ماذا عن القدّيسين؟ – الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

ماذا عن القدّيسين؟

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

 

الطريق الإنجيليّ الوحيد، على مثال القدّيسة مريم المجدلية، لردم الهوّة بين الجسد القائم من بين الأموات والجسد المائت، يكمن فقط في أجيج نارِ حبٍّ مجنون. وفي هذا الحب يترسّخ إيمان بأنّ بين المسيح وبيننا لُجة، ليست بجحيم وإنما هي رأفة نرتمي فيها ونحن نصلّي من أعماق القلب إلى الاسم الأزلي “الذي قبل أن كان ابراهيم، أنا كائن” (يو58:8). وفي الإيمان يثبت الرجاء بأنه بين “الأنا كائن” في جسم المسيح القائم و”الأنا كائن” في جسمنا المائت هناك أنّات الروح القدس تشفع فينا بحال لا توصف. وإذا ما ضاعفنا صلواتنا وتشارك فيها القلب والذهن معاً، فهي تحملنا إلى خارج ذواتِنا، فوق الخليقة كلّها، في ضوء اليوم الأول وينبثق عنها حرارة تنبعث في جسدنا لتنقل إليه أشعة اليوم الثامن، قوة القيامة العامة نفسها. هكذا اجتاز القديسون الفتور البشري وانتقلوا من برودة الموت الثاني التي تلفح الأجساد دون أن تدري. وبذلك فإن غير المستطاع، وغير الملموس، أصبح ملموساً ومستطاعاً في حِفظ الرجاء وحراسته. فالسؤال يبقى كيف نكون قديسين؟ الجواب يعطيه الإنجيل الذي يدعونا لنكون حارّين ويتركنا أحراراً في أن نكون باردين. فالخيار إذاً هو في المسيح أو في “ضد المسيح”، في الحياة الجديدة أو في الموت الثاني. فالنتيجة ستكون حتمية؛ و”ضد المسيح” بإبادته الشر بالشر والخطيئة بالخطيئة، يحضّر بشكل متناقض مع هدفه مجيءَ المسيح الذي يضع حدّاً نهائياً للشر وللخطيئة؛ ويحطّم الموت بموته ويفتح الباب الذي لا يُغلق.
القداسة هي رهن حريتنا وحريتُنا تتجلى بمقدار حبنا للقريب. الله أحبّنا وصار إنساناً مثلنا. وربط إنسانيتنا بألوهته بواسطة حبّ عميق لا تستطيع أية فلسفة بشرية أن تعبّر عنه. هذا الرّباط وطّده الرب في سرّ القدّاس الإلهي. وأعطانا بالمعمودية حق الإشتراك فيه وأصبح صليبُه وموتُه صليبَنا وموتَنا إذا تذّكرنا وصيته، ولكن قيامته تبقى رهناً بإرادتنا. فبمقدار ما أميت الموت وانقلعت شوكة الخطيئة من أجسادنا، ففتور إرادتنا الذي يسلب منا حريّة الاختيار الصحيح، يزيد من تمزيقنا ولا يبني إلاّ سرير موتِنا الثاني.
أن نتّبع القديسين، لا يكون فقط بالذكر والحكمة البشرية الواهنة ولكن في تحويل القلب في أصعب اللحظات، في تجارب الجسد والذهن المريرة بواسطة الصلاّة الحارة في صحوة إيماننا ويقين الرجاء إلى قلب العالم الواحد. نزهد بالعالم لندرك قلبه ونحبه من كلّ قلبنا وفي القلب. ومن هناك نستقي الحب الذي يروي العالم. بهذه الطريقة زهد القديسون بروح العالم ليحيا قلب العالم بحبّهم له. تشبّه القديسون بالمسيح فأحبّوه كما هو أحبّ، وعاشوا معه كما عاش هو، واتّحدوا معه في شركة حبّه الأزلي مع أبيه وروحه القدوس، فماتوا معه ليصلوا إلى ذروة مجد الحب، إلى “التألّه” بنعمته الإلهية. وهكذا يستحيل الزمن إلى حياة أبدية ويمتلئ المكان بالأنوار الإلهية غير المخلوقة وتفيض العظام المائتة بينابيع الرأفة والمحبّة التي تبشّر بالنهاية السعيدة. هذه النهاية حاضرة وخفيّة في كلّ كائن حيٍّ أتى إلى الأرض، هي الحياة الأبدية النابعة كما يقول الإنجيل من معرفتنا للآب بأنه الإله الأزلي والذي أرسله هو يسوع المسيح (يو3:17) الذي جعل من حياتنا اليومية حياة أبدية.

القيامة – الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

القيامة

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

 

النصوص الليتورجية والآبائية تُظهر قبل كلّ شيء أنّ القيامة هي غلبة الحياة المحيية على الموت والجحيم. أمّا الموت فلا يعني فقط نهاية الحياة، ولا الجحيم هو حالة روحية في ما وراء الموت. ولكن الأول والثاني يجسّدان حالة وجودنا المظلمة وذروة يأسنا الهالك حيث يرتجف كلٌّ منا مع الشعور بأنّه خسر كل شيء وحتّى حياته نفسها. وبالرغم من الحنان والجمال اللذين يغمراننا، هناك الانسلاخ الذي لا مفرّ منه، الانسلاخ عن الحياة الذي يدعوه القديس غريغوريوس النيصي “الحياة المائتة”. ولكن فجأة من أعماق الجحيم يستمع الرب إلى صوتي، فجأة الصليب يظهر كشعاع لا ينهزم ويقلب حائط السياج الفاصل. نعم، الصليب هو شعاع نور يضيء في ظلمات الجحيم فينساب نهر الجحيم في بحيرات فصح الرب. نعم، بتنازله اللامتناهي وبآلامه وموته وقبوله اللعنة، قبِل المسيح أن تدخل فيه حالة الجحيم الساقطة حتى إلى ثقل التجديف “إلهي إلهي أنظر لماذا تركتني؟” فالكآبة والغصّ والكره وألم الانفعال كلها قد دُمِّرَت بالذي لا يُغلَب لأنه ثقة وحب واتّحاد لا ينفد. فالهوّة التي أنشأتها حرية الإنسان تبخّرت كنقطة زهيدة في عمق نار الألوهة. فالجحيم نفسها ابتُلِعَت في ملء الذي –وهو مالئ الكلّ- استطاع أن يقول لشريكه في الحكم: “اليوم تكون معي في الفردوس”.
فبنزوله إلى الجحيم، أنزل المسيح الحبَّ إلى الكائن الروحي المثقَل هناك بالحقد والكراهية. فهكذا الجحيم طُعِنَت وفنيَت بالنار الإلهية التي قبِلَت في قلبها المطعون في جنبه بحربة لخلاصنا نحن المرتلين “مبارك أنت أيها الإله الفادي”. فالمسيح مات ليقوم الإنسان، وبالقيامة، أعاد الإله-الإنسان وحدة البشرية بكاملها به. وهذه القيامة تخصّ الكون بكامله أيضاً، لأن جسم الإنسان لا ينفصل عن جسم الكون. بعض نقاط من الدم أعادت بناء الكون بكامله، يقول القديس غريغوريوس النزينزي. فهذا البناء الجديد يصبح حقيقة بواسطة الأسرار الإلهية في الكنيسة التي هي سرّ المسيح القائم: حيث ينقلب الموت إلى حياة بالروح القدس المحيي؛ وكل مناسبة للموت تصبح موتاً قيامياً، ذبيحة حية بقوة الروح القدس “معطي الحياة”، فبالمعمودية التي نحن بحاجة ماسة إليها في كل يوم حتى لحظة النزاع الأخير، ننزل بكامل وعينا إلى الجحيم لملاقاة المسيح القائم، “حتى إذا غُرِِسنا معه على شبه موته فنكون على شبه قيامته أيضاً” (رو 5:6). إذاً المعمودية هي أصلٌ وجَذرٌ في المسيح ولكنها لا تبلغ أوجها إلا في سرّ الإفخارستيا الإلهي حيث الروح القدس الذي حلَ فينا بالمعمودية يجعلنا غرسة واحدة وكائناً واحداً مع القائم: إخوة له بالدم وأعضاء جسده الممجد. وهكذا يكون جسد المصلوب جسداً إفخارستياً بالروح القدس للبشرية قاطبة وللكون بأجمعه. فالمسيح بموته لا ينفصل عن شيء ولا عن إنسان. وفي ظفره على الموت، ظفَر على كل انفعال. لذلك لا يستطيع تيار الإلحاد اليوم أن يستقيم ولا تستطيع حضارات العالم وقوّته ووسعُ إطار معرفته أن تستوي إلا إذا أدركت معنى القيامة.
اليوم، البشرية تهرب من الموت ولكنها تسلك طرقاً تؤدي إلى الانتحار. لذلك يجب على المسيحيين قبل كل شيء أن يعلنوا ويذيعوا عن فرح القيامة ويجعلوه مشعاً من خلال ممارستهم الليتورجية وشهادات القديسين: بكل حركة من حركات حياتهم اليومية، إن كان ذلك في الصلاة أو في المهَن، أو الفن، أو العلم أو بكل وجه حضاري. أن يعبّروا بحنان كبير ومحبة صادقة نحو العالم وهم يجاهدون بثبات وعزم ضد كل أشكال الموت الحالّة فينا أو حولنا أو في المجتمع أو في العالم. لأن قيامة المسيح ليست فقط على أزلية النفوس بل تتخطّى ذلك لتشمل كل الأرض، الكائنات، الأشياء، الزمن، الوجوه، الأجساد، القش اليابس، والغيوم الرقيقة. كل شيء يجب أن يجد محلاً في جسم المسيح القائم الممجَّد. على هذا المنحى القيامي، نحن مدعوون عبر التاريخ أن نهيئ المجيء الثاني للمسيح والكلّ قادر على ذلك ولو كان مسمّراً على فراش الموت. قليل من الثقة، قليل من الحب، من الفرح، من الصلاة المتواضعة والانسحاق يسمح لقوى القيامة أن تجري في العالم.

من كتاب الحياة بعد الموت – لسيادة رئيس أساقفة اليونان خريستوذولس

من كتاب الحياة بعد الموت

لسيادة رئيس أساقفة اليونان خريستوذولس

نقلته إلى العربية الأخت ماريّا قبارة

مازال الموت يستمر أن يكون سرًا، بكل مايُرافقه ويحيط به. تُعرض هذه الحقيقة بطروبارية كنيستنا التي تُرتل في خدمة النياحة:

” يا له من عجب، ماهذا السر، الصائر بنا؟ كيف أُسلمنا إلى الفساد، وكيف ازدوج الموت بنا، فهذا كما كتب بأمر اللّه”[i]. يرى كاتب تسابيح كنيستنا، الملهم من اللّه والمستنير، ظاهرةَ الموت، وأمامه أحدٌ ما قد مات ويتساءل: “كيف حدث هذا السرّ العظيم الماثل أمامي؟ كيف من الممكن أن نُسَّلم نحن البشر إلى الفساد؟ كيف يمكن أن تتحقق المصالحة بواسطة الموت؟ على كلّ، إنّما يحدث ذلك دائمًا بأمر اللّه وإرادته.

يؤكد كاتب التسابيح الموقر، أنّه يحدث فصل إجباري بين العنصرين اللَذين يتكون منهما الإنسان، الفصل بين الجسد والنفس. النفس التي اتّحدت بجسدنا عندما حُبل بنا، الآن تبارح الجسد. وهذا الرابط المتين الذي قد وُجد مدى حياتنا بين الجسد والنفس، الآن ينحل، وهذا ما تنتهي به الطروبارية، ينحل بإرادة اللّه وأمره.

هناك أيضًا أسرار تُرافق الموت، يستحيل على ناس كثيرون أن يصدقوها، بينما غيرهم يستمرون في إنكارها، أيّ لا يستطيعون أن يجدوا لها أجوبة علميّة، ومن غير الممكن للإنسان الذي يؤمن فقط بمنطقه أن يقترب من هذا المجال، فينتهي به الحال بلا شكٍ إلى الإنكار والتجديف.  

مع ذلك، كُثرٌ أولئك الذين يؤمنون بأن “شيئاً” ما يحدث بعد الموت. وبأن هناك “استمراريّة ما”. بالطبع، من هو بعيدٌ عن كنيستنا ولا يقرأ الكتاب المقدس وكتب الآباء القديسين، يكون عاجزًا أن يتكلم عن كلّ ماهو بعد الموت.

كثيرون ممَّن تعثرهم ظاهرة الموت، يتساءلون: “كيف يمكن أن تؤول صورة اللّه، التي هي الإنسان والتي كرَّمها اللّه وجبلها لا بكلمته الخالقة بل بكلتا يديه أيضًا، مع الموت إلى الفساد. يتمتع الإنسان بنفسٍ لا تموت، كما يصفه الكتاب المقدس بطريقة بشريّة، وكصورة لله يملك العنصرين والسمتين الإلهيتين الأساسين: العقل والحريّة. والإنسان بالموت يؤول إلى حالة الفساد. أهذا لأنّ الموت، من وجهة نظر أولى، يبدو كنهاية رقاد وانحلال للصورة الإلهية؟. بهذا التفكير ألَّف أب كنيستنا العظيم، القدّيس يوحنا الدمشقي، طروبارية جميلة يتكلم فيها عن إنسان ما يتأمل أخاه الذي مات ويقول: “لهي كآبة كبيرة ونواح ونحيب، عندما أريد أن أفطن ما هو الموت، وعندما أشاهد صورة اللّه؛ الإنسان، الذي يعيش بكليته ممتلئاً مجداً وشرفاً، الآن جثة هامدة، تُرى الآن داخل القبر محرومة من حضور النفس، خالية من الجمال الباهر، عديمة أيَّ بهاء”[ii]

إذاً، ماهو الموت؟ أهو المنتهى أم نقطة الانطلاق؟ أهو نهاية أم بداية؟

الإنسان بطبيعته ينفر من الموت، لأن هناك، في داخله شعلة الخلود والأبديّة. بالطبع، كثيرٌ من الناس ينفرون من الموت بسبب مفاهيم سيئة ويعتبرونه نتناً كلَّ نقاش له علاقة به. بينما الموت هو الحدث الأكيد الموجود في العالم. مع ذلك، هناك أناس لا يريدون أن يسمعوا من أحد كلامًا عليه.

الموت نتيجة السقوط والخطيئة

لم يوجد الموت من بدء حياة الإنسان، فالإنسان الأول كان قابلاً للفساد ولعدم الفساد، أيّ بإمكانه أن يموت، وبإمكانه ألاّ يموت. إن يحفظ وصايا اللّه، لن يموت، وإن يُخالفها سيقبل الموت. وبناءً عليه لو لم تسقط الجبّلة الأولى لما حصل الموت للجدّين الاولين، فالموت إذًا ثمرة الخطيئة ووُجد في العالم.

المقاطع الكتابية التالية ذات أهمية؛ الأولى من حكمة سليمان: “فإنّه خلق كل شيء لكي يكون وإن خلائق العالم مفيدة وليس فيها اسمٌ مهلك ولا ملك لمثوى الأموات على الأرض لأنَّ البّرَ خالد”[iii]. كلام العهد القديم واضح، أيّ أنَّ اللّه لم يصنع الموت، وهذا جواب لأولئك الذين يتساءلون: كيف يكون الموت من عمل اللّه كعقاب للبشر بسبب الخطيئة التي سقطوا فيها؟ هذا تعليم لاهوتي سكولاستيكي لكنيسة الروم الكاثوليك الغربية، المتعارضة مع الكنيسة الأرثوذكسية التي تفسّر واقع الموت بشكل مختلف. فلنرَ مقطعًا من رسالة الرسول بولس إلى رومية: “من أجل ذلك كأنّما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم بالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع”[iv]، وكلام الرسول دقيق ولا يحتاج إلى تأويل، وأنّ الموت دخل إلى العالم بسبب خطيئة إنسان واحد، ومن خلاله اجتاز إلى البشر، فالموت إذًا حدثٌ لاحق، هو ظاهرة دخيلة على حياة الإنسان، ولم يكن موجودًا في بدء الخليقة.

عندما نقول “بسبب الخطيئة دخل الموت” يجب أن ندرك نوعين للموت. يُدعى الأول الموت الروحي الذي يعني انفصال الإنسان عن اللّه، والثاني الموت الجسدي ويعني انفصال النفس عن الجسد. الموت الروحي دخل للتوّ بسقوط الجبّلة الأولى، ولكن اللّه لم يرد أن يصير الموت الجسدي في الوقت نفسه مع الموت الروحي، لهذا عاش آدم وحواء مئات السنين بعد موتهم الروحي الذي قد سقطا به. السقوط والخطيئة جلبا الموت كنتيجة طبيعية لهما وليس فقط كعقاب.

يستطيع الطبيب أن يقول للمريض عندما يفحصه: “يجب أن تتبع حمية، لأنّ السكر عندك عالٍ، فإلّم تفعله فأنت عرضة للخطر، وستموت من السكر”، إذا فكر المريض وخرج من عند الطبيب عاملاً بمعتقداته الشخصية، سيقول لنفسه “كيف أعمل حمية، هل هذا سهل؟”، فيقرر لوحده أن يأكل، ويعود ليأكل ما كان يأكله، وبعد فترة يموت من السكر، فهل الطبيب هو المسؤول في هذه الحال عن موت المريض؟

وقال اللّه للجبّلة الأولى: “أطيعوني، فإنكم إذا لم تفعلوا تموتون”، لم تُطع الجبّلة الأولى اللّه وماتا، ولا يُردُّ سبب موتهما إلى اللّه ، بل موتهما هو ثمرة الخطيئة بعد السقوط وعاقبتهما.

يقول كتابنا المقدس أن اللّه بعد السقوط أعطى جبّلته الأولى “مطارفَ جلديّة”، فما هي هذه المطارف الجلديّة؟

يقول الآباء القدّيسون إنّها الفساد والفناء اللَذين أَوجدا الأمراض التي بسببها نموت، وأَوجدا الأحزان التي تلد بها النساء. كلّ هذا عواقب السقوط، فآدم وحواء قبل أن يخطأا لم يكونا يعلمان أيّ شيء عنها. كانا يعيشان في حالة أخرى، نستطيع فقط أن نتخيلها مادام ليس لنا خبرة مثلها في حياتنا. نحن أناس مابعد السقوط ولسنا ما قبله

إن قبلنا بلاهوت كنيسة الروم الكاثوليك الاسخاتولوجي، أيّ أنّ الموت هو عقاب اللّه سننقاد إلى مآزق أخرى، كمثل أن نقول، إنّ الشيطان الذي حرَّض على سقوط الجبّلة كان أداة اللّه.

يقول القدّيس يوحنا الدمشقيّ: “بسبب الإنسان دخل الموت -بسبب سقوط آدم- وكذلك بقية العقوبات”، الآباء القدّيسون واضحون عندما يقولون أنّه: “بسبب الإنسان دخل الموت إلى العالم، لا بسبب اللّه “

عندما نقول إنّ الخطيئة الأصلية ورثها البشر، لا نعني الإحساس بالذنب الذي ينقله الإنسان إلى الآخرين بسبب الخطيئة الأولى. بل نعني نتائج خطيئة الجدّين الأصلية الموروثة. لقد مرضت طبيعتنا بعد تلك الخطيئة، وهذا المرض نرثه.

هذه الحقائق التي قرأناها في مقاطع كثيرة في كنيستنا، نجدها مصوغة بشكل رائع في مقاطع ليتورجيا القدّيس باسيليوس الكبير الإلهيّة. يتوجّه الكاهن إلى اللّه قائلاً: “عندما جبلت الإنسان ياإلهي بأخذك ترابًا من الأرض، ووضعته في فردوس النعيم، وعدته بالحياة الخالدة والتمتع بالخيرات الأبديّة إن حفظ وصاياك. لكن عندما خالف وصاياك أنت الإله الحقيقي وانقاد بسبب غواية الحية، أُميت بزلاته، نفيته وأرسلته مرة ثانية إلى الأرض التي منها أُخذ، أي مات”[v]

كان لآدم إمكانية الخلود وإمكانية الموت، لو لم يخطأ لما تعرض للموت، هذا الوضع الصحيح. وقد ظهرت هرطقات كثيرة في عصر آبائنا القدّيسين، منها تقول: “إن آدم المجبول أولاً خلقه اللّه فانيًا، أي جُبلَ ليموت سواء أَخطأ أم لم يخطأ، أي سيبارح جسده لا بسبب الخطيئة بل بسبب تركيب طبيعته وبنائها”، هذا يعتبر هرطقة، ودعا الآباء أن يكون مفروزًا كلّ من يؤمن بهذا. وقد ظهر أيضًا هراطقة مختلفين نادوا بالمعنى المعاكس، أي أن اللّه خلق آدم الفاني؛ وبالتالي اللّه هو خالق الموت.

قانون المجمع الكورنثسي المحلي “رقم120” والذي تبنّاه المجمع المسكوني بحث في هذا الموضوع وشغل آباء كثيرون وهذه آراء البعض منهم:

ثيوفيلوس الأنطاكي يقول: “إنّ الإنسان موجود في الوسط، ليس فانيًا بالكليّة وليس خالدًا بالكليّة، ولكنه قابل للحالتين”.

يقول القدّيس غريغوريوس النيصصي بوضوح: “إنّ الموت بالنسبة للبشر كان التناول من تلك الثمرة المحرمة”.

القدّيس نيقوديموس الآثوسي يقول: “بما أن آدم تذوّق شجرة المعرفة، دخل في الفساد، وبالتالي صار فاسدًا وفانيًا بعد أن كان عديم الفساد والفناء، والأسوأ من ذلك أنّه لم يفسد آدم وحده، بل نقل هذا الفساد الذي أصابه أولاً إلى كلّ جنس البشر”       .

فالإنسان منذ البدء لم يعرف الموت، بل جاء أثناء مسيرته. جاء كغريب، كعنصر دخيل، كنتيجة للخطيئة التي جلبت الموت الروحي للحال، وفيما بعد هذه جلبت الموت الجسدي.

وبسبب دخول هذا الموت، لا يريد الإنسان أن يموت بل يريد بجميع الطرق أن يطيل حياته على هذا الكوكب، ناظرًا إلى الموت نظرته إلى عدوٍ كبير “آخر عدو”[vi]، كما يصفه الرسول بولس.

تشّبه رؤيا يوحنا الموت بجواد أصفر، وفارس يمسك سيفًا وينثر الجوع والأمراض الوبائية، ويقضي على الحياة، ويتبع هذا الجواد الجحيمَ فاتحًا فاه ويبتلع الأموات بسرعة.

أما الرسامون فيصّورون الموت مثل الهيكل العظمي الذي يمتطي جوادًا ويمسك بيده منجلاً يحصد به حياة الناس.

يتخيله اليونانيون القدماء مَضيقاً ويدعونه “χάροντα”، فيه مركب ينقل البشر إلى بحيرة “Αχερουσίας”، إلى الجحيم؛ أيّ من الحياة إلى الموت.

لماذا يموت الإنسان؟

إن واقع موت الإنسان، يعود إلى سببين، أولاً إلى الخطيئة، وثانيًا إلى عدم التوبة. يقول القدّيس سمعان اللاهوتي الحديث: ” لو قال آدم: “حقًا ياسيد، قد خالفت وصيتك، خطئت، سمعت نصيحة المرأة وخطئت كثيرًا، فعلتُ بحسب ما قالته لي وخالفت وصيتك، سامحني ياسيد واغفر لي”، لكان خلص. ولكان حفظ خلود النفس والجسد. أمّا الآن فقد جلبت الخطيئة الموت. لهذا فإنّ الكتاب المقدّس إذ يصف حالة جنس الجبّلة الأولى التي تكَّونت بعد الخطيئة. وبالتالي حالة كلّ الجنس البشري. يتكلم عن “الألبسة الجلديّة”، لمن ياترى هذه الألبسة الجلدية التي أحاط بها اللّه البشرَ بعد السقوط؟

يفسر آباء كنيستنا هذا الاصطلاح بخاصيّة الفناء. الفساد والفناء اللَذان هما نتيجة خطيئة الجدّين الأولين وثمنها، هما الألبسة الجلديّة التي سُربل بها البشر بعد الخطيئة.

كان اللّه قد أنذر جبّلته الأولى سابقًا في الفردوس، بأنّهم إن أكلوا من ثمرة معرفة الخير والشرّ سيموتون. وبكلامنا على موت الجبّلة الأولى نتطرق إلى نوعين من الموت: الأول هو انفصال الإنسان عن اللّه وهو الموت الروحي، والآخر هو فساد الجسد وانحلاله، أي الموت الجسدي. دخل الموت الروحي لحظة العصيان، أمّا الموت الجسدي فدخل بعد ذلك بحين. خلق اللّه هذا البعد بين الموت الروحي والجسدي مريدًا أن يعطي الإنسان وقتًا للتوبة من جديد. إذًا فقد حُدَّد للموت الجسدي أن يحدث متأخرًا وليس في الوقت نفسه مع الموت الروحي. وللهدف نفسه كلّ العوائق والأحزان والتجارب تخدم الإنسان المجَّرب بها في حياته على الأرض، من أجل توبته.

يعطي الآباء القدّيسون معنى كبيرًا للموت الأول، هذا الذي يعتبرونه بشكل رئيسٍ موتًا. يعلِّم القدّيس مكسيموس المعترف أنّ الموت هو الانفصال عن اللّه. فالموت الروحي إذًا هو الموت بالمعنى الوضعيّ للكلمة. إلاّ أنّ البشر لا يعطونها بالأحرى، الأهمية الواجبة.

عندما قصَّ ربنا مثل الابن الضال قال عن الابن الأصغر الذي قد رحل عن أبيه مايلي “… لكن قد وجب أن نتنعم ونفرح لأن ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوُجد”[vii]. هنا واضح أنّ الرّب يقصد الموت الروحيّ.

من خلائق اللّه الأولى مات الشيطان روحيًا، عصى اللّه وتمرّد عليه. يتكلّم القدّيس غريغوريوس بالاماس على هذا الموت الأول ويقول إنّ الشيطان أول من خضع له.

على الموت الروحي يتكلّم الرّب مرات عديدة. فقد قال لتلميذه الذي طلب منه أن يدفن أبيه الذي مات “دع الموتى يدفنون موتاهم”[viii]، أيّ دع الموتى الروحيين يدفنون الموتى الجسديين. ولآخر يقول الرب: “الحق الحق أقول لكم الذي يسمع كلامي ويؤمن بمن أرسلني فله الحياة الأبدية”.

يمكن للإنسان أن يبطل الموت الروحي في كلّ لحظة، مادام عضوًا في كنيستنا المقدّسة، وهذا لأنّ المسيح هو أول من أبطل الموت الروحي من خلال الكنيسة وأسرارها.

إذاً عندنا الموت الروحي والقيامة الروحية، عندنا الموت الجسدي مع القيامة الجسدية. أيّ أننا نموت أولاً روحيًا وإذا أردنا أن نقوم روحيًا فباشتراكنا بأسرار الكنيسة. بينما سنقوم بعد الموت الجسدي جسديًا في المجيء الثاني.

تُعجِّل الخطيئة الموت الجسدي. رغم أنَّ الموت الجسدي ليس حالتنا الطبيعيّة منذ البدء، فالإنسان لهذا السبب لا يريد أن يموت، وهذا الموت قد أُبطل جوهره، وسيبطل في الحياة والملكوت الآتيين.

لذا يقول القدّيس بولس: “آخر عدو يبطل هو الموت”[ix]. لدينا اليوم الموت الجسدي، لكن قد لا نملك الموت الروحي. الموت الجسدي وقتيّ، لهذا يجب ألاّ نتكلم على موت وأموات، بل على نوم وراقدين، هذا هو إيماننا الأرثوذكسي. لذلك نحن لا نتكلّم على مقابر بل على مراقد. عندما قالوا للمسيح وقتًا ما إنّ ابنة ياييرس ماتت، قال الرّب: “الصبية لم تمت، إنما هي نائمة، فضحكوا منه”[x]، لأنَّ الكلّ كان يظن أنّها ميتة. لقد دعا المسيح الموت نومًا، لأنّه أبطل سلطانه “لكي يبيد بالموت ذاك الذي له القدرة على الموت أيّ ابليس”[xi]، قام من بين الأموات، فأبطل الموت.

ينبغي أن نعلم كيف أنّ المسيح دُعي في الكتاب المقدّس “بكر كلّ خليقة”[xii]، أيّ أنموذج الإنسان، وبالتالي كلّ مايسري على المسيح، يسري على جميعنا، مادُمنا أعضاء جسد المسيح، وهكذا نشترك في مجّده وقيامته. هناك تسبحة رائعة في يوم الجمعة العظيمة تقول: “الجحيم لا يملك ولا يسود أبدًا على جنس البشر”، أيّ إنّ الموت يسود بشكل مؤقت لكنه لا يشكّل حالة ثابتة أبديّة.

إذاً لدينا الجسد والنفس اللَذان بهما معًا نتابع جهاد الفضائل، وبكليهما أيضًا نخطَأ، لذلك يكون حكم اللّه بهذين العنصرين، إما أن يخلصوا وإما أن يدانوا أبديًا بقيامة الأجساد التي ستحدث مع بوق الملائكة عندما يبوّق قبل الحضور الثاني.

طبعاً، يتكلم الآباء القديسون على معقولنا (φρόνημα) الجسدي، ولكن الذي ليس له علاقة مع جسدنا. المعقول الجسدي له مفهوم روحي. يميّز الرسول بولس المعقول الجسدي بالغرور والعُجب والنميمة والخبث والكراهية. فالمعقول الجسدي شيء والجسد الذي نقتنيه شيء آخر. ينصح الرسول والآباء أن نبتعد عن المعقول الجسدي لأنه يتعارض وسلوكَ الروحِ.

طريقة موتنا

نعرف بالتأكيد إن هناك طرقًا كثيرة تنتهي بها حياة الجنس البشري. بَيْدَ أن كثيرين اعتادوا أن يفصلوا طرقهم إلى طرق خيّرة، وطرق شريرة. طرق عادلة، وطرق خاطئة رابطين طريقة الموت بطريقة حياة الإنسان. فإذا لم يكن الموت حسنًا، نقول إنَّ هذا يعود إلى سوء الإنسان في حياته، أو بما أنّه رحل بموت فجائي فهذا يعني أنّه لن يكون في حالة جيدة في الحياة الأخرى. لذلك فالدعوات التي يطلبها الناس لأنفسهم هي أن يحصلوا على موت حسن، فمن بعض التعابير التي يستعملها الشعب مثلاً: ” ألاّ أموت واقفًا أو أن أموت بصحتي”، يطلب الإنسان بهذه الدعوة ألاَّ يموت من المرض. آخرون يدعون ألاَّ يموتوا بطريقة فجائية كمثل حادث مرور أو في إحدى الحروب. نحتاج أن نتعمّق لكي نرى العلاقة بين طريقة موتنا وطريقة حياتنا، وأيضًا مع الحالة التي سنؤول إليها بعد الموت.

تصلي كنيستنا المقدّسة أولاً لأن تكون “أواخر حياتنا مسيحيّة” وطبعًا “بلا وجع ولا خزي، وبسلام”، هذا ما تعبّر عنه الصلاة أيّ الرغبة التي نصلّي بها ليهبنا الرّب نهايات مسيحيّة. أيّ نطلب من اللّه أن نموت “بسلام” في إيماننا.

هذا لايعني أنّ الموت الذي تصلّي كنيستنا من أجله هو الموت الوحيد. ولايعني أيضًا أنّ كلّ أنواع الموت الأخرى الموجودة تنذر بشيء يتعلق بحالة النفوس. وعلى الأكثر، مادامت طريقة موتنا ليست حسنة فهي نوع من عقاب اللّه لأحد الخاطئين. يجب أن نقول مسبقًا إنّه لا أهمية كبيرة لطريقة موتنا بالنسبة للكنيسة بقدر ما هناك أهمية لطريقة حياتنا. تعتني كنيستنا بأن تعيش مسيحيًا وتصلّي وتصيغ دعوتها أن نموت مسيحيًا.

مرات كثيرة – وهذا لا نستطيع أن ننكره – طريقة موتنا هي نتيجة لطريقة حياتنا. دون أن يكون هذا جزمًا. في العهد القديم آية: “الخطأة يميتهم شرهم”[xiii]، تعني أنّ موت الخاطئين شرّير. وتفسّر الكنيسة كلمة “Πονηρός ” بأنّ الخاطئ يرحل من هذا العالم غير تائب. إذا متنا غير تائبين حينئذٍ سيكون هذا الموت مفجعًا، وهذا الموت يحكم مسبقًا على حالة نفوسنا.

أين تذهب النفوس؟

إنّه لجدير بالاهتمام أن نرى أين تذهب النفوس في المرحلة التي تتوسط الموت والمجيء الثاني؟ لكي نجاوب على هذا السؤال نحتاج إلى أن نعرف من البدء أنّه كما قال أب كنيستنا القدّيس أثناسيوس الكبير: “إنه سرٌ غريبٌ ورهيب، مخفي عن البشر”.

استنادًا إلى الكتاب المقدّس والتقليد الآبائي فلنتلمس طريق النفوس ومسيرتها اللتين تَلِيَا موت الجسد. يتكلم الكتاب المقدس على الجحيم، فيجعلنا نفهم أن هناك مكانًا حيث تتكدس فيه نفوس الخطأة، فيه يسود الظلام والضباب. يتكلّم الكتاب المقدس على الفردوس أنّه مكان انتظار الأبرار بعد الحضور الثاني.

القدّيس أثناسيوس الكبير أغنى هذا الموضوع بقوله لنا: “نفوس الخطأة موجودة في الجحيم، أما نفوس الأبرار فهي قرب اللّه، بعد حضور الرّب الثاني ستوجد في الفردوس”. في الواقع يعلّمنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم بأنّه “بالموت، تُقاد النفوس لمكان ما”، ماهو ياترى هذا المكان؟

كلمة مكان ” χώρος ” تجعلنا نفكر بأنّه حالة تشبه حالة نعيشها. لأنّ ” χώρος ” يوجد في هذا العالم، ذي المفهوم الحجمي؛ ومفهوم الزمن دنيوي. لكن اللّه خارج الزمان والمكان. وبالتالي بُعدا المكان والزمان لا يتلاءمان مع الحياة الروحية الكائنة بعد الموت. بل يتلاءمان مع هذه الحياة الأرضية. سنقع في الكتاب المقدس على تعابير تعطينا انطباعًا بأنّها تتكلّم على مكان ما، مثلاً:

في العهد القديم ” Δικαίων ψυχαί εν χείρι θεού”، أيّ نفوس الأبرار موجودة في يديّ اللّه. أترى لله أيدٍ؟ النفوس لا تشغل مكانًا، ليس لها هيئة. في مثل الغني ولعازر، ربنا نفسه يقول: “إن نفس الفقير لعازر هي في أحضان ابراهيم، وهذه خاصيّة بشريّة وتعبير بشري عاطفي، أيّ النفس موجودة في أحسن مكان.

الذهبي الفم الموقر في محاولته إعطاء جوابٍ عن السؤال “أين هي النفس؟”، يقول: “إنّها هناك حيث توجد الأبديّة فقط، والخلود فقط، خالق النفوس والأجساد هناك هو اللّه”. ما يمكننا أن نقوله عامة هو أن نفوس الأبرار موجودة قربَ اللّه. فهي تعيش هناك. وكما يقول الذهبي الفم أيضًا، يعيشون بخوف هناك ينتظرون، ويعيشون في حالة ترقب.

بعد الموت، كلّ نفس تنتظم بطريقتها، بحسب أعمالها وبحسب أفعالها الصالحة أو الشريرة، في حالة مؤقتة. يقول الفيلسوف ايوستينوس الشهيد: “تنتظر نفوس المؤمنين في أفضل مكان، وتنتظر نفوس الأشرار والخطأة في أسوأ مكان، مترقبة وقت المجيء الثاني”.

هنا مسألة مهمة، وهي أنَّ النفوس بحسب الطريقة التي عاشتها مع الجسد، تذهب إلى حالة حياة ووجود توافق طريقة عيشها في هذه الحياة. حالة الانتظار هذه تدعى الحالة الوسطى للنفوس.

ينصحنا القدّيس غريغوريوس النيصصي “أن لانخاف من الجحيم كمكان، بل كحياة عديمة الجسد”، والقصد أنّها حياة دون هيئة.

الحالة الوسطى للنفوس

فلنحلل بعض ميزات حالة النفوس الوسطى. فلننطلق من الدينونة الجزئية. ماذا نعرف عن الدينونة الجزئية؟ إذا تذكرنا مثل الغني ولعازر، مذكور فيه أنّه حالما مات كلٌ من الغنيّ ولعازر أُدينا ووضعا في مكانين مناسبين. رأى الغني نفسه وسط جهنم النار وأمامه الفقير لعازر في أحضان ابراهيم. حدثت هذه الدينونة مباشرة بعد الموت وليس في المجيء الثاني، واُستنتجت هذه الدينونة من الحوار بين نفس الغني وابراهيم. رأى الغنيّ إلى أيّ حالٍ آلَ، ودعا ابراهيم أن يُرسلْ إلى الأرض لعازر الفقير ليذهب ويجد إخوته الذين مازالوا يعيشون على وجهها، وينبههم أن يغيّروا طريقة حياتهم، لكي لا يطرأ عليهم شيءٌ مما حدث لأخيهم. نستنتج من هذا التفصيل أن دينونة الغني ولعازر هذه حدثت مباشرة بعد موتهم. أيّ أنه تحدث دينونة ما بعد الموت؛ ولكنّها وقتيّة. لأنّه بالمستقبل ستلحقها الدينونة الكبرى المصيريّة؛ التي ستحدث بالمجيء الثاني. عندئذٍ بقيامة الأجساد ستتحد الأجساد بالنفوس، الجسد والنفس سيظهران أمام الرب ليُدان الإنسان. في الدينونة الجزئية تُدان فقط النفس وليس الجسد الذي قد أُسلم للفساد، الدينونة الوقتيّة إذًا هي أول ميزة للحالة الوسطى.

حالة الانتظار

الحالة الوسطى من جهة أخرى هي حالة انتظار. تنتظر النفوس الدينونة النهائيّة، وبفضل رحمة الرّب الكبيرة وبعض الشروط الأخرى، أن تتحسن مكانتها كما يقول آباء كنيستنا . سيقول أحدٌ، نحن سمعنا أنّه في الجحيم لا توبة، إذًا كيف يمكن أن تنتظر نفوس البشر التي ماتت تحسُّن مكانتها؟ في البداية يجب أن نقول إننا كلّنا نؤمن برحمة اللّه العظمى. اللّه الجزيل التحنن والمحبّ البشر والكثير الرحمة الذي لا أحد ولا شيء يحدّه. نعرف من شهادة الرسول بطرس، في رسالته الجامعة ” أن ربنا في الثلاثة أيام التي مكثها في القبر، أي من صباح الجمعة العظيمة حتى صباح الأحد، نزل إلى الجحيم وهناك كرز للناس المضبوطين منذ الدهر ببشارة الخلاص والفداء. من قبلوا من هؤلاء كلمة الرّب فهم خلصوا، مع أنّهم في الجحيم. طبعًا، هذه الحالة تتعلق بالبشر الذين قد عاشوا قبل المسيح، وبالتالي بمن لم يحصلوا على فرصة أن يسمعوا تعليم الانجيل من فم الرّب أو الرسل القدّيسين. أكثر آباء كنيستنا يتكلّمون على عمل الرّب هذا بأنّه حدثَ مرةً واحدة ولن يتكرر مرة أخرى، لكن هناك آراء أخرى تستند إلى أنّه غير منطقي أن تتكرر هذه الكرازة لهؤلاء الذين في الجحيم، لكنّها ستتوجه قفط للذين لم يسمعوا في حياتهم هذه مطلقًا عن يسوع المسيح وعن بشارته. هؤلاء الناس من المعقول أن يُعطوا قبل أن يُدانوا بالمجيء الثاني إمكانية سماع كرازة المسيح كما نحن سمعناها. إن يؤمنوا يعتبر اللّه هذا التحوّل وإلاّ دينوا كمن لم يتوبوا إذ بقوا على حالهم.

نقدّم هنا رأي أحد أساتذة اللاهوت(السيد ذيوفونيوتي)، الذي علّم في بدء عصرنا: “ليس من إنسان عاقل يستطيع أن يشرح لماذا تمّت البشارة مرّة واحدة في الجحيم. وبحسب رسالة القدّيس بطرس “لأنّه لأجل هذا بُشر الموتى، أيضًا لكي يُدانوا حسب الناس بالجسد ولكن ليحيوا حسب اللّه بالروح”[xiv]، في هذا المقطع إمكانيّة الكرازة بالانجيل، لكلّ الذين لم يسمعوا على الإطلاق ببشارة الرّب على الأرض”. وبالتالي لانتكلّم على الخاطئين وغير التائبين دون استثناء، بل نتكلّم على أولئك الذين لم يسمعوا على الأرض شيئًا عن المسيح وعن بشارته. ندرك جميعنا أنّ مثل هؤلاء موجودون سواء أعاشوا في مكان بعيد لم يصل إليهم الرسل ليحدّثوهم عن المسيح، أم هم أناس متوحدّين منعزلين لم يسمعوا عن المسيح شيئًا على الإطلاق.

إنَّ كنيستنا  لا تتوافق مع النظرية البابويّة عن المطهر بقولها: “يحقّ لنا أن نوجه من أجل الراقدين على الإيمان طلبات وذكرانيّات إلى اللّه”. وبالتالي فالصلوات والذكرانيّات التي نصنعها في الكنيسة، تفعل فقط في من آمنوا بالمسيح ولأسباب لا تتعلق بإرادتهم لم يقدروا أن يعترفوا بخطاياهم، بينما كانوا يريدون ذلك، وكلّ الذين لم تعطَ لهم الفرصة أن يُظهروا توبتهم بتقدمهم إلى سرّ التوبة والاعتراف.

يدّعي اللاهوتيّون المتكلّمون بالعقائد في كنيستنا، أنّ النفوس الخاطئة، أيّ نفوس الذين ماتوا في الخطيئة غير تائبين، تستفيد من طلبات كنيستنا وصلواتها. يكتب في هذا الخصوص الاستاذ (أندرياس ثيودورس) أنّه: “لاتستطيع الطلبات والذكرانيات التي تقام أن تخلّص النفس غير التائبة، التي في المرحلة الوسطى والموجودة في غرفة انتظار الجحيم تتعذب بحسب الدينونة التي فرضها اللّه عليها”. فإذا كنا نهتم بأخصّائنا الذين رحلوا عن هذه الحياة، نسأل هل آمنوا بأنّ المسيح هو اللّه وهو الفادي؟ ربما رحلوا متمسكين بعدم إيمانهم، غير تائبين، دون أيّ رجاء برحمة اللّه! لكن أيُّ إنسان يستطيع واثقًا أن يحكم على أحدٍ ما بأنّه كان غير مؤمن أو رجل غير تائب؟ اللّه وحده يعلم ما بداخل نفس كلّ شخصٍ، ذاك وحده يعرف المرء إن كان مؤمنًا أم ملحدًا. مرات كثيرة نخطئ الظن بأحد ما بسبب حركة منه أو تصرف ونقول أنه كذب علينا. كنيستنا لا تعرف داخل نفس كلّ إنسان، لكنها شفوقة تعتني بأولادها، تصلّي وتقيم الذكرانيّات لجميع الراقدين مُودعة بيديّ اللّه تحسّن كلّ إنسان عالمة أن كلّ الذين ماتوا هم في حالة انتظار وبالتالي ينتظرون دينونة اللّه الأخيرة، لكن من بعد هذا يجب أن نعرف واثقين باللّه وأن لا نحل مشاكلنا بعيدًا عنه. فحالة الانتظار هذه هي الميّزة الثانية للحالة الوسطى.

تذوق الحياة الآتية

الميزة الثالثة للحالة الوسطى هي تذوّق مسبق سواء للمكافأة أم للنار. أيّ إنَّ الدينونة الجزئية التي تصير بعد موتنا تعطي النفوس إمكانيّة أن تتذوّق فرح المكافأة التي ستعطى بعد المجيء الثاني أو ألم العقاب الذي تنتظره. يؤكّد لنا القدّيس أثناسيوس الكبير أنّ الأناس الأبرار بعد موتهم يتذوّقون “بعض المُتع”، أما الخطأة “من بعض العذاب”. أب كنيستنا نفسه يشرح لنا ماذا تعني عبارتا “بعض التمتّع”، و”بعض العذاب”.

يدعو الملك أحداً لعشائه ويقول له: “يافلان، مساءً أنتظرك أن تأتي إلى القصر حيث سأهيئ عشاء”، الإنسان الذي تلقّى هذه الدعوة من اللحظة التي دُعي فيها إلى حين ذهابه إلى القصر ليتعشى مع الملك يشعر بفرح وارتياح داخليين، ويترقب متى ستحين الساعة ليذهب إلى هناك ويشعر بهذا المجّد والشرف، أن يُجالس الملك على المائدة نفسها. هذه هي الحالة الأولى حيث يتذوّق الإنسان الفرح.

من جهة أخرى، إذا فعلت شيئًا سيئًا وأُوقفت لوقتٍ، وكنت مُزمعًا أن تمثلَ أمام القاضي الذي سيحاكمك، فهم سيسجنونك في معتقلٍ ويقولون لك: “يستوجب أن تنتظر اسبوعًا ليأتي القاضي لأنّه غائب”. في هذه الفترة التي تتوسط الساعة التي أُوقفتَ فيها إلى الساعة التي ستظهر فيها أمام القاضي لتسمع العقاب، تشعر بحزن، أيّ تتذوّق مسبقاً المصيبة الآتية. هذا التذوّق المسبَق يتنوّع حسب الحالة. يقول القدّيس باسيليوس الكبير: “استمتاع الأبرار ستكون بدرجات مختلفة، وسيكون بمستويات مختلفة، أيّ أنّ اللّه سيشرّفهم كثيرًا، وآخرين قليلاً، لأنّ نجمًا يختلف عن آخر بالتألق والمجّد كما يقول الكتاب المقدّس. يقول القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ: “نفوس الأبرار تتأمل وتتذوّق مسبقًا الغبطة”.

القدّيس الفيلسوف ايوستينوس الشهيد يتكلّم على هذه النقطة: “تمكث نفوس الأبرار في أفضل مكان، بينما تمكث نفوس الخطأة في أسوأ مكان في انتظار الدينونة العظمى التي ستلي”.

قيامة الأموات العامة

قيامة الأموات العامة هي عقيدة إيماننا، نقولها في دستور الإيمان “أترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي”. في حياتنا هناك أربعة أطوار. الطور الأول: هو حياتنا على الأرض. الطور الثاني: هو ما بعد موتنا والمسمى الحياة الموسطى. الطور الثالث: هو الحياة بحسب أجسادنا الناهضة من الموت. الطور الرابع: هو حياة الدهر الآتي، عندها يبدأ سرّ “اليوم الثامن”.

لكن إذا كان أحدٌ يشك بقيامة الأجساد، فيتوجب أن نقول إنّ هذه القيامة لاشكّ حادثة لأنّ هذه العقيدة قالها فم ربنا الصادق. وبحسب الانجيلي يوحنا “الأموات سيسمعون صوت ابن اللّه والسامعون يحييون”[xv]، يقول إنّهم سيسمعون صوت المسيح وسيحييون كلّهم. السيد نفسه يُكمل “لاتتعجبوا من هذا. فإنّه تأتي ساعة يسمع جميع الذين في القبور صوته فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة”[xvi]، أقوال ربنا هذه تتكلّم على قيامة الأجساد التي ستحدث عندما يُسمع صوت يسوع المسيح.

إنّما يعبّر الرسول بولس أيضًا عن الحقيقة نفسها، فيقول لنا “سيبَوق، فيُقام الأموات عديمي فسادٍ”. يتكلّم الرسول على نغمة الملاك، الذي يشير إلى قيامة الأجساد المائتة، حيث أنّ الأموات سينهضون بلا فساد. ولكن الذين يشكّون بإحياء الأجساد المائتة وخاصة المضبوطين منذ الدهر. هناك رؤيا للنبي حزقيال، إذ يوصّيه اللّه ليعظ العظام العارية، فلوقت الوعظ تستخدم العظام جسدًا ونفسًا، وتحيا وتقوم.

صحيح أيضًا أنّه قبل الحضور الثاني الذي يسبق قيامة الأجساد، تقدَّم الأجساد والنفوس معًا أمام القاضي العادل لكي يأخذا الجواب عن الحياة التي عاشاها معًا، وهذا كما قلنا، لأنّ الإنسان ليس نفسًا فقط، ولا جسدًا فقط. بل هو نفس وجسد. يخبرنا الرسول بولس بوضوح أنّنا سنوجد أمام الحاكم بجسدنا، ليعطى لكلّ واحد منا الحكم عما ما فعل. عاشا معًا جسدًا ونفسًا، ومعًا سيتمتّعان بالفردوس أو سيُقادان إلى الجحيم.

يسأل البعض: كيف أنّه من الممكن أن تصبح هذه القيامة، عندما يكون الجسد قد انحلَّ منذ زمن طويل؟. هذا الجسد سيُقام، لأن جسد المسيح قد قام. ربنا ليس غريبًا مثلنا. الكتاب المقدس يصفه “كبكر كلّ خليقة”[xvii]. هذا يعني أنّ كلّ ما يحدث في المسيح، يجب أن يحدث لنا أيضًا. لأنّ المسيح هو النموذج وإجمال كلّ حياتنا. ربنا هو رأس جسدنا ونحن الأعضاء، فما دام الرأس قد قام، فسيقوم كلّ الجسد أيضًا. سنقوم، ليس بأنفسنا كما حدث بقيامة الرّب، بل سنقوم عندما يُسمع صوت الرّب.

يقول القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم: “إذا لم يقم الجسد، حينئذٍ لن يقوم الإنسان، لأنّ الإنسان ليس نفسًا فقط، هو نفس وجسد. إن تَقُم النفس يَقُم نصف الإنسان لا كلّه.

قيامة الأجساد أعجوبة، ستكون أعجوبة بقوة اللّه. وكما أنّ البذرة تبذر في الأرض بالفساد، هكذا أيضًا جسدنا يُبذر بالفساد، دُفن وانحلَّ في الأرض ويجب أن يقوم ويرتفع بعدم الفساد.

ستحدث هذه القيامة، كما يقول اقليمس الرومي، سواء تشتتنا في البحر، أم في اليابسة، أم قد قطعتنا الوحوش والطيور الجارحة، سينهضنا اللّه بقوته، لأنَّ كلّ العالم يوجد في يده.

1-واجباتنا تجاه الناس الراحلين

ساعة الموت هي خبرة اقتناها أناس أقلاء الذين عاشوها في ذواتهم ولم يعودوا حاضرين بيننا. لكن بمقدار اقتراب ساعة الموت، تنتج واجبات محددّة، علينا جميعًا أن نقوم بها تجاه إخوتنا المسيحيين الذين ماتوا. ولكن بما أنَّ هناك بعض الالتباسات حول هذا الموضوع، سنتكلّم على الواجبات التي علينا إتمامها عندما تقترب ساعة وفاة أحد أخصّائنا. طبعًا نحن لا نتكلّم هنا على عنايات طبيّة واهتمامات نعتبرها معروفة لدى كلّ واحد منا، كيف ينبغي أن يتصرف. نتكلّم بشكل خاص على الواجبات المسيحيّة المفروضة علينا تجاه الناس سواء كانوا أقرباءنا أم أصدقائنا الذين ينبغي أن نزودهم بالوسائل الروحيّة الضروريّة من أجل أن يتهيأوا لسفرهم الأبدي الكبير.

قبل كلّ شيء علينا أن نأخذ بعين الاعتبار، أنَّ كنيستنا عندها سرّ الزيت المقدس، الذي بوساطته يتم استدعاء نعمة اللّه على الناس وخاصّة على الذين يُعانون من مرضٍ ما. من خلال مواظبتنا على خدمة سرّ الزيت المقدس عالمين أنّ الصلوات التي تُقرأ تتعلّق قبل كلّ شيء بأمراض النفوس ومن ثم بأمراض الأجساد. وبالتالي من واجب كلّ مسيحي يهتّم بحالة نفس المريض وخلاصه، وخاصّة مع اقتراب ساعة موته- هذا لا يعني أنّه لا ينبغي ولا يتوجب الاهتمام به في ظروف أخرى- أن يعتني بإقامة سرّ الزيت من أجل المريض. من المُعتاد بشكل خاص أن تقام خدمة الزيت المقدّس بالقرب من سرير المريض من أجل تقويته، وبنعمة خاصّة لغفران خطاياه وراحته من مغبّات الأمراض.

2-التوبة والاعتراف

عندما نريد أن نساعد الإنسان الذي يقترب من نهاية حياته، علينا أن نتكلّم معه على ضرورة التوبة والاعتراف. كثُرٌ هم لسوء الحظ يرحلون من هذه الحياة دون أن يهتّم أحد بحالة نفوسهم وخلاصها. يعتقد البعض أنّهم يقومون بواجباتهم المفروضة عليهم تجاه الذين يحبّونهم وذلك بأن يَضمنوا لهم موتًا بالقرب من الأطباء وفي المستشفيات والمستوصفات.

لا يهتم هؤلاء مطلقًا بحالة سواهم النفسيّة، أيّ كيف هي حال نفوسهم، فيما إذا كانوا متصالحين مع اللّه، أم إذا كانوا تائبين عن خطاياهم التي ارتكبوها. وكثيرون يعتقدون بخرافات وأباطيل، أنّهم إذا تكلّموا مع الإنسان المُحتضر سواء على الاعتراف أم على المناولة الإلهيّة فهذا سيسرِّع موته أو سيرعبه وسيجعله في ارتياب من أن حالته الصحيّة ليست حسنة. بهذا التفكير، يفضّل هؤلاء الناس ترك أقرباءهم دون دعم روحي من أسرار الكنيسة، وهكذا يرحل هؤلاء المرضى وهم في عدم استعداد نفسي. يعلن هذا التصرف عن غياب المحبّة الحقيقيّة تجاه الأشخاص الذين نقول إننّا نحبّهم. تتوجب المحبّة الحقيقيّة أن تهيئ التربة بشكل صالح بحيث أنّ هؤلاء الناس يشعرون بحاجتهم للتوبة عن الخطايا التي ارتكبوها في حياتهم، ويبادرون إلى سرّ التوبة والاعتراف.

طبعًا، خدّام اللّه يساعدون في هذه الحالة لأن لديهم المعرفة عن معنى التوبة ولكن قبل كلّ شيء نعمة اللّه هي التي تساعد، والتي تفتقد الناس حتى بالقرب من سرير موتهم، وتُلهمهم الثقة باللّه، والإحساس بخطاياهم لحالتهم الخاطئة أو حاجتهم للتوبة والاعتراف. يقصّر أولئك الناس كثيرًا عندما يخفون بهدف ما ضرورة الاعتراف. كان ينبغي أن يؤكّدوا أنّها حاجة ملحّة، أن يقولوا بعض الكلام باسلوب مناسب للأشخاص الذين يستعدّون للرحيل الكبير، فيما يتعلق بترتيب حساباتهم الروحيّة مع اللّه، ومع القريب ومع أنفسهم.

تصبح الحاجة ماسة وأكثر إلحاحًا عندما تتعلق بأشخاص ليست لديهم روحانية ولم يعيشوا ضمن حياة الكنيسة وأسرارها، وبالتالي يجهلون الكثير وهم يرحلون دون تجهيز مناسب واستعداد. فينبغي أن تقال الحقيقة لأخصائنا وأن تُبذل محاولة في اختيار أب روحي مناسب لديه إمكانية أن يتواجد في موضع حيث يمارس التوبة والاعتراف. وهناك أيضًا إقامة القداس الإلهي وقراءة المطالبسي الذي سيساعده.

كيف ستكون الأجساد “الجديدة” ؟

كيف ستكون أجسادنا بعد قيامتنا؟ هذا سؤال مبارك. أستكون كما كانت قبل الموت أم لا؟ الجواب: هو أنّ أجسادنا ستكون نفسها كما هي قبل، لكن مع خاصيّات مختلفة. يُجاوب القدّيس الذهبي الفم على السؤال ويقول: إنّ الجسد سيكون نفسه، ولن يكون نفسه”.

يقول القدّيس مكاريوس: إنَّ جسدنا بعد القيامة سيحفظ طبيعته كما الحديد الذي عندما يحمّى يصبح شديد الاحمرار بدون أن يتوقف عن أن يكون حديدًا.

يعطي القدّيس ثيودورس الموبسوستي صورة أخرى، صورة الرمل والزجاج. فكما نعرف، الزجاج يكوَّن من الرمل، لكن عندما يصبح زجاج، لايكون رملاً بعدُ. إذاً بين جسدنا بعد القيامة وذاك الذي سنحمله بعد القيامة هناك وحدة واختلاف. الاختلاف الذي يجب أن نسجّله هو أنّ الجسد القديم قابل للفساد، بينما الجديد عديم الفساد. هذا سيكون خالدًا بعد القيامة العامة. صورة البذرة التي يستعملها الرسول بولس دقيقة الوصف، تُبذر البذرة في الأرض وبعدها تنحلّ، وتنبت من هذه البذرة ثمرة جديدة تحيا وتنمو، وتكون من طبيعة البذرة المزروعة نفسها. إذا بُذرت بذرة قمح، فقمحًا تنبت، لكنّها أحسن من تلك التي زُرعت. تُبذر بذرة وتنبت مضاعفةً العدد. نستطيع من هذا أن نستنتج الخاصيّات التي سيملكها جسدنا بعد القيامة، الأولى عدم الفناء.          

يُحاول القديس كيرلس الأورشليمي أن يقترب من هذا السرّ، ويستعمل صورة الماء. فللماء خواصّ مادام سائلاً، وتتغير عندما يتجّمد وله غيرها عند التبخّر، بالنسبة لنا هناك تغيير. وبالتالي مادام جسدنا سيملك خاصيّة عدم الفساد فهذا يعني أنّه لن يمرض، ولن يتألم، ولن يكبر، سنملك “عُمرًا” كما يقول تقليد كنيستنا وكما ننشد في تسابيحنا. بكلمات أخرى لن نملك ضعفات كالتي كانت عندنا في هذه الحياة، كالأمراض المختلفة، ولن يكون عندنا أيضًا “الآلام النقية”، كأن نشرب، ونعطش، ونتعب، ونحتاج للراحة، ولن نتألم …..الخ.

الخاصيّة الثانية، خاصيّة الخلود، يعني أّننا سنموت وسنبقى أزليين، مثالنا سيكون جسد المسيح المُقام من بين الأموات. خاصيتنا الثالثة هي تحوِّل جسدنا أو تجلّيه. الجسد الجديد سيكون أحسن وأفضل من السابق، لن يكون له مادة ولا ثقل، ولا حجم، ولن يشغل مكانًا في المكان. مثل جسد ربنا، الذي كان التلاميذ يرونه بعد القيامة، دون أن يمنعه هذا من الدخول إلى الغرفة حيث كان التلاميذ “قد أقفلوا الأبواب”، وأن يمنعه أيضًا من أن يوجد في الوقت نفسه في أماكن مختلفة، كما تؤكد ظهوراته بعد القيامة.

الخاصيّات التي سيملكها جسدنا الجديد هي خاصيّات جديدة. جسدنا هذا سيشترك في مجّد يسوع المسيح القائم من بين الأموات والمرتفع. الرّب لم يرتفع فقط كبكرِ كلّ خليقة، لكنّ جسده القائم أيضًا هذا نقله إلى السموات؛ في يوم صعوده. ولذلك فلعيدِ الصعود السيديّ العظيم معنى كبير بالنسبة لنا، لأنّه يعني مجد جسدنا الدائم بجانب جسد المسيح المُقام إلى مجّد السماء. جسدنا سيكون رائعًا بأوصافه السابقة، ذكرياته الجسديّة ستصبح روحيّة. فالروحانيّة إذّاك هي خاصيته الأخرى. بعدها لن تشغلنا لا مواضيع ماديّة ولا شهوانيّة. جسدنا كجسد روحيّ لن يحتاج إلى الحفظ والغذاء.

على أساس كلّ هذه التي قلناها، في جسدنا المُقام، لوَجب أن ننتهي إلى النتيجة أنَّ مكافأتنا أيضًا؛ أيّ ميراث الملكوت، أو عقابنا أيّ جهنم، سيكون وصفًا روحيًا لا ماديًا. سنمتلئ فرحًا، في حال كنّا مع اللّه، وسنتذوّق  حضور اللّه، أو على العكس ستمتلئ نفسنا من الضغط والحزن. سنعاقب لأنّنا سنكون بعيدين عن اللّه، لن نتمتع بحضوره فينا.

الناس، يقول آباء كنيستنا، سينيرون بحسب مقياس فضائلهم. لذلك أيضًا قال الرّب: إنَّ “في بيت أبي، منازل كثيرة”[xviii]. هذا يعني أنَّ الفردوس أيضًا سيملك ترتيبات محددّة. في مكان هناك القدّيسون الذين أرضوا اللّه، وفي ثانٍ هناك مسيحي آخر. لكن، كلّ الذين في الفردوس، سيشعرون بسعادة مطلقة. يستعمل الآباء  صورة رائعة ليحدّدوا لنا أنّ الكلّ سيشعرون بالراحة. كلّ إنسان سيملك في يديه إناء. في مكان سيكون الإناء أكبر، وفي آخر سيكون أصغر. لكن كلّ الأوعية ستملأ حتى أعلى الشفة.

بعد القيامة سيتابع الحكم العام. “الحكم الشامل” كما نقول. سنظهر بأجسادنا المُقامة ونفوسنا المتحدّة، كما الآن، أمام حياة اللّه الطاهرة.   

الخاتمة

الكلّ سيخلد، لكن يجب أن نخلد بإيماننا الحيّ، عائشين سرّ ملكوت اللّه بدءًا من هذه الحياة. سرّ الافخارستيا الإلهيّة، ليس فقط ذكرى آلام ربنا، لكنّه بالأكثر، حياة الميراث الآتي؛ وملكوت السموات في هذه الحياة، و إذ نحن نعيش في الكنيسة نعيش في الدهر الآتي.

ياليت اللّه يطالب بنا، بقدر ما نعيش في هذه الحياة داخل الكنيسة، لنعش يوميًا حضوره. لنستحق عندما نموت أن نصبح ورثة الفردوس بالفرح الذي لا يفنى، الذي قد حفظه اللّه للناس بالإيمان، والأعمال، والممارسة والفضيلة. إلى الأبد!

آمين.

——————————————————————————–

دمشقيات[i]

دمشقيات[ii]

حكمة سليمان:14:1[iii]

رو. 12:5[iv]

افشين الأنافورا للقديس باسيليوس الكبير[v]

كور26:15[vi]

لو 23:15-25[vii]

مت 22:8 [viii]

1كور. 26:15[ix]

مت. 24:9[x]

عب. 14:2[xi]

كولوسي.15:1[xii]

مز. 21:34[xiii]

1 بط. 6:4[xiv]

يو. 25:5[xv]

يو. 28:5-29[xvi]

كولوسي 15:1[xvii]

يو.2:14[xviii]

نصائح إلى العلمانيين – الشيخ كلاوبا إيليا الروماني

نصائح إلى العلمانيين

الشيخ كلاوبا إيليا الروماني

 

النصائح التالية هي إجابات الشيخ كلاوبا على أسئلة طرحها عليه بعض المؤمنين وسجّلوا إجاباته وملاحظاته.

كيف ينبغي بالعلمانيين أن يقفوا في الكنيسة خلال الخدَم، كيف ينبغي بهم أن يصلّوا، وما هي واجباتهم عند ذهابهم إلى الكنيسة؟

ينبغي على المسيحيين أن يقفوا في الكنيسة بإيمان وخوف الله وانتباه. عليهم أن يرغموا أنفسهم بقدر الإمكان على الصلاة بدون تشتيت وبحسّ في القلب. أيضاً، على المسيحيين الواجبات التالية: أن يذهبوا بانتظام إلى الكنيسة، إذ إن مَن يتغيّب غالباً عن الخدَم، ما عدا المريض، يُمنَع من الأسرار الإلهية؛ أن يتصالحوا مع كل الناس ويطلبوا المغفرة من كل مَن جرحوه؛ أن يحفظوا طهارتهم على الأقل يومين قبل الذهاب إلى الكنيسة ويوماً من بعدها؛ أن يأتوا باكراً إلى الكنيسة ليكون عندهم متّسع من الوقت ليسجدوا بسلام ويسمعوا السحرية. على كل مسيحي أن يقدّم بعض الهدايا للرب بحسب مقدرته، حتى ولو كانت صغيرة، كتضحية من عمل يديه. عليهم أن يعطوا أسماء ليذكرها الكاهن ويقطع أجزاء من التقدمة لأعضاء عائلاتهم، من الأحياء والأموات. على المسيحيين أن يقفوا في الكنيسة باتّضاع وترتيب، الرجال عن اليمين والنساء عن اليسار. عليهم أن يلبسوا ثياباً نظيفة محتشمة، وعلى النساء أن يغطين رؤوسهن بمناديل. ممنوع الكلام خلال الخدَم إلى لحاجة عظيمة. بعد أن يبدأ القداس، على الجميع أن يبقوا كل في مكانه وألا يمشوا ليسجدوا للأيقونات. عليهم أن يتابعوا القداس بانتباه تقي، ويستمعوا إلى الصلوات والترتيل، وقراءة الرسالة والإنجيل والعظة. لا ينبغي بأي كان أن يترك الكنيسة قبل نهاية القداس إلا لحاجة قاهرة. على الذين اعترفوا واستعدوا للمناولة أن يقرؤوا الصلوات المناسبة قبل المناولة مسبقاً، وقبل اقترابهم من التقدمات الإلهية عليهم أن يطلبوا المغفرة من المؤمنين. على الذين تناولوا أن يقرؤوا صلوات الشكر بعد القداس ويقضوا ذلك اليوم في فرح روحي وحفظ للنفس من كل التجارب. على الأهل أن يجلبوا أبناءهم إلى الكنيسة بانتظام، مهتمين بأن يتناولوا جسد ودم المسيح. بعد نهاية الخدم المقدسة، على المسيحيين أن يرجعوا بوقار إلى بيوتهم قاضين نهارهم في التفكير بالأمور الإلهية، وقراءة الكتب الروحية وزيارة المرضى. كما أنهم مطالَبون بإخبار أهل البيت الذين لم يحضروا على الكنيسة بكل ما سمعوا وتعلموا في الكنيسة من الطروبريات والقراءات والعظة. هذه هي أهم واجبات المسيحيين عند ذهابهم إلى الكنيسة في الآحاد والأعياد.

كيف ينبغي بالشباب أن يحضّروا للزواج؟

أفضل تهيئة يمكن أن يقوم بها الشبان للحياة والزواج هي النمو في محبة السيد وتذكره، على ما يعلمنا الرسول بولس، إناء المسيح المختار وفمه. بدايةً، عليهم أن يعرفوا تعاليم الإيمان الأرثوذكسي. عليهم أن يحفظوا عن ظهر قلب دستور الإيمان، وغيره من الصلوات الضرورية. ينبغي أن يكون لهم آباء روحيون صالحون، أن يقرؤوا لكتاب المقدس، والتعليم الأرثوذكسي وغيره من الكتب النافعة للنفس. أيضاً هم مطالَبون أن يحفظوا العفة إلى الزواج في الكنيسة، وإلى ممارسة مختلف أشكال الأعمال الحسنة بحسب قدرتهم، خاصةً الصلاة والحضور بانتظام إلى الكنيسة والصوم والإحسان وطهارة السيرة والطاعة للوالدين والاعتراف، بخاصة في الأعياد الأربعة الكبرى.

هنا ترى كيف ينبغي بكل شاب أو شابة أن يهيء نفسه للسير حسناً في حياته وزواجه. علينا أن نتذكّر أن الزواج هو أقدم سر في الكنيسة، أسّسه الله في الفردوس كذلك. إنه أساس العائلة وكل المجتمع. على الشباب أن يبدؤوا بتهيئة أنفسهم للعائلة منذ طفولتهم. تقع المسؤولية الكبرى على كاهنهم وعرابّيهم وأهلهم.

ينبغي أن يوافق أهل الشابين على زواج ابنيهم، وإلا فلن يكون الزواج سعيداً. أيضاً، يفرض القديس باسيليوس الكبير نفس عقوبة الزنا على الأولاد الذين يتزوجون من دون إذن أهلهم، أي المنع عن المناولة لثلاث سنوات، أو إلى أن يتصالحوا مع الأهل. على الشاب والشابة  أن يحب أحدهما الآخر ويرغبا بالزواج، لأنهما إذا اجتمعا من دون إرادتهما، تحت الضغط من أهلهما أو لمكاسب مادية، لن يدون هذا الزواج.

الخطبة ينبغي أن يتممها كاهن. على الخطيبين أن يعيشا مع أهلهما وأن يحفظا العفة المقدسة إلى أن يتزوجا في الكنيسة. ينبغي أن يعترفا قبل أسبوع أو اثنين من الزواج عند أبيهما الروحي أو كاهن الرعية، مع صوم وصلاة، وأن يستعدا للمناولة المقدسة إذا أعطيا البركة. بحسب التقليد، ينبغي أن يتم الإكليل يوم الأحد صباحاً قبل القداس. ينبغي أن يكون الأشابين مسيحيين صالحين قادرين على التعليم وتوجيه أبنائهم الروحيين على الطريق الحسن. بعد إتمام السر، يقف الشابة والشابة متوجَين في وسط الكنيسة مُحاطَين بالمؤمنين إلى نهاية الخدمة، ويبدأ الكاهن بالقداس ويصلّي كل الحضور معاً من أجل المتزوجَين حديثاً. يقول الأخيران دستور الإيمان والصلاة الربية “أبانا..”. وعندما يعلن الكاهن “بخوف الله وإيمان ومحبة تقدّموا”، يتقدّم الزوجان إلى الكأس المقدسة ويتناولان جسد المسيح ودمه، ببركة أبيهما الروحي. بحسب التقليد الأرثوذكسي القديم، بعد نهاية القداس الإلهي، يذهب المتزوجان حديثاً إلى بيتهما ومعهما الكاهن والجوقة وكل الشعب. هناك يأكلون ويحتفلون برصانة ولياقة، لمجد الله، وكما يليق بالمسيحيين. إذا كان العروسان قد تناولا فيحفظان طهارتهما إلى مساء اليوم التالي، احتراماً للأسرار المقدسة.

هذا هو التصرف اللائق بالذين يتزوجون، بحسب الترتيب الذي وضعه آباء الكنيسة الأرثوذكسية القديسين. لكن واحسرتاه، ينتهك أغلب المسيحيين هذا الترتيب في أيامنا، بما يؤول إلى عقابهم بسبب خطاياهم. إن الذي يتممون قوانين الزواج المسيحية يكسبون بركة الله ويحيون حياة عائلية هادئة، متقدمين في كل شيء؛ فيما الذين يخالفون هذا الترتيب يمضون حياتهم في تجارب كثيرة. بحسب القانون الكنسي، لا يمكن إقامة الأكاليل في السبت مساءً. كثيرون يتزوجون من أجل الكسب، للحصول على هدايا وأموال كثيرة، محوّلين سر الزواج الذي رسمه الله في الفردوس، إلى مناسبة للزنا والخزي وخسران النفوس. يرتكب الشباب أيضاً خطيئة عظيمة عندما يتزوجون في الكنيسة فقط أمام أعين العالم وللتمتع الجسدي، وليس لإنجاب الأولاد، وعندما يتزوجون خلال الأصوام حين تكون الأكاليل ممنوعة.

أيستطيع مسيحي فاضل أن يخلّص عائلته بقداسة حياته؟

وكيف لا يستطيع؟ بقدر ما يزداد عدد المسيحيين الفاضلين في العالم، في بلد ما، في جماعة ما، تزداد مناعة هذا البلد أو الجماعة من الأخطار والحروب والاضطرابات والمجاعات ومختلف أنواع الشر. من جهة ثانية إذا قلّ الفاضلون تصير ضربة الله العقابية أكثر شدة. سأل أحدهم أحد القديسين: “أيستطيع رجل أن يخلّص مدينة؟ فأجاب القديس: “يستطيع، والنبي داود هو مثال. اسمع ما يقوله الله: من أجل داود عبدي، لن أتخلّى عن مدينة أورشليم”.

أيها الأب كلاوبا، لقد تشاجرت مع أحدهم ومن ثم طلبت منه المسامحة عدة مرات، لكنه يرفض أن يسامحني. ماذا أفعل لأتصالح معه؟

لا تَقُلْ له أي شيء إضافي، ولا تحكِ عنه بالسوء أمام الآخرين، بل صلِّ لله من أجله وسامحْه من قلبك. مع الوقت يخمد الغضب مثل النار التي تلتهم الأدغال.

ماذا تقول أيها الأب كلاوبا، هل التدخين خطيئة؟

لم أقرأ في الكتاب المقدّس “لا تدخّنْ” بل قرأت “لا تُدِنْ”. مع هذا، التدخين خطيئة.

بأي ناموس سوف تُدان شعوب الأرض؟

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيسّا أن الناس سوف يُدانون بحسب أربع نواميس أمام كرسي المسيح: 1. الذين عاشوا منذ آدم إلى إعطاء الناموس على جبل سيناء، سوف يدينهم المسيح بحسب ناموس الضمير، الذي يُعطى للإنسان عند مولده وهو المعروف بناموس الأخلاق الطبيعي. من خلال الضمير الذي هو صوت الله في الإنسان، يعرف كل إنسان ما هو الجيد وما هو السيء. هذا هو القانون الذي به كان العالم محكوماً إلى زمان موسى. 2. الناموس الثاني الذي به سوف يُدان الذين عاشوا قبل المسيح وكل الذين لم يعرفوه هو ناموس الخليقة كلّها التي هي دائماً أمامنا وتخبرنا بأنها خُلقَت بشكل معجز من إله غير منظور هو الله. يقول القديس باسيليوس: “الخليقة المنظورة هي مدرسة كل النفوس العاقلة والكتاب غير المكتوب لكل الجنس البشري”. 3. الناموس الثالث، الذي به سوف يُدان اليهود وحدهم، هو ناموس موسى المكتوب الذي أُعطي له على جبل سيناء. 4. الناموس الرابع هو ناموس النعمة، أو الإنجيل، الذي أعطي لنا من المسيح، والذي به سوف يُدان كل المسيحيين. كلّ مَن ينكر معموديته يكون مرتدّاً، وفي يوم الدينونة الأخير سوف يكون عقابه أكثر قساوة من عقاب الوثني الذي لم يعرف المسيح.

التهاون، عدو الأرثوذكسي الذي لا ينام – مختارات من حديث مع الأب كلاوبا إيليا الروماني

التهاون، عدو الأرثوذكسي الذي لا ينام
مختارات من حديث مع الأب كلاوبا إيليا الروماني

نقله إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

التهاون هو متآمر رهيب ضد حياتنا، وقد أنزل بنا الأذى مرّات كثيرة، وعلينا ألاّ نكفّ عن اعتباره أكثر أعدائنا حقداً. ما يجعلنا مُلزَمين بالكلام عن هذا العدو هو حماسة الشيخ لحماية المؤمنين منه، من خلال ما اكتسبه من خبرة عميقة في طرقه الماكرة المعقّدة التي بها يشوّش ضحاياه ويربكهم.

يُعرَف التهاون بلغة الآباء أيضاً بالإهمال والكسل، وكل هذه التعابير تعني الشيء نفسه: الموت الروحي. لن نخوض في ما قاله الآباء عن هذا الوباء، ما عدا أنّه من بين الأهواء الثمانية الرئيسية التي تشكّل عيوباً شاملة. ما يلي هو بعض المختارات المساعِدة من خبرة الشيخ وهي ذات فائدة، خاصّة لجيلنا.

عند سؤال الشيخ عن السبب الرئيسي لفشل الإنسان في بلوغ هدفه الروحي، كان جوابه: التهاون. وقد سؤِل مرةً كيف يرى الآباء السبب في الغرور، فأجاب: “نعم، فهذا يتآمر علينا أيضاً، لكن ليس جميعنا، فقط الذين يخدعهم. وأيضاً لا يتأثّر به إلا قليلون، لأن الغرور يفسد الكنوز التي كدستها، أمّا التهاون فلا يتركك تجمعها. التهاون هو مثل الجفاف حيث لا ينمو شيء. الغرور يؤذي مَن عنده ثمار، والذي قد أحرز بعض التقدّم. بينما التهاون يؤذي الجميع، لأنّه يعترض سبيل الذين يرغبون بأن يصنعوا بداية، ويوقِف الذين تقدّموا، ولا يترك الجاهل يتعلّم، ويحول دون عودة الضالّين، ولا يسمح للساقط بالنهوض. بشكل عام، الإهمال يملي الهلاك على كل الذين يحتجزهم”.

“بحجة الحاجات الجسدية والإرهاق من الجهاد، يصوّر هذا المخادع نفسه جديراً بالثقة، وكمادة موصِلة، ينقلنا الفتور ويسلمنا إلى محبة الذات، وهي العدو الأكثر شمولاً. وحدها النفس الشجاعة الثابتة في الإيمان والرجاء بالله تقدِر على الإطاحة بهذه المؤامرة. إلى هذا، من الصعب لغير المختبِر أن ينجو من هذه الشباك. إنها محنة عظيمة للذين يحيون منفردين والذين يتلافون الحياة المنظمة، حيث أنه عاجز عن إيذاء الذين في الطاعة ومَن عندهم فروض لإتمامها”.

“يبدأ التهاون بالقنوط والجبن وانسحاب النعمة الطويل المدة. إنه ينشأ من تطبيق التدبير على بعض العيوب أو الضعفات المفتَرَضة، وينتهي في الجحود الكامل والوقاحة والعقوق. بالنسبة للذين يحيون كهدوئيين، إنه يبدأ من إهمال القانون والترتيب في حياتهم، وينمو إذا لم يتلقَّ العناية الضرورية في الوقت المناسب. أمّا عند الذين يحيون مع آخرين، فإنّه يبدأ بالكلام البطّال والاغتياب”.

وكدواء للإهمال، نصح الشيخ بالدواء الأخروي (الإسخاتولوجي) بالشكل المتصاعد والنازل: الثواب والعقاب، الملكوت والجحيم؛ وأيضاً بتذكّر الذين جاهدوا. إن وسائل النعمة ضد الإهمال هي الصلاة، الدموع والإيمان. وأيضاً، يروي الشيخ أمثلة كثيرة من سيَر المحاربين الروحيين السابقين الذين ضلّوا من الإهمال وخسروا ما حققوه من التقدم الروحي الذي بلغوه بالغيرة العظيمة والجهد النسكي. كان الشيخ يقول: “برأيي، الأهواء الأخرى التي يقع يقع بها المجاهدون الروحيون هي تعقيدات قلة الاهتمام، لأن هذا يأكل انتباهنا وبالتالي يفتح الطريق للأهواء ذات القرابة المترابطة، وهذه تأسر البشر”.

في الصباح عند النهوض من النوم كان ينادي: “لا تكونوا كسالى أيها الفتيان لئلاّ تقعوا في أيدي اللصوص”. وقد كان ينظر إلى الانشغال التافه كإهمال، لأنّه آمن بأنّ هذا أيضاً قد يقود الإنسان إلى العبودية. كما يقول داود “لاَ يَدَعُ رِجْلَكَ تَزِلُّ. لاَ يَنْعَسُ حَافِظُكَ.” (مزمور 3:120)، وأيضاً “لَوْ لَمْ تَكُنْ شَرِيعَتُكَ لَذَّتِي، لَهَلَكْتُ حِينَئِذٍ فِي مَذَلَّتِي” (92:118).

سؤل الشيخ مرةً: كيف يجد المسيحي الهدوء للصلاة فيما هو يعيش في جلبة المدينة وضوضائها؟ فأجاب: علينا أن نحاول الحصول على الهدوء قدر الإمكان! علينا ألاّ نكون كسالى لأن الإهمال هو الخطر الأعظم على نفس كل إنسان. هذا يعني أنّك بلا رحمة على نفسك، ولهذا أنت في خطر روحي كبير. ألم تنهِ قانون صلاتك؟ يخبرك التهاون “لا يهمّ”. أنت لم تَصُم؟ يشي لك التهاون “لا يهمّ”. أرتكبتَ الزنى؟ ينمّ الإهمال لك: “لا يهمّ”. علينا أن نجاهد قدر استطاعتنا والله سوف يساعدنا على الخلاص. بقدر ما تتعاظم التجارب، تتزايد نعمة الرب ويكبر معها الإكليل. لكن الله لن يسمح بأن نُجرَّب فوق طاقتنا. إذا كنّا أصحاب صلاة ونقاوة في النفس والجسد، تنزل علينا نعمة الروح القدس وكل المصاعب العظيمة تنحلّ. لقد تنبأ لنا الآباء القديسون عن هذه الأوقات الصعبة”.

طرح أحد التلاميذ مرةً هذا السؤال على الشيخَ: “أبونا، أنظرْ، نحن عاجزون والعدو يحاربنا. إذا كانت الحال على ما هي عليه الآن، كيف ستكون في الزمان الأخير؟” فأجاب الشيخ: “بُنَي، في الزمان الأخير، سوف يكون الرهبان مثل العلمانيين والعلمانيون مثل العفاريت. لكني أعرف أناساً في وسط بوخارست لكنّهم يحيون حياة روحية وطاهرة”.

المسبحة خواطر راهب من الجبل المقدس (آثوس)

المسبحة

خواطر راهب من الجبل المقدس (آثوس)

نقلها إلى العربية الأب فايز منصور

توطئة

من الواجب تقديم الشكر الجزيل للشيخ الجليل يوسف، رئيس دير كسيروبوتامو Xeropotamou في الجبل المقدس (آثوس)، لأنّه سمح بنقل هذه المقالة التعليميّة حول الخيط المعقود (المسبحة)، والذي نُشر في مجلّة الشهادة الآثوسيّة التي يصدرها الدير.

تمّت الترجمة بعون الله في ١٥ تشرين الأول ١٩٩٦ ذكرى الشهيد في الكهنة لوكيانوس (منير) كاهن أنطاكية، بعد عودتي من زيارة الجبل المقدّس (آثوس) ونيل بركة الصلاة والآباء المُصلّين من أجل خلاص العالم.

إهداء هذه الترجمة إلى روح الأب الروحي المُتقدِّس الراهب الأنطاكي إسحق الآثوسي الذي رقد بالربّ في ١٦ تمّوز ١٩٩٨، الذي نفعني بصلواته وبركته. ليكن ذكره مؤبّداً

المترجم

مقدمة

ليست المسبحة للرهبان فقط بل للعلمانيين أيضاً، وهي لكل نفس مصلّية. ليست المسبحة مثل التعويذة أو التميمة أو الحجاب، التي ترتبط خصوصاً بالسحر أو بالإستقسامات، أو بغير ذلك من الأشياء العديمة الفائدة التي يوزعها السحرة على الناس، يحملونها في اليد أو العُنق، بل هي وسيلة أرثوذكسيّة مقدّسة نقيّة من أجل الصلاة فقط وبواسطتها تُقام الصلاة السريّة. وهنا لا بُدّ من التأكيد على شيء هام وهو أنّه توجد كثير من الكتب عن الصلاة، لكن، لكل قانون صلاة – بالمسبحة أو بغيرها – لا بُدّ للمصلّي، ولئلاّ يقع في الضلال، من أن ينال البركة ويأخذ النصيحة والإرشاد من أبيه الروحي.

الصلاة بالمسبحة على طريقتين:

أولاً: في كل وقت من أوقات الفراغ، وبدون أن يرانا الآخرون أي بعيداً عن أنظار الناس. في الخفاء نمسك المسبحة بيدنا اليُمنى أو اليُسرى ونتابع حبّة بعد حبّة، بصوت خفيض وبدون تشويش، مرددين في داخلنا الصلاة القلبيّة: “يا ربّي يسوع المسيح ارحمني” أو “أيّتها الفائق قدسها والدة الإله خلّصينا”.

ثانياً: في وقت الصلاة الخاصّة، وحسب القانون الذي وضعه لنا الأب الروحي، نُمسك باليد اليسرى ونتلو الصلاة، راسمين وفي ذات الوقت إشارة الصليب بيدنا اليُمنى على كلّ حبّة من المسبحة.

نتمنى لكل الأخوة في المسيح أن يستفيدوا من هذا الكُتيّب الذي هو نتاج جهد وخبرة راهب آثوسي مُقدمين كل التقدير لمسبحته التي علّمنا آباؤنا القديسون مدى فاعليتها في العالم وبين بني البشر.

الأب يوسف الآثوسي

المسبحة

دعونا نقف قليلاً ولننظر الى مسبحة صغيرة، كالتي تُصنع من خيط صوفي أسود في جبل آثوس. إنّما هي بركة أُخذت من مكان مقدّس، مثلها كمثل الكثير من الأشياء الكنسيّة. هي بركة هيأها وقدّمها لنا أخ في المسيح، أو أحد الآباء، الشاهدين الأحياء للتقليد الحي. والمسبحة سوداء اللون، والأسود هو لون الألم، لون الحزن والأسى، وهذا يُذكرنا بأن نكون جدّيين ومجدّين في حياتنا.

لقد تعلّمنا في الكنيسة بأن صلاة التوبة هي بصورة خاصة “صلاة يسوع”، ويمكن أن تجلب لنا الحزن المُفرح، فنشعر بالأسى بسبب الخطايا الناتجة عن ضعفنا وسقوطنا أمام الله وأمام مشاركينا في الإنسانيّة وكذا أمام أنفسنا. لكن هذا الأسى يصبح ينبوعاً للفرح وللراحة في المسيح الذي بدوره يفيض رحمته ومسامحته وغفرانه لكل الذين يدعون باسمه.

المسبحة منسوجة من الصوف الآتي من الخروف “الحمل”. وهذا يُذكّرنا بأننا فعلاً خراف الراعي الصالح يسوع المسيح، ويُذكّرنا أيضاً بحمل الله الرافع خطايا العالم. (يوحنا ١:٢٩).

وبالمقابل فإن الصليب الذي في المسبحة يُحدّثنا عن الذبيحة (الضحيّة) وعن انتصار الحياة على الموت، وانتصار التواضع على الكبرياء والتعالي، وبذل الذات على الأنانيّة، والنور على الظلام. هذه الشعلة وهذا اللهيب يمسحان الدموع من عينيك أو إن لم تمتلك الدموع فيذكرانك بأن تحزن لأنّك بلا حزن.

وفي كل الأحوال، تُذكّرنا باللهيب الصغير الذي يُغلّف اللباس الكهنوتي المقدّس من زمان العهد القديم. هذا يُذكّرنا بالتقليد المقدّس الذي نُمارسه بالمُشاركة عندما نستعمل المسبحة.

المسابح مصنوعة بحسب تقليد ضاع في أعماق الزمان، وربما يكون آتٍ من شكل أولي بدائي بسيط، من تجميع حبات الحصى الصغيرة، أو من بذور النباتات. أو بنقلها من مكان ما أو من وعاء ما الى آخر أثناء تلاوة قانون الصلاة أو ممارسة إحدى السجدات الصُغرى أو الكُبرى. يذكر لنا التاريخ بأنّ أحد الرهبان فكّر بأن يعقد عقداً في خيط وأن يستعمله في قانون صلاته اليوميّة. فأتى الشيطان وحلّ العقد من الخيط فأحبط محاولات الراهب المسكين. عندئذٍ حضر ملاك وعلّم الراهب أن يعقد عقدة خاصّة مُكوّنة من صلبان مُتشابكة (عددها تسعة صلبان). عند ذلك لم يتمكن الشيطان من حل هذه العقد المُتصالبة التي على شكل صليب.

للمسابح أشكال متعددة وكثيرة وبأحجام مختلفة، معظمها فيه صليب مشغول بين العقد أو في طرفها، وهذا يدلّ على النهاية. كذلك توجد إشارة أو خرزة بعد كل عشرة عقد أو بعد كل خمس وعشرين أو بعد خمسين عقدة. وللمسابح أشكال متعدّدة فبعضها مصنوع من خيوط صوفيّة أو حريريّة أو من مواد بسيطة أو فاخرة ثمينة. وبعضها مصنوع من الخرز أو من ورود مجففة من إحدى النباتات المسماة بدموع العذراء.

المسبحة هي إحدى الأشياء التي تُعطى للراهب الأرثوذكسي عند رسامته وقصّ شعر رأسه، وكجندي للمسيح تُعطى له سيفاً روحياً ليُحارب به ضدّ العدو العقلي الذي هو الشيطان. هذا السيف بستعمله مستدعياً إسم سيّدنا وإلهنا ومُخلّصنا يسوع المسيح، ضارعاً إليه وطالباً رحمته في صلاة يسوع “ربّي يسوع المسيح، إبن الله، إرحمني أنا الخاطئ “.

يُمكن أن تُقال هذه الصلاة بشكل مُختصر أيضاً: “يا رب يسوع المسيح ارحمني”. أو تُقال بشكل آخر مُوسّع: “بشفاعة والدة الإله وجميع القديسين أيّها الرب يسوع المسيح ارحمني”. وبمساعدة المسبحة يُمكن أن تُقال صلوات مختصرة أخرى، مثل صلاة العشّار: “يا الله ارحمني أنا الخاطئ” (لوقا ١٨:١٣). أو تُقال صلاة الى والدة الإله: “أيّتها الفائق قدسها والدة الإله خلّصينا” أو “يا مريم والدة الإله تشفّعي فينا”. أو تُقال غيرها من الصلوات السريعة للملاك الحارس والى بعض القديسين بذكر أسمائهم أو الى جميع القديسين: “بشفاعة القديس… أيّها الربّ يسوع المسيح ارحمني” أو “بشفاعة جميع القديسين أيّها الرب يسوع المسيح ارحمني”. والشكل المُعتاد لهذه الصلاة هي: “أيّها الملاك… أو أيّها القديس… تشفع لي”.

وهذا ممكن باستبدال كلمات الصلوات المُختصرة بهذه العبارات، إرحمنا أو تشفع لنا، أو بذكر اسم أو أسماء الأشخاص المراد الصلاة من أجلهم. وعلى الأغلب نستطيع أن نستعمل المسبحة للصلاة من أجل الجميع، وهذا ينطبق أيضاً في الصلاة من أجل الراقدين: “يا ربي يسوع المسيح أرِح نفس عبدك”.

عندما يُمسك الرهبان المسبحة بيدهم، هذا يُذكّرهم بواجبهم: “الصلاة بدون انقطاع” على حسب وصيّة الرسول بولس “صلّوا بلا انقطاع” (تسالونيكي الأولى ٥:١٧). كذلك يُمكن لكلّ واحد منّا أن يحتفظ لنفسه في جيبه أو في أي مكان معيّن آخر، بمسبحة وحيث يستطيع أن يستعملها بكلّ سهولة وتلقائيّة.

من الأفضل، وفي أغلب الأوقات، عليك أن تصلّي سرّياً، في الخفاء، دون أن تجلب انتباه الآخرين. ومن الممكن أيضاً أن نضع المسبحة على السرير فوق رأسنا وفي السيّارة ايضاً، مع صليب صغير أو أيقونة صغيرة، أو على أمكنة مناسبة كمُذكّر لنا للصلاة، وكنوع خاصّ للبركة وكحضور مُقدّس في حياتنا.

الآن وفي عجالة، لنَرَ الهدف الرئيسي الذي عُمِلَت المسبحة من أجله:

الهدف الرئيسي للمسبحة هو مساعدتنا في الصلاة الى الله وقدّيسيه. وعدا عن أنّها مفيدة، فإنّها تُستعمل لتذكيرنا دائماً وبركة لنا، لكن كيف تستطيع هذه المسبحة الصغيرة أن تساعدنا لكي نُصلّي؟

نحن نستطيع أن نُصلّي بدونها ولكنّها في بعض الأحيان تُسرّع مُحاولتنا على التركيز وجَمع النفس، آخذين بعين الإعتبار بعض الطرق التي تكون فيها المسبحة لنا خير مُعين. ففي بعض الأوقات، تكون صلاتنا حارّة ومن السهل علينا أن نُصلّي ولكن في بعضها الآخر يكون ذهننا شارداً، أو في حالة شديدة الإضطراب فتُصبح صلاتنا مفكّكة متقطّعة، من المستحيل علينا عمليّاً أن نركّز على الصلاة! وهذا يحصل بصورة عامّة عندما نحاول أن نحافظ على قانون الصلاة اليوميّة. حيث أنّه في بعض الأيّام تسير صلاتنا بصورة حسنة، وفي أيّام أخرى لا. هذا ما يحصل غالباً، حيث تبدو لنا محاولتنا للصلاة، تقريباً بلا جدوى، ولكن بما أنّنا – كما يُقال –كائنات تقليديّة أي تُحبّ التكرار وتعتاده– يكون من المفيد كثيراً، في هذه الحالة، أن نحدّد ساعة مُنتظمة من أجل الصلاة.

مثلاً في المساء وقبل النوم حيث يكون الوقت مناسباً، يكون من المهم جدّاً أن نُنهي يومنا بالصلاة، وفي الصباح بعد النهوض من النوم يكون الوقت جيّداً كي نبدأ يومنا الجديد بالصلاة. وحسن للواحد منّا أن يُخصّص ساعات من اليوم يستطيع فيها تجميع الذهن للركون والهدوء.

لتكن محاولتنا اتخاذ الصلاة كقانون لحياتنا وليس كحالة استثنائيّة، ولنجعل لنا هدفاً في كلّ يوم، ساعة محدّدة نستطيع فيها أن نجد بعض الهدوء لنركّز ذهننا ونرفع عيون النفس ونعلّقها بالله. وكجزء من هذا القانون، ربّما نقوم بقراءة بعض الصلوات أو أن نُصلّي حتى تصفو النفس بمختلف الطرق. مثلاً بقراءة نصوص دينيّة أو بفحص ومراجعة الحوادث اليوميّة التي مرّت بنا ذلك اليوم وغيرها، (أناسكوبيسيس: بالمعنى الآبائي للكلمة، مراجعة النفس وتفحّص الذات لدراسة الخطايا وتصحيحها والإعتراف بفضائل الله علينا. المترجم).

ولكن الطريقة الناجحة للإستفادة من قانون الصلاة هو أن نردّد صلاة يسوع بتواتر محدّد العدد. هذا العدد ليس من الضروري أن يكون كبيراً، وربما لا يتجاوز الخمسة عشر دقيقة، وأن يكون هذا الوقت قانوناً ليومنا وجزءاً منه مُخصّصاً لله. إنّ حبّات الملح القليلة تُعطي الطعام مذاقاً لذيذاً وهذه الصلاة القصيرة تُعطي حياتنا الروحيّة فرحاً وسلاماً. يُقدّم الكثيرون من الأطبّاء في يومنا الحاضر نصائح عمليّة من أجل الصحّة الجسديّة، وخاصّةً من أجل التغلّب على حالات القلق، مرض العصر القاتل، الذي يتعرّض له إنسان اليوم. لذا من الأفضل أن نسعى لنُهيّء لأنفسنا مثل هذه الفرص الزمنيّة اليوميّة كي نملأها وبتواتر دائم، من كنوز الصلاة الثمينة، هذه الكنوز التي لا يستطيع أحد أن يخفيها، ومن ثمّ نضعها في صناديق ونخبئها كانزين لنُسدّد منها حسابنا الأخير للسماء (متى ٦:٢٠). وإذا أردتَ فحافظ على عدد ثابت من الصلوات كجزء من القانون اليومي، وفي هذا ستكون المسبحة خيرُ مُعين لك في الصلاة والتمرُّس فيها.

يُمكنك أن تردّد عدداً محدّداً من الصلوات وأن تُركّز الذهن والقلب في كلمات الصلاة نفسها عندما تتلفظّها. وعندما تكون قد ركّزت ذهنك في كلماتك، أمسِك وبنعومة فائقة، صليب المسبحة بيدك اليُسرى بين الإبهام والسبّابة، ثمَّ إرسم بهدوء إشارة الصليب وأنت تُردّد بصوت خفيض، صلاة يسوع. ومتى تركّزت أفكارك وذهنك أكثر فأكثر، عند ذلك ربّما لا تعود محتاجاً رسم إشارة الصليب. أو ربما لا تعود بك حاجة لترديد الصلاة بقوّة. لكنّك عندما تجد صعوبة في تركيز الذهن، فارسم إشارة الصليب وردّد الصلاة بصوت خافت كما لو أنّه في داخلك فقط، أي في القلب. وهذا سيساعدك كثيراً لأن تحفظ ذهنك في الصلاة، ومن المُفيد أن تبقى واقفاً ورأسك منحنٍ بشكل متواضع.

البعض يرغبون رفع أيديهم بين الحين والآخر طالبين الرحمة، وآخرون يجدون أنّ الجلوس أو السجود، أي الركوع، بإحناء الرأس يساعدهم كثيراً على تركيز الذهن. هذه الأمور كلّها تتوقّف على الشخص ذاته، وعلى صحّته الجسديّة وغذائه وقوّة جسده. من المهم جدّاً في هذه الحالة أن تبقى بلا حراك وأن تُركّز الذهن على كلمات الصلاة طالما أنت تُردّدها. من الطبيعي والواجب أيضاً أن يتحاشى المُصلّي تجربة الإسراع، العجلة، والضغط. ولهذا السبب فإنّ البعض، وعلى العكس، لا يستعملون المسبحة بل يستعملون الساعة كعداد خارجي لصلاتهم. فباستعمال الساعة يستطيع الشخص أن يُخصّص زمناً مُحدّداً للصلاة بدون أن يُحصي العدد الدقيق للصلوات.

في الحقيقة، إنّ الساعات المُِنبّهة العديمة الصوت هي اختراعات حديثة تحقق الهدف تماماً. بينما الساعات المُنبّهة ذات الصوت الواضح، وذات الجرس القوي نادراً ما كانت مقبولة، وعلى الأخص لم تكن مفيدة للصلاة. أمّا الساعات الإلكترونيّة المُنبّهة فلها قيمة وفائدة تقليديّة. والمسبحة أيضاً هي طريقة عمليّة مُثلى لتعداد السجدات الصغرى والكبرى التي يقوم بها المُصلّي في قانون صلاته، وفي رسم إشارة الصليب قبل الإنحناء ثم لمس الأرض بطرف الإصبع، أو للسجود حتى تلامس جبهتنا الأرض.

هذه العادة قديمة في الصلاة لله وقديسيه ويُمكن للشخص أثناء السجدات الصغرى أو الكبرى أن يرفقها بصلاة يسوع أو بصلوات قصيرة أخرى كما ذكرنا قبل ذلك. إنّ حركة الجسم في السجدات الصغرى والكبرى ربما تُساعد في جعل الصلاة أكثر حرارة، وتُقدّم تعبيراً خارجيّاً عن خضوعنا وتواضعنا أمام الله. كما أنها تطبيق للوصيّة الرسوليّة بأن نُمجّد الله بنفوسنا وأجسادنا: “مجّدوا الله في أجسادكم وأرواحكم، لأنّها هي لله”. (كورنثوس الأولى ٦:٢٠).

كثير من الأشخاص يستعملون المسبحة أيضاً عندما يستلقون على فراشهم قبل النوم، فيرسمون إشارة الصليب أولاً على فراشهم ويأخذون المسبحة بيدهم راسمين إشارة الصليب ويستلقون على فراشهم مرددين الصلاة وبهدوء حتى يخلدوا للنوم. وهذا مهمّ جدّاً ومُفيد أيضاً إذ عندما تستيقظ من نومك والمسبحة بين أصابعك أو بالقرب من وسادتك فإنّها تساعدك على أن تبدأ نهارك الجديد بالصلاة. ولكن أن يُنهي الإنسان يومه السابق بصلاة هادئة هو من الأمور المُفضّلة المهيِّئة لانطلاقة صلاتيّة في يوم جديد، ولكي لا يأتي يوم الدينونة ونحن في حالة عدم استعداد إذا ما أتانا نوم الموت في تلك الليلة. بعض الناس يأخذون المسبحة بيدهم في غير أوقات العمل، مثلاً أثناء ذهابهم الى عملهم أو أثناء سفرهم. ففي أيّة ساعة من النهار وعندما نتذكّر الصلاة خذ بيدك مسبحة صغيرة رفيقة.

إنّ هذه الحركة تربطك بالصلاة التي تصلّيها في كل الساعات وستساعدك على التركيز وعلى الصلاة مرّات عديدة خلال النهار، في أيّ مكان كنت ومهما كنت تفعل. إنّ هذه الحركة هي خطوة كبرى نحو إتمام الوصيّة “صلّوا بلا انقطاع”.

يذكر القدّيس الأسقف أغناطيوس بريانشانينوف، أنّ الصلوات الطويلة في الكنيسة هي فرصة حسنة ومناسبة لكي نُصلّي بالمسبحة، عادة توجد صعوبة في التركيز على كلمات الصلاة التي تُقرأ أو تُرتّل، ويكون من الأسهل على الإنسان أن يُركّز بهدوء على صلاته الخاصّة وربّما تكون هذه الطلبات، الصلوات، من تأليفه الخاص ومرتبطة بحاجة شخصيّة مُعيّنة.

إنّ هذه المقدّمات الصغيرة هي فقط أفكار وخواطر في كيفيّة الإستعمال المُفيد للمسبحة، والأهمّ من ذلك هو كيف يبتدئ الإنسان المؤمن بممارسة الصلاة.

المسبحة لا تُصلّى لوحدها حتى ولو كانت جميلة جدّاً أو ما شابه هذا الإنطباع. إنّها حقّاً أداة تقليديّة مساعدة لصلاتنا وخاصّة لكلّ قانون صلاتي. والشيء الأساسي هو أن نركّز الذهن في كلمات الصلاة وأن نقدّم تضرّعات من كلّ قلبنا الى يسوع المسيح ربّنا وإلهنا. فإذا كانت هذه المسبحة الصغيرة تُساعدك على قول صلاة أو تذكّرك كي تصلّي أو تساعدك بطريقة ما أن تُصبح مصلّياً، عند ذلك تكون المسبحة قد أكملت غايتها وأوصلتك الى هدفك. كما وتكون قد ربطتك أكثر فأكثر وجعلتك أقرب الى المسيح ربّنا وقرّبتك الى ملكوت الله. لأنّ “ملكوت الله في داخلكم” (لوقا ١٧:٢١).

“يا ربي يسوع المسيح ارحمني”.

كلمة ختاميّة

أُريد أن أُؤكّد على أنّ أيّ “قانون” صلاة بالمسبحة أو أيّ قانون آخر “قانون صوم أو غيره” لا بُدّ له بدءاً وتالياً من إرشاد أبينا الروحي، وذلك درأً للانزلاق والضلال، وكما يُعلّم الآباء القدّيسون، الآن أنصحكم كباراً وصغاراً أن تعملوا مسبحة وأن تُمسكوها باليد اليُسرى وترسموا باليُمنى إشارة الصليب وتقولوا مُردّدين صلاة الرب يسوع: “ربّي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ”.

أهيَب بالمسيحيين أن يرسموا الصليب ويُصلّوا المسبحة وأرجوا من مسيحنا أن يُباركها ولتكن لنا كحرسٍ واقٍ.

القدّيس قزما

دليـل الاعتـراف – إعداد أحد آباء الكنيسة الأرثوذكسية

دليـل الاعتـراف

إعداد أحد آباء الكنيسة الأرثوذكسية

 

مقدمة:

هذا الدليل هو مجرد مذكٌرة وُضعت من أجل تهيئة أفضل لسر التوبة والاعتراف. أن يعرف الإنسان نفسه وأن يعمل لخلاصها هو علم كبير، لكن النفس لا ينقذها إلا المخلص الإله الإنسان يسوع المسيح الذي أسّس التوبة والاعتراف كسبيل خلاصي فريد في كنيسته. لذلك لا بد لك أن تقفز فوق كل عائق يمنعك من التوجه إلى كرسي الاعتراف حيث ينتظرك، بحنان، ممثل المسيح، “الكاهن أو الأب الروحي”، الذي يعرف كيف يفهم ويعطف على الخاطئين، إخوته.

لذلك أبعِدْ عنك كلّ خوف وخجل. فلماذا تخاف أو تخجل عندما تتألم نفسك من جراء الخطايا المتنوعة؟ ولماذا لا تخجل ولا تخاف عندما تنتابك أمراض متنوعة؟ بل تبادر مسرعاً إلى الطبيب أو حتى إلى المستشفى لإجراء الاستطباب الفوري.

لا تتشبه بالذين يطلبون من الكاهن أن يقرأ عليهم “أفشين” الحل والمغفرة دون اعتراف سابق. عندما تتصرف على هذا المنوال عن قصد فانك تخطئ وتستهزئ بالله.

تقدّمْ من الاعتراف بإيمان وصدق وكنْ على يقين أن محبة المصلوب سوف تقبلُك وتحررك من الثقل الذي عندك، لأنه يقول “تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”.

أنت والله

v     هل تؤمن بالله؟ بالثالوث الأقدس؟ بألوهية المسيح والروح القدس؟ هل تؤمن بالكنيسة وبأسرارها؟ بوجود الفردوس والهلاك؟

v     هل لديك ثقة بنفسك دائماً؟ هل تؤمن بعناية الله خاصةً في المراحل الصعبة من حياتك؟ أو أنك تيأس وتبرهن عن ضعف في الإيمان؟

v     هل حصل وتذمرت أمام الله في الشدائد، في الأمراض أو في التجارب، فأضعت من جراء ذلك إيمانك وشجاعتك؟

v     هل تؤمن بالتبصير والمندل، بالتنجيم والسحرة، بالمكتوب وتبصير القهوة؟ هل دفعت آخرين ليلتجئوا إلى مثل هذه الطرق؟

v     هل تؤمن بالأفكار المسبَقة والشعوذات وتعتبر من العلامات السيئة ارتجاج الأخشاب، رنين الأذنين، عويل الكلاب، الالتقاء بكاهن؟…..الخ.

v     هل تعتمد على الحظ والنصيب؟

v     هل تصلّي صباحاً ومساءً وعلى المائدة؟ هل تخجل من رسم إشارة الصليب أمام الآخرين، مثلاً في مطعم أو أثناء مرورك بكنيسة؟

v     هل تقرأ الكتاب المقدس أو كتباً روحية أخرى؟

v     هل تذهب كل أحد إلى الكنيسة وفي الأعياد؟

v     هل تتابع القداس الإلهي من البداية حتى النهاية، أو أنك تدخل متأخراً وتخرج قبل النهاية؟

v     هل تحتشم في لباسك، خاصةً عند ذهابك إلى الكنيسة؟ هل تنتبه إلى عدم الضحك وعدم مناقشة الآخرين في الكنيسة حتى ولو أثناء إتمام سر المعمودية أو الزواج؟

v     هل حدث ومُنعتَ أنت وزوجتك أو أولادك أو معارفك من المجيء إلى الكنيسة؟

v     هل تتناول بانتظام أو أنك تتناول مرة كل سنة وبدون اعتراف؟

v     هل تحلف بدون بسبب أو تكذب على قَسَم أعطيته؟

v     هل جدفت على اسم المسيح، العذراء أو القديسين؟

v     هل تصوم، في حالة عدم وجود عائق صحي، الأربعاء والجمعة وفي الأصوام المقدسة؟

v     هل حدث ورميت خارجاً كتباً مقدسة في أماكن قذرة؟

أنت والآخـرون

v     هل تكره أو تعادي أحداً أساء إليك أو شتمك في غضبه؟

v     هل تشك في الآخرين معتقداً أنهم يتكلمون عليك، لا يريدونك، لا يحبونك ولا يتعاطفون معك؟

v     هل تحسد الآخرين وتقلق من تقدمهم، أو نجاحهم، أو جمالهم أو خبراتهم؟

v     هل تغض النظر عن قريبك المصاب أو الواقع في حاجة؟

v     هل أنت كريم مع رفاقك، مستقيم، صادق وعادل؟

v     هل تمارس النميمة على قريبك وتدينه؟

v     هل تستهزئ بالأتقياء الصائمين أو المجاهدين في سبيل حياة مسيحية، وتضحك عليهم؟ وهل تستهزئ بالذين عندهم نواقص طبيعية أو روحية؟

v     هل حدث ونقلت، ولو رغم أرادتك، خبراً ما أو اتهاماً ضد شخص آخر سمعته فآذيت قريبك وأهنته بهذه الطريقة؟

v     هل أدنتَ تصرف آخرين، أعمالهم، ضعفاتهم، زلاتهم في غيابهم حتى وإن كانت صحيحة؟

v     هل لعنت أحداً أساء إليك أو نفسك، أو حتى الساعة التي ولدت فيها، في ظروف صعبة مرّت في حياتك؟

v     هل تمنيت إرسال بعض الآخرين إلى الشيطان؟

v     هل تحترم والديك وتهتم بهما؟ تحتملهما اٍن كانا عاجزين؟ هل تساعدهما في حاجاتهما الجسدية والروحية؟ هل تهتم بذهابهما إلى الكنيسة ومناولة الأسرار؟ هل تخليت عنهما بدون شفقة؟

v     هل ضربت أحداً في غضبك وأهنته بكلامك؟

v     هل دفعت أهلك إلى تسجيل ميراث لك ظالماً بهذا إخوتك؟

v     هل تتمم عملك المهني أو رسالتك بإخلاص؟

v     هل تسرق؟ هل ساعدت أحداً آخراً على السرقة أو على إخفاء السارق؟ أو هل تحتفظ عندك بأمور مسروقة؟

v     هل أنت ناكر للنعمة الإلهية وغير شكور للذين أحسنوا إليك؟

v     هل ترافق أناساً أشراراً أو تسيء السمعة؟ هل دفعت أحداً بالكلام أو بالأعمال إلى الخطيئة؟

v     هل قمت بتزوير؟ هل خالفت قوانين الدولة؟

v     هل استدنت من أحد ولم تسدد الدين؟

v     هل قتلت بأي شكل ما؟

v     هل تدخلّت في حياة الآخرين، أو بأعمالهم، أو بعائلاتهم وسببت نزاعات واضطرابات؟

v     هل ترحم الفقراء، اليتامى، الشيوخ، كثيري الأولاد، أو العائلات الفقيرة التي تعرفها؟

مـع نفــسك

v     هل أنت متعلق بالمادة وبالخيرات الأرضية؟

v     هل أنت محب للمال؟ هل عندك طمع؟

v     هل أنت مبذر؟ هل تؤمن بأن كل ما يفيض عنك يخص الفقراء؟

v     هل عندك حب العظمة؟

v     هل تفتخر بعطائك من لباس، مال، نجاح، ومن علامات ابنك؟

v     هل تفتش عن مديح الناس ومجدهم؟

v     هل تتقبل المديح بسرور وتنتظر من الغير أن يتملقك ويقول أن أفضل منك لا يوجد؟

v     هل تضطرب عندما يكتشفون أخطاءك وهل تتذمر عندما يوبخك رؤساؤك؟

v     هل أنت عنيد، مدّعي، أناني، متكبر ومتفرّد؟ (انتبه إلى خطاياك لأن معالجتها صعبة)

v     هل تلعب بالورق، حتى بدون مال، مع عائلتك أو أصحابك لكي تقتل الوقت كما يقول البعض؟

v     هل دنّست جسدك بخطايا جسدية وكذلك نفسك؟

v     هل تتابع مشاهد رذيلة على التلفزيون أو في السينما أو في الفيديو؟

v     هل تطالع كتبا أو مجلات لا أخلاقية؟

v     هل فكرت مرة بالانتحار؟

v     هل أنت عبد لبطنك؟

v     هل أنت كسول، متهامل، بليد؟

v     هل تتفوّه بكلمات غير لائقة، عدائية، شتائم إما للسخرية أو للشتم أو للاستخفاف بالآخرين؟

v     هل عندك روح التضحية؟

v     هل تطرد من فكرك الأفكار السيئة التي تأتى لتدنس قلبك؟

v     هل تنتبه لنظراتك حتى لا تنجذب وراء الصور أو الوجوه المغرية؟

v     هل تنتبه لأذنيك ولسمعك؟

v     هل تحتشم في لباسك؟ إن كنت امرأة هل ترتدين ألبسة رجالية أو لباساً مغرياً يسبب الشك خاصة في أماكن مقدسة؟ وإن كنت رجلاً هل تسعى وراء حب الظهور؟

v     هل ترقص في أماكن رذيلة؟ أو تغني أو تسمع أغاني طائشة؟

v     هل تسكر؟

v     هل تدخن(بإسراف)؟ إن التدخين يفسد صحتك ويعتبر رذيلة؟!

للمـتزوجـين

v     هل تحافظون على الإيمان الزوجي؟ إنه لرهيب على أحد الزوجين أن يتطلع إلى علاقات تنافي الزواج المقدس!

v     هل أحزن أحد الزوجين الآخر أمام الآخرين أو على انفراد؟

v     ربما لا يحتمل الواحد ضعفات الآخر، هل تظهرون قساوة؟

v     هل تسمح لقرينتك أن تتبع الموضة أو أي مظهر منافي لشريعة الله؟ وهل يدفع أحد الزوجين الآخر لحياة اللهو والسلوى واتباع عادات العالم المؤذية؟

v     هل تفكر بالجهاد الواجب أن يقوم به كل من الزوجين إن كان خارج البيت أو داخله من أجل أن يريح الواحد الآخر نفسياً وجسدياً؟

v     هل تتطرف في علاقاتك الزوجية؟ هل تحترم الإمساك في أيام الآحاد والأعياد والأصوام؟

v     هل يمنع الواحد الآخر من الذهاب إلى الكنيسة أو إلى الاجتماعات الدينية؟

v     هل تربون أولادكم على ناموس الرب ووصاياه؟ هل تهتمون فقط بثقافتهم دون أن تكترثوا إلى نوعية شخصيتهم؟

v     هل تقودون الأولاد إلى الكنيسة، إلى الاعتراف، إلى المناولة، إلى التعليم الديني؟ هل تربونهم بكلام الفضيلة وبعملها؟ بالصلاة صبحاً ومساءً وعلى المائدة بانتباه وتقوى؟

v     هل تنتبهون إلى مطالعاتهم؟ هل تهدونهم إلى الكتب الروحية؟

v     هل تنتبهون إلى نوعية أصدقائهم؟

v     هل تدفعونهم إلى رؤية مشاهد خلاعة، أو تسمحون لهم برؤية التلفزيون بصورة غير محدودة؟

v     هل تعلموهم التواضع واللباس المحتشم؟

v     هل تلعنوهم عندما يعذبونكم؟ أو ترسلونهم إلى الشيطان؟

v     هل تقدمون على الإجهاض وتتحاشون إنجاب الأولاد؟

v     هل ظلمتم الأولاد عند توزيع الميراث؟

v     هل أنتم مقصرون في تغذية أولادكم،في تعليمهم،في تربيتهم عامة وحضوركم معهم؟

v     هل توبخونهم وتزودونهم بكلمات غير لائقة؟

v     هل يحترم كل واحد أهل الجانب الآخر؟ هل يتدخل الأهل في حياتكم الزوجية ويخلقون لكم متاعب؟

v     هل تتدخلون في عائلة ولدكم؟

v     هل يجدف الواحد؟ عندها ليجتهد كل واحد أن يضبط نفسه ويقطع عنه كل كلام تجديف.

دليـل الاعتـراف

إعداد أحد آباء الكنيسة الأرثوذكسية

مقدمة:

هذا الدليل هو مجرد مذكٌرة وُضعت من أجل تهيئة أفضل لسر التوبة والاعتراف. أن يعرف الإنسان نفسه وأن يعمل لخلاصها هو علم كبير، لكن النفس لا ينقذها إلا المخلص الإله الإنسان يسوع المسيح الذي أسّس التوبة والاعتراف كسبيل خلاصي فريد في كنيسته. لذلك لا بد لك أن تقفز فوق كل عائق يمنعك من التوجه إلى كرسي الاعتراف حيث ينتظرك، بحنان، ممثل المسيح، “الكاهن أو الأب الروحي”، الذي يعرف كيف يفهم ويعطف على الخاطئين، إخوته.

لذلك أبعِدْ عنك كلّ خوف وخجل. فلماذا تخاف أو تخجل عندما تتألم نفسك من جراء الخطايا المتنوعة؟ ولماذا لا تخجل ولا تخاف عندما تنتابك أمراض متنوعة؟ بل تبادر مسرعاً إلى الطبيب أو حتى إلى المستشفى لإجراء الاستطباب الفوري.

لا تتشبه بالذين يطلبون من الكاهن أن يقرأ عليهم “أفشين” الحل والمغفرة دون اعتراف سابق. عندما تتصرف على هذا المنوال عن قصد فانك تخطئ وتستهزئ بالله.

تقدّمْ من الاعتراف بإيمان وصدق وكنْ على يقين أن محبة المصلوب سوف تقبلُك وتحررك من الثقل الذي عندك، لأنه يقول “تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”.

أنت والله

v     هل تؤمن بالله؟ بالثالوث الأقدس؟ بألوهية المسيح والروح القدس؟ هل تؤمن بالكنيسة وبأسرارها؟ بوجود الفردوس والهلاك؟

v     هل لديك ثقة بنفسك دائماً؟ هل تؤمن بعناية الله خاصةً في المراحل الصعبة من حياتك؟ أو أنك تيأس وتبرهن عن ضعف في الإيمان؟

v     هل حصل وتذمرت أمام الله في الشدائد، في الأمراض أو في التجارب، فأضعت من جراء ذلك إيمانك وشجاعتك؟

v     هل تؤمن بالتبصير والمندل، بالتنجيم والسحرة، بالمكتوب وتبصير القهوة؟ هل دفعت آخرين ليلتجئوا إلى مثل هذه الطرق؟

v     هل تؤمن بالأفكار المسبَقة والشعوذات وتعتبر من العلامات السيئة ارتجاج الأخشاب، رنين الأذنين، عويل الكلاب، الالتقاء بكاهن؟…..الخ.

v     هل تعتمد على الحظ والنصيب؟

v     هل تصلّي صباحاً ومساءً وعلى المائدة؟ هل تخجل من رسم إشارة الصليب أمام الآخرين، مثلاً في مطعم أو أثناء مرورك بكنيسة؟

v     هل تقرأ الكتاب المقدس أو كتباً روحية أخرى؟

v     هل تذهب كل أحد إلى الكنيسة وفي الأعياد؟

v     هل تتابع القداس الإلهي من البداية حتى النهاية، أو أنك تدخل متأخراً وتخرج قبل النهاية؟

v     هل تحتشم في لباسك، خاصةً عند ذهابك إلى الكنيسة؟ هل تنتبه إلى عدم الضحك وعدم مناقشة الآخرين في الكنيسة حتى ولو أثناء إتمام سر المعمودية أو الزواج؟

v     هل حدث ومُنعتَ أنت وزوجتك أو أولادك أو معارفك من المجيء إلى الكنيسة؟

v     هل تتناول بانتظام أو أنك تتناول مرة كل سنة وبدون اعتراف؟

v     هل تحلف بدون بسبب أو تكذب على قَسَم أعطيته؟

v     هل جدفت على اسم المسيح، العذراء أو القديسين؟

v     هل تصوم، في حالة عدم وجود عائق صحي، الأربعاء والجمعة وفي الأصوام المقدسة؟

v     هل حدث ورميت خارجاً كتباً مقدسة في أماكن قذرة؟

أنت والآخـرون

v     هل تكره أو تعادي أحداً أساء إليك أو شتمك في غضبه؟

v     هل تشك في الآخرين معتقداً أنهم يتكلمون عليك، لا يريدونك، لا يحبونك ولا يتعاطفون معك؟

v     هل تحسد الآخرين وتقلق من تقدمهم، أو نجاحهم، أو جمالهم أو خبراتهم؟

v     هل تغض النظر عن قريبك المصاب أو الواقع في حاجة؟

v     هل أنت كريم مع رفاقك، مستقيم، صادق وعادل؟

v     هل تمارس النميمة على قريبك وتدينه؟

v     هل تستهزئ بالأتقياء الصائمين أو المجاهدين في سبيل حياة مسيحية، وتضحك عليهم؟ وهل تستهزئ بالذين عندهم نواقص طبيعية أو روحية؟

v     هل حدث ونقلت، ولو رغم أرادتك، خبراً ما أو اتهاماً ضد شخص آخر سمعته فآذيت قريبك وأهنته بهذه الطريقة؟

v     هل أدنتَ تصرف آخرين، أعمالهم، ضعفاتهم، زلاتهم في غيابهم حتى وإن كانت صحيحة؟

v     هل لعنت أحداً أساء إليك أو نفسك، أو حتى الساعة التي ولدت فيها، في ظروف صعبة مرّت في حياتك؟

v     هل تمنيت إرسال بعض الآخرين إلى الشيطان؟

v     هل تحترم والديك وتهتم بهما؟ تحتملهما اٍن كانا عاجزين؟ هل تساعدهما في حاجاتهما الجسدية والروحية؟ هل تهتم بذهابهما إلى الكنيسة ومناولة الأسرار؟ هل تخليت عنهما بدون شفقة؟

v     هل ضربت أحداً في غضبك وأهنته بكلامك؟

v     هل دفعت أهلك إلى تسجيل ميراث لك ظالماً بهذا إخوتك؟

v     هل تتمم عملك المهني أو رسالتك بإخلاص؟

v     هل تسرق؟ هل ساعدت أحداً آخراً على السرقة أو على إخفاء السارق؟ أو هل تحتفظ عندك بأمور مسروقة؟

v     هل أنت ناكر للنعمة الإلهية وغير شكور للذين أحسنوا إليك؟

v     هل ترافق أناساً أشراراً أو تسيء السمعة؟ هل دفعت أحداً بالكلام أو بالأعمال إلى الخطيئة؟

v     هل قمت بتزوير؟ هل خالفت قوانين الدولة؟

v     هل استدنت من أحد ولم تسدد الدين؟

v     هل قتلت بأي شكل ما؟

v     هل تدخلّت في حياة الآخرين، أو بأعمالهم، أو بعائلاتهم وسببت نزاعات واضطرابات؟

v     هل ترحم الفقراء، اليتامى، الشيوخ، كثيري الأولاد، أو العائلات الفقيرة التي تعرفها؟

مـع نفــسك

v     هل أنت متعلق بالمادة وبالخيرات الأرضية؟

v     هل أنت محب للمال؟ هل عندك طمع؟

v     هل أنت مبذر؟ هل تؤمن بأن كل ما يفيض عنك يخص الفقراء؟

v     هل عندك حب العظمة؟

v     هل تفتخر بعطائك من لباس، مال، نجاح، ومن علامات ابنك؟

v     هل تفتش عن مديح الناس ومجدهم؟

v     هل تتقبل المديح بسرور وتنتظر من الغير أن يتملقك ويقول أن أفضل منك لا يوجد؟

v     هل تضطرب عندما يكتشفون أخطاءك وهل تتذمر عندما يوبخك رؤساؤك؟

v     هل أنت عنيد، مدّعي، أناني، متكبر ومتفرّد؟ (انتبه إلى خطاياك لأن معالجتها صعبة)

v     هل تلعب بالورق، حتى بدون مال، مع عائلتك أو أصحابك لكي تقتل الوقت كما يقول البعض؟

v     هل دنّست جسدك بخطايا جسدية وكذلك نفسك؟

v     هل تتابع مشاهد رذيلة على التلفزيون أو في السينما أو في الفيديو؟

v     هل تطالع كتبا أو مجلات لا أخلاقية؟

v     هل فكرت مرة بالانتحار؟

v     هل أنت عبد لبطنك؟

v     هل أنت كسول، متهامل، بليد؟

v     هل تتفوّه بكلمات غير لائقة، عدائية، شتائم إما للسخرية أو للشتم أو للاستخفاف بالآخرين؟

v     هل عندك روح التضحية؟

v     هل تطرد من فكرك الأفكار السيئة التي تأتى لتدنس قلبك؟

v     هل تنتبه لنظراتك حتى لا تنجذب وراء الصور أو الوجوه المغرية؟

v     هل تنتبه لأذنيك ولسمعك؟

v     هل تحتشم في لباسك؟ إن كنت امرأة هل ترتدين ألبسة رجالية أو لباساً مغرياً يسبب الشك خاصة في أماكن مقدسة؟ وإن كنت رجلاً هل تسعى وراء حب الظهور؟

v     هل ترقص في أماكن رذيلة؟ أو تغني أو تسمع أغاني طائشة؟

v     هل تسكر؟

v     هل تدخن(بإسراف)؟ إن التدخين يفسد صحتك ويعتبر رذيلة؟!

للمـتزوجـين

v     هل تحافظون على الإيمان الزوجي؟ إنه لرهيب على أحد الزوجين أن يتطلع إلى علاقات تنافي الزواج المقدس!

v     هل أحزن أحد الزوجين الآخر أمام الآخرين أو على انفراد؟

v     ربما لا يحتمل الواحد ضعفات الآخر، هل تظهرون قساوة؟

v     هل تسمح لقرينتك أن تتبع الموضة أو أي مظهر منافي لشريعة الله؟ وهل يدفع أحد الزوجين الآخر لحياة اللهو والسلوى واتباع عادات العالم المؤذية؟

v     هل تفكر بالجهاد الواجب أن يقوم به كل من الزوجين إن كان خارج البيت أو داخله من أجل أن يريح الواحد الآخر نفسياً وجسدياً؟

v     هل تتطرف في علاقاتك الزوجية؟ هل تحترم الإمساك في أيام الآحاد والأعياد والأصوام؟

v     هل يمنع الواحد الآخر من الذهاب إلى الكنيسة أو إلى الاجتماعات الدينية؟

v     هل تربون أولادكم على ناموس الرب ووصاياه؟ هل تهتمون فقط بثقافتهم دون أن تكترثوا إلى نوعية شخصيتهم؟

v     هل تقودون الأولاد إلى الكنيسة، إلى الاعتراف، إلى المناولة، إلى التعليم الديني؟ هل تربونهم بكلام الفضيلة وبعملها؟ بالصلاة صبحاً ومساءً وعلى المائدة بانتباه وتقوى؟

v     هل تنتبهون إلى مطالعاتهم؟ هل تهدونهم إلى الكتب الروحية؟

v     هل تنتبهون إلى نوعية أصدقائهم؟

v     هل تدفعونهم إلى رؤية مشاهد خلاعة، أو تسمحون لهم برؤية التلفزيون بصورة غير محدودة؟

v     هل تعلموهم التواضع واللباس المحتشم؟

v     هل تلعنوهم عندما يعذبونكم؟ أو ترسلونهم إلى الشيطان؟

v     هل تقدمون على الإجهاض وتتحاشون إنجاب الأولاد؟

v     هل ظلمتم الأولاد عند توزيع الميراث؟

v     هل أنتم مقصرون في تغذية أولادكم،في تعليمهم،في تربيتهم عامة وحضوركم معهم؟

v     هل توبخونهم وتزودونهم بكلمات غير لائقة؟

v     هل يحترم كل واحد أهل الجانب الآخر؟ هل يتدخل الأهل في حياتكم الزوجية ويخلقون لكم متاعب؟

v     هل تتدخلون في عائلة ولدكم؟

v     هل يجدف الواحد؟ عندها ليجتهد كل واحد أن يضبط نفسه ويقطع عنه كل كلام تجديف.

في اقتدار شفاعة القديسين – ( القديس جاورجيوس)

في اقتدار شفاعة القديسين

( القديس جاورجيوس)

نقلته عن اليارونديكون اليوناني

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع، دده

 

حوالي عام 1849، ترك الشاب الورع جاورجيوس موطنه كابادوكية، موجهاً طرفه ناحية الجبل المقدس، بغية السجود للأماكن المقدسة والصيرورة راهباً. منذ الطفولية، نمت في قلبه عاطفة خاصة نحو القديس جاورجيوس، وإيمان مطلق بحماية شفيعه الشهيد العظيم.

بعد جولة طالت سائر الأديرة استقر به المقام في دير القديس بندلايمون، حيث طلب الانضمام الى الشركة أسوة بالعديد من مواطنيه، الذين أصبحوا رهباناً فضلاء هناك. قُبل كطالب رهبنة، وأوكل إليه أمر الاعتناء بالقلاية التابعة للدير في كارياس عاصمة الجبل.

تميز راهبنا الشاب بتقوى عميقة، فكان يتمم فروضه اليومية بانتظام واجتهاد، مما حدا بمشيخة الدير أن تقرر منحه الاسكيم الكبير، وذلك بعد سنتين أو ثلاث من قدومه الى الدير. فأبرز نذوره تحت اسم إواصاف، وأُرسل مجدداً الى خدمته السابقة في كارياس.

***  مضت سنوات عدة والراهب إواصاف مجدٌّ في سعيه، يحفظ قانونه اليومي ويشترك في الأسرار المقدسة… إلا أن الإهمال بدأ بعد ذلك يدب الى نفسه شيئا فشيئا دون أن يلحظ هو ذلك. لم يعد يقوم بمتطلبات الحياة الرهبانية، ولا حتى بمتطلبات الحياة المسيحية. ففقد حرارته الأولى وهجر صلاته هجرا كاملا تقريبا، ولم يعد يذهب حتى الى القداس الإلهي ليشترك بالمناولة المقدسة.

مع مرور الوقت، رجع الأخ إواصاف الى نفسه، واشتهى العودة الى سابق عهده. لكنه لم يركن الى مشورة أحد، بل كان ينفذ مشيئته الخاصة صالحة كانت أم طالحة. مما جعل الحزن يعصره، واليأس  يسيطر عليه، ولم يعد يدري أين وكيف يجد مخرجا.

لكن إلهنا الكلي صلاحه، والذي لا يشاء موت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا، فمن أجل نية الراهب إواصاف الحسنة، ومن أجل علاقته الحميمة بالقديس جاورجيوس، أراد أن يظهر له رأفته تعزية له، عله يستعيد نشاطه في ممارسة الفضيلة ثانية. لذا دبر له هذه الرؤيا:

في سنة 1854 كان الراهب إواصاف ما يزال في كارياس في مقر دير القديس بندلايمون. في ذكرى القديس جاورجيوس أقيمت سهرانة للمناسبة في القلاية. بدافع من الكسل والاهمال، ترك الاخ إواصاف الكنيسة قبل نهاية خدمة الغروب وذهب الى غرفته ليرتاح. وفي آخر خدمة السحر، عند ترتيل الذكصولوجيا ( المجد لله في العلى…)، عاد الى الكنيسة وجلس على مقعد في النرثيكس (مدخل الكنيسة )، وشرع يتأمل في سر تجسد السيد المسيح قائلا في نفسه: “إن الله خالق الكل، الذي جبل الإنسان بيديه، قد ارتضى ان يتجسد ويصبح إنسانا، ويُشتم، ويُصفع، ويكابد أفظع ميتة معلقا على الصليب، ويموت كإنسان، ومن ثم ينهض كإله كليّ القدرة في اليوم الثالث. لقد سُرِّ أن يقوم ويحرر الجنس البشري من الهاوية المخيفة، ويُدخله مجددا الى الفردوس، إلى ملكوت السموات. آه يا لها من محبة عظيمة للبشر يبديها الله نحونا “.

فيما هو مفتكر في هذا كله، امتلأ قلبه فرحا واغرورقت عيناه بالدموع. سكنت أفكاره وبدأ ذهنه يتحرك من تلقاء ذاته، فأخذ يردد برغبة جامحة صلاة يسوع بتواتر ( ربي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ ). فشعر في قلبه بمحبة تجاه كل أخ له في البشرية، محبة عظمت جدا حتى شملت الخليقة بأسرها. كما غمر الاتضاع روحه، فتعجب من محبة الله وتنازله الإلهي تجاه بني البشر.. لم يعد الراهب اواصاف يجد له راحة على الأرض، فاشتهى أن يطير ويستريح قرب الله، لأن قلبه قد اشتعل بنار العشق الالهي.

بعد هذا ظن الأخ اواصاف أنه خرج من الكنيسة، فرأى روحه تغادر جسده، ووجد نفسه أمام سهل جميل يمتد الى ما لا نهاية. كما شاهد حشدا من الناس يتحرك في الأفق البعيد. أمعن الراهب النظر فرأى أنهم كانوا كلهم شبانا، ذوي جمال اخاذ يلمعون كالشمس ويسيرون ببطء وانتظام.

“في بيت أبي منازل كثيرة”

امتلأ الأخ اواصاف فرحاً عظيماً، وتعجب كثيراً من وجوده في هذا المكان، وتساءل: ” مُلك مَن يكون هذا البستان الرائع المغروس بالأشجار الجميلة؟ ومن يكون هؤلاء الناس الذين يقيمون فيه؟” فتذكّر القول الإنجيلي “في بيت أبي منازل كثيرة”.

وإذ كان غارقا في تفكيره، اجتاز اولئك الأشخاص وتقدم أكثر فأكثر، فرأى بعد قليل جمعا آخر أكبر من الأول. هؤلاء أيضا كانوا شبانا شجعانا يضيئون كالشمس بثيابهم العسكرية.

لبث الأخ اواصاف هكذا ساعات عديدة يتأمل جمالهم بمنتهى الإعجاب، سابحا في بحر من الغبطة والسرور. إذ ذاك سمع صوتا يقول: ” إن أخانا هذا يبغي الذهاب الى المملكة، وكما تعلمون يجب أن يقوده أحدنا إلى هناك “.

فتقدم واحد من أولئك الشجعان، وكان يمتاز عن رفقائه ضياء، كما يمتاز القمر عن سائر النجوم وقال: ” أنا وحدي سأقود الأخ إواصاف الى المملكة. لأنه يحفظ لي مكانة خاصة في قلبه ويلهج  باسمي ليل نهار “. ثم اقترب ذاك الشاب المتلألئ من الراهب اوصاف قائلا: ” اتبعني لأوصلك الى الملكوت “.

اشتد ذهول الأخ  إواصاف  وتفكر في  نفسه: ” من  يكون هؤلاء

الناس الذين لم أرهم من قبل في حياتي؟ وكيف يدّعون معرفتي؟ إلى أية مملكة سيأخذونني؟ “. واندفع يسأل مرافقه: ” من أكون أنا لأدخل الى المملكة، وماذا سيفعل الملك من أجلي؟ من يكون هذا الملك ومن أين يعرفني؟ “.

فأجابه ذو الطلعة الملائكية: ” يا أخي، كيف تدّعي انك لا تعرف من يكون الملك ومن أكون أنا؟ ألم تعرفني، رغم محبتك الكبيرة لي ودعائك المستمر باسمي؟ قد جئت لأوصلك الى الملك، فهيا اتبعني لنذهب بأسرع ما يمكن الى مملكتنا “.   

دنا الراهب من الشاب وتبعه متحيرا من فيض المحبة والاهتمام الذين يبديهما نحوه، لكنه لم يجرؤ أن يسأله مجددا من يكون بل قال في نفسه: ” لا بد لي من معرفة هويته أخيرا “.

استمر الإثنان مجدّين في سعيهما في ذلك السهل الممتنع وصفه، ولما بلغا نهايته وجدا نفسيهما أمام طريق ضيق وطويل جدا تحيط به الاسوار العالية. كان المكان موحشا، فاضطرب الراهب وارتعدت فرائصه.

علينا دائما أن نتلو الصلاة

لاحظه قائده يرتجف خوفا، فتوجه إليه بوجه بهج قائلا: ” يا أخي، لماذا تسمح للإهمال أن يسودك، ولذهنك أن يتشتت هنا وهناك؟ لماذا لا تثابر على الهذيذ بالاسم الإلهي الذي لسيدنا يسوع المسيح؟ ألا تعرف كم من الخسارة يتعرض لها ذاك الذي يهمل صلاة يسوع، وينسى ان يتلوها مع كل نفس من أنفاسه؟ وكم من الربح يجني ذاك الذي يهذ دائما بالاسم المخلص الذي لربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح؟

إن الانسان الذي يتلو هذه الصلاة يتحرر من الأهواء والخطايا، ويغدو مسكنا للثالثوث القدوس، وهكذا يبلغ الى المحبة التي هي غاية الأماني. وها أنت قد تذوقت جزءا منها، وبصلاح الله عرفت حلاوتها وثمارها الشهية. لمَ تهمل عملك إذا؟ إلى متى ستبقى غارقا في نوم التواني ولا تنهض من سبات الخطيئة؟ تذّكر تقواك وسيرتك الأولى وغيّر سير حياتك. ألم يسبغ الله عليك نعمته لتفهم ما هو الصالح وتتبعه؟ ألم تجعل من العذراء مريم الكلية القداسة وسيطة لك للخلاص؟ “

عند سمعاع هذا الكلام تخشع قلب الراهب اواصاف وابتدأ بتلاوة صلاة يسوع. وبقدر ما كان يرددها، بقدر ما كان قلبه يتحرك بمحبة الله. فتلاشت كل الأفكار التي كانت تسبب لذهنه الاضطراب، وتحرر من جبنه، وتمنطق بقوة إلهية.

نظر اليه مرشده بلطفه المعهود وأضاف: ” أترى كيف أمسيت أفضل حالا؟ إن أردت أن تخلص فلا تنزع هذه الصلاة لا من فمك ولا من ذهنك ولا من قلبك، إذ بواسطتها تكتسب ذهنا نقيا وقلبا مفعما بالعشق الإلهي، وتعاين اسرار الله. لكن احرص على أن يكون لك أولا اعتراف دقيق أمام أبيك ومرشدك الروحي بكل ما يحصل معك خلال يومك “.

بعدما فرغ مرشده من كلامه هذا، أخذ يسير قدما في طريق أضيق من الأول، وقد تعلقت على أسواره عدة صلبان. ولكي يشير القائد الى الطريق الذي عليهما اتباعه رسم إشارة الصليب ثم أردف قائلا: ” لصليبك يا سيدنا نسجد ولقيامتك المقدسة نمجد “. وطلب من الأخ إواصاف أن يحذو حذوه.

الجسر المعلق فوق الهوة

وبعدما قطعا مسافة لا بأس بها، وصلا الى الجهة المقابلة حيت تكثر المنحدرات الوعرة، ويهيمن خوف صادر عن وجود هوة سوداء عميقة مترامية الأطراف، وكأني بها محيط كثيف الظلمة لا حدود له.

في الأفق البعيد، ما وراء هذه الهوة، ظهر جبل عال يكاد رأسه يطال السماء. وفوق الهوة تعلق جسر مرعب، كان عبارة عن خشبة واحدة مستديرة لا يتعدى عرضها الشبر. طرف الجسر الواحد ثبت هناك حيث ينتهي الطريق الضيق، أما طرفه الآخر فقد ربض عن قدمي ذاك الجبل المرتفع. ولما كان الهواء ينفخ كان الجسر يتحرك وكأنه ورقة شجر تعبث بها الريح.

استحوذ الرعب على الأخ اواصاف عندما علم بوجوب اجتياز ذاك الجسر لبلوغ الجبل. لاحظ قائده ذلك وعرف أن خوفه ناتج عن اهماله الصلاة فقال له مجددا: ” أعطني يدك يا أخي، وردد الصلاة بلا انقطاع، دون أن تفكر بأي شيء آخر “.

وهكذا سار الأخ إواصاف دونما وجل فوق الجسر. وما إن وصلا الى منتصفه حتى بادره مرافقه بالقول: ” هنا عليك أن ترسم إشارة الصليب، وأن تدعو اسم والدة الاله الممتلئة نعمة، إذ إن لاسمها في هذا المكان قوة عظمى “.

أطاع الاخ الأمر راسما إشارة الصليب وداعيا : ” أيتها الفائقة القداسة والدة الاله ساعديني أنا الخاطئ “. يا للعجب! ماذا حدث؟! لقد أحس أخونا، للحال، وكأنه تزود بقوة غريبة وتمنطق بشجاعة فائقة، فهرب من نفسه كل أثر للخوف رغم ان الجسر كان يرتجف كالورقة. استغرق مسيرهما فوق الجسر ساعات عديدة وصلا بعدها الى سفح الجبل. إلا أن مرشده رغم ذلك استمر ممسكا بيده وهكذا تابعا سيرهما غير منفصلين.

بدا صعودهما الجبل صعودا صعبا، إلا إنه كان مفرحا بسبب وجود أشجار الزيتون النضرة والعديد العديد من الأزهارالجميلة التي سيجت طريقهما يمينا ويسارا.

وفي أعلى القمة كان ينتظرهما باب كبير مفتوح على مصراعيه، فرشما نفسيهما بعلامة الصليب ثلاث مرات ثم دخلاه، فرأى الأخ إواصاف سهلا عظيما جدا نورانيا، كأنه احد الأجرام السماوية يمتد أمام ناظريه. كان أكبر من ذاك الذي صادفه في بداية الطريق. إن الكلمات تعجز مقصرة عن رسم صورة جمال هذا السهل لأنه لا يشبه أي شيء أرضي. فلا قلم يستطيع وصفه. ولا عقل يستطيع أن يدرك ما رآه الأخ إواصاف. لأنه بمقدار ما كانا يمضيان قدما، بقدر ما كان يشتد سبي عقله بسبب تناغم المكان وحلاوته، فاشتهى المكوث هناك الى ما لا نهاية.

خلال مسيرهما صادفا الكثيرين من الأشخاص في ثياب رهبانية، غير انها لم تكن سوداء بل ضاربة الى الحمرة، لامعة كالنور، وكانت وجوههم تتلألأ كالشمس. البعض منهم كانوا شبانا يافعين والبعض الآخر متقدمين في السن. إلا انهم كانوا يتمتعون كلهم بجمال واحد أخّاذ. ولما دنا منهم الأخ إواصاف، مع مرشده، استقبلوهما بفرح وعانقوهما بمحبة كبيرة متوجهين نحو المرشد وقائلين: ” افرح أيها الشهيد العظيم جاورجيوس، افرح يا حبيب المسيح “. أما هو فأجابهم بدوره: ” افرحوا انتم أيضا أيها الأبرار، يا أحباء المسيح “.

تعليم عن تفاهة العالم وذكر الموت

بعد هذا استداروا نحو الأخ إواصاف قائلين: ” يا أخانا، ماذا ينتفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه؟! هبْ أنك عشت مئة أو مئتي أو حتى ألف سنة، وتمتعت بكل الخيرات الأرضية الخداعة، وجمعت كل الذهب والفضة والأحجار الكريمة والدرر. فهذا لا يغنيك عن مواجهة ساعة الموت، ساعة خروج روحك من جسدك. عندها ماذا تنفعك هذه التي اقتنيت: البيوت، القصور، الثروات، الألقاب والرتب العالمية والعسكرية وحتى الكنسية منها؟ لا تستطيع واحدة من كل هذه أن تساعدك أو تنفعك في تلك الساعة. لذا يا أخانا، دع عنك الإهمال، وعدْ إلى حياتك الفاضلة الأولى التي كانت مفعمة تقى وورعا وتواضعا، لكي ترضي الله، وتستحق أن تأتي إلى هذه الحياة المغبوطة، التي استأهلت أن تعاينها بواسطة شفيعك المعظم في الشهداء جاورجيوس الذي أحبك كثيرا، وأتى بك لتشاهد بهاء الفردوس الذي يهبه سيدنا يسوع المسيح لأولئك الذين، لأجل محبته، حرموا أنفسهم من الخيرات الوقتية الكاذبة، التي سيتركونها يوما ما شاؤوا ام أبوا.

يا أخانا، يا ابن المسيح، لا تفضل الزمنيات على الأبديات. لا يسودنّك الإهمال والكسل فتستهين بجهادك الروحي الذي سيملأك من محبة المسيح. لا تؤثر محبة العالم الكاذب التي ستقودك الى الخطيئة والتي، بدورها، ستفضي بك الى الجحيم، وترمي بك في حضن رئيس الشر، الشيطان، حيث تحترق أبديا في تلك الظلمة. لا يحق لك أن تحيا هكذا، لا أنت ولا أي مسيحي آخر. فإن السيد قد اشترانا بدمه الكريم الكلي القداسة الذي أهرقه على الصليب. لاتُحزن إلهَنا المخلص والفادي وتُسِّر الشيطان مدمر حياة البشر ومهلك النفوس.

إن شئتنا ان لا نكف، نحن ايضا، عن التضرع الى الإله المثلث الأقانيم من أجل خلاصك وخلاص سائر البشر إخوتك، أصلحْ سيرتك لترضي الله وإيانا، نحن الذين نحب كل البشر ونريدهم أن يرثوا ملكوت السموات.”

ثم توجهوا الى مرشد الراهب إواصاف بقولهم: ” يا جاورجيوس، يا حبيب المسيح وحبيبنا، خذ على عاتقك الاهتمام بهذه النفس لتمثل أمام ملك الكل لأن دالتك عظيمة أمامه “.

في هذه الأثناء عرف الأخ إواصاف قائده بأنه شفيعه القديس جاورجيوس، وتذكر كلامه في بدء لقائهما ” أنا من سيقودك لأنك تحبني محبة خاصة “. كما تذكر أيضا كيف أنه عند وصوله الى الجبل المقدس بغية الترهب، كان قد جعل من القديس نفسه وسيطا عند الله لأجل خلاصه. وكم من المرات جرت معه عجائب عديدة عندما كان يدعو باسم الشهيد. فأحس عندئذ بمحبة روحية فائقة تغمر روحه فاقترب من مرشده وعانقه طويلا.

رتبة أخرى من الرهبان تسمو على الأولى

في ذلك السهل الكلي جماله صادفا جمعا آخر من الرهبان يشبهون الأولين إلا انهم كانوا أقل عددا إنما أكثر مجدا. فدار بينهما هذا الحوار:

– يا قديس الله، من هم هؤلاء؟ وما هي مآثرهم في الحياة حتى انهم ينعمون بمجد أكثر من أولئك الرهبان الذين رأيناهم اولاً ؟

– يا أخي، هؤلاء هم الرهبان الحاليون، رهبان هذا العصر الذين يجاهدون بملء اختيارهم رغم عدم وجود مرشد يقودهم ، مقلدين حياة الرهبان الأوائل ومرضيين لله كما أولئك تماما. لذا مُجدّوا هنا أبديا.

– في أيام كهذه زال فيها كل أثر للفضيلة، هل وجود مثل هؤلاء المختارين في العالم ممكن بعد؟

– إن هؤلاء المختارين قليلون جدا في هذه الأيام. بيد أن كل من يمارس ولو أصغر الفضائل ويحتمل، حسب استطاعته، أخاه ولا يدين أحدا، يرضي الله ويُدعى عظيما في ملكوت السموات.

وحيث أنه قد ضاع المثال الصالح ولم يبق إلا المثال السيء، فقد تكاثرت الأنانية وتعظم المعيشة والفساد والوقاحة، واضمحلت الحقيقة وساد الكذب. تفاقم الظلم وأفرخت كل أنواع الفسق والمكائد، ولم تعد افواه البشر وقلوبهم تلهج باسم الله، لذا أنى توجهت صادفت الشر أمامك.. فُقدت محبة الانسان لأخيه الانسان، وحلّ محلها الحسد والكراهية وبقية الأهواء الاخرى المشابهة. وكذلك قلْ عن الرحمة والحق والاهتمام بالاخر.

بناء على ما تقدم، قليلون جدا هم العاملون بالفضيلة اليوم. إنهم يمارسونها بسبب صلاحهم الخاص ونيتهم الخالصة. هؤلاء يكافأون أبديا، ويمجَّدون من قِبل إلهنا الكلي صلاحه أكثر من أولئك القديسين القدماء، الذين كانوا ممتلئين إيمانا حارا، ولم تتسنى لهم مواجهة الشر وجها لوجه، كما هو حاصل اليوم.

لذا كل الذين يؤثرون خلاص نفوسهم، وبالأخص أولئك الذين، لأجل محبة المسيح، تركوا العالم وخيراته الآنية، واعتنقوا حياة الرهبنة المثالية، عليهم أن يقرنوا الصلاة بذكر الموت. يجب أن لا تغيب صلاة يسوع عن شفاههم بل أن تكون متحدة بنفسِهم. كما عليهم أيضا أن يدعو اسم السيدة والدة الإله مع جميع القديسين ليل نهار، لكي يتوسطوا في خلاص نفوسهم، لأن ” وسائل الأم تستطيع كثيرا ان تستعطف السيد.” و ” طلبة الصدّيق تقتدر كثيرا في فعلها “.     

لما انتهى القديس جاورجيوس من مقولته هذه، دعا الراهب إواصاف لمتابعة طريقهما. وفيما هما متوجهان نحو الشرق، ظهر أمامهما في المدى البعيد مبنى ضخم. كان قصرا فخما جدا تحيط به أسوار ذهبية عالية، تتوهج مضيئة بنورها ذلك السهل كله.

ذهل الأخ إواصاف من جمال ذلك النور وحلاوته وسأل مرشده: ” يا قديس الله جاورجيوس، ما هو هذا القصر البادي أمامنا؟ ” فأجابه القديس بأنه ” قصر للملك الأوحد” وبأنهما سيصلان إلى هناك بعد قليل.

لما قربا من مدخل القصر، استقبلهما رجال نيّرون ذوي طلعة ملائكية، فحيّوهما مقبّلين إياهما في المسيح. ثم قادوهما عبر قاعة تشعشع من وفرة الحجارة الكريمة والذهب. كانت الدرر والألماس ينثرون نورا حلوا جميلا. في الجهة اليمنى من القاعة علقت أيقونة للسيد المسيح، وفي الجهة الشمالية عُلقت أيقونة أخرى للسيدة والدة الإله وهي جالسة على العرش. وفي تلك القاعة عينها اجتمع عدد غفير في ثيابهم الرهبانية، يرفلون بمجد لا يوصف ويلتحفون بنور باهر، يحملون في أيديهم صلبانا مع أغصان يضوع منها شذا ذكي يسكر من يتنشقه.

هؤلاء جميعا، مع القديس جاورجيوس والأخ إواصاف، رنموا امام الإيقونتين ترتيلة ” بواجب الاستئهال “، فأتى الترنيم عذبا ساحرا تتمنى لو أنه لا ينتهي. بعد ذلك رسموا إشارة الصليب ساجدين لصورتي السيد والسيدة. ثم استداروا نحو الراهب إواصاف قائلين: ” يا أخانا، إن كل ما رأيته انما كان من اجلك فانتبه واصطلح، واجتهد لتستحق المجيء الى هنا في أقرب وقت”.  انسحبوا كلهم بعد هذا وتركوا القديس جاورجيوس وحده مع الراهب، فانفتح لهما باب كبير وسمعا صوتا لذيذا من الداخل يقول: ” عظيمة هي رأفاتك يا رب على بني البشر “. ورأى الأخ إواصاف ما كان القديس بولس الرسول قد سبق فكتب عنه: ” ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر، ما قد أعد الله للذين يحبونه “. رأى كنيسة كبيرة جدا ذات تصميم غريب لا يُفقه: كان يرتفع في وسطها عرش وضاء وافر المجد  كأنه جمر مشتعل، يشع أكثر من الشمس. فوق هذا العرش استوى ” ملك المجد” وعلى رأسه اكليل من الحجارة الكريمة المتلألئة، تماما كما في ايقونة السيد المسيح، يحيط به جمع لا عدَّ له في ثياب عسكرية تلمع كالبرق.

ليس عليه لباس العرس

وقف الأخ إواصاف خارج الباب يتطلع بنهم دون شبع. إذ ذاك دخل القديس جاورجيوس، وبعد أن رسم إشارة الصليب وصنع ثلاث مطانيات للملك، خرج ثانية ليُدخل الأخ إواصاف فسمع صوتا يأمره: ” دعه، إنه غير مستحق أن يلج الى هنا، لانه لا يملك لباس العرس “.

ارتجف  الأخ  إواصاف  لدى سماعه هذا، وخشي أن يحكم عليه

الملك. لكنه عاد الى نفسه حالا، وشرع يردد بحرارة كبيرة  ” ربي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني واصنع معي حسب رحمتك.” أما القديس جاورجيوس فدخل مجددا الى حضرة السيد ووقع على قدميه مسترحما: ” إذكر يا رب الدم الذي أهرقته على الصليب لأجل خلاص البشر. لقد تجسدت لتشفي الخطأة وتخلصهم. لذا أضرع إليك متوسلا: سامح يا رب هذه النفس الخاطئة، وأرشدها في طريق الخلاص، فإني عارف يا رب أن لجة رحمتك لا تحد “.

فرد عليه السيد: ” يا جاورجيوس أنت تعرف جيدا المحبة التي أظهرتها له، والنعمة الكبيرة التي حبوته بها ليدرك أسرار محبتي الإلهية، التي يجاهد الكثير من العظام المتوحدين في سبيلها دون أن يصيبوا منها ما قد أصابه هو. إن محبتي الخاصة لا مكان لها في نفسه. فهو يحتقرني مفضلا الأمور العالمية الخدّاعة مهملا إياي. لذا فهو غير أهل للمسامحة “.

تابع القديس جاورجيوس تقبيل قدمي السيد متوسلا: ” نعم يا رب، أعرف جيدا انه غير مستحق للمسامحة فقط بل مستأهل للعقاب أيضا. غير أني أسألك مجددا أن تسكب نعمتك عليه. أنظر يا رب إلى نيته، فخفاياه واضحة امامك. حقق رغبات قلبه وخلصه كملك مقتدر أيها السيد الكثير الرحمة.

أنت  تعلم يا رب أن ” العالم قائم بالمكر”. فقد تكاثرت الخطيئة اليوم

وفُقد المثال الصالح. فلتفض نعمتك يا رب ولتخلص عبدك هذا فإن نيته صالحة وان كان يغلب من الشر بسبب العادة. خلصه أرجوك.”

طول أناة المسيح السيد

وعلى هذا أجاب السيد:” يا جاورجيوس الحبيب، إني لعالم بحالة العالم الراهنة، وعارف جيدا بمخالفة وصاياي وغياب الفضيلة وسيادة الشر. إن العالم قد تلوث بالزنى والفسق والظلم، وبكل نوع من أنواع التهتك والفحش والدسائس. ليس رجال ونساء العالم الذين لا يعرفوني هم من يمرمروني فقط. بل أيضا كل المسيحيين: الرهبان، والكهنة، ورؤساء الكهنة والعلمانيين، كلهم معا يغيظون أحشائي يوميا، ويصلبونني مجددا بمخالفتهم نواميسي. هذا كله احتملته بحلم وصبر، وأنا أطيل أناتي منتظرا أن يتوب ويصطلح أحدهم. أشتهي خلاص البشر بأسرهم ولا أشاء هلاك واحد منهم، لذا أرقت دمي على الصليب، غير أنهم عوض أن يصطلحوا  يجدفون عليّ كل يوم. وهذا الذي تسأل من أجله، لم يتوقف حتى الآن عن تتميم مشيئته الخاصة. لم أكف يوما عن إظهار طريق الخلاص الصحيح له من خلال آباء روحيين عديدين. ومع هذا فهو يخالف مشيئتي ويحتقر وصاياي. يهمل وينكر المحبة والتضحية التي أبذلها كل حين من أجله ومن أجل كل إنسان، إن جميع هؤلاء يحتقرونني.”

انطرح القديس جاورجيوس مجددا على قدمي السيد يقبلهما بتواضع كبير ويقول: ” أذكر يا رب دمي الذي سفكته حبا بك وهبني هذه النفس. نعم أيها السيد أرجوك أن تسامحه وتؤهله لارتشاف كأس محبتك، كأس التنقية، والتي يشتهي هو أن يشرب منها كي يتمم مشيئتك المقدسة.”

كأس الخلاص

فأجاب السيد بوجه باش: ” ليكن لك ما تريد يا جاورجيوس “. ثم أمسك كأسا بيده اليمنى قائلا: “خذ هذه الكأس وأعطه ليحتسيها كلها، فهذه هي كأس محبتي، التي سبق لكل القديسين أن شربوا منها، والتي قد اضحت في هذه الحياة الخداعة، كأسا مملوءة قلقا ومرارات وتنهدات وأمراضا ومصائب، وهي تفضي في النهاية الى استشهاد الجسد وموته من اجل تنقية النفس وخلاصها، ومن أجل أن يفرح أبديا معي ومع الآب والروح القدس، ذاك الذي يتجرعها كلها حتى الثمالة” .

تناول القديس جاورجيوس الكأس من يد السيد، والشكر والبهجة يعلوان وجهه. كانت الكأس ملأى من النبيذ الأحمر الذي باركه السيد. فأعطاها القديس للأخ إواصاف الذي شربها كلها بشوق كبير بعد أن رسم إشارة الصليب. فكان الشراب في حلقه شديد الحلاوة لذيذ المذاق، مما جعل شعلة العشق الإلهي تلتهب في داخله فورا، فلم يستطع أن يمسك نفسه، بل اندفع داخل تلك الكنيسة، واختطف قدمي السيد محتضنا إياهما  وهو  يغمرهما  بقبلاته  الملتهبة  حبا وفرحا. لم يكن ليطق أن يترك ذلك المكان او أن يبتعد عن الملك.

حينئذ سمع صوتا يقول: ” يا جاورجيوس، خذ الاخ إواصاف ليذهب ويجاهد بغية اقتناء محبتي الأولى التي قد فقدها بسبب اهماله. وعندما يستعد جيدا، وفي الوقت المناسب، سيكون اهلا لشرب الكأس التي قد شربتها أنا “.

نبه القديس جاورجيوس الأخ اواصاف، فضرب كل منهما ثلاث مطانيات وسجدا عند قدمي السيد الطاهرتين وشكراه بحرارة. ثم خرجا من تلك الكنيسة المنيرة وهم يصافحان أولئك الذين قد صادفوهما على التوالي، في الباحة الأمامية، في “ديار بيت الرب” مقبّلين إياهم. وبعد ذلك انطلقا في طريق العودة، فقال الأخ لمرشده: ” يا قديس الله، ألا يمكنني البقاء هنا حيث نحن الآن دون ان اضطر الى العودة للعالم؟ ” فأجابه القديس: ” هذا غير ممكن، يا عزيزي، فإن إرادة السيد، كما سمعتها، هي أن أعيدك الى العالم لكي تستعد وتجاهد لاكتساب سائر الفضائل ولتحفظ وصايا السيد. كما أنه عليك أن تُجرَّب بالآلام لتتنقى كالذهب بالنار، وتنصهر في شدائد وصعوبات الحياة. وبعد هذا،  برحمة  السيد  وإرادته،  تأتي  لتستقر  هنا  بحق، وتتمتع بمجد المسيح الى الأبد.

توصيات القديس جاورجيوس الأخيرة

وهكذا عبرا ثانية ذلك السهل  الجميل،  ممتعين  ناظريهما بكل ما

سبق لهما أن رأياه قبلا. أخيرا وصلا الى سفح الجبل، فأمسك الشهيد بيد الأخ إواصاف وتقدما الى وسط الجسر حيث توقف قائلا: ” يا أخي المحبوب، (إن ملكوت السموات يُغصب والغاصبون يختطفونه). ها قد مستك نعمة الله، فلا تكن ناكرا لنعمته تعالى. جاهد لتكتسب المحبة الأولى مجددا، وعندها تأكد، أن نعمة الله وستر سيدتنا والدة الإله ومعونتها سيكونوا دوما معك. كما أني، أنا أيضا، لن أكف عن مساعدتك “. من ثم ختمة ثلاثا بإشارة الصليب واختفى عن ناظريه.

إن الشيطان لا يستطيع ان يؤذي من كان مسيحيا حقانيا

أخذت الرعود والإضطرابات في أسفل تلك الهوة تتصاعد وسُمعت أصوات تهدد: ” الآن وقد أضحى الراهب وحده، هلم بنا نرميه الى اسفل “. كانت الشياطين تصر بأسنانها وتصرخ محدثة جلبة وضجيجا، غير أن أحدُها لم يجرؤ على الدنو من الراهب اواصاف، بل اخذوا يصدرون أصواتا متوحشة منذرين: ” هيا بنا جميعا نطرحه أسفل قبل أن يعود جاورجيوس “.

حصل الأخ إواصاف وحيدا لا معين له في منتصف ذلك الجسر المهتز، ولم يقوَ على التقدم او التراجع  ليفلت من قبضة الشياطين المكرة. وإذ هو على هذه الحالة الصعبة، رفع عينيه الى السماء متضرعا: ” أيها السيد، أرجوك ساعدني إذ قد أشرفت على خطر السقوط بسبب أبناء جهنم هؤلاء “. فجاءه صوت من السماء مجيبا: “يا أخي، تفادى الوقوع في الاهمال. ردد صلاة يسوع ” ربي يسوع المسيح…” وبشفاعات والدة الإله مع العمل الصالح والإيمان، لن تستطيع الشياطين أن تؤذيك، طالما انت تجاهد. لا تخف وسوف تخلص “.

لجأ الأخ إواصاف فورا إلى صلاة يسوع، وبشفاعة والدة الإله ومساندة القديس جاورجيوس، وجد نفسه في مقعده في  الكنيسة، يصلي متابعا خدمة القداس الإلهي، دون أن يفهم كيف.

هكذا انتهت هذه الرؤيا التي حصلت لإمام شيوخ أخوية الإواصافيين الرسامين، ومؤسسها الراهب إواصاف الذي من قيصرية الكابدوك، عندما كان في القلاية التابعة لدير القديس بندلايمون في كارياس قبل أن يصبح الدير روسيا. بُعيد هذه الحادثة بقليل، ترك الراهب إواصاف دير القديس بندلايمون مع بعض الإخوة، وبنى قلاية تحمل اسم القديس جاورجيوس في كيراسيا، حيث تفرغ بالكلية لغرس الصلاة العقلية في نفسه. فكان يرددها بالفم والذهن والقلب ليل نهار. ويمضي القسم الأكبر من يومه متأملا في الرؤيا التي حصلت له. لم ينقطع يوما عن رواية ما رأى وسمع هناك لأخويته. وهكذا تناقلت الأفواه هذه القصة المفيدة للنفس حتى وصلت الينا. كان الراهب إواصاف قد تعلم مع أخويته فن رسم الإيقونات في دير القديس بندلايمون. وحوالي العام 1880 أسس في كافسوكاليفيا بيت الإواصافيين الجميل مع كنيسته التي حملت اسم القديس جاورجيوس أيضا. كانت قلايتهم أقدم بيت عرف كمحترف لفن الرسم المقدس. وهنا بنعمة الله رقد إواصاف الراهب رقود الأبرار وحصل على النهاية المغبوطة وذلك لمجد الله المثلث الأقانيم.

الروحانية الأرثوذكسية: امتياز متبادَل بين الحياة الحاضرة والآتية – الأب د. جورج ميتيلينوس

الروحانية الأرثوذكسية:

امتياز متبادَل بين الحياة الحاضرة والآتية

الأب د. جورج ميتيلينوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

إن عبارة “الحياة الروحية”، ضمن إطار الكنيسة الأرثوذكسية، تشير إلى حقيقة محددة وطريقة حياة ملموسة ومفهومة وواضحة. ليست هي مدينة فاضلة غامضة ولا مثالية بدون أساس أو محصورة في حدود التأمّل والخيال. تتضمّن هذه الروحانية الأرثوذكسية مادية وواقعية ضمن واقع محدد لطريقة حياة، طريقة أبدية للوجود دخلت التاريخ وصارت حقيقة دنيوية أرضية من خلال تجسد الإله-الكلمة ربنا يسوع المسيح. لا يمكن تصوّر الحياة الروحية المسيحية إلا إذا كانت بالواقع مرتكزة على التجسد الإلهي.

لم يكن هدف تجسد ابن الله مجرّد تحسين الواقع البشري، بل إصلاحه وتحويله. لقد هدف إلى “عالم جديد” كحقيقة إلهية-بشرية. بحسب آباء الكنيسة الأرثوذكسية، لقد أصبح الإله إلهاً-إنساناً (theanthropos) لكي يجعل حياتنا إلهية-بشرية.

التقليد الأرثوذكسي هو الجهاد لمتابعة الحياة الجديدة بالمسيح وفي المسيح، تلك الحياة التي دخلت إلى العالم، من قِبَل البشر الذين سوف يحققون العلاقات الاجتماعية والأخوية. هذا يتحقق في كل جيل على مثال الآباء الإلهيين القديسين. يُعبَّر عن الأرثوذكسية بشكل أصيل بآبائها القديسين ووحدهم يمكن اعتبارهم الشهادات الصالحة عن حياتها. إن خبرتَي التقليد الأرثوذكسي والآباء متشابهتان وتشكّلان، ليس نقلاً آلياً لتعليم مصنّف، بل الاستمرارية الشخصية في عالم الحق المتجسّد، في الإطار الزمني لكل حقيقة محددة (حضارة، ثقافة، وضعية سياسية واجتماعية).

هذا يحملنا إلى الاستنتاج بأن، بالنسبة لنا جميعاً كأرثوذكسيين، عبارات الحق والعدالة والسلام والمساواة والأخوّة، ليست مفاهيم إيديولوجية ولا قضايا أخلاقية. إنها طريقة محققة للوجود إزاء يسوع المسيح  والآباء القديسين والأنبياء وآباء وأمهات كل العصور. إن جهادنا لتحقيق هذه المفاهيم في حياتنا لا يستند إلى نيتنا الصالحة وتصميمنا على الجهاد بل بشكل أساسي على أعمال القدرة الإلهية.

إذاً، الروحانية الأرثوذكسية ليست مجرد باطنية (تطور ثقافي أو ما شابه) بشرية المركز ولا هي روحانية مثالية ولا هي حتى تديناً. إنها المشاركة الشخصية في الحياة الإلهية التي تصبح حقيقة أرضية لكن لا يمكن تحقيقها من خلال القدرة البشرية وحدها بدون تدخل الله.

الروحانية هي حياة وجهاد في الروح القدس وهي تتماهى مع كامل حياة الكنيسة التي، كجسد، ضمن تقليدها يتجنّد الإنسان لينشد الخلاص.

يأخذ جهاد الإنسان في الانتماء الكامل لهذه الجماعة تعبيراً نضالياً ثورياً محضاً. إن ثورة المسيحي هي النسك كممارسة روحية؛ ثورة ضد الطبيعة الاستقلالية الميتة، حتى “تتلقّح” بحياة المسيح مع قيامته، إنها عصيان ضد أنفسنا نحن الذين نحيا ضمن حدود الموت والفساد. لماذا؟ الخلاص من الفساد والموت هو نعمة الله، عطية من الله غير المخلوق لخليقته. إنه ليس إنجازنا وليس مأثرة لطبيعتنا. إنه ممنوح عندما يبلغ الإنسان إلى حالة من الوجود فيها تتحرّر الطبيعة من عبودية الضرورات التي تكوّن الاستعباد للموت والفساد. لا يكتمل هذا السياق القيامي بدون عنف. كلمات المسيح ثورية بالحقيقة: “جئت لألقي ناراً على الأرض” (لوقا 49:12)، “لا تظنّوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. ما جئتُ لألقي سلاماً بل سيفاً” (متى 34:10)، “ملكوت السماوات يُغصَب اغتصاباً والغاصبون يخطفونه” (متى 12:11). كيف تُفهَم هذه الكلمات؟

إن اغتصاب طبيعتنا ضروري بالمطلَق لقهر استعبادنا الداخلي الذي يؤدّي إلى كل أشكال العبودية الخارجية. إن تجربتنا هي في الجهاد لأن ننكر “إنساننا العتيق” (روما 6:6). يجب أن تعتاد إرادة الإنسان على مقاومة مؤسسة الخطيئة التي يشكلّها الموقف الأناني نحو الناس والعالم. كوننا داخل خطيئتنا، في حياة الموت التي نسلكها، نحن نواجه كل الأمور كأشياء محايدة خاضعة لحاجاتنا ورغباتنا. فلنتأمّل في استغلال العالم والناس، التلوّث البيئي، إنتاج الأسلحة الذرية المستعملة في سباق القوى العظمى نحو التفوق بالقوة. الإنسان المخلِص للمسيح يصارع طبيعته الأنانية من خلال الحرمان الطوعي والتعهد التلقائي لضبط الجسد لكي يصل إلى التحرر الخارجي. إنه يستقيل من نزعة الخضوع لكل شيء ويتعلم محبة العالم وتحقيق وحدته معه وكشف ختم قوة الله الخلاّقة في كل مخلوق بذاته، واستعمال العالم بطريقة ترضي الله، كليتورجيا مستمرة وإشارة إلى الله. من خلال التجارب والصعوبات، وهي تمرين روحي، يصل الإنسان إلى الشركة الأصيلة حيث تصبح الحياة تجاوزاً ذاتياً للمحبة.

الميزة الثورية المحرِّرة نفسها موجودة، بداعي الضرورة، في الألم الذي يشكّل انتهاكاً لمعنى الحياة “كبقاء شخصي” و “تقدمة ذاتية من المحبة لإخوتنا البشر”. إن طريقة الوجود الفردية تتحوّل إلى شركة شخصية من المحبة من خلال النسك. لهذا السبب ربطت الأرثوذكسية بالنسك الطوعي معتبرة التجارب “عذاب الضمير”. إن انتهاك الطبيعة موجود في كليهما لكي يفعّل شركة المحبة.

إن الروحانية الأرثوذكسية هي بالتحديد هذا الصراع من أجل هذا اللقاء المحرِّر بين غير المخلوق والمخلوق. في أي حال، لا يستطيع أي إنسان أن “يعرف” غير المخلوق بالمنطق بل بالأحرى من خلال وجود غير المخلوق في المخلوق وسكناه فيه. إن غاية التقليد الأرثوذكسي هي دفع الإنسان في الاتحاد مع الله أي التألّه. تتطلّب هذه الغاية مسبقاً وجود أداة هي القلب. نحن نقبل عادةً أن جريان الدم في جسمنا هو الهدف الوحيد للقلب، وبالتالي نعتبر الدماغ والجهاز العصبي هما مركز إدراكنا لذواتنا. مع ذلك، في التقليد المسيحي الصحيح، القلب هو مكان الشركة مع الله. يسمي الآباء قوة النفس التي تنشط في القلب “فكراً”. الفكر، في هذه الحالة، لا يساوي المنطق. وفوق هذا، يُسمّى الفكر أيضاً صلاة القلب (الصلاة العقلية) التي تكمن في تنشيط الفكر في القلب. تصبح هذه الوظيفة الصلاتية بلا انقطاع (1تسالونيكي 14:5) عندما يتطهّر القلب ويحصل على نعمة الروح القدس.

إن سكون القدرة النوسية (لا المنطق) هو جوهر سقوط الإنسان. إن عدم العمل أو العمل الجزئي لهذه القدرة الفكرية، وتشوشها مع وظيفة العقل أو الجسد، يستعبد الإنسان في الإجهاد والجو والمادية مركِّزاً اهتمامه على جسده. بهذه الطريقة، يعبد الإنسان الخليقة دون الخالق، والنتيجة المباشرة هي تفكيك أصالة علاقاته الفردانية، المواقف العدائية في المجتمع، تأليه الذات وعبادتها واستغلال الله والناس لتأمين السلامة الذاتية والسعادة.

بعد شفاء مرض القلب يعود الإنسان إلى اجتماعيته الصحيحة. يكتسب القلب النقي استنارة الروح القدس. في هذه المرحلة، تصبح محبة الإنسان لذاته محبة منكرة للذات من الله. بدون الاستنارة من الله لا تستطيع محبتنا أن تتخطّى موقفنا الأناني ونقصنا. تبقى محبتنا ناقصة وزائفة. بالاستنارة يصبح الإنسان هيكلاً للروح القدس معافى وروحياً.

في المصطلحات اللاهوتية الأرثوذكسية تُسمّى عملية إعادة تفعيل الوظيفة النوسيّة في القلب “شفاء الوجود البشري” وهي عمل الكنيسة الأساسي. إن هذا هو غاية حضور الكنيسة في التاريخ كما أعطاه المسيح: استرجاع الشركة بين الله والإنسان في القلب.

في الأرثوذكسية، لا يؤجَّل الشفاء، أي استعادة علاقات الله بالإنسان إلى ما كانت عليه، إلى الحياة الآتية أي بعد الموت. إن الشفاء يُنجَز في التاريخ. المؤمن، من خلال وجود عمل الله في داخله، يصبح “هيكلاً لله” ويمتلك الأبدية ضمن الحقيقة الأرضية فيعيش في ما بعد التاريخ كما في التاريخ. إنه يصير إنساناً سماوياً كالقديسين. القديس، بحسب الأرثوذكسية، هو الإنسان الحقيقي القادر على خلق شركة من الأخوّة والعدالة. إن غاية التقليد الأرثوذكسي النهائية ليست الإجلال الأناني للشخص البشري، بل إعادة الشركة الأصيلة إلى ما كانت عليه مع البشر الآخرين. بحسب القديس اسحق السرياني، يبلغ كل القديسين الكمال عندما يصبحون كاملين ومتمثلين بالله بمحبتهم وخيريتهم المتدفقتين نحو الجميع. لا يوجد أرثوذكسية فردية ولا خلاص فردي. في آخر المطاف، الخلاص هو الدخول الكامل في مجتمع الإخوّة. وهذا ينطبق على كل الناس بدون استثناء.

إن الفرق بين الأرثوذكسية والأنظمة العلمانية هو أن هذه الأنظمة تحاول أن تخلق مجتمعاً. فيما نحن نكافح لإدخال أنفسنا في مجتمع الثالوث المُلهَم، في جسد المسيح. هذا المجتمع بطبيعته هو الأخوّة المتلألئة التي لا طبقات اجتماعية فيها (غلاطية 28:3).

في الأرثوذكسية، هذه الحياة هي حقيقة إلى يومنا هذا في الأديار، بالرغم من كل النواقص البشرية. هناك تكون الحياة بكاملها في نعمة الله حيث المساندة المتبادلة، انعدام القنية بوجود الملكية الجماعية، ومشاركة المحبة فيما كل واحد يعمل بحسب موهبته وقدرته ويتنعّم بحسب حاجاته. وهكذا، ينتفي كل شك بالاستغلال أو المبالغة بالتقدير، لأن الربح ليس الهدف. فالهدف هو الخدمة والمساندة المتبادلين.

الدير هو أنقى مثال للشركة في الأرثوذكسية وقد أثّر بشكل كبير في تشكّل المجتمع الأرثوذكسي تاريخياً، أي المجتمعات القروية والمدينية. إن حياتنا المتغرّبة والمتعلمنة تعكس بالضبط تراجعنا عن ذلك المثال وتبنينا لطرق تنظيم المجتمع الغريبة عن الأرثوذكسية وثقافتها. فهذه الثقافة مختلفة كلياً عن تلك الغربية. هذا سببه أن مثالها، في بعده الاجتماعي، ليس السعادة والمصلحة الفرديتين بل التكافل في “توزيع البؤس بالتساوي”.

قد يفكّر البعض، وهذا ما أشهده كثيراً في أوروبا الغربية، بأن هذا المثال الاجتماعي مرتبط بالماركسية. لا إطلاقاً! فالماركسية، على غرار غيرها من الأنظمة الاجتماعية، تركّز على البنى الداخلية والعلاقات. تبدأ الأرثوذكسية من الأعماق الروحية للإنسان لتستعيد صورة الله داخله بهدف تفعيل المجتمع البشري ليعكس طريقة وجود الثالوث. وهكذا، لا يكون الفرد ضحية للمسيح من أجل الخير العام بينما الخير العام يكون مصلحة الشخص الخاصة.

إن اهتمام الإنسان الأرثوذكسي ليس محصوراً في الزمن بل هو موجَّه بشكل دائم نحو الأبدية. هذا يعبّر عنه الرسول بولس “إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس” (1كورنثوس 19:15).

لا ترغب الأرثوذكسية في أن تكون جماعة دينية للخدمات الخيرية، ولا هي منظمة بشرية تكافح فقط من أجل السلام على الأرض والتعايش بين الأمم. تبتغي الأرثوذكسية أن تكون، قبل كل شيء، جسد المسيح، أي مختبر خلاص لشفاء الكيان البشري، وهذا شرط مسبَق لتنمية الإنسان على حدود الشركة الأصيلة مع الله والعالم.

إلى هذا، لا يوجد في الأرثوذكسية عملية تطورية بمعنى التغير المستمر. إن محور سلوكنا هو المسيح بلا تغيّر. فالمسيح يبقى المركز المُطلَق ونقطة المرجعية للشعب الأرثوذكسي في كل الأزمنة. المسيح يؤمّن وحدتنا عبر الزمن بوجوده في داخلنا. إن عمله غير المخلوق يوحّد، في البعد الأفقي كما في العمودي، كل الشعب المؤمن عبر التاريخ ويتمّم وحدتهم، ليس كخضوع تحت معايير محددة للعيش والتصرّف، بل كحياة ناتجة عن وجوده في داخل نفوسهم.

قواعد الحياة التقيّة – أفلاطون رئيس أساقفة كوستروما

قواعد الحياة التقيّة
أفلاطون رئيس أساقفة كوستروما

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

أَلزِم نفسك بالنهوض باكراً وعلى ميعاد محدد. ما أن تستيقظ، وجّه فكرك نحو الله: ارسم إشارة الصليب واشكره على الليلة التي مرَّت وعلى كل مراحمه نحوك. اطلب منه أن يقود كل أفكارك وأحاسيسك ورغباتك، حتى يأتي كل ما تقوله أو تفعله مرضياً له.

فيما تلبس، تذكَّر حضور الله وملاكك الحارس. اسأل الرب يسوع أن يضع عليك ثوب الخلاص. بعد أن تغتسل ابدأ بصلوات الصباح. صلِّ راكعاً بتركيز وتوقير واتضاع، كما يليق أمام عيني الكلي الاقتدار. اسأله أن يعطيك الإيمان والرجاء والمحبة بالإضافة إلى القوة الهادئة لتقبل كل ما قد يجلبه إليك النهار الآتي من الصعوبات والمشاكل. اطلب منه أن يبارك أعمالك. اطلب المعونة: لإتمام بعض الأعمال الخاصة التي تواجهك وأيضاً لتسلك بوضوح بعيداً عن كلّ خطيئة.

إن استطعتَ اقرأ شيئاً من الإنجيل، خاصةً من العهد الجديد والمزامير. اقرأ بنية أن تحصل على بعض الاستنارة الروحية، محرّكاً قلبك نحو الندامة. بعد أن تقرأ بعض الشيء، استرِح وافتكِر بما قرأت، من ثمّ تقدّم منصتاً لما يوحي به الله لقلبك. حاول أن تكرّس ما لا يقل عن خمس عشرة دقيقة لتتأمّل روحياً بتعاليم الإيمان وما قد تكتسبه روحك ممّا قرأت. اشكر الرب دوماً لأنّه لم يتركك تهلك في خطاياك، لكنه يعتني بك ويقودك بكل السبل المُتاحة إلى الملكوت السماوي. ابدأ كلّ صباح بقرارك أن تكون مسيحياً وأن تحيا بحسب وصايا الله.

عند دخولك إلى وظيفتك، كافح لأن تقوم بكل شيء لمجد الله. لا تبدأ أيّ شيء بلا صلاة لأن كل ما تفعله من دون صلاة يتحوّل لاحقاً إلى تافه ومضرّ. كلمة السيد صحيحة: “بدوني لا تقدروا أن تفعلوا شيئاً”. تمثّل بمخلصنا الذي عمل ليساعد يوسف وأمه الفائقة الطهارة. فيما تعمل حافظ على روح طيبة متّكلاً دوماً على معونة السيد. أنه لأمر حسن أن تكرر بلا توقف صلاة: “يا ربي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ”. إذا كانت أعمالك ناجحة إعطِ شكراً لله. وإن لم تكن، ضعْ نفسَك في تصرفه لأنه يهتم بنا ويوجّه كل شيء نحو الأفضل. تقبّل كل الصعوبات ككفارة عن خطاياك بروح الطاعة والاتضاع.

قبل كل وجبة، صلِّ لأن يبارك الله الطعام والشراب، وبعد الوجبة اشكر الله واسأله ألاّ يحرمك من البركات الروحية. إنه لَحَسَن أن تترك المائدة وأنت تشعر ببعض الجوع. في كل شيء، تلافَ الإفراط. اتبع مثال المسيحيين القدامى وصمْ أيام الأربعاء والجمعة. لا تكن طمّاعاً. كنْ راضياً بأن عندك طعام وكساء، متمثلاً بالمسيح الذي افتقر من أجلنا. جاهد أن ترضي الرب في كل شيء حتى لا يؤنبك ضميرك. تذكّر أن الله يراك دائماً، وهكذا كنْ يقظاً باحتراس في ما يتعلّق بأحاسيس قلبك وأفكاره ورغباته.

تلافَ أيضاً الهفوات الصغيرة حتى لا تقع في أكبر منها. أخرِج من قلبك كل فكر أو مخطط يبعدك عن الرب. جاهد خاصةً ضد الشهوات النجسة طارداً إياها من قلبك مثل شرارة محرقة تقع على معطفك. إن أردت ألا تزعجك الشهوات الشريرة، تقبّل الإذلال من الآخرين بصبر. لا تتكلّم كثيراً، تذكّر أننا سوف نعطي حساباً أمام الله عن كل كلمة نقولها. أن تسمع خير من أن تحكي: من المستحيل تلافي الخطيئة في الإسهاب. لا تكن فضولياً لسماع الأخبار التي تسلّي الروح وتلهيها. لا تُدِنْ أحداً واعتبر نفسك أقل من جميع الباقين. مَن يدين غيره يأخذ خطاياهم على نفسه. من الأفضل أن تحزن على الخاطئ وأن تصلي إلى الله ليصلحه على طريقته. إن لم يصغِ البعض إلى نصيحتك لا تجادله. وإذا كانت أعماله معثرة للآخرين، اتّخذ ما يناسب، لأن حسنات الناس، وهي كثيرة، لها وزن أكبر من خطايا الشاب. لا تحاجج ولا تختلق أعذاراً. كن لطيفاً، تحمَّل كل شيء على مثال يسوع. هو لن يزعجك بصليب يفوق قدرتَك، بل سوف يساعدك في حمل صليبك.

اسأل الرب أن يعطيك النعمة لإتمام وصاياه المقدسة بغض النظر عن كم تبدو صعبة. إذ تفعل خيراً لا تنتظر عرفان الجميل بل التجربة: لأن محبة الله تُمتَحَن بالعقبات. لا تأمل في أن تكتسب أي فضيلة من دون أحزان مؤلمة. في وسط التجارب لا تيأس، بل توجَّه إلى الله بصلوات قصيرة: “يا رب، أعِنني… علّمني… لا تتركني… احفظني…” يسمح الرب بالأهواء والتجارب ولكنه يعطي القوة لتخطيها.

أطلب من الرب أن يخلصك من كل ما يغذّي كبرياءك، حتى ولو كان مراً. تحاشَ أن تكون فظّاً، عابساً، متذمّراً، سيء الظن، شكاكاً أو مرائياً، وتحاشَ المنافسة. كنْ صادقاً وبسيطاً في تصرفك. تقبّل لوم الآخرين بضعة، حتى ولو كنتَ أكثر حكمة وخبرة. لا تفعل ما لا تريد الآخرين أن يفعلوه لك. على العكس، اصنع معهم ما تتمنى أن يصنعوه لك. إذا زارك أحد ما، كن لطيفاً معه، متواضعاً، حكيماً وأحياناً، بحسب الظروف، كن أيضاً أعمى وأصماً.

إذا أحسست بالارتخاء أو ببعض الفتور، لا تترك النظام المعتاد الذي وطدته من الصلوات والممارسات التقية. كل ما تقوم به باسم الرب يسوع، حتى أصغر الأشياء وأقلها أهمية، يصبح عمل تقوى. إذا رغبت بإيجاد السلام، أودِع نفسَك كلياً لله. سوف لن تجد سلاماً حتى تهدأ بالله وتحبه وحده. من وقت لآخر اعزل نفسك، على مثال يسوع، للصلاة والتأمّل بالله. تأمّل محبة ربنا يسوع المسيح غير المتناهية، وآلامه وموته وقيامته ومجيئه الثاني والدينونة الأخيرة.

اذهبْ إلى الكنيسة أكثر ما تستطيع. اعترف دائماً وتناول القدسات. بهذا تصمد في الله لأن هذا هو أعلى البركات. خلال الاعتراف، تُبْ واعترف بكل خطاياك بصراحة وندامة، لأن الخطايا التي لا يُعترَف بها تقود إلى الموت. خصّص الآحاد لأعمال المحبة والرحمة، مثلاً قمْ بزيارة بعض المرضى، عزِّ المحزونين، وساعد التائهين. إذا ساعد بعضنا مَن تاه لأن يتحوّل إلى الله فسوف يكون له مكافأة عظيمة في هذه الحياة وفي الآتية. شجّع أصدقاءك على قراءة الأدب المسيحي الروحي والاشتراك في مناقشة الأمور الروحية.

دعْ الرب يسوع المسيح يكون معلمك في كلّ شيء. توجّه إليه بشكل ثابت عن طريق تحويل فكرك إليه. اسألْه عن ماذا تفعل في مثل هذه الظروف؟

قبل أن تذهب إلى النوم، صلِّ حقّاً ومن كل قلبك، تأمّل بدقة في خطاياك خلال اليوم المنصرم. عليك أن تلزِم نفسك دوماً بأن تتوب بقلب نادم، بألم ودموع، لئلا تكرّر خطاياك. عند ذهابك إلى السرير ارسم إشارة الصليب وقبّل الصليب وسلّم نفسك إلى الله الرب الذي هو راعٍ صالح. تفكّر في أنك هذه الليلة قد تقف أمامه. تذكّر محبة السيد لك وأحبّه من كل قلبك وكل نفسك وكل فكرك.

بتصرفك بهذه الطريقة سوف تبلغ الحياة المباركة في مملكة النور الأبدي. نعمة ربنا يسوع المسيح لتكن معك. آمين.