاء ليدعو الخاطئين إلى التوبة (لو5: 23)، ولكي يرد الخروف الضال إلى الحظيرة (لو15: 4 – 7). فقد جاء ليعتقنا من براثن الموت والخطيئة والفساد. فما على المؤمن إذ ذاك، إلا أن يتوجه نحو المسيح بكل كيانه. متحولاً نحو الرب دون سواه.
من هنا كان تأكيد العهد الجديد، على أن الإنسان لا يمكن أن يخدم سيدين (مت6: 24)، فإما أن يحيا مع الرب، أو أن يحيا مع الخطيئة، لأن “كل مولود من الله لا يعمل الخطيئة، لأن زرع الله ثابت فيه، ولا يقدر أن يعمل الخطيئة وهو من الله” (1يو3: 9). لذلك على الخاطىء أن يعود تائباً عند السقوط (2كو2: 12؛ مت13: 24 – 43 و 18: 15 – 22)، وكله ثقة بأن الرب سيتقبله بفرح نظير الابن الشاطر والخروف الضال.
إذاً، التوبة في العهد الجديد هي سر تجديد المعمودية والنعمة وطهارة النفس المفقودة بسبب الخطيئة، ومدعاة للعيش وفقاً لوصايا الرب خلال المسيرة نحو الملكوت.

مسيرة سر التوبة والإعتراف في الكنيسة

لقد أدركت الكنيسة منذ عهدها الأول، أهمية سر التوبة والإعتراف. فقد استلمته من الرسل الذين بدورهم استلموه من الله مباشرة، حين نفخ فيهم قائلاً: “إقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تُغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت” (يو20: 22 – 32). لذا سعت الكنيسة أن تحيا هذا السر في كل جوانب حياتها؛ وهذا ما تشهد له شهادات عدة تتوزع على فتراتٍ من الزمن,

فالآباء الرسوليون حثّوا على الاعتراف بالخطايا، وضرورة الاعتراف قبل المناولة، وطلب الغفران عن كل الخطايا والسقطات. كما أنها ناشدت الأساقفة والكهنة لقبول التائبين.
هذه الممارسة، طبعاً، كانت شخصية وخاصة، فلم يكن من قانون ينظم هذا السر وكيفية ممارسته. فسعت الكنيسة، وعياً منها لأهمية هذا السر، إلى تنظيم وتفعيل ممارسته في حياة الجماعة. فظهر السر كنظام كنسي في أوائل القرن الثالث، حيث بدأت تظهر القوانين الصارمة في أعمال رحمة على التائبين…؛ وقد استغرق التنظيم في هذه الفترة ثلاثة قرون. أكد فيها آباء هذه الحقبة على التوبة وضرورة الإعتراف بإنسحاق قلب وتواضع.
مع تنامي الرهبنات اعتباراً من القرن السابع، لعب الرهبان دوراً هاماً في الإرشاد الروحي. وقد شهدت هذه الفترة تحول الاعتراف الجماعي إلى اعترافٍ فردي أمام الكاهن، وذلك على عهد البطريرك نكتاريوس خليفة القديس يوحنا الذهبي الفم. وقد كان ذلك تفادياً للمساكل. فصار الاعتراف أمام الكاهن، الذي يمثّل الكنيسة، وليس أمام الجماعة.
نتيجة تأثير الفكر السكولاستيكي، طغى العنصر القانوني بدل الوجه العلاجي والتطهيري على السر. فاعتباراً من القرن السادس عشر، تحول السر إلى فرضٍ أو واجب قانوني يؤهل للاشتراك في المناولة؛ وحدد فيما بعد وجوب ممارسته بأربع مرات في الستة (أي خلال الأعياد الكبرى)، ثم مرة واحدة خلال الصوم الأربعيني المقدس. بعد ذلك فُرضت غرامةٌ ماليةٌ على التائبين والمعترفين. طبعاً، هذا يعكس مقدار التراجع الروحي والظروف القاسية المؤلمة التي كان يعيشها المسيحيون في الشرق.
الآن تحاول الكنيسة إعادة المفهوم الصحيح لسر التوبة الإعتراف، من خلال إلغاء الكثير من المفاهيم القضائية والقانونية الخاطئة في السر، ومن خلال محاولتها الجادة على تشجيع ممارسة هذا السر والإقبال إليه.
هكذا عاشت الكنيسة سر التوبة خلال مراحل حياتها. وقد أدرك آباؤها أهميته، فما توانوا عن الحث على ممارسته وتنظيمه طوال كل هذه السنوات.

مفهوم الخطيئة

الخطيئة بحسب المفهوم المسيحي، هي قوة تسيطر على الإنسان، تعمل بعكس مشيئة الله وعكس الإيمان. فهي من جهة قوة الشر التي تسيطر على الإنسان، ومن جهة أخرى هي العمل ضد المشيئة الإلهية.

الخطيئة، في البدء، لم تكن موجودة، فكل شيء كان حسناً جداً (تك1: 31). لكن بسقوط الإنسان الأول ظهرت الخطيئة في العالم. أي أنها حالة مرضية فاسدة ومميتة تشمل كل البشر. فالموت والفساد صارا كنتيجة للخطيئة، فالابتعاد عن ينبوع الخير والصلاح والحياة يسبب طبيعياً الموت والشر.وهكذا يستغل الشيطان الخطيئة حتى يسيطر على الإنسان، ويبعده عن مصدر وجوده، أي الله. لذا تراه يسعى بكل وسائله حتى يغويه، ويجعله يغرق أكثر فأكثر في لجة الخطيئة، حتى يصل الإنسان إلى درجة يفقد فيها الرجاء بالرب، ويصير عبداً خادماً للشيطان.
لكن الرب الذي دبّر خلاصنا بتجسده الإلهي، عاد فولدنا ولادة ثانية، وألبسنا الإنسان الجديد، ماحياً بذلك كل خطايانا، ومعطياً إيانا إمكانية العودة إليه وأن تتقدم إليه بتوبة. أي “أن الدرجة الأولى في العودة إلى الله” هي التوبة، التي صارت ولادةً متجددة يعطينا الله إياها بعد المعمودية. بهذا نتحرر من كل خطايانا السابقة واللاحقة.

أهمية سر التوبة والإعتراف

مما لا شك فيه، أن الإنسان بالمعمودية ينال الصفح عن كل ما اقترفه من خطايا. لكن بما أنه معرض للسقوط في أية لحظة، فلا بد إذاً من سر يعيده إلى الأحضان الأبوية، لأنه من غير الممكن أن تعاد معموديته. لذلك أسس لنا الرب سر التوبة، وأعطانا إياه بمثابة معمودية ثانية، تصالح الإنسان مع الله إذا ما أخطأ بعد المعمودية. فمن خلال هذا السر ينال المؤمن التائب؛ بقوة الروح القدس، الصفح عن جميع خطاياه التي يعترف بها، ويتحول بكل كيانه إلى الله. “فالتوبة الحقيقية ثورة تهز أعماق الكيان الداخلي الإنساني، وتبدله بشكل جذري، فيصبح الله محور حياة الإنسان”.

بالإضافة إلى أن سر التوبة يصالح الإنسان مع ذاته ومع الآخرين، لطالما أن الخطيئة تسيء للمرء على ثلاثة أصعدة: الله، الآخر، الذات. لذلك تكمن أهمية هذا السر في دوره الفعال في إعادة اللحمة بين الله والإنسان، وبين الإنسان نفسه والآخر، وذلك بالتطهير من الخطيئة التي تسيء الله والآخر والذات.

مفهوم التوبة

البداية الواعية للحياة بالمسيح أو الحياة الروحية، هي العودة إلى الله في الإرادة التي تنكر العالم والأنا الشخصي. هذه العودة هي النابعة من حرية الإنسان وقدرته على الإختيار. فكما أنه يرتكب الخطيئة بحريته، كذلك عليه أن يعدل عنها بحريته. وطالما أن الإنسان معرض للخطأ باستمرار، لذلك يجب أن يكون في حالة توبة مستمرة، يفرضها الشوق إلى الله والرغبة في الحياة معه. فالتوبة “هي ليست توبة إلى فضائل، ولكنها توبة إلى الله ذاته، هي إتحاد به وإقتباس لحياته فينا”.

بالإضافة إلى أن الوعي الشخصي لفقدان الله، هي نعمة إلهية وكشف وظهور أولان لوجهه الإلهي للبشر. فالتوبة الصادقة هي “عطاء الحب الإلهي لنا، مبادرة إفتقاد الأب لإبنه، إنها إنتظار الأب لإبنه. إنها تحريك الله لقلب الخاطىء”.
هكذا يجب أن تكون التوبة مستمرة بلا حدود وغير منتهية، كما أن طريق الاتحاد بالله غير منتهٍ، وهذه الإستمرارية لا تنتهي حتى الموت.

المراجع والمصادر


تريوديون، طبعة ثانية، المنشورات الأرثوذكسية، طرابلس، 1994.
التوبة والإعتراف، الأسرار. مطرانية جبيل والبترون وما يليها للروم الأرثوذكس.
جماعة من المسيحيين الأرثوذكس في فرنسا، الله حي، ترجمة د. دعد، منشورات دير مار الياس شويا البطريركي، ضهور الشوير، لبنان، 2000.
خضر، المطران جورج، أهل بيت الله، الروح العروس مطرانية جبيل والبترون وما يليهما للروم الأرثوذكس، 2000.
الراهب الروسي سلوانس، الإعتراف قبل المناولة. ترجمة رزق الله حرمان، مجلة النور العدد 6و7، السنة 1946.
كاباسيلاس، نيقولا، الحياة في المسيح، ترجمة البطريرك الياس الرابع، منشورات النور، 1971.
كيرياكوس، الأرشمندريت أفرام، أحاديث روحية، دير سيدة البلمند البطريركي، 1996.
مسرة، الشماس جراسيموس، الأنوار في الأسرار، المطبعة اللبنانية، 1887.
معجم اللاهوت الكتابي، الطبعة الرابعة، دار الشرق، بيروت، 1999.
يازجي، الأسقف يوحنا، الدليل الرعائي للأسرار، بطريركية إنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس.، 1996.
يازجي، الأسقف يوحنا، سر التوبة في الطقس البيزنطي الأرثوذكسي، سر التوبة، منشورات معهد الليتورجيا في جامعة الروح القدس الكسليك، 2002.
الياس شفيق، طريق الخلاص، سر التوبة والإعتراف، الطبعة الأولى، جمعية الثقافة والتعليم الأرثوذكسية، عمان، 1997.

الإعلان الإلهي

الإعلان الإلهي

الأب جورج عطية


* من الفصل الأول في “أمالي مادة العقائد” في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي *

إعلان الله بواسطة خليقته

يُقصَد بالإعلان الإلهي الأفعال والطرق التي استخدمها الله كي يعرّف بها عن ذاته أو مشيئته أو مقاصده.

الخليقة ذاتها – بما فيها الإنسان – هي الإعلان الأول والدائم لله عن وجوده وقدرته وحكمته عنايته ومحبته. وبكل تأكيد، فلم تكن الخليقة، بعد خلق الإنسان الوسيلة الوحيدة لكي يتعرّف بها على خالقه، بل يحدّثنا الكتاب المقدس في بداية صفحاته عن شركة شخصية مباشرة مع الله. ولكن الإنسان بعد ابتعاده الطوعي عنه بالخطيئة خسر إمكانية هذه المعرفة أو المعاينة المباشرة بسبب إظلام ذهنه وقلبه. ولم يبق عند البشر سوى الخليقة المنظورة والمحسوسة التي تذكرهم بالخالق غير المنظور وغير المحسوس، “لكي يطلبوا الله لعلّهم يلتمسونه مع أنه عن كلّ واحد منّا ليس بعيداً، لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد” (أع 27:17-28) لأنّه، كما يعلّمنا الرسول بولس “لم يترك نفسه بلا شاهد” (أع 17:14).
الكتاب المقدس والتسليم الرسولي يؤكدان هذه الحقيقة إذ يظهر أن الخليقة تعلن عن الله أو تخبر عنه، بحسب تعبير داود النبي: “السماوات تذيع مجد الله والفلك يخبر بأعمال يديه” (مز1:19). هذا الإعلان يتلقّنه مَن يبحث بإخلاص عن خالق هذه الكائنات المذهلة التي تنتظم بإبداع في هذا الكون العجيب. فإنه، كما يقول سفر الحكمة، “بعِظَم جمال المبروءات يُبْصَرُ خالقها على طريق المقايسة” (حك5:13). أو كما يعلّم بولس الرسول “إذ معرفة الله ظاهرة فيهم (في البشر) لأن الله أظهرها لهم، لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر” (رو19:1-20).
الإنسان إذاً يستطيع أن يؤمن بوجود الله غير المنظور من خلال رؤيته لمصنوعاته المنظورة والتي تحدّث عن صانعها وخالق مادتها، لأنه لا سبب بدون مسبب. كذلك يستطيع أن يهتدي إلى لانهائية قدرة الله من عظمة هذه الطبيعة المخلوقة والغرابة الهائلة لأبعادها كبراً أو صغراً.
كما يمكنه أن يستدلّ على سرمديته من قدم مخلوقاته والاستمرارية الدقيقة لنظام حركاتها. أما حكمته ومحبته فتظهران من خلال عنايته الفائقة بجميع مخلوقاته الحيّة من أحقرها إلى أعظمها: “أنظروا إلى طيور السماء أنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن. وأبوكم السماوي يقوتها… تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو…الخ…” (مت26:6-30). وبالإجمال، كما يقول القديس أثناسيوس الكبير: “كلّ الخليقة بنظامها وانسجامها تظهر ككتاب مفتوح وتصرخ مخبرة عن سيدها وصانعها”.
ما ذكر أعلاه، لا يعني أن تفتيش الإنسان عن الله من خلال خليقته، هو عملية عقلانية منطقية بحتة. وبالتالي فلا يمكن أن يستفيد من هذه العملية إلاّ الأذكياء والفهماء. في الواقع، ظلّت معرفة الله وستظل، من خلال هذه الطريقة أو غيرها، أقرب تناولاً لا للحكماء في أعين أنفسهم لمتواضعي الروح وأنقياء القلوب: “أحمدك أيّها الآب ربّ السماء والأرض لأنّك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال” (مت25:11). أحبّ الناس الظلمة أكثر من النور لأنّ أعمالهم كانت شريرة” (يو19:3). لأن الله الذي زرع في كيان الإنسان منذ الأساس بذور كلمته الإلهية والتوق إلى معرفته، هو الذي يعلن بصورة خفية، وحتى من خلال الطبيعة، للعيون التي تبصر وللآذان التي تسمع (مت13: 16)، أي للقلوب النقية غير الموصدة.
إظلام الصورة الإلهية في الإنسان بعد السقوط، هو الذي أدّى لأن تصبح ليس فقط الرؤية الإلهية غير ممكنة، بل وأيضاً إعلان الله من خلال طبيعته غير فعّال بشكل كافٍ، وكذلك أن يتشوّه استعماله من قبل الوثنيين، الذين عبدوا الخليقة دون الخالق، كما سنرى. من أجل هذا السبب، مع اعتراف الآباء بأهمية معرفة الله من خلال الخليقة، كوسيلة بنّاءة تساعد على الإيمان بالله، إلاّ أنهم يعتبرونها نسبية محدودة، ويحذّرون من أية محاولة للتعرف على الله انطلاقاً من تصوّر وجود مجال للمقارنة أو التشابه بين المخلوق والخالق. لأنّ نوعية طبيعة الله غير المخلوقة تختلف جذرياً عن طبيعة المخلوقات، إضافة إلى أن الله غير ممكن قطعاً أن يصبح هو نفسه موضوعاً قابلاً للمعرفة والبحث من قبل أي مخلوق، وذلك لتعاليه المطلق على كل الموجودات.

الزمن في المفهوم الأرثوذكسي

الزمن في المفهوم الأرثوذكسي

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس


نقلتها إلى العربية د. نيفين سعد

ينبغي علينا أن نتوقف لنفحص موضوع الزمن في المفهوم الأرثوذكسي لكي نرى بطريقة أوضح التعليم الأرثوذكسي عن علم الأخرويات (Eschatology). سوف يساعدنا ذلك على أن نرى بصورة كاملة هذا الموضوع المهم والرئيسي والذي هو أيضاً حديث.

إن اهتمامنا بالزمن ليس من وجهة نظر علمية ولكن من وجهة نظر كنسية وبصورة رئيسية يكون مرتبطاً بإعلان الله. بالإضافة إلى ذلك، فإن اهتمامنا بالأمور الأخيرة يكون باستمرار مرتبطاً بالمجيء الثاني للمسيح والسعادة الآتية.
إننا نستطيع أن نقول أنه في الزمن السابق لتجسد المسيح كان الزمن خطِّياً (يسير في خط مستقيم) حيث كان اليهود منتظرين مجيء المسيا ليخلصهم من العبودية والخطية. ولكن في الزمن الكنسي، منذ أن أتى المسيح وصار إنساناً وأعطى كل إنسان إمكانية الحياة في ملكوت الله فإن ما يُختبر ليس خطياً بصورة رئيسية ولكنه زمن الصليب. فلم نعد نُقاد بعد لاكتشاف ملكوت الله في المستقبل، ولكن المسيح وملكوته يتحركان نحونا، أي أنهما يأتيان ويلاقياننا في كل لحظة من الزمان. فلو وضعنا في اعتبارنا أن المسيح بتجسده أعاد آدم إلى الفردوس ثانية وبالطبع رفعه لتلك الرتبة التي كان سيصل إليها لو لم يكن قد أخطأ، فإننا نستطيع التحقق أن الأمور الماضية والأخيرة تُختبر في الحاضر، وبالتالي نحن نعيش فيما يسمى الزمن الليتورجي. فالزمن محاط بالأبدية.
إن أخذ المسيح لشكل الإنسان جلب الأمور الأخيرة إلى التاريخ والزمن، وترى هذه الحقيقة في العديد من نصوص الكتاب المقدس. أود أن أذكر النصوص الأكثر رئيسية.
يكتب بولس الرسول مشيراً للطريقة التي أعلن فيها الله عن نفسه قائلاً: “الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة. كلمنا في الأيام الأخيرة في ابنه”(عب1: 1-2). تظهر هذه الكلمات أن الأيام الأخيرة هي أيام ظهور المسيح. لقد بدأ ملكوت الله بدخول المسيح إلى العالم.
يكتب بطرس الرسول مشيراً للفداء الحادث بواسطة تجسد المسيح قائلاً: “عالمين أنكم افتُديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء. بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح. معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم ولكن قد أُظهر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم”(1بط1 :18-20). لقد كان مجيء المسيح لخلاص الجنس البشري مقدراً قبل تأسيس العالم، ولكنه تحقق أخيراً في الأزمنة الأخيرة. ودخل الرسل القديسون الذين وُجدوا مستحقين للإعلان العظيم في حياة الأزمنة الأخيرة.
لا تشير نهاية الدهور في الإنجيل إلى نهاية الزمان، ولكن أيضاً لصيرورة المسيح إنساناً طالما أنه أعطانا إمكانية أن نعيش حياة الأمور الأخيرة. يكتب بولس الرسول عن تجارب اليهود في العهد القديم قائلاً: “فهذه الأمور جميعها أصابتهم مثالاً وكُتبت لإنذارنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور”(1كو11:10).
توجد أيضاً إشارة إلى الأمور الأخيرة في حديث المسيح مع مرثا أخت لعازر الذي ذكرناه من قبل. فقد أكد لها السيد المسيح أن أخوها سيقوم ثانية. فأجابت أنها كانت تعرف أنه سيقوم في اليوم الأخير، ثم قال لها المسيح: “أنا هو القيامة والحيوة الحياة من آمن بي ولو إن مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد”(يو23:11)، وبعد ذلك بقليل أقام لعازر.
هذا الحديث والمعجزة التي تبعته معبران، فهما يظهران أن المسيح هو القيامة والحياة، وبالتالي هو بمجيئه للعالم جلب أيضاً القيامة والحياة. ينبغي علينا أن ننظر لقيامة لعازر في هذا الإطار. لم يُقِم المسيح لعازر لمجرد مشاعر الحب، ولكنه أراد أن يوضح أن ذلك كان عربوناً لقيامة الناس وأنه هو ذاته القيامة وأنه بتجسده انتفى الموت وبالتالي أتى ملكوت الله إلى العالم بتجسده. وهكذا ليس ملكوت الله الحياة بعد الزمان ولكنه الاختبار الفعلي لله في هذه الحياة.
يوضع الزمان واختبار الأمور الأخيرة في التسابيح أيضاً في هذا الإطار. فنحن نسبح في تسبحة القيامة قائلين: “الكلمة المساوي للآب في الأزلية وعدم الابتداء، المولود من العذراء لخلاصنا، لأنّه سرّ بالجسد أم يعلو على الصليب ويحتمل الموت وينهض الموتى بقيامته المجيدة”.
هكذا، في العهد الجديد، ليس ملكوت الله توقع أخروي فقط ولكنه حقيقة أتت. يقول القديس غريغوريوس بالاماس محللاً هذه الحقيقة أنه يـبدو في الكتاب المقدس أن اختبار ملكوت الله يحدث بثلاثة طرق.
الطريقة الأولى هي أن ملكوت الله قادم، وبالتالي تكون التوبة مطلوبة كما أعلن ذلك يوحنا السابق للمسيح. والطريقة الثانية هي أن ملكوت الله قد أتى وخصوصاً “في داخلكم”(لو21:17). والطريقة الثالثة هي أن ملكوت الله سوف يأتي بكل ملئه ومجده. فالمسيح نفسه، ورؤية الله غير المخلوقة هي ملكوت الله.
يقول القديس غريغوريوس بالاماس: “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت الله. وليس فقط أنه اقترب ولكنه أيضاً سيكون موجوداً بوضوح عن قريب. وطالما أنه كنـتيجة لذلك قد اقترب ملكوت الله، وهو داخلنا، وسوف يكون موجوداً عن قريب فلنجعل أنفسنا مستحقين له من خلال أعمال التوبة” . من أجل هذين السببين، أي بسبب أن ملكوت الله قد أتى وبسبب أنه سيأتي في نهاية الزمان دون أن نعرف متى سيحدث ذلك، فبالتالي تكون كل لحظة من الزمن “الساعة الأخيرة”(1يو18:2) بحسب قول يوحنا الإنجيلي.
كنـتيجة لذلك لا يكون الزمن في المفهوم الأرثوذكسي خطِّياً، بمعنى أننا لا ننـتظر ملكوت الله في المستقبل، ولا هو دائري بالمعنى الأفلاطوني أي أنه بلا بداية ولا نهاية، ولكننا نستطيع أن نقول أنه على شكل صليب. بمعنى أنه على الرغم من أننا مساقون للحياة بعد الموت وللبركات الأبدية، إلا أننا نستطيع أن نعيش هذه البركات المستقبلية في هذا الزمان أيضاً. بالتالي لا يعمل الزمن في المفهوم الأرثوذكسي كثيراً مثل الماضي والحاضر والمستقبل ولكنه يعمل كزمن مكثف خلاصي وليتورجي.
هذا يعني قبل كل شيء أن “الأمور الأخيرة” في التقليد الأرثوذكسي ليست هي الحياة بعد الموت وبعد المجيء الثاني للمسيح، ولا هي حياة الدهر الآتي، ولكنها شركة واتحاد مع المسيح، والتي تحدث بالفعل في هذه الحياة. علم الأخرويات المفصول عن الماضي والحاضر ليس أرثوذكسياً ولكنه تشويه لتعليم الكنيسة عن الأمور الأخيرة.

* من كتاب “الحياة بعد الموت”.

القديسون وإعلان القداسة

القديسون وإعلان القداسة

جورج يعقوب

إن حضور القديسين في الحياة الكنسيّة هو أمر في غاية الأهميّة. وهذا أمر طبيعيّ إذ أنّ غاية الكنيسة وهدفها هو “صناعة القدّيسين”، ولهذا السبب بالذات تدعى “معمل القداسة”. لقد كان موضوع “القداسة” لفترة طويلة من الزمن حلماً منسيّاً وما زال، مع أن الحديث عن أشخاص “قدّيسين” معاصرين بات شائعاً وربما “حديث الموسم” على الصعيد الكنسي. ولكن يبقى السؤال ما هي القداسة ؟ من يظهر القدّيسين ويختارهم؟ ما هي معايير القداسة ؟ وماذا عن إعلان القداسة في الكنيسة الأرثوذكسيّة والتعييد للقدّيسين؟

إذا سألنا بشكل عشوائيّ المّارة على الطريق من هو القديس فإنّ الأغلبيّة يعطون الجواب الآتي:
القدّيس هو شخص لم يخطئ، حفظ الوصايا…. وما شابه ذلك من الصفات التي تنصب في خانة المفاهيم الأخلاقيّة والنفسيّة. القداسة للأغلبيّة الغالبة من الناس هي عبارة عن حالة يصير إليها الإنسان إذا ثبت في أعينهم انّه إنسان فاضل.
ولكن إذا وضعنا تعريف القداسة بحسب الناس في مجهر الكتاب المقدّس، التقليد والحياة الكنسيّة نستنتج أن القداسة أولاً تتماهى مع الله وليس مع البشر والأشياء المقدسة. القداسة إلهيّة المركز وليست بشريّة المركز لهذا السبب تدعى والدة الإله بالفائقة القداسة والكليّة القداسة، ليس بسبب فضائلها وحياتها الفاضلة (التي لا نشكّ بها) ولكن لأنّها اتحدت شخصيّا مع الله القدّوس عندما تجسّد الرب يسوع من أحشائها آخذاً صورة عبدٍ. القداسة إذاً بالنسبة للكنيسة ليست أمراً شخصيّاً يرتبط بِكَم هو “قدّيس” هذا الشخص في حياته، ولكنه موضوع علاقة شخصيّة مع الله القدّوس. فالله، بمشيئته الفائقة الحريّة، يقدّس من يشاء بدون أن يتعلّق الأمر بأيّ شيء البتّة سوى الإرادة الحرّة للمقدَّس. إنّ تماهي القداسة مع الله نفسه تقود إلى الاتحاد بالمجد الإلهي بحسب إيمان الكنيسة. القداسة تعني أن يتمجّد اسم الرب لهذا ليس من الصدفة أن الفقرة الأولى من الصلاة الربيّة، “صلاة الكنيسة”، هي “ليتقدّس اسمك”. فإذا وضعنا في ذهننا أن هذه الصلاة هي إسخاتولوجيّة أي أنّها تعبّر عن حالة العالم في الآخرة يمكننا أن نفهم أن ّما نطلبه في “أبانا الذي” هو أن يتقدّس اسم الله من قبل كل العالم وذلك بصرخة الشاروبيم التي سمعها إشعياء النبي “قدّوس ، قدّوس، قدّوس ربّ الصبؤوت السماء والأرض مملؤتان من مجدك أوصنا في الأعالي”.
الله وحده يظهر قدّيسيه! وهذا يتمّ بواسطة الروح القدس إذ يعلن بطرق متعدّدة أن أحد أعضاء جسد المسيح اتّحد بالله الثالوث بالنعمة وصار “إلهاً” بالنعمة أيضاً على حسب تعبير القديس أثناسيوس الكبير. فالكتاب المقدّس وتقليد الكنيسة يشهد لذلك. في العهد القديم الله نفسه أعلن عن قداسة أيوب بوصفه قائلاً عنه أنّه “رجل كامل، تقيّ ومستقيم وأن لا أحد مثله في الأرض”(أي 1: 8). في العهد الجديد، يسوع المسيح نفسه قال للّص “اليوم تكون معي في الفردوس” (لو23 :43). لا ننسى أن للعجائب التي يصنعها القدّيسون دور مهم في الكشف عن قداستهم إذ تصير بنعمة الروح القدس.
السؤال الذي يطرح الآن وهو موضوع جدل في كنيستنا الإنطاكيّة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين يدور في فلك قضيّة إعلان القداسة وما ينتج عنها من تساؤلات: معايير القداسة في الكنيسة الأرثوذكسيّة، إعلان القداسة وإكرام القديسين.
الكنيسة الأنطاكيّة هي نبع القدّيسين. هي أرض القداسة بامتياز. فقد قدّمت وما زالت تقدّم العديد من القديسين. ابتداء من الرسولين بطرس وبولس وصولاً إلى القدّيس يوسف الدمشقّي وغيرهم الكثير الغنيين عن التعريف. كما وأن العديد من أبنائها في الفترة الأخيرة تظهر بنعمة الروح القدس علامات عن أمانتهم للمسيح وقداستهم تستحق الانتباه والتقدير.
إن تقليد الكنيسة الأولى، الكنيسة الشاهدة، التي “تزينت بدماء الشهداء كأنّها ببرفير وأرجوان”، يختلف تمامًا عن وضع الكنسية اليوم في شأن إعلان القداسة. ففي السابق كان الشعب مباشرة بعد استشهاد أحد أعضاء جسد المسيح يكرّمه كقدّيس ويبني فوق ضريحه كنيسة على اسمه ويعلن قداسته ولكن كل هذا بعلم وموافقة الأسقف الذي كان يدخل اسم القدّيس بلائحة أسماء القدّيسين المعيّد لهم. وقد حصلت على مرّ التاريخ العديد من إعلانات القداسة من قبل الأباطرة والحكّام ولكن لم يتم الموافقة عليها من قبل الأسقف لأنّها لم تكن قانونيّة. ومع الوقت بدأت الأمور تُنَظّم ووضعت المعايير الرسميّة لإعلان والاعتراف بقداسة المسيحيين الأرثوذكسيين كقدّيسين في الكنيسة الأرثوذكسيّة وتعتبر إلزاميّة:
1. عضو في الكنيسة الأرثوذكسيّة “ذو فكرٍ أرثوذكسيّ مستقيم” بحسب القدّيس نكتاريوس الأورشليمي(1660-1669).
2. الحياة الفاضلة والمثاليّة، قدّيس من جهة كل شيء وبارٌ حتى نهاية حياته.
3. أن يكون قد حفظ ودافع وشهد طيلة حياته بالقول وبالفعل عن الإيمان القويم والعقيدة الأرثوذكسيّة.
4. موت شهادة أو حياة استشهاد في سبيل الإيمان بالمسيح.
5. تضحيات في سبيل كنيسة المسيح والعمل الكنسي.
هنالك معايير أخرى ولكنها لا تنطبق على كلّ القدّيسين:
1. صنع العجائب قبل وبعد الموت.
2. إفاضة الطيب من ذخائرهم المقدّسة. وهذه موهبة جدًا خاصة تختص بالقليل من القدّيسين كالقدّيس ديمتريوس والقدّيس سمعان مؤسس دير السيمونوس بتراس في الجبل المقدّس و القدّيسة ثيوذورة التسالونكيّة.
3. عدم انحلال الجسد وفساده.
4. الانتظار لفترة تتجاوز الخمسين سنة على وفاة القدّيس لإعلان قداسته. هذا الشرط لا تشهد له التقاليد الكنسيّة القديمة.
إعلان القداسة كما قلنا كان يقوم به الشعب. و لكن منذ عهد البطريرك فوتيوس الكبير هنالك شهادات عن أن هذا الموضوع صار مرتبطًا بالمجمع المقدس الخاص بكلّ بطريركيّة. كما وأنه بدأ يتضح أكثر منذ القرن الرابع عشر مع القدّيس فيلوثاوس كوكينوس أن المجمع المقدّس هو المسؤول الأول عن هكذا قرار. الموضوع بالنسبة للكنيسة الروسيّة محسوم منذ سنة 1547م.
لذا فإنّ أي مشروع لإعلان قداسة يتم أولاً بتحرّك شعبيّ متواضع، على مثال حياة القدّيسين، نحو المتروبوليت راعي الأبرشية، فيتم تجهيز ملف واضح عن الشخص المرشح حتى يرفع بواسطة المطران، عندما يرى أن الموضوع مناسبًا، إلى المجمع المقدّس حيث يصار لدرسه بدقّة وعلى أساسه يقرّر المجمع ما هو مناسب للكنيسة بنعمة الروح القدس. هكذا أمور، ولكي لا توقع العثرات في النفوس الضعيفة، يجب أن تتم بكلّ هدوء ورويّة.
إن القديسين يصار إلى التعييد لهم وإكرامهم فقط بعدما يتمّ إعلان قداستهم من قبل المجمع المقدّس وغير ذلك يعدّ تخطيًا للقوانين الكنسيّة.
واليوم في كنيستنا الإنطاكيّة نرى علامات قداسة على بعض الأشخاص من رهبان، كهنة ومطارنة وبطاركة… وحتى علمانيين. هذا أمر طبيعيّ وليس من داع للتعجب. فالكنيسة الإنطاكيّة عاشت وتعيش في القداسة منذ القديم حتى اليوم وهي معتادةٌ على هذا. ما علينا أن نفعله نحن أن نصلّي إلى الرب فقط لكي يمجَّد اسمه في هؤلاء الأشخاص.
أمّا في موضوع إعلان قداستهم، الموضوع في غاية البساطة وقد وعت له الكنيسة الأرثوذكسية في زمننا الحالي حيث تغيّرت المعايير الاجتماعية. في اليونان مثلاً لا يصير أي إعلان عن قداسة إلاّ بعد مرور أكثر من 50 سنة على وفاة الشخص وذلك بسبب وجود مقربين منه من أهل و إخوة و… على قيد الحياة حيث لا يصار إلى الافتخار و التكبّر بالقول، وهذا جداً وارد، أنا أخ القدّيس، أنا ابن القدّيس…( وقد حصل منذ سنوات أمر كهذا في الكنيسة الغربيّة حيث أعلنت قداسة امرأة بحضور زوجها وابنتيها) لأن من يفتخر فليفتخر بالرب على حدّ قول الرسول بولس. ومثال على ذلك الراهب باييسيوس والأب يعقوب تساليكيس وغيرهم. الملفت للنظر أن تكريمهم يصير بشكل بسيط زيارة المدفن، إضاءة شمعة، والاكتفاء بالقول “يا أبونا صلّي لأجلنا” وليس “تشفّع لأجلنا”. مع العلم أن الكثير يزورون ضريحهم والكثير من العجائب تحدث بصلواتهم. هنالك منشورات بأقوال وتعاليم لهم وهذا أمر طبيعيّ.
الكنيسة هي جسد المسيح، وهو رأسها. الكلّ مدعو ليعمل إرادة الرأس، إرادة المخلص يسوع المسيح. الكلّ مدعوّ للقداسة، أن يكون في الفردوس، أن يكون قدّيسًا على مثال القدّوس. فالقلب، العين، الأذن، اليد وكل أعضاء الجسد و لو كان لها أسماء مختلفة عليها أن تصنع مشيئة الرأس. وهكذا نحن سواء كنّا علمانيين أو رهباناً أو إكليروس أو مبشرين كلّنا أعضاء في جسد المسيح يجب أن نصنع مشيئته. كلّنا قدّيسون لأنّه ينادينا دومًا “القدسات للقدّيسين”. فلنبتعد عن كلّ مجد عالميّ ولا نسعين لنعطي ألقاب لأناس تخطوا الألقاب ولنترك من تقدّسوا يعيشون بهدوء مع القدّوس حيث يتمتعون بجمال وجهه وهو في الوقت المناسب سوف يعلن رسميّا بواسطة ملائكته المطارنة (كما يدعون في رؤيا القدّيس يوحنا) للعالم أجمع هؤلاء الأحباء قدّيسون في كنيسة الرب يتشفعون بنا كما كانوا من قبل.

خاصيّات الكنيسة الكاملة

خاصيّات الكنيسة الكاملة

الأب فلاديمير برزونسكي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

“ثم جاء إلي واحد من السبعة ملائكة الذين معهم السبعة جامات المملوءة من السبع ضربات الأخيرة وتكلّم معي قائلا هلمّ فأريك العروس امرأة الخروف” (رؤيا 9:21)

نحن هنا قرب نهاية الكتاب المقدس في خبرة الرؤيا. أليس غريباً أنّ واحداً من الملائكة ممن معهم الجامات السبعة مع الضربات السبع الأخيرة موجود هنا يدعونا إلى الشهادة على الزواج المجيد للحمل الذي نعرف أنّه ربّنا، وإلهنا وخلصنا يسوع المسيح كعريس؟ أليس غريباً أيضاً أن نعرف أنّ العروس ليست إلاّ الكنيسة المقدّسة متّشحة بالبياض المشرِق، رمزِ الطهارة والبراءة؟ هذا يخبرنا عن الملائكة. وكما يقول اسمهم، فهم مرسَلون كَسُعاةٍ من الثالوث القدوس إلى البشرية. إن ملاكاً كهذا حمل الكاتب إلى رؤيا هلاك بابل الفاجرة العظيمة. هنا الملاك يعلن الزواج المجيد لحمل الله والعروس الكنيسة المقدّسة التي اشتراها الربّ بثمن عظيم هو صليبه. العروس- الكنيسة هي رمز لكّل الذين يمتلكون المزايا التالية من الفضائل، التي لا تشوبها شائبة، مشرقة من نفوسهم.

لقد استعرض الرسول بولس مزايا الكنيسة الكاملة. في سفر الرؤيا، الذين يحيون في هذه الكنيسة هم بين القائمين في أورشليم الجديدة الآتين من السماوات لينتموا إلى يسوع المسيح حمل الله الآتي ليطلب عروسه، والذين نجد صفاتهم في الرسائل إلى الأمم:

إنهم أناس يودّون بعضهم بعضاً: “وادّين بعضكم بعضاً بالمحبة الأخوية” (روما 10:12). عندما نقرأ هذا، ماذا يكون صداه على ضمير كلِ من أعضاء الجماعة التي نسمّيها كنيسة؟

إنّهم أناس يمكنهم أن يقولوا عن إخوتهم في الرعية أنّهم: “مقدمين بعضكم بعضاً في الكرامة” (روما 10:12). هذا يعني أنّ كلّ عضو في مكانة جيدة يحمل كل الآخرين في الجماعة فوق نفسه. إنّهم يشعرون بأن كونهم أعضاء من هذه الجماعة من المؤمنين هو شرف لهم. أهذا ما يحدث بالفعل؟

من المفروض العيش في تناغم البعض مع الآخر: “مهتمين بعضكم لبعض اهتماماً واحداً” (روما 16:12). هذا يعني أنّ ما من شيء أكثر أهمية من حفظ السلام في عائلة المسيح. بالطبع هناك اختلافات في الرأي في الرعية، وهذا يفهمه الجميع، لكنهم أيضاً يدركون أنّه من دون سلام الله الذي يتخطّى كل فَهم، فإن إفخارسيتهم جوفاء لأن علاقاتهم ضحلة ودنيوية وليست إلهية.

يحبون بعضهم البعض: ” لا تكونوا مديونين لأحد بشيء إلا بأن يحب بعضكم بعضاً” (روما 8:13). إلى أن نتمكن من إدراك ترتيب الليتورجيا الإلهية: “لنحبّ بعضنا بعضاً لكي بعزم واحد نعترف مقرّين… آب وابن وروح قدس…” كما قال يسوع، لا معنى لكلامنا عندما نقول أننا نحبّ الله. ما هو مُتوَقَّع هنا هو أن نكون قد جعلنا المحبة طريقة حياتنا عند بلوغنا إلى السماوات.

يقبلون بعضهم بعضاً: “لذلك اقبلوا بعضكم بعضاً كما أن المسيح أيضا قبلنا” (روما 7:15). القبول يعني الإدراك بوجود اختلافات، ومع هذا لا تمنعنا من المسامحة. يُقال: أن تتفهم يعني أن تغفر. القبول ليس الموافقة، ولا حتّى الاحتمال. إنّه الحنو.

يخدمون بعضهم بعضاً: “فإنكم إنما دعيتم للحرية أيها الإخوة. غير أنه لا تصيّروا الحرية فرصةً للجسد، بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضاً” (غلاطية 13:5). أليس هذا هو معنى غسل الأرجل؟ أي مثال أكثر قوة من ابن الله يغسل أرجل الصيادين؟ أنحن أرفع من سيدنا؟

يغفرون لبعضهم بعضاً: “محتملين بعضكم بعضاً، ومسامحين بعضكم بعضاً إن كان لأحد على أحد شكوى، كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم أيضاً” (كولوسي 13:3). سوف توقَفون وتُمنَعون من دخول الملكوت إذا أتيتم حاملين حقداً يلوّث نفسكم.

يعزّون بعضهم بعضاً: “لذلك عزّوا بعضكم بعضاً وابنوا أحدُكم الآخر، كما تفعلون أيضاً” (1 تسالونيكي 11:5). نحن مطلوب منّا بناء الثقة وتعزيز الصورة الإيجابية عن كلّ إخوتنا وأخواتنا في المسيح. إذ لا مكان لباعثي الكآبة والانهزاميين في الفردوس.

الهُدوئِيَّة رُوحَانيَّة أرثُوذكسِيَّة عَظِيمَة

الهُدوئِيَّة(1) رُوحَانيَّة أرثُوذكسِيَّة عَظِيمَة

ماري–إيلين كونجوردو(2) ؛ تمُّوز-2002

نقلها عن الفرنسيّة : أيهم نقولا سعد (3) ؛ تمُّوز-2010

1.مقدّمة :

الهدوئيَّة hésychasme هي حركة روحيّة في الكنيسة الشرقيّة، تتميّز بشكل أساسي بتكرار اسم يسوع ؛ وهي تعود تاريخيّاً للقرون المسيحيّة الأولى، حيث اختصَّت بشكل أساسيّ بالأقاليم الشرقيَّة للإمبراطوريّة البيزنطيّة : مصر، فلسطين، سوريا. عَرَفَتْ الهدوئيَّة تجدُّداً رائعاً في القرن الرابع عشر، في قلب الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وجبل آثوس، محدثةً جدلاً حول شرعيَّتها اللاهوتيَّة، وانتهت بِتَبنِّيها كعقيدة رسميَّة للأرثوذكسيَّة. أصبحت تُمارَس، بعد سقوط الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، بشكل مخفيّ وسرِّي بدايةً في الدّول الإسلاميّة ومن ثمَّ ضمن الأديرة السلافيّة. أحْدَثَ نشر مجموعة من النصوص عن الهدوئيَّة، الفيلوكاليا، في نهاية القرن الثامن عشر انطلاقة جديدة لهذه الحركة الروحيَّة، التي تتدفَّق في أيامنا هذه على كنائس الغرب. لقد طلبنا من ماري-إيلين كونجوردو بأن تزوِّدَنا بمعلومات أوَّليّة عن هذه الحركة الروحيَّة.

تتضمَّن كلمة هدوئيَّة معنىً مضاعفًا في الكنيسة البيزنطيّة، فهي تشير إمَّا إلى حياة التوحُّد، وبهذا المعنى تكون الهدوئيَّة مرادفة لكلمة ناسك ermite، أو تشير إلى شكل من أشكال الصلاة الداخليّة (القلبيّة)، المستمرَّة التي تقود المُصلّي لإدراك وجود المسيح في داخله. حيث يترابط هذان المعنيان في المراجع. يكتب بناءً على ذلك القدِّيس يوحنَّا السلَّميّ رئيس دير سيناء الذي هو حاليّاً دير القدِّيسة كاترين ، في القرن السادس، في سلَّمه : «يُفضَّل الرَّاهب الفقير الذي يعيش حياة الشركة الرهبانيّة في دير Cénobite على الهدوئيّ شارد الفكر» (سلَّم، درجة 27، 59)، أيْ الرَّاهب بالغًا حياة الشركة في الدير قبالة الهدوئيّ ؛ لكنَّه يكتب أيضاً : «الهدوئيّ هو ذاك الذي يقول : أنا أنام لكن قلبي يقظ» (درجة 27، 18)، الذي يردِّد الصلاة المستمرّة.

ندعو الهدوئيّة، بشكل أكثر عموميّة، تلك الحركة الروحيَّة التي تعود لأصول رهبانيّة والتي، بالصلاة الداخليّة (القلبيّة)، تبحث عن الوجود المحسوس لله وبالتالي عن التقديس للمصلِّ. اقتصرت الهدوئيّة بدايةً على النُسَّاك وشاعت بعدئذٍ شيئاً فشيئاً ضمن الأديرة ومن ثمَّ انتشرت في العالم ككلّ في بداية القرن الرابع عشر.

2. الأفكار المهمَّة في الصلاة الهدوئيّة

• حِفْظ القلب :

تأتي كلمة هدوئيَّة من الكلمة اليونانيّة hésychia التي تستحضر الصمت والسكينة. يكتب يوحنَّا السلَّمي : «بداية الهدوئيّة هي في استقصاء كل ضجيج، لأنَّ الضجيج يُعَكِّر سرائر النفس. ويكون كمالها بعدم خوف أيّ اضطراب وبقاؤها عديمة التأثُّر» (درجة 27، 4) علينا لبلوغ هذه الحالة تجنُّب أيُّ فكر، الفكر – أو التفكير المنطقي – الغافل عن الله، حيث يستعمل الشيطان الأفكار ليُقلق الرَّاهب ؛ يقود إذاً الرَّاهب المعركة ضدَّ هذه الأفكار لاقتناء سلام القلب، السلام الداخلي. حسب يوحنا السلَّمي، «صديق الهدوئيّة هو ذاك الذي يكون دائماً بفكره في حالة يقظة، يتسلَّح بالشجاعة ومتشدِّد على باب قلبه ليقضي أو يُفلت العِنَان للأفكار التي تراوده.» (درجة 27، 3).

• صلاة يسوع :

يمرُّ الطريق باتجاه الهدوئيَّة من خلال صلاة يسوع، حيث يتعلَّق الأمر بصلاة فرديَّة monologique، هذا يعني صلاة مركَّبة من جملة قصيرة مكرَّرة إلى ما لا نهاية، وهي تُوحِّد في حين أنَّ كثرة الكلام تُشتِّت. قال الأب مكاريوس مسبقاً، وهو متوحِّد في صحراء مصر في القرن الرابع : «ليس من الضروري التشتُّت في الكلام ؛ فمن الكافي أن نرفع أيدينا ونقول : “يا رب، كما تشاء وكما تعلم، ارحم.”» (حِكَمْ آباء الصحراء). يصبح، قريباً جدّاً، اسم يسوع المركز لهذا التضرُّع. يكتب ديادوك مطران فوتيسه في اليونان في القرن الخامس «تستوجب الرُّوح منَّا، عندما نُغلق جميع مخارجها من خلال ذكر الله، عمل يُشبع بشكل كامل قدرتها على التمرين. يجب أن نعطيها إذاً “الرب يسوع” كشاغل وحيد للوصول بشكل كامل لهذا الهدف.» (c. 59).

تشكّل صلاة يسوع، منذ القرن السادس، جزءاً من معدَّات وتجهيزات الرَّاهب. «فكما يكتب يوحنَّا السلَّمي، تسلَّحْ بالصلاة واجلدْ أعداءَكَ (الشياطين) باسم يسوع» (درجة 20، 7). فهي تصبح بالتدريج خاصيَّة الهدوئيَّة. كتب إيسيشيوس، وهو راهب في دير باتوس Batos بالقرب من سيناء : «لا تتوقفوا عن تَجوال اسم يسوع في فُسحات قلوبنا كالبرق الذي يومض في السماء معلناً قدوم المطر.» (c. 105, in Philocalie, I, p. 207).

• ثمار الهدوئيَّة، رؤية النور غير المخلوق :

ينضمُّ لتجربة وخبرة حِفْظِ القلب وصلاة يسوع، الروحانيَّة الصوفيَّة للنُّور غير المخلوق. فبالرَّغم من أنَّه وُجِدَت لها آثار منذ آباء الصحراء إلا أنَّها تتطوَّر بشكل خاص في القرن الخامس ضمن مجموعة من النصوص التي أرجعها المؤرِّخون إلى سمعان-مَا في بلاد ما بين النهرين، لكنْ من الذي قرأها من الرُّهبان البيزنطيين كعمل من أعمال مكاريوس – الذي ندعوه أيضاً وبهذا الصدد مكاريوس المنتحل. يصف هذا الكاتب، في مواعظه الرُّوحيَّة، تجارب رؤية الله والنَّشوات الرُّوحيَّة. يصبح الإنسان المُعطى هذه الرُّؤى بذاته مُستنيراً، كما في حالة موسى عندما نزل من جبل سيناء بالتحديد.

3. المَعالِم الرَّئيسيَّة للهُدوئيَّة

• الهدوئيَّة النُّسكيَّة :

ينقسم الجهد الرُّوحي لرُهبان الصحراء المصريَّة منذ القرن الرَّابع بين الصلاة الداخليَّة (القلبيَّة) والنُّسك سعياً للتناغم بين الاثنين. إلاّ أنَّ انحراف مُهَدِّد سيحمِّل الهدوئيَّة مسبقاً شكُّ اللاهوتيين : بعض الرُّهبان الذين ندعوهم بـ أوشيت euchites، المصلُّون، الذين لا يطالبون بشيء آخر سوى الصلاة. أوصى الآباء بشدَّة ضدَّ هذه البدعة على العمل اليدوي الذي يرافق الصلاة وكلُّ ذلك للسماح بمساعدة الفقراء فضلاً عن نفسه.

إنَّ التجربة الرُّوحيَّة لآباء الصحراء مدوِّنة في نهاية القرن الرابع، يعرض واحد منهم وهو أوغريس البنطي بأسلوب تركيبيّ سياق الهدوئيّ : يجب أن يمر هذا بخطوات النُّسك الجسديّة – الصِّيام، السَّهر – ومن ثمَّ إلى نسك الأفكار – محاربة الكبرياء، الغضب، الحسد – لبلوغ الصلاة النقيّة «علاقة عميقة مع الله» (في الصلاة، c. 3)، التي يجب أن تكون بدون صورة ولا خيال.

أصبحت هرطقة المصلين (الأوشيت)، في القرن الخامس، خطرة : ينتشر كلُّ تيارٍ طائفيّ تابع للمصلّين ميساليان messaliens – وهي الترجمة السريانية من اليونانيّة لكلمة أوشيت euchites – في الأقاليم الشرقيّة للإمبراطوريّة. تستبعد عقيدتهم كل ما هو غير الصلاة أي الأسرار والحياة الكنسيَّة وتتألَّف من القول أنَّ المعموديَّة غير نافعة وأنَّه وحدها الصلاة المستمرَّة يمكن أن تطرد الشيطان الذي يقطن في كل إنسان منذ ولادته ؛ يسبِّب رحيل الشيطان خبرة محسوسة للرُّوح القدس، الضمان الوحيد للخلاص. ستُدان هذه البدعة من قبل مجمع أفسس في عام 431.

في الواقع، ليست بدعة المصلّين إلاّ هامش طائفي لحركة روحيّة أكثر أهميّة، تلك التي يمثِّلها مكاريوس المنتحل. تتأصَّل جذور هذه الحركة في سوريَّا وبلاد ما بين النهرين وقد تصدَّت لتجربة مذهب العقلانيَّة الروحيّة الصرفة التي كانت في بذور نظريات أوغريس البنطي ؛ يعطي ثانيةً سمعان-مكاريوس، إلى جانب الصلاة النقيّة بدون صور وخيالات لأوغريس البنطي، مكاناً للعواطف لتذوُّق الله في ملء القلب.

سوف يُقصي لزمن طويل خطر بدعة المصلِّين وإدانتها الجذريّة – التي تلقي الشَّك على كل اللّذين يتكلَّمون عن الصلاة المستمرَّة وإدراك الله – الصلاة الهدوئيَّة عن المراكز البيزنطيَّة الكبرى، وسوف تحتمي الحركة في هوامش الامبراطوريَّة الأقل خشية من صواعق أرثوذكسيَّة متغطرسة أيْ :

–  في سيناء، مع يوحنَّا السلَّمي الذي يَصِفُ الصلاة الهدوئيَّة – « يترقَّب الهرّ الفأر ؛ وتترقَّب روح الهدوئي عريسها الرُّوحي» (الدرجة 27، 8) – وثمارها المحسوسة – «عندما تأتي النار لتسكن في القلب فإنَّها تبعث الصلاة ؛ وعندما ستُبعَثُ الصلاة وستصعد إلى السماء ستُنزل بدورها ناراً في عليَّة العشاء السرِّي للنفس» (الدرجة 28، 48)؛

–  في فلسطين، مع الرَّاهب بارسانوف وتلميذه دوروتيه من غزَّة الذين يصرُّون على عدم الاكتراث والثقة الكاملة بالله؛

–  في سوريا، مع اسحق السوري وهو ناسك يصبح أسقفاً لنينوى ومن ثمَّ يعود ويصبح راهباً متوحِّداً وهو يُصرُّ على التحوُّل الذي تحدثه الصلاة الهدوئيَّة : «أنْ ينام المصلِّي أو أنْ يستيقظ فإنَّ الصلاة من الآن فصاعداً لن تغادر نفسه. أنْ يأكل، يشرب، ينام أو كل ما يفعله، وحتى في نومه العميق، فإنَّ عطر الصلاة يستيقظ بدون ألم في قلبه.» (أبحاث نسكيَّة، 85). يعطي هذا التحوُّل للمصلِّي نظرة جديدة حول الكائنات والأشياء، نظرة شفقة شاملة تتضمَّن حتَّى الأفاعي.

لكن منذ القرن السابع، عندما أصبحت هذه الهوامش البيزنطيّة أراضٍ إسلاميَّة ، لن يُعبَّر عن الهدوئيَّة إلا بصوت خافت.

• سمعان اللاهوتيّ الحديث أو الهدوئيَّة في الدَّير :

يَجِدُ راهب خارج عن المألوف، في القرن العاشر في القسطنطينيّة، وهو سمعان اللاهوتيّ الحديث المواضيع الرئيسيَّة الهدوئيَّة، لكن بدمجها هذه المرَّة مع الحياة النسكيّة. يوافق، مزوَّداً بتجارب صوفيَّة منذ حداثته، الحياة العامَّة والصلاة الداخليَّة (القلبيّة) مؤكِّداً أنَّ القداسة لا تعتمد على نمط الحياة. طالبَ بإمكانيّة ممارسة صلاة تأمليَّة ومستمرَّة في الأديرة وعيش «في أيَّامنا أيضاً» تجربة مدركة ونيِّرة بالرُّوح القدس.

• الباليولوج Paléologues أو الهدوئيَّة في الأماكن العامّة :

توارت الهدوئيَّة من جديد، بعد هذا اللمعان الصُّوفي لسمعان اللاهوتي الحديث، كنهر باطنيّ محبوسة بواسطة الشكليَّات الرُّوحيَّة المرافقة للذروة الرُّوحيَّة للإمبراطوريّة، التي ستنبعث ثانيةً في نهاية القرن الثامن بعد المحنة المخيفة التي تمثِّل بالنسبة للبيزنطيين، بين 1204 و 1261، الاستيلاء على القسطنطينية من قبل الصليبيِّين والاحتلال اللاتينيّ.

يرتبط مع هذا الانبعاث بعض الأسماء مثل نيسيفور الهدوئي وهو ناسك في جبل آثوس يتوجّه إلى كل الذين يريدون أن يختبروا حضرة الله في الصلاة ؛ وهو يعتبر واحدًا من الأوائل الذين نصحوا بإدراج طريقة جسديّة، إلى هذه الصلاة، قائمة على السيطرة على التنفُّس : «أنت أيضاً في سكون قلايتك، مستجمعاً فهمك وإدراكك، اجعلها (الصلاة) تدخل من الأنف حيث يلج النَفَسْ داخل القلب. ادفعها عنوةً لتستقرَّ وتمكث مع النَفَسْ الوالج إلى القلب… عندما يوصلك إدراكك إلى هذه النقطة يجب ألا تتركه في الصمت والفتور وإنما قدِّم إليها ملكة العمل والتمرين المستمر على الصلاة : “أيها الرب يسوع المسيح، ارحمني” كي لا تتوقف أبداً عن ذكرها.» (حول الاعتدال، الفيلوكاليا 2، ص 372).

يطوِّر كاتب آخر من نفس العصر وهو سمعان المنتحل الطريقة الجسديّة بشكل أكثر تفصيلاً حيث سيفسح المجال ويسبب انتقادات لاذعة حين يقول : «ضع ذقنك على صدرك، كن يَقِظاً لنَفْسِكَ مع إدراكك وعيونك الحسَّاسة ؛ احبس للحظة نَفَسَكَ إلى الوقت الذي يجد فيه إدراكك مكان القلب الذي يقطن فيه نَفَسُكَ بالكامل» (حول الأساليب الثلاثة للصلاة، الفيلوكاليا 2، ص 815)، ستشبِّه انتقادات سيئة القصد هذا الأسلوب والعادة كتأمُّل السُّرَّة (في مركز البطن) كمكان للنفس حيث يشير مؤرِّخون معاصرون، من جانبهم، إلى تقارب مدهش لهذه الطرائق مع اليوغا.

أصبح الراهب ثيوليبتوس من فيلادلفيا، من نفس العصر، أسقفاً يدرِّس الصلاة الدَّاخليّة في التقليد الهدوئيّ النَّقي في دير للرّاهبات في القسطنطينيّة : الهدوئيّة ليست حكرًا على النّسّاك ولا على الرِّجال.

كل ذلك لم يكن إلاّ اختلاجات حيث شَهِدَ القرن التالي ولادة الهدوئيّة مع شخصيَّتين استثنائيَّتين : غريغوريوس السِّينائيّ وغريغوريوس بالاماس.

غريغوريوس السِّينائيّ، مأسور من قِبَل الأتراك ومُساق كعبد إلى لاوديكية Laodicée ثمَّ مُسترجع من قِبَل مسيحيّي البلد المحلِّيِّين كونه يرتِّل جيِّدًا. مُحرَّراً يسافر ويطَّلع ويتدرَّب على الصلاة الدَّاخليّة تدريجيًّا في قبرص، سيناء وفي كريت. يشكّل حوله تلاميذ بوصوله إلى جبل آثوس قبل ذهابه ليستقر في بلغاريا. يقوم تعليمه على ضرورة إيقاظ نعمة المعموديّة، غير مكترث بالهموم اليوميّة ؛ الأمر الذي يفتح طريقان : طريق النسك وهو طويل وشاق، وطريق الصلاة المستمرّة بشفاعة اسم يسوع وهذه الطريق سريعة لا يريدها أن تكون حكراً فقط على الرهبان، حتى النسّاك، بل سيدفع تلاميذه لينشروها حتّى أوساط العلمانيّين.

4. الجَدَلْ الهدوئيّ :

يبدأ في عام 1337، راهب فيلسوف وهو برلعام من كالابريا، تحقيقًا حول الحركة التي بدأت بالانتشار في جبل آثوس حيث يرسم صورة هزليّة للرّهبان الذين انصرفوا إلى هذا الشكل من الصلاة ونعتهم بـ «أومفالوبسيك» أيْ أولئك الذين نَفْسُهم تكون في السُّرَّة. يردُّ ويجيب غريغوريوس بالاماس، وهو راهب من جبل آثوس، بسلسلة من المقالات «للدفاع عن القديسين الهدوئيّين» : الثَّالوثيِّين. يدافع عن جملة ما فيهم من إمكانيّة الوصول لرؤية النّور الإلهيّ بعيونهم الجسديّة. فهو يكشف ليُبرِّئ نفسه بما أنَّه متَّهَمٌ بدعم وتأييد فكرة إمكانيّة رؤية الجّوهر الإلهيّ – أنَّه هرطوقيّ – عن عقيدة ستُعتبر فيما بعد كأساس لاهوتيّ للهدوئيّة : التمييز بين الجوهر الإلهيّ غير المُدرك وبين قوى الله – النور، المَجْد – المُتاحة للإنسان والتي هي اتّجاهات لتقديسه.

مُقاضً أمام مجمع القسطنطينيّة الكنسيّ عام 1341 بُرِّئ بالاماس من هذه الاتهامات بفضل انقلاب سياسيّ وضع على العرش الامبراطوريّ واحدًا من مناصريهم. ستصبح فيما بعد العقيدة البالاماسيّة، أي ذاك الدّفاع عن الهدوئيّة من قِبَل بالاماس، العقيدة الرَّسميّة للكنيسة البيزنطيّة بالرَّغم من المقاومة التي ستستمرُّ خلال عقود عديدة. سيسمح دعم الامبراطور البيزنطيّ لمناصري بالاماس بشغل كرسي بطريركيّة القسطنطينيّة حتّى نهاية القرن وبشكل متناقض أن يطوِّروا فيها ممارسة استقلال الكنيسة ضدّ تعديَّات الامبراطور.

تستمرّ، بشكل موازٍ لهذه التطوّرات السياسيّة-الكنسيّة، الحركة الرّوحيّة الهدوئيّة بالانتشار رابحةً الحلقات العلمانيّة من خلال وَعْظِ تلاميذ غريغوريوس السّينائيّ وكتابات الهدوئيّ العلمانيّ نيكولاس كاباسيلاس Nicolas Cabasilas.

تستعيد الهدوئيّة، بعد سقوط الامبراطوريّة البيزنطيّة عام 1453، حياتها تحت الأرضيّة. وفي عام 1782، أعطت النشرة في ڤينيسيا (البندقيّة)، من قِبَل نيقوديموس الآثوسيّ Nicodème l’Hagiorite من فيلوكاليا الآباء النسّاك وهي مجموعة من النصوص الرّوحيّة البيزنطيّة حول الصلاة الداخليّة، وضوحاً إضافيًّا والذي سيتكلّم ويعبّر عنها بشكل أساسيّ في جبل آثوس وفي البلاد السلاڤية. ستشهد روايات سائح روسيّ، التي تقصُّ رحلات إنسان بحثاً عن الصلاة المستمرّة والذي يأخذ منها السرّ في هذه الفيلوكاليا، نجاحاً كبيراً. تُرجِمَت هذه الرِّوايات إلى لغات غربيّة مختلفة وإلى الفرنسيّة منذ عام 1928 بنفس الوقت مع انتشار القديسين الأرثوذكس التابعين لنفس التقليد الرّوحي، مثل سيرافيم ساروف في القرن التاسع عشر وسلوان الآثوسيّ في القرن العشرين الذين سيساهمون في نشر الهدوئيّة. ستغرق وتغيب الفيلوكاليا ضمن الأثر الذي يتركه السائح الرّوسيّ : إنَّ نشر مقتطفات أو مختارات باللغة الفرنسيّة عام 1953 تحت عنوان الفيلوكاليا الصّغيرة للصلاة القلبيّة، سيُتبع بترجمة متكاملة للفيلوكاليا باللغة الإنجليزيّة ومن ثمّ إلى الفرنسيّة. إنَّ كنوز الهدوئيّة البيزنطيّة هي في الوقت الحاضر متاحة لعدد كبير.

(1) راجع المقال الأصلي على الرابط التالي : http://www.clio.fr/BIBLIOTHEQUE/une_grande_spiritualite_orthodoxe__l_hesychasme.asp

(2) مكلّفة بالأبحاث في CNRS (Centre National de la Recherche Scientifique)

(3) المترجم من رعية قطنا في ريف دمشق ـ سوريّا. حائز على ماجستير في الهندسة المدنية من جامعة Lille في فرنسا.

Email : aihamsaad@gmail.com ; P.O.Box : 3170, Damascus – Syria

التألّه والأرثوذكسية

التألّه والأرثوذكسية

الأرشمندريت جاورجيوس، رئيس دير القديس غريغوريوس في جبل آثوس

نقلها الأب أنطوان ملكي

في كنيسة المسيح الأرثوذكسية، يحقق الإنسان التألّهَ لأن نعمة الله، بحسب تعليم الكتاب المقدس وآباء الكنيسة، غير مخلوقة. الله ليس جوهراً وحسب، كما يؤمن الغربيون، بل هو قوة أيضاً. لو كان الله جوهراً فقط، لما كنا نستطيع أن ننضمّ إليه وأن نشترك به، لأن جوهر الله مهيب وغير مدرَك من الإنسان، بحسب القول الكتابي: “لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ” (خروج 20:33).

فلنُشِر هنا إلى بعض الأمثلة المتعلّقة بالبشر. إذا لمسنا سلكاً كهربائياً غير مغطى نموت. من ناحية ثانية، إذا وصلنا إلى السلك مصباحاً نستنير. نحن نرى قوة التيار الكهربائي ونتمتّع بها وتساعدنا، بينما لا نستطيع أن نمسك جوهره. ما يجري مع النعمة الإلهية مماثل إذا جاز التعبير. إذا استطعنا أن نتّصل بجوهر الله، نصير بالجوهر آلهة، أي أن كل شيء ممكن أن يصير إلهاً، وسوف يكون هناك تشوّش مما يؤدي على أن لا يكون هناك أي إله بالجوهر. إن ما يؤمن به الأديان الشرقية، كالهندوسية مثلاً، هو أن الإله غير موجود بشكل شخصي بل هو قوة غامضة منتشرة في كل الكون، في البشر كما في الحيوانات والمواد”.

أيضاً، لو لم يكن لله سوى جوهر إلهي غير قابل للشركة لبقي إلهاً مكتفياً بذاته مغلِقاً على نفسه دون أن يشترك مع خليقته. بهذه القوى غير المخلوقة خلق الله العالم ويستمر في الاهتمام به. إنه يعطي عالمنا الجوهر والوجود بقواه التي تخلق الجوهر. إنه موجود في الطبيعة ويؤازر الكون بقواه المؤازرة. إنه ينير الإنسان بقواه المنيرة. إنه يقدّس بقواه المقدّسة. وفي الختام إنه يجعل نفسه إلهاً بقواه الإلهية. بقواه غير المخلوقة يدخُل الله الطبيعةَ، العالم، التاريخ، وحياة الناس.

إن قوى الله مقدّسة. إنها الله من دون جوهره. إنها الله ولهذا هي تجعل الإنسان إلهاً. لو لم تكن قوى الله مقدّسة وغير مخلوقة لما كانت الله، ولا كانت قادرة على جعلنا آلهة، ولا على ضمّنا إلى الله. من دونها تكون المسافة بين الله والناس غير قابلة للردم. لهذا، بامتلاك الله لقوى إلهية وضمّنا إلى هذه القوى، يمكننا أن نتّصل بالله وننضمّ إلى نعمته، من دون أن نتساوى به، كما لو كنا ننضمّ إلى جوهره. لهذا، نحن ننضمّ إلى الله من خلال قواه غير المخلوقة وليس من خلال جوهره. هذه هو سرّ الإيمان الأرثوذكسي وسرّ حياتنا.

هذا ما لا يمكن للاعتقاد الخاطئ الغربي أن يقبله، لأن الغربيين عقلانيون لا يستطيعون أن يميّزوا بين جوهر الله وقواه وبالتالي يتمسكون بأن الله هو جوهر فقط. لهذا السبب لا يستطيعون أن يتحدّثوا عن تألّه الإنسان. كيف يقبلون أن الإنسان يصير إلهاً إذا كانوا لا يقبلون أن قوى الله غير مخلوقة بل يقولون بأنها مخلوقة؟ كيف يستطيع ما هو مخلوق أن يجعل الإنسان المخلوق إلهاً؟

جرى في القرن الرابع عشر اضطراب كبير في الكنيسة [الأرثوذكسية] حرّض عليه راهب غربي اسمه برلعام. لقد سمع أن الأثوسيين يتحدّثون عن التالّه، وعرف أنّهم يصيرون مستحقين، بعد جهاد كبير، لأن يطهّروا أنفسهم من الأهواء وبالصلوات الكثيرة ينضمّون إلى الله لكي يكتبوا خبرة الله ويعاينوه. لقد سمع أنّهم يرون النور غير المخلوق الذي رآه الرسل عند تجلي الرب على طور ثابور. مع هذا، كون برلعام من أصحاب الروح العقلانية الغربية، لم يتمكن من إدراك الخُبُرات الحقيقية الإلهية التي كانت لهؤلاء الرهبان المتواضعين، فراح يتّهمهم بانهم مخدوعون وهراطقة ووثنيون. فكان يقول، على سبيل المثال، إن من المستحيل أن يرى الإنسان نعمة الله، لأنه لم يكن يعرف الفرق بين الجوهر وقوى الله غير المخلوقة. من ثمّ جلبت نعمة الله معلماً للكنيسة مستنيراً هو الآثوسي القديس غريغوريوس بالاماس، رئيس أساقفة تسالونيكي. بحكمة عظيمة واستنارة من الله، كما بخبرة شخصية، قال وكتب الكثير وعلّم بحسب الكتاب المقدّس وتقليد الكنيسة المقدّس، بأن نور نعمة الله غير المخلوق هو قوة إلهية. كما علّم أن الذين يرون هذا النور فعلياً يصيرون إلهيين بالنعمة لكون هذه الرؤيا هي الخبرة الأسمى والأرفع للتأله ومعاينة نور الله. هذا هو مجد الله، بهاؤه، نور ثابور، نور قيامة المسيح والعنصرة والسحابة المنيرة التي في العهد القديم. نور الله غير المخلوق حقيقي وليس رمزياً كما ادّعى برلعام وغيره من أصحاب الإيمان الخاطئ.

استمراراً لهذا، كل الكنيسة، من خلال ثلاث مجامع عظيمة عُقدَت في القسطنطينية، أثبتت أهلية القديس غريغوريوس بالاماس وأعلنت أن الحياة في المسيح ليست بمجرد تهذيب الإنسان بل بتألهه، الذي يعني الاشتراك بمجد الله ومعاينته ونعمته ونوره غير المخلوق.

إلى اليوم ما يزال الغربيون يعتبرون النعمة الإلهية، قوة الله، مخلوقة. للأسف، هذه إحدى الفروقات الكثيرة التي ينبغي حملها على الجدّ في الحوار اللاهوتي مع الكثلكة. الفرق الأساسي بين الكنيسة الأرثوذكسية والبابويين ليس “الفيليوكفيه” وحدها، ولا أولية البابا وعصمته. إنه أيضاً ما سبق ذكره. لا نستطيع أن ننضمّ إلى الكاثوليك إن لم يقبلوا أن نعمة الله غير مخلوقة، حتى ولو قبلوا كل شيء آخر. مَن سوف يفعّل التالّه إذا كانت النعمة الإلهية وقوة الروح القدس مخلوقتين؟

المجامع كعيادات لطبّ النفس

المجامع كعيادات لطبّ النفس

الأب يوحنا رومانيدس

نقلها إلى العربية الأب أفرام كرياكوس

علينا أن نكون أصحاب رؤية واضحة للإطار الذي رأت فيه الكنيسة والدولة مساهمةَ “الأنبياء” في معالجة مرض الشخصية البشرية وكمالها في سبيل فهم رسالة المجامعSynods ، وفهم السبب الذي دعا الإمبراطورية الرومانية إلى ضمّ هذه المجامع إلى قوانينها وإدراجها في قوانين الدولة. لا الكنيسة ولا الدولة اختصرت رسالة الكنيسة على الخلاص بمجرّد غفران الخطايا من أجل الدخول إلى السماء بعد الموت. هذا وكأنه يعني أن الأطباء يغفرون ضعفَ مرضاهم من أجل شفائهم بعد الموت. الكنيسة والدولة معاً كانتا تعلمان جيّداً أن غفران الخطايا كان بدايةَ الشفاء من مرض الإنسانية في السعي إلى السعادة.

عملية الشفاء لا بدّ أن تعبر مرحلة التطّهر (تطّهر القلب) (purification) ومرحلة استنارة القلب (illumination) وتنتهي بحالة التمجّد (glorification). هذا يحدو بنا ليس فقط إلى التهيئة للحياة بعد الموت بل وأيضاً إلى تحوّل المجتمع هنا والآن من الأنانية والفردية المركزّة على الأنا المحبّة اللاأنانية التي لا تطلب شيئاً لذاتها.

أ – السماء والجحيم

سوف يرى كلُّ واحد مجد الله في المسيح وسوف يصل إلى درجة الكمال التي اختارها وعمل من أجلها. تبعاً للقدّيس بولس ولإنجيل يوحنا، يقول الآباء أن الذين لم يروا المسيح القائم في المجد في هذه الحياة إما في مرآة جزئياً عن طريق الصلاة المستمرة في القلب، وإما وجهاً لوجه في حالة المجد، سوف يرون وجهه كنارٍ أبدية محرقة وظلمة خارجية في الحياة التالية. إن مجدَ المسيح غيرَ المخلوق الذي عنده بالطبيعة من الآب، هو السماء للذين شفوا المحبة الأنانية وإستبدلوها بالمحبة اللاأنانية وهو في الوقت نفسه الجحيم للذين رفضوا مثل هذا العلاج واختاروا البقاءَ بلا شفاء في تعلّقهم بذاتهم (هكذا يتحدّث القديس افرام السرياني مرات عديدة عن المحبة اللاأنانية – الشفاء).

الوضوح في هذا الموضوع ليس فقط في الكتابُ وعند الآباء، بل وأيضاً في الأيقونات الأرثوذكسية حول الدينونة: النورَ الذهبي نفسه، الذي هو نور المجد، الذي يُحيط بالمسيح وبأصدقائه يُصبح أحمرَ عندما ينزل الحكم بالمحكوم عليهم.

هذا هو مجد المسيح أو حبّه الذي يطّهر خطايا الجميع لكنه لا يمجّد الجميع. الناس كلّهم سوف يُقادون عن طريق الروح القدس إلى الحقيقة كلها التي تتمّ في رؤية المسيح في المجد، لكن لن يُمجّدوا كلّهم. “الذين برّرهم فهؤلاء مجدهم أيضاً” (رو8: 30). إن مثل لعازر في حضن إبراهيم والغني في مكان الشقاء واضح: الغني يرى ولكنه لا يشترك (لوقا 16: 19-31)

إن الكنيسة لا ترسل أحداً إلى السماء أو إلى الجحيم لكنها تُهيء المؤمن لرؤية المسيح في المجد، الذي سوف يراه كلّ واحد. الله يحبّ المحكوم عليهم كما يحب قدّيسيه. يريد الكلّ أن يخلصوا (أن يشفوا) لكن ليس الكل يرضى بعلاجه. هذا يعني أن غفران الخطايا (المعمودية والمناولة… الأسرار كلّها) غيرُ كافية لرؤية المسيح في المجد.

التقليد المعروف عند أنسلم Anselm والقائل بأن المخلّصين هم الذين تصالح الله معهم بالمسيح، تقليد لا تؤيّده الكنيسة الأرثوذكسية ولا توافق عليه، ولا تشاطره. عندما يفسّر القدّيس يوحنا الذهبي الفم المقطع 2كور5: 19 (“إن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه، غيرَ حاسب لهم خطاياهم وواضعاً فينا كلمةَ المصالحة”) يوضح أن الرسولَ قال: صالحوا أنفسكم مع الله (تصالحوا مع الله) ولم يقل صالحَ المسيحُ الله مع العالم (أي بالمسيح تصالح الله مع العالم) “لأن الله لا يحقد بل نحن، الله لا يحقد أبداً”.

في هذا الإطار فهمت الدولة رسالةَ الكنيسة الطبيّة داخل المجتمع. إذ لولاها لكانت كلّ الديانات التي تعد بالسعادة بعد الموت غير مختلفة عن بعضها البعض.

ب – نافذة بولس الرسول على الكنيسة

التفسير التالي مبني على التقليد الآبائي.

تشكل الإصحاحات كورنثوس الأولى 12 إلى 15 النافذة الوحيدة التي يمكن من خلالها أن يتطلّع الواحد إلى حقيقة الكنيسة كجسد المسيح. العضوية في الكنيسة لها درجاتها من أجل المعالجة ومن أجل الكمال ضمن فئتين: المستنيرين والممجَّدين. أمّا أعضاء الكنيسة فهم مذكورون في 1كور12: 28 “فوضع الله أناساً في الكنيسة أوّلاً رسلاً ثانياً أنبياء ثالثاً معلّمين ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء أعواناً تدابير وأنواع ألسنة”.

يبدأ الواحد بأن يكون مؤمناً فرداً خاصاً، يقول “آمين” في الخدمة المشتركة المسموعة. في هذه المرحلة يلتزم بتطهير قلبه تحت إرشاد أولئك الذين صاروا هياكلَ للروح القدس وأعضاء في جسد المسيح.

بعد درجة التطّهر، تبدأ مرحلة الإستنارة بإنشاء موهبة (charisma) بدءً من “أنواع الألسنة” التي تأتي في آخر اللائحة في الدرجة الثامنة إلى أن يصل الواحد إلى درجة “المعلّمين” في الدرجة الثالثة.

على رأس الكنيسة المحلية هناك “الأنبياء” الذين يأتون في الدرجة الثانية وهم الذين اقتبلوا إعلان “الرسل” نفسه (أفسس 5:3) في الدرجة الأولى. يشكّل الرسل والأنبياء أساسَ الكنيسة بطريقة مشابهة للأطباء في تأسيس المستشفيات.

“أنواع الألسنة” هي الأساس الذي تبنى عليه المواهب كلّها. وهي تعلّق وقتياً خلال فترة التمجّد 1كور 13:8 (“المحبة لا تسقط أبداً. وأما النبؤات فستُبطل والألسنة فستنتهي والعلم فسيُبطل”). يرتّب بولس نفسه كرسول على رأس لائحة أعضاء الكنيسة الذين وضعهم الله. وهو يتمتع أيضاً بموهبة “أنواع الألسنة”.

يقول الرسول بولس “أشكر إلهي بأني أتكلم بألسنة أكثر من جميعكم” (1كور18:14). هذا يعني أن أنواع الألسنة تنتمي إلى درجات المواهب كلّها ضمن جسد المسيح. سؤال بولس الرسول “هل يتكلّم الكل بألسنة؟” هو إشارة إلى الأفراد العاديين الذين لا يتمتعون بعد بموهبة الألسنة والذين لم يصبحوا بعد أعضاء في جسد المسيح وهياكل للروح القدس. يعلّق القديس سمعان اللاهوتي الحديث على المقطع (1كور27:12-28) ويقول: [من أجل إظهار مَن هم الأعضاء وما هي الفروقات بينهم، قال بولس “وأما أنتم فجسد المسيح… وأنواع الألسنة”]

درجات المستنيرين والممجّدين في جسد المسيح ليست درجات سلطة يختارها البشر. هي أولئك الذين هيأهم الله ووضعهم في الكنيسة من أجل التقدم إلى درجات أعلى في العلاج والكمال. عندما يدعو بولس الدرجات كلّها كي تتقدم نحو الدرجات الروحية العالية، يبرهن بوضوح أنّ على الكل أن يصبحوا أنبياء، أن يصلوا إلى المجد: “إني أريد أن جميعكم تتكلمون بألسنة ولكن بالأولى أن تتنبئوا” (1كور5:14).

ج – عيادة طب النفس

الكنيسة البولسية شبيهة بعيادة طبّ النفس. لكن مفهومها لمرض الشخصية البشرية أعمق من كلّ ما عرفه الطبّ الحديث. من أجل التحقق من ذلك علينا أن ننظر من خلال بولس إلى المفهوم الكتابي لما هو طبيعي عند الإنسان ولما هو غير طبيعي.

الإنسان الطبيعي هو الذي أرشد إلى الحقيقة كلّها بموجب روح الحق وأيضاً أُرشد إلى رؤية المسيح في مجد أبيه (يوحنا17، أنظر إلى تفسير هذا الإصحاح عند القدّيس يوحنا الذهبي الفم). بسبب تمجيد الرسل والأنبياء في المسيح آمن الشعب بالله الذي أرسل ابنه، وكذلك صار باستطاعة الشعب هو أيضاً أن يشفيَ عن طريق المحبّة التي لا تطلب شيئاً لذاتها. الناس الذين لا يرون مجدَ الله غيرَ المخلوق ليسوا بطبيعيين “إذ الجميعُ أخطئوا وأعوزهم مجد الله” (رو23:3).

بعبارة أخرى، الإنسان الوحيد الذي وُلد طبيعياً هو ربُّ المجد الذي باختياره كابد الآلام التي لا عيب فيها (الجوع، العطش، النوم، الخوف من الموت الخ…) بالرغم من كونه بالطبيعة مصدر المجد الذي يُلغي هذه الآلام كلّها.

ومن جهة ثانية لا يكشف الله عن مجده لكل واحد لأنه لا يريد أن يؤذي أولئك الذين ليسوا مهيئين لمثل هذه الرؤيا. المفاجأة هي في أنبياء العهد القديم الذين رأوا الله ومع ذلك يحيون، وكذلك في طلب الشعب من موسى أن يتوسّل إلى الله لكي يحجب مجده الذي لم يستطيعوا احتماله، وكل ذلك يوضح ما قلناه سابقاً.

مهمّة الكنائس الرسولية ليست في البحث عن الله نفسه طالما يبقى الله سراً بالنسبة للعقل حتى عندما يكشف عن نفسه للذين يشتركون في سرّ صليب ابنه عن طريق تمجيدهم. مهمتها الوحيدة هي معالجة أو شفاء كلّ واحد في المسيح. هذا يحصل عن طريق التطّهر واستنارة القلب والتمجّد في هذه الحياة من أجل خدمة المجتمع: “فإن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه. وإن كان عضوٌ واحدٌ يُكرّم فجميعُ الأعضاء تفرح معه” (1كور 26:12)، “والذين برّرهم فهؤلاء مجّدهم أيضاً” (رومية30:8). هذا يعني أن الاستنارة والتمجّد مرتبطان ببعضهما البعض من دون أن يتحدا.

ج – مرض الإنسان

مرض الشخصية البشرية كامن في ضعف شركة القلب مع مجد الله (أي ضعف اشتراكه بنعمة الله) (رو3: 23) لأن القلب قد ذاب في أفكار المحيط “لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي” (رو1: 21، 1: 24، 2: 5). في هذه الحالة كل واحد يتصور الله وكأنه صورةٌ لنفسه المريضة أو حتى صورة للحيوانات (رو1: 22). الإنسان الداخلي يعاني من الموت الروحي “الذي بسببه” (رو5: 12) أخطأ الجميع عندما أصبح عبداً لغريزة الحفاظ على أنانيته. ممّا يشوه المحبة بربطها بالتفتيش الأناني عن الضمانة security وعن الرفاهية والراحة comfort.

إن علاج هذا المرض يبدأ بتطهير القلب من الأفكار كلّها (رو2: 29): “بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي وختان القلب بالروح هو الختان. الذي مدْحه ليس من الناس بل من الله”. تطهير القلب من الأفكار الحسنة والسيئة معاً وحصرها في العقل. للوصول إلى ذلك عن طريق الصلاة، المستمدّة من القلب، يلتفّ الروح على نفسه بشكل كرة من نور وينتقل من العقل إلى القلب. فيصبح كأسطوانة مرمّمة تعود في الصلوات إلى العقل الذي انطلقت منه. هكذا يتحرّر الإنسان من عبودية المحيط، من التساهل، من الضعف، من التملّك وحتى من الأهل والأقرباء.

“إن كان أحد يأتي إليّ ولا يُبغض أباه وأمّه وحتى نفسَه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً”. (لوقا14: 26، متى10: 27، لوقا14: 26). هدف كلّ ذلك ليس الوصول إلى اللامبالاة الرواقية أو إلى النقص من المحبة بل هو تأهيل القلب لأن يتقبّل الصلوات والمزامير التي ينقلها الروح من العقل إلى القلب والسماح لهذا الأخير أن يعمل بينما ينشغل العقل بالنشاطات اليومية أو حتى بالنوم. هكذا تجد المحبة علاجها.

هذا الإطار الذي يتكلم بولس الرسول فيه عن الروح القدس الذي يصلّي في القلب. “الروح القدس يَشفع في الناس كلّهم بأنات لا توصف” (رو8: 26)[1]، ولكنه ينقل الصلوات والمزامير من العقل intellect إلى القلب عندما يكون هذا الأخير مطهّراً من الأفكار كلّها الحسنة والرديئة.

عند هذا الحدّ يتقوى روح الإنسان بالروح القدس ولا يعمل شيئاً آخر سوى الصلاة وتأدية المزامير بصورة غير منقطعة بينما العقل مأخوذ بنشاطاته اليومية الطبيعية محرّر من السعادة التي تسعى إلى التركيز على الأنا. هكذا يصلّي الإنسان بروحه في القلب بلا انقطاع ويصلّي بالعقل في بعض الأوقات. هذا ما يعنيه بولس عندما يكتب: “أصلّي بالروح وأصلّي بالذهن أيضاً. أرتّل بالروح وأرتل بالذهن أيضاً” (1كور14: 15)[2].

كان بولس قد قال لنا أن الصلاة بألسنة مختلفة تحوي مزامير العهد القديم. لا يتكلم إذاً عن صلوات غير مفهومة إذ أن المزامير مفهومة عند الجميع. يتكلم بولس عن صلوات روح الإنسان في القلب. هذه الصلوات يسمعها فقط أولئك الذين يتمتعون بموهبة “أنواع الألسنة”. أولئك الذين لا يمتلكون مثل هذه الموهبة لا يستطيعون أن يسمعوا الصلوات والمزامير في قلوبهم.

في حالة الاستنارة، أدخل الكورنثيون عادة الخدمة المشتركة (صلاة في القلب) بحضور “الأفراد” الذين لم يحصلوا بعد على موهبة “أنواع الألسنة”[3]. هذا يجعل من المستحيل لهؤلاء الأفراد أن يُبنوا ويقولوا “آمين” في أوقات معيّنة لأنهم عاجزون عن السمع.

يقول بولس بوضوح “ليس أحد يسمع” (1كور14: 2). “فالآن أيها الأخوة إن جئت إليكم متكلماً بألسنة فماذا أنفعكم إن لم أكلمكم إما بإعلان أو بعلم أو بنبوءة أو بتعليم؟” (1كور14: 6-7). “فانه إن أعطى البوق أيضاً صوتاً غير واضح فمن يتهيأ للقتال؟ هكذا أنتم أيضاً إن لم تعطوا باللسان كلاماً يُفهم فكيف يعرف ما تُكلِّم به؟….ربما تكون أنواع لغات هذا عددها في العالم وليس شيء منها بلا معنى فإن كنت لا أعرف قوّة اللغة أكون عند المتكلم أعجمياً والمتكلم أعجمياً عندي” (1كور14: 8-9). الذين لا يتمتعون بأنواع الألسنة عليهم أن يسمعوا “قوة اللغة” في الصلوات والمزامير لكي يجيبوا “آمين” (1كور14: 10و16) لذلك يجب على الواحد أن لا يصلي ويتلو مزامير “بصوت غير معلن” بحضور أولئك الذين ليس لديهم موهبة الألسنة (1كور14: 10و11) “لأنك أنت تشكر حسناً ولكن الآخر لا يُبنى” (1كور14: 17).

عندما يقول بولس “لأن مَن يتنبأ أعظم فمن يتكلم بألسنة إلاّ إذا ترجم حتى تنال الكنيسة بنياناً” (1كور14: 5) يقصد أن الذي يتكلم بألسنة فقط عليه أن يتعلّم كيف يترجم المزامير والصلوات في قلبه إلى مزامير وصلوات في عقله لكي تُتلى بصوت مسموع. عندما يتعلّم أن يصلي ويردد مزامير في الوقت نفسه بروحه وبعقله يمكن له أن يشترك بصلوات شكر مشتركة من أجل فائدة “الأفراد العاميين” الذين سوف يعرفون متى يُقال “آمين”.

“لذلك من يتكلم بلسان ليصلِّ لكي يترجم. لأني إن كنت أصلي بلسان، فروحي تصلي وأما ذهني فهو بلا ثمر. فما هي إذاً (الحال) أصلّي بالروح وأصلي بالذهن أيضاً. أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضاً. وإلاّ فإن باركت بالروح فالذي يشغل مكان العاميّ كيف يقول آمين عند شكرك لأنه لا يعرف ماذا تقول. فانك أنت تشكر حسناً ولكن الآخر لا يُبنى. أشكر إلهي اني أتكلم بألسنة أكثر من جميعكم. ولكن في كنيسة أريد أن أتكلم خمس كلمات بذهني لكي أعلم آخرين أيضاً أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسان” (1كور14: 13-19).

لا يقول بولس أن الواحد يترجم ما يقوله الآخر بألسنة. الواحد يترجم ما هو نفسه يقوله بألسنة. في كلّ مرة يذكر بولس “التكلم بألسنة” و”الترجمة” يقصد الواحد الذي يتمتع بموهبة الألسنة ويترجم نفسه بطريقة يُسمع واضحاً من أجل منفعة “الأفراد”. في هذا الإطار يقول: “إن كان أحد يتكلم بلسان فاثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة وبترتيب وليترجم واحد. ولكن إن لم يكن مترجم فليصمت في الكنيسة وليكلّم نفسه والله”. (1كور14: 27-28).

المترجم هو الذي يستطيع أن يترجم صلواته الخاصة من روحه الذي في قلبه إلى عقله الخاص بطريقة تصبح مسموعة من أجل بناء الآخرين. وإلا عليه أن يبقى صامتاً مقتصراً على الصلاة بألسنة، هذه الصلاة التي يتلوها آخرون أيضاً ولكن مسموعةً. هكذا فإن بولس يحرم الذين لديهم موهبة أنواع ألسنة، يحرمهم من قوّتهم حتى لا يفرضوا في الصلوات المشتركة طريقتهم بحضور “الأفراد”.

يتكلم بولس عن المزامير والصلوات لا المتلوّة باللسان بل المسموعة آتية من القلب. استنارة القلب هذه تغلب الاستعباد لغريزة الحفاظ على النفس وتساعد على بداية التحوّل من المحبة الأنانية إلى المحبة التي لا تطلب شيئاً لذاتها. هذه هي هبة الإيمان للإنسان الداخلي الذي يتبرّر، يتصالح، يُدرك البنوّة، السلام،الرجاء والحياة.

هذه الصلوات والمزامير غير المنقطعة في القلب[4] تحوّل الإنسان العادي إلى هيكل للروح القدس والى عضو في جسد المسيح. هي بداية تحرّر الإنسان من التعلّق بالمحيط لا بالانسحاب منه بل بمراقبته لا للاستقلال بل من أجل المحبة اللاأنانية. هكذا “فإن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطيئة والموت… ولكن إن كان أحدٌ ليس له روحُ المسيح فهو لا ينتمي إليه. وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميّت بسبب الخطيئة وأمّا الروح فحياةٌ بسبب البرّ” (رومية8: 2و8: 10).

بعد أن تكون المحبة قد تعافت عن طريق الكمال، يتقبّل الإنسان المواهب العليا الواردة في لائحة بولس الرسول في 1كور12: 28 والتي تصل إلى التمجّد glorification. يقول بولس: “إن كان عضوٌ واحدٌ يكرّم (يُمجد) فجميع الأعضاء تفرح معه” (1كور12: 26). هذا لكي يفسّر كيف يأتي الأنبياء بعد الرسل وقبل كل أعضاء جسد المسيح الآخرين. “أن يتبرّر الإنسان بالصلوات والمزامير، بالروح القدس في القلب هو أن يرى المسيح كما في مرآة في لغز (1كور13: 12). والتمجّد هو مجيء “الكامل” (1كور13: 10) أي رؤية المسيح “وجهاً لوجه” (1كور 13: 12).

عندما يقول بولس “أعرف بعض المعرفة” يقصد بولس حالته في الاستنارة والتبرير. وفي عبارته “لكن حينئذ سأعرف كما عُرفت” يقصد بولس أنه سوف يتمجّد كما تمجّد. في حالة الاستنارة يكون الإنسان طفلاً وفي حالة المجد يصبح رجلاً (1كور13: 11).

في حالة المجد glorification التي هي حالة الإعلان بصلاة في القلب (الألسنة)، المعرفة والنبوّة، مع الإيمان والرجاء كلّها تُلغى إذ تُستبدل بالمسيح نفسه. فقط المحبّة لا تسقط (1كور13: 8-11) عند الإعلان الكلمات والأفكار عن الله ومن أجل (الصلوات) تُلغي. بعد حالة المجد يعود الإنسان إلى حالة الاستنارة. المعرفة، النبوّة، الألسنة، الإيمان والرجاء كلّها تعود لكي تلتقي بالحبّ الذي لم يسقط أبداً. هذه الكلمات والأفكار المستخدمة في الصلوات يستخدمها الإنسان الممجّد لكي يقودَ الآخرين إلى المجد. هي ملهمة من الله وتُلغى في حالة المجد.

هذه الرؤيا للمسيح القائم في المجد والتي كانت لبولس هي التي تضع الرسل والأنبياء على الرأس (1كور12: 28) وفي أساس الكنيسة (أفسس2: 20). يضم هذا الأساس نساءً أنبياء (أعمال الرسل2: 17،21: 9) (أحد 11: 5). مما يتفق مع قول بولس أن في المسيح لا رجل ولا مرأة (غلا3: 28).

ليست حالة المجد أعجوبةً بل هي الحالةُ الطبيعية التي يُدركها الإنسان عندما يتحول من المحبة الأنانية إلى المحبة التي لا تطلب شيئاً لذاتها. بولس الرسول ويوحنا الإنجيلي معاً يعتبران رؤيةَ المسيح في المجد ضروريةً في هذه الحياة من أجل تتميم المحبة وخدمة المجتمع (يوحنا14: 21-24،16: 22،17: 241كور13: 10-13،أفسس3: 3-6). إن ظهورات المسيح القائم في المجد لم تكن، وليست، عجائب يراها أناس مدهوشون في عبادتهم لله. العجيبةُ كانت في صَلب ربّ المجد لا في قيامته. يظهر المسيح القائم فقط من أجل تتميم المحبة. حتى في حالة بولس الذي أدرك درجة المجد (غلا1:14وما يليه) دون أن يعرف ربّ المجد إنما رآه مولوداً في المهد مصلوباً وقائماً.

المقطع (1كور15: 1-11) هو عبارة عن التمجيدات التي جاءت لتكمّل ما عالجه بولس في المواهب الروحية ابتداءً من (1كور12: 1). كلّ الذين تمجدوا في التاريخ يساوون الرسلَ في اشتراكهم في العنصرة لأنهم قد أُرشدوا إلى الحقيقة كلّها (أعمال10: 47-11: 18). كل الحقيقة هي في المسيح القائم والصاعد والعائد في الألسنة غير المخلوقة، الألسنة النارية في العنصرة ليسكن مع أبيه في الناس المؤمنين الذين أصبحوا هياكلَ لروحه المتشفّع في قلوبهم. لقد جعل من الكنيسة جسده التي لا تقوى عليها أبوابُ الموت.

التمجّد هو اشتراك الجسد والنفس في الأبدية وفي عدم الفساد من أجل تتميم المحبة. هذه الحالة يمكن أن تكون قصيرة أو طويلة. بعد فقدان قصير للتوجه، يتابع الواحد عمله اليومي ويرى كلّ شيء مملوءً من مجد الله الذي ليس نوراً ولا ظلمةً ولا يشبه أي شيء مخلوق. أُلغيت الأهواء عن طريق الاستنارة. وخلال حالة المجد لا يأكل الإنسان، لا يشرب، لا ينام، لا يتعب ولا يتأثر بالحرّ ولا بالبرد. هذه العوامل في حياة الأنبياء القديسين قبل تجسّد ربّ المجد وبعده ليست عجائب بل استعادةً لحياة الإنسان الطبيعية. ضمن هذا الإطار نفهم أقوال المسيح للإنسان المريض “أما انا فقد أتيتُ لتكون لهم حياة (في الإستنارة) ولتكون حياة أفضل (في التمجّد) (يوحنا10: 10). إن إنجيل يوحنا وخاصة الإصحاحات يوحنا14-16 هو وصف مفصّل للشفاء عن طريق الإستنارة والإصحاح يوحنا17 هو صلاة المسيح عن طريق التمجّد.

علم الشيخوخة Geronyology أظهر أن الشيخوخة هي مرضٌ وهو يبحث أيضاً إذا كان الحدث نفسه هو أيضاً مرض. في هذا الموضوع الناس الممجدّون (المتألهون) وكذلك رفاتهم سوف تبرهن عن فائدة كبيرة إذ إن عدداً كبيراً منهم بقيت أجسادهم وخلاياهم لقرون في حالة متوسطة بين الفساد وعدم الفساد. المثل الشهير الأقدم هو القدّيس اسبيريدون الذي في جزيرة كركرة corfou والذي هو من آباء المجمع المسكوني الأول سنة 325. وهناك 120 منهم في مدينة كييف Kièv وحدها.

هذا إطار كلام بولس “ان الخليقة نفسها أيضاً ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله” (رو8: 21). من الواضح استناداً إلى هذا الإطار أن “حرّية المجد” هي التحرّر من الموت ومن الفساد. ولكن حتى الذين، في إنسانهم الداخلي، قد استناروا وتذوقوا اللاموت الجسدي واللافساد خلال فترة تمجيدهم الوجيزة هؤلاء أيضاً “يتوقّعون التبنّي فداء أجسادنا” (رو8: 23) “لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فسادٍ وهذا المائت يلبس عدم موت. فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة ابتُلع الموت إلى غلبة” (1كور15: 53-54). هذا نعرفه لا تعليقاً على ما جاء في الكتب المقدّسة بل من خلال خبرة التأله أو التمجيد، من “حرية مجد أبناء الله” (رو8: 21).

إن أساس إيمان الكنيسة بقيامة الأجساد (الجزء البيولوجي من الإنسان) هو خبرة التأله في المجد وليس فقط النصوص الكتابية.

د- ليسوا من العالم بل هم في العالم

التمييز بين الحياة العملية والحياة التأملية لا وجود له في جسد المسيح. إن هبة الروح القدس في الصلاة المستمدّة في القلب تجعل مثل هذا التمييز مستحيلاً. يمكن له أن يوجد فقط خارج جسد المسيح.

“ليس أحد يستطيع أن يقول يسوع ربٌّ إلا بالروح القدس. وليس أحدٌ وهو يتكلم بروح الله يقول يسوع أناثيما” (1كور12: 3). هذه هي روحانية الكتاب والآباء. وهذه هي القوّة التي كانت تمنع (تجعل مستحيلاً) اضطهاد هيكل الروح القدس بإنكاره للمسيح. هذا الإنكار يبرهن على أن الإنسان لم يكن قد صار عضواً في جسد المسيح. إن رسالة هياكل الروح القدس الأولى هي أن يعمل الإنسان في أية صنعة ويسعى في الوقت نفسه إلى شفاء الآخرين. يعملون في مجتمعهم على شبه الأطباء النفسانيين Psychiatrists لكن مع الفرق أن هؤلاء الأعضاء لا يبحثون عن توازن عقلي بالانسجام مع مقاييس اجتماعية للإنسان الطبيعي، المقياس الطبيعي عندهم هو التمجّد. إن قوّتهم الشفائية لم تكن وليست من هذا العالم. ومع ذلك فهم يعيشون في هذا العالم مشاركين تحوّله.

“إن الخليقة نفسها أيضاً ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرّية مجد أبناء الله” (رو8: 21).

حواشي

[1]وكذلك الروح أيضاً يعين ضعفاتنا. لأننا لسنا نعلم ما نصلّي لأجله ولكن الرب نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها” (رو8: 26)

[2]”إلاّ فإن باركتَ بالروح فالذي يشغل مكان العاميّ كيف يقول آمينعند شكرك. لأنه لا يعرف ماذا يقول. فانك أنت تشكر حسناً ولكن الآخر لا يُبن. أشكر إلهي أني أتكلم بألسنة أكثر من جميعكم. ولكن في كنيسة أريد أن اتكلم خمس كلمات بذهني لكي أعلّم آخرين أيضاً أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسان” (1كور14: 16 – 19)

[3] موهبة الصلاة في القلب = موهبة الألسنة

[4] “ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح مكلّمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغاني روحية مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب” (افسس5: 18-19)

[5] “ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حرّ. ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع” (غلا3: 28).

التمييز بين الأرثوذكسية والهرطقة في الفيلوكاليا

التمييز بين الأرثوذكسية والهرطقة في الفيلوكاليا

المتقدم في الكهنة جورج ميتالينوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

1. مدخل

معروف أن إيجاد تحديد دقيق للأرثوذكسية ككنيسة هو أمر مستحيل، لأن “الأرثوذكسية – الكنيسة” هي شأن إلهي-إنساني. في ما يتعلّق بعنصرها الإلهي، فهو يتخطّى الإدراك الفكري-المنطقي. لذا، إذا أردنا أن نعرّف الأرثوذكسية بشكل ما، فيمكننا أن نقول ما يلي: الأرثوذكسية هي حضور غير المخلوق في العالم وفي التاريخ، وقدرة المخلوق على أن يتقدّس ويبلغ التألّه. إن الشعار “الإله الخالق لكن غير الحاكم” هو محض وهم، بحسب المنطق الأرثوذكسي. إن العنصر غير الزمني والفائق الزمن هو في العالم وفي الزمن بشكل ثابت، لكي يقدّس الزمن ويحوّله إلى زمان للملكوت الإلهي، إلى أبدية (أنظر كلمات الرسول بولس: “لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ” (1كور 53:15)).

2. الإيمان

مفهوم أن الأرثوذكسية مرتبطة دوماً بالإيمان. لهذا، نحن نتحدّث عن “الإيمان الصحيح القويم”، لكي نميّزه عن “الإيمان الزائف”. الأرثوذكسية هي المجد الحقيقي وتمجيد الله، المفهوم الأصيل لله، بينما الهرطقة هي مجد مصطنع وتمجيد مَرَضي لله. وهكذا تتصادم الأرثوذكسية والهرطقة في مجال الإيمان، وهنا هو بالتحديد مكان اختلافهما. عليه، ما هو إذاً “الإيمان” وكيف يُفهَم في حياة الكنيسة كجسدٍ للمسيح؟

قبل كل شيء، “الإيمان” في لغة اللاهوت يعني الإعلان الإلهي؛ أي ما يكشفه الله للإنسان، فحوى ما يُعلَن، الحقيقة الإلهية. مع هذا، الإعلان الإلهي ليس أمراً مجرّداً، أي ليس مجموعة من الحقائق المُدرَكَة عقلياً، أو الأفكار أو المواقف التي يُدعى الإنسان إلى تبنيها لكي يخلص. النظرة السكولاستيكية هي على هذا الشكل، وقد تسرّبَت إلى عقائدنا أيضاً. حقيقة الكنيسة هي شخص؛ إنها ابن الله المتجسّد وكلمته؛ إنها الحق الكامل متجسّداً. إنها شخص ربّنا يسوع المسيح. إن الإله المجهول والمتعذّر بلوغه منذ خلق العالم صار معروفاً، وما زال يُعرَف، في المسيح. بتعبير آخر، الله كشف ذاته؛ إنه يعلن عن ذاته “بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ” (عبرانيين 1:1)، حيث ذروة الإعلان هي إعلانه عن ذاته “في الابن”، أي في تجسده، الذي كان شرطاً مسبقاً لحدث العنصرة، الذي من أجله “تكوّنت” الخليقة، بحسب الآباء. العنصرة هي الكشف الإلهي الأسمى في الروح القدس، كما أنها أسمى خبرة بشرية في التاريخ.

المسيح، كإله-إنسان، هو بطريقة ما الإيمان “الموثُّق”، الممنوح “من العلى”، لكي نأتي إلى معرفة الله “بذاته” (أنظر يوحنا 9:14 “مَن رآني فقد رأى الآب”). إنّه إيماننا الأقنومي (الشخصي)، بحسب القديس مكسيموس المعترِف. نحن نصير “مؤمنين”، بالاشتراك في ذلك الإيمان الشخصي المتجسّد، أي المسيح. فقط في المسيح يمكن أن تتوفّر إمكانية معرفة الإله الحقيقي. وهذا ما يوطّد فرادة الأرثوذكسية ومقصوريتها في الحدث المعروف بالخلاص (أعمال 12:4).

يردّ الإنسان على الإيمان المعلَن “المُجاز” إليه لخلاصه بإيمانه الشخصي. إيمان الإنسان أساسي بشكل مطلَق، لكي تعمل قوة الله في داخله؛ لتقوده إلى الخلاص. المسيح نفسه أكّد قيمة إيمانه “مَن آمن واعتمَد يخلص، ومَن لم يؤمن يُدان” (مرقس 16:16). ينبغي أن يتحوّل الإيمان “الموضوعي” إلى إيمان “شخصي” من أجل الخلاص. وهذا يتحقق، من خلال “سكنى” الإيمان “الموضوعي” (“إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ” (روما 9:8))؛ بتعبير آخر، سكنى غير المخلوق في المخلوق؛ سكنى الله في الإنسان. المسيح يدعو الإنسان لأن يكون “مؤمناً”، متلقيّاً للحقيقة المعلَنة في المسيح “كحياة في المسيح”، ولأن يعيش تلك الحقيقة لكي يصير هو نفسه حقيقياً، تماماً كما المسيح هو “الإله الحق” (1يوحنا 20:5). خلاص الإنسان هو عندما يرجع “حقيقياً” والشرط المسبَق لهذا هو اتحاده بالإله الحق.

الإيمان الأرثوذكسي هو ذاك الذي يعمل فدائياً. وهذه هي النقطة المحددة حيث تميّز الهرطقة نفسها عن الأرثوذكسية. الهرطقة هي تزييف الإيمان ونكرانه في الوقت عينه، لأنها تزييف باتجاهين: من جهة فحوى الإيمان، أي المسيح، ومن جهة الأخرى طريقة قبوله. في الهرطقة، المسيح مجزّأ ومقبول، لا ككلٍ تامّ، بل كشخص مقسَّم لأنه يُقارَب بعقل الإنسان وشفتيه فيما قلب الإنسان ومجمل وجوده “فَمُبْتَعِدٌ بَعِيدًا” (متى 8:15). الهرطقة، كل هرطقة، ليست مجرد تعليم خاطئ؛ إنّها عدم أرثوذكسية (عدم استقامة رأي) وغير مسيحية. بمقاربة الموضوع بهذه الطريقة، نحلّ أنفسنا من الاختلافات الطائفية الماضية ومن المصطلحات السكولاستيكية. في نهاية الأمر، الهم الأساسي ليس مقدار خطأ تعليم ما، بل قدرته أو عجزه عن شفاء الإنسان (كما كان يعلّم الأب يوحنا رومانيدس)، الهم هو قدرته على شفاء الإنسان.

وهكذا، يمكن الاستنتاج: في ما يتعلّق بعملية الحَدَث المسمى “الإيمان”، فهو يبدأ كعملية عقلية منطقية، بمعنى التأكيد الخارجي من الإنسان، من ثمّ يتقدّم كقبول لمنحة الله وإخلاص له، ليكتمل من بعدها بيقين وإدراك لله، في المسيح. لغوياً، هذه المعاني الدقيقة الأساسية المحتواة في كلمة “الإيمان” في اللغة اليونانية، لغة الأناجيل: الثقة (em-pisto-syni)، الإخلاص (pisto-tita)، اليقين (vevaiotita). في ما يلي، سوف نحاول توضيح هذه المعاني من ضمن تقليدنا الفيلوكالي (النسكي)، لكي نفهم قدر الإمكان دور الإيمان كعامل خلاصي.

3. الإيمان “الأول”، الإيمان “البسيط” أو “الإيمان بالسَماع”

يسوع المسيح، كلمة الله الأزلي، يعلّم الجنس البشري في كل الأجيال كاشفاً بتعليمه طريق الخلاص. هذا كان يجري في العهد القديم، من خلال أفواه الأنبياء. وهذا جرى أيضاً، بعد تجسده، من فمه الكلي القداسة وما زال يجري تاريخياً مع رسله والآباء والأمهات القديسين إلى “منتهى الدهر” (متى 20:28).

موقف الإنسان الذي يتميّز بجوابه على دعوة الرب، هو في أسوأ الأحوال رفض لما يهبه الله وفي أفضلها هو ثقتنا به. وكون المسيح في التاريخ هو “طبيب النفوس والأجساد”، بحسب ما نذكر في القداس، يمكننا القول بأن هذا ينطبق على كل طبيب: فإما أن الإنسان يظهِر ثقة بالطبيب ويطيع أوامره ويشفى، وإمّا يخالف أوامره ويموت. الإيمان الأول، على شكل الثقة، هو الثقة الصادرة “بالسماع”، كسماع عظة ما، وهو شرط مسبَق لمعرفة الله (أنظر روما 17:10: “الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ”).

إيمان الإنسان الأول مرتبط بمعرفته الطبيعية، التي تستعمل العقل والمنطق أدوات لها. هناك نوعان من الإيمان، وأيضاً نوعان من المعرفة والإدراك؛ في الوقت نفسه، هناك وسيلتان لكل نوع من المعرفة؛ أي إدراك الله وإدراك العالم. هذا ما يبينه أحد أهمّ النساك في الكنيسة القديس اسحق السرياني: “المعرفة التي تتطلّب الإيمان كشرط مسبَق هي غير المعرفة التي تولَد من الإيمان. الأولى هي معرفة طبيعية بينما الثانية روحية”. بالمعرفة الطبيعية-العقلية (ولو كانت هي ايضاً منحَة من الله) يمكننا أن نميّز بين الخير والشر. لكن كيف تقودنا المعرفة الطبيعية إلى الإيمان؟ بحسب الرسول بولس، إنها توجّه الإنسان نحو الله، عبرَ الخليقة (روما 20:1). إذاً، الطريق الإلهية هي من التعليم والمعجزات، أي “العلامات الإلهية”. تعليم المسيح ومعجزاته وجّهوا معرفة الإنسان الطبيعية لكي يوقظوا الإيمان “الأول”. على سبيل المثال، عندما أطعم المسيح “الخمسة آلاف” في الصحراء، صرخ الشعب عند نظرهم المعجزة “إِنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ!” (يوحنا 14:6). في موضع آخر، يلاحظ الإنجيلي يوحنا: ” وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. 31وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.” (30:20-31). وحتّى المسيح نفسه قال لليهود: “وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ” (يوحنا 38:10)، و”إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي.” (يوحنا 25:10).

كلمات المسيح وأعماله تتكرر مع قديسيه في كل لحظات التاريخ وهي ما يوقظ إيمان الإنسان. وحدهم “قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ” (أعمال 51:7)، فريسيو كل زمان، يرفضون دعوة الله إلى الخلاص. صلابة القلب وقساوته هما الموت الروحي للإنسان. في حالة مثل هذه، يتحوّل الإنسان عاجزاً عن قبول نعمة الله. الإيمان البسيط وحده، كقبول منطقي للحقيقة الإلهية، هو بشكل طبيعي غير كافٍ للخلاص؛ الشيطان وأبالسته يمتلكون هذا النوع من الإيمان. بحسب الرسول يعقوب أخي الرب: “مَا الْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، هَلْ يَقْدِرُ الإِيمَانُ أَنْ يُخَلِّصَهُ؟ (يشير هنا إلى الإيمان “الأول”) وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ!” (يعقوب 14:2و19). بحسب الرسول نفسه، يدفع الإيمان الأول نحو الخلاص لكن له “أعمال” لتظهر. أعمال الإيمان هي النتيجة لإيمان الإنسان بالمسيح، وبتعبير آخر، إنها تمثّل ثقته بالمسيح وطاعته له، أي اعترافه بالمسيح مخلّصاً.

لكن ما هي هذه الأعمال التي يولّدها الإيمان الأول؟ يتحدّث القديس سمعان اللاهوتي الحديث عن “الفضائل” التي تنشأ من الإيمان الأول “الإيمان بالله يولِّد الرغبة بالأمور الحسنة وخوف الدينونة. الرغبة بالخير وخوف الدينونة يقودان إلى التزام دقيق بالوصايا. الالتزام بالوصايا يظهر الضعف البشري. معرفة الإنسان بضعفاته تولّد ذكر الموت. مَن بلغ مرحلة امتلاك ذكر الموت كمرافق حيّ سوف يسرع إلى اكتشاف ما سوف تكون عليه حاله بعد الموت. ومَن يشغل نفسه بالتعلّم عن أشياء ما بعد الموت يمتنع عن ملذّات هذه الحياة؛ لأنّه إن تعلّق ولو بواحدة منها يصير عاجزاً عن بلوغ المعرفة الكاملة”. بين الفضائل التي تنشأ من الإيمان الأول علاقة داخلية تربطها بعضها بالبعض لأن الواحدة منها تولّد الأخرى. بحسب القديس مكسيموس المعترف: “مَن يكون الرب في أفكاره يحفظ الخوف من الجحيم. بالحفاظ على هذا الخوف، يُبقي الإنسان نفسه على مسافة من الأهواء. مَن يحفظ نفسه بعيداً من الأهواء يتحمّل محَن الحياة. بتحمّل محَن الحياة، يكتسب الإنسان الرجاء بالله. مَن عنده الرجاء يصرف فكره عن كلّ ما هو أرضي، بكلام آخر، إنّه يبلغ اللاهوى. وعندما يصرف الإنسان فكره عن كلّ ما هو أرضي يكتسب المحبة الإلهية”.

يجب أن نشير هنا إلى أنّ التشوّش الذي قام في الغرب حول العلاقة بين الإيمان والأعمال غير موجود في التقليد الابائي. يتحدّث الرسول يعقوب عن الإيمان الأول الي ينبغي أن يًُكَمَّل بأعمال الخلاص. لكن الرسول بولس يتحدّث بشكل أساسي عن الإيمان الآخر الذي سوف نتطرّق إليه لاحقاً. هذا الإيمان هو ثمرة الروح القدس في داخل القلب. لكن بالعودة إلى الإيمان الأول، فإن لأعماله ميزة علاجية إذ إنّها تعمل كأدوية روحية لشفاء واستعادة الوجود البشري في شركته مع الله. “أعمال الناموس”، التي هي محور رسالة الرسول بولس إلى الذين في روما، لا يمكن أن تكسب أي مكافأة من ذاتها (أنظر لوقا 10:17)، ولا يمكن أن تخلّص الإنسان. على سبيل المثال، كان الفريسيون يقومون بأعمال الناموس بهدف الظهور، لكن هذا ما كان ليخلّصهم لأنهم لم يكونوا “أنقياء القلوب”. إن تطهير القلب هو شرط مسبَق لمعرفة الله “طوبى لأنقياء القلوب لأنهم لله يعاينون” (متى 8:5). المعيار الذي على أساسه يُقَيَّم الإيمان الأول، هو أنّه يقود إلى تطهير القلب. لهذا السبب يخضع الإيمان للمراقبة، تماماً مثل أي طريقة طبية علاجية، إذ تظهر صحّتها عندما تقود إلى إنسان معافى. وهنا، مجدداً، الفرق بين الأرثوذكسية وغيرها جلي. غير الأرثوذكسية (الهرطقة) لا تقود، ولا يمكن أن تقود، الإنسان إلى الشفاء، لأنها لا تملك “الأدوية” الضرورية للخلاص. هذه الأدوية” هي التعليم الإنجيلي الصحيح وعقائد (قرارات) المجامع المسكونية، التي هي تدوين لخبرة القديسين في أمور الخلاص ليس إلا. توفّر عقائد الكنيسة الإيمان الذي يخلّص، وهي تحدد مسعى المؤمن نحو الخلاص. لهذا السبب جاهد القديسون عبر العصور حتى الموت من أجل الحفاظ على نقاوة العقائد، تماماً كما يجاهد الأطباء الأصيلون للحفاظ على أي منهاج علاجي. العقائد المغشوشة لا تخلّص، وهذا مجدداً هو المكان حيث تتجلّى مأساة الهرطقات. إن عقائدهم هي علاجات زائفة تقتل الإنسان وتقوده إلى الخراب الأبدي. ولهذا السبب، ما يخشاه القديسون هو الهرطقة وليس الموت.

هذا أيضاً يشرح إحدى الممارسات التاريخية التي غالباً ما يُساء فهمها. بحسب الأب يوحنا رومانيدس، كانت الدولة المسيحية ترى في الهرطقة علاجاً مغشوشاً لكونها تحوي تعليماً ساماً. لهذا السبب، في الشرق المسيحي، كانت الكتب الهرطوقية تُحرَق (وليس الهراطقة أنفسهم!)… بالطريقة نفسها التي تُلزِم أي دولة حسنة الحكم بإتلاف كلّ الأدوية التي تهدد حياة المواطنين، وبإيقاف أعمال الأطباء الزائفين. ليس في هذا الأمر أي حدّ لحرية حركة الأفكار لأنه يهدد الوجود الأبدي للإنسان.

هذه هي المتطلبات الأساسية التي بها تجاهد كنيستنا إلى اليوم لحماية أبنائها من المجموعات الهرطوقية الشرقية والغربية التي تقوم بالاقتناص العلني والاستفزازي. ولهذا السبب نحتاج إلى صلوات الجميع ودعمهم.

4. الإيمان “الكامل” – أي الإيمان الداخلي

الإيمان الأول قد لا يخلّص، لكنه يفتح الطريق إلى الخلاص الذي يعبّر عنه الإيمان الكامل الداخلي. هذا ما يعلّمه قديسونا، أمثال القديس مكاريوس المصري (القرن الرابع): “مَن يحاول أن يؤمن وأن يكون متّحداً بالرب، عليه أن يحاول اكتساب الروح القدوس في حياته. لهذا السبب أتى المسيح إلى العالم: ليمنح الروح القدس للنفس… ولكن إن لم يحاول الإنسان، هنا وفي حياته على الأرض حيث يوجد نور الروح القدس، أن يكتشف هذا النور ويحفظه في نفسه، عليه أن يتوقّع، عندما يموت، أن يكون في مكان الظلام، على يسار الرب”. هذا الإيمان يُسمّى “الأسمى”، “الكامل”، “الداخلي” “النابع من الرؤيا”. إنه الإيمان المرتبط بحَدَث الخلاص لأنّه يشكّل اليقين بالخلاص في داخل الإنسان. الإيمان “الأول” هو ثمرة الروح القدس ومنحته. لكي يبلغ الإنسان إليه، عليه أن يكتسب نعمة الروح القدس. لهذا السبب، اتّخاذ الروح القدس هو الهدف المسيحي (أنظر يوحنا 22:20). صلاة المؤمنين الأرثوذكسية هي: “أيها الملك السماوي… هلمّ واسكن فينا…” الحياة في المسيح، كممارسة، تسمّى جهاداً روحياً لأنّها تتوق إلى تحويل الإنسان إلى متلقٍّ للروح القدس.

بعض الإشارات الآبائية إلى الإيمان المزدوج: القديس يوحنا الدمشقي: “الإيمان ثنائي. هناك الإيمان الذي ينشأ بالسَماع، حيث أننا بسماعنا الكتاب المقدس، نؤمن بالتعليم… من ثمّ، هناك الإيمان الذي هو أقنوم الأمور المرجوة… فالأول ينبع من الاقتناع، بينما ينتمي الثاني إلى مواهب الروح”. القديس اثناسيوس السينائي: “يُفهَم الإيمان المستقيم على أنه ذو وجهين. هناك الإيمان القائم على سماع عظة، وهناك إيمان أكثر ثقة هو أقنوم الأمور التي تُرجى. الإيمان القائم على السماع مُتاح للجميع بلوغه، بينما الثاني فمُتاح فقط للأبرار”.

العضو الحيّ في جسد المسيح هو ذاك الذي يسكن في داخله الروح “بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا” (روما 26:8). هذا الإنسان بارّ، إنه “هيكل لله” (1كورنثوس 16ك3). الإنسان الروحي، بلغة الأرثوذكسية، هو حامل الروح القدس، وهو الذي يخصّ المسيح فعلياً كعضو حقيقي في جسده. يتبنّى الآباء التمييز البولسي في الحديث عن الشخص “الروحي – الطبيعي – الجسداني”، في إشارتهم إلى الإنسان “الذي بحسب الجسد”، “فوق الطبيعة” أو “ضد الطبيعة”. يشدد القديس مرقس الناسك على هذا التمييز بالكلمات التالية: عندما يكون النوس في حالة “ضد الطبيعة”، ينسى الإنسان عدالة الله ويكون في عداوة مع إخوته البشر عندما يخالفونه (= الإنسان الجسداني). بينما عندما يكون النوس في حالة “طبيعية” (بحسب الطبيعة)، يكتشف ذلك الإنسان أنّه هو ذاته مولّد الأفكار الخاطئة. يعترف هذا الشخص بخطاياه مدركاً تماماً لسبب أهوائه (=الإنسان الطبيعي). مع هذا، عندما يبلغ النوس حالة “ما فوق الطبيعة”، يكتسب مواهب الروح القدس، ويدرك هذا الشخص أنّه عندما يبدأ بتفضيل الاهتمام الأمور الجسدانية، لا يمكنه أن يحافظ على الروح (=الإنسان الروحي).

الإيمان الداخلي، بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، هو أفضل البراهين عن الله: “الإيمان هو أفضل البراهين والبرهان غير القابل للتحسين للبرهان الإلهي”، لإنه شيء يُختَبَر؛ إنه ثقة داخلية. لهذا السبب، في الأرثوذكسية، لم تتطور البراهين المنطقية لوجود الله، بل ساد الاعتقاد بأنها غير ضرورية. معاينة الله هي البرهان المباشَر الذي لا يُعلى عليه عن الوجود والحضور الإلهيين.

غالباً ما يُشار إلى الإيمان الكامل في العهد الجديد، لكن فهم هذه الإشارات يتطلّب معرفة مبادئ الكتاب المقدس اللغوية. هنا بعض الأمثلة: يوحنا 16:3: “…لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (الحياة الأبدية = النعمة الإلهية، القوة الإلهي. المؤمن= مَن تسكن فيه النعمة). يوحنا 18:3: “اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ”، يوحنا 25:11: “مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا”، يوحنا 12:14: “مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا (=المعجزات)، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا” (انظر المعجزات التي قام بها القديسون حتى في زمن العهد الجديد). يتوجّه الرسول بولس في رسالته إلى العبرانيين (1:11) بكلام عن الإيمان الكامل: “أمّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى”. ما يُرجى هو النعمة غير المخلوقة التي للإله الثالوثي. نحن نترجّى ملكوت الله، ملكوت نعمته. إلى هذا، الأمور التي لا تُرى هي النعمة غير المخلوقة نفسها. الإيمان الداخلي يصير اليقين، أي العامل المحقق، الذي لا يراه الإنسان بعينيه الجسديتين. باستنارة الروح القدس، يبلغ الإنسان حالة “الثايوريا (المعاينة)”، أي بتعبير آخر، معاينة العظمة الإلهية (الملكوت). هذا ما تعبّر عنه كلمات الرسول “… إِنِ… آمَنْتَ بِقَلْبِكَ … خَلَصْتَ” (روما 9:10).. وعليه، الكلام ليس عن إيمان عقلي بل قلبي، ممكن فقط في حضور غير المخلوق في داخل القلب. في هذا الإطار ينبغي فهم كلمات المسيح “وَلكِنْ مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ، أَلَعَلَّهُ يَجِدُ الإِيمَانَ عَلَى الأَرْضِ؟” (لوقا 8:18).

يتساءل الإنسان اليوم عن طريقة عمل الإيمان الداخلي. الجواب هو بمقطع من العهد الجديد: “وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ الصَّلاَةِ التَّاسِعَةِ. وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ، كَانُوا يَضَعُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ بَابِ الْهَيْكَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْجَمِيلُ» لِيَسْأَلَ صَدَقَةً مِنَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْهَيْكَلَ. فَهذَا لَمَّا رَأَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا مُزْمِعَيْنِ أَنْ يَدْخُلاَ الْهَيْكَلَ، سَأَلَ لِيَأْخُذَ صَدَقَةً. فَتَفَرَّسَ فِيهِ بُطْرُسُ مَعَ يُوحَنَّا، وَقَالَ:«انْظُرْ إِلَيْنَا!» فَلاَحَظَهُمَا مُنْتَظِرًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا. فَقَالَ بُطْرُسُ:«لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ، وَلكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!». وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ، فَفِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلاَهُ وَكَعْبَاهُ، فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي، وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللهَ.” (أعمال 1:3-8). وحدهم الواعون لحضور الروح القدس في قلوبهم يستطيعون الكلام مثل الرسول بولس. يمكن ملاقاة لحظات مشابهة في حياة القديسين (مثلاً: كان القديس اسبيريدون يزور قبر ابنته ويتحدث إليها واثقاً من أنه سوف يتلقى جواباً). نحن الكهنة تلقينا نفس السيامة التي تلقّاها القديسون، فلماذا لا نجرؤ على المجازفة بأعمال مماثلة؟ ببساطة: لأن نعمة الله فاقدة للنشاط في داخلنا. نحن لسنا حملة حقيقيين للنعمة؛ نحن مجرّد “ناقلين” لها.

بالنسبة لنا نحن الأرثوذكسيين، معايير الإيمان الحقيقي ونتيجته للإنسان هي براهين التألّه التي يقدمها الله نفسه، أي رفات القديسين أمثال القديس اسبيريدون في هذه الأيام في كورفو، ورفات الشهداء المئة وعشرين في الدير الكبير في كييف، أوكرانيا. ليس للهرطقة أي رفات مقدسة تظهِرها: رفات سليمة، عجائبية، مفيضة للطيب، فهذه الأمور هي براهين تألّه. إلى هذا، تزيّف الهرطقة الإيمانَ في اتجاهين: إمّا تحوّل الإيمان إلى نظام فلسفي وإيديولوجيا، أو تفرِط بالأعمال الشخصية، كما فعل الفريسيون، فتقود الإنسان إلى فعالية محضة (كمثال الأعمال التبشيرية غير المصحوبة بتجديد باطني). لكننا هنا نأتي إلى فهم كلمات القديس كبريانوس (من القرن الثالث) “( extra ecclesiam nulla salvus) لا خلاص خارج الكنيسة”. “الكنيسة” هنا ليست ما هو متعارَف عليه اليوم، حيث الكل يسمون أنفسهم كنائس بمن فيهم الهرطقات؛ الكنيسة هي جسد المسيح الواحد الوحيد. هذه الكلمات تعني: “خارج أسلوب الحياة، الذي يتضمّن طريقة وجود هذا الجسد في التاريخ، لا يمكن أن يخلص الإنسان”. الكنيسة موجودة حيث تُحفَظ طريقة الحياة هذه، بحسب القديس إيريناوس أسقف لوغدونوم (القرن الثاني)، “حيث يكون وجود الروح القدس مُدرَكاً (بوجود قديسين ومعجزات) هناك تكون كنيسة الله ونعمته”.

5. خلاصة

1) توجد الأرثوذكسية، فقط حيث تكون طريقة الإيمان الكامل معروفة ومُطَبَّقة. حيث تكون طريق التألّه مجهولة، حتى ولو كانت الأرض مسماةً أرثوذكسية، هناك يكون السلوك بطريقة هرطوقية وبالتالي غير أرثوذكسية. الهرطقة، كطريقة وجود هرطوقية، لا تعي خبرة التألّه. بالمقابل، إنها تحوّل الإيمان ديناً بسعيها لردم المسافة بين الله والإنسان بوسائل العبادة الدينية الخارجية. إن تديين (جعله ديناً) الإيمان يدحضه، كما يفعل تحويل الدين إلى إيديولوجيا. يمارس الهراطقة اللاهوت فكرياً، أكاديمياً، ويعجزون عن التمييز بين الحق والخطأ. لهذا، الأرثوذكسي هو ذاك الذي لا يصيغ رؤى هرطوقية، بل الذي يطهّر نفسه لكي يبلغ إلى الاستنارة الروحية المقدسة. بحسب القديس غريغوريوس النيصّي، يظهر الهراطقة عندما يختفي المستنيرون.

2) كان ممكناً أن يكتسب الحوار اللاهوتي معنى ما لو أنّه، في سعيه إلى الحلول، عالج هذه القضايا بدل التسويات العلمية.

3) التصدي للهرطقة لا يكون بالعنف ولا بالوسائل القانونية أو البوليسية، بل باختبار التألّه. حيث تكون هذه الخبرة موجودة هناك تكون الكنيسة. للأسف، في المجتمعات المسيحية المعاصرة، السعي إلى النعمة يتلاشى، ووحدها الرهبنة هي المجال الذي يُحفَظ فيه هذا السعي إلى الإيمان الكامل. لهذا تُعتَبَر الرهبنة وحدها الاستمرار للروحانية الرسولية-الآبائية.

4) السعي إلى الإيمان الكامل هو معيار أصالة البشارة الكنسية؛ إذ في ما يتعلّق بالشأن البشاري، تُطرَح بعض الأسئلة الأساسية: ما معنى كلمة “بشارة”؟ ما الذي يُبَشَّر به؟ إلى أين يُدعى غير المسيحيين؟ إلى أي كنيسة؟ أي مسيح؟ أهم يُدعَون ليخلصوا، أو فقط ليصيروا أتباعاً لبعض الدوائر السلطوية؟

5) لا تخشى الأرثوذكسية من الاضطهادات، بل فقط من الهرطقة، لأن الهرطقة وحدها هي القادرة على إيذاء الإيمان دائماً.

الأرثوذكسية، كإيمان مستقيم، تَلِد القديسين وبهذا تبقى في العالم مكاناً للتقديس والقداسة.