الستارتز ليونيد

الستارتز ليونيد

إعداد راهبات مار يعقوب – دده

ولد ليف ناكولكين Lev Nagolkine عام 1767 في عائلة تنتمي إلى الطبقة البورجوازية في مقاطعة اوريل OREL الروسية. عمل في حقل التجارة، فأصاب نجاحاً باهراً، لما حباه الله من مواهب طبيعية جمّة. كان كثير التنقل بسبب طبيعة عمله. فجال طول البلاد وعرضها، مما أتاح له فرصة اختبار الحياة الاجتماعية بملئها، فاكتسب معرفة عميقة لنفسيات البشر ونوعياتهم، فكانت تلك المعرفة خير معين له في عمله كمرشد روحي.

لا نعرف شيئاً عن حياته الروحية في تلك الفترة ، إنما جلّ ما وصلنا أنه انضم إلى السلك الرهباني في التاسعة والعشرين من عمره، وأعطي اسم ليونيد. التقى بالشيخ ثاوذورس أحد تلاميذ القديس الكبير باييسيوس فيلتشوفسكي Paissios Veltshovsky فلازمه حتى آخر حياته. وحفاظا على التواضع والسكون، استقرّ الأب ليونيد في الاسقيط الكائن قرب دير اوبتينو Optino بعد موت معلّمه وصديقه الأب ثاوذورس. وكان لموته الاثر البليغ في نفس الأب ليونيد ، فكتب يصف خبرته تلك بقوله: “إن موت من نحبه لمؤلم جدا، وهو يدفعنا إلى الصلاة الحارة من كل القلب والنفس. “

كان الاب ليونيد طويل القامة، منتصب الجسم، وبالرغم من بدانته المرضية، كان سريع الخطوات خفيفها. وهبه الله قوة بدنية خارقة، فقد كان بإمكانه أن يحمل وبكل سهولة مائتى كيلو غرام دفعة واحدة. أما عيناه فكانتا رماديتين ثاقبتي النظرات، ووجهه يطفح بشرا. إن مجرد الوجود في حضرته كان يكفي ليضفي على من حوله شعوراً بالسلام والفرح الداخلي. فتتبدد الأحزان، وتطرد الأفكار السيئة، أما القلوب فتنفتح نحو الله. لم يره أحد قط حزيناً أو غاضباً أو قليل الصبر. صلاته كانت قلبية لا تنقطع فهو القائل: “إني لأجل محبة القريب لمستعد أن أمضي يومين متتاليين أتكلم معه، إن كان ذلك ضرورياً، دون أن تتأثر صلاتي الداخلية.” كان الأب ليونيد يتناول القرابين المقدسة كل أسبوعين مرة في كنيسة الاسقيط. كان ينام ثلاث ساعات فقط في الليل، أما طعامه فكان وجبتين معتدلتين في اليوم. كانت أصابعه مشغولة دائما، حتى أثناء إرشاده لتلاميذه أو لقائه مع العلمانيين، بصنع زنانير صغيرة كثيراً ما كانت بركة لزائريه. كان يتمتم صلاة يسوع بلا انقطاع أو أحياناً تسمعه يرتل بعض التراتيل.

تغّيرت الحياة الرهبانية في اوتينو Optino لحظة سكنى الشيخ ليونيد الاسقيط، إذ تحولت قلايته إلى مركز روحي للدير. فكان الأب موسى رئيس الدير يأتيه ورهبانه كاشفين أفكارهم وطالبين إرشاده. وما هو إلا زمان قليل حتى تبعتهم جموع العلمانيين يأتون من كل جنب وصوب متدفقين لينهلوا من النبع هذا. في عام 1834 أتى الراهب الكاهن مكاريوس إلى اوبتينو، فأضحى المساعد الأمين للشيخ ليونيد، إذ كانا يستقبلان الزوار سوية ويستمعان الاعترافات ويجيبان على الرسائل. وكما أنه لا يمكن أن تخفى مدينة مبنية على جبل، هكذا اخذ شعاع أبوتهما الروحية ينتشر ويمتد، حتى أن أديرة عديدة أخضعت نفسها لارشاد شيوخ اوبتينو.

شدّد الشيخ ليونيد في تعليمه على التواضع الذي هو أعظم الفضائل. وعلّم تلاميذه الهرب من المجد الباطل بتفاديهم أعمال النسك الظاهرة وبممارستهم النسك الداخلي الخفي والقيام بالأعمال الجسدية الوضيعة. ففيما كان منشغلاً ذات يوم بمحادثة مع بعض الزوار، أتاه أحد تلاميذه طالباً كتاب الفيلولكاليا، ظاناً بأن الشيخ سيعطيه إياه دون أي استفسار، وذلك لئلا يقطع محادثته. لكن الشيخ أصرّ على معرفة دوافع الأخ لأخذ كتاب كهذا. ولما علم أن الأخ المبتدئ أراد دراسة موضوع الصلاة عند القديس كاليستوس، وبّخه بعنف قائلاً: “كيف تجرؤ على أن تنشغل بموضوع من هذا المستوى الرفيع؟ بدلاً من أن تدرس القديس كاليستوس، خير لك أن تنظف الأقذار من أمام الباب. تذكّر سيمون الساحر كيف بعد أن ارتفع في الهواء سقط على الأرض. احذر وكن متواضعاً لئلا تصادف مصيراً كهذا.” عندما سمع الأخ هذا انصرف منتفعا متعجبا من حكمة الشيخ.

اعتاد أخ الإلحاح ليسمح له الشيخ بلبس سلاسل حديدية ، ولكن الشيخ كان دائم الرفض، إلى أن أتى يوم استدعى فيه الأخ الحداد وقال له: “إن أتاك الأخ الفلاني قائلاً: ببركة الرئيس اصنع لي سلاسل حديدية لألبسها، اصفعه على وجهه. وهكذا كان. فلما أتى الأخ طالبا من الشيخ البركة لتقلد السلاسل، أذن له أرسله إلى الأخ الحداد. فما كان من هذا إلا أن صفعه على وجهه صفعة قوية. فلم يحتمل الأخ الضربة وبادرها بضربة مماثلة. فاشتدّ الخلاف بينهما وأتيا الشيخ يشتكيان على بعضهما البعض. فتأملهما الشيخ برهة بحزن وأنّب الأخ المصفوع قائلاً: “كيف تزعم يا أخي انك تستطيع احتمال السلاسل بينما فشلت في احتمال صفعة بتواضع”.

كافأ الرب الشيخ على تواضعه بموهبة البصيرة الروحية، فكان يعرف أسماء زائريه واحتياجاتهم حتى قبل إن يسألوه. ففي إحدى المرات، زار لاهوتي شهير رئيس إحدى مدارس إعداد الكهنة دير اوبتينو. فسأله موسى رئيس الدير إن كان يود أن يزور الشيخ ليونيد. إلا إنه رفض باشمئزاز قائلا: “ولماذا أذهب أنا اللاهوتي لاتحدث مع هذا الفلاح ابن الفلاح.” بالطبع لم يخبر أحد الاب ليونيد ما جرى. وفي الغد عدل اللاهوتي عن رأيه، وذهب لزيارة الشيخ الذي بادره فور دخوله القلاية بقوله: “لماذا أتيت لتتحدث مع الفلاح ابن الفلاح؟” اضطرب الأستاذ وطلب السماح من الشيخ، وبقي بقربه ساعات طوالا، عاد بعدها يقول للأب موسى : “ماذا يجيدنا نفعا كل علمنا. إن معرفته العميقة إنما هي الحكمة الحقيقية المباركة من الله.”

كان يعيش بقرب اوبتينو إنسان نبيل غني اعتاد أن يقول بتهكم: “إني لو صادفت الشيخ ليونيد، لجعلته يعترف بكل ما في قلبه”. وحدث فعلا أن أتى هذا النبيل بنفسه إلى الشيخ، فلما دخل القلاية، فجاءه الشيخ بقوله: “انظروا إلى هذا الرجل الفظ. انه يدّعي بأنه سيجعلني أعترف بما في قلبي، رغم انه هو نفسه لم يعترف ولم ينل الشكر منذ سبعة عشر عاما.” انذهل النبي مما قيل، واخذ يعترف من تلقاء نفسه بأنه يحيا حياة غير لائقة، وانه فعلاً قد أهمل سري الاعتراف والشكر لمدة عشر عاماً كما قال الشيخ.

ورغم مواهبه الجمة، لم ينجُ من الاضطهاد، إذ كان نصيبه كنصيب سائر الأبرار القديسين الذين عانوا الكثير من آلام الاضطهادات. فالأعداء كانوا كثر. ولسوء الحظ كانوا من الرهبان أنفسهم ومن الاكليروس. فقد منع بعض الجهال منهم ممارسة “كشف الأفكار” بالهرطقة. واستهجن آخرون اللقاءات الودية بين راهب يرتدي الاسكيم الكبير وبين علمانيين من بينهم نساء. وقدم فريق ثالث تقريرا رفع إلى مجلس الأبرشية يتهم القديس تهما مختلفة. فما كان من مطران كالوغا Kaloga إلا أن أمر الشيخ ليونيد بترك الاسقيط والتوجه إلى الدير للعيش فيه كسائر الرهبان. كما حرّم عليه ارتداء الاسكيم الكبير. قبل الاب ذلك بتواضع وصبر، وخضع بدون تذمر لأوامر سلطة الأبرشية. غير أن كل هذه التشديدات لمنعه من استقبال الزوار العلمانيين، لم يقف حائلاً بينه وبينهم. فاستمروا يتهافتون عليه طارحين ثقل آلامهم بين يديه. وكيف لهم إن يبتعدوا عمن هو أبوهم وصديقه وشفيعهم في آن واحد. فقد روى أحد حراس القيصر، بأنه لدى عودته من منطقة قرب اوبتينو، استوقفه أهل القرى الصغيرة، ظانين انه عائد من اوبتينو وانهالوا عليه بالأسئلة عن الأب ليونيد. فأصابه الدهش لما سمع، ولما استفسر عن علاقتهم بهذا الأخير ، فوجئ بردهم: “تسألنا أيها السيد من أين نعرف الأب ليونيد؟ هل يمكن أن لا نعرفه؟ وكيف نجهل من هو لنا أكثر من أب نحن الجهال البائسين؟ فمن دونه نحن أيتام قسى الدهر عليهم”.

وجد الأب موسى في الدير نفسه في وضع حرج، أيطيع تهديدات الأسقف أم يتبع صوت ضميره المسيحي؟ ففي أحد الأيام، بينما كان الأب موسى ماراً بقرب قلاية الشيخ، رأى جموعاً غفيرة تحتاط به أمام القلاية. فرأى الرئيس نفسه مجبراً أن يذّكر الأب ليونيد بإدارة الأسقف الصريحة. أما الشيخ فأشار بيده إلى إنسان مقعد مطروح قرب القلاية قائلا: “انظر إليه. إنه وهو حي بعد يقبع في عذاب جهنم، وإني أستطيع أن أساعده وأن أنقذه. لقد أرسله الله إلى هنا لكي يتوب ولأكشف له خطاياه”. ارتاع الأب موسى لدى سماعه ذلك، لكنه أصرّ قائلاً: “إن سيادته يهدد بتوفيقك”. فأجاب الشيخ: “وماذا سيؤثر هذا عليّ. باستطاعتكم أن ترسلوني إلى سيبيريا، أن تحرقوني حياً. لكني لن أتغيّر سوف أبقى ليونيد نفسه. أنا لا أدعو أحداً اليّ لكنّي لا أستطيع أيضاً إن أطرد الذين يأتون”.

أخيرا توقف الاضطهاد ضد الاب ليونيد عام 1837، عندما زار فيلاريت مطران موسكو وحامي الأبوة الروحية اوبتينو، بصحبة مطران كالوغا. سأل الحبر الشيخ لماذا لا يرتدي اسكيمه الكبير. صمت الشيخ ولم ينبس ببنت شفة. فأمره الأسقف بارتدائه من جديد.

ولكن ما إن مضت سنتان، حتى بدأت الصعاب من جديد. اذ نُقل الأب ليونيد إلى قلاية أخرى بعيدة عن مدخل الدير، وذلك ليُعزل تماما عن الاتصالات بالشعب. إلا إن الجموع كانت تنتظره كل يوم ساعة مجيئة إلى الكنيسة، فيزدحم الناس حوله ساجدين عند قدميه ومقبّلين أهداب ثيابه. كان من المنتظر أخذ تدابير جديدة في حقه، كأن ينفى إلى أحد الأديار النائية. ولكن تدخل فيلاريت موسكو وحده الذي حدّ من غيرة أسقف الأبرشية ونقمته العاصفة. فكفّت الاضطهادات ضد شيخ اوبتينو.

كثرت عجائب القديس جداً. فكان يشفي المرضى بصلاته، ويحل الخطايا، ويقوّم اعوجاج النفوس. استمر هكذا إلى آخر نسمة من حياته. فقبل رقاده بسنة، أخبر عن يوم وفاته قائلا: “بعد عام سأكون هناك”. مشيراً إلى القبر الذي كان مزمعاً أن يحوي رفاته المقدسة. في 28 من شهر أيلول 1841، طلب إلى الاخوة أن يصلّوا الخدمة الخاصة بالمحتضرين. فأخذ أولئك بالنوح والعويل على فقدانهم أبيهم، الذي عزّاهم بأنه سيكون معهم دائماً، وسيصلّي لأجلهم، لكي يكون المسيح سندهم، وأن يقودهم إلى طريق الخلاص المفرّحة. لم يعد بعد ذلك يتناول أيّ طعام، لكنه تناول القرابين المقدسة اثنتي عشرة مرة خلال أسبوعين. هذا رأى بعين الروح الشيخ يحتضر فأتى لوداعه ونيل بركته الأخيرة، وقد كان على علاقة معه منذ زمن بعيد. فقال للشيخ: “لقد حان وقت تبديل الثياب”. مشيراً إلى حلول ساعة الموت. فأجابه الأب ليونيد: “صلِّ لأجلي يا فاسيلي لكي ينجيني السيد من الموت الأبدي”. فطمأنه الزائر بقوله: “ثقْ، لا تخف سوف يخلّصك”.

وهكذا انتهى جهاد هذا القديس الذي أعلنت الكنيسة الروسية قداسته مع سائر شيوخ اوبتينو في الذكرى الألفية لمعمودية الروس. وكانت كلماته الأخيرة:” المجد لك يا الله، المجد لك”.

فبشفاعات القديس ليونيد وكل شيوخ اوبتينو أيها الرب يسوع المسيح ارحمنا وخلصنا، آمين.

الشيخ خريستوذولس الكاتوناكي

الشيخ خريستوذولس الكاتوناكي

إعداد راهبات مار يعقوب – ددة

إنه أحد ابرز الوجوه التي لمعت في النسك والجهاد المقدسين. نسك ما يقارب ٦۰ عاما في مناسك كاتوناكي. كان مرتع راحة نفسية وروحية لآباء واخوة كثيرين ومعلماً للفضيلة وخاصةً في ممارسة الصلاة الذهنية.

ولد خريستوذولس عام۱۸٩٤ في منطقة لاميا قرب أثينا وأصبح يتيم الأب وهو في سن العاشرة. انتقل بعد ذلك نهائياً إلى منطقة خالكيذا حيث تعلّم مهنة الإسكافي. غرست أمه في نفسه منذ حداثته بذار التقوى وحقائق أسرار العقيدة المقدسة، ومن ثم منحته بركتها كأم صالحة لاعتناق الحياة النسكية.

قادتها محبتها لله الى محاكة حياة ابنها فحوّلت بيتها إلى دير وأصبحت هي نفسها راهبة متوشحة بالاسكيم الرهباني الكبير تحت اسم مجدليني. وبعد خمسة عشر عاما من الجهاد المستمر بلغت إلى درجة الكمال الرهباني ثم ما لبثت أن غادرت هذا العالم حاملة معها مجد جهادها المقدس.

دخل الشاب خريستو، كما كان يدعى، حلبة الجهاد والصراع الرهباني وهو في سن الثلاثين. كان يتحلّى بالوقار ورجاحة العقل ممتلئا أشواقا وأماني مقدسة، يحفزه حماسه وتقواه لتسديد الضربات المتوالية والقوية إلى مرمى العدو غير المنظور وإلى مرمى نفسه بالذات ليحدّ من تسلط الأهواء.

لقد تلقى الدعوة إلى الحياة الرهبانية من ملكة الجبل نفسها وبطريقة سرية غير معلومة. صحيح أن الوعود الكثيرة والجميلة التي وعدته بها الدائمة البتولية كانت مشجعة، لكن المسؤولية كانت أيضا جسيمة. فالواجبات لا تحصى، وأهمها أنه على كل راهب أن يشق لنفسه سكة سماوية يسير فيها بتؤدة وجهاد نحو العلاء، لينصب لنفسه هناك مظلة مقدسة إلهية. وهذا ليس بالأمر السهل اذ يتطلب جهاد الحياة بأكملها.

ها هو ذا جندي المسيح، لا بل أسير عشق المحبة الالهية، يطفر بين الأديار والمناسك متنقلاً ليختار في نهاية المطاف، وكحمامة محبة للقفر، الانعزال في برية موحشة لا عزاء فيها. إن المكان الذي اختاره يسبّب، لأول وهلة، لدى الزائر العادي كآبة واضطراباً، إذ إن طبيعته لا توحي بوجود أية راحة أو تعزية داخلية. فالصخور غرانيتية سوداء وعرة ومخيفة، والوديان ضيقة تولّد تجهماً وضيقاً للنفس، الأشجار تقريباً غير موجودة فالمنطة صخرية. لكن هذه الطبيعة، مع وجود قلالي النساك المتناثرة والمباركة، تؤلّف بتسبيحاتهم وتأملاتهم، تغريداً صامتاً وسرياً للأبدية. تتقهر وحشة المكان منهزمة بقوة محبة الله العارمة في النفوس ويغدو القفر بهجاً للسكنى وللجهاد الرهباني والفوز على الذات.

إذاً، إلى هنا، إلى هذا المكان دعت نعمة الله عبدها خريستو ليعيش ويجاهد، لا لنفسه فقط، بل ومن أجل الآخرين أيضا. في السنوات الأولى لجهاده، وجد المبتدىء الشاب ضالته المنشودة في شخص الأب كالينيكوس رجل الله واليقظة الروحية الذي سيرشده كربّان ومدبر حكيم الى ميناء الملكوت بكل معرفة ودراية. فأخضع المبتدىء له إرادته وذاته بجملتها طوعاً وبكل صبر وثبات. فكانت طاعته الكاملة وتدربه على ممارسة الصلاة الذهنية، الطريق المثلى لحياة النسك. لم يكن يملك أية تعزية بشرية: فالماء شبه منعدم تقريباً، غذاؤه اليومي بضع قطع من الخبز الجاف، تعب جسدي مفرط واستشهاد يومي غير دموي لقطع الارادة الذاتية، وعزلة المكان ووحشته. كل هذا لم يثنِه عن عزمه في متابعة السير قدماً في الطريق الضيقة. إنه مصمم على الموت من أجل المسيح وحباً به.

إن طاعته الكاملة لرئيسه جعلته يتمتع بين الفينة والاخرى بغبطة وفرح سماويين، وزوّدت عقله بحكمة إلهية أضحت مدعاة لسموه فوق كل أرضي ومادي. وأما ما سمعه من كلمات مباركة وجّهت اليه يوم سيامته والقائلة: إن الحياة الرهبانية هي تعهد يومي لحمل الصليب ومجابهة الموت حثّته ليصير منذ بدء رهبانيته ذا خبرة ودراية روحية. لقد احتمل كل أشجان وضيقات ومصاعب الحياة النسكية من أجل ملكوت السموات وبقي أمينا لوعوده وعهوده حتى آخر حياته فهو القائل “إن كثيرين أرادوا اعتناق هذه الحياة، ولكن للأسف، سرعان ما رجعوا القهقرى الى الوراء إذ أغرقتهم أفكار اليأس وزعزعتهم قساوة حياة الاسقيط وشظفها”.

كان رئيسه قاسياً جداً وبطريقة غير مألوفة كان يدربه على قطع إرادته وخلع الإنسان العتيق من نفسه، ليحيا، وهو على الأرض كما يتدبّر الملائكة في المدينة السماوية. لقد كان يرسله، مثلاً، إلى مدينة كاريس عاصمة الجبل، ولو كان من أجل رسالة واحدة، سيراً على الأقدام في مسافة يستغرق قطعها مدة ۱۰ ساعات، ليعود في اليوم التالي، على قدميه أيضاً، حاملا على ظهره كيساً مملؤاً بالمشتريات يتراوح وزنه بين ٢٥ و۳۰ كيلوغرام. كما لم يكن يسمح له كثيراً بقراءة الكتب حتى ولو كانت روحية مردداً: “ماذا يجديك نفعاً قراءتها دون العمل بها؟”.

بقي مدة سبع سنوات مع معلمه. وفي هذه الفترة تركزت معرفة الأب خريستوذولوس الروحية على قواعد عملية فغدا راهباً مجرباً، مختبراً ذا حنكة في الجهاد والفوز على الشياطين.

لقد استحق بعد موت معلمه أن يحصل على تلاميذ مختارين. ففي عام١٩۳۰ وبعد أشهر قليلة من رقاد رئيسه أرسلت اليه العذراء أول تلميذ دعاه كالينيكوس تيمّناً باسم معلمه ووفاءً له، فأضحى هذا الراهب سند الأب خريستوذولس وتعزيته، فقد خدمه مدّة ٥٢ عاما دون تضجر أو تذمر وبعد شهرين. من مجيء كالينيكوس تبعه والده بالجسد ايوسيف الذي نسك معهما مدّة ٢٢ سنة ثم رقد بالرب عام ١٩٥۳. ثم انضم راهب آخر الى هذه الشركة المقدسة وهو الأخ جراسيموس الذي تميّز بصبر ونكران عجيبين.

كانت الأيام الأخيرة للشيخ مؤلمة ومحزنة جدا. فقد كان يعاني من مرض الاستسقاء ومن التهاب الكبد بالاضافة الى امتلاء الرئتين والأحشاء بالماء والقيح، الأمر الذي أحدث له شقوقاً كبيرة وعميقة في مختلف أنحاء جسده كان يجري منها القيح كما من صنبور ماء، مما يسبب له آلاماً مبرحة وانزعاجاً كبيراً. لقد ذاق وعانى خبرة المرض والألم، فكان يقول: “الأمراض نافعة إذ إنها تطهرنا من الأدران العالقة بنفوسنا”. ثم أضاف: “أرجو أن يأخذني الملاك القديس بسرعة فقد غدوت ثقلاً عليكم بتحملكم لأوجاعي وأوهاني. الويل أنا الانسان الشقي لم أهتم بخلاص نفسي كما ينبغي وها أنا عارٍ من كل فضيلة وشبيه بالبهائم فصلو من أجلي كي أتخلّص من أرواح الهواء الشريرة التي سوف تفتري علي بأكاذيب جمّة. قوي أنت يا رب وقادر أن تخلصني أنا الضعيف غير المستحق لرحمتك الإلهية ولا لهؤلاء الملائكة الأرضيين الذين أرسلتهم لخدمتي”.

لقد خبر هذا الأب نعمة التوبة بقوة وهذا ما كان يظهر من شوقه ورغبته ليقوم باعتراف عام وشامل لحياته عند بدء كل صوم كبير. كان ذكر الموت وخوف الجحيم يلازمانه، وبهما خبر نخس القلب وتوجعه كما عرف موهبة الدموع فكانت مآقيه تذرف الدمع سخياً الليل والنهار. كما تميّز بموهبة التعليم والارشاد الروحي فكان يرشد كل أخ أو زائر بكلماته الحكيمة والأبوية. لقد منحه الله الكثير من النعم والمواهب الالهية وبفضائله هذه أنار نفوسنا وشدد وهنها.

ومن تعاليمه لاخوته الرهبان قوله:” املكوا المحبة في قلوبكم دائماً ومن يسرع بضرب مطانية لأخيه فذاك هو الرابح والمنتصر على الشيطان الذي اعتاد أن يزرع الخلاف بين الاخوة. تجنبوا العثرات ما استطعتم لأنه أمر سيء جداً ومشجوب أن يكون أحدنا سبب عثرة وشك للآخرين الصلاة فضيلة مقدسة وبواسطتها يسكن المسيح في قلبنا دون أن ندرك كيف. لا تضطربوا إذا ما تشتت الذهن أحيانا فأن الله رغم ذلك يسمعها والشيطان يهرب منها بعيدا لا تهملوا قانونكم أبداً فالقانون اليومي حارس أمين للنفس من كل تجربة عارضة أثناء النهار. الصليب الكريم يقيم الموتى ويشفي السقماء فتسلّحوا أنتم إذاً بإشارته قبل بدء كل عمل وأينما حللتم اهتموا أولا بروحياتكم وتقديس نفوسكم والعذراء مريم ستهتم بالزمنيات والماديات. عندما تزاولون عملا ما أثناء اقامة الخدم الالهية فان هذا العمل يكون بمثابة الصلاة ويعتبر تعبكم بدل المطانيات عندما لا تستطيعون اتمامها. غاية الراهب الابتعاد عن العالم والعالميات التي من شأنها أن تشوش ذهنه لأن الراهب انما يعني ذهناً نقياً مشاهدا لله.

وربما تتساءلون كيف نستطيع أن نحقق هذا؟ انما هذا بممارسة البساطة المقرونة بالصلاة هذان السلاحان هما هدية بها تطعنون الشيطان في الصميم. لا تتهاونوا في إتمام وصايا الرب. كلّ ما تسعون لتحقيقه هنا على الأرض إنما هو من أجل الحصول على الحياة الأبدية. يجب على الراهب أن يقرن الحياة العملية بالحياة التأملية فيمد الرجل الواحدة لعمل الطاعة، بينما الأخرى قابعة داخل القلاية تتأمل في الحكم الرهيب الذي للسيد المسيح يوم الدينونة. كلنا نملك الأهواء لأننا أتينا الدير من عالم يسوده الشر. لذا علينا ن ننزع هذه الأهواء من جذورها بحسب تعليم الأب دوروثاوس لأنه بقدر ما يتقدم الانسان في العمر ويشيخ بقدر ما تتجذر السيئات أيضا وتترسخ في النفس ويصعب اقتلاعها انتبهوا لأفكاركم كل فكر تهاون تستجيب له يستحق ضرب خمسين مطانية تكفيراً حققوا الهدف الذي من أجله خرجتم من العالم وجئتم الدير أي خلاص النفس وقداستها. اننا لم نأتي من تلقاء أنفسنا إلى الحياة الرهبانية وبشكل خاص الى الأرثوذكسية. فاحتفظوا إذاَ بالرجاء واليقين الثابتين في الله وثقوا أنه مخما أنجز الانسان وحقق من صغيرات أو كبيرات انما الله هو فاعلها( لأنه بدوني لا تستطيعون أن تفعلوا شيئا) كما هو مكتوب. المنالة الالهية تهدىء النفس وتنيرها والمضطرب داخلياً يجب أن يمتنع عنها. يجب أن تكون المناولة ببركة الرئيس وبرغبة فائقة وشوق كبير من المتقدم. هنا في الهدوء أي في الحياة الرهبانية أو النسكية يغير الجهاد حياة الانسان رويدا رويدا. ويكتسب الفضائل بنعمته تعالى متحولاً إلى إنسان إلهي. كم من الصالحات والخيرات يعدها الرب لمختاريه الأمناء من الرهبان والراهبات”.

وأما عن السيدة العذراء فكان يقول:” ليكن لكم تقوى ومودة خاصين بالعذراء مريم. إنها تحكم وتحمي هذا الجبل المقدس وسوف تحفظه الى انقضاء الدهر. إن المحال يحشر ذيله في كل مكان في المنازل، في الاديرة، في المناسك… ولكن عندما نتلو “أيتها الفائق قدسها والدة الاله خلصينا”، يفر المثلث اللعنة حالاً. مغبوطون هم الذين يقيمون ويموتون هنا أي في الجبل المقدس لأن سيدتنا العذراء وعدت بأن تشفع لدى ابنها من أجل خلاصنا وكل ما نقوم به من سهر وصوم وتعب إنما نفعله حمداً وشكراً للعذراء التي بدونها لن يخلص العالم فهي قالت ها أنذا أمة للرب وأصبحت بهذا القول علة تجسد المسيح وليس بالأمر اليسير أيضا أن نشتم نحن الرب ونهينه.

وعن فضيلة الضيافة قال: يجب أن نعتني بالغرباء كي يرحلوا عنا شاكرين فنحظى بصلواتهم لنا. إن فضيلة الاحسان عظيمة والرب يبارك خاصة اولئك الذين يتعاطونها”

كان الاب خريستوذولس واحداً من أكابر نساك عصرنا: فقد ضبط تقليد الإسقيط القديم وسلمه بصفاء دون شوائب أو زيادات الى خلفائه. كان يتحلى بروح الشركة والتسامح ويرشد بحكمة مقدماً حياة القديسين مثالاً يحتذى ويستفيد منه الكثيرون، فكان مثالهم أبلغ وأجدى نفعا من الكلام القاسي أو التوبيخ. كان يمك سلاماً داخلياً نابعاً من طاعته الكاملة المقدسة إذ لم يكن يرفض أبداً أي عمل يشار به عليه إن من معلمه أو من سواه. وكان يقول عن رئيسه: ” لقد لقنني ممارسة الفضيلة بصمت. وبحزمه وقساوته على نفسه وشظف عيشه علمني أن ألقي رجاء خلاصي وتدبير حياتي على الله وليس على أعمالي”.

قبل السيد جهاده النسكي كذبيحة مرضية وأنهى حياته في فترة القيامةففي يوم الخميس من أسبوع حاملات الطيب رحلت نفسه المقدسة إلى السماء تاركة خلفها رائحة عطر فضائلها ونسكها. لقد كان له من العمر ثمانون سنة، أمضى منها خمسين سنة في النسك والجهاد المقدسين.

إننا نشكر الله الكلي الصلاح، والسيدة العذراء اللذين أظهرا لنا كأنوار ثاقبة تنير ظلمات حياتنا رجالا قديسين منحهم الفهم الروحي والاستنارة الداخلية، فكانوا العضد والسند لنفوسنا المسترخية من أجل استمرارية الجهاد والوصول الى الملكوت العلوي الهدف، المنشود لكل راهب.      

الراهب ايسخيوس أب إسقيط القديسة حنة

الراهب ايسخيوس أب إسقيط القديسة حنة

إعداد راهبات دير مار يعقوب

من بين الأزهار الفوّاحة التي أينعت في حديقة العذراء كان الأب ايسخيوس المزيَّن بالفضائل.  ولد في قرية صغيرة في ميسينيا MISSINIA عام ۱٩۰٥، من عائلة ورث منها الأموال الطائلة، كما أخذ عنها التقوى وحب الله والقريب. توفي والده وهو لم يزل بعد في الحشا الوالدي. أعطي في المعمودية اسم ديموستيني DIMOSTINI، وهو اسم كان معروفاً في قريته وليس تيمناً باسم أي قديس. عرف بوقاره وحشمته ورصانته. كان ذكياً جداً، تفوق على زملائه في المدرسة لدرجة أنه تمكن خلال عام واحد أن ينهي عامين دراسيين. ما أن كبر قليلاً، حتى اضطر للعمل لدى خياط لمدة أربع سنوات لمساعدة أمه الأرملة. كانت نفسه متعلقة بحب الله، متلهفة أبداً للإرتواء من مائه الحي. استيقظت في نفسه مبكراً رغبة جامحة لممارسة حياة روحية أسمى، حياة أكثر هدوءاً من صخب العالم الذي بات يتبعه نفسياً. وها هو يقول في مذكراته التي تركها لنا:

“عندما بلغت الخامسة عشرة من العمر، أرسلتني أمي لأتعلم مهنة الخياطة. وقبل رحيلي عن القرية، التقيت بمسيحي فاضل أسدى إلي نصائحه قائلاً: عند نزوحك يا ولدي عن القرية، سوف تتعرض لتجارب ومغريات كثيرة، فانتبه لها. لا تبتعد عن الكنيسة، ولا تهمل الصلاة أبداً.

وذات مساء، اشتد بي الشوق إلى حياة الهدوء والصلاة، وتمنيت لو كان لي جناحان كالحمامة حتى أطير إلى البرية وأستريح. فأخذت أتوسل إلى العذراء كي تهديني إلى طريق الخلاص. فرأيت أثناء نومي شاباً ذا طلعة وسيمة ومهيبة، يرتدي لباساً عسكرياً مزيناً، قال لي: إذهب إلى المخزن الفلاني، وهناك سوف تصادف شخصاً، فاسأله عن اسم أخيه الراهب وكيف يعيش في جبل آثوس. ثم توجه بعد ذلك إلى إسقيط القديسة حنة أم والدة الإله، حيث ينتظرك الرهبان. ثم أراني صور كل المناطق التي ينبغي لي أن أجتازها، كما أراني أيضاً صور رهبان الإسقيط.

أرسلني معلمي ذات يوم لأحضر له زوجته على الحمار من قريتها التي كانت تبعد حوالي ۲ كلم. أرادت أن تأتي معها نسيبتها الشابة، التي راحت تحيك لي أثناء الطريق فخاخاً شيطانية لإغرائي. أمسكت بمقود الحمار ورسمت إشارة الصليب قائلاً: أيتها العذراء القديسة أتوسل إليك أن تسرعي إلى نجدتي. وعندما تكررت المحاولات قلت للصبية بغضب: سوف أقتلك بهذه الحجارة التي في يدي إن أبديت أية محاولة أخرى. ثم صرخت أيتها العذراء نجني من هذا الخطر المحيق بي. وفجأة ظهرت أمامي العذراء بنور باهر وقالت لي: ارمِ الحجر من يدك ولا تخشَ شيئاً فأنا إلى جانبك. فامتلأت نفسي من الفرح والشجاعة معاً. وأما المرأتان فقد أخذهما الخوف أبلغ مأخذ إذ كانتا تسمعان الصوت ولا تريا أحداً. وهكذا تمكنت من الوصول دون أدنى انزعاج. فتذكرت حينئذ تحذير ذلك المسيحي المؤمن.

وذات مساء، ظهر لي مرة أخرى الجندي قائلاً: لقد حان الوقت لتباشر سفرك. انطلق غداً، واحترس من التجارب التي سوف تعترضك. لا تخَف، تسلَّح بإشارة الصليب وادعِ العذراء وهي سوف تجيبك.

وفي الغد انطلقت، وأثناء مسيري التقيت بزمرة من الأشرار يرقصون ويضحكون بشكل قبيح في وسط الطريق. وما أن رأوني، حتى تقدم كبيرهم مني مريداً امساكي قائلاً لزملائه وهو يقهقه عالياً: هيا لنمسكه ونقتله إنه عدونا. وللوقت تذكرت ما قاله لي الجندي القديس، فرسمت إشارة الصليب مستجيراً بالعذراء. فإذا بهم يختفون للحال عن ناظري. فأدركت أنهم كانوا جماعة من الشياطين أرادوا عرقلتي عن المسير.

وعندما وصلت إلى مدينة سالونيك، قادني احد معارفي إلى أماكن التسلية والمجون بغية الترفيه عن نفسي. فرأيت على باب إحداها شيطاناً واقفاً يدعو الناس إلى الدخول والتمتع في الداخل. ثم رأيته يصفق فرحاً جذلاً كلما استجاب لدعوته أحدهم. وبينما كنت أتأمل هذا مفكراً كيف يهلك البشر دون أن يشعروا، إذا بالجندي يظهر لي قائلاً: متِّع ناظرك ما شئت من مغريات هذا العالم الفانية. إنها المرة الأخيرة التي ترى فيها أشياء كهذه، ثم اختفى.

تابعت مسيري في اليوم التالي متوجهاً إلى الجبل. وعندما أردت الذهاب إلى الإسقيط، رأيت راهباً جالساً على الطريق فقلت له: باركني يا أبي، لأني أود أن أكون راهباً مثلك. فقال لي: وإلى أين تقصد؟ أجبت: إلى إسقيط القديسة حنة. فقال: ليس حسناً ما اخترت، إذ إن الرهبان هناك أشرار، كما أنهم لا يفقهون شيئاً لا من تعاليم الرهبنة ولا من نظامها. تعالى إلي وسوف أعلمك الكثير. قلت: لست بمحتاج إلى تعاليمك، سأذهب إلى هناك لأنها إرادة الله. وما إن قلت هذا حتى أصبح ذلك الراهب دخاناً واختفى عن ناظري تاركاً وراءه رائحة كريهة. وطبعاً أدركت ساعتئذ انه كان شيطاناً”.

وهكذا وبنعمة الله ومعونة العذراء انتصر الشاب ديمو DIMO – كما كانوا يدعونه – على تجارب العالم والشيطان، وصار مبتدئاً لدى الأب ليونيدوس LEONIDOS في إسقيط القديسة حنة، الذي كان يضمّ خمسة إخوة ممؤولين من الفضائل، مثابرين على الصلوات، حافظين للإمساك، أمينين لوعودهم الرهبانية التي أبرزوها أمام الملائكة أثناء توشحهم بالإسكيم الرهباني.

لقد كان الأب ليونيدوس أب الإسقيط، رجلاً ذا خبرة روحية واسعة، وطبيباً حاذقاً للنفوس، يتراكض اليه الكثيرون للإعتراف ولسماع كلمات إرشاد مفعمة محبة وحكمة إلهية. كان يعرف الماضي دونما شرح، ويرى بوضوح حوادث المستقبل. كان مرآة تعكس بجلاء إرادة الله للآخرين، ذا ذهن ثاقب مستنير، يستطيع كشف خفايا القلوب بما له من البصيرة الروحية. ولقد أخبر عنه الأب إيسيخيوس قائلا: “نزل مرة الأب ليونيدوس إلى ميسينيا، ومرّ هناك قرب مطعم، وما أن رآه زواره، حتى أخذوا يشتمونه ويلعنونه منتقدين الرهبان وأعمالهم. فاقترب منهم الشيخ وراح يحدثهم بوداعة ولين، ويكشف لكل واحد منهم حوادث جرت له، وللبعض الآخر خطاياه ومآثمه. فأخذ الرجال يرتعدون وتأثروا من لطف الأب ومحبته وحنوه. فاعتذروا عما بدر منهم وطلبوا إليه أن يسمع إعترافهم معلنين توبتهم ومنذهلين من استنارة نفس الأب وقداسته”.

ثم أردف الأب إيسيخيوس: “لقد تنبأ لي عن مستقبل حياتي قائلاً: ستصل إلى شيخوخة متناهية، وسوف تموت بسلام، لكن الأحزان الكثيرة لن تفارق حياتك. فاذكر دوماً قول الرب: من يصبر إلى المنتهى يخلص”.

في عام ١٩۲٧ أصبح الأب إيسيخيوس وهو في سن الثانية والعشرين عضواً في شركة الإخوة، مجاهداً كل يوم على تقديس نفسه، وغرس أسمى الفضائل فيها، وخاصة الوداعة والتواضع مماثلاً سيده القائل: “تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب”. كان يخدم في الكنيسة، ويؤمّن للآباء حاجياتهم بكل فرح وصبر. وبما انه تعلم مهنة الخياطة، فقد راح يزاولها وهو في الإسقيط. وبعد سنة أي عام ۱٩۲٨ توشح بالإسكيم الرهباني الكبير واعطي إسم إيسيخيوس. وبعد عامين أي سنة ۱٩۳۰ سيم شماساً ثم عام ۱٩۳۲ نال نعمة الكهنوت. وفي العام ۱٩٥٤ أصبح أباً روحياً للإسقيط.

وهكذا بدأت مسيرة الأب إيسيخيوس الروحية. وما هو إلا زمن قليل، حتى تزينت نفسه وتكمّلت بالفضائل الرهبانية، مماثلاً القديس أنطونيوس الكبير بجهاده وتمييزه وقيادته الحكيمة للنفوس. كان يعمل بكل صمت، ويجمع عسل الفضائل من سيرة الآباء بتواضع وهدوء. يرشد النفوس بكل حنان، ويؤدب بعصا الوداعة واللين. فكنت ترى في وجهه حلاوة الناصري يسوع ووداعته حتى أثناء تأديبه. وهكذا وبحق دعي “قانوناً للإمساك وصورة للوداعة”. لم يكن مرشداً للرهبان فقط بل أيضاً كان للعلمانيين القسط الوافر من ذلك، لأن صيته تعدى حدود الجبل المقدس. إن صيت القداسة لا بد له من أن ينتشر، ولا يمكن لعبير الفضيلة إلا أن يضوع. ألم يقل الرب “إن المكيال يوضع على المنارة”.

ولقد قال عنه أحد الرهبان: كان الأب إيسيخيوس ناسكاً قديساً ومجاهداً صنديداً، قاسياً على نفسه في ممارسة نسكه، شفوقاً رؤوفاً على الآخرين. لم يفتأ أبداً مردداً في كل مناسبة نصائحه وإرشاداته لرهبانه قائلاً : “حافظوا ما استطعتم، وبحرارة اجتهاد على تتميم قانونكم الرهباني وعلى حضور الخدم الكنسية. احرصوا على سلامكم الداخلي وعلى رباط المحبة بين بعضكم البعض، وليس بينكم فقط بل ومع الجميع. تمموا خدمكم الديرية بأمانة كما للرب. أكرموا الغرباء وخاصة الفقراء منهم مقدمين لهم الإحسان قدر الإمكان، لأنكم بعملكم هذا تستضيفون كنيسة المسيح نفسه، الذي سوف يعوض عليكم مئة ضعف، أحبوا القديسة حنة واتقوها مقديمين لها الإكرام اللائق بها، لأنها هي شفيعة الإسقيط وطبيبه. ضعوا أيقونتها في قلاليككم وقبلوها عند خروجكم من القلاية وعند عودتكم إليها، وهي سوف تحميكم وتشفع من أجل خلاصكم.

كان للأب ايسيخيوس مودة خاصة يكنها للقديسة حنة. وكان يحمل دوماً بعضاً من ذخائرها أينما حلّ  وحيثما توجه. كان يزور من وقت لآخر قرى ونواحٍ متعددة متفقداً معرّفاً. كان يحب أن يتحدث عن عجائب القديسة، لذا أحبها الجميع واعتبروها الشفيعة الخاصة بهم. وكانت هي بدورها تسرع لشفاء مرضاهم وسقمائهم، وتبعد الأخطار عنهم وتحل عقر نسائهم. وبالإختصار أضحت الملجأ الأمين لكل من يسرع إليها.

وهاك ما حدث مع الأب ايسيخيوس شخصياً إذ قال: “في اليوم السابق لاندلاع الحرب العالمية الثانية، كنت مضطراً إلى ترك الإسقيط  والتوجه إلى القرية التي يقيم فيها بعض أقربائي. فتوجهت إلى الكنيسة، حيث توجد ذخائر القديسة حنة صانعاً لها مطانية وقائلاً: يا قديسة الله ساعديني واعفيني من الجندية، وسوف أخدمك بقية حياتي. ثم قصدت القرية بعد أن طلبت صلاة الإخوة من أجلي. وفي الطريق صادفت جندياً طلب مني ورقة الإعفاء من الجندية. وبما أني لم اكن أملكها، اجبته بجفاء: أتجسر أن تطلب مني ورقة إعفاء. إني راهب والرهبان لا يذهبون إلى الجندية. فأصر الجندي على طلبه قائلاً: إن لم أطلبها أنا يا أبي، سوف يطلبها غيري. وأما أنا فلم ارد له جواباً وتابعت مسيري.

أمضيت في القرية عشرة أيام، وعند عودتي التقيت نفس الجندي. ففوجئت بلطفه ورقته في المعاملة وقال: لقد جائتني يا أبتي في الليلة التي صادفتك فيها للمرة الأولى سيدة عجوز أثناء نومي وحذرتني قائلة بلهجة قاسية: الرهبان لا يذهبون إلى الجندية. لقد كررت هذا القول ثلاث مرات ثم قالت بلهجة الأمر: عندما يأتيك في المرة القادمة، اعطه ورقة إعفاء من الجندية. فخذ إذاً يا أبي هذه الورقة وأخبرني من تكون العجوز. فضحكت وقلت: إنها القديسة حنة شفيعة الإسقيط. فقال: توسّل إليها علّها تسامحني. ثم علمت بعد عودتي إلى الإسقيط، أنه في الساعة التي ظهرت فيها القديسة للجندي، كان الإخوة يرتلون خدمة البراكليسي الخاص بها كي تؤازرني وتساعدني على العودة سالماً.

وذهبت مرة أخرى إلى القرية، ومعي داخل حقيبتي بعض من ذخائر القديسة. واضطررت أن أبيت لدى كاهن القرية. وعند وصولي طلبت من ابنه أن يضع لي الحقيبة في غرفتي. ثم صرفت اليوم كله مهتماً بأهالي القرية. وعند المساء ذهبت للنوم، وبما إني كنت متعباً جداً لم أتفقد الحقيبة التي كان ابن الكاهن قد نسيها قرب الباب الخارجي. وعند انتصاف الليل، إذا بالقديسة حنة تصفعني على وجهي قائلة لماذا تركتني بعيدة في الخارج؟ ومن قوة الصفعة استيقظت مفتشاً على الحقيبة حتى وجدتها فحملتها عائداً إلى الغرفة، وصانعاً للقديسة مطانيات كثيرة طالباً من القديسة الغفران على إهمالي.

وفي حزيران من عام ١٩٨۱ تعرض الأب لمرض أقعده طريح الفراش عدة سنوات. تحمل آلاماً مبرحة، حتى إن القيح كان يجري من أسفل قدميه بغزارة ومع ذلك لم تكن تسمعه متأوهاً أو متضجراً. بل شاكراً وقائلاً: لا تتذمروا يا إخوتي أثناء المرض، لأنكم سوف تنالون أجر تحملكم الذي أبديتموه محبة لإسمه القدوس.

وقبل عشرة أيام من نهاية مسيرته، قال لأحد الإخوة: سوف أرحل عنكم في عيد القديس خرالمبوس. وفعلاً في غروب العيد قال له الأخ بندليمون: هيا بنا يا أبي لنرتل خدمة غروب القديس. فأجابه الأب: اذهبوا أنتم وأما أنا أهيء نفسي للحياة الأخرى وملاقاة الرب. وكانت هذه كلماته  الأخيرة. وهكذا لم يكد يحل مساء ذلك اليوم، حتى أودع نفسه بين يدي بارئه. بقي جسده يومين كاملين دون دفن ريثما يحضر بقية رهبان الجبل لإتمام مراسيم الجناز. ومع ذلك لم ينتن ذلك الجسد ولا برزت منه أية رائحة فاسدة.

ولقد أخبر عنه أحد الإخوة قائلا: إنه قبل عام من رحيله، مرض مرضاً شارف فيه على الموت. وإذا به يصرخ ذات يوم قائلاً لي: من هم هؤلاء السود الوجوه يا بني الذين جاؤوا إلى هنا وماذا يبغون؟ ثم قال بعد قليل: من هو هذا الشاب اللامع الهيئة الواقف قرب النافذة؟ لقد قال لي تهيأ يا إيسيخيوس، فسوف أمرّ عليك العام القادم لآخذك معي. لقد كان ملاك الرب الذي تمم قوله فعلاً بعد عام.

سيرة الشيخ أفرام الكاتوناكي

سيرة الشيخ أفرام الكاتوناكي

لخّصها عن الأصل اليوناني الأخ يوسف كبا

نشأته

وُلد إيفانجيلوس (الشيخ إفرام) في منطقة ثيفا في ٦/۱٢/۱٩۱٢ لعائلة ريفيّة فقيرة. عمِل والده بكدّ ليؤمّن لعائلته احتياجاتها للعيش والتعليم. كان جدّه كاهن البلدة أما والده فكان عاملاً نشيطاً أميناً وحازماً، كريم الأخلاق وقد أمضى سنيه الأخيرة راهباً بجوار ابنه. والدته الطيّبة ذات القلب المحبّ العطوف، اضطربت كثيراً لدى حملها بابن جديد هو إيفانجيلوس العتيد، وذلك بسبب الضيق المعيشيّ والحروب الدائرة في ذلك الزمان. إلاّ أنها ندمت في ما بعد وأدركت أنّ هذا الصبيّ سيخلّصها بحياته البارة وصلواته. وقد استُؤهلت هي أيضاً، كما صلّت لسنوات عديدة، لأن ترتدي اللباس الرهباني في آخر حياتها.

كان إيفانجيلوس تلميذاً مجتهداً، أنهى دراسته الإعدادية عام ۱٩٣۰ مع مواظبته على الصلوات الكنسية والشخصية. وقد أقام علاقات طيّبة مع رهبان وراهبات من بلدته، منذ فتوّته. بعد إنهائه دراسته الثانوية، حاول ترتيب عمل مناسب، لكنّه لم يوفَّق. حتى عندما قرّر تأدية خدمته العسكرية، رُفض، وأُجّل لأسباب صحيّة. وهكذا وجد نفسه مدفوعاً لاختبار حياة الهدوء التي كانت نفسه تتوق إليها. وكانت زيارته الأولى للجبل المقدّس في 14 أيلول ۱٩٣٣.

في كاتوناكيا

تقع منطقة كاتوناكيا في الطرف الجنوبي الغربي لشبه جزيرة الجبل المقدّس المطلّ على البحر الإيجي. وهي منطقة صخرية منحدرة جدّاً تتوزّع فيها القلالي، كما في معظم أساقيط الجبل، كأعشاش النّسور، وتربط بينها طرق متشعبة تنتشر بين الأحراج. قلالي منطقة كاتوناكيا حديثة نسبياً، لا يتعدّى عمرها المئة سنة. إلاّ أن خلال هذه الفترة القصيرة كانت كاتوناكيا خليّة روحيّة نابضة بالحياة.

في عمق الوادي يقع منسك القديس إفرام السُّوري حيث تنسّك الشيخ إفرام. تألف المنسك من كنيسة وعدّة غرف ومستودعات مع فناء للدار. الأبواب منخفضة، المحراث ضيقة، شباك الغرفة صغيرة. كان الشيخ لونجينوس أول من بنى القلاية في أواخر القرن (۱٩)، مع بداية القرن (٢۰) جاء الشيخ إفرام الكبير ووسّع القلاية والكنيسة وبنى الجدارات الحجرية المحيطة بها وبالحقول. ثم التحق به الأب نيكيفوروس ثم بروكوبيوس وهؤلاء الثلاثة كانوا من ثيفا موطن الشيخ إفرام. وقد دفعته معرفته السابقة بهم إلى اختيار هذا المنسك لاختبار الرهبنة. وهكذا كان. فأتى إيفانجيلوس (الييروندا إفرام) شاباً مثقفاً فيما الآباء الموجودون طاعنون في السنّ (فوق ٥۰ سنة) وقرويون. في البداية، لم تكن الطاعة لهم سهلة عليه، بخاصة مع قساوتهم عليه وتشدّدهم. إلا أنهم في ما بعد، عندما اختبروا وداعته وصبره، قدّروا قيمته ومواهبه عالياً. كان معظم عبء الأعمال المجهِدة ملقى على عاتق الشيخ إفرام، فهو الأصغر سناً والأنشط عزيمةً. لذلك كان يهتم بالعمل في الحقول ويقوم بطحن القمح وأعمال أخرى في الاسقيط المجاور، إسقيط القديسة حنة، أو دير القديس بولس الآثوسي.

تذكُّر والدته، العثرات من آبائه الرهبان،… وغيرها من الحروب التي يتعرض لها كل المبتدئين، بالإضافة إلى ما سبق، حُورب بها الراهب الشاب. إلاّ أن السيدة العذراء أعانته وصَمَدَ، بنعمة الله، حتى النهاية، بالالتزام بالصلاة والخشوع باستمرار، في الكنيسة وعلى انفراد، والمواظبة على عمله اليدوي. وهكذا في زمن قصير، نصف سنة تقريباً أي في عام ۱٩٤٣، تمّت سيامة إيفانجيلوس راهباً مبتدئاً باسم لونجينوس، بعد نوال بركة دير اللفرا الكبير الذي كان مسؤولاً عن قلالي كاتوناكيا. وفي العام التالي، في عيد القديس إفرام السّوري، سيم لونجينوس راهباً بالاسكيم الكبير باسم إفرام. وفي عام ۱٩٦٣، حينما رآهُ أبوه الروحي الشيخ نيكيفوروس مُجاهداً، مُتزناً، وقوراً، وافق على سيامته شماساً ثم كاهناً في العام ذاته.

علاقته بالشيخ يوسف الهدوئي

يوسف أبوه الروحي

اعتاد رهبان الأساقيط في الجبل المقدّس على تبادل الزيارات بخاصة في أعياد القديسين للمشاركة في الصلوات. كانت قلاية الشيخ يوسف، في منطقة القديس باسيليوس، قريبة من قلاية الأب نيكيفوروس، رئيس قلاية القديس إفرام حيث سيم الراهب إفرام. وبتعرّف الشيخ يوسف على الراهب الكاهن الشاب، أحبّه وأُعجب بصمته ورزانته. فكانت أن تطوّرت علاقة روحية أبوية متينة وعميقة بين الشيخ المخضرم يوسف والراهب إفرام، الذي صار الكاهن الخادم الأول في قلاية الشيخ يوسف. وبمناسبة كل زيارة كان الييروندا إفرام يُطلع الشيخ يوسف على اختباراته الروحيّة وصعوباته، وقد وجده خير معين له، يروي ظمأه للتعمُّق في الهدوء وصلاة القلب واكتساب الفضائل. قال له الشيخ يوسف مرّة: “أنت كنت تبحث عني، وأنا عنك!”. هكذا رغم وجود الييروندا في قلاية الشيخ نيكيفوروس وتحت طاعته، صار الشيخ يوسف أباه الروحي الفعلي. فقد اعترف الييروندا وقال: “إن لم أحبّ إنساناً في العالم، ولم أهَبْ إنساناً مثلما أحببته وهبتُهُ”. حتى بعد بعد انتقال الشيخ يوسف الى قلاية أخرى في اسقيط القديسة حنّة الصغرى، استمرّ الييروندا في زياراته إليه وإقامة القداس الإلهي وتقبُّل توجيهاته الروحية على الرغم من إضطراره الى السير لنصف ساعة في الأحراش، في الليل، والبرد، والمطر…، وحتى أنه كان يساعدهم في تجديد قلايتهم الجديدة التي انتقلوا إليها وكأنه واحد من أخويّتهم، من دون أن يقصّر إطلاقاً في إلتزاماته مع أخوية الأب نيكيفوروس وطاعته، بخاصة في شغل الأختام الخشبية اللازمة لصنع القرابين. لقد تأثّر الييروندا كثيراً بالشيخ يوسف حتى أن البعض قالوا أنه كان “نسخة طبق الأصل عنه”.

اختبارات روحيّة

كان الشيخ يوسف يتفاخر بحالة الييروندا أفرام الروحيّة، ويحثّه دائماً على مواصلة الجهاد وتأجيجه، طبعاً بحكمة واتزان، عالماً أنه قادر بنعمة الله على ذلك. وأيضاً عندما كان يحزنُ التلميذ أباه الروحيّ يوسف، كان يدرك في أعماقهِ أن النعمة قد غادرته بالفعل، ولم يكن تقرُّ له عين حتى يرضى عنه أبوه المحبّ والمربّي الخبير. لقد بلغ الييروندا درجة كبيرة من التمتع بالصلاة وتذوّق حلاوتها. قال في أواخر أيامه: “لقد كنتُ ملاكاً. أين للفكر الشرير أن يدنو مني، حتى ولو أردت ذلك، لقد كانت النعمة ترميه بعيداً. كان في داخلي نور. كانت تستمر الصلاة فيَّ حتى أثناء النوم”.

بعد فترة راح يشعر بامتلاء من النعمة، وكأن نفسه تطلب الخروج، أن تطير، راح في لحظة ما يتمسّك بالأشياء التي حوله، خشية أن يطير! لم يستطع تمالُك نفسه. إنها أمور لا يُمكن التعبير عنها بكلام.

تجارب

إلا أن كل هذا لم يكن يعني أنه لم يمرّ في تجارب وسقطات وأمراض وضعفات. قال: “رغم أني شبعت من خمور الفردوس الكليّ الحلاوة، إلا أني كنت أعتني بألاّ يظهر هذا عليَّ خارجياً. بالإضافة لذلك، شربتُ من مياه الجحيم الكليّة المرارة، إلاّ أنني اهتممتُ هنا بألاّ يبتلعني اليأس والقنوط”.

الغيوريّة

منذ العام ۱٩٢٤ دخل التقويم العالمي (الغربي) إلى الكنيسة بدل التقويم القديم، مما أدّى الى نشوء حركة معارضة للكنيسة الرسميّة، بخاصة في القسطنطينية. دُعيت هذه الحركة بالغيوريّن ومنطقة كاتوناكيا في الجبل كانت من مناطقهم. هنا صدف أن أصبح الييروندا إفرام راهباً. إلاّ أنه بعد صلوات ورؤى حدثت معه، واستشارات متعدّدة لشيوخ الجبل المقدّس وعلى رأسهم الشيخ يوسف الهدوئي، وبعد أخذ وردّ، توصّل الى إيمان وقناعة بأن يكون مع الكنيسة الرسميّة إلاّ أنّه احتراماً لأبيه الروحيّ نيكيفوروس وطاعةً له، كما يقتضي الواجب الرهباني. بقي شكلياً منضمّاً الى الغيورين الى حين رقد الأب نيكيفوروس المتشدّد، حينها أعلن ما كان يتوق إليه وما كان يمارسه بشكل غير مباشر وصريح وانضم بأخويّته الجديدة الى الكنيسة الرسميّة.

حياته مع الأب نيكيفوروس

لقد عانى الييروندا الكثير وتحمُّل صعوبات من أبيه نيكيفوروس وحفظ الطاعة له، ومارس صبراً جميلاً في سبيل خدمته بخاصة في السنوات الخمس الأخيرة من عمره، حين أمسى الأب شيخاً طاعناً في السنّ نحيل الجسم وشبه فاقد لذاكرته. حينها لم يكن يستطع البقاء لساعة من الزمن من دون الييروندا إفرام الذي كان يهتمّ به في كلّ شيء. لم يكن ذلك إلتزاماً منه أخلاقياً أو بالنظام الرهباني، إذ إنه تجاوز ذلك، محبّةً بأبيه وتمجيداً لله، وتوصّل إلى الحنو عليه والرقّة في معاملته حتى النهاية. كل ذلك بالرغم من اعتلال صحته هو وإرهاقه جسداً ونفساً. يروي الييروندا حادثةً ويقول: “في ذلك الحين قرّرتُ تغيير غرفتي. أن أبتعد عن جوار الأب نيكيفوروس، بحيث لا أعود أسمعه وأحتفظ بذكره في فكري مهتماً به على الدوام. كنت متضايقاً حتى من الصوت الذي تصدره أحذيته الثقيلة التي كانت تعيق نومي. ابتعدت قليلاً، الى مكان أهدأ. إلاّ أنه، كما أسمعكم وتسمعونني، سمعتُ صوتاً يقول لي: “يا عادم الضمير، يا فاقد القلب، لقد هجرت أباك الروحي. الآن إذا عانى من شيء واحتاج إليك، مَنْ سيسمعهُ ويهتمّ به؟” في اللحظة عينها عدتُ الى غرفتي الأولى هلعاً”.

بالإضافة إلى ذلك، كانت الراهب بروكوبيوس الطيب يعاني من صعوبات أخرى حتى بلغ به الأمر في وقت ما أن يقرر مغادرة القلاية نهائياً. لكنه صَبَرَ حتى النهاية مواظباً على أعماله في الأختام وجلب الأغراض والزراعة. ومما شكّل عبئاً إضافياً على كاهل الشيخ أفرام هو مجيء السيد حنا (والد الييروندا إفرام) للإقامة معهم في أواخر سني عمره، بخاصة بسبب غيرة الشيخ نيكيفوروس والسيد حنا المسنّ أحدهما من الآخر عند خدمة الييروندا لأحدهما وإبدائه شيء من المحبة له. لقد أمضى السيد حنا ثماني سنوات عندهم إلى أن رقد، وقد كان يظن بدءً أنه سيقيم فقط لعدة أشهر. كان الييروندا خلال هذه الفترة بين نارين، والده بالجسد وأبيه الروحي. هذا الوضع أرهقه وأتعبه جداً، لكنه أيضاً محّصهُ كالذهب في البوتقة، فازداد تلألؤاً بالقداسة.

الجدّة الذهبية وأنسباء الشيخ

في عام ۱٩٦٣ لدى مرض والدة الييروندا، في القلب، وإحضارها الى المشفى للمعالجة شهد حتى الأطباء على نبلها وطيبتها. قال أحدهم: “إن هذه الجدّة، عوضاً عن أن نشجّعها نحن ونُواسيها، هي التي تعزّينا وتشجّعنا”. عندما عَلِم الييروندا بمرضها الخطير، أدرك أن مفارقتها للحياة قريبة، فأرسل إسكيماً طالباً أن يصيّروها راهبة كما كانت تتوق منذ سنين طويلة. وقد تحدّثت ابنتها عن سعادة الجدّة الكبيرة بصيرورتها راهبة، وكيف أشرق وجهها واستنار وراحت تحدّث بعظائم الله بعد صمت.

وبعد أسبوع تقريباً لدى وفاتها بسلام وهدوء، راحت تفوح منها رائحة الطيب دلالة على قداستها. واستمر ذلك حتى يوم جنازتها. ويشهد الييروندا قائلاً عنها: “إني أعترف، عندما كنتُ أصلّي من أجلها، كنت آخذ، لم أكن أنا مِنْ يُعطي! بل كنت أمتلئ من النِّعم”. وقد كان يشعر أنها والشيخ يوسف واحد، متشابهان، روحياً الى أقصى الحدود.

رغم بقاء الييروندا في الجبل لعشرات السنين دون أن يزور “العالم”، حتى أهله وأقاربه، إلاّ أنه لم يكن يتوقف عن الصلاة من أجلهم، ومساعدتهم روحياً، كما كان يشعر بذلك في قلبه وكما أخبره أهله في ما بعد. إلاّ أنه يذكر أنه تلقى “صفعةً” عندما ألحّ في الصلاة من أجل ابنة عمّه التي كانت متورّطة بعبادات شيطانية وشعوذة.

أمراض وأتعاب مع تعزية إلهية

منذ صغره، عانى الييروندا من عدة أمراض من أهمها تحسّس جلدي خطير في قدمه ويديه وقد انعكست تأثيراته حتى على عينيه، وكانت سبباً لتأجيل خدمته العسكرية وبالتالي التحاقه بالرهبنة. بلغ به الأمر مرة الى حالة “نوبة تحسّسية” هيّجَتْ جسدهُ بالكامل، وأصابته حَكَّة حتى الدم، مع رعشة في كل جسمه. لم يكن أيامها (حوالي الحرب العالمية الثانية) من طبيب في الجبل. لم تشفِهِ إلاّ تضرّعاته الى العذراء وصبره الجميل. ورغم ضعفاته وأمراضه، كان هو العامل الأول في الأخوية: ينقل المنتوجات من الأختام وموادها الأساسية من والى الاسقيط عند الشاطئ. كما كان يحمل مواداً أخرى كالقمح للطحن، والنبيذ… كلّه على الأقدام. هو نفسه كان دّابة النقل، الطباخ، المزارع، الحفّار، المعمار،… الكاهن الخادم… والراهب المواظب على فروضه الرهبانيّة.

وحيداً

عانى الأب نيكيفوروس كثيراً في أيامه الأخيرة، وهو قدّر صلوات الييروندا الحارّة من أجله وخدمته له، فاستحق الأخير منه كلمة شكر وبركة حين قال له قبيل رقاده: “فليباركك الله، فليباركك، لست أنت بإنسان، بل ملاك أنت!”. بعد هذه المرحلة صار الأب إفرام وحيداً في القلاية. فراح يتأمّل وضعه الجديد وذكرياته المرّة والآلام التي لم تفارقه حتى اللحظة. وما لبث أن اُصيب بمرض تسمُّمي بسبب الفول وهدّدت حياته بالخطر. فكانت أول مرة يخرج فيها من الجبل (الى تسالونيك) منذ دخوله إليه. فأقام في المشفى لمدة تقارب الشهر لمعالجة هذا المرض ومعالجة ضعف عينيه. كانت إقامته في المشفى مناسبة لاستقبال زوّار كثيرين، ممّا أتعبه وأضعف صلاته المستمرّة. ومن الطرائف أنّ أخته وأخيه جاءا لزيارته ولم يعرفهما إلاّ بعد أن أخبراهُ بشكل مباشر.

مع أخويته

كان الشيخ يوسف الهدوئي قد نصح إبنه إفرام ألاّ يقبل في القلاية طلاّباً للرهبنة قبل أن يرقد الأب نيكيفوروس. وقد طبّق وصيّة الشيخ. وبعد أن تمنّع عن قبول عديدين، صار من الممكن له أن يقوّي شركته بالكنيسة، وأن يقبل تلامذة للرهبنة في قلايته ليسلّم إليهم شيئاً من خبرته في الصلاة والهدوء، رغم اعترافه مراراً بضعف إمكانيّاته في التعامل مع الشباب، خاصةً وقد أصبح هو شيخاً مسنّاً الى حد ما. وهكذ قَبِل مختبرين لديه، كان يعاملهم أبوياً، يستمع يومياً لاعترافاتهم ويتبادل معهم الحوار، موضحاً طرق الرهبنة المختلفة: هدوء، انفراد، حياة شركة… دون أن يفرض على أحد نمطاً ما.

كان يقول لطلاّبه: “يا أولادي الأحباء، أنا أصلي من أجل أن ينيركم الله لكي تختاروا أنتم الطريق الذي به تمجّدونه وتخلّصون أنفسكم”. كان الييروندا يرى ما يناسب كل شاب يأتي ليستشيره ويأخذ رأيه في الترهُّب، لم يكن يهتم بأن يُبقيه عنده بحيث يزيد عدد أخويته. بل كان يرسل البعض الى أديار أخرى وآباء روحيين آخرين ليروا ويستشيروا آخرين ويختاروا بحريّة وقناعة ذاتيّة. قال لأحد الشباب الذي كان ابناً روحياً له واختار أخيراً شيخاً آخر ليصير عنده راهباً: “الآن مات الأب إفرام بالنسة لك. لديك شيخك الروحي (الآخر)، أثبت هناك واحفظ الطاعة له حتى النهاية”. وبالرغم من كبر سنّ الييروندا إلاّ أنه أبدى قدرة كبيرة في التحمُّل والتضحية بالإضافة الى مرونة ممدوحة مع أبنائه الجُدُد في الرهبنة، مُعلّماً إياهم وناصحاً ومربياً بطول أناة وصبر ومحبة.

بعض تعاليمه

كان الييروندا يواظب على تعليم الإخوة الخمسة الذين شكّلوا أخويته الجديدة. كانت تعاليمه ونصائحه الأولى أمور عملية بسيطة كأن يتّقوا الهواء البارد بخاصة عند التعرُّق. وأن لا يُجهِدوا أنفسهم في العمل فوق الطاقة وأن يحافظوا على أنظمة الأخوية فيما يتعلّق بالأصوام والترتيبات العامة الأخرى.

عبارتَيّ “ليكن مباركاً” (نان إيفلويمينو) تعبيراً عن الطاعة، و”باركني” (إفلويصون) يمعنى إغفر لي، كانت من أهمّ العبارات التي شدّد على استعمالها. وكان يشجّع الإخوة على إنكار العالم ونزع نيره عنهم، بخاصة الأهل والأقارب.

لسنوات وسنوات واظب الشيخ إفرام على نصح تلاميذه وحتى توبيخهم عند الحاجة في الموضوع الأهم، وهو المتعلق بحياتهم الروحية، غاية وجودهم في الجبل المقدس، كما كان يقول. مع محافظته هو أولاً على نشاطه الروحي وإلتزامه في الصلوات والأصوام والصمت والتواضع أمام الإخوة والابتعاد عن الدالة والمزاح، مع الاعتراف والمطالعة الروحية والسَّهر والتعب الجسدي. وكثيراً ما كان يستعمل قصصاً من الكتاب المقدس أو أخبار الشيوخ القدماء لكي يوضح ما يودَّ إيصاله من عِبَر ونصائح مفيدة للنفس، وأحياناً أخرى كان يتحدّث عن خبرته الشخصية لكي يثبّت الإخوة ويعزّيهم.

التعليم العملي

لم يكن الييروندا يبخل في مساعدة الإخوة النسّاك من القلالي المحيطة، رغم تعثُّر تلاميذه من مثل هذه التصرّفات. إلاّ أنّ السيّدة العذراء كانت تضاعف خيراتهم وتزيدهم.

بخصوص المال، لم يكن يطالب بحقّه. على سبيل المثال، اعتاد أن يقول عن المال الذي كانوا يجنونه من صناعة الأختام: ” عندما يُظلَم المرء ويصبر، تكون الأجرة من الله أكبر بكثير من أن يقدّم هو طواعية إحساناً أو تبرّعاً”.

كان نُبله وشهامته في منتهى العمق. تصرّفاته كانت مدروسة بدقّة. وكثيراً ما حدث في أوان الراحة أن تابع عمله الشاق بانتظار عودة أحد الإخوة من مهمة ما أرسله لإنجازها، وبالتالي لكي يرتاحا معاً، لا هو قبل الأخ الغائب.

امتاز الأب إفرام ببساطته. كان يظهر هذا لدى مواجهتهِ مشكلةً فنيّةً عماية في إحدى الأدوات (كالمدفأة مثلاً). حينها كان يتصرّف كالأطفال الأبرياء.

الزمن والأشياء

لم يكن الييروندا يحفظ الكثير من التواريخ والأزمنة حتى من حياته الشخصية. فقط بعض المحطات الرئيسية: سيامته راهباً، الذكرى الألفية لتأسيس الجبل المقدّس… ويستعمل عبارات عامّة لتحديد الزمن: زمن الاحتلال (الألماني)، عندما كنتُ مبتدئاً، عندما كان الشيخ يوسف في منسك القديس باسيليوس،… أما أعياد القديسين والأعياد فكان يحفظها بامتياز.

كان النهار والليل يمضيان وفق ترتيب معين للأعمال الجسدية والروحية. كل عمل، مهما كان، هو جهد مبذول وسبب للفرح وتمجيد الله. الزمن كترتيب لا يهم، المهم أنه إمكانية للحضور المستمر روحياً. كانت الصلاة هي محور حياته، صلاة يسوع رافقته في كل أوقاته، في عمله وحتى في نومه. الزمن كلّه اتّحد في صلاة.

كما ذكرنا، لم يكن الييروندا ذاك الإنسان العملي المتعدّد الأشغال. ايضاً كان كل ما يعمله يعمله بأمانة وفرح واجتهاد.

الصلاة

على السؤال: كيف سنجد الصلاة، كيف سنجد النعمة؟ كان الييروندا يجيب: “عندما يكون وعاء النفس نقياً، عندها تمتلئ تلقائياً من نعمة الله. تُولد الصلاة من الطاعة، ومن الصلاة يأتي التكلّم باللاهوت”. كان ينصح بألاّ نطيل صلاة يسوع، فقط أن نكرّر خمس كلمات (كما يوصي الرسول) “أيها الرب يسوع المسيح إرحمني”. ويضيف أنّه عندما نتقدّم في الصلاة سنختصر أكثر، يمكن أن نصل الى مجرّد المناجاة باسم يسوع: يسوع، يسوع… إن خبرة كل شخص ستعلّمه أسرار الصلاة. كان ينصح باستحضار صور ما، كالجلجلة أو المجيء الثاني للمسيح، في بداية الصلاة، مما يجلب إلى نفسنا التخشُّع. ثم نطرح عنّا كل الصور ونكتفي بالتركيز على كلمات صلاة يسوع مما يُثمر تواضعاً ويجلب كل مواهب الروح القدس الى النفس. إلى هذا، فقد اعتاد على استعمال صلوات مرتجلة شخصية من حين لآخر. كل ذلك من خلال شرط الطاعة للأب الروحي، فمن دون هذه يستحيل اقتناء الصلاة والاستمرار فيها.

البرنامج في البريّة

كان الييروندا منتظماً جدّاً في برنامجه اليومي، وهكذا كانت أخويّته. في ساعات الصباح بعد أن يكون قد ارتاح من سهرانية الليل اليومية، كان يصعد الى الكنيسة لإتمام القداس. بعد القداس كانت مائدة صباحية ثم الأشغال الضرورية واليدوية مع بقية الإخوة حتى منتصف النهار. حينها كانوا يجتمعون حول المائدة كضيافة خفيفة ثم وقت الاستراحة. في المساء صلاة الغروب والعشاء وكان يتمنى عليهم أن يُوقفوا اهتماماتهم الحياتية وأعمالهم، لكي يحرّروا النفس ويفرّغوها للعمل الروحي الليلي، السهرانية. بعد صلاة النوم كان يستلقي لمدة ثلاث ساعات ونصف ثم يستيقظ تلقائياً، من دون منبّه، لإتمام سهرانيّته الشخصية بالمسبحة بشكل عام، مع مطالعة روحية، وصلوات شخصية من القلب.

أما عن خدمته القدّاس الإلهي، فقد كانت بهدوء وخشوع، على ما تعلمه من الشيخ يوسف منذ شبابه. كان يقول أن القدّاس بالنسبة له هو الصلاة الأهم.

الاقتصاد والعلاقات العامّة

المال

كان الييروندا يستعمل الأموال ببساطة، متجنّباً تخزينها، ملقياً رجاءه أولاً على الله. لم يكن يتقبّل إحساناً من المؤمنين إلاّ بصعوبة، وعندما يتقبّل كان يصلّي من أجل المحسن كثيراً.

شيوخ الجبل

كل الإصلاحات والإضافات التي تمّ إنشاءها في القلاية كانت بداعي الحاجة الملحّة. كان رهبان دير السيمونوبترا من أهم مساعديه في أعماله. كما كان يحتفظ بعلاقة خاصة مع رئيس الدير إميليانوس، ومعظم الأبناء الروحيين للشيخ يوسف، وهم الييروندا يوسف الفاتوبيذي، أفرام الفيلوثيي، خرالمبوس الذيونيسياتي، بالإضافة لآباء روحيين آخرين كُثُر كالأب أثناسيوس من دير اللافرا، والأب برثانيوس من دير القديس بولص، والأب جاورجيوس من دير غريغوريو… إلخ. لقد كان همّاً كبيراً عنده أن يحافظ رهبان الجبل المقدّس على علاقات طيّبة في ما بينهم. وقد اعتاد على رفع قيمة شيوخ الجبل في أعيُن الرهبان الشباب المختبرين.

الزوار

مشكلة زوّار القلاية كانت متعبةً للييروندا، أفقدته جمال صلواته الليلية. لم يكن يعرّف إلاّ نادراً، كان يكتفي بإعطاء النصائح والمشورة والتعزية. كان يرسل كثيرين الى آباء روحيين آخرين لديهم الخبرة الاجتماعية الكافية، بخاصة إذا كان لديهم إشكالات عائلية. قال إحدى المرّات مازحاً: “لكْ يا ولدي، يأتيك أحدهم ويقول زوجتي كذ… ثم آخر ايضاً زوجتي… كأنهم جعلوني طبيباً نسائياً!!”

مواهب الييروندا

لم تكن موهبة الييروندا الرئيسية في الرؤى المستقبلية، بل في الصلاة والدموع. وفي النهاية يبقى الله وحدُه هو الحاكم في شؤون الآباء الروحانيين الكبار. هناك عدة قصص تُروى عن رؤيوية الييروندا. حيناً ما كان الإخوة جالسين الى مائدة الطعام، مستضيفين أحد الرهبان الزوّار. إلتفت الييروندا نحو الراهب الضيف وقال له وهو يهزّ الرأس ملمّحاً: “عقبال الأعلى! عقبال الأعلى!” ثم راح يحرّك طرف كفّه الأيمن بشكل صليب على صدره قائلاً: “قدوس، قدوس، قدوس…”. بعد وقت قصير، إعترف الراهب لبقية الإخوة أنه أتى لينال بركة الييروندا على سيامته شماساً، وقد أدرك الييروندا ذلك قبل أن يقول له. حيناً آخر زاره أحد الشباب من تلاميذ الجامعة. فاقتادَه الييروندا الى حيث يوجد ضريح لأحد الراقدين، خلف القلاية، وراح يكلّمه عن الموت والحياة بعد الموت. بعد يومين من هذا، عندما خرج الشاب من الجبل، علم أنّ والده قد توفّي.

لدى تحوّل دير اللافرا الى نظام شركة، كان اسم الييروندا إفرام على رأس قائمة المرشحين لاستلام رئاسة الدير. وعندما أخبروه برغبتهم طلب أن يُعطى فرصة للصلاة من أجل هذا الأمر، ثم تبيّن له أن ليس هذا من مشيئة الله، فاتصل هاتفياً بشيوخ الدير وأنهى المسألة.

الشيخوخة والرقاد

لم تُشفَ القروح في قدمَيْ الييروندا حتى العام ۱٩٩٢، لم يكن يتناول، بسبب التحسُّس منها، إلاّ الفاكهة والخضروات وقليل من الزيت. وكان الشفاء منها عجائبياً. إلاّ أنه أُصيب بمرض ثقيل آخر هو مرض الجفاف، حيث كان يضطر لشرب كميات كبيرة من الماء، بخاصة في الصيف، مما سبّب له نوبات من الدوار، كما أن عينيه تأثّرتا… وكان يتضرّع الى العذراء أن تهبه أن يخدم نفسه بنفسه حتى آخر أيام حياته.

بعد عام ۱٩٩٤ أصبح الييروندا شبه أعمى. إلاّ أنه لم يفقد عفويّته وحيويّة نفسه وظُرف معشره مع زوّاره والإخوة. وكانت صلاة يسوع بالمسبحة ترافقه دائماً. كان الإخوة الرهبان يتناوبون على خدمته باستمرار. وقد تمّ هذا الترتيب لأن كلاً منهم كان يتمنى أن يبقى هو بقربه لخدمته.

حتى يومه الأخير، لم يبدُ عليه أنه “ضيّع عقله”، أو أنه لا يدرك ما يقول أو ما يسمع. نعم ضعفت ذاكرتُه إلاّ أنه كان يسمع ويفهم كل ما يحدُث ويُقال، مهتمّاً بما يجري ومُتابعاً أمور الأخوية من بعيد.

في شهر تشرين الثاني ۱٩٩٦ أصابته وعكة صحيّة أَلقته طريح الفراش وفاقد الوعي، أقام لفترة صامتاً في سرّ عميق، فقط كان يتأوّه من الألم من حين لآخر، أو يبتسم. في الفترة الأخيرة كان يفضّل الجلوس في سريره وأرجله نازلة على الأرض، وهو منحنٍ، في وضعيّة صلاة، في هذه الوضعيّة أخذه الربُّ إليه بهدوء وسلام في ٢٧ شباط ۱٩٩٨.

إن قلبُه المفعم حُبّاً ما يزال يرافقنا، يصلّي من أجلنا. آمين.

الشهيد في الكهنة الياس والخورية افجانيا

الشهيد في الكهنة الياس والخورية افجانيا

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

ليس من الغريب أن نجد في سير القديسين أن رجلاً وامرأته يحوزان الأكاليل السماوية التي سبق أن استقرت رمزياً على رأسيهما عند زواجهما. إذ من المؤكد أن الزواج ليس مانعاً لبلوغ القداسة، لكن الظروف الخارجية للحياة الزوجية وتربية الأولاد ودعم العائلة، كلها أمور تجعل الزوجين، في معظم الحالات، أقل استعداداً للالتزام بالحياة الروحية. وبما أنه غالباً ما تبقى حياة الأزواج القديسين مستترة في الله، لذا، من المشجِّع أن نقرأ عن زوجين يشتعلان بحب المسيح وكنيسته. وهذه إحدى القصص المؤثّرة الملخّصة عن الشهيد في الكهنة الياس وخوريته[1] افجانيا (شتفروخين) التي شاركته كلاً من أفراحه وأحزانه.

زواجهما

كانت الخورية أفجانيا فتاة ورعة، وكانت رغبتها أن تصبح راهبة. لكنها لم تلقَ التشجيع من الشيخ برنابا الذي كان في إسقيط الجثسمانية والذي نصحها أن تفتّش عن زوج لها. تحت تأثيرها، تخلّى الأب الياس عن دراساته الجامعية التي كانت تحمل مشروعاً واعداً، ودخل كلية اللاهوت في لافرا (دير) القديس سرجيوس للثالوث الأقدس. عارض والد أفجانيا زواجها قبل أن ينهي الياس دراساته اللاهوتية خشية وقوعهما في صعوبات مادية. لكنه اقتنع في النهاية بأنهما يستطيعان أن يتوليّا أمورهما، فأعطى موافقته.

أمضى الزوجان الفتيّان شهر عسلهما في منسك زوسيماس واضعَين نفسيهما تحت طاعة الشيخ ألكسي المتوحّد. بعد عودتهما إلى موسكو، استأجرا شقة قرب دير القديس سرجيوس. كانا جد فقيرين لدرجة أن أفجانيا لم يكن بمقدورها إشعال أكثر من ستة قطع من الخشب في المدفأة لتبقى دافئة.

أنهى الأب الياس دراسته الأكاديمية قبل اندلاع الثورة عام 1917. بعد رسامته، خدم لمدة قصيرة في كنيسة تابعة لملجأ الفقراء، ثم نُقل إلى كنيسة القديس نيقولاوس، حيث قام بالخدمة إلى أن تمّ توقيفه عام 1932.

كان الأب الياس كاهناً غيوراً. لم يكن يختصر الخدم الإلهية أبداً. كان يقرأ الاستيشيرات بصوت جهوري وغالباً ما كان يقرأ القوانين. كانت الخورية تأتي إلى الكنيسة يومياً وتقود الجوقة. في ذلك الوقت الحزين، بعد اندلاع الثورة، كانت كنيسة القديس نيقولاوس مصدر نور روحي لمؤمنين عديدين. تتذكّر امرأة من رعية الأب الياس: “آه كانت كنيستنا في تولماخوف تشرق طهارة! لكن الجو كان بارداً لدرجة أن قدميك تتجمّدان”.

المجد لله على كل شيء

كانت الماتوشكا متكلة على الله في كل الظروف. صدف مرة في عيد القديس نيقولاوس أن عادت من الكنيسة لتحضّر الطعام إذ كانت العادة في مثل هذا اليوم أن يجتمع أبناء الرعية في بيت الكاهن من أجل وجبة متواضعة. وإذ وضعت يديها في جيوبها اكتشفت أن لا مال لديها، فعادت إلى الكنيسة مسرعةً وسألت باتيوشكا عمّا إذا كان لديه بعضاً منه. بنظرة ملؤها الشعور بالأسف، أعطاها بضعة قطع نقود نحاسية لم تكن لتشتري أي شيء، فعادت إلى بيتها. في طريق عودتها إلى البيت فكّرت: “كم سيكون من الجميل لو حصلتُ على روبلين (عملة روسية)، سأشتري حينذاك قليلاً من البازيلا والزيت وأشياء أخرى وسيكون ذلك كافياً”.

كان النهار خريفياً دافئاً، وكان أمام رواق بيتهم بركٌ من مياه الأمطار. في تلك الأيام كان من المستحيل الحصول على حذاء لذا كانت الماتوشكا ترتدي قماشاً ملفوفاً على قدميها. وبلباس القدم هذا، راحت تقفز متنقلّة بين برك الماء. فجأةً، وقع نظرها على إثنين من الروبلات الورقية ملفوفة بعناية، بدتا كقاربين يطفوان على سطح المياه. اصطادتهما وبدأت تسأل المارّة إذا ما فقد أحدهم روبلين، لكن الجميع نفى ذلك. حينها شكرت ماتوشكا الله وهي تردد “اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه وكل شيء آخر يُزاد لكم”. وبدأت بتحضير الوجبة البسيطة.

كانت كلمات الكتاب المقدّس، بالنسبة لكثير من الناس، معروفةً وهم يردّدونها آلياً، أمّا بالنسبة لماتوشكا فقد كانت كلمات حقيقية تنبض بالحياة. حتى عندما كانت تعاني من صعوبة، أو عندما كان الناس يستغلّون قلبَها المؤمن، كانت فقط تقول: “المجد لله على كل شيء”، رغم تضاعف الصعوبات والمعاناة.

صعوبات ومعاناة

أُصيب الابن الأصغر بالرشح الذي تحوّل إلى مرض التهاب السحايا (meningitis) في وقت كانت الخورية قد كُسرت يدها. كانت عذابات الطفل غير محتَمَلة حتَى أنه هو نفسه سأل: “أصحيحٌ يا أمي أنني ايضاً أنا شهيد؟” وفي يوم وفاته هنّأها أحد الرهبان قائلاً: “لقد أصبح لديك ابنٌ في الملكوت”.

كانت الأوقات صعبة والناس يحتشدون لدى الأب الياس حاملين همومهم وطلباتهم للمساعدة. وكانت الماتوشكا مساعدَه الأمين في كل شيء. فقد كانت ترتل كل يوم في الكنيسة. وكانا بطريقة ما، قادرَين على المحافظة على جمال الخدَم الكنسية وورعتها.

التوقيف والاستشهاد

سنة 1932، استُدعي باتيوشكا الياس من قبَل البوليس السري الذي وعده بعدم المساس به إذا ترك الكهنوت. على مثال القديسة ناتاليا، فقد شجَّعت الخورية زوجَها في جهاده ليكون معترفاً. تم توقيف الأب الياس. قضت الخورية تلك الليلة بالصلاة والدموع. حوالي الصباح استسلمت لغفوة قصيرة فظهرت لها والدة الإله قائلة: “لا تخافي. لن يفعلوا شيئاً بزوجك الكاهن في السجن. سوف أشفع به”.

بعد توقيف الباتيوشكا حلّت مساوئ جديدة بالخورية. فقد طُردَت هي وأبناؤها من الشقة، وتشرّدوا لبعض الوقت، إلى أن استقبلتهم إحدى العائلات. كما أن الأولاد طُردوا من المدرسة وسُرقت مكتبتهم الكبيرة. وكانت الخسارة الأكبر وفاة الابنة الوحيدة ماشنكا التي لم تستطع، وهي دون الخامسة من العمر، أن تقاوم الجوع والبرد، فتوفت متأثرة بمرض بسيط يصيب الأطفال. ومع كل هذا كانت ماتوشكا تتشدّد بتردادها مع القديس يوحنا الذهبي الفم “المجد لله على كل شيء”.

بعد سنتين، استطاعت الخورية من زيارة الأب الياس الذي كان قد نُفي إلى قرية شمالية معزولة. جلبت له الكتاب المقدس لكنه صودِر في الحال. لكنها استطاعت اعطاءه بعض الماء المقدّس.

أخبرها الأب الياس كل ما حدث خلال هاتين السنتين وكم أنه كان صعب التخيّل وكيف اقتيد من زنزانته الوسخة في السجن الذي كان يغص بالسجناء، إلى البلدة الشمالية فوق الثلج المتجمّد. ومع كل خطوة كانت طبقة الجليد تتكسّر ويغوص السجناء في الثلج حتى الخصر. لم يكن لديهم ما يأكلونه أو يشربونه طوال النهار. وقد أُجبِروا على تمضية الليلة في كوخ حيث وقع الرجال المنهَكون على الأرض مستغرقين في النوم، لكنه هو (الأب الياس) لم يستطع النوم. من عمق الليل خرجت تنهيدة من قلبه: “إلهي، لماذا تركتني؟ لقد خدمتك بأمانة، وأعطيت كل حياتي لك…” فجأةً، لامس روح ذاك المعذّب افتقادٌ إلهي مثل النار مرسِلاً تعزية غير أرضية، وأضاء نور الإيمان قلبه سرياً وبدأ حب المسيح بالاشتعال بطريقة لا يُنطَق بها. ومن تلك الليلة لم يعد قادراً على أن يحيا حياة عاديّة. عند وداعهما لبعضهما، أخبر باتيوشكا الياس الماتوشكا: “هنا بدأت أفهم أنه لا يوجد ما هو أفضل أو أروع من المسيح، ولا ما يحل محلَه. أنا مستعد للموت من أجله”. عند عودتها إلى المنزل، وجدت الخورية تلغرافاً في انتظارها. لقد حدث حريق في مخيم السجن وقد قضى الأب الياس احتراقاً مع أحد عشر رجلاً آخرين. كم أن اسم الياس الذي يعني “الملتهب” مناسب لهذا الكاهن.

بعد استشهاد الأب الياس

لم تكن بقية حياة الخورية سهلة. فعند اندلاع الحرب العالمية الثانية بدأت المصائب تتراكم فوق كاهلها. فقد أُوقِف أحد أبنائها وآخران أُرسِلا إلى الخطوط الأمامية حيث مات الأكبر بينهما. ومع كل هذا بقيت دائماً الماتوشكا الهادئة الملقية رجاءها على الرب.

مرت السنوات وماتوشكا تعيش العيشة نفسها. كان هناك دائماً أناس حولها لأنها، بعد موت زوجها، أخذت على عاتقها إرشاد أبنائه الروحيين، بناءً على طلبه. وقد أيّدها الله في هذه المهمة بإعطائها موهبة التمييز.

عاشت الخورية أفجانيا حياة طويلة وصعبة ومميزة. لم تكن تتكلّم عالياً ولم تعلّم أحداً، لكن تصرّف هذه العجوز الهادئة المتواضعة كان أفضل درس في التقوى المسيحية لأولئك الذين كانوا يودون، في ذلك الزمن الرديء، أن يحيوا بحسب المسيح. تماماً، كما أن القديسة ناتاليا عاشت أكثر من زوجها القديس أدريانوس الشهيد ثم ماتت بسلام وحُسبَت شهيدة معه، كذلك الخورية أفجانيا هي أيضاً شهيدة مع زوجها الأب الياس.

أيها الشهيد الجديد في الكهنة الأب الياس ويا ماتوشكا أفجانيا تشفعا إلى الرب من أجلنا.

——————————————————————————–

[1]   باتيوشكا في الروسية هي ما ينادي به المؤمنون الكاهن (أبونا)، أما الخورية فينادوها بماتوشكا.

الشهيدة الجديدة مطرونة

الشهيدة الجديدة مطرونة

نقلها عن الإنكليزية بتصرف الأب أثناسيوس بركات

 

في عصرنا هذا، عصر الانحطاط الروحي، وحدها أمثلة الرجال والنساء البطولية قادرة على إشعال الحماس لعيش عيشة إلهية بحسب الوصايا المقدسة. لذلك، من الأساسي المحافظة على صورتهم التي تظهر حياتهم المرضية لله وتنشر رسالتهم التي تضيء ببساطةِ المسيح وتأتي إلى أيامنا الحاضرة محفوظة في الوعي الكنسي الأرثوذكسي. لقد عكسوا قداسته وأرضوه انسجاماً مع وصيته: “كونوا قديسين كما أنا قدوس” (تثنية 44:11). لقد جعلهم أصدقاءه وأنعم عليهم بقوة لا يلاشيها موتهم الأرضي. إن قديسي الله المعلَنين وغير المعلَنين هم أحياء فيه، ويلعبون دوراً في حياتنا نحن الذين ما زلنا على الأرض، عندما نتذكرهم ونتضرع إليهم.

دعونا نتباشر سريعاً نحو مقدَسي الله لنكون أصدقاءهم فنجد اتصالاً حياً بهم، خاصةً عندما نتذكرهم في صلواتنا ونلتمس صلواتهم، فينيروننا عندما يرون التماسنا ويوجهون حياتنا بعيداً عن هذا العالم الغارق في الشر. ليكن للعالم أبطاله العميان، الذين يضمحل مجدهم الذي لا يستطيع أن يمنح شيئاً يبقى للإنسانية. حتى في هذه الأزمنة الأخيرة، نحن لدينا أبطالنا الذين يتلألأون بمجد لا يزول ويقودون أرواحنا إلى الفردوس. (الراهب سيرافيم)

“وقال لي تكفيك نعمتي، قوتي في الضعف تكمل” (2كورنثوس 29:1).

ما يلي قد رواه الأسقف استفانوس (نيكيتين):

في الثلاثينيات سُجنت في أحد المعتَقَلات، وكنت حينها طبيباً. وفي المعتَقَل عُهِدت إلي مسؤولية العيادة. كان معظم السجناء في حالة خطيرة مما حطّم قلبي، وقد أعفيت العديد منهم من العمل لإعطائهم على الأقل بعض الراحة، أمّا مَن هم أكثر ضعفاً فقد كنت أرسلهم إلى المستشفى.

في أحد الأيام، عندما كنت أعاني من المرض، قالت لي الممرضة التي تعمل معي، وهي أيضاً سجينة في المعتَقَل: “دكتور، لقد علمتُ أن إنذاراً أعطي لك. أنت متهم بإفراطك في التساهل مع السجناء، وأنت مهدد بإطالة مدة اعتقالك 15 سنة”. كانت الممرضة واسعة الاطلاع وتعلم ما يجرى في المعتقل، لذا كان لدي سبب كافٍ لأجزع من كلماتها. لقد كنت محكوماً بثلاث سنوات كانت على وشك الانقضاء. كنتُ أحصي الأشهر والأسابيع التي تفصلني عن حريتي التي طال انتظارها، وفجأةً 15 سنة!

لم أستطع النوم طوال الليل، وعندما ذهبتُ إلى العمل في الصباح، هزّت الممرضة رأسها بحزن عندما رأت ما كان مرتسماً على وجهي. بعد انتهائنا من المعاينات، قالت بتردد: “أرغب يا دكتور بإعطائك بعض النصح، لكنني أخشى أنك سوف تضحك مني”. “أخبريني”، قلت.

في بانزا (Penza)، المدينة حيث ترعرعت، عاشت امرأة تدعى ماطرونوشكا، أعطاها الله موهبة خاصةً في الصلاة. إذا صلّت لأحدهم، تكون صلاتها مستجابة دائماً. يقصدها العديد من الناس لمساعدتهم وهي لا ترفض أحداً. لماذا لا تطلب منها مساعدتك؟”

فضحكتُ بحزن وأجبتُ: “خلال الوقت الذي تستغرقه رسالتي لتصل إليها، يكونون قد حكموا عليّ بـ15 سنة”. فقالت الممرضة ببعض الارتباك: “لكن ليس من الضروري أن تكتب لها. فقط نادِها من هنا”. “أنادي! من هنا؟” سألتها وأضفت: “إنها تعيش على بعد مئات الكيلومترات”. فأجابت: “علمتُ أنك ستضحك مني لقولي هذا، لكنها تستطيع سماعك من أي مكان. افعل هذا عندما تخرج لتتمشى في المساء، تأخّر عن الباقين قليلاً ونادِ بصوت عالٍ لثلاث مرات: ماطرونوشكا، ساعديني، أنا في مشكلة. وستسمعك وتستجيب”.

رغم ما كان يبدو ذلك غريباً، تقريباً مثل السحر، عندما خرجت لأتمشى في المساء فعلتُ كما قالت لي صديقتي. مر يوم فأسبوع فشهر… ولم يستدعِني أحد إلى المحكمة. فقد أُجريَت تغييرات في إدارة المعتَقَل إذ نُقل أحدهم، وأُسندَت المسؤولية إلى آخر. نصف سنة أخرى مرت، ثم جاء نهار إطلاق سراحي من المعتَقَل. عندما تسلمت ملفي في مكتب القائد، طلبتُ إرسالي باتجاه المدينة حيث تعيش مطرونة، لأنني وعدتُ قبل ندائي لها بأنني إذا ساعدتني سوف أذكرها في صلاتي اليومية، وفور إطلاق صلاحي سأتوجه مباشرة لأشكرها.

عند استلامي مستنداتي، سمعت أن آخرَين أُطلق سراحهما أيضاً، وهما مسافران إلى المدينة نفسها التي أقصد. انضممت إليهما ومضينا سوية. خلال سفرنا سألتهما إذا كانا بالصدفة يعرفان ماطرونوشكا.

“نحن نعرفها جيداً، الكل يعرفها في المدينة أو حولها على مسافة أميال. سوف نأخذك إليها إذا رغبت، لكننا نعيش في الريف، لا في المدينة، ونحن مشتاقان للعودة إلى بيتنا. لكن افعل ما نقوله بالضبط: عندما تصل إلى المدينة، اسأل أول شخص تصادفه عن مكان سكن مطرونة وهو سيرشدك”.

عند وصولي، فعلت تماماً كما قال لي زميليّ. سألت أول صبي صادفته فأجاب: “اتبعْ هذا الشارع رقم 9، ثم انعطفْ في الزقاق قرب مكتب البريد. إن مطرونة تعيش في ثالث منزل”.

كنت أرتعش من الحماس، صعدت إلى المنزل وكنت على وشك قرع الباب، لكنه لم يكن مقفلاً وقد انفتح بسهولة. وقفتُ على العتبة مشرفاً على الغرفة شبه الفارغة حيث تقوم في وسطها طاولة عليها صندوق كبير.

“هل أستطيع الدخول؟”، سألت بصوت مرتفع. فجاء صوت من الصندوق “ادخل ساريوزيلا” (ساريوزيلا هو اسم راوي القصة). دخلت متردداً، جافلاً من الاستقبال غير المتوقع، وتوجهت نحو الصوت، ولما نظرت داخل الصندوق وجدت امرأة صغيرة مضطجعة بلا حركة. كانت عمياء ولديها فقط يدين ورجلين غير مكتملة. كان وجهها لامعاً وبسيطاً وكريماً. بعد إلقاء التحية سألتها: “كيف تعرفين اسمي؟”. فجاء صوتها ضعيفاً لكنه واضح: “ولماذا لا أعرفه؟ لقد ناديتَني وقد صليتُ إلى الله من أجلك، هكذا عرفتُ اجلس وكن ضيفي”.

مكثت لدى ماطرونوشكا طويلاً. أخبرتني بأنها أُصيبت بمرض في صغرها مما أعاق نموها وأقعدها. في عمر السنتين فقدت بصرها بسبب الجدري. كانت أسرتها فقيرة وكانت أمها، في طريقها إلى العمل، تضجعها في صندوق وتأخذها إلى الكنيسة. كانت تضع الصندوق على أحد المقاعد وتتركها حتى المساء. في صندوقها، كانت الفتاة تصغي إلى كل الخدم الكنسية. كان الكاهن يعتني بها متعطفاً عليها. ثم أصبح أبناء الرعية أيضاً يرثون لها، فكانوا يجلبون القليل من الطعام أو شيئاً لتلبس. كان البعض يداعبها أو يساعدها للاستلقاء براحة أكثر. وقد كبرت على هذه الحال محاطة بجو من الروحانية العميقة والصلاة.

ثم تحدثنا عن غاية الحياة وعن الله. عندما أصغيتُ إليها صدمتني الحكمة في آرائها وبصيرتها الروحية. عند مغادرتي قالت: “عندما تنتصب أمام عرش السيد، اذكر أمةَ الله مطرونة”. حينها لم يكن يخطر ببالي أني سوف أصبح أسقفاً حتى أنني لم أكن بعد كاهناً. أما عنها فقالت بأنها ستموت في السجن.

عندما كنتُ جالساً بقربها، أدركتُ أنني لم أكن أمام امرأة مريضة، بل أمام شخص كبير في عيني الرب. كان أمراً معزياً ومفرحاً أن أبقى معها حتى أنني كرهت الرحيل، ووطدتُ نفسي على زيارتها مرة أخرى حالما أستطع. لكن هذا لم يحدث، إذ سرعان ما سيقت ماطرونوشكا إلى السجن في موسكو حيث قضت هناك.

أيتها القديسة مطرونة الشهيدة الجديدة، تشفعي بنا على الله.

الشيخ فيلوثيوس زرفاكوس

الشيخ فيلوثيوس زرفاكوس
نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

وُلد الشيخ فيلوثيوس المُبارك سنة ١٨٨٤ في قرية صغيرة من أعمال بيلوبونيز، وأُعطي إسم قَسطنطين في المعمودية المقدّسة. أَظهر، منذ الطفولة، محبة مميزة نحو الله حيث كان يهرع راكضاً إلى الكنيسة عند أول جرس. تطوّر استمتاعه بمطالعة قصص القديسين إلى رغبة شديدة في الحياة الرهبانية. لقد رأى الناس بوضوح في هذا الشاب حماساً كامناً، فراحوا، منذ البدء، يثنونه عن سلوك هذا الطريق. لقد كتب الشيخ (فيلوثاوس) في سيرته الذاتية: “عندما ذهبت إلى السرير ونمت، رأيت عمالقة مخيفين ذوي وجوه بشعة مروعة يتجهون نحوي. لقد أخافوني وهم يصرّون بأسنانهم حاملين السكاكين وشاهرين السيوف والحراب. واحد منهم، بالأخص، يبدو أنه قائدهم، قال بغضب: {تخلّص بسرعة مما يجول في خاطرك وإلا سوف نُصفّيك، مقطّعين إيّاك إرباً}. ثم نخسوا جسدي بسيوفهم وسهامهم.”
قاوم قسطنطين الهجوم متوسلاً معونة والدة الإله الفائقة القداسة، لكن الحادثة أضعفت عزمه. راح يتوجّه إلى الإهتمامات الدنيوية مستسلماً للمسرّات والرغبات العالمية. الشكر لله على أن له صديقاً كان يشاركه اهتمامه بالموسيقى ويُنشد معه تراتيل دينية. وفي زيارته له أحد الأيام، كان من حسن حظّ قسطنطين أنّه شاهد لديه كتاب حسن التجليد عنوانه: “جواهر الفردوس”. كان يحوي بين نصوصه مُختارات من سير قدّيسين وعظة للقديس باسيليوس الكبير “حول مراقبة الذات”. شعر قسطنطين وكأنه يملك بين يديه كنزاً سماوياً. دون أي يقول أكثر من كلمة “وداعاً” لصديقه، أخذ قسطنطين الكتاب إلى بيته واستغرق في قراءته. لقد أثّرت فيه عظة القديس باسيليوس بقوّة: “لقد أصابني الخوف والرعدة من التأمّل في ساعة الموت التي لا تعرف وقتها مما جعلني أُفكّر في نفسي، ترى ماذا سيحدُث إذا مُتّ في هذه اللحظة، هذه الساعة أو هذا اليوم. إلى أين ستذهب روحي. لم أَقُم بشيء حَسَن من أجل خلاص نفسي، في حين أن عقلي لا يزال مُتعلّقاً في هذا العالم الباطل. إبتداءً من تلك اللحظة تخلّيت عن الآلات الموسيقيّة، العالم وكلّ ملذّاته وجعلت عقلي وقلبي وروحي متعلّقين بمحبّة ربّنا يسوع المسيح الخلو والخيرات السماويّة.”
في ذلك الوقت صار قسطنطين معلّماً في قرية فونيكيون Phonikion حيث بقي لحوالي ثلاث سنوات (١٩٠١ – ١٩٠٤). كان له تأثير في تنشئة تلاميذه، مُغذّياً أرواحهم كما عقولهم. فقد كان يأخذهم إلى الكنيسة حيث يعلّمهم الوقوف بخشوع وانتباه في حضور الرب. وعندما كان أحدهم يُسيء التصرّف في المنزل أو في طريقه إلى المدرسة، كان يَعترف بذلك أمام زملائه التلاميذ ومعلّمه. كان الشيخ ناجحاً جدّاً في دمغ نفوس تلاميذه بالإيمان وخوف الله ممّا جعلهم يتحوّلون -وقد كانوا قبلاً “أسوأ من الوحوش”: مُجدّفين، عقوقين، غير مُطيعين لأهلهم، غير نظاميين في المدرسة – فأصبحوا كالنعجة الوديعة”. كان من الواضح، حتى في ذلك الحين، أنّه يمتلك موهبة الأبوّة الروحيّة.
لقد تعرّضت رغبته المُتجدّدة بالحياة الرهبانيّة إلى اختباراتٍ قاسية. ظهرت له الشياطين تكراراً في أحلامه ويقظته، تُهدّده، تُفزعه وتعتدي عليه جسدياً وعقلياً. فمن جهة كان عليه خوض معركة ضد الخوف والجُبن، ومن جهة أخرى ضد الرغبات الجسدية وتصوّرات الملذّات العالميّة. خلال إحدى المواجهات، حاول الشرير تحريضه على الانتحار. كما حاول أهله، بكلّ جهدهم، رغم كونهم أتقياء، أن يثبطوا من عزيمته للمضي في الطريق الذي اختاره. فقد صرّح أباه بأنّه فيما لو غادرهم قسطنطين فإنّه سوف يُهلِك نفسه، يُغرقها: “لماذا هناك القليل من الأطباء، المُحامين، الضباط والمعلّمين الذين يُصبحون رهباناً؟ ألا يعرفون ما هي مصلحتهم؟”. كان قسطنطين يُحبّ ويحترم أهله، فقد كان يعتني بهم ويعطيهم راتبه. كان من الصعب تحمّل مواجهتهم، لكنّه شدّد على نفسه بكلمات الإنجيل: “من أحبَّ أباً أو أماً أكثر مني، فلا يستحقُّني” (متى ١٠:٣٧). لقد ناقش والده بالمنطق: “إذا ما طلبني ملك أرضي إلى قصره لأكون إلى جانبه مانحاً إيّاي مرتبةً عظيمة، فماذا ستفعل حينها؟ أَظن أنّك ستكون مسروراً جداً مُعتبراً ذلك شرفاً عظيماً. فيجب أن تكون أكثر فرحاً، الآن، لأنّ الملك السماوي، يسوع المسيح، يُناديني لأكون بجانبه”.
ترك قسطنطين منزل أهله في إحدى الليالي حائراً من أين يَبدأ طريقه والى أين يذهب. غادر بدون معطف أو حذاء حاملاً فقط الإنجيل متوجّهاً إلى دير اللافرا المقدّس باحثاً عن أب روحي. كانت رحلته شاقّة بسبب سيره على الرمال الحامية والأشواك مما سبّب له تقرّحات في أخمص قدميه، وقد كان أن يقضى عليه من العطش والإرهاق. لكن هذه الثبات شدّد من تصميمه، وقد كانت مكافأته أنّ يتوجَّه إلى الأب الجليل إفسابيوس ماتوبولوس في باترا.
قام الأب إفسابيوس بنصحه: “عدْ إلى البيت، إلى أهلك في الوقت الحالي، وعندما تُنهي خدمتك العسكريّة {مُعطياً ما لقيصر لقيصر}، سيكون بمقدورك أن تذهب لخدمة الملك السماوي”.
بعد سنتين تقريباً وقعت القرعة على قسطنطين للانضمام إلى الجيش وتمَّ تثبيته في أثينا. سَمح له برنامج الخدمة أن يُشارك في الخدم الكنسيّة، وحضر بشكل مُتكرّر صلوات الأب إفسابيوس وقام بالترتيل عدّة مرّات في صلوات الغروب التي كان يُقيمها الأب (القديس) نقولا بلاناس. إلاّ أنّ الشرير استمرّ بتعقّبه. فكونه رقيباً بُعث في دوريّة إلى جزء قذر سيء السمعة من المدينة يتردّد إليه السكارى وبنات الهوى. “من أجل أن يبقيني بعيداً عن الإنحراف، فإن الإله الصالح والمحبّ البشر جعلني أشمّ رائحة نتانة وأشعر بمقت واشمئزاز تجاه بنات الهوى حين كنت أدخل بيوت فسقهم. هذه الرائحة النتنة استمرّت في أنفي لبعض الوقت”. وهكذا تمّ صونه من الوقوع ضحيّة الإغراء.
عند انتهاء خدمته العسكريّة، كشف قسطنطين للقديس نكتاريوس، الذي كان حينها مدير إكليريكية روزاريو في أثينا، عن رغبته بأن يُصبح راهباً في الجبل المقدّس. لكنّ القديس نصحه، بدلاً من ذلك، بالذهاب إلى دير لونغوفاردا Longovarda في باروس Paros. لكنّه بالرغم من ذلك أعطاه بركته عندما رأى تصميمه على الذهاب إلى الجبل المقدس، ذلك الجبل الذي لا يستطيع الفتى المُتحمّس والطموح أن يُقاوم الشهرة التي كان يتمتّع بها.
في أيار سنة ١٩٠٧، استقلّ قسطنطين باخرة إلى تسالونيكي حيث من المُفترض أن يكمل طريقه إلى الجبل المقدّس. كان مسروراً بالتوقّف (في تسالونيكي) ما يمنحه فرصة للسجود لبقايا القدّيس العظيم في الشهداء ديمتريوس، الذي كان يجلّه منذ الطفولة. لكن عندما قام بتحضيراته لإكمال رحلته، حرمه الأتراك من ذلك – إذ كانوا يخلون المدينة في ذلك الوقت – وأوقفوه لظنّهم أنّه جاسوس. فتمّ اقتياده إلى البرج الأبيض السيء السمعة، إلاّ إنّ الباشا أسرع بنفسه وأصدر أمره بإخلاء سبيله وبأن يستقلّ باخرة يونانيّة كانت على وشك الإبحار إلى اليونان. لاحقاً، علم قسطنطين، المذهول من تدخل الباشا، بأن القدّيس ديمتريوس ظهر للباشا في ذلك الصباح وأمره بالذهاب سريعاً إلى الشارع الفلاني وإطلاق سراح شاب كان قد أُوقف وأُدين ظلماً، وبإرساله على الباخرة ميكالي التي ستعود به إلى اليونان.
نزل قسطنطين من الباخرة في فولوس حيث قابل أُناساً طيّبين حاولوا مساعدته على تأمين إذن بالدخول إلى الجبل المقدّس، إلاّ أنّه أدرك أنّها ليست إرادة الله وذلك بعد أن قامت العراقيل عند كلّ محاولة. كتب لاحقاً: “لقد تعلّمت درساً قيّماً، يجب أن أكون مُطيعاً بالكليّة لأبي الروحي، بدون معارضة، وأن أختشى، لا عن مشيئتي بل مشيئة أبي الروحي كما فعل الربّ يسوع المسيح عندما أتى إلى العالم لا ليُتمّم مشيئته بل مشيئة الآب الذي أرسله”.
بعد بضعة أيّام، أبحر إلى مرفأ سبيروس في جزيرة باروس، ومن هناك شقّ طريقه سيراً على الأقدام إلى دير لونغوفاردا. لقد تحقّق، أخيراً، توقه إلى دير يمكث فيه: “عندما شاهدتُ النظام، التقوى، الطاعة، المحبّة، التعاطف والإنسجام بين الإخوة، شعرتُ بفرخ عارم حتى أنّني ظننت نفسي في الفردوس”. تمَّ قبوله كمبتدئ، وبعد سبعة أشهر، في كانون الأول سنة ١٩٠٧، أُعطي الإسكيم الصغير وسُمي فيلوثيوس “مُحبّ الله”.
في سنة ١٩١٠، أخذ الأب فيلوثيوس، وقد أصبح شماساً، البركة لتحقيق حلم صباه وذهب إلى الجبل المقدّس حيث أراد في الماضي ان يُصبح راهباً. لقد كتب بحماس إلى صديق حول هذا الحجّ، واصفاً الفرح والرهبة اللذين اختبرهما عندما أصبح في “بستان العذراء” وتمكنه من تكريم الكنوز الروحيّة العديدة: بقايا القدّيسين والأيقونات العجائبيّة في الأديرة المتعدّدة والأساقيط (جمع إسقيط) التي زارها. لقد ذكر بحزن، في سيرته الشخصيّة: “لقد وجدتُ، فقط، قليلاً من الأشخاص القدّيسين يُعدّون على الأصابع. لم أرَ أيّا من أصحاب المواهب أو صانعي العجائب كما كان يوجد في السابق”.
في رحلة عودته، عرج إلى تسالونيكي من أجل السجود لبقايا القدّيس ديمتريوس. ومرّة أخرى تمَّ اعتقاله من قبل الأتراك شكّاً منهم بأنّه جاسوس. فوُضِعَ في زنزانة يحوطها ثلاث طبقات من الشريط الشائك، فوجد فيها شاباً محتجزاً مثله. لم يطُل مكوثه هناك حتى حصلت فوضى كبيرة على المرفأ جعلت الحرّاس يهرعوا إلى هناك. فقد اشتعلت النيران في خزان وقود إحدى بواخر الركاب. قام الشاب، سريعاً، بإخراج قاطعة أسلاك (كماشة) من جيبه وقطع بعض الاسلاك، ثمَّ قاد الأب فيلوثيوس خارج السجن إلى باخرة يونانيّة راسية خارج المرفأ. بعد أن قام بترتيب أغراضه، التفت الأب فيلوثيوس ليشكر الشاب لكن هذا الأخير كان قد توارى. لم يعرف من كان إلاّ بعد سنوات: كان يُقيم الذبيحة الإلهيّة في كنيسة القدّيس ديمتريوس فنظر إلى أعلى ورأى أن أيقونة القدّيس تشبه كثيراً الشاب مُحرّره.
بدلاً من العودة إلى لونغوفاردا، استغلّ الأب فيلوثيوس الفرصة ليزور اباه الروحي، القدّيس نكتاريوس الذي صار حينها يعيش في ديره الرهباني في آيينا. وجد رئيس الكهنة مُرتدياً جبّة رَثّة وهو يحفر بالمعول في الباحة. ظنّاً منه بأنّه أحد العمّال، طلب الأب فيلوثيوس من القدّيس نكتاريوس أن يذهب إلى المطران لإبلاغه بأنّ إبنا روحيّاً له، شماساً، ينتظر خارجاً ليراه. لم يكشف القدّيس عن هويّته مباشرة بل قاد الزائر إلى غرفة الإستقبال: “إنتظر هنا وسأذهب لأطلب منه المجيء”. بعد عدّة دقائق عاد: “لقد صُدمت وتفاجأت” يتذكّر الأب فيلوثيوس: “لقد وجدتُ أن الرجل الذي ظننته عاملاً… وخاطبته بخشونة وبطريقة الأمر، كان المطران نفسه! حتى أنّي لم آخذ بعين الإعتبار أنّها كانت ساعة الإستراحة بعد الظهر، إذ ينام الجميع…! لقد ركعت والدموع في عينيّ متوسّلاً إليه أن يسامحني على تكبّري وسوء تصرّفي”.
قام، حينها، الأب فيلوثيوس بالتوسّل إلى القدّيس ليعلّمه كيف يتغلّب على الكبرياء الممقوتة من الله، وهكذا بدأ القدّيس نكتاريوس بالشرح مفسّراً كيف أنّه، وحسب الآباء القدّيسين، كلّ خطيئة تُغلب بفضيلتها المقابلة: “…يتمّ التغلّب على الحسد بالمحبّة، الكبرياء بالتواضع، البخل بالفقر، الجشع وقساوة القلب بالإحسان والتعطّف، التراخي بالاجتهاد، الشراهة والاستعباد للبطن بالصوم والإمساك، الكلام الباطل بالصمت، الانتقاد والنميمة بلوم النفس والصلاة…”. لقد شدّد القديس على أنّنا لا نقوم بهذا بفضل جهدنا الشخصي وقوّتنا. يجب أن نتوسّل إلى الله ليقوم بذلك.
غادر الأب فيلوثيوس أباه الروحي، وهو مملوء بالغنى الروحي والعزم، إلى لونغوفادا في أيلول سنة ١٩١٠. في ٢٢ نيسان سنة ١٩١٢، يوم أحد السامريّة، رُسم الأب فيلوثيوس كاهناً على يد الميتروبوليت جبرائيل الذي من تريفيليا من أعمال أولمبيا. لقد وصف تلك المناسبة في رسالة بعثها إلى أبيه الروحي الجزيل الوقار في دير كاراكاللو: “عندما شارف التكريس على أن يبدأ، وقف المطران في الباب الملوكي مُتحسّساً خطورة مهمّته، وبدأ يتكلّم عن الكهنوت. كان متأثّراً ولم يقُل إلاّ بضع كلمات بليغة مفعمة بالمعاني. عندما انتهى، طلب من جماعة المُصلّين بصوت خفيف: {ليسجد كلّ واحد من الحاضرين وليُناشد الربّ بإيمان أن يُرسل الروح القدس على الذي سوف يُسام ليكون نافعاً ومُفيداً لنفسه ولإخوته وللمجتمع”. سرعان ما ركع الجميع – الرجال، النساء والأطفال – وصلّوا بانسحاق. العديد من أصدقائي وإخوتي الروحيين المُنحدرين من عائلات نبيلة ومعروفة، الذين قد عرفتهم عندما خدمت في أثينا كضابط صغير، والذين أُقاسمهم محبّة روحيّة قويّة، كانوا حاضرين. كانوا يرفعون الصلوات لتحلّ نعمة الروح القدس عليّ، كانت الدموع تنهمر من أعينهم وهم راكعين حتى نهاية خدمة الرسامة. شعرتُ بانسحاق كبير حتى أني عجزت عن إمساك دموعي. لقد أحسستُ بقلبي يَضرُب بشدّة، ممّا جعل الدموع في عينيّ طوال ذاك النهار.” في حالة شخص آخر ذي نضج روحي اقلّ، فإنّ مثل هذا الشعور المجيد ممكن أن يؤدّي إلى عُجب روحي وكبرياء، خاصّةً إذا ما كان الشخص لا يزال فتياً. إلاّ أنّ الأب فيلوثيوس كانت محروساً بحساسيّة حادّة تجاه إقترافه الخطيئة. في الرسالة نفسها يقول: “حتى وبعد تلقّي نِعَمٍ عديدة من الأب فإنني انا، الخاطئ غير المستحقّ، لا أزال أعيش في التواني وأتمرّغ كالخنزير في الخطيئة، غير مُدرك كيف يجب أن أتصرّف تجاه الله وتجاه إخوتي وقد تسربلتُ بدرجة من الكهنوت السامية. إنني أخاف ان أُدان كما حصل للخادم الشرير الذي خبّأ وزنته. إنني أتضرّع مُلتمساً إلى حضرتك من قدسك أن تذكرني في صلواتك أنا الفاسد الدنس الخاطئ، وكذلك عندما تُقدّم الذبيحة غير الدمويّة حتى أنال الرحمة من لدن الرب”.
في السنة اللاحقة رُقّيَ الأب فيلوثيوس إلى رتبة أرشمندريت. فباشر بالوعظ وتقبّل اعترافات الناس في القرى والبلدات في باروس وجزر الجوار. وبمرور السنوات حملته رحلاته الرعائيّة والتبشيريّة إلى أبعد من ذلك حتى أصبح المعرّف الأول في كلّ اليونان.
رلقد كان الطلب قوياً على شيخنا للوعظ أنّى ذهب. سنة ١٩٢٤، قام بحجّ طويل إلى الأراضي المقدّسة ومصر، وقام بوصف تلك الرحلة بالتفصيل في كتابه “الحجّ العظيم العجيب إلى فلسطين وسيناء” الذي أُصدر بعد سنة. وفي الكتاب محفوظة الخدمة التي سُئل ان يُقيمها في الجلجلة يوم الجمعة العظيمة. من الممكن أن نحكم على موهبته كواعظ من خلال ردّة فعل مُستمعيه التي ذكرها بدون تكلّف في رسالة بعثها من أورشليم إلى أبيه الروحي الشيخ إيروثيوس: “لقد كانوا يُصغون إلى كلماتي المتواضعة بانتباه وتوبة كبيرين. لقد بلغ الجمع، وأنا معهم، درجة من التأثّر بحيث أننا ذرفنا الدموع. لقد قال الآباء المُقيمون في الجلجلة بأنّه لم يعُظ أيّ من اللاهوتيين الذي زاروا المكان بمثل هذا التأثير والاستنارة”.
كانت الانطباعات التي سجّلها في رسائله المتعدّدة تتأرجح بين الارتفاع الروحي الذي اختبره في حضوره الخِدم في الأمكنة المقدّسة المُختلفة وبين القلق الحادّ، أو حتى الشعور بالخطر، ممّا لمسه في الحياة الروحيّة الكئيبة في تلك الأماكن نفسها: “آه، كم رأيتُ وتمتّعتُ بالجلالة غير العادية والرائعة. كلّ شبر من هذه الأرض مقدّس وتاريخي… يبدو لي أنني في الفردوس نفسه، وكما لو أنني أُعاين المسيح نفسه. …هنا حيث لديهم الكثير من الأسباب، الرموز والحوادث العجائبيّة، من المفترض أن يكونوا قدّيسين، إلاّ أن الشيطان يعمل هنا بشكل مضاعف… لسوء الحظ فإنّ كهنة أورشليم، مع بعض الاستثناءات، يدفعون المسيحيين إلى الهلاك. لقد ذهبت إلى الصخرة حيث اختبأ موسى ورأى مجد الله. لقد هزّني الإنخطاف في تلك اللحظة وانهمرت الدموع من عينيَّ: لقد أحسست بعذوبة وفرح روحي لم أشعر بهما من قبل… المسيحيون، في تلك الأمكنة، بحاجة ماسّة إلى كلمة الله. ينام شعبنا نوم عدم الإكتراث والتواني، بينما يقوم اللاتين والبروتستانت بالاقتناص والدعاية القويّة… لقد عاينتُ المناسك وأماكن الأساقيط التي أقام فيها الآباء النسّاك القدّيسون، فكانوا يعيشون في المغاور وثقوب الأرض يعاينون الحرمان والبلى وغيرها… لقد ذرفتُ الدموع السخية وأنا أقول: “أين الآباء الكليّو القداسة الذين أقاموا مرّة في هذه الصحراء والكهوف والثقوب، وهم الآن يرتعون في الفردوس؟ لقد أحبّ هؤلاء الموقّرون الطريق الضيّق والمُحزن. لا ينبغي أن نتردّد عن فعل ذلك بسبب الراحة المؤقّتة هاهنا لأنّنا سوف نُحرَم من الراحة الأبديّة. لذا، دعونا نُجبر أنفسنا على فعل ذلك”…
في سنة ١٩٣٠ رقد الشيخ إيروثيوس وبرغبة منه خلفه الأب فيلوثيوس في رئاسة لونغوفاردا. كان قد ذاع صيته كقديس. ويصفه تاريخ الدير على انّه “غني بكلّ فضيلة، موسوم بالتواضع الشديد، وذو علم واسع، ومُستحقّ المديح على كلّ الأحوال. فقد تجلّت بوضوح كلّ الفضائل التي تزيّنه: تقوى صادقة أصيلة، إيمان وثقة بالله لا يتزعزعان، ضبط للنفس، حبّ للعمل، حماسة للتسليمات الحيّة، تفانٍ في أعمال الدير، طاقة مميزة في الاعتراف والوعظ بكلمة الله، وفوق كلّ ذلك التواضع”.
بالرغم من واجباته الجديدة المترتّبة عليه بسبب رئاسته للدير، استمرّ الشيخ فيلوثيوس بالوعظ واستقبال المُعترفين مُحافظاً على رباط مع أولاده الروحيين.
علاوة على ذلك تحققت للشيخ رغبة طالما تمنّاها عندما صار باستطاعته سنة ١٩٣٤ أن يحجّ إلى القسطنطينيّة. هناك أيضاً سُرَّت نفسه بالكنوز الروحيّة في المدن. أثار إعجابه بشكل خاص الفخامة الرائعة لكنيسة الحكمة المقدسة. لكنّه، في نفس الوقت، كان حزيناً لأنّ الكاتدرائيّة كانت بيد الأتراك. “واأسفاه أيّها المسيحيّون” قالها بنوح، “كيف حرّكت خطايانا إلهنا الكثير الرحمة والجزيل التحنّن وأثارت سخطه حتى سمح بأن نُحرَم من كنيسته المقدّسة. أيّها الربّ إلهي، لقد حرمتنا من ذلك بعدل، فقد أظهرنا جحودنا نحوك أيها الإله الحقيقي”. لقد صلّى الشيخ بإلحاح لكي يُعيد اللهُ كنيسته التاريخيّة العظيمة للأرثوذكسيين في حياته فيستطيع تقديم الذبيحة غير الدمويّة. “لكن علينا نحن الأرثوذكسيين أن نمضي حياتنا بالندم والتوبة حتى نستحقّ هكذ عطيّة.” لقد انتهت هذه الرحلة لتكون الأخيرة للشيخ خارج بلاده.
لقد تقلّصت تحرّكات الشيخ بعض الشيء بسبب الحرب، لكن، في خلال ذلك الوقت، كان الدير مثل خليّة النحل في نشاطه. لقد جلب الإحتلالان الإلماني والإيطالي ضيقاً شديداً على سكان باروس الذين ابتلع عددهم بسبب تدفّق اللاجئين من البر اليوناني. وبسبب رحمة الله كان لدير لونغوفاردا محصولاً وافراً غير اعتيادي مكّنه من أن يتماشى مع كرم الدير، إذ كان يتمّ إطعام المئات يوميّاً. لاحقاً، تمّ إحصاء ١٥٠٠ من سكان باروس كانوا سيموتون من الجوع.
يقدّم أحد الحوادث التي جرت في ذلك الوقت برهاناً ملفتاً عن محبّة الشيخ الإنجيليّة. فقد قام بعض الجنود البريطانيين بمباغتة الألمان في باروس في إحدى الليالي، فقتلوا إثنين وأسروا البعض الآخر. فقام الإلمان، ظنّاً منهم بأنّ أهل باروس متواطنون، بإصدار أمر بإعدام ١٢٥ شاباً اختيروا بطريقة عشوائيّة باعتبار أنّ هذا الإجراء سيكون رادعاً لأيّ عمل من هذا النوع في المستقبل. بعد صلاة حارّة إلى السيّدة (بانتاناسا Pantanassa)، قام الشيخ فيلوثيوس بدعوة المفوّض الإلماني غرافونبارايبارغ إلى الدير. فكان الضابط متأثّراً بشدّة من الزيارة حتى أنّه اندفع متسرّعاً وسأل الشيخ أيّة خدمة يطلبها. بعد ان وطّد العرض بوعد من الضابط، طلب الشيخ بجسارة أن تتوقّف الإعدامات الموشكة الحدوث. عندما احتجّ الألماني بأنّ هذا الأمر ليس من صلاحياته، أصرّ الشيخ فيلوثيوس بأنّه، في هذه الحالة، يجب ان يُحصى مع الشباب المُزمَع إعدامهم، مُضيفاً: “سأعتبر هذه الخدمة المهمّة”. فقام غرافونبارايبارغ بإصدار أمره بالعفو عن الشباب.
إبتداءً من هذه النقطة، فإنّ سيرة الشيخ لم تَعدُ أكثر من تعداد المدن والبلدات حيث “استمع إلى الاعترافات ووعظ بكلمة الله”. في الوقت نفسه استمرّ بالإشراف على دير لونغوفاردا ورهبنتّين أخريين أُضيفتا إلى مسؤوليّته. لم يكن ذلك، قطعاً، حدود إنجازاته. ففي ملحق موجز لسيرته الذاتيّة كتب باقتضاب: “لقد اتبعت المسيح خلال حياتي القصيرة على هذه الأرض، فمنحني أن أكون جديراً ببناء ١٢ كنيسة، ديرَين، ثلاث مدافن، مدرستين… إلخ. وبعث إليَّ بالمال بواسطة مسيجيين مُحبّين للربّ فقُمتُ بتوزيعه على إخوته الفقراء الأرامل واليتامى”.
إضافة لذلك، فقد قام بكتابة عدد من الكتيّبات مُجاهداً بكلّ معنى الكلمة لاستنهاض همّة اليونانيين ليتخلّصوا من اللامبالاة الروحيّة ومُلهماً إيّاهم بالنماذج الإنجيليّة. وكتب، أيضاً، آلاف الرسائل النُصحيّة لأبناء روحيين من كلّ أصقاع العالم: أوروبا، أفريقيا، أميركا وأوستراليا.
يُحار المرء عندما يجد الشيخ ثابتاً لا ينهار من التعب، علماً بأنّه ينام قليلاً ولا يأكل حتّى الشبع. بالواقع إنّه يكتب: “أُقرّ بأنني في أحيانٍ كثيرة بعد سماعي الإعترافات طوال النهار وفي الليل… أكون مُنهكاً جدّأً حتى أنني أنام في السرير كالميّت وأنا أُفكّر بأنني لن أنهض بعد ذلك بل سوف أموت أو أمرض… لعدّة أيّام… على أيّ حال فإنني عندما أستيقظ في الصباح أشعُر بأنّني شُفيت وفي صحّة جيّدة. هذا ما يجعلني أتعجّب وأتساءَل أحياناً كثيرة، فأُدرِك ضعفي كما أُدرك نعمة الله (التي بدونها لا تستطيع أن نفعل شيئاً)، فأقول {لستُ أنا من يُجاهد بل بالأحرى نعمة الله التي تقوّيني}… سأكون مجنوناً لو أنّي تجرّأتُ على الإفتخار.”
في النهاية، فإنّ جسده، بالطبع، قد أُنهك تماماً. في شباط سنة ١٩٨٠ وقبل الصوم الكبير، كان الشيخ في دير سيّدة الآسية (مايرتيديوتيسا نسبة لشجرة الآس) و هو واحد من الرهبنتين التي أسسهما في باروس، استبّد به المرض. خلال الأشهر الثلاثة التي كان فيها ضريح الفراش استمر بالارشاد وإلهام الاخوات بما كان عليه كما بما كان يقوله. وفي وصف هذا الفصل الاخير من حياته الارضية كتبت الاخوات بشكل مؤثر كيف كان الشيخ يتلقى المناولة الإلهية: “بالرغم من أنه كان منهكاً جسدياً فقد كان يستعد قبل ساعات… وعندما كان يظهر الكاهن على باب قلايته كان يرفع يديه الضعيفتين و يصرخ من كل قلبه: {مرحبا بك يا الهي. مرحبا بك}. فيشترك بالمناولة الإلهية بقدر كبير من الخشية والشوق والندم كما لو أنها المناولة الأولى بحياته… فكان يتغير بكل معنى الكلمة… لمرتين كانت هيئته لامعة حتى أننا لم نجسر على النظر اليه. كان مملوءاً من النور الإلهي. بعد ذلك، كان يقول وهو رافع يديه: {خذني يا إلهي، خذني}. …كم أحبّ الله بصدق وبالكلية.”
في الثامن من ايار سنة ١٩٨٠ وبعد سبعين سنة من العمل المتواصل في كرمة المسيح، دخل الشيخ فيلوثيوس في الراحة المغبوطة التي هي جزاء المستقيمين. أجرى مراسم الدفن، وبحسب رغبة الشيخ، الأرشمنديت ذيونيسيوس (كالامبوكاس) الذي في دير سيمونوس بترا في جبل أثوس. دفن جسده هناك في المدفن في مكان كان قد اختاره قرب الكنيسة المكرّمة على اسم مرشده الروحي القديس نكتاريوس من آيينا. لاحقا، كتب الاب ذيونيسيوس نفسه في معرض مدحه للشيخ المبارك: “أيها الاب الكلي قدسه الدائم الذكر فيلوثيوس… لقد بقيت من طفولتك وحتى نهاية حياتك إبناً دائماً للربّ… وفي الوقت نفسه كنتَ راهباً متقشّفاً في دير لونغوفاردا، كنتَ ضابطاً نفسك، ناسكاً بالسر رسولاً وأباً روحيّاً لآلاف النفوس… إنّ طهارة جسدك ونفسك وروحك وعقلك لباهرة… بتواضعك اللامتناهي كنتَ تجذُب الملائكة الذين كانوا يأتون لمعونتك… لقد اكتسبتَ إلفة القدّيسين. لقد ارتبطت بهم حميعاً بمحبّتك لهم واحتفالك بتذكارهم في كلّ خدمة كنسيّة وفي صلواتك الشخصيّة… وصرتَ صديقاً لكلّ إنسان، لكلّ طبقة، لكلّ الأعمار، للنساء والرجال. لقد ربحتَ قلوباً لا تُحصى وجذبتها نحو الله.”
فليعطِنا الله أن نكون من بين الذين جُذبوا إلى قُرب الله عن طريق هذا المثال الشيخ فيلوثيوس المُبارَك.

عجيبة

لقد قال ربّنا بأنّ أتباعه سوف يقومون بعجائب كما فعل هو نفسه. من المؤكّد أنّ حياة الشيخ فيلوثيوس الُمبارك تُعطي برهاناً جليّاً على انتمائه إلى رسل المسيح الحقيقيين. هذا ما تؤكّده النعمة الغزيرة التي كانت له كصانع العجائب، في حياته ومماته. لقد ذاعت شهرته كأبّ إعتراف وتضاعفت بسبب استنارته وامتلاكه موهبة الرؤية: هناك العديد من الأمثلة عن قيامه بتذكير الناس بخطايا مُحدّدة كانوا قد نسوها أو أخفوها خلال الإعتراف. هناك حالات موثوقة لأزواج ذوي عُقر، فكانت النساء تحمل عاجلاً بعد طلبها شفاعة الشيخ. آخرون أخبروا عن شفاءات من تضخّم الغدّة الدرقيّة والغنغرينا وآلام الرأس الحادّة والأسنان. لقد سُجّلت حالة شفاء لافتة من قبل إفسطاثيا وأندراوس الذين من أثينا:
ولد ابنهما جورج في آذار سنة ١٩٦٣، كان يبدو طفلاً طبيعياً وبصحّة جيّدة، لكن بمرور الأسابيع توقّف عن الأكل. فشخَّص أحد أطبّاء الأطفال مرضه بأنّه تضخم الأوردة وكشفت فحوصات الدم إصابته بفقر الدم في حالة تتطلّب إعطاءه دماً بشكل مستمرّ. فكان التكهّن بمصير الطفل مروعاً. بعد بضعة أيّام من إدخاله إلى المستشفى، أشارت خالته بأن يذهبوا لرؤية الشيخ فيلوثيوس الذي كان قد وصل لتّوه إلى أثينا آتياً من باروس. فعلوا ذلك، ولكثرة تضرّع الأم بالدموع، رافقهم الشيخ إلى المستشفى.
كان التنفّس الضعيف للطفل هو العلامة الوحيدة المنظورة لبقائه على قيد الحياة. صلّى الشيخ ورسم إشارة الصليب على الطفل. ثمَّ وضع أيقونة والدة الإله على الوسادة. “ماذا يجب أن أفعل؟” سألت الأمّ المُضطربة. “هل أُبقيه ليموت هنا أم آخذهُ إلى البيت؟” “لا” أجاب الشيخ، “سوف يُسلّمكِ إيّاه الأطبّاء خلال يومّين أو ثلاثة. على أيّ حال، بعد سنة اجلبيه إليّ في باروس”. فصُعق كلّ من كان مُتحلّقاً حول المهد. “ماذا تقول يا أبتِِ؟” سألت ممرضة. “إنّ الطفل يُشارف على النهاية. من المُختمل أن يعجز الأطباء حتى عن نقل الدم إليه”. أجاب الشيخ: “إنكِ تفتكرين بأمر، والعذراء تفكّر بأمر آخر”.
في تلك الليلة ارتفعت حرارة الطفل وصار يتنفّس بصعوبة. عند الصباح هبطت الحمّى، وعندما قامت الممرّضة بأخذ وزنه أصابتها الحيرة إذ اكتشفت إنّ وزنه زاد حوالى سبعين غراماً: لم يكن الطفل قد تناول شيئاً منذ يومين”. كانت تلك عجيبة. في اليوم الثالث خرج الطفل من المستشفى. كان مكتوباً على أوراق الخروج: أنيميا (فقر الدم). أخذت الأم طفلها إلى الشيخ ثيوفيلوس لشكره على وساطته العجائبيّة. نادى الشيخُ الطفل: “الله هو الذي أنقذ موسى”.

* * *

المقال االسابق

المقال التالي

الشهيد الجديد باسيل أسقف كينيشما

الشهيد الجديد باسيل أسقف كينيشما

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لقد كان المسيحيون على مرّ العصور يغتذون بحياة القديسين: الرسل، رؤساء الكهنة، رهبان الصحراء، الشهداء، والسوّاح. واليوم يواجه المسيحيون ضغوطاً متزايدة لنبذ العقيدة وقبول التوفيق الديني. لهذا علينا أن نولي عناية خاصة لحياة هؤلاء القديسين الذين اعترفوا بإيمانهم، ورفضوا تكييف أنفسهم مع روح هذا العالم. حياة القديس باسيل كينيشما، التي هي هدية من مستودع روسيا الغني، تقدم مثالاً ملهِماً.

تعود عظمة هذا القديس إلى تربيته التي كانت صارمة، حتى قياساً على روسيا القرن التاسع عشر. فقد أبقى والده الكاهن كلَّ تأثير عالمي خارج البيت، فلم يكن مسموحاً للأولاد بالتمشي خارج السياج الذي كان حدود عالمهم. لكن الصرامة الظاهرية لهذا المناخ الشبيه بالأديار، كانت مغمورة بجو من المحبة المسيحية. وكانت تُخرَق هذه العزلة الاجتماعية باستمرار لاستقبال الفقراء والسائحين. عدم وجود وقت للهو إضافة الى ممارسة الصلوات والجهاد الروحي أعدّا العقل للتركيز، فلم يكن لتأخّر الأولاد في البدء بالدراسة أيّ تأثير سلبي على تفكيرهم، بل هذا ما ساهم في تقدمهم الروحي الذي كان الهمّ الأساسي لأهلهم.

حتى بعد كل هذه الرعاية الروحية المركّزة، كان لا بد من العناية الإلهية لتوجيه الشاب بنجامين يرايوبرازنسكي – الأسقف باسيل مستقبلاً – بحسب مشيئة الله. كان قد تسجّل في جامعة انكليزية ليهيء نفسه لمهنة الكتابة، عندما ذهب خلال عطلة صيف الى الإبحار مع أصدقائه في نهر الفولغا. انقلب المركب، فصلّى بنجامين، خوفاً من خطر الغرق، قاطعاً وعداً بأنه، إذا ما نجا، فسيكرّس حياته للدفاع عن الإيمان. فكان الناجي الوحيد.

بدأ بنجامين الوعظ في الكنائس المحلية حين كان طالباً في الأكاديمية اللاهوتية في فورونيز. بدأ مهمّته التبشيرية حالاً بسبب إدراكه أن سامعيه كانوا ضعيفي المعرفة بإيمانهم. خلال وعظه، كان يتفحص المؤمنين. فاختار امرأة ذات إيمان قوي لتكون أداة استقطاب يتجمّع حولها المؤمنون. كان الكتاب المقدس يُقرأ ثم يُفسّر، أحياناً مع أمثلة يعطيها بنجامين بنفسه، وكانت الخدم الكنسية تُدرس أيضاً، إضافة الى ترنيم التراتيل المفضلة لدى المجتمعين.

لم يزدرِ مطلقاً بالأولاد. سنة ١٩١٨، أصدر البولشفيون مرسوماً يحرّمون فيه التعليم الديني للأولاد، لكن بنجامين كان يجمعهم في الكنيسة حيث يقوم هو نفسه بتعليمهم القوانين الإلهية ناموس الله.

كان والده يعتبر رسامته قبل سن الأربعين سابقة لأوانها. وقد أصبح بنجامين كاهناً في سن الخامسة والأربعين. وقد تكرّس للرهبنة Tonsured مباشرة بعد ذلك، وفي السنة التالية، ١٩٢١، سيم أسقفاً على كينيشما.

رغم مركزه، بقي الأسقف باسيل بسيطاً في علاقاته مع الناس. “عندما كان يزور حلقات الصلاة، كان خبر وصوله ينتشر بسرعة فيتهافت الناس لمقابلته… فمن يصل يجلس حيثما أمكن. كان فلاديكا (سيّدنا) يجلس على الأرض ويبدأ بإنشاد الأناشيد الدينية. كانت هناك الكثير من الخدم التي يقيمها مفعَمَةً بالمحبة والبساطة، فيبدو ترنيمه أو قراءته للإنجيل فيبدو كأنه آلة في يدي الله. لم يكن يبحث او يرغب بأي شيء من هذه الدنيا: لا ذهب ولا فضة أو أي مركز عالمي. رغب فقط أن يكون خادماً حقيقياً لله”.

إنّ غياب الطموحات و الاهتمام بالذات سمحا للروح القدس أن يفعل فيه، فكان حضوره مستمراً من خلال الخدم الإلهية التي يقيمها الأسقف. كان جماهير من الناس يحتشدون – كثير منهم عمال غير متعلمين – فيسيرون أميالاً عديدة لحضور السهرانيات حيث يقرأ فيها فلاديكا خدمة آلام السيّد. “كان الهدوء يخيّم خلال القراءات وكأن لا أحد في الكنيسة، كل كلمة تسمع حتى في أقصى الزوايا… كانت النعمة كبيرة خلال هذه الخدم حتى أن الناس لم يكونوا يشعرون بالضجر.” حتى غير المؤمنين كاليهود، كانوا يختبرون القوة المغيّرة التي في خدم الأسقف، التي كان يشعر بها الجميع تقريباً.

تكمن عظمة فلاديكا الروحية في تقشفه. كان يعيش لدى أرملة تقية في غرفة الغسيل التي تقع في فناء بيتها الخلفي ، حيث كان ينام على الأرض مستعملاً قطعة حطب كمخدّة. رغم ذلك، كان يومياً يأتي سيراً عبر المدينة وصولاً الى الكاتدرائية، إلاّ أنّه لم يقتنع من أحد بوجوب الانتقال الى مكان آخر. خلال سيره في الشوارع في الصباح الباكر أو في ساعة متقدّمة من الليل كان الأسقف يُصادف السارقين عدّة مرّات. وبما أنّه قد تخلّى طوعياً عن كل ما يملك، فقد كان يعطيهم أي شيء يكون لديه، فيفعل ذلك بحلم ومحبة.

أثمرت جهاداته التقشفيّة قوة شفائية في صلواته. “في إحدى المرات، قرعت فتاة باب فلاديكا، أدرك أنها كانت من طلاب صفوف التعليم المسيحي. كانت قد بكت طوال الطريق، وعندما رأت فلاديكا، أملها الأخير، ازداد بكاؤها. كيف لا تبكي ووالدها الذي تحبّه حبّاً جماً كان يموت؟ جمع فلاديكا أغراضه بسرعة وذهب معها الى أبيها وجده يكابد سكرات الموت. بدأ الأسقف بالصلاة. صلى طويلاً وبإلحاح، لمس الرجل المنازع واضعاً كل شيء في مشيئة الله، ثم غادر. خمد المرض بسرعة، ثم بدأ الرجل المريض يتعافى وسرعان ما عاد صحيحاً”.

حوادث عديدة جرَت، كانت تشهد على استبصاره تمييزه.

أكبر تحدّ في عمل القديس الرعائي كان قيادة رعيته بأمان عبر العواصف التي ضربت الحياة الداخلية للكنيسة الروسية. في أوائل القرن العشرين اصدرت الحكومة مرسوماً وبدأت بمصادرة الكنائس وزرع التعاليم التحررية Modernist Teachings، فقام الأسقف باسيل بإعطاء التعليمات لكهنته بعدم ترك رعاياهم بل بإقامة الصلوات في الهواء الطلق كما كان يفعل هو نفسه مجتذباً الآلاف عن طريق الخدم الملهَمة التي كان يُقيمها. أدت هذه المقاومة الى توقيفه لأول مرة سنة ١٩٢٣، فنُفي الى زيرناسك بصحبة خمسة إكليريكيين آخرين، كان من بينهم ميتروبوليت قازان كيرللس الذي صار لاحقاً قائداً لكنيسة السراديب (كنيسة السراديب هي كنيسة نشأت تحت الحكم الشيوعي في روسيا والصين وكونها رفضت الانصياع للدولة تعرّضَت لاضطهادات كثيرة وقدّمَت شهداء بالآلاف).

بعد أن انتهت مدة نفيه، عاد الأسقف باسيل الى كينيشما في أيار ١٩٢٥. إلا أن شعبيته الكبيرة أثارت السلطلت، وفي خلال سنة، أُجبر على مغادرة المدينة، فعزل نفسه في الريف مُكرّساً كل وقته للصلاة. بعد ستة أشهر، عاد الى كينيشما ليستأنف نشاطه الرعائي الرسولي في تنشئة أولاده الروحيين وإعادة النشاط الى حياة الكنيسة. لكن لم يستغرق الأمر أكثر من أشهر حتى أُجبر مرة أخرى على المغادرة. كان ذلك نموذجاً مألوفاً وَسَم حياة عدّة كهنة وأساقفة يتميّزون بالصلابة: التوقيف، السجن والنفي يتخلّله مدّة من الحرية.

رغم رغبتهم الشديدة في ذلك، إلاّ أن السلطات لم تجد مبرّرات كافية للحكم على فلاديكا لمدة طويلة، فلم يكن يتعاطى بالشؤون السياسية بل كل تركيزه كان على الروحيات. إلاّ أنّ ذلك تغيّر سنة ١٩٢٧، عندما صدر اعتراف الميتروبوليت سيرجيوس الذي أجاز بشكل أساسي للحكومة أن تتدخل في شؤون الكنيسة الداخلية. لقد فتح ذلك الاعتراف الباب واسعاً لاضطهاد الأساقفة والكهنة والعلمانيين بشكل واسع. أُوقف الاسقف باسيل سنة ١٩٢٨ ونُفي لثلاث سنوات الى قرية منعزلة في مقاطعة سفيردلوفسك. لكن انفصاله التام عن الأمور والممتلكات العالمية أعطاه مرونة رائعة، فكيفما كانت أوضاعه، كان باستطاعة فلاديكا أن يكون هو الرابح. عاش في المنفى كما لو أنه ناسك في الصحراء مستفيداً من هذه العزلة ليغوص في الحياة الروحية. كان سيسعد لو بقي هناك، لكن لم يُسمح له بذلك. انتهت مدة نفيه، فعُيِّن في مدينة أوريل. بعد سنتين أجبرته المخابرات على المغادرة فعاد الى كينيشما.

كانت تلك المرة الأخيرة. في أواسط الثلاثينات شُنّت حملة اظطهاد عنيفة هدفها محو الأرثوذكسية من الوجود. كان من الصعب جداً على الأسقف باسيل أن يتّصل بأولاده الروحيين قبل توقيفه. أمضى حكمه لخمس سنوات في معتقل قرب ريبنسك حيث عمل السجناء في بناء قناة. لكن معذبيه لم يشفوا غليلهم من السيطرة على جسده إذ كانوا يريدون نفسه. استُدعي فلاديكا للاستجواب:

–        “كيف تنظر الى الحكومة السوفياتية؟”

–        “أعتبرها سلطة مدنية” أجاب الأسقف. “إني أعترف بها، لكن تدخلها في شؤون الكنيسة والفوضى التي أحدثتها لم يكن لهما مثيل في تاريخ العالم مما لا أُوافق عليه.”

طلب منه المستجوبون الانضمام إلى اعتراف الميتروبوليت سرجيوس. وعندما رفض فلاديكا “انقضّ عليه المحققون الجاحدون الحاقدون وبدؤوا بضربه مستعملين الطرف المعدنية لأحزمة عسكرية. لم يُغيّر ذلك من اعترافه الأرثوذكسي النقي بالمسيح. لم يرد أن يُفسد اعترافه بالمسيح بمحاولته إرضاء العالم”.

سنة ١٩٤٢ كتب أسقف باروسلاف الى الاسقف باسيل سائلاً إياه أن يقبل يتولّي إحدى الأبرشيات. أيضاً، كان هذا يعني الموافقة على اعتراف الميتروبوليت سرجيوس. “أنا لا أعتبر سرجيوس أرثوذكسياً”، أجاب القديس. “وأطلب منك أن لا تعرض عليّ أية أبرشية مستقبلاً، إني طاعن في السن ومنهك بسبب المنافي”. أيضاً بعد ثلاثة أشهر تم توقيفه. ونُفي لخمسة سنين أخرى الى غابات مقاطعة كراسنويارسك في سيبيريا. هنا انتهت الدورة.

تدهورت صحة فلاديكا في ذلك الوقت. لقد أصبح في شلل نصفي وبحاجة الى أن يلقى العناية من أحدهم. جرت محاولة أخرى لتطويعه من أجل إعتراف الميتروبوليت سرجيوس عن طريق استغلال ضعفه الجسدي.

“أقِرْ بمجمع سرجيوس” قيل له، “وسوف نُحرِّرك عاجلاً. سنرسلك بالطائرة الى موسكو حيث ستلقى العناية الطبية مما سيًبعد الخطر عن حياتك”. إلاّ أن فلاديكا رفض. “إذن إبقى حيث أنت، لن نُطلق سراحك”. عبارات خالية من اللياقة كان من الممكن أن تكون مأخوذة من قصص الشهداء في الكنيسة الأولى.

كتب فلاديكا سنة ١٩٤٥ مُعايدأ أحد أولاده الروحيين بعيد الفصح: “…يا بني لا تضطرب، لا يحدث شيء إلاّ بحسب مشيئة الله. لقد وصلتُ الى نهاية العمر، سبعون سنة. قليلاً بعد من السنين لا تشكّل لي أي فرق. شيء واحد أكيد وهو أنه لن يكون بمقدوري تحمل خمس سنوات إضافية تحت هذه الظروف… لقد حصلتُ على الدواء الأثمن يوم الخميس العظيم. أُقدّم الشكر للخالق على كلّ الأفراح والتعزيات. يكاد السعال يخنقني. لا أستطيع التنفس. أكون طريح الفراش معظم الوقت، رغم أن كثرة الراحة ليست جيّدة… وداعاً يا بني. لقد أنهكتني الكتابة. لا تكتئب. كن معافى. اتّكل كليّاً على الله. إحنِ رأسك وقل: “لتكن مشيئتك”. صَلِّ. لدي إيمان بصلاة ولد. إنّها تساعدني باستمرار. فتّش عن راحتك أو تعزيتك في الصلاة أتمنى لك الصحة، وحياة عديدة سعيدة. مع محبتي، الأسقف باسيل كينيشما.

حاشية: سلامي الى الأولاد مع أحرّ تمنياتي. أنحني أمامك سائلاً منك الغفران”.

توفي الأسقف بعد بضعة أشهر، في ٢٩ تموز 1945.

أيها القديس الشهيد في رؤساء الكهنة باسيل تشفع لدى الله من أجلنا.

ملاحظة من الكاتب: إننا محظوظون هناك في الغرب ليكون لدينا، ليس فقط هذه السيرة الرائعة، بل أيضاً بقايا القديس حيث وضعت في مائدة كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان في واشنطن D.C. حين كُرِّست في ١٠ أيلول ١٩٨٨.

الشهيد ميتروفان رئيس أساقفة أستراخان

الشهيد ميتروفان

رئيس أساقفة أستراخان

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

 

تميّز رئيس الاساقفة ميتروفان بكونه واعظاً جليلاً، إداريا قديراً، عاملاً نشيطا في كرمة الكنيسة، ورجل صلاة. كان اسمه في العالم اﭙﭭان فاسيلياﭭﺘش كراسنوبولسكي وقد أصبح مشهوراً في روسيا عندما تمّ نقله، في تموز 1916، من مينسك إلى أبرشية أستراخان. إلى هذا، فقد كان عضواً في مجلس الدوما تلك المقاطعة حيث كانت مداخلاته المتقدّة تجذب انتباهاً لافتاً.

كان رئيس الأساقفة يكدّ ليلمّ بأمور أبرشيته الجديدة قبل أن يأخذ على عاتفه مشروعين بالغي الأهمية والصعوبة: التحضير لتطويب المعظَّم في الشهداء يوسف استراخان، والترتيب لتجديد إنجازات البطريركية. هذا الأمر أعطاه مكاناً مجيداً في تاريخ الكنيسة الروسية وجعله يستحقّ أيضاً أن يحتلّ مكاناً مميزاً في قلوب الناس.

بالظاهر، كان رئيس الأساقفة يعطي انطباعا بأنه صارم. ربما كانت هذه ميزة فطرية، أو ربما كانت نتيجة تركيزه المستمر المترافق مع قوة إرادة هائلة وواقع كونه متطلباً جداً من نفسه والآخرين. لقد أخبر حافظ الكنيسة  الأب ديمتري ﺴﺘﻴﭭنوفسكي “كنت خائفاً منه في البداية، فقد كان يبدو بالغ القساوة. لكن بعد أن صرت أعرفه بشكل أفضل، اقتنعت بأن ﭭﻼديكا لطيف ومتواضع… واكتشفت شيئاً آخراً: كان يصلّي كثيراً. كان يقيم القداس الإلهي أو يحضره في كنيسة الصليب. لكنه كان ينهض باكراً جداً وحتى قبل القداس ليدبر بعض الأمور”.

يتذكر مغني الأوبرا ي.ي. ﭭﺎليكانوﭪ الذي من أستراخان: “كان عليّ أن أقدّم نفسي ﻠﭭﻼديكا بسبب انتخابي كعضو في مجلس كل روسيا. ذهبت مع إحساس بالرهبّة متسائلاً: كيف سيستقبلني ﭭﻼديكا؟ إنه شديد الصرامة. لقد اغتبطت جداً عندما أني كنت مخطئاً في رأيي به. رحّب ﭭﻼديكا بي بكل دفء وأجلسني على كرسي بعد أن باركني وقام بضمي مردداً عدة مرات: “رائع، رائع، أنك أصبحت من بني المنتخبين.وعندما سنحت لي الفرصة للذهاب مرة لرؤية  ﭭﻼديكا قبل بضعة أيام من مغادرتي للمشاركة دورة للمجلس، لم يراودني الخوف هذه المرة. أنا والمندوب الآخر، الدكتور رومانوﭪ، حدّثنا ﭭﻼديكا عن واجباتنا المتوقعة في المجلس. كما استفهم عن مصاريفنا: كم من المال أعطي كل منا للرحلة، هل لدينا معارف في موسكو؟ هل اخذنا معنا مظلات وأحذية للمطر في حالة هطوله؟ بكلمة واحدة، لقد استفهم عن كل شيء حتى ادّق التفاصيل”.

طفولة معذبّة

في إحدى المرات، اقترف الأب ديمتري مخالفة ما، ما  جعل ﭭﻼديكا يؤنبه بشكل قاسٍ.  أخبر الأب ديمتري: “لقد جُرحت من ذلك، لكن ﭭﻼديكا تفهّم هذا وأخذني بيدي وأجلسني على كرسي وجلس بنفسه مقابلي وتكلّم معي بنبرة مختلفة، بحنان وعطف: “أنا نفسي أعلم بأنني أبدو قاسياً مع الناس، ودائماً ما أفكر: ما هذه السمة السلبية؟ لكني أعزِّي نفسي بفكرة أن هذا ليس قساوة بل بالأحرى جدية  وكآبة. لو كنت فقط تعرف مدى خشونة سني طفولتي وصباي وخلوهما من المسرّة. كم تعرضت لأذى الناس وخبثهم، كم تأذّيت باستمرار وأذللت. لقد تحملت الكثير من الأسى. وهكذا منذ كنت يافعاً طبع مُحياي بسخنة قاسية، ولم استطع تغييرها”.

لقد أثارت قصة طفولتي ﭭﻼديكا اهتمام المؤلف، إلى أن وصل إلى التفاصيل من وكيل الكاتدرائية السابق الذي كان قد سمع القصة من والدة رئيس الأساقفة. وقد كتبها بكلماتها هي: “كنت ابنة المرتل في احدى القرى، الذي كان فقيراُ لكن تقيا. لم أكن الابنة الوحيدة، وبسبب قلة المال توقفت عن الدراسة بعد أن أنهيت الدراسة في مدرسة القرية. كان ضرورياً أن أساعد والدّي في أعمال البيت والاهتمام بالأولاد الآخرين. إلى أن قرروا تزويجي مع كوني صغيرة. كانوا يتمنون لو تزويجي بكاهن. وأنا عندما حان الوقت، فكرت بأنه اذا كان لا بد من الزواج، فليكن زوجي كاهنا حتماً. في النهاية ستكون الصعوبات المادية أقل مما لو تزوجت أحداً من رتبة والدي. لكن لم يتقدم إلي أي مرشح للكهنوت يريد زوجة تزيد من فقره. لم يتحقق حلمي، فتزوجت عاملاً من العامة. كان في منطقتنا معملاً صغيراً للقرميد حيث كان يعمل زوجي. وقد تعلمت أنا أيضا الصنعة وكنت أنتج قرميداً ليس أقل جودة مما ينتجه زوجي.

كان فقرنا يسبب لي الكآبة، وقد تضرعت إلى الله ليعطيني صبيا: “آه لو كان لي ولد لأصبح  حتماً إكليريكياً. سوف أكرّسه للرب.  كنت مرة في كاتدرائية بلدتنا، حيث سجدت أمام أيقونة والدة الإله سائلة إياها أن تعطيني صبياً. لقد تأثرت بالصلاة لدرجة أنني أحسست بأنها سوف تستجاب. وبالطبع أعطاني الله صبيا أسمه ﭭﺎنيا. لم أستطع أن أتصّور مطلقاً أن ابني، إبن صانع قرميد، سيصبح رئيساً روحياً شهيداً، وبأن عداوة الناس سوف تؤدي به إلى هذه الميتة الشنيعة.

مرت الأيام، كبر الولد وحان وقت إرساله للمدرسة. درس في بلدتنا في مدرسة محلية حيث انكبّ منهياً دراسته بتفوق. اصطحبه والده إلى المدينة لتسجيله في مدرسة الأبرشية الإعدادية، لكن ذلك لم  يكن بالأمر السهل. فالمدرسة كانت لأولاد الكهنة، وكان من الصعب على ولد من الريف الدخول، فهو ابن صانع للقرميد. إضافة إلى ذلك، مَن يكون من خارج المدينة عليه أن يجد من يرتب أمر مأكله ومنامته ومصروفه، ومن أين المال لذلك؟ لكن بشكل غير متوقع، وُجد متبرع من أجل فانيا، وهو من ضيعة معلمه الذي كان مولعاً بالصبي بسبب كدّه ومثابرته في المدرسة. لقد عرض أن يسجلّه ويؤمّن دعمه. والده وأنا كنا مبتهجين لأن ولدنا سيصبح من رجال الكنيسة.

كان فانيا يأتي إلى البيت في العطل، وانا كنت أذهب أحياناً لرؤيته، خاصةً عندما كنت أشتاق إليه. وبدأت ألاحظ تغييراً فيه. كان كئيباً، متحفّظاً، يتجنّب زملاءه الطلاب. وعندما كنت أسأله عن ذلك كان يصمت وأحياناً كان يحرّك يده بحركة تدلّ على أن الأمر ميؤوس منه. ظننت في نفسي بأنه ربما يحسّ بالوحدة لحياته بين الغرباء. وفي وقت لاحق علمت من أصحابه بأن نظراءه في المدرسة عذّبوه بقساوة. كانوا ينادونه بالفلاح، يضربونه، ويتجنبون الكلام معه. أحسّ ﭭﺎنيا بأنه منبوذ وبطبيعة الحال صار منعزلا.

مرة، في آخر سنيه المدرسية، تعرّض لمزحة ثقيلة. كان في ملعب المدرسة “زحليقة” من الجليد، وفي إحدى الاستراحات قاموا بجرّه إليها ودفعوه فيها. تزحلق رأساً على عقب وطار إلى شباك ناظر المدرسة. تناثرت الألواح محدثة فوضى عارمة في غرفة الدرس. نجح الأولاد الأشرار في إلقاء اللوم كله على ﭭﺎنيا. إتُّهم بأنه مثير للشغب وتقرر طرده. لسؤ الحظ، كان كفيله قد مات للتو ولم يكن هناك أحد للتوسط من أجله. فانحنيت أمام المدير متوسلة إليه أن لا يطرد الصبي. أعفي من الطرد لأنه كان أفضل تلميذ ولأن ما تبقّى من الفصل الأخير كان أشهراً قليلة.

بعد ذلك، دخل ﭭﺎنيا معهد اللاهوت حيث أصبح قادراً على إعالة نفسه من مدّخرات الدروس الخصوصية التي كان يعطيها. كان من حظي الكبير ان أشاهد أخيراً اليوم السعيد الذي كنت قد حلمت به والذي كان أبوه المريض ينتظره بفارغ الصبر. في ذلك اليوم أصبح ولدي كاهناً. كانت تلك فرحة استثنائية لأن حلماً قد تحقق.

ترمّل ابني الكاهن بعد بضع سنوات. ثم أتت الأكاديمية والحياة الديرية، ورفعه الله إلى أعلى درجة: لقد أصبح رئيس كهنة. قبل رسامته، طلب مني أن أجلب له أيقونة عائلتنا القديمة لوالدة الإله (عذراء التوبة) التي كان يحبها كثيراً ويصلّي أمامها يومياً.”

وفي الختام طلبت الأم طلباً أخيراً: “إذا كان لا بد وسيأتي وقت يكون من الممكن ان تُنقَل رفات ابني إلى مكان آخر، فأتوسل اليكم أن تضعوهأ قرب مدفن القديس  يواصاف وأن تدفنوني بالقرب منها.”

من المحتمل جداً أن نجد سبب القسوة الظاهرية عند ﭭﻼديكا في ظروف سنواته المبكرة المؤلمة التي تركت أثراً غريباً في طبيعته الحقيقية. كان بسيطاً في حياته الشخصية وغير متطلب. ويتذكّرالإيبوذياكون  يوحنا بوبوﭪ، الذي كان يعرفه الجميع ﺒﭭﺎنيوشا، كيف كان ﭭﻼديكا يرسله غالباً ليعطي المال للعائلات الفقيرة.

رئيس موهوب

عندما افتتحت أعمال مجمع “كل روسيا” في آب سنة 1917، انتخب ﭭﻼديكا ميتروفان ليقوم عملياً بكل المهام. لقد قام بإعطاء المحاضرات فيما كان نشاطه وتصميمه غريبين. يتذكر د. رومانوﭪ “كنا مندهشين باستمرار من قدرة هذا الرجل على العمل لعدة ايام، فهو يعمل ويبقى يعمل”.

كان رئيس الأساقفة متكلّما أساسياً في قضية إصلاح البطريركية. لقد أدّى دفاعه الملتهب إلى إثارة جدل حاد دام ستة وعشرين يوماً، كان على رئيس الأساقفة خلالها أن يتحمّل نقداً مراً من المعارضة. عندما سوي أمر الجدل أخيراً على نحو مرُضٍ، كان فرحاً جداً لدرجة أنه قبّل كل مندوبي أستراخان .

في الأشهر اللاحقة، قام ﭭﻼديكا ميتروفان بعدة رحلات مطولة إلى موسكو لحضور دورات متلاحقة للمجلس. في سنة 1918، كان عائداً في بداية الصوم الكبير إلى أستراخان فوجد أن الحرب الأهلية قد سبقته إليها. كان البولشفيون قد احتلوا الكرملين. وقد سُدَّت عدة مداخل  وكان المؤمنون يحتاجون إلى إذن خاص لدخول الكرملين للصلاة في الكاتدرائية. وبالرغم من تلك الظروف استمر ﭭﻼديكا بإقامة الخدم بانتظام.

تصاعد التوتر مع اقتراب الجيش الأبيض والقوات البريطانية. بعد قداس عيد القديس ﭭﻼديمير (15 تموز)، أعلن ﭭﻼديكا انه سيقام زياح كنسي حول الكرملين، وبأن كل المؤمنين في المدينة سوف يتضرعون بفم واحد وقلب واحد إلى الله لحفظ المدينة من إراقة الدماء. كان ذلك حدثا لا يُنتسى، إذ ترك تأثيراً روحياً ومعنوياً كبيرين عندما التفّ المشاركون في الزياح حول الكرملين، وقد حمل  ﭭﻼديكا أيقونة والدة الإله فوق رأسه وصرخ متوسلاً : “أيتها الفائق قدسها والدة الإله خلصّينا. وفي الواقع، فقد مرّت ثورة اليوم الواحد في المدينة في الشهر اللاحق بدون إراقة دماء.

في تلك الفترة جرى تمردّ حتى داخل الكنيسة. فقد حرص النظام الجديد على قيام حركة ديمقراطية في محاولة منه لإضعاف تأثير الكنيسة. ومن المحزن أن أسقفاً جديداً تابعا ًﻠﭭﻼديكا ميتروفان، وهو الاسقف ليونتي (تسارﻴﭭﺴﻜﻲ)، أصبح ضحية هذه الفكرة وذهب إلى حد محاولة قلب الشعب ضد رئيس الأساقفة الذي وقف بصلابة أمام تلك البدعة المؤذية.

مع تنامي الحرب واحتلال أستراخان موقعاً استراتيجياً، سيطر البولشفيون على الكرملين أكثر فأكثر، واحتلوا تدريجياً مساكنالإكليروس ثم طردوهم فأصبح رئيس الأساقفة، عملياً لوحده. حاول المؤمنون إقناعه بالمغادرة، يقيناً منهم بأنه من الخطر عليه البقاء بين من حملوا تجاهه الضغينة. تناهى إلى سمع سكرتيره ما كان يقوله آمر الكرملين مازاكوف”لماذا  نسرف في اتّباع قواعد السلوك مع رئيس الأساقفة؟ فهو مناصر علني للقيصرية وعضو في الدوما القيصرية. لقد قام بمسيرة شعبية كبيرة في تموز تحت غطاء زياح كنسي. لقد كان هذا إظهاراً لقوة هي ضد الثورة، ونحن كالأغبياء أغلقنا أعيننا. كان يجب أن يكون مصفوفاً منذ زمن بعيد على الحائط (إشارة إلى إعدامه بالرصاص).

عندها أيقن ﭭﻼديكا بأنه على وشك أن يُطرد بالقوة، فوافق على أن يترك ويقيم في احد أديرة المدينة.

جلب وصول كيروﭪ، في شهر كانون الثاني مزيداً من التوتر إذ كان مصرّاً على “تنظيف” المدينة من كل القوى المعادية للثورة. بدا ﭭﻼديكا، حتى ذلك الوقت، هادئا ظاهريا. لكن بعد ان وقع ضحايا في صفوف أبناء الكنيسة، صار يبدي علامات قلق من أنه إذا استمر ألأمر على هذا فسوف يبيدون كل الإكليروس. ومع ذلك فأنه رفض بوضوح مغادرة المدينة واغتاظ ممن يقترحون مثل هذا الأمر: “لن أغادر رعيتي. أنا أحمل على صدري صليب المخلص الذي سوف يوبّخني ويدينني بسبب جبني وتهاوني. أرغب بأن أسألكم: لماذا لا تهربون أنتم؟ هذا يعني أنكم تتمنون شرفكم أكثر مما أتمنى انا درجة رئاسة اسقفيتي؟ اعلموا بأنني بريء أمام بلادي وشعبي!”

طريق جلجلته

أتت ساعة الرعب في 25 أيار عشية عيد الثالوث الأقدس. كان ﭭﻼديكا يتحضّر لخدمة اليوم التالي عندما أتوا للقبض عليه مباشرة بعد منتصف الليل. في تلك الليلة تمّ توقيف الأسقف أيضاً.

سجن الأسقفان في مبنى التشيكا المحلي. عن طريق احد الحراس، كان الايبوذياكون بوبوﭪ قادراً على جلب بعض الطعام والبطانيات للسجينين. كان كل المؤمنين مقتنعين ببراءتهما وقد حاولوا إيجاد طريقة للحصول على إطلاق سراحهما. لكنه كان من الواضح أن السلطات لم تكن مهتمة بإثبات ذنب ضحيتها. في تلك الظروف، كان همهم إبعادهما عن الناس. لقد أبقى دوكتوروﭪ، قاضي الاستجوابات، المؤمنين على علم بحالة السجينين، والايبوذياكون كان يأتيهما يومياً بالطعام.

في صباح أحد الأيام رُفضت رزمة بوبوﭪ. كان ذلك في 23 حزيران، عيد أيقونة سيدة ﭭﻼديمير. أمسك الحارس بهدوء بيد بوبوﭪ وقاده إلى الشباك في غرفته. نظر الايبوذياكون خارجاً فرأى عربة مكدسة بالجثث، ففهم ما يجري. علمت كل المدينة خلال ساعتين بخبر إعدام السجينين.

بعد علمهم، مصدومين بخبر الإعدام، اندفعت مجموعة من أبناء الابرشية والدموع في مآقيهم إلى التشيكا لالتماس جثة الرئيسين الروحيين. لاحقاً، كتبت امرأة: “ألقت والدة ﭭﻼديكا بنفسها بشكل هستيري على أقدام الحارس متوسلة اليه ليسمح لها بالدخول إلى المفوض أتارباكوﭪ، لكننا أُبعدنا بلا شفقة. الأمر الوحيد الذي رأيناه هو العربة المكدّسة حتى أعلاها بالجثث وهي تقف تحت الشمس. غادرنا والحزن يجتاحنا مقتنعين بأنه سوف يتم أخذ الرئيسين الروحيين مع الباقين إلى مكبّ النفايات حيث سيدفنون كالكلاب”.

صادفت المرأة الحزينة تعزية غير متوقعة. استطاع الأب ديمتري التعرّف إلى الرجال الذين كانت وظيفتهم التعيسة تقضي بنقل الجثث. وافق الرجال بسرية شديدة، ولقاء مبلغ كبير أن يسلموا جسدي الشهيدين في مكان تمّ الاتفاق عليه مسبقاً تحت شرط صارم بأن يدفنا قبل الفجر.

حوالي الساعة الواحدة منتصف الليل، فيما كانت المدينة نائمة، توجّه السائقون إلى عملهم يجرّون وراءهم العربات إلى ضواحي المدينة. توقفّت عربة قرب الجسر الأحمر بينما كان جسدا الشهيدين ينقلان إلى عربة أخرى يجرها حصان كانت تنتظر.

قرب دير العناية وقف حشد من الناس بجانب قبر حُفر حديثاً. كان كلا الفقيدين في الثياب الداخلية. أصبح من الممكن الآن رؤيتهما بوضوح على ضوء مصباح مغطى بوشاح. كانت قميص  ﭭﻼديكا ميتروفان ملطخة بالدماء عند الصدر والكمّين، كان صدغه مسحوقا من جهة اليمين، والقسم الباقي من لحيته كان منزوعا، الفم كان ممزقاً، أما مفاصل اليد اليمنى فكانت مليئة بالكدمات. قامت النساء بقص القسم الملطخ بالدماء من القميص. كان الأسقف ليونتي قد قضى بسبب الجروح الثلاثة في قلبه وصدره، إذ قد تمّ قتله بوابل من رصاص بندقية. كان كلاهما قد ألبس ثياباً قد أعدّت لهما. أُلبس ﭭﻼديكا ميتروفان حلّة كهنوتية. نزع حافظ الكنيسة صليبه وقدّمه من أجل ﭭﻼديكا ميتروفان وكان قد ربط بسلسلته صندوق معدني يحوي عرضاً مفصلاً لظروف الموت والدفن. وقد تمّ إيجاد بطرشيلاً للأسقف ليونتي، إذ لم يكن ممكناً الحصول على تابوت او حلة كهنوتية مناسبة بسبب العجلة.

بدأ الاب ﭭﻼديمير بخدمة الدفن. رتّل كل المجتمعين تراتيل الجناز وذرفوا دموعاً سخية على الفقيدين الجديدين. كانت تباشير الفجر على وشك البزوغ عندما رتلوا “فليكن ذكرهما مؤبداً”. وُضع ﭭﻼديكا ليونتي أولاً في القبر وفوقه ﭭﻼديكا ميتروفان. تمّ لفّهما كليهما بملاءات وأودعا الثرى. لاحقاً، تمّ نصب شاهدة فوق القبر مكتوب عليها: “رئيس الأساقفة ميتروفان والأسقف ليونتي، في 23 حزيران 1919”. زار المؤلف القبر مرتين سنة 1935 بصحبة رئيس الأساقفة تادروس لإقامة التريصاجيون. دُمرت شاهدة القبر سنة 1930 بسبب تدفق الحجاج. شاهد المؤلف قطعاً من الشاهدة مجمعة بعناية كومة واحدة بيدين تقيتين. هذه القطع اختفت الآن ولم يبقَ أية علامة ظاهرة. فقط، تحت الأرض، وعلى عمق 4-5 أقدام، تكمن علبتان تحويان مقاطع مكتوبة تشهد على المأساة المروّعة.

كتب حافظ الهيكل البيان التالي حول حكم الإعدام: “استطعتُ أخيراً مقابلة شاهد عيان لإعدام الأسقفين. كان رجل متوسط العمر اسمه تريكوف اخبرني بأنه، ليلة إعدامهما، كان هو في نوبة حراسته خارج حجرات السجناء. حوالي الساعة الثالثة ليلاً أتى الكومندون فولوكوف آمر شيكا وضابط الخدمة إلى الزنزانة التي كان الأسقفان محتَجَزين فيها. دخل الآمر إلى الزنزانة وشاهده تريكوف يلكز رئيس الأساقفة بحذائه. سمع صوتا “انهض” ثم شاهد السجين ينهض يرتدي قلنسوته لكن الآمر أمسكه من ياقته صارخاً: “انزعها ففي ذلك العالم الآخر تستطيع تدبر أمرك وأنت ترتدي …” (هنا ذكر قطعة من الملابس الداخلية). باشر الآمر بإمساك السجين من يده وسحبه باتجاه الباب. في الساحة أسرع في الخطى، ممسكاً ضحيته وجاراً إياه وراءه.

كان رئيس الأساقفة ميتروفان حافياً وبثياب النوم. مشى بضعة خطوات ثم تعثّر وسقط أرضاً. ركض تريكوف نحوه منهضاً إياه وقاده مع فولكوف إلى الممشى حيث حصل الإعدام. كان يقف هناك ثلاثة رجال مع بندقياتهم، عندما رآهم رئيس الأساقفة باركهم بيديه الإثنين كما يفعل  رئيس الكهنة مما جعل فولكوف يلطمه على يده اليمنى بقبضة مسدسه ثم شدّه من الجزء لحيته الأيسر جاذباً رأسه بقوة حادة نحو الأسفل. وفي هذا الوضع أطلق النار على صدغه الأيسر.

لم يصدق المؤمنون اتهامات البولشفيين الباطلة التي ادعت بأن الأسقفين كانا مشتركين بمؤامرة مناهضة للثورة. بل ندبوا الشهيدين وقامت الكنيسة بالصلاة لأجلهما وما زالت إلى الآن. هذه هي أفضل شهادة للحقيقة التاريخية. “تقوّلوا عليّ بألسنة غاشة ” (مزمور2:108)، لكن “كثيرة هي أحزان الصديقين” (مزمور19:33) ولأجل ذلك “الصديقون يرثون الأرض وفيها يستقرون إلى الأبد” (مزمور29:36).

راهب في العالم الشهيد الجديد فالانتاين سفينتيتسكي

راهب في العالم

الشهيد الجديد فالانتاين سفينتيتسكي

من أبطال القرن العشرين الروحيين

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لسؤ الحظ، نحن لا نعرف إلاّ القليل عن هذا المعلّم الكنسي الغيور. القليل الذي نعرفه عنه يأتي من معاصريه الليبرالليين الذين، عادةً ما كانوا لا يتنازلون من أجل التعرّف على فرادة وانتظام الفلسفة الآبائية التي كانت تشكّل جوهر الحياة بالنسبة للشهيد فالانتي. بسبب هذا، كان عدوهم الذي لم يستطيعوا فهمه، بسبب خبرة ارتداده الاصيلة.

لقد حُفظ التعليم المقدّس حول الله والإنسان خلال القرون وازداد غنىً داخل سياج الكنيسة الأرثوذكسية. وهذا التعليم هو محيط لا يُسبَر غوره من الحكمة، ويجب أن نقاربه بخوف ورعدة فلا نشوّه أيّاً من حقائقه من خلال خطايانا وكبريائنا. لا يمكن أن ينمو هذا التعليم في أيدي العقائدية الدهرية المدّعية.

كان عقل الأب فالانتي الفضولي في حالة رهبة أمام حقيقة التجسّد بالقَدر الذي يمكن الوصول إليها. بهذا الخصوص، لم يكن من هذا العالم، لكنه بقي في العالم كراعٍ قاد الناس إلى دنيا الاعتدال في الطعام والزراعة، التقشف والإيمان بالآخرة.

من خلال تفاصيل حياته، نستطيع أن نخبر بأنه أتى من عائلة بولندية أرستقراطية. تلقّى علوماً جيدة، وكان شاباً موهوباً ومثيراً جداً للإعجاب. كانت عيناه الواسعتان تنظران إلى العالم بكل جدّية. في سن الخامسة عشرة، كان بإمكانه مناقشة كانت (الفيلسوف الالماني) مع فلاسفة كبار، وعاجلاً بدأ بحملة عنيفة على رذائل المجتمع عن طريق الدفاع عن نظام صارم للجسد والروح. كان كلامه ينشئ انطباعاً صادقاً. أصدر على الأقل مجلتين، “مشاكل الدنيا” و “عيش الحياة”، تعالجان المشاكل المسيحية في مجتمع كان قادته المفكرون يقودون المسيحيين الاثوذكسيين الى فخ الأفكار والمذاهب البعيدة عن المسيح.

ترك موسكو سنة 1905 متوجهاً الى بطرسبرغ من أجل الحصول على دعم “الأخوية المسيحية المجاهدة”. عرف قيمة المثال الرهباني لكل المسيحيين والحماس الرهباني ضد انحطاط المفكرّين الأحرار في ذلك الوقت. لقد كان هؤلاء المفكرون يسيرون بسرعة بعيداً عن تسليم الكنيسة المقدّس آخذين الأرثوذكسية غطاءً لا يلتزمون به. من كتاباته “مواطنو الملكوت” و “رحلاتي بين نسّاك جبال القوقاز” (موسكو 1915). هذه كانت مستوحاة من زيارته للإسقيط الرهباني في القوقاز. كتب أيضاً كتاباً آخراً عنوانه “ضد المسيح” لاقى نجاحاً باهراً. أيضاً له عملان قصيران “الرهبنة في العالم” و”ضد الاعتراف الجماعي” (1926)، يظهران الدليل على أهميته كرسول عصري للأرثوذكسية الأصيلة في زمن تكاثر الارتداد عن الدين.

بعد الثورة، تزوّج وسيم كاهناً فكان مسؤولاً عن الكهنة في كنيسة “صليب القديس نيقولاوس الكبير” في موسكو. هناك في العشرينيات، اجتذب جماعة مصليّة كبيرة بسبب عظاته البليغة التي تلقّاها الناس كغذاء غني في وسط نقص عام للروحانية الأرثوذكسية الأصيلة في روسيا ذلك الوقت. لقد تردّد إلى دير أوبتينا فصار إبناً روحياً للشيخ اناطوليوس الذي كرّس أفضل أعماله له: ستة قراءات لسر الاعتراف وتاريخه الذي به سدّد ضربة لممارسة سر الاعتراف جماعياً، وهي كانت موضة بين الإكليروس الليبرالي في أيامه.

كان الأب ﭭالنتين نصيراً متّقداً لممارسة صلاة يسوع باستمرار. لقد حافظ على هذا النظام الرهباني في تلك الأيام التي كانت يسود فيها المسيحيين فتور عام. لم يكن هذا ممكناً بالنسبة له، بل كان يعتبر القيام به واجباً للحفاظ على “ملح الأرض”. أي الحقائق الأرثوذكسية في قلوب أناس يتعرّضون لهجمات روح هذا العالم الدهري. واضعاً هذا نصب عينيه، قام بسلسلة احاديث، بين سنة 1921 حتى 1926، مستعيناً بالتعليم الرهباني الصارم من كتاب القديس يوحنا السلمي “السلم إلى الله”. كان يكافح ليطبقه في الحياة اليومية في ذاك العالم المعاصر الذي أصبح معادياً للمسيحية.

لقد أعطانا أحد أصدقائه، س.ي.فوديل، وصفاً مختصراً لكيف ينظر هذا الراعي الروحي المهتم بكليته بالآخرة إلى العالم: ” كان يبدو الأب فالنتيني ﺴﭭنتيتسكي كاهناً عادياً له عائلة. لكن من جهة أخرى، كان معلماً خبيراً للصلاة المستمرة. لقد عمل الكثير للدفاع عن الإيمان بشكل عام. لكنّ ميزته الأساسية كانت أنه دعا الناس للالتزام بالصلاة غير المنقطعة، التي هي اشتعال للروح لا يتوقف”.

الصلاة، كان يقول، “تشيد جدراناً حول ديرنا الذي في العالم”. “كلّ خطيئة في الكنيسة لا تكون خطيئة الكنيسة بل ضد الكنيسة”. كان يعلّم أيضاً أنّه يجب أن لا نقاطع الصلاة العقلية المستمرة لأحدهم عندما نحضر الخدم الكنسية.

ويتابع صديقه: “عندما عدت إلى موسكو من منفاي سنة 1925، كان لي الحظ لحضور القداس الإلهي الذي يقيمه الأب ﭭالنتين. دخلت عند نهاية الخدمة، وعندما خرج  لصلاة ما وراء المنبر، كنت صُدمت لرؤية وجهه. لا أستطيع التعبير عن انطباعي بغير القول بأنه كان وجه إنسان قد انتهى لتوّه من تقديم نفسه تقدمة محترقة من الألم والحقيقة، وهو الآن مرتعش حتى الأعماق، يأتي إلينا غافلاً عن الأرضيين المحيطين به”.

مرة أخرى أتذكّر كيف كنت، أثناء وجودي في سجن في بوتيركا سنة 1922، أعدو بلا توقف من بين السجناء عندما اصطدمت بالأب ﭭالنتيني. سألته بارتباك وغباء “إلى أين تذهب؟” فجأة، استنار وجهه على نحو رائع باعثاً دفءً داخلياً وقال: “لقد كنت آتياً إليك”. كان في العادة بعيداً، منغلقاً، صارماً وغير صبور. أمّا الآن فقد كان له اشراقة نورانية مشّعة وهادئة، اشراقة القداسة الروسية…

كان آتياً مباشرة نحوي، نحو روحي التي كان ربما يحميها، في ذلك الحين، من الشر. هكذا، من الممكن أنّ السجن ينير النفس ويكشف على نحو رائع شيئاً كان، في وقت سابق، غير ممكن أن يُكشَف.

سنة 1927 أصدر الميتروبوليت سرجيوس إعلانه الشهير الذي حجَّم الكنيسة إلى مستوى منظمة تشرف عليها الدولة. هذا الاستعباد للسلطات الملحدة لم يحتمله الرعاة الحقيقيون والمؤمنون في  قطيع المسيح الذين لم يسمح لهم ضميرهم الموافقة على هذه التسوية الماكرة. قام عدد من رؤساء الكهنة والرعاة البسيطين بكتابة رسائل مفتوحة الى الميتروبوليت سرجيوس مستنكرين عمله ورافضين السير وراءه في هذا الطريق المؤدّي الى الدمار. في ديسمبر 1927 كتب الأب ﭭالنتين رسالة من هذا النوع معلناً فيها قطع الشراكة القانونية والصلاتية مع المتروبوليت سرجيوس ومجمع الأساقفة الذي يترأسه. لقد حدّدت فطنته الروحية الإجراء المتَّخَذ من قِبَل المتروبوليت سرجيوس كواحد من أخطر أشكال الإصلاح، فكتب إليه “لأنه في الوقت الذي تتخلّى فيه عن حرية الكنسية، أنت تحفظ خيال القانون والأرثوذكسية. هذا أسوأ من خرق قانون الانفصال”!

كان الأب ﭭالنتاين متوقعاً بأن بادرة الفصل هذه سوف تفسّر على أنها إنفصال عن الكنيسة لذا كتب: ” لست أحدث إنشقاقا جديداً، ولا اكسر وحدة الكنيسة. أنني أبتعد وأقود رعيتي بعيداً عن فخ مُحدَث مخافة أن نخسر شيئاً فشيئاً ودون ان ندري، الحرية التي أعطانا إياها ربنا يسوع المسيح مخلص كل الناس، حرية مجانية بدمه هو” . (القانون الثامن للمجمع المسكوني الثالث.).

نحن نعلم جيداً ما هي التبعات التي جعلت كل الذين رفضوا علناً  إعلان البطريرك سرجيوس يعانون. ﻠﭙﭪ ريغيل Len Regal في عمله “مأساة الكنيسة الروسية” أظهر أن المتروبوليت سرحيوس أعلن سنة 1929 أن كل الذين عارضوا “إعلانه” هم أعداء الثورة ويجب أن يتم توقيفهم حالاً وقد تمّ إيقاف خمسة عشر أسقفاً. أمّا التعامل مع الموقوفين فكان بكل بساطة: كان يأتي إلى الأسقف عميل GPV ويطرح سؤالاً واحداً: “كيف تنظر إلى اعلان الميتروبوليت سرجيوس؟ إذا كان الجواب أنه لا يقبله فالعميل يستنتج حينها: “هذا يعني أنك معادٍ للثورة”، وتلقائياً يتمّ توقيف الأسقف وهكذا يتم تصفية كل من رفع صوته احتجاجاً. ولم يكن مصير الأب ﭭﺎلنتاين مختلفاً.

وهكذا كان للأب ﭭﺎلنتاين إكليل النصر من الله لأنه حافظ على الإعلان المسيحي الأصيل وسلّط الضوء على مصدر الإغراء الماكر لعدو خلاصنا. ولهذا هو يقود إلى الفردوس مباشرة القطيع الذي أوكله إليه إلهنا الذي له المجد والعزة الى الأبد، آمين.