الفوضى في الكنيسة – الأب أنطوان ملكي

الفوضى في الكنيسة

الأب أنطوان ملكي

 

الفوضى، لغةً، هي عدم احترام القوانين والأصول. هذا ينطبق في كل شيء: في الكنيسة، كما في أي جسم آخر. من دون القوانين تكثر المشاكل من غير أن يكون هناك مرجع يُستَنَد إليه في الحلّ. أوّل مَن بدأ بوضع القوانين الكنسية هو السيد نفسه: “أما أنا فأقول…”. أوائل القوانين الكنسية نراها في انتخاب ماتيّاس في أعمال الرسل. فالقانون لا بدّ من وجوده، لا ليقيّد الناس بل لينظّم أمورهم. تتالَت المجامع وكانت أعمالها تتجسّد في قوانين حفظت الكنيسة لألفي عام، حتى يمكن القول أنّ لكل أمر في حياة الكنيسة قانونه، بدءً من قبول الناس في الكنيسة وصولاً إلى تجنيزهم. بدأت الإشارة إلى القوانين على أنها تدابير تنظيمية منذ المجمع المسكوني الأول، ومذّاك بدأ التمييز بين القوانين والتشريع في الكنيسة، مع التشديد على أنّ الواحد يكمّل الآخر.
ولما لم يكن الناس جميعاً من الطينة ذاتها، ولم تكن الأمور دوماً على نفس الدرجة من التحديد والوضوح، نشأ مبدأ التدبير. فالشرع والقوانين في الكنيسة ليسوا جامدين، خاصةً أن الهدف ليس الصحّة القانونية بقدر ما هو الصحّة والكمال الروحيين. من هنا أن بعض الاستثناءات للقوانين ممكنة، في حال كان ذلك في مصلحة الجماعة كلّها. فالشرع الكنسي هو قانون النعمة قبل كل شيء، واهتمامه الأوّلي هو النفوس والأرواح. ولكي لا يكون تطبيق التدبير عشوائياً فقد وضعت الكنيسة أسساً تحدد كيف ومَن يطبّقه. فالتدبير ينطبق فقط على ما ليس عالمياً عامّاً، وللمجمع الحق في ممارسة هذه السلطة. هذا، ولا يمكن إنكار الخطر المرافق للتدبير، أقلّه لأن البعض ينحو إلى جعل الاستثناء قاعدة.
ما ينبغي التنبّه له هو أن القوانين الكنيسة، في تحديدها للأخطاء أو لأعمال التوبة المناسبة لها، لا تتصرّف بمنطق الانتقام أو فرض العدالة بمنطق بشري. إن للقوانين الكنسية وجه أساسي تربوي علاجي رعائي. فمفهوم الخطيئة في الكنيسة الأرثوذكسية يقوم على أن الإنسان في مخالفته مشيئة الله، أساء إلى نفسه أولاً، ولم يسِئ إلى الله، الذي هو فوق الإساءة. من هنا أن ما يُفرَض على الخاطئ هو لشفائه وخلاصه وليس لاسترضاء الله ولا للانتقام من الخاطئ. فالكنيسة، مثلاً، في قولها أنّ على السارق أو القاتل أو الزاني أن يبقى مع التائبين عدداً من سنوات، فهي لا تعاقبه على سرقته ولا على قتله ولا على زناه، بل تعطيه المدة التي رأت أنّها ضرورية لشفائه مما علق بنفسه من وسخ الخطيئة. فالفترة الزمنية المشار إليها ضرورية لكي يتنقّى فكره وذاكرته من صورة الخطيئة التي ارتكبها ولكي تركد الشهوة التي أدّت إلى تلك الخطيئة في داخل نفسه. فالهدف من فترة التوبة ليس إصلاح الخاطئ فقط بل تجديده أيضاً وحماية الجماعة من انتشار هذه الخطيئة. لأنّه إذا أخطأ واحد ولم يُعالَج تنتقل خطيئته إلى غيره من الإخوة أصحاب النفوس الضعيفة. من هنا، حرمان أحد المؤمنين من المناولة ليس قصاصاً بل هو دعوة علنية إلى التوبة خوفاً من الحرمان من المشاركة في المسيح، لأن الخطأ جسيم. فعندما يرى أعضاء الجماعة ذلك يمتنعون عن مثل هذه الخطيئة. وعندما تكون الخطيئة معروفة علناً، يظهَر بشكل أقوى أنّها مرفوضة. عندما تكون الكنيسة حيّة، لا يشكّل القصاص العلني مشكلة والمثال أنّ في الكنيسة الأولى كان الاعتراف علنياً. عندما تبرد النفوس تبرز المشكلة مع إعلان الأمور، ويصير في كل كلمة أو عمل معثرة للنفوس.
من هنا، أن ما ينطبق على خطايا الكهنة هو دائماً أكثر مما ينطبق في الحالة نفسها على العلمانيين. ليس لأن الكهنة مطالَبين أكثر من العلمانيين، بل لأن أخطاءهم هي أكثر علنية من أخطاء الآخرين، وبالتالي أثرها الضارّ على الجماعة أكثر جسامة من أخطاء العلمانيين. فعلى سبيل المثال، عندما تقول الكنيسة بأنّ الزاني لا يمكن أن يكون كاهناً، ذلك ليس فقط لحماية الكهنوت والزواج والعفة، بل لأن الذي عجز عن حفظ هيكل الروح الصغير، أي جسده، يصعب عليه حفظ الهيكل الكبير أي الكنيسة بمؤمنيها. وإذا قالت أن الكاهن يُجرّد إذا زنى، فلأنّه معلّمٌ يقتدي به الناس.
الكنيسة، كونها الجسد السري للمسيح، عندها وسائلها لتحقيق خلاص أبنائها. عدم احترام القوانين يعرقل عمل الكنيسة ويشوّش على الخلاص. ومع أنّ الكنيسة هي مؤسسة بشرية وإلهية في وقت واحد، فإن وجهها الأرضي يسود عليه الروح. وطالما أن الكنيسة ما زالت مجاهدة في هذا العالم، فإن تقليدها القانوني والشرعي يبقى جزءاً أساسياً من حياتها الأرضية يؤمِّن لها وسائل الأمان والحماية التي في إطارها تنمو الحياة في الروح وتُحفَظ. مَن أراد الحفاظ على الكنيسة وخلاص أبنائها يحفظ قوانينها.

نحن والقديسون

نحن والقديسون

 

في خبر أرثوذكسي من العالم الأسبوع الماضي أن هامة القديس بندلايمون معروضة اليوم للزوار في أوكرانيا للتبرك. والهامة هذه محفوظة أصلاً في الدير المسمّى باسمه في جبل أثوس لكن الرهبان حملوها إلى في هذه الزيارة إلى بلاد الروس ليترّك المؤمنون بها حيث بقيت حتى التاسع من تموز الحالي لتنتقل إلى مكان آخر. قُدّر عدد المؤمنين الذين يزورون الهامة يومياً بثمانين ألف وروت إحداهن إنها انتظرت أربع عشر ساعة ليتسنّى لها تقبيل الهامة والتبرك منها.

في المقابل يمر عيد القديس يوف المشقي في انطاكية خجولاً هزيلاً: بعض الأديار تقيم السهرانيات، بعض كنائس الرعايا تقيم صلاة الغروب مع كسر الخبزات الخمس، وفي أفضل الأحوال قداساً في يوم العيد. لن أناقش مقولة قديس كبير وقديس صغير. لكن ما سوف أتوقف عنده، لأنه ينبغي التوقف عنده، هو هذا الحبل المقطوع أو الذي يكاد ينقطع في العلاقة بين المؤمنين والقديسين في انطاكية. طبعاً ليس مطلوباً أن نطبّل ونزمّر إذا أعلنت قداسة قديس، وأصلاً لم يفعل الأرثوذكس هذا عند إعلان قداسة الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي وهو آخر مَن أُعلنت قداسته في انطاكية. لكن أقل المطلوب هو أن يحس الأنطاكيون بأن لهذا القديس أو ذاك وجود مميز بينهم، أن يستدعوه للشفاعة ويحسوا بها فاعلة في حياتهم.

علاقتنا بالقديسين وللأسف تحولت إلى أعياد يتولى مجالس الرعايا تنظيمها  فيدخل فيها الطبل والزمور والاحتفالات وقد لا يغيب عنها إلا القديس صاحب العيد. ممارسات مفترض أن المسيحيين نسوها فلمَ العودة إليها؟ علاقتنا بالقديسين تحولت إلى مجرد ايقونات نتباهى برسمها وتعليقها. ما عدنا نختار أسماء أبنائنا من القديسين لأننا لم نعد نطلب شفاعتهم فعلاً. صرنا نحتفل بأعياد ميلاد أبنائنا ونسينا أعياد شفعائهم لأن حبل الود بين المؤمن وشفيعه انقطع لدينا. الإسم يحمل صاحبه وصفاته، ونحن ما عدنا نرجو لأبنائنا القداسة. فالقداسة ليست من مواصفات النجاح الذي قد يحملها اسم أي ممثل تلفزيوني أو مغنٍ.

إن لم تُفعّل علاقة المؤمنين بالقديسين لا يبقى من فرق بيننا وبين البروتستانت. لا يكفي أن نعلق الإيقونات بل نحن بحاجة إلى التأمل والتمثل بأصحابها. جاءني مرة صديق بروتستانتي قائلاً أن كنيستهم جافة إذ ليس فيها لا عذراء ولا قديسون بينما كنيستنا فلا. القديسون يبثون الرطوبة في علاقة الجماعة المؤمنة مع الله، والأمر هو في الخبرة.

تراثنا الأرثوذكسي مختلف عمّا نفعل اليوم. كنائسنا كانت تقام على قبور الشهداء ثم صارت تُوضع رفاة القديسين في أسا المائدة. كنائسنا هي بيوت الله وكنائسه ولكنها على اسماء القديسين. بيوتنا كانت ملأى بسير القديسين تخبرها الجدات للأحفاد والأمهات للأبناء. اليوم كل شيء تغيّر. لدى أبنائنا الكثير من السيَر التي تحدد لهم أولويات غير القداسة. الجدّات صرن يسابقن أحفادهن على التلفزيون والأمهات صرن يتشاجرن مع أبنائهن من أجله. ضاق المكان الذي كان يتسع لقصة قديس أو شفيع ومطلوب أن نعيده إلى ما كان عليه.

كما أن أبنية الكنائس لا تقوم إلا على رفا القديسين كذلك الكنيسة لا تقوم إلا على صلواتهم وشفاعتهم والشركة معهم. نحن في هذه البلاد علامَ تقوم كنيستنا؟

الأب أنطوان ملكي

(عن نشرة الكرمة)

حاجة الانسان المعاصر الى سر الاعتراف – فادي أسعد جرجي

حاجة الانسان المعاصر الى سر الاعتراف
فادي أسعد جرجي

غربةُ الإنسان في عصرنا

تركوني أنا ينبوع المياه الحي واحتفروا لأنفسهم آباراً، آباراً مشقّقة لا تمسك الماء” (ارميا ٢:۱٣).

يؤكد غير قليل من المعطيات السائدة في بيئاتنا الاجتماعية أننا نعيش في عصر لا يقيم وزناً لفضائل مثل التيقظ الروحي والسهر على حفظ الحواس وصون النفس من الزلل. مجتمعاتنا الجادة في طلب السعادة عبر وسائل اللذّة والاستهلاك والتكنولوجية لم تعد تتحسس الابعاد الروحية للقيم كالجمال والطبيعة والفن والجسد… البشر جملةً في حركة متسارعة الى اللهو. كلام كثير يذاع هنا وثمّة عن “حقوق الانسان”، ومعظمه لا غاية له سوى استغلال الانسان وانتهاك حرماته أو بكلام آخر جعله باسم الحرية عبداً. هذا، ويذهب غير قليل من المحلّلين الاجتماعيين الى أن فلسفات الأنسنة والتي هي وليدة عصور “التنوير الغربي”، لم تترك مكاناً للبعد الروحي في حياتنا. حضارة اليوم تدعو كلّ واحد منّا وتمهّد له السبيل للاستغناء همّا هو ديني روحي، ليكتفي بالغايات الآنية لوجوده، فيرتاح الى ما يحقّقه من انجازات بشرية صغيرة كانت أم كبيرة، ويبني أهراءات المال والسلطة واللذة التي تؤمّن مستقبل مجتمعه واستقراره.

غير أن الحقيقة الأكثر صدقاً أن انساننا المعاصر، العابث، إنما يتذرّع بفلسفات الانسنة وسواها ليبرّر إخفاقه في اكتناه الحقائق الروحية وعيشها. إننا عوضاً عن أن نواجه ذواتنا برصانة وصدق نميل في معظم الأحيان الى خلق الأعذار المبنية على الظروف والمعطيات الخارجية المتعدّدة والشديدة التعقيد، لنقول من ثم إن التعاليم الروحية للكنيسة أضحت بعيدةً عن الواقع لا صلة لها بالانسان المعاصر وتطلّعاته وأشجانه.

لكن المحاسبة النزيهة للضمير تظهر غير هذا. ما ينكشف، حين نتحقق عن كثب من واقع المشكلة، أن الانسان اليوم هو بأمسّ الحاجة الى القيم المسيحية الروحية التي هي السبيل الأنجح بل الأوحد الى حلحلة أزماته وتهدئة اضطرابه. غير أن البشر يفضلون الهروب من كل هذا. الانسان المعاصر يخاف الدين وما فيه من إلزام ووعيد، لأن الشعور بالذنب يُثقل كاهله. صورة الإله القاضي حامل الميزان في يمناه ليحاسب بصرامة كلاًّ عمّا فعل باتت منفّرة تكسر ظهر الانسان عوضاً عن أن تساعده. هذه الصورة الحقوقية لله والتي كرّسها لاهوت الغرب مع ترتوليان، مروراً بأوغسطين وأنسلمس ووصولاً الى سخولاستيكيّة الإقويني ومن حذا حذوه، جعلت الناس يجحدون الاله. ما لا شك فيه أن “اللاهوت المسيحي” في بعض اتجاهاته المدرسيّة قد أذنب إذ خسر كل إمكانية في محاورة الناس، بل جعل الانسان المعاصر يفقد غايته، يفقد الرؤيا السليمة في حياته التي كان علم اللاهوت وحده قادراً على تزويده بها. فحين ينزاح اللاهوت عن مساره الأصيل، يميل البشر الى إرواء عطشهم إما من روحانيات غريبة، وإما بالإقبال الأعمى على اللذة وأسبابها، أو بنوع من اللامبالاة وعدم الحسّ…

“اللاهوت المسيحي” يذنب حين يفقد أصالته، يفقد رسالته الرعائية التبشيرية وإمكانية شفاء الانسان وبلسمة جراحه. لا يعود اللاهوت ذاك السامري الشفوق الذي ينحني ليرفع الانسان من وهدة جراحه. يُضحي صيغاً فكرية عقيمة لا تسلّي سوى المتحذلقين عوض أن يكون منهاجاً لشفاء الانسان “لتكون له حياة (بالاستنارة) وليكون له افضل (بالتمجيد)” (يوحنا ۱٠:۱٠).

وحدها اسرار الكنيسة قادرة اليوم على انتشال الانسان من دوامة الظروف الحياتية التي تسيّره وتستعبده. ولكن مفتاح هذا كلّه يبقى ذلك الشعور الذي انتاب الابن الشاطر حين اشتهى أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله، ولم يستطع. ساعتئذٍ، يخبرنا الإنجيل، أنه “رجع الى نفسه… وقال أقوم أذهب الى أبي وأقول له أخطأت يا ابي الى السماء وأمامك…”(لوقا ۱٥:۱٧-۱٨).

هذا الشعور بسوء حالنا، وحاجتنا الى المسارعة الى المسيح هو سرّ التوبة، الذي به وحده يمكن خلاص إنساننا اليوم.

الشعور بالذنب المَرَضي والمعرفة الواعية للخطيئة

“من يعرف خطيئته خير من الذي يقيم الموتى” (القديس اسحق السرياني).

يصف علم النفس المستحدث شعورَ الانسان بالذنب بأنه حالة عُصابيّة. وأنه كسائر “الأمراض النفسية” يؤدّي تدريجيّاً بصاحبه الى شيء من التراجع فالتدهور ثم التداعي. أو على الأقل يضايقه بمقدار يحدّ من انتاجيته الفكرية والعملية بحيث يفقد فاعليته في مجتمع دينه وديدانه التنافس في الانتاج والاستهلاك. ويماهي علماء النفس ما بين الشعور بالذنب ولون من الفرح بالخطيئة كامن في حنايا عقل الانسان الباطن، حيث يتحرك بفاعلية كبرى وهو مستعد أن يؤدّي في لحظة غير منتظرة الى الانفجار والتعبير بشكل جامح أو عنيف عن هذا التضعضع في شخصية الفرد أو حتى المجتمع برمته. وكثير من المغالين في التحليل يحمّلون الدين مسؤولية هذه الحالة. إذ يرون فيه نظاماً أخلاقياً يحدّ الانسان بموانع ونواهي لا تؤدي إلا الى كبت ما فيه من حيوية. ولكن إن طبقنا منهج سيغموند فرويد نفسه، وهو خير من درس جدلية الشهوة والكبت في الانسان، أفلا يتضح لنا أن عقدة الذنب هذه إنما تعود في جذورها الى البنية الاوديبية للأسرة، الى الاضطراب وعدم الاتزان في مناخ العائلة التي نشأ فيها الولد في سنيه الخمس الأولى خاصّة، والى ما صادفه من صدمات وكبت في المرحلة اللاحقة في نموّه وتفتّحه الاجتماعي والعاطفي.

فمشكلة الشعور بالذنب إذاً، لا تأتي من قيم دينية يتربى عليها الانسان، بل من تلوث أو فساد في عائلته، كما نلاحظ اليوم في الكثير من البيئات “الحديثة” حيث انفرط عقد الاسرة وبات كلٌّ يعيش على هواه. الشيء الأول الذي ينبغي لنا أن نقف عنده هو أن القيم الروحية وما فيها من ضوابط، إنما تجمع شمل الاسرة وتبقي اللحمة فيها بحيث يتأمّن جوّ معتدل ملائم لتفتّح الفرد ونموّه بشكل متزن. أما الأمر الثاني فهو أن الشعور بالذنب المرضي والناتج عن كبت وعقد، هو غير الإدراك الواعي للخطيئة الذي عبّر عنه داود في مزموره الخمسين “لأني أنا عارف بإثمي وخطيئتي أمامي في كل حين”، والذي يتأتّى من شفافيّة أو بصيرة تشبه أعين الشيروبيم الدائمة اليقظة التي تشاهد جمال الخالق وتستحي لقبحها امامه، فتشتاق الى مصالحته. والشوق يولّد في الانسان حركة، يصير فيه ديناميكيّة  بخلاف الشعور المرضي بالذنب والذي ما هو إلا جمود وموت. “ووعي الخطيئة”، أي هذه الحساسية الروحية التي عبّر عنها اللّص المصلوب عن يمين المسيح وزكّا العشّار حين أدرك قصر قامته فاعتلى الجميزة، أساسٌ هامّ لفهم الانان لسرّ الاعتراف بل للحياة الروحيّة كلّها. لا بدّ للانسان من أن يعرف معنى الخطيئة من حيث هي واقع يؤثّر على كيانه بجملته، يشتّت قواه ويبعثر مواهبه فيصير عقيماً لا يقوى على الدنوّ من مبدأ الحياة أي “معرفة الله” (يو ۱٧:٣) التي تعطي معنىً وهدفاّ لوجود كل انسان. الخطيئة تقود الانسان الى العبث. وتجاهُل الخطيئة عبر طرحها خارج مفاهيمنا الاخلاقية يقود بدوره الى العبث. لأن الحقيقة لا يقربها الانسان إلا بالمواجهة الصادقة للذات والله والمجتمع. فوعي الخطيئة هو قبل أي شيء عودة الى حيّز الواقع، أي استدراك النفس التائهة في التخيلات لحالها المتدهورة. وهذا ما يسمّى في قاموس آباء الكنيسة “يقظة روحية” أي معرفة الانسان لحاله الواقع، وسهره على معالجة الاعوجاج فيها، والمحاولة الجادة منه للتمسك بهذا الوعي وما يصحبه من مسعى جاد. لذا فإن كل تطبيق شكلي لطقوس سر الاعتراف يبقى عديم الجدوى إذا لم يسبقه أو يصحبه نزوعُ النفس الأصيل الى تبديل ما فيها من قباحة تؤذي علاقتها الحميمة بالمسيح. شعورنا بالحاجة الى التوبة هو الأساس لسرّ الاعتراف. ولا اعتراف من غير توبة. لأن الاعتراف تكميل لما في النفس من ندامة وحزن مغبوط وشوق الى الله. الله يجتذب الانسان بنعمته الى التوبة. والتوبة تقتاد الانسان بنعمة الله إلى الاعتراف. والاعتراف يؤول بالانسان الى مغفرة الخطايا. وما المغفرة إلاّ بدايةً للنمو الروحي. فنحن لا نعترف لنفي ديناً على الله، بل لنكسر الحواجز الدهريّة القائمة في دربنا الى وحدة الحال مع المسيح. نعترف لنعبّر لله عن تعلّقنا به، وعن حاجتنا الى نعمته الشافية، وعن رغبتنا في الانفتاح عليه والاتحاد بشخصه. وهكذا لطالما عَبَرَ المسيحيّون المجاهدون بالتوبة، وفي كل الأزمنة، من الاستنارة الى الكمال فالتمجيد بنعمة الروح القدس.

الانسان المعاصر وأزمة التواصل مع الآخر

أسوأ ما في التطور الواسع النطاق لوسائل الاتصال في عالمنا، والتي يقال إنها جعلت الكون قرية صغيرة، أنها عزلت الانسان بشكل كامل عن اخيه الانسان. الثورات المتتالية، النهضة الأوروبية وما رافقها من حركة ادبية وفنية، الثورة الصناعية وما صاحبها من قيام لطبقة بورجوازية لها فكرها ومجتمعها، الثورة الفرنسية وانهيار الانظمة الملكية والثيوقراطيات، الثورة البلشفية وسيادة مارد الإلحاد، الحربان العالميتان وفقدان قيمة الانسان الذي بات يُباد كالبرغش بعشرات الآلاف، ثم ثورة الطلاب التحررية في فرنسا عام ۱٩٦٨… كل هذه وما آلت اليه من تفلت واتجار بالجنس والقيم، حوّلت العلاقات بين الناس الى آليات لا حياة فيها ولا عافية: مجرد اتجاه الى من نحتاجه أو لنا مصلحة في صحبته. أليس هذا استمراراً لسقطة آدم التي لعنت الارض وكل ما فيها فباتت الحيوانات التي كانت تألف وجهه تفرّ هاربة منه وبات عارياً يسعى بالأغطية الى شيء من الطمأنينة أو راحة البال فلا يجد لأنه فقد محبته وفقد مصدر سلامه واستقرار.

لا أشاء أن انقض حاجة الانسان في مجتمعاتنا الى وسائل الاتصال، ولكن ما أود تسطيرَه أن هذه الوسائل باتت ناجحة في تستّر الانسان خلف قناع كاذب: يدّعي الانفتاح بينما هو يعتكف على أناه لعجزه عن تخطّي عقدها. الانسان المعاصر يتصل بالجميع ولكنه لا ينجح في لقائهم الشخصي. لا مجال البتة للقاء الوجوه. قد تشاهد من تعرفه على شاشة الكومبيوتر ولكنك تعجز عن ان تجلس إليه لتنظر في عينيه. تتكلم كثيراً مع الناس ولكنك نادراً ما تفتح قلبك لهم، لأنه لا يمكنك أن تأتمنهم على ما في القلب. العلاقات البشرية في مجتمعاتنا غدت هكذا سطحية هامشية. والانسان بات منغلقاً على ذاته غير قادر على تخطي حدود أنانيتها. حتى فضيلة الحب لم تنجُ من هذا الداء. الحب البشري بات ملوّثاً، حبّاً أنانياً خالياً من أي بذل إلا على صعيد القبيلة أو العائلة الصغيرة. نحن اليوم في قريتنا الكونية التي تطال أطرافها أرجاء الكون بأسره ضيّقون أكثر من اي وقت مضى، فالانفتاح الحقيقي إنما يكون في تخطّي حاجز الخطيئة الذي يعرقل الانسان. كلٌّ منّا رازح تحت أعباء آثامه منكمشٌ عليها، وإن أقرّ بها فهو يقرّ بينه وبين نفسه فقط، لأنها من “خصوصياته”، أو يعترف بها “بينه وبين الله” كما يقول. كلٌ منا يحوّل حياته الداخلية الى قدس أقداس لا يلجه أحد ولا حتى المسيح لأن الباب بات مقفلاً بالخطيئة وحب الذات.

“هائنذا واقف على الباب أقرع، يقول الرب، فإن سمع احد صوتي وفتح لي أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي” (رؤ ٣:٢٠)

المسيح يشاء بسر التوبة أن يكسر طوق الانعزال الذي يحيط بنا من خلال الخطايا. هو يدعونا الى أن ندخل في سر الكنيسة من جديد إذ نطرح على عتباتها آثامنا ونلج لابسين حلّة جديدة لنشارك الابن بالعجل المسمّن. فإن المؤمن حين يلتجئ الى الكاهن وينحني بعد اعتراف تحت البطرشيل، يدخل في هذا السر الذي به تنفتح القلوب على نعمة الله وعلىكنيسته، فيتصالح مع السماء ومع الناس ويصير من جديد وارثاً لفردوس آدم المفقود. الانسان يستعيد دالته لدى الله فتصير صلاته مسموعة مقبولة بل إحساناً الى الناس. يخرج من ركود الخطايا القابعة في القلب الى نور جدّة الحياة، ويلتقي مجدداً الاخوة. ولعل هذا اللقاء المحبّ خيرُ دواء وسلوة للنفس المتعبة والرازحة تحت الأحمال. لأنه كما يقول فرويد “أجمل شعور لدى الانسان هو أن يحسّ المرء بأنه محبوب ممن هو يحبّه”. وهذه المحبّة إن تمكنت من تخطي الأنانية كما يذكّرنا الأب يوحنا رومانيدس، فهي تصير شفاءاً للانسان. وإن رقّت بالأكثر تستحيل إيقونة لمحبة الله التي بها يكون كل بذل وعطاء، وكل “تأنٍ ورفق” (۱كور ۱٣:٤)، حتى تصطلح العلاقات الاجتماعية بخلوّها من الريب، وتتشكل بسر التوبة كنيسة المسيح ملكوت الله على الارض. لأن الكنيسة في بعدها الانساني الأعمق، ما هي إلا كما يعرّفها القديس أفرام السرياني “جماعة الخطأة الذين يتوبون”.

الاعتراف علاج للمرض الروحي في الانسان

“ولكن لكي تعلموا أن لابن الانسان سلطاناً على الأرض على ترك الخطايا، حينئذٍ قال للمفلوج قم احمل سريرك واذهب الى بيتك” (متى ٩:٦).

كم هو غريب هذا الأمر الذي يختبره الأرثوذكس في اعترافهم! فإنهم في لقاء مع أب روحي في اعتراف غير طويل يتمكّنون من أن يتخلّصوا من كل اضطراب أو توتر من شأنه أن يعرقل مسيرة حياتهم. بينما ترى الناس في المجتمع يصرفون الساعات والأشهر في الاختلاف الى الأطباء النفسيين، ويعللون النفس بالآمال، ويدفعون المبالغ الطائلة دون أن يحصلوا على اية نتيجة جدية تذكر. إذ إن العلاج في أكثر الحالات يقتصر على لون من التخدير للهوى القابع في الانسان، اي خفض لحدّة التوتر في النفس عبر إيجاد الاشكال الاجتماعية المقبولة للتعبير عما فيها من أهواء معابة (ما يسمى في الطب النفسي تصعيداً). فكأن التحليل النفسي لا يسعى إلا الى إقناعنا بقبول ما في النفس من نزعات وما يسمّيه “تخطياً لعقد”، أي بكل بساطة: الرضى بما نحن عليه من عدم استقامة، ليكون بهذا “سلام الانسان”.

أما في أسرار الكنيسة فالامر يختلف بالكلية. الكنيسة تصرّ على معالجة المشكلة من جذورها. وهذا يتطلب في طبيعة الحال مرشداً روحياً مختبراً وليس اي انسان. لأن الوعي الروحي المصحوب بالجهاد الحقيقي هو السبيل الى تمييز طبيعة الهوى أو مصدر التشويش في النفس ومعالجته بما يوافقه. والخبرة الأرثوذكسية في أن الانسان يتخذ مرشداً يصير له أباً روحيّاً فريدةٌ في العالم المسيحي. فهي ليست مجالاً لتخطي الانسان لكل ذاتية في الحكم في الأمور الروحية فحسب، بل أن المسيحي، كما يوضح القديس سمعان اللاهوتي، يجد في شخص الأب الروحي من يسير امامه ممسكاً بيده ليمهد له السبيل “الى ينبوع المياه الحقيقي ليغسل فيه وجهه ويرحض كل أثر للادناس”.

ولن أتوسع في مناقشة أو شرح ما يوضحه الآباء عن آلية الاضطراب الحاصل في نفس الانسان من جراء خطيئته، والذي يؤدي الى انفصال الذهن عن القلب أي تشظي شخصيّة الانسان، والتشتت في الافكار الأثيمة، ثم جمود القلب وموته. هذا البعد المورفولوجي في المرض الروحي أتركه ههنا جانباً لأقف عند البعد الاجتماعي النفسي والذي هو مرض مَلَكَة الحب في الانسان. فالحب الانساني كما ذكرنا، يصير بالخطيئة أنانياً يتجه به الانسان الى نفسه عوض أن يكون معطاءاً منفتحاً على الله والآخرين. هذه الفيزيولوجيّة المعطّلة لحواس الانسان الروحية هي تماماً المرض الروحي. فالانسان من حيث يدري أو لا يدري يستعمل كل الأشياء بأنانية واستغلال. “أناه” تصير محور الكون. وهذا الأمر، الذي لن يخالفه البتة عالم النفس ألدر، هو جذر كل خطيئة. أمّا صحّة الانسان فتكون في تخطّيه لذاته عبر اتجاهه الى وجه خالقه وتقديمه له السبح النقي والشكران. وهذه الحقيقة الانسانية الروحية عبّر عنها آباء الكنيسة حين عرّفوا الانسان “بالكائن الهيمنولوجي”، أي أن معنى وجوده قائم في أن يكون الله الذي يليق به كل تسبيح محور حياته. فيحيا “بكل كلمة تخرج من فمه” (متى ٤:٤؛ لو ٤:٤۱)، ويجد ذاته المشتتة، حين يتجه الى المسيح، يجد ذاته تلتئم لتشكل صورة الله. وفي صورة المسيح المصلوب ليدفُن الصورة القديمة التي فينا، نجد قيامة صورتنا من الفساد. الانسان حين يعترف، يستدعي النعمة لتجلي أدران النفس وتعيده الى حقيقة صورة الله. وإذ تبدو صورة الله في الانسان من جديد، يعود الله ليتخذ المكانة المركزية في حياتنا، ويصير المسيح “الكل في الكل” (۱ كولوسي ٣:۱۱). وعوضاً عن أن نكون عبيداً رازحين تحت نير الخطيئة وكثافة “الأنا” ننعتق لنصير أبناءاً “وارثين لله بيسوع  المسيح” (غلاطية ٤:٧)

خاتمة

المسيحي المؤمن يتخذ في الاعتراف قوة من العلاء ليحب الله والاخوة. وفي هذه المحبة يجد، في هذا الزمان وفي كل زمان، قدرة على العطاء والخدمة و”احتمال كل شيء” (۱كور ۱٣:٧). فيكون في الوقت نفسه روحيّاً واجتماعيّاً بامتياز. وقد ينال في ذاته قسطاً من قداسة الله، إن استغرق في التّحابّ مع المسيح.

الصليب – الراهبة الأم مريم

الصليب

الراهبة الأم مريم

دير مار يوحنا – دوما

 

X

يا صليب الرب المشوق إليه من العالم، أشرق بروق نعمتك البهيّة في أفئدة مكرّميكَ ومصافحيك بمحبّة إلهيّة. يا مَن بكَ اضمحلّتْ كآبة العبرات ونجونا من فخاخ الموت وانتقلنا إلى فرح لا يفنى. أظهر لنا بهاء جمالك مانحاً جوائز الإمساك لعبيدكَ الطالبين بإيمان معونتك الغنيّة والرحمة العظمى (التريوديون: عن صلاة المساء الكبرى – السبت).

الإله

“أنا هو الكائن”… (خر 3: 14) “أنا هو الطريق والحقّ والحياة” (يو 14: 6) “لا يقدر أحد أن يُقبِل إليّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني وأنا أُقيمه في اليوم الأخير” (يو 6: 44).

والرب قال: “أنا أُريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحقّ يقبلون” (1 تي 2: 4). ونقرأ في إنجيل يوحنا “ومع أنه كان قد صنع أمامهم آيات هذا عددها لم يؤمنوا به” (يو 12: 37). “…فنادى يسوع وقال. الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني. والذي يراني يرى الذي أرسلني. أنا قد جئت نوراً إلى العالم حتى كل مَن يؤمن بي لا يمكث في الظلمة” (يو 12: 44 – 46).

هكذا نقرأ أنه هو الكائن منذ الأزل وأنه هو الطريق والحقّ والحياة وأنه إذا أتى الإنسان إليه لا يمكث في الظلمة.

لكن الشعب الذي تجسّد الله منه ولخلاصه وخلاص العالم، لم يؤمن به، ولا بعد أن صنع لهم العجائب والآيات ولا بعد أن علّمهم، بل لطموه وبصقوا عليه، وحاكموه وجرّوه إلى الصلب، إلى الصليب وعلّقوه عليه… وبعد موته قام في اليوم الثالث كما أعلم هو تلاميذه. وعلى ما جاء في الكتب…

إذاً مجيء الرب إلى العالم وتجسّده مرتبطان بالصليب. لماذا الصليب؟ لأن البشرية سقطت من حضن إلهها ولم تؤمن أنه هو الإله المتجسّد لخلاصها والعالم، بعد أجيال الموت والخطيئة التي عاشت فيها بملء إرادتها…

الرب الإله خالق السماوات والأرض خلق آدم وحوّاء من نفخة روحه القدّوس وأطلقهما في فردوس نعيمه، معه… لكن الإنسان لم يرض بقسمة الله له، لم يرض بمشيئة الله، بل تحرّك ليعمل مشيئته هو، رغم وجوده في الفردوس…

الرب يسوع المسيح في تجسّده على الأرض، قال: أنا لم آت لأصنع مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني (يو 6: 38). وإذا كان الإنسان مخلوق الله أُطلق في الكون ليحيا بروح وبمشيئة الذي أوجده؛ فلماذا انزاح عن إلهه ليعمل مشيئته هو؟!…

هنا تندرج أمامنا فاعليّة الخلق الإلهي للإنسان – إذ خلق الله الإنسان حرّاً من أيّة تبعيّة، حتى للإله خالقه، وأراد الله الإنسان أن يختاره بملء إرادته… أراده أن يكون له بالكليّة وليس جزئياً والإنسان إذ تبطل إرادته يصير عبداً… لذلك أطلق الله الإنسان ليختاره، ليقف إزاءه، ليكون صنوه في روح الألوهة المنبثّة فيه…

أما الإنسان فسمع صوت الحيّة – الشيطان، وشكّ… لماذا؟ لماذا وهو الكائن في حضن الله معه في الفردوس سقط؟… لماذا سمعَ وشوشات الحيّة؟ لماذا عصى؟…

لأن الله قال له: أما من هذه الشجرة فلا تأكل.

وكان السقوط… من عدم الطاعة، من نقص السماع… وصار السقوط واقع البشريّة بأبيها آدم وحوّاء… ونحن حملنا لعنة السقوط وانشطار المشيئة، مشيئتنا الإنسانية… مع الله وضدّ الله في عدم طاعته.

لماذا سقط الإنسان؟!… لأنه حرّ…

لأن الله أعطاه حرّية الإختيار. لأنه أعطاه المشيئة الحرّة لكي يختار…

واختار الإنسان السقوط، اختار الموت، اختار الصليب… اختار التجارب والآلام، فصار  حرّاً من حرّية الإله الذي أوجده، بل عبداً للشيطان ولوشوشاته، وللّعنة والأحاسيس النفسانية وللأهواء في جسده ولمشيئة فكره وتعظّمه… وأناه… في سقوط الإنسان صار أنا غير أنا الله؛ منشطرة عن الأنا الإلهية… التي هي نور وخلاص. والرب يسوع قال: “أنا نور العالم” (يو 8: 12). “فمَن يُقبل إليّ لا يمشي في الظلام”… (يو 8: 12).

إذاً هناك نور وهناك ظلمة… هناك حياة نورانية وهناك عيش مظلم مميت. إذ ضرب العدو “إرادة” الإنسان جعلها إرادة منقسمة على ذاتها، أي على اختيار الشرّ أكثر من التزامها الخير والنور والألوهة… وهذا هو سرّ الإثم إذ ضرب الشيطان مشيئة الإنسان… وسرّ الإثم هذا هو الذي مزّق طبيعة الإنسان وشقّ نفسه وشطر قلبه عن حبّ الله، فتعظّم بعقله وإرادة السقوط التي فيه، والتي هي إرادة الأنا والإنجاز. وإذ يفعل الإنسان مشيئته يدخله الشيطان في عبادة نفسه في الكبرياء… سرّ الإثم هو هذا الإنقسام والتجزّر والتفتّت ليصير الإنسان – وبعد أن التزم سقوطه وفرح به – عبداً للإثم وصارت عنده مع العيش المرّ، إرادة فعل الإثم ونكران الوصايا وعدم حبّه لتطبيقها… أو حتى لسماع كلمة المسيح أو اسمه أو الإلتزام به…

تجسّد الإله الإبن في هذا الكون ليخلّص العالم من سقطته ومن احتيال الشيطان والحيّة عليه ومن ربقة الموت. وفي تجسّد الإبن الوحيد للآب. ابن الله في نزوله إلى الكون رفع البشريّة معه إلى العلى… وإذ أتى الإله إلى الأرض كان عليه أن يعود ثانية إلى حضن الآب، إلى الحضن الذي منه خرج… وكان تالياً على الإبن الإله أن يموت ليعود ويَصعد ثانية إلى حيث كان أولاً…

ولكن هل يصعد وهو قد تجسّد باللحم والدم دون أن يموت هذا اللحم والدم، دون أن يموت هذا البالي ويدفن في الأرض الذي منها أُخذ؟!…

كل هذا عاشه المسيح ليُرينا دربَ خلاصنا وذلك بالطريق الخلاصي الوحيد، بالصليب والموت…

إذاً وإذ كانت لحياتنا بداءة على هذه الأرض، فسيكون لها نهاية أيضاً… والنهاية هي الموت…

والسؤال هو: أخلقنا الله لكي نموت؟!… وأيّ إله هذا الذي يختار البلى والموت والفساد؟… وإذا عاش الإنسان كذلك عمراً في الخطيئة والموت ولم ير فيها الحياة الأبدية، تجسّد الإله، ليُريَ الإنسان المخلوق حياة أخرى لا فناء فيها، ولا موت ولا نهاية لها، ذلك إذا آمن به هو، وبأبيه السماوي: “كل ما يعطيني الآب فإليّ يُقبل ومَن يُقبِل إليّ لا أُخرجه خارجاً. لأني قد نزلت من السّماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني. وهذه مشيئة الآب الذي أرسلني أن كل ما أعطاني لا أُتلف منه شيئاً بل أُقيمه في اليوم الأخير. لأن هذه مشيئة الذي أرسلني أن كلّ مَن يرى الإبن ويؤمن به تكون له حياة أبديّة وأنا أُقيمه في اليوم الأخير” (يو 6: 37 – 40).

إذا كلمة السرّ، سرّ الخلاص هي في الورود إلى الآب بالإبن وبالروح القدس الساكن فينا… باختياره وحياته، كلمته ووصيّته، وحياة ابن الله مبسوطة أمامنا. وهي حياة حبّ وبذل وتعليم وصليب وموت وقيامة…

الصليب

والآن دعونا نسوق أنفسنا إلى الصليب… لماذا الصليب؟! لأنا سقطنا… هذا هو الجواب الواضح البسيط الذي لا يقبله عقل الإنسان وذلك لأن الإنسان رفض الحبّ ومنطق الحبّ الإلهي الإنساني تالياً رفض الخلاص… ولا خلاص إلاّ      بالموت عن أنفسنا الساقطة، عن الخطيئة والأهواء التي فينا والتزام روح الإنجيل وروح الرب الساكن في كلمة وحياة ابن الله المتجسّد…

الصليب حافظ المسكونة، الصليب ثبات المؤمنين، الصليب جرح الشياطين. (أكسابوستلاري العيد).

الصليب سرّ الكون المخلوق… لأن الإنسان إذ عصى واشتهى غواية الحيّة وعاش في الفساد والموت، كان لا بدّ للإله أن يفتديه، ويخلّصه بالموت ويعيد آدم إلى صورته الأولى وذلك بتجسّد ابنه الوحيد وحمله على نفسه خطيئة آدم الساقط بالحبّ وبالموت على الصليب… كان على الخطيئة، خطيئة آدم أن تموت وكانت أداة الموت في تلك الأزمنة الصليب… وصُلب الرب معلَّقاً بين لصّين كمجرم ولم يأنف؛ بل قال لمبغضيه: “اغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون” (لو 23: 34).

وإذ أسلم أمّه إلى يوحنا نكس الرأس وقال “قد تمّ قد أكمل، ونكس رأسه وأسلم الروح” (يو 19: 30).

“قد أُكمل… قد تمّ”… وهذا كان مدوّناً في مجمع الثالوث منذ البدء…

كان لا بدّ للمسيح المتجسّد لخلاص البشريّة من أن يموت على الصليب بأيدي الأثمة؛ لأن الإنسان أثيم؛ وكل إنسان خاطئ وأثيم. فكيف الخروج من هذه الدوّامة الشرّيرة؟!…

بالموت على الصليب مثل المسيح…

وكيف يموت الإنسان وهو حيّ، على الصليب ليخرج من دوّامة الموت ويحيا حياة أبديّة؟! بموته على الصليب!…

هناك يا أحبّة صليبان وهناك موتان…

صليب الإنسان الساقط وصليب الإله المتجسّد. صليب المسيح…

ما هو صليب الإنسان؟…

صليب الإنسان الأوّل هو هو؛ أناه… ولدتُ أُريد نفسي… أُريد أن أُحقق ذاتي، بالفكر والفعل، بالعمل، بالإنجازات، بكليّة كياني… ولا يعرف الإنسان أن هذا صليبه، إلاّ عندما يقترب من الرب يسوع ومن فكره، هناك ينشأ التضاد وتنشأ المفارقة…

الرب يريدني أن أفتقر إليه وحده وأنا أريد أن أغني نفسي وبالعالم.

الرب يريدني أن أجوع إلى ملكوت السماوات، وأنا جائع إلى شهوة البطن والإسراف والأكل والشرب وأطايب ولذائذ الجسد وشهوته وحبّ الظهور.

الرب يريدني أن أعفّ إليه وحده، وأنا أُريد أن ألبّي شهوة جسدي وأحاسيسي وعيني وقلبي وفكري وأصنع مشيئتي…

الرب يريدني أن أخلص بالحبّ الإلهي وأنا ما فتئت أستلقي في أحضان الشهوة وحبّ الأجساد والرغائب والعالم وحبّي لنفسي.

الرب يريدني أن أُعلّق فكري على ذكر اسمه القدّوس لأعلو به إلى السماوات وأنا أُريد أن أنزل بفكري إلى بواطن إنجازاتي وأهوائي وعلومي واختراعاتي…

الرب يريدني أن أُحبّه من كل القلب والفكر والنفس وأنا أُريد أن أُحبّ ذاتي قبله وأعبد نفسي إلهاً…

الرب أوصاني بأن أُحبّ قريبي كنفسي وأنا لا وقت ولا مال عندي لأن أذكر الجائع والمريض والمسكين والعطشان والقريب وفي وصاياه هذه لي، ما يريده الرب مني، أن أنجو من فخاخ العدو ومن موتي الذي زيّن لي حبّ العالم وأغرقني في ضلالة هذا الحبّ الذي يجرّني ببطئ إلى التلف والموت والتشتّت والتفتّت والضياع والشك.

والرب قال: “لا تحبّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم” (1 يو 2: 15).

وقال أيضاً “أنتم لستم من هذا العالم” (يو 15: 19).

أنختار إذاً العالم أم الله؟… ونحن في غالبيّتنا نقول إننا اخترنا الرب؛ لكننا بالحقيقة ما زلنا لا نقبل صليبه لخلاصنا… بل ما زلنا نهرب من الصليب. من صليب الرب المحيي لنختار صليبنا نحن ونقول: هذا مقدّر لي وللإنسان أن يحيا في الشقاء، هذا هو العمر… ولا يمكننا أن نغيّر أي شيء بل إننا؛ أرقاء مضبوطين وقدرنا العذاب والتألّم والموت…

ويأتينا الشرّير بفكر آخر: أترون هؤلاء البعيدين عن الله أترون كم هم أغنياء وموفّقون وناجحون، يرتعون في الراحة والبحبوحة ونحن في الألم والهمّ والشقاء…

ولكن؟!… أليس من حياة أبديّة؟! أليس من استمراريّة؟ أهل ينتهي العمر ههنا؟ أنأتي إلى هذه الحياة لنعيش بعض السنين في الآلام والأوجاع والضيقات وليس من منقذ؟!…

ما أعجب هذا الإله الذي خلق الدنيا وخلقنا هكذا؟

دعونا إذاً نحيا ونسرف ولا نبالي إن كان الموت هو الخاتمة والنهاية.

هذا هو فكر العالم وهذا هو صليب العالم…

“تعالوا إليّ يا أيها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم… احملوا نيري عليكم فإن نيري هيّن وحملي خفيف”… (مت 11: 28 – 30).

التجارب

ها إننا تبعناك يا رب فماذا لنا؟!…

“اما يسوع فرجع من الأردن ممتلئاً من الروح القدس وكان يُقتاد بالروح في البريّة. أربعين يوماً يُجرّب من إبليس. […] ولما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين” (لو 4: 1، 2 و 13).

وجرّب إبليس الرب أيضاً بالجوع إلى الخبز طالباً منه أن يحوّل الحجر إلى خبز ليأكل إذ كان صائماً صومه الأربعيني المقدّس… وأجاب الرب “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة من الله” (لو 4:4). إذاً المقارنة هي بين الخبز الأرضي وبين الإغتذاء من كلام الله… وصليبنا نحن البشر هو؛ إما أن نركض باحثين عن الخبز الأرضي أو أن نتّكل على الله وندعه هو يكون خبزنا وغذاءنا وأن نفتح له الأبواب حتى يطعمنا هو ويغذّينا هو إذا ما أتينا إليه وهو قال: “لا تهتمّوا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون … تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو… فإنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها… أنظروا إلى طيور السماء فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها؟…” (مت 6: 25 – 31) وهذا هو أوّل صليب للإنسان… حبّ البطن ولذّة المآكل.

والتجربة الثانية كانت تجربة السجود لإبليس حتى يُملّك الإله المسكونة… وبالإمكان أن يأتينا الجواب على عجالةٍ… الله خلق الأكوان وهي كلّها له، أما نحن فعلينا على حبّ التملّك وحبّ الإستئثار… أما إذا أتينا إلى المسيح فيصير هو دنيانا وملكنا فيقدّم لنا جوائز غناه الأرضي والسماوي تالياً… وهو قال: “اطلبوا أوّلاً ملكوت السماوت وبرّه وهذا كلّه يزاد لكم”… (مت 6: 33). إذاً، إذا كان هذا وعده، فإننا إن أتيناه سيملّكنا ما نحن بحاجة إليه… وهذا تالياً يصير صليبنا الثاني… فلا نعود نركض لاهثين وراء الملك الأرضي الفاني، بل نسعى وراء بناء ملك لنا لا يفنى ولا يزول ونتمسّك بافتقارنا إليه، ولا نرضى السجود ولا للحظة أمام شيطان الغنى والملك الأرضي والتملّك البشري، فنحيا صارخين من كل القلب والفكر والنفس إليك وحدك أتوق ولكَ وحدك أسير يا رب الكون يا سيّدي وإلهي…

والتجربة الثالثة أو الصليب الثالث هو التهوّر والسرعة والعناد والقبول على التجربة بل طلبها ظانّين أننا لن نصاب بأذى وأننا إذا جرّْبنا بعض المفاتن الدنيويّة وبعض الغوايات الأرضيّة، بل بعض المخاطر فإن الربّ سينقذنا، أو أنا بقدرتي الداخلية سأرتدّ ولن أغرق في المساوئ بل سأضع حدّاً لنفسي وأنسحب…

هذه الغواية الفكرية والإراديّة؛ تقول للإنسان: “جرّب لا بأس عليك”… وهي ضرب من ضروب احتيال العدّو الشيطان على الإنسان ليدمّره من الداخل… وأودّ هنا التركيز على هذه النقطة بالنسبة لما يصيب شبابنا اليوم والذي كان يصيب كل الناس منذ الزمان الأول وحتى الآن.

التجربة يا أحبّة هي قبول تجربة الخبز والتملّك والغنى والشهوة بالجسد والسلطة… والسؤال هو الآن، أنحيا هذا العمر بدون شهوة؟!… “آه مَن يخلّصني من جسد الموت هذا” (رو 7: 24) هكذا صرخ الرسول بولس وقال أيضاً: “إذ لست أفعل ما أُريده بل ما أُبغضه فإيّاه أفعل” (رو 7: 15).

إذاً هناك في هذا الكيان إرادة انقسمت وبدل أن تكون إرادة لصنع الخير والصلاح والبرّ، صارت إرادة ماديّة، دنيويّة نفسانيّة تتلذّذ بالأهواء والأحاسيس وترتاح إلى المآكل وتُشبع نفسها بالسلطة والنجاح والمال والغنى والفسق وتتملّك العلوم والمعرفة الدنيويّة وتمتلك المنازل والممالك الأرضيّة وتركع لأناها ولكبريائها…

فكيف الخلاص إذاً؟!…

الخلاص بصليب الرب

بصليب الرب يسوع المسيح…

“أنتم الذين ثبتم معي في تجاربي. وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتاً. لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي” (لو 22: 28 – 30).

إذاً الموعد محدّد وقد أُعطيَ لنا والوعد أكيد والمائدة معدّة وممدودة لتناول أطايبها في كل لحظة وآن… فماذا نختار إذاً، صليبنا نحن الذي أوجدناه لأنفسنا لأننا أحببنا هذا العالم أكثر من الآتيات والفانيات بدل الباقيات، والسفليّات بدل العلويّات؟!…

مَن عاش هذا العمر ولم يمتْ؟ مَن أسّس ممالك أرضيّة ولم تفن؟ مَن رتّب قوانين وأنظمة وأحكام وموازين ولم تتبدّل؟ مَن بنى ولم يتهدّم، مَن أحبّ ولم يفشل ولم يتأرجح حبّه ويمتلئ شكوكاً واحتيالات ومرجوات كاذبة؟… مَن عاش بدون أسى؟ مَن لم يصادف مشاكل في أيّامه كل لحظة؟!… فإذا كان عنوان الحياة الأرضيّة – الموت الذي يفني بدءاً الروح ثم يقضي على الجسد – فدعونا نأتي بكلّيتنا إذاً إلى العلويّات، إلى الروحيّات، إلى السماويّات…

كيف الخلاص بصليب المسيح؟!…

المسيح عُلِّق على الصليب ليعلِّق معه، على صليبه خطيئتنا… إذاً، إذا نحن أتيناه مؤمنين به، فخطيئتنا وموتنا سيعلّقان على صليب الرب الذي أسّس في الوسط… وهكذا نعلّق نحن على صليب يمينه نصرخ له اذكرنا يا رب متى أتيتَ في ملكوتك فيجيبنا: أنت تكون معي هذه الليلة في الفردوس؛ إمّا نكون كلصّ اليسار فنجدّف أيضاً وأيضاً على الرب متّهمينه بموتنا…

علينا يا أحبّة أن نفهم ما جرى للرب على الصليب؛ ومن ثمّ إتّباعه بكلّيتنا!!… “فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذٍ وجهاً لوجه” (1 لو 13: 12). الآن نحن لا نفهم ولا نفقه كيف الإله خالق السماوات والأرض ارتضى أن يعلّق على الصليب… إذاً هو إله ضعيف… ويجيبنا تساؤلنا “إن قوّتي في الضعف تُكمل” (2 كور 12: 9). “وتكلّم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال: أيها الآب قد أتتِ الساعة. مجّد ابنك ليمجّدك ابنك أيضاً. إذ أعطيته سلطاناً على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل مَن أعطيته”… فالحياة الأبديّة معطاة إذاً على الصليب “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو 17: 1 – 3). معلَّقاً بأيدي أثمة ومطعون ومضروب ولكنه قائم وغافر للذين صلبوه خطيئتهم…

هذا هو إلهنا الذي أتى ليخلّصنا ويعطينا الحياة الأبديّة… إنه ليس إله ضعيف لكنه إله مسامح وغفور وملتحف بالنور الإلهي، لأنه هو النور وحامل على منكبيه البشريّة كخروف ضلّ وسقط فذهب الإله نازلاً وراءه من حضن أبيه، ليعيده إلى الأحضان الأبوية ويردّ له مجده الأوّل، كرامته وجماله ونوره والحبّ الذي لا يفتر ولا غشّ فيه ويعيد له رقّته وسلامه.

هكذا يا إلهي نعرفك على الصليب أنك “أنت الإله الحقيقي وحدك”… هذا هو صليب الألوهة صليب المسيح… فنحن إذ نتّبع خطى السيّد، فإننا نصير آلهة بالنعمة وبالمثال المتّبع، إذ صار هو إنساناً كاملاً في ما عدا الخطيئة ليصيّرنا نحن آلهة على شبهه ومثاله… هذا التلاقي والاتحاد الإنساني الإلهي هو مبتغى التجسّد… ونحن كلّنا لن نعرف السيّد يسوع المسيح، إن لم نحيا مثله، كلمته ووصاياه… فالمعرفة مشابَهَةٌ كما الحبّ إتحاد ووحدة… ونحن إذا التزمنا الرب هكذا في تطبيق وصاياه ومجابهة شيطان الخطيئة الساكن فينا، فإننا نصير له الخروف الضال العائد إليه على كتفيه… هكذا نعرفه، نعرفه معلّماً وطبيباً شافياً وابناً وحيداً للآب ونعرفه مصلوباً على خطيئة الإنسانيّة بعظيم حبّه للإنسان، لذا: “فاعرفه وقوّة قيامته وشركة آلامه متشبّهاً بموته لعلّي أبلغ إلى قيامة الأموات” (في 3: 10 – 11). ويجبب الرسول بولس بسرعة حتى لا يظنّ أحد منا أننا قد بلغنا أو نبلغ إلاّ بالنعمة النازلة من فوق، “ليس أني قد نلت أو صرتُ كاملاً ولكني أسعى لعلّي أُدرك الذي لأجله أدركني أيضاً المسيح يسوع” (في 3: 12).

نحن والسيّد

نحن يا أحبّة نُدرك بالإدراك أن لنا ربّـاً وإلهاً وهو بعظمة حبّه قد ارتضى أن يتنازل لأجل خلاصنا. فإذا تنازلَ هو وأعطى حتى يقيمنا من سقطتنا، فماذا نكون نحن من بعد؟! نسمعه، نتبعه، نقول له “لتكن مشيئتك لا مشيئتي” وهي كلماته على الصليب وفي الجلجلة… حيث بلغ الرب هناك تمام كمال مجده.

آلام السيّد يا أحبّة، لم تكن بسبب خطاياه هو ولكن بسبب جنوحنا نحن وضلالنا… وهو أتانا وأفرغ ذاته آخذاً صورة عبد، كي يعلّمنا إفراغ الذات الكامل كما تمّ بدءاً في السماء… هو الإله أفرغ ذاته آخذاً صورة عبد، فعلينا نحن إن أحببناه أن نفرغ ذواتنا من عبوديّتنا وخطيئتنا وموتنا في أهوائنا، لنأخذ علينا ألوهته…

فكيف لا نسمع بعد؟ كيف لا نحسّ بعد؟ كيف لا نهرب مثل موسى الذي ترك رداءه، حتى لا يحيا في الخطيئة مع ابنة فرعون وفضّل فقر شعبه على موت الغنى؟

إذاً يا أحبّة علينا بالحقيقة أن نختار؟!… وكيف نختار إن كانت إرادتنا منقسمة، بل إن كنا قد صرنا بلا إرادة حقيقيّة بسبب ضعفنا وخطيئتنا؟!… نحن بالخطيئة صرنا مخلّعين عن فعل أي عمل صالح وعن أي برّ… وإذا فعلنا ولو خيراً واحداً فإننا نبوّق ونطبّل ونزمّر، صارخين في الحي تعالوا انظروا ما فعلنا من خير وبرّ وصلاح وصرنا نحن صلاحاً… والرب يسوع باتّضاعه قال: “ليس صالح إلاّ الله وحده” (مت 19: 17).

لكن يبقى علينا أن نأتي الرب صارخين كالكنعانية “أغثني يا رب”. نحن سقطنا وسقوطنا وسقوط البشريّة في آدم فينا كان فظيعاً… فكيف النهوض؟!…

“القلب المتخشّع المتواضع هذا لا يرذله الله” (مز 50: 17) فالقلب المتخشّع المتواضع، قلب لا يتكبّر ولا يظنّ نفسه أفهم من غيره، أو أرفع شأناً. فوالدة الإله حين أتى الملاك ليبشّرها بولادة “الحياة” منها قالت: “ها أنذا أمة للرب فليكن لي بحسب قولك”… أمة للرب، يعني عبدة، وهي قبلت بشرى الملاك لها؛ وإذ اتضعت قالت: إني أمة. صارت أم الإله والبشريّة جمعاء وصارت تالياً السلّم الذي ربط الأرض بالسماء؛ صارت صليب البشريّة الساقطة المنغرز في الأرض وهي أعلته، أعلته حتى واصلت به السماء… صارت هي البشريّة الجديدة التي عُـلّق الرب يسوع عليها، لخلاصها بحبّه لها…

بالقلب المتخشّع المتواضع، يبلغ الإنسان إلى الكمال البشري الذي يعطيه إياه الرب يسوع… والكمال قوامه تواضع الحبّ والرب إذ أحبّ خاصته إلى المنتهى تنازل وأفرغ ذاته بالكليّة في إنسانيّتنا فأعطانا نحن الخطأة شركة في ألوهته، إذ تنازل وصار إنساناً مثلنا آخذاً صورة عبوديّتنا، لنصير نحن آلهة على شبهه ومثاله…

هذه المشابهة يا أحبّة تتطلّب أمانة… أمانة في القليل الذي بإمكان أي إنسان أن يقدّمه لله خالقه… وهو قال: مَن كان أميناً في القليل أقيمه على الكثير” (مت 25: 21).

ومثالنا في الأمانة الأولى والقصوى، هي والدة الإله؛ التي أحبّت وبذلت نفسها رغم محدوديّة البشرة والطبيعة الإنسانيّة، لكنها قبلت ضعفها وعدم فهمها الكامل لمسيرة ابنها، لكنها تبعته حتى الصليب والقبر والقيامة… لم تسأله، لم تشكّ، أحسّت في قلبها ما عليها أن تفعل… هكذا قالت له: الجرار فرغت من الخمر؛ لأنها كانت تعرف أنه باقتداره يستطيع أن يصنع شيئاً؛ أسلمته حاجة الآخرين بالكليّة وسألته الكلمة بأن يعطيها. فأعطى العرس خمراً ليستقوا منه وأعطانا نحن البشريّة، في عرس صليبه، دم جنبه خمراً نستقيه وجسده لنأكله ونحيا بهما إلى الأبد. “أنا هو خبز الحياة… […] أنا هو الخبز الحيّ الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم” (يو 6: 48، 51).

وإذ أعطى الرب ذاته، إذ أخلى ذاته آخذاً صورة عبد معلَّقاً على صليب الأثمة، بلغ تمام الكمال في إفراغ ذاته من الألوهة وعدم التعلّق… وإذ لم يتعلّق هو بألوهته، بل تخلّى عنها لأجلنا، عن ماذا نتخلّى نحن إذاً لنبلغ ألوهته؟ عن إنسانيتنا الساقطة؟ عن كبرياء أنانا، عن موت الحبّ فينا، عن كذبنا؟ عن تعظمنا؟ عن غش قلبنا؟ عن حبّنا للخطيئة؟ عن ركضنا وراء المال والسلطة والكبرياء؟ عن ماذا نتخلّى؟ وما عندنا؟ معطوبيّتنا جسداً ونفساً وروحاً؟!… عن خطيئتنا التي ترمينا كل يوم في الشك وفي الإحتيال والقلق والمراوغة وعدم السلام؟…

آه كم علينا إذا أحببنا الله وآمنا به أن نركض ساعين لنتخلّى، بل لنرمي عنا الثوب الذي خاطه شيطان الخطيئة لنا، إنساننا العتيق لنلبس الجديد، لنلبَس جدّة الحياة في المسيح، لنخلع منّا وعنّا الموت الذي تبنيناه طائعين وألبسناه لكياننا… ما أجمل تلك اللحظات التي نبدأ فيها بجهاد شرس ضدّ طبيعتنا الساقطة، ضدّ إنساننا العتيق… وهو أن نتخلّى عن أنفسنا وعن أي تعلّق مادّي ومعنوي بإنساننا المائت، الذي لا خلاص له إلاّ بالصليب…

والصليب لنا هو تعرّي من كل لباس خاطته الخطيئة لنا، وموقفنا، من سعينا وركضنا وراء المال والغنى والسلطة، وفي تقوقعنا في أنانياتنا، وفي أجسادنا ولذائذ شهوة أجسادنا، في بخلنا العطاء لإخوتنا، وللفقراء المعوزين والمساكين بالروح؛ لأن هؤلاء هم مسكن السيّد وبيته ومنارات النور التي عليها يستقر النور الإلهي، الذي لنا أن نتّبعه في سواد هذا العمر…

يا أحبّة، علينا أن ندرك جيداً أن المسيح مكروه في هذا العالم، لأنه فضح سقوط البشريّة وخطيئة المتكبّرين وأنزل عروش المتسلّطين… والذين يتّبعونه سيكونون أيضاً مثله مكروهين؛ “طوبى لكم إذا عيّروكم واضطهدوكم وقالوا عليكم كل كلمة سوء لأجلي كاذبين… افرحوا وتهلّلوا فإن أجركم عظيم في السماوات” (مت 5: 11 – 12).

إذاً لنا أجرنا نحن في الملكوت… “وملكوت السماوات في داخلكم”؛ إذاً الرب يتحدّث عن القلب، عن ملكوت الحبّ وعن الحقّ الذي يحمله أولئك الذي يحبّون الرب…

النسك

والحبّ هو النسك عن الأهواء للدخول في الأبديّة… أبديّة الحب والأبديّة الإلهية… وذلك بالتماسنا وجه الرب ومشيئته وسيرته وكلمته… وهي هي يا أحبّة القداسة التي لها أن تصير مطلب الإنسان… “كونوا قدّيسين كما أن أباكم السماوي قدّوس” (1 بط 1: 16).

لكن علينا أن ندرك أن القداسة هي الصليب؛ لأن القدّوس علّق على الصليب وهو بلا خطيئة…

فلنتّبعه إذاً حاملين عاره إلى الصليب، إلى القداسة التي تُحرِقْ فنصبح شهداء له حاضرين لأن نسمع نداءه ومجيبين “تكلّم يا رب إنّ عبدك يسمع” “وهاءنذا أمة لك ليكن لي بحسب قولك”… هكذا نجد أيضاً أن القدّيسين مكروهون وأحبّة الله لا مكان لهم في هذا العالم. والبشر يضطهدونهم ويشنّعون عليهم وكما صُلب المسيح كذلك سيَصلبون كل إنسان بحبّ الرب وباتباع كلمته؛ لكننا نقرأ متأمّلين خلاصنا بما قاله الرسول المصطفى بولس: “كونوا متمثّلين بي معاً أيها الإخوة ولاحظوا الذين يسيرون هكذا كما نحن عندكم قدوة. لأن كثيرين يسيرون ممّن كنت أذكرهم لكم مراراً والآن أذكرهم أيضاً باكياً وهم أعداء صليب المسيح الذين نهايتهم الهلاك الذين إلههم بطنهم ومجدهم في خزيهم الذين يفتكرون في الأرضيات. فإن سيرتنا نحن هي في السماوات التي منها أيضاً جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته هكذا نحيا الرب وكلمته وصليبه الذي هو هو هاتفين:

المجد لك أيها المسيح الإله ولصليبك. آمين…

Z  Z  Z  Z  Z

رؤية للأرثوذكسية والتماس للأصالة الروحية – الأب ثيودور ستيليانوبولوس

رؤية للأرثوذكسية والتماس للأصالة الروحية
الأب ثيودور ستيليانوبولوس

[الأب ثيودور ستيليانوبولوس أستاذ في معهد الثليب المقدس في بروكلين، ماساتشوستس. هذه الكلمة تعبّر عن رؤيته الشخصية لحياة الكنيسة ولكنها مفيدة جداً لأن يتبنّاها كل مؤمن في هذه الأيام. في الأصل هي محاضرة ألقاها الأب ثيودور في مؤتمر أسقفية بوسطن التابعة للأبرشية اليونانية في أميركا الشمالية، لكن محتواها يخص للعالم الأرثوذكسي بأكمله. لهذا، بعد استئذان الكاتب، تم وضع العبارات الأصلية بين قوسين حيث المقصود أميركا دون غيرها واستبدالها بما يجعل النص أكثر ملاءمة لكل العالم الأرثوذكسي. (المترجم) ]

ما هي رؤيتي للكنيسة في المستقبل؟ على المدى الطويل، لا أستطيع أن أقول بأني أعرف بأي طرق أو أي قوة يقودنا الله كأرثوذكسيين في [الولايات المتحدة] العالم. أؤمن أنه يقودمنا بالواقع وأن الهدف هو اجتماعنا مع كل المسيحيين الأرثوذكسيين في ملء الحياة والشهادة للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية في [هذا الجزء من] المسكونة حيث زَرَعَنا الله لننمو. ولكن بأي قوة نصل إلى هذا الهدف تطبيقاً لهدف الله، سوف يتوقف على مدى طاعتنا لإشاراته.
على أي حال، في الوقت الحاضر، في سعيي لفهم إشارات الزمن داخل الكنيسة وخارجها، أؤمن أن مهمتنا الأكثر إلحاحاً هي التماس الأصالة الروحية كطريق لحسن التمييز والتمكن من أجل تحقيق الأهداف، القريبة والبعيدة المدى، التي نضعها لأنفسنا.

نحن عندنا غنى تاريخنا الموضوعي، اللاهوتي، العبادة والتقاليد الأخرى. نحن عندنا ما يكفي من المؤسسات، المجالس، الجمعيات، المكاتب، الهيئات، المجموعات واللجان. نحن عندنا عدد وافر من القادة، المفكرين، المربين، الداعمين، والعاملين كما المهرات والموارد من أجل إتمام عمل الله في الكنيسة والعالم.

ليست الحاجة الأساسية برامجاً إضافية، أو لجاناً أكثر فعالية، أو قادة جدداً، أو تصورات جديدة تأخذنا إلى آفاق لم تُكتَشَف بعد. بالأحرى، الحاجة الأساسية هي لتحوّلٍ نوعي في القلب والفكر بسماع أول الأنبياء “أعدوا طريق الرب، اجعلوا سبله قويمة” (متى 3:3). الحاجة الأساسية هي للتجذر الروحي، تحوّل القلوب، تجدد الأفكار، استناداً إلى سعي متواضع وغير محجم للأصالة الروحية، على المستويين المؤسساتي والشخصي. هناك خمسة أوجه مترابطة للأرثوذكسية وهي تناسب هذا السعي.

1.   الأرثوذكسية إيمان حقيقي.

نحن نعلن ونتمتع بامتلاكنا الإيمان القويم، وهذا صحيح. لكننا غالباً ما ننظر إلى وديعتنا المقدسة كنظام من العقائد، الأسرار والتقاليد التي نحافظ عليها شكلياً وينبغي بنا نقلها إلى الأجيال. في كل حال، يجب أن نركز أيضاً على جوهر هذا الكنز المقدس أي المسيح نفسه، المخلص الحي، الذي هو “الطريق والحق والحياة” (يوحنا 6:14). يجب أن نجعل مركزية المسيح في الكتاب المقدس والتقليد الأرثوذكي واقعاً.

نحن بحاجة لأن نسمح للضابط الكل، المسيح الحاكم المطلق، بالنزول من قباب كنائسنا[1] إلى أعماق قلوبنا وإلى مراكز الحياة في رعايانا. علّمَنا المسيح أن نكون تلاميذاً أصيلين، أن نؤمن به، أن نثبت في محبته، وأن نطيع كلماته إذا كنا نريد أن نحقق أي شيء مهم روحياً ونحمل ثماراً باسمه.

السعي إلى الأصالة الروحية، دمج الحياة والحق، تفعيل كنوز الإيمان، كل هذه تتطلب أن يكون المسيح الأول في كل شيء، بالبحث عن وجوده، مشيئته، فكره، خُلُقه، وروحه إلى درجة أن نقول مع الرسول بولس “لأن الحياة لي هي المسيح” (فيليبي 21:1).

2.  الأرثوذكسية الكنيسة الحقيقية.

يتزايد اليوم في العالم  الإدراك بأن الكنيسة الأرثوذكسية تحفظ التعبير الأكثر أصالة عن المسيحية الرسولية التقليدية. ومع أن عدداً كبيراً من المتحولين[2] يأتون إلى الكنيسة، لا نستطيع الحفاظ على الكثيرين من شعبنا، خاصةً الشباب، المتزوجين حديثاً، وكثيرين من المستحوَذين في المساعي الدنيوية. فوق هذا، كثيرون من الباحثين، عند احتكاكهم ببعض الرعايا، تصدمهم اللامبالاة السعيدة من مؤمنينا بكنوزنا الروحية.

بالتأكيد، ممكن أن نكون أفضل كجسد المسيح وهيكل الروح القدس. الرب يسعى إلى إعادة صنع العالم من خلال الكنيسة كجماعة محبة ومصالحة، فرح ودعم متبادل، خدمة وبشارة.

نحن مدعوون لأن نكون عاملين كمشاركين لله في مخططه الكبير لخلاص النفوس. إحدى أول أفضلياتنا هي إظهار إثبات مقنع للحياة الجديدة بالمسيح في الكنيسة نفسها، مظهِرين أننا جماعة محِبة ومهتمة من الإخوة والأخوات مستعدين لأن نقدّم حياتنا من أجل بعضنا البعض.

3.  الأرثوذكسية عبادة حقيقية.

أيقوناتنا هي نوافذ على الملكوت وعبادتنا هي الملكوت على الأرض. لا تتمتع أي جماعة مسيحية أخرى بعَظَمة الخدمات الليتورجية وغنى التسابيح كما الكنيسة الأرثوذكسية.

ومع هذا، هل نحن نعبد “بالروح والحق”، كما علّمنا المسيح، عندما نتأخر بالحضور إلى القداس، نتغيّب عن الخدم الأخرى، نوهن في صلواتنا الفردية، وغالباً ما نتحول إلى متفرجين بالاتكال المطلَق على المرتل والجوقة؟ يجب أن نعلّم بعضنا البعض كيف نصلي وأن نصلي معاً.

يجب أن نشجع المشاركة الجماعية أكثر. يجب أن نختبر العبادة ليس فقط كخدم رائعة إنما أيضاً كأحداث صلاة نابضة بالحياة وقادرة على التغيير. عطية العبادة الحقيقية تتفعّل عندما نخرج من القداس، على صورة الذهبي الفم، كأسود تنفث النار مستعدين للقيام بعمل الرب.

4.  الأرثوذكسية حياة حقيقية.

ظهر في العقود الأخيرة كتب عديدة حول الروحانية الأرثوذكسية تطرقت إلى مواضيع الصلاة، التوبة، التواضع، إنكار الذات، القداسة، والاتحاد بالله. لكن الوحانية الحقيقية ليست في الكتب إنما في الحياة الشخصية حيث تًطلَق نعمة الله في العمل ومن خلاله.

نحن نصلي بالصلاة، نتوب بالتوبة، نغفر بالغفران، نحب بالمحبة وبالتالي نُدخِل الله إلى حياتنا. التحدي هو في إتمام ما يسميه القديسون “الحياة روحياً” على عكس مغريات هذا العصر: الدهرية، الإسمية[3]، الاكتفائية، والشكلية.

الشكلية هي التديّن بدون روح. الاكتفائية هي المسيحية الفاترة لما يناسب راحتنا واهتماماتنا الذاتية. الإسمية هي أن تكون مسيحياً بالإسم فقط، خدعة هائلة. الدهرية هي عبادة آلهة هذا العالم كالشهرة، الربح، السلطة، واللذة.

الأصالة تعني أن أسمح للمسيح بأن يحوّل حياتي الشخصية إلى سر وحياة رعيتي إلى عليقة محترقة لنعمة الله وقداسته ونوره.

5.  الأرثوذكسية شهادة.

يذكر في مثل الوزنات أن السيد لم يُعطِ خدّامه وزنات فقط بل أمّنهم على ممتلكاته (متى 14:25). الله جعلنا أمناء على صورته ومثاله، صفات العقل، العمق الأخلاقي، الإبداع، والسلطة لأن نكون أجراءه في الخَلق. هو أيضاً كَسَر رباطات الخطيئة وتالموت بتجسد المسيح وعطية الروح، معطياً القوة للكنيسة لتكون نوراً لكل العالم من خلال الإنجيل والخدمة والبشارة. على هذا الضوء، الأرثوذكسية هي ملء كل هذه الأشياء لمجد الله.

رسالة الأرثوذكسية هي رسالة محبة، رِفق، فرح، عطاء، وروح مسكونية؛ ليس فيها أي شيء من الدفاعية، ضيق الأفق، المذهبية، تبرير الذات، الانتصارية، أو السلبية نحو الآخرين.

نستطيع كأرثوذكسيين أن نشهد لملء سر المسيح، محترمين معتقدات الآخرين وأديانهم، لطفاء نحو كل الناس وخلفياتهم، وذلك بتفعيل عطايا الأرثوذكسية في حياتنا الشخصية أولاً. لإعداد طريق الرب وجعل سبله قويمة، يجب أن نفكّر بأشياء جديدة ونصنعها بقدر ما نفكر بالأعمال الدورية ونصنعها، إنما بإيمان أكبر وتركيز وحمية وثبات واستقامة وأصالة.

إذاً، بإمكاننا أن نكون واثقين أيضاً وأيضاً أن الرب سوف يأتي في وسطنا، سرياً وبقوة، ليقودنا إلى مستقبل أروع من “ما لم تَرَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال انسان ما أعده الله للذين يحبونه” (1كورنثوس 9:2).

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

——————————————————————————–

[1] إشارة إلى وضع إيقونة الضابط الكل في قبة الكنيسة وهي ميزة للكنائس الأرثوذكسية المرسومة على النمط البيزنطي. (المترجم)

[2] الذين يتحوّلون إلى الأرثوذكسية من أصول مختلفة كاثوليكية أو بروتستانتية أو أنكليكانية. (المترجم)

[3]  الإسمية أو الإسمانية nominalism مبدأ فلسفي يقول بأن المفاهيم المجردة ليس لها وجود حقيقي بل هي مجرد  أسماء لا غير. الاكتفائية minimalism  الاكتفاء بالحد الأدنى من شيء ما.  الشكلية formalism أو التمسك الشديد بالأشكال الخارجية. (المترجم)

إنكار الذات والاعتراف – الأب افرام كرياكوس

إنكار الذات والاعتراف

الأب افرام كرياكوس

حديث مسجّل من 1996

 

ننطلق في هذا الحديث من الدعوة التي أتت على لسان الرب يسوع “من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني” (متى16: 24 – مرقس8: 34). ماذا يقصد الرب من عبارته هذه ”أن ينكر الإنسان نفسه”؟
إن هذه الآية من المقاطع الإنجيلية التي تُقرأ في أعياد الصليب. هناك بعض الملاحظات الأولية التي تتعلق بهذه العبارة كما أتت في النص:
1. الملاحظة الأولى هي أن الرب في هذا المقطع يتوجّه ليس فقط إلى التلاميذ بل إلى كلّ الجموع، إلى الناس كلّهم، ولذلك لا حجة ولا مبرّر لما يقوله البعض: إن هذه العبارة دعوة فقط لفئة من الناس مثلاً للرهبان، الذين يأخذون هذا الشعار في حياتهم، ولكن هذه الدعوة لم تُقل فقط للرهبان والمكرسين بل لكلّ الناس الذين يتبعون الرب.
2. الملاحظة الثانية هي أن مرقس الإنجيلي يستخدم كلمة “يتبعني” ولا يقول كلمتى “يأتي ورائي”. إنّه يستخدم هذه الكلمة التي استخدمها يسوع نفسه عندما دعا تلاميذه لأول مرة، مما يجعلنا نفهم أن هذا الكلام موجه لكلّ مَن يريد أن يتشبّه بالرب يسوع في كلّ مراحل حياته، الذي يريد أن يتبع الرب في كلامه وفي أعماله عليه أن يتبعه أيضاً حتى النهاية في آلامه وموته وقيامته، يقول الرسول في (رؤيا14: 4) “هو يتبع الخروف حيثما ذهب” أن يتشبه بمعلّمه في كلّ شيء (أي التلميذ).
3. الملاحظة الثالثة: قبل أن نحاول أن نفهم القصد من هذه الدعوة، تساعدنا الملاحظة على ذلك، كما تعلموا أن الرب لا يفرض الدعوة علينا فرضاً طالما يقول من أراد إنه يترك الحرية، وهكذا الذي يستخدم هذا السبيل يجذب الآخر أكثر، أمّا الذي يفرض الأمور فرضاً فلا يجتذب الآخر، فالآخر يتجاوب بقناعة والنتيجة تكون أفضل وعمله يكون بحماس.
بعد هذه الملاحظات ندخل إلى معنى العبارة بحد ذاتها، إنكار النفس، ولا بدّ من شيء من التأمل والتفسير حتى تدخلنا إلى المجال الروحي.
مثلاً، يقول المفسّر ثيوفيلكتوس: دعا الجمع على مسمع الحاضرين كلهم وقال أنه لا يخلص أحد إن لم يمت من أجل الخير ومن أجل الحقيقة، فهذا المفسر يُدخل عنصر الموت. إن لم يمت من أجل المسيح، والرأي نفسه يقوله القديس يوحنا الذهبي الفم، ويُضيف استشهاداً من إنجيل يوحنا 12: “إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى حدها ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير، من يحب نفسه يهلكها ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية”، طبعاً الموضوع حساس وقاسي، فهذه الدعوة تتطلب تأملاً وتمييزاً من أجل الفهم، وهي قاسية بمعنى أنّها جذرية أي تطال الإنسان في عمقه ولذلك هنا يستشهد المفسر القديس بأن يطال الموت الإنسان نفسه، ولا بد هنا أن نذكر الآية التي وردت فقط عند لوقا (24: 6) الذي يقول: “إن كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه وأخوته وحتى نفسه لا يقدر أن يكون لي تلميذاً”. فهذا ما يهمّنا هو موته نفسه. تعني هذه الآيات التي تتعلق بالموضوع نفسه، وهي واضحة ومعبرة وجلية، ربما لا تحتاج إلى تفسير وشرح بل إلى تأمل. ولكن نحن نحاول أن نقارب قدر الإمكان مقاصد الرب وما نستطيع أن نفهم منها.
نفهم أنه على الإنسان أن يدخل دائماً في صراع وفي حرب ضد الأهواء والملذات والشهوات. هذه الحرب وهذه المقاومة لها طابع الاستمرار، أي علينا أن نكون مجنّدين باستمرار، لذلك يقول (لو9: 23) “إن أراد… يحمل صليبه كلّ يوم ويتبعني”. ما قلناه من ملاحظات هو استمرارية حتى الموت، أن نتبع الرب حتى الموت وفي الوقت نفسه أن يكون لنا هذا الموقف موقف الإنكار والنفور من نفسنا الفاسدة، أن يكون هذا التطلع إلى هذا السبيل في أنفسنا هو تطلع كره وبغض ليس فيه مراعاة وليس فيه مسايرة ولا مساومة. الشيء الذي يناقض تعليم الرب، علينا أن ننبذه، نقطعه قطعاً ولا نساوم كما يقول الرسول في (رو6:6) أن نتبرأ من الإنسان القديم ومن جسد الخطيئة.
هذا جانب، أي أنه طريقة، لفهم العبارة وهو الموقف العدائي لكل شيء سلبي خاطئ موجود في أنفسنا طالما الإنسان مجبول بالخطيئة (بالخطايا ولدتني أمي…)
يمكن أيضاً أن نفهم العبارة على أنها دعوة للإنسان ليتواضع وينسحق، أو كما يقول بولس الرسول (في 2: 7 – 18) ليفرغ ذاته “…أفرغ ذاته ووضع نفسه حتى الموت موت الصليب…”
إذاً يمكن أن نفهم إنكار الذات بمعنى إفراغ الذات، فالله تنازل من عرشه لكي يصبح عبداً، فكم نحن علينا أن ننزل من كبريائنا ونصبح خاضعين لمشيئة الله. أيضاً هنا على شبه المسيح، كتلاميذ أمناء للسيد، يقول القديس الذهبي الفم بعبارته حيث يدل على الموت المهين “تعلمون أن الصليب يستخدم للعقوبة، وعليك أن تحمل في ذهنك ذكر الموت وأن تستعد كلّ يوم للذبح…”
كثيرون من الآباء يشدّدون على ذكر الموت والدينونة لردع الإنسان عن عمل الخطيئة، فكلّ هذه القساوة في اللهجة، كما في أحد الدينونة، كلّها تستخدم هذه الصورة لتنبيه الإنسان من نتائج عمل الخطيئة، ولكن كما نرى هنا دعوة أيضاً إلى هذا التواضع كما يقول القديس دوروثاوس في كتاب التعاليم الروحية “أن يحسب الإنسان نفسه كالتراب يدوسه الجميع”، هكذا لا يعود يتكبر ويأتي دائماً في سلوكه من تحت وليس من فوق وأن يحسب نفسه لا شيء، وهذه لاهوتياً تعني أن أصلنا لا شيء، فالله خلقنا من العدم، وهو الذي يجعلنا شيئاً وهو قادر على ذلك، فالذي ينكر نفسه وينسحق يفتح مجالاً لأن يفعل الروح فيه، علينا أن نتراجع ونفتح مجالاً، فتح هذه المجال يتطلب هذه الخطوة (إنكار الذات) ويضيف (ويتبعني) هذا حتى لا يتعب الإنسان ويجاهد إلا من أجل المسيح عارفاً أن كلّ هذا من أجل المسيح، في (مر8: 35) “من أراد أن يخلص نفسه…” هذه الكلمة: من أراد، هي للتواضع وليست مستعملة لإضافة معنى جديد وكأن الرب يريد أن يلطّف كلامه القاسي الذي استخدمه، فيظهر للإنسان أنه سوف يربح كثيراً أو شيئاً كبيراً، ولذلك يقول: أن الذي يفعل هكذا، أي ينكر نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يحصل على الخلاص، أما الذي يتراخى ويدخل في شهواته ونطاق التنعّم راحة الجسد، هذا الإنسان، إذا استمرّ يصل إلى الهلاك. أما الذي يسلك السبيل الآخر، أي يلجم نفسه فيصل إلى الحياة كما يقول الرسول بولس في رسالته لأهل كورنثوس: “كل مجاهد في سبيل ملكوت السماوات يضبط نفسه في كلّ شيء…”
الآن إذن حسب هذه الآية (35) الذي يميت شهوات نفسه يصل إلى الخلاص وإلى الحياة، يعني يصل إلى الرب، ويدخل في صلة معه لأنه قبلاً كان في عدم صلة وفي انفصال، فيدخل في صلة مع الله وفي محبته، وهنا يأتي قول للقديس اسحق السرياني الذي يختص بنكران الذات “هذا هو نكران الذات أن يصمد الإنسان مثابراً على الصلاة”. هنا القديس يفتح مفهوماً جديداً للعبارة “محبة الله هي إذاً نكران الذات” أي أن نحب الله بنكران الذات وربطها بالصلاة. أيضاً يذكرنا هذا القول بأن الصلاة هي التغلّب على المشاق إلى أن نصمد… نكران الذات، الصلاة هي موت لأفكار مشيئة الجسد ومن يصلي بالحقيقة يساوي من مات فيه العالم .
القسم الثاني الإعتراف: وهو على صِلة مع هذه الدعوة. خلاصة ما تقدّم، أي إذا أردنا أن نلخّص ما قلناه في القسم الأول، نقول أن الإنسان متعلّق بذاته متمسك بنفسه ورأيه، بماله وممتلكاته بموقفه وكرامته… إلخ ودعوة الرب هي أن يخرج من نفسه ويخدم الله، يخدم الآخر، ويحب الآخر، فعند ذلك يلتقي مع الرب. إذاً، إن لم يخرج الإنسان من نفسه كلّ شيء يرتبه في حياته من أجل نفسه، فهذا الإنسان لا يعرف الله، إنه يلتقي بالمسيح عندما يخرج من نفسه ويلتقي بالآخر، يتدرب على خدمة الآخر ومحبته ومحبة المسيح ويتعود على الالتصاق به ويصبح كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس عن الذي يلتصق بالرب. وأيضاً، هذه هي الحياة الروحية أن نحيا بالرب ونعيش بالروح مع المسيح في جسدنا وننبذ كلّ أهوائنا من أجل ذلك يسمّيه القديسون إعلاناً في الجسد.
هذه الحياة ونحن عائشون بروح الله خارج هذا العالم تتمّ عن طريق تعب الصلاة، في صمود هذا الحوار مع الرب، هذا الجهاد في اقتلاع أنفسنا عن العالم حتى في جسدنا، فالإنسان مهتم بكل ما هو مادي، فإذا تخلى عن المنظور يستطيع أن يكون مع اللامنظور، أي مع المسيح الذي يمنح أجسادنا رجاء القيامة، هذا الذي يريد كلّ واحد منا ليس فقط أن يخرج من جسده ومن أهوائه لكن يريد أن يقر كلّ واحد بضعف نفسه وجسده. مَن لا يريد أن يخرج من نفسه ويعود هو الإنسان الذي لا يكشف عن نفسه وهو الإنسان المتعلّق بنفسه، أما الذي يكشف عن نفسه فهو الإنسان الذي يعبد الله ولا يخاف أن يعترف وأن يكشف نفسه ويدخل في مغامرة ويتخطى نفسه. من هنا أنّ الاعتراف يفرّح ويريح، لأن الإنسان يخرج من نفسه ويلتقي مع الآخرين. فبالاعتراف نصل إلى الشركة من جديد ونكتشف الله، هذه هي أهمية الاعتراف، حتى أن القديس اسحق السرياني قال: “الذي يعترف بخطيئته أهم وأعظم من الذي يقيم الأموات”، فهو يخرج من الموت ويلتقي بالمسيح وعندما يلتقي في شركة المحبة هذه يعيش القيامة ونعلم أن الروح يفعل فينا فيجعلنا أحباء إلى الأبد.

الآلام – الأب افرام كرياكوس

الآلام

الأب افرام كرياكوس

 

حديث في قاعة كنيسة سيدة النياح، رأس بيروت، 19/3/1996

أُحب أن أنقل شعوري: عندما آتي إلى هذا المكان أشعر بجو عائلي وبجو كنيسة، كأننا فعلاً جالسون تحت خيمة الاجتماع يظلل علينا روح الرب. في هذا الإطار ممكن أن أتكلم. أتذكر هذا المكان منذ العام 1960، ابتدأت حياتي الكنسية في هذا المكان، وهو يعني لي الكثير. جميلٌ أن يأتي الإنسان إلى المكان نفسِه ويشعر باستمرارية الكنيسة التي تستمر فينا ومن دوننا.
الموضوع المطروح علينا في هذه السهرة هو موضوع الآلام وطُلب مني أن أتكلم بشكل تأمل حوله، وهو يأتي في وقته لأننا في أسبوع الصليب ونتهيأ لإستقبال والإشتراك بآلام وموت وقيامة الرب يسوع.
سأركّز في هذا الإطار على نقطتين ممكن أن تكونا إنطلاقاً للتأمل وبعض الأسئلة – أولاً: إذا تأمل أحد في الكلمة – كلمة آلام – التي هي في الأصل اليوناني – والفرنسية – والإنكليزية – معناها: “passions, pathy” الكلمة الأصلية معبّرة جداً وهي تتجه في معناها في اتجاهين، كما والترجمة العربية تعبّر عن إتجاهين: الأول الأهواء والثاني الآلام والأوجاع.
في بعض الترجمات تستعمل كلمة أهواء وأخرى كلمة آلام “منذ شبابي أهواء كثيرة تحاربني…. أو آلام كثيرة…” المهم أن الأصل في هذه الكلمة يعبّر عمّا يعانيه الشخص في داخله، عمّا يشعر الإنسان في أعماقه ويتوجّع من أجله، وفي الوقت نفسه المعنى الثاني يعبّر عن الهوى، أي هذا الريح الذي يعصف بالإنسان ويرميه إلى حيث يريد أو لا يريد. كما تعلمون، آباء الكنيسة وخاصة القديس يوحنا السلمي تكلّموا كثيراً عن الاهواء وقالوا أن الأهواء إيجابية وسلبية. الإيجابية هي التي وضعها الله في الإنسان من أجل غاية ممدوحة والسلبية هي التي أتت نتيجة للخطيئة. هذه الحالة التي يعيشها الإنسان فيها شيء من التوجع والمعاناة، وفي الوقت نفسه فيها الهوى، كثيرون منا، إن لم نقل كلنا، يمر بحال أهوائي. أي عندما يتسلط الهوى على الإنسان فيستعبده ويصبح مجنوناً به ويؤخذ باللذة، يطير عقله، ولكن عندما يؤخذ بالهوى الإيجابي الذي هو هوى روحي، عند ذلك يشعر بالألم. فالألم يرافق المعاناة الروحية – الشوق الإلهي – بينما يغيب هذا النوع من الألم من التوجّع الذي تكلّم عنه كثيراً القديسون. يغيب في الحالة الأولى حيث يتلذذ الإنسان بالجسد ولكن النتيجة عكسية، فالهوى الجسدي يخطف الإنسان ويذيقه المرارة، يذيقه الفراغ. أما الهوى الروحي وإن كان يُكتسب بالآلام والتوجّع عبر الأنين الداخلي فيؤدّي إلى سلام وفرح كما يقول الكتاب “هذا الحزن الذي يؤول إلى فرح”.
ما أريد أن أقول في هذه النقطة، خاصة في عصرنا اليوم: كيف نستطيع أن نواجه هذا التيار، هذا السباق، الركض وراء اللذة الجسدية؟ كيف نستطيع أن نواجهه أو بالأحرى نحن في الكنيسة كيف نستطيع أن نستبدله بالهوى الروحي، أي أنّ الإنسان، خاصة الشاب، اليوم لا يستطيع أن يتجنّب الهوى الجسدي إلا إذا استبدله بهوى روحي وعن ذلك يتحمل آلامه إذا أتُخذ بالشوق كما أُخذ باللذة، إذا ارتضى أن يستبدل لذة جسدية بلذّة روحية، والرب هكذا ارتضى أن يكون هناك وجع، وأريد أن أؤكّد كما تربّينا الكنيسة أنّه لا بدّ من الألم لكي نفهم سبب تمسّك كنيستنا بالنهج النسكي في العالم، وهذا النهج ذو طابع إنجيلي محض. ما من إحساس كهذا الشوق – هذه الحرارة التي يمكن أن يشعرها الإنسان المسيحي تجاه الرب.
ثانياً: النقطة الثانية هي قضية الموت، الموت هو الألم الأكبر أي هو العدو الأكبر في كيان الإنسان، هو التحدي الأكبر والآلام هي معبر إلى الموت والقيامة.
حسب إيماننا وخبرة الكنيسة، المسيح وحده قد أمات هذا الموت بموته على الصليب. الموت أمر ضد طبيعة الإنسان الأصلية، هو انفصال غير طبيعي للجسد عن النفس ولذلك أتى المسيح لكي يُصلح طبيعة النفس، طبيعة الإنسان الأصلية، ونحن مدعوون عبر حياتنا أن نتمثّل بخبرة المسيح، أن نشارك آلامه وموته حتى نحظى بقيامته، والطريق هي الآلام أو الصلب، ولذلك يقول الرسول بولس: “هناك الذين صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات” “أنا صُلبت للعالم والعالم صُلب لي” هذا يعني أنّ في حياتنا آلام طوعية وآلام كرهية، بإرادتنا أو بالرغم من إرادتنا.
الآلام الكرهية: الصعوبات، الأمراض… إذا تقبلّناها تصبح معبراً للخلاص، هذه هو إيماننا وكذلك الآلام الطوعية: أي عندما يضبط الإنسان أهواءه من أجل المسيح، عند ذلك يفتح المجال، كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس للصليب: “لا نستطيع أن نُصلب من أجل العالم حسب قول الرسول، لا يستطيع الإنسان أن يحمل الصليب إلاّ بمعاينة الله” أي إن لم يذق الإنسان حلاوة الرب لا يرتضي بسهولة حمل الصليب ولا يحمله كما يجب.
من هنا أعود إلى النقطة الأولى وأقول إن لم يكن هناك هذه الحرارة، الدفء في القلب للمسيح وللكنيسة لا يستطيع إنسان أن يتحمل آلام هذه الحياة. لا بد أن تكون هذه الشعلة، إذا أردنا أن نربح أنفسنا وأنفس أبنائنا، لا بد أن نهيء، أن نخلق فيهم هذه الحرارة، هذا الشوق إلى الرب، عند ذلك يرتضي الواحد أن يتحمل كل ألم ولا يعود يخاف منه بل يعبر إلى الخبرة التي تتجاوز الألم وهي الخبرة السابقة للقيامة.
كل من صَبَر على ألمه في هذه الحرارة إلى الرب يتذوّق مسبقاً هذا الفرح. أنه مُعطى لنا في هذه الحياة أن نذوق شيء من الفرح الأبدي، شيء من قيامة المسيح هذا هو عمل الروح القدس فينا، إنه عربون الحياة الأبدية، من لم يتذوّق هذا الفرح في قلبه لا يستطيع أن يحمل صليب الرب في هذه الحياة.

الممارسة في الكنيسة

الممارسة في الكنيسة

ضرورة الممارسة

الممارسة في الكنيسة تعني اجتماع شعب الله أي الكنيسة في الهيكل لكي يمجدوا الرب.
يكتب القديس كيرلّس الأورشليمي أن الكنيسة تدعى هكذا “لأنها تدعو المؤمنين كلهم وتجمعهم معاً” وذلك من أجل العمل لعبادة مشتركة لتمجيد الله (في اليونانية تأتي كلمة كنيسة من فعل معناه أدعو أو أجمع معاً)
الله نفسه هو الذي يدعو المؤمنين عن طريق الكنيسة. في كتاب التثنية يكتب موسى النبي متوجهاً إلى العبرانيين ويقول: تذكّروا اليوم الذي فيه كنتم واقفين في حوريب أمام ربنا وإلهنا لأنه حينذاك قال لي الرب أدعُ الشعب إليّ لكي يسمعوا كلماتي. هكذا فإن الله بواسطة النبي يدعو الشعب إليه. أما في عهد النعمة فإن المسيح هو الداعي الحقيقي الذي يجمع المتفرّقين إلى واحد.
يكتب القديس نيقودمس الآثوسي أن المؤمنين يحتاجون إلى الممارسة في الكنيسة “لكي يسدّوا جوعهم عن طريق مائدة جسد الرب المقدسة السرية الموجودة في الكنيسة وعن طريق الكلمة الإلهية. ولكي يرووا عطشهم عن طريق دم الرب الجاري والمحيي وعن طريق مجاري تعليم الكتب الإلهية التي تنبع من داخل كنيسة المسيح”.

الكنيسة سفينة الخلاص

من الضروري أيضاً أن نمارس في الكنيسة “لأنها تابوت أو سفينة. كما أنّ كلّ الذين دخلوا هذا التابوت، من الناس والحيوانات، نجوا من الطوفان… هكذا والآن أيضاً كل المسيحيين الذين يذهبون إلى الكنيسة المقدسة ويدخلونها يخلصون من الطوفان العقلي الذي للخطيئة وللأهواء”.
يتابع القديس نيقوديموس: “الكنيسة هي حظيرة روحية. كما أنّ الخراف، عندما تكون خارج الحظيرة، تواجه الأخطار وتهلك لأن الذئب، أو وحوش أخرى، يخطفها. بينما الخراف التي تبقى داخل الحظيرة لا تخشى أيّ خطر”.
والقديس يوحنا الذهبي الفم يقول “خارج الكنيسة يقف الشيطان. فهو لا يتجرأ على الدخول إلى هذه الحظيرة المقدسة لأنه حيث توجد رعية المسيح لا يظهر الذئب الذي يخاف الراعي فيبقى خارجاً”.

أهمية عدم إهمال الممارسة

يحثّنا الرسول بولس على أن لا نهمل الممارسة في الكنيسة لأنها تقوّي رباط المحبة فيما بين المؤمنين، فيقول: “لنلاحظ بعضنا بعضاً للتحريض على المحبة والأعمال الحسنة غير تاركين إجتماعنا” (عبرانيين 24:10). والقديس يوحنا الذهبي الفم يفسّر “يكتب الرسول بولس هكذا لأنه يعرف أن قوّة كبيرة تنبع من لقاء المؤمنين في الهيكل… إن الإجتماع فيما بين المؤمنين يجعل المحبة أكثر حرارة وفي المحبة تنتج كل الصالحات… لا نحتاج إلى التعب ولا إلى العرق إذا كانت عندنا محبة الواحد تجاه الآخر. لأن المحبة هي الطريق الوحيد الذي يستطيع أن يقودنا إلى الفضيلة”.
إذاً، البركة الكبيرة الناتجة عن اجتماع المؤمنين في الهيكل هي المحبة. إن كنا لا نحب إخوتنا ولا نلتقي معهم في الهيكل لا نستطيع أن نرضي الله عن طريق صلواتنا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم “علينا أن نكون مع إخوتنا في المكان نفسه مع رباط المحبة… وكما أنّ الأجساد تكون قريبة الواحد مع الآخر هكذا يجب أن تنعصرَ قلوبنا مع بعضنا البعض. نسعى إذاً إلى الاجتماع في الكنيسة من أجل الطلبات المشتركة ومن أجل الصلاة الواحد للآخر لأنه هكذا تُتَمَّم وصية الله وتُحَقق فضيلة المحبة وعندما أقول المحبة أعني الخيرات كلّها”.

أهمية الصلاة الجماعية

إن الصلاة هي الابنة الروحية لمحبّتنا للرب وأمّ محبتنا للأخوة. المحبة الأخوية التي تتولّد من الصلاة المشتركة تعطي قوة لطلبتنا نحن. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “أنه عندما نصلي على انفراد نكون بلا قوة ولكن عندما نجتمع معاً حينئذ نصبح أكثر قوة ونبتهل إلى الله مستندين إلى كثرة الجماعة وحضورهم… إلى هذا الحد تكون قوة طلبة الجماعة. لذلك نجتمع كلّنا هنا في الهيكل لكي نجتذب أكثر شفقة الله… أنا لا أقول ذلك بدون سبب… أقولها لكي تسرعوا إلى اجتماع المؤمنين ولكي لا تقولوا: أنا لا أستطيع أن أصلّي في بيتي؟ طبعاً تستطيع أن تصلي في بيتك لكن الصلاة التي تحصل في البيت مع أعضاء العائلة لا يكون لها قوة أمام صلاة الكنيسة كلّها التي تتوجّه بنفس واحدة وصوت واحد إلى الله في حضور الكهنة الذين يرفعون صلوات الشعب إلى الرب. هل تريد أن تعرف إلى أيّ حدّ تكون قوة الصلاة في الكنيسة؟ أنظر إلى الرسول بطرس الذي كان مقيّداً في السجن بسلاسل كثيرة. لقد حصلت صلاة طويلة وحارة من أجله من قبل المؤمنين وللحال حرّر من السجن. إذاً ما هو أقوى من الصلاة التي أفادت أعمدة الكنيسة؟
عندما كان يتكلم الذهبي الفم في الهيكل كان الكثيرون يسمعون كلامه وبعدها يخرجون دون متابعة القداس الإلهي وهذا ما كان يحزن القديس لأنه كان برهاناً على أن كلامه لم يثمر فهو يقول في أحد مواعظه “هذا الجمع الكبير الذي يصغي بحماس لأقوالي اشتهيت في كثير من الأحيان أن أراه في ساعة الليتورجية الإلهية ولم أستطع وعندها تنهدت كثيراً لأنهم يهتمون بموعظة العبد بينما يتركون الهيكل عندما يظهر المسيح في ساعة حلول سر الأفخارستية الإلهي. وما هي حجتهم يقولون أنا أستطيع أن أصلي في بيتي بينما لا أستطيع هناك أن أستمع إلى المواعظ. إنك أيها الإنسان تخضع نفسك طبعاً. يمكنك أن تصلي في بيتك ولكن لا تستطيع أن تصلي كما في الهيكل حيث يوجد جمع من الآباء وحيث تصعد صلاة مشتركة نحو الله. عندما تتضرّع إلى الرب وحدك لا يستجيب كما يفعل عندما تتضرع إليه مع إخوتك لأنه هنا في الكنيسة يوجد شيء إضافي وهو اتفاق المؤمنين وانسجامهم، رباط المحبة وصلوات الكهنة. لذلك يترأس الكهنة الخدمة حتى تأتي صلوات المؤمنين الضعيفة مشدّدة بصلوات الكهنة فترتفع معاً إلى السماء”.
كلّمنا المسيح عن قوة الصلاة المشتركة في الكنيسة “وأقول لكم أيضاً إن اتفق إثنان على الأرض في أي شيء يطلبانه فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السماوات لأنه حيثما اجتمع إثنان أو ثلاثة بإسمي فهناك أكون في وسطهم” (متى 19:18-20). حيث يوجد المسيح هناك يوجد جمع كثير. حيث يوجد المسيح من الضرورة أن تكون هناك الملائكة ورؤساء الملائكة وقوات أخرى. حيث يوجد المسيح هناك الكنيسة كلّها. إن حضور المسيح في إجتماع المؤمنين يقدّس صلواتهم المشتركة ويؤكد لنا أننا سوف ننال جواباً لطلباتنا.
صلوات المؤمنين المشتركة في الهيكل هي لقاؤهم مع المسيح واشتراكهم معه. والمسيح هو النغمة التي يرتلها المؤمنون. في اجتماع المؤمنين نقدّم إلى الآب السماوي بصوت واحد “صلاة واحدة، طلبة واحدة فكراً واحداً، رجاءً واحداً بمحبة، بفرحة بلا عيب الذي هو المسيح يسوع” (القديس أغناطيوس المتوشح بالله).

تأمل في أسبوع الآلام – الميتروبوليت افرام كيرياكوس

تأمل في أسبوع الآلام

الميتروبوليت افرام كيرياكوس

 

هذا الأسبوع منفصل عن الصوم الأربعيني، في الماضي كان المؤمن الموعوظ في فترة الصوم الكبير يتهيأ للمعمودية، وفي الوقت الحاضر في أسبوع الآلام، حسب التفسير اللاهوتي، يتهيأ المعمَّدون للمعمودية الثانية، أي للتوبة. فترة الصوم كانت سابقاً فترة تهيئة، هذه الفترة هي فترة جهاد، أما أسبوع الآلام فهو فترة يأخذ الجهاد أهمية ثانوية لأن الإنسان المؤمن يدخل فيه في تأملٍ واشتراك بسرّ محبة المسيح، محبة الله الفائقة، سر آلام المسيح وقيامته. والذي يشترك بالصلاة لا بد أن يلمس ذلك من خلال التراتيل والمقاطع الكتابية.
تعرفون أن الآباء يوصون المؤمنين بقراءة الأناجيل في بيوتهم في هذه الفترة، والكبار في السن عندهم هذه العادة، على الأخص المقاطع المختصة بالآلام والقيامة.
إذاً هناك هذا السر العظيم الذي نشترك نحن به، هذه الحقيقة التي تفوق الإدراك والبشرية، كيف أن الله يأتي إلى الآلام والعذاب والصلب، ويموت من أجل هذا الإنسان، هذا الخروف الضال الذي خلقه أصلاً على صورته، ويقيم هذا الإنسان من مأزق واقع فيه، الحقيقة تفوق إدراكنا. تفوق وتتخطى نظرنا، تتخطى تطلعنا. ما هو هذا السر؟ تعبّر الكنيسة عنه بعبارات مختلفة ولكن يبدو أن هناك تعابير مفضّلة مثل التعابير التي يقول فيها: “المسيح إلهنا الذي تنازل”. إن لاحظتم في الختم “تنازل لكي يتجسد من البتول… لكي يركب جحش ابن أتان… لكي يحتمل الآلام من أجل خلاصنا…”
في هذا الأسبوع نأخذ عدّة وجوه، في الكتاب المقدس تستخدم الكنيسة وجوهاً تشير إلى المسيح، مثلاً يوسف العفيف، أيوب الصدّيق. هذا التنازل هو أحد ميزات شخص يسوع المسيح، ليس فقط شخصه بل طريقه، أي الطريق التي كشفها أمامنا، وفي الوقت نفسه هذا التنازل والانسحاق “أن يرتضي… أخلى ذاته…” هو مرتبط حسب تدبير الرب بالقيامة. حكمة الله انكشفت في المسيح، وكشفت أنه لا قيامة بدون موت، بدون ألم، بدون تنازل، بدون تواضع. هذا الشيء ظهر في حياة عدّة قديسين، مثلاً في أيوب: تعرّى أيوب من عائلته وحتى من سلامة جسده، تجربته بصحته هي نوع من تعرّي الإنسان حتى من راحته في سبيل المسيح أي الله، لأن أيوب لم يتذمر وبسبب إيمانه ارتضى أن يتألم محبةً بالله. يوسف العفيف قد تخلّى عن محبة الدنيا لأنه كان في بلاط فرعون وتمسّك بعفّته، أي مثل موسى “فضّل أن يكون مظلوماً مع شعبه من أن يكون ملكاً في قصر فرعون”. يوسف تجرّب بشيء مقابل السلطة، الذي هو اللذة الجسدية وهي نوع من سلطة، وارتضى محبةً بالله أن يحرم نفسه حتى يبقى أميناً.
وهكذا السبيل الذي كشفه المسيح في موته وصلبه وقيامته، أي بواسطة التعرّي الدنيوي – أن يحرم الإنسانُ نفسَه من مغريات هذه الدنيا محبةً بالأفضل، لأنه هو يفضّل شيئاً آخر – يجب أن يتأمّل كلّ واحد منّا في آلام الرب، أن يتأمل ويقرأ كلّ المراحل التي أطاع فيها الربّ يسوع منذ دخوله إلى أورشليم حتى الصلب والقبر، كلّ حادثة وتعليم، التعاليم الأخيرة في الهيكل، كلّ يوم، الثلاثاء مثل العذارى الحكيمات والجاهلات: كلهنّ عذارى، منتظرات، ما الخطأ الذي ارتكبنه الجاهلات اللواتي حُرمن من الدخول وهنّ مكرِّساتٌ حياتهنّ للعفة، الكنيسة تقول لم يكن معهن زاد (زيت) – الزاد هو الرحمة، كلّ عملِ رحمة صغير هو ادّخار في الملكوت كالذي يشتري حصةً له في الملكوت، إذا كنا نحن فعلاً مؤمنين، فعلينا أن نتمسّك بهذه التعاليم وتبقى هي مرشدة لحياتنا، لا يستطيع أحد أن يقول أن الدنيا تمشي هكذا. في النهاية، كل إنسان يمشي نتيجة حقيقة، وأن يرضى أن شر العالم يُرتضى فيه. هل تخدمنا طريق المسيح؟ هل نحب أن نحيا هذا الخوف والقلق الذي نعيشه؟ هذا أيضاً من تساؤلاتنا خاصة هذه الأيام، حيث موقف الإنسان مُحرج، أي أنه مضطرٌ أن يكون صادقاً مع نفسه، لأنه إن أراد أن يتعلّق بمبدأ المسيح عليه أن يحرم نفسه من أشياء كثيرة، العالم يجذب بشكل كبير والإنسان بحاجة لتمسّك أكثر، إذاً أنا يجذبني المسيح وتعليمه وأنا مستعد للتضحية والسرّ الكبير الذي يبقى بذهننا هو أنّ هذه الآلام هي مرتبطة بالقيامة، أي لا قيامة أو اشتراك بالقيامة بدون عبور الآلام من خلال جسدنا وشخصنا، المسيح هو القائم بالنسبة لكنيستنا، لا نستطيع أن نرى وجه المسيح إلا بالمجد ونحن غير ممكن أن نستمر إلا في صورة القيامة.
إذا لم تعبر فينا آلام الرب، إذا لم نختبر هذا التعري كما اختبره المسيح، إذا لم نشارك، يبدو، بحسب الإنجيل، أنّه لا يمكننا الاشتراك بالقيامة، هل نرتضي أن نتألّم من أجل الرب، هل نؤمن أن هناك فرح مع المسيح حتى نكون مستعدين أن نتألم. العالم بكل الوجوه والطرق يحاول أن يُبعد الألم فيما هو يتألّم، يستخدم وسائل لكي يُبعد عنه الألم (الطب… المخدرات…) ولكن هذه الوسائل تُتعب نفسَه. هل نحن مستعدون للتألم وهل نؤمن أننا سنحصل على الفرح؟ هل اختبرنا ذلك؟ هذا هو التحدّي اليوم، هل يبقى مؤمنون في هذا العالم يسيرون بعكس التيار؟
الدعوة للإنسان المسيحي اليوم هي أن يعمل ويؤمن كما يقول الأب ليف جيليه: أن نؤمن أن هناك شيء أسمى ويتخطى الوجود الإنساني البشري، العالم الظاهر، حقيقة أسمى. يجب أن يكون الإنسان مجنوناً، والإيمان شيء من الجنون ولكنه يعطي تعويضاً فظيع الشكل، الإنسان يعيش في عزلة في وسطه ولكنه يملك تعويضاً داخلياً لا حدود له، هذا شيء من القيامة، أي الحياة، عيش أو تذوّق سابق لقيامة الرب. ونحن في وسط العالم، إذا آمنّا وارتضينا بالتواضع الأقصى <أيقونة المسيح في القبر>.
“أخلى ذاته آخذاً صورة عبد صائراً بشبه البشر طائعاً حتى الموت موت الصليب” (فيليبي6:2). هذه هي صعوبة الحياة المسيحية وحلاوتها. إذا حذفنا هذه الصورة نقلّل من قيمتها، واجبنا نحن كأولاد كنيسة أن نواجه ولا نهرب، إذا واجهنا شيئاً ما ولم نقتنع به هناك مبرر، هناك أناس لا يقتنعون بحقيقة هذا المثال، ولكن الإنسان الذي لمس شيئاً ويهرب منه ويؤجّله يخسر ويُلام لأن حياته تكون وقتاً ضائعاً. يلمس الإنسان هذا الشيء بالإيمان والحياة. الإيمان هو الثقة بالأمور المنتظرة ولكن بحياتك أنت تقترب منها.

حديث في 1241993

الطهارة في الزواج – الميتروبوليت أفرام كرياكوس

الطهارة في الزواج

الميتروبوليت أفرام كرياكوس

 

كما في كلّ موضوع، كي يتكلم أحدنا عن الطهارة في الزواج، لا بدّ أن يكون هناك مقياس. هذا يعني أنّه قبل الدخول في الموضوع أو التحاور فيه لا بدّ أن نذكر على أي أساس نحن نطرح هذا الموضوع، وعلى أي أساس نحن نعالجه ونجد الحلول لكلّ ما يعترضه ويؤدّي إلى عدم الطهارة.
في المسيحية، في الكنيسة، معروف أن المقياس هو المسيح، والذي يعرف هذه القاعدة لا يضيع في أي موضوع يتطرّق إليه، خاصة في المواضيع الأخلاقية المسيحية.
الكنيسة المسيحية، استناداً إلى الكتاب المقدس وحياة القديسين، لها وجهة نظرها الخاصة في ما يتعلّق بأمور الإنسان وحياته على الأرض. ليست الكنيسة مرتبطة بما يُدعى علم الأخلاق، يعني هي تُرشد علم الأخلاق – الأخلاقيات – لأنه فيها المنبع للأخلاق. لا تفرض القواعد العلمية للأخلاق مقياسها على الكنيسة، يعني بإختصار قبل تفصيل الموضوع، إذا كان الزوج ( المرأة والرجل، إذ بلغتنا، هذا التعبير الجميل قد يعني أحد الشريكين والشريكين معاً) فعلاً عائشاً حياة تُرضي الرب فحياته تكون طاهرة. هذه خلاصة الموضوع بالنسبة للمؤمن: الإنسان الذي يعيش بإنسجام مع وصايا الرب ينتج عن حياته كلّ خير بما فيه الطهارة.
لنعدْ في تفصيل الموضوع إلى نقطة البداية حيث لا بد أن نتذكر شيئاً عن الزواج المسيحي. الموضوع ليس الزواج المسيحي ولا أريد عرض هذا، لكني أريد التذكير والتوضيح، استناداً إلى الكتاب المقدس، بالعلاقة الصحيحة بين الرجل والمرأة، خاصة من رسالة الزواج – الإكليل – التي تسمعونها كثيراً وهي رسالة مشهورة (أفسس22:5-33). هذه الرسالة بالرغم من تناقضها ظاهرياً فيها تعليم كبير، وهي طبعاً من نبوغة بولس الرسول وعبقريته إذ يصف العلاقة بين الرجل والمرأة مشبهًا إياها بنفس الوقت بعلاقة المسيح والكنيسة، وبهذا التشبيه يضع قاعدة أساسية، ليس فقط بين الرجل والمرأة بل أيضاً بين الإنسان وأخيه، وأكثر من ذلك يضع العلاقة الصحيحة بين الإنسان وخالقه، الله. كيف يكون ذلك؟
يقول في الرسالة: “أيتها النساء اخضعْن (هذه تسمعونها كثيراً)، لرجالِكن كما للرب، لأن الرجلَ هو رأسُ المرأة كما أن المسيح أيضاً هو رأس الكنيسة وهو مخلص الجسد، وكما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن في كل شيء. أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن ولا وسخ أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدّسة بلا عيب. كذلك يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم، من يحب امرأته يحب نفسه، فإنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه، كما الرب أيضاً للكنيسة لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بإمرأته ويكون الإثنان جسداً واحداً، إن هذا السر لعظيم ولكني أقول من نحو المسيح والكنيسة، أما أنتم الأفراد فليحب كل واحد امرأته كنفسه أما المرأة فلتهب رجلها” (أفسس21:5-33).
الشرح في هذه الرسالة طويل، ولكن ما يهمّنا بالنسبة لموضوعنا، هو أنّ في بعض الجمل الأساسية شيء من الثنائية: هناك تصرّف يقابله تصرّف آخر. الأول حسب ترتيب الرسالة يأتي من المرأة نحو الرجل، وهو شيء من الطاعة، والتصرف الآخر الذي يقابله ويبادله هو المحبة. التصرّف الأول الطاعة للرجل وكذلك محبة الرجل للمرأة تكون على صورة تصرف الكنيسة للمسيح الذي هو رأس الكنيسة رأس الجسد، ويقابله تصرّف المسيح اتجاه الكنيسة الذي هو تصرّف محبة إلى أبعد الحدود لأنه يقول: وأسلم نفسه من أجلها كما فعل المسيح من أجلنا.
تسري في الكنيسة هذه القاعدة، هذا التبادل أو هذه العلاقة، على الرجل والمرأة، كما تسري على العلاقة بين إنسان وآخر. يعني: في أيّ مؤسسة أو أيّ شركة، مثلاً في الجيش، يطيع الإنسان رئيسه والرئيس يقابل هذه الطاعة بتسليم نفسه بمحبة كبيرة. هذا يسري أيضاً على العلاقة بين الإنسان والربّ، الإنسان الذي يطيع وصايا الرب، يبادله الرب بإعطاء نفسه وحياته. هذا شيء واضح نوعاً ما. هذا قانون جرّب الرسول بولس التعبير عنه بالطريقة التي تلائم عصره، ولكنه كما يقول النص في النهاية هو سرٌّ عظيم “وأقوله بالنسبة للكنيسة والمسيح”. يعني أنّ تفسيرنا وإيضاحنا لهذه العلاقة لا يكتمل، فهي بشرية أو إلهية كانت فإنّ موضوعها سر وحقيقة كبيرة عميقة لا نستطيع أن نسبر أعماقها، ولكن عندنا فيها نور وضوء: مَن يتنازل أمام الآخر يستدعي هذا الآخر لأن يعطيه من نفسه وحياته، وهذا ما يعطينا الصورة الصحيحة للعلاقة،طبعاً هنا بين الرجل والمرأة.
هناك تفاسير للآباء القديسين لهذا النص، والتفاسير كثيرة. ولكن ما هو أكيد في كل هذه التفاسير أن هذا النص مرتبط بسفر التكوين حيث يوجد فيه نفس الجمل الواردة في هذا النص الذي مثلاً يتبع خدمة الأكاليل ويتبع الأفاشين يرى أن هذه الأفاشين فيها جمل طبق الأصل من سفر التكوين، عندما يقول لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه يقول عن المرأة هذه هي من لحمه ومن عظامه، ولهذا دُعيت امرأة لأنها من الرجل أُخذت ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته فيصيران جسداً واحداً وما جمعه الله لا يفرّقه إنسان” (تكوين23:2-24 ومتى5:19).
هذه هي إن أردتم الصورة الرئيسية للزواج المسيحي: العلاقة بين الرجل والمرأة، أنها هي لحم من لحم وعظم من عظامه وهي من الرجل أُخذت. وبسبب هذه الجمل يقول الآباء أنه هكذا شاء الرب في ترتيب الخلق أن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة على هذا الشكل، لأنه خلق الرجل أولاً وأخذ ضلعاً من أضلاعه وأبدع منه امرأة فقال هذه امرأة أُخذت من لحمك ومن عظامك أي أنه في الأصل الإثنان هما واحد، وحتى يبقى الإثنان واحداً لا بد أن يكون هناك التصاق في كلّ شيء، محبةٌ تفاني وتضحيةٌ في كلّ شيء، المسألة دقيقة: هناك ثنائية بين الطاعة والمحبة، لا تقتصر على طاعة المرأة للرجل ومحبة الرجل للمرأة عندما يصيران جسداً واحداً. يسري المفعول على الاثنين إذ صارا جسداً واحداً فلا يعود يُعرَف من يطيع الآخر ومن يحب الآخر أكثر. ولكن كلّ هذا لا ينفي الترتيب الذي شاء الله أن يضعه منذ البدء.
الآن نريد أن ننتقل إلى هذه العلاقة ضمن الطهارة. من المؤكد أنه يمكن أن نكرّر ما قلنا سابقاً: إذا كانت هذه العلاقة صحيحة مبنية على هذا الأساس فالرجل والمرأة يعيشان في طهارة دائمة، طهارة لا تتعلق بقضية الأخلاق أو اللاأخلاق. إذا كانوا يعاشرون بعضهم أو لا أمر يتعلق بمدى اتفاقهم فعليًا في الطاعة والمحبة.
هنا لا بد أن نقدّم ملاحظتين:
الملاحظة الأولى تختص بالسؤال ما هو الدنس؟
الدنس هو عدم الطهارة والخطيئة. أن يكون الإنسان طاهراً أو أن يكون غير طاهر، أي متى يكون دنِساً أو غير دنس، هذا شيء مهم كثيراً بالنسبة للإنسان المسيحي المؤمن الذي كما قلنا مقياسه المسيح. إذاً كيف تحدد الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية الخطيئة؟ نقول أن الخطيئة ليست في أن أحدنا عصى وصية معينة، أي أخطأ أو عمل شيئاً ليس صالحاً. ما هو الصالح وما هو غير الصالح؟ يجوز بالنسبة لي أن يكون هذا الشيء صالحاً أما لغيري فهو غير صالح، خاصة في عصرنا إذ يوجد أشياء نعتبرها غير صالحة ونذهب إلى بلدان أخرى فيعتبرونها طبيعية.
بالنسبة للمسيحي، المقياس هو المسيح. الذي يعيش مع الرب هو الإنسان الذي يبتعد عن الخطيئة، لا يوجد أبسط من هذا: الخطيئة هي العيش بعيداً عن الله. هذا بالنسبة للاهوت المسيحي الشرقي، يعني الإنسان الذي يعيش غاضّاً النظر عن الله هو الإنسان العائش في الخطيئة.
الخطيئة كما يفسرها الآباء، مثلاً القديس اثناسيوس الكبير هي حالة الفساد الطبيعي. الفساد الطبيعي يعني أنّه عندما عصى آدم أوامر الله، ابتعد عنه ودخل في عالم جديد هو عالم الفساد. الفساد بمعنى الاهتراء. ما صار يموت، ليس فقط نفسه بل وجسده، بينما أصلاً كان في حالة أزلية لا يموت عندما كان يحيا مع الله. عدم الموت هو أنّ الإنسان الذي يعيش مع الله لا يموت. الموت هو نتيجة الخطيئة ونتيجة البعد عن الله لذلك يقول يوحنا اللاهوتي: “من يؤمن بي وإن مات فسيحيا ومن يؤمن بي وإن كان حياً فلن يموت إلى الأبد” (يوحنا26:11).
بهذا المعنى، أنه إذا مات أحدٌ عائش جسدياً يبقى حياً، هناك أناس كُثُر أموات جسدياً بينما هم باقون أحياء ونحن نطلب شفاعتهم. إذاً، الخطيئة أو الدنس هما العيش بعيداً عن المسيح. يعني: إذا عاش الرجل والمرأة مع الرب ساعة يكونان طاهرين. فالقضية ليست إذا عملوا هذا الشيء أو لم يعملوا هذا الشيء الآخر، إذا امتنعوا عن المعاشرة فيما بينهما أو لم يمتنعا، هذا موضوع رعائي دقيق لا بد أن نعالجه على أساس العقيدة. إذأً، هذه الملاحظة الأولى أحببت أن أقولها، الملاحظة حول ماهية الخطيئة وماهية الدنَس. الدنِس هو الإنسان الذي لا يعيش وصايا المسيح ولا يتبعها. يمكن أن يكون الرجل والمرأة ظاهرياً طاهرين ولكنهما لا يعيشان بموجب وصايا الرب، فهما معرّضان للدنس أكثر من رجل وامرأة ضعيفين وعائشين بخوف الله. إذن المقياس بالنسبة للدنس هو العيش بخوف الرب وبحسب وصاياه.
الملاحظة الثانية التي أريد قولها هي حول الزنا حسب تفسير الرسول بولس الرائع في رسالته إلى أهل كورنثوس. في كلامه عن الزنا، لا يواجه الموضوع أخلاقياً، بل يواجهه أيضاً من ناحية الإيمان. إذا كنا نؤمن بالرب وبوصاياه نعرف ما إذا كنا سائرين بشكل صحيح وخيّر في الزواج وفي خارجه، لأنه يقول: أجسادكم هيكل للروح القدس وقد اشتريتم بدم كريم. يعني أنّ أجسادنا (الرجل والمرأة) لم تعُد خاصّتنا طالما اعتمدنا وصرنا مؤمنين، بل صارت تخصّ الرب. لم يعد باستطاعتنا التصرّف بها على هوانا. فإذا كان المسيح جامعاً بين الرجل والمرأة، فالمسيح هو الذي يطهّرهما بسبب إيمانهما والتصاقهما بالرب الذي يغطّي ضعفاتهما. ليست القضية أنهما هما طاهران. لا أحد طاهر، ولا أحد بلا خطيئة، ولكن إذا كنا ملتصقين بالرب، أي كما يقولون بأن لدينا خوف الرب، ولدينا هذا الهاجس بأن يكون عيشنا برضى الرب في كل شيء، عندئذ يكون الرب قادر دائماً أن يطهّرنا ويبقي هذه العلاقة مقدسة بلا عيب وبلا وسخ. من هنا يتكلّم بعض الآباء عن البتولية في الزواج، الإنسان الملتصق بالمسيح يكون طاهراً وبتولاً حتى ولو تزوّج لأن البتولية لا ترتبط باللحم والدم، بل ترتبط بمحبة الإنسان للرب.
إذا أردنا أن نلخّص مرة أخرى قبل أن نعطي المجال للأسئلة والحوار نستطيع القول بأن في الزواج، أي بين المرأة والرجل، مَن يكون أميناً للمسيح يضمن عيشَه بطهارة ويضمن نجاحَه، والأمانةُ للمسيح تضمن أمانةَ الرجل للمرأة والمرأة للرجل.
يمكن الآن أن أعطي مجالاً للأسئلة بعد أن أعطيت بعض قواعد وأفكار عامة يمكن أن ننطلق منها للحوار والأسئلة.

تعليق من مدير الجلسة الأب جورج الصوري:

يعتبر الناس أنّ مَن لا يُجري علاقة خارج العلاقة الزوجية المعروفة هو طاهر، أمّا الذي يجري علاقة خارج العلاقة الزوجية المعروفة فهو غير طاهر… معظم الناس هكذا تعرّف الطهارة: طالما يحافظ الإنسان على العلاقة الزوجية كون العلاقة الزوجية طاهرة فهو طاهر…
الأب افرام: أنا أريد أن أقول شيئاً. تعرفون أن في العالم كله اليوم أزمة، إنّها أزمة العائلة. اليوم في العالم، العائلة تتفكك، نشكر الله أننا بعد في منطقة لم تصبح هذه الأزمة كبيرة جداً. من أين تأتي هذه الأزمة، لماذا يحدث هذا التفكك، لماذا لم يعد كثيرٌ من المسيحيين يتزوجون مسيحياً في الكنيسة ويفضّلون الزواج المدني؟ ولماذا، أكثر من ذلك، كثيرون أو البعض لنقل في بعض البلدان يعيشون مع بعضهم البعض بدون زواج لا مسيحي ولا عقد مدني؟ ولماذا، أكثر من ذلك، بين الناس وخاصة المسيحيين يبنون علاقات خارج الزواج، أي زنا بحسب تفسير الكنيسة؟ هذا يعود كلّه إلى ضعف الإيمان والابتعاد عن الكنيسة وعن الله. هذا هو السبب الرئيس، لأنه إذا لم يكن ربّ الإنسان مقياسه، لا يوجد مقياس أخلاقي يضبط الإنسان ولا يوجد يلزمه. يأتي مَن يقول: من يمنعني، إذا الدولة أو بعض الدول تسمح بالعيش المشترك بدون زواج؟ لماذا أنت تريد أن تمنعني وتقول لي بأنها خطيئة؟ ولكن إذا كان الإنسان مؤمناً بصورة بسيطة، وإذا جاء إلى الكنيسة وسمع الرسالة تقول له ما جمعه الله لا يفرقه إنسان، ويصبحان جسداً واحداً، كيف يمكن لضميره أن يطاوعه على الالتصاق بجسد آخر؟

سؤال: الجملة الأخيرة “ويصيران جسداً واحداً” هل تعني أنّ الزوجين يصيران، أي أنّ الطرفين يصيران جسداً واحداً، أو أنّ كلّ طرف يصير واحداً مع المسيح؟

الجواب: هذا السؤال دقيق، يقول القديس الذهبي الفم مثلاً: هكذا شاء الله في البدء أن يخلق آدم ويأخذ المرأة من ضلعه لذلك قال: هذه لحم من لحمي وعظم من عظامي. أي أنه أراد أن يضمن شيئاً من الوحدة بمعني أن ينظر إلى الرجل والمرأة كواحد، ويعطي صورة النبتة التي تطلع ولا تبدأ بالتفرّع إلاّ بعد أن يصبح لها جذع. ويضيف الذهبي الفم أنّه بعد أن شاء الله أن ينبت الاثنان واحدا من أجل النسل، لم يعد يسمح أن يتزوّج الرجل اخته أو ابنته، لأنهم واحد. فلم يسمح بأن يتزوجوا من بعضهم لكي لا تبقى هذه الأنانية، لكي تتفرع الشجرة من أجل الشركة والمحبة، فيسعى الإنسان أن يفتش عن إنسان غريب بعيد عنه حتى لا يبقى مغلقاً على نفسه. لذلك الكنيسة لا تسمح للشخص أن يتزوج من أقاربه. فالوحدة قائمة بين الرجل والمرأة ولا بد أن تبقى قائمة ولكن في نفس الوقت هذه الوحدة منفتحة على الآخرين. لذا لا يسمح الله بأن يزني الرجل أو المرأة مع شخص آخر. المعنى هنا أنهما متحدان ومنفتحان في الوقت نفسه، ولذلك كما تقولين الوحدة قائمة بينهما وقائمة بين كل واحد منهما والمسيح كونهم أعضاء الكنيسة التي رأسها المسيح.

سؤال: الجملة الأخيرة “ويصيران جسداً واحداً” هل تعني أنّ الزوجين يصيران، أي أنّ الطرفين يصيران جسداً واحداً، أو أنّ كلّ طرف يصير واحداً مع المسيح؟

الجواب: هذا السؤال دقيق، يقول القديس الذهبي الفم مثلاً: هكذا شاء الله في البدء أن يخلق آدم ويأخذ المرأة من ضلعه لذلك قال: هذه لحم من لحمي وعظم من عظامي. أي أنه أراد أن يضمن شيئاً من الوحدة بمعني أن ينظر إلى الرجل والمرأة كواحد، ويعطي صورة النبتة التي تطلع ولا تبدأ بالتفرّع إلاّ بعد أن يصبح لها جذع. ويضيف الذهبي الفم أنّه بعد أن شاء الله أن ينبت الاثنان واحدا من أجل النسل، لم يعد يسمح أن يتزوّج الرجل اخته أو ابنته، لأنهم واحد. فلم يسمح بأن يتزوجوا من بعضهم لكي لا تبقى هذه الأنانية، لكي تتفرع الشجرة من أجل الشركة والمحبة، فيسعى الإنسان أن يفتش عن إنسان غريب بعيد عنه حتى لا يبقى مغلقاً على نفسه. لذلك الكنيسة لا تسمح للشخص أن يتزوج من أقاربه. فالوحدة قائمة بين الرجل والمرأة ولا بد أن تبقى قائمة ولكن في نفس الوقت هذه الوحدة منفتحة على الآخرين. لذا لا يسمح الله بأن يزني الرجل أو المرأة مع شخص آخر. المعنى هنا أنهما متحدان ومنفتحان في الوقت نفسه، ولذلك كما تقولين الوحدة قائمة بينهما وقائمة بين كل واحد منهما والمسيح كونهم أعضاء الكنيسة التي رأسها المسيح

سؤال: ما السبب أن أجسادنا ليست ملكنا، بعد أن نعتمد… هل هذا يعني أنّه، في الحياة العادية، لا يستطيع الواحد أن يتطلّع على جسد شريكه، وإذا غلط لا سمح الله هل بإمكاني أن أغضّ النظر (طنّش) وأقول…

الجواب: دائماً علينا أن ناخذ الناحية الإيجابية التي تنسجم مع الإيمان. جسمنا، كونه للرب، يصبح مقدساً لأنه يصير إناءً للروح القدس الموجود فينا والذي نأخذه في المعمودية ولجسد الرب ودمه اللذين يدخلان في أعضاء هذا الجسد كله. فنحن من أجل ذلك، إذا مرض هذا الجسد علينا أن نعتني به. يجب أن نأخذ هذا الأمر من هذه الناحية: أنا لا يمكنني أن أهمل جسدي ولا أحد يهمل جسده. ليس لأنه ملك لله أتركه لله وهو يتدبّر الأمر! لا على العكس، لأنه يجب أن أعيش لله أعتني به وأهذّبه حتى يبقى مطواعاً ومهذباً وإناءً صالحاً لتمجيد الرب، أكيد أنه إذا اهتممتُ بجسدي هذا لا يعني أن أرضي أهواءه، ليس بهذا المعنى، بمعنى أنه إذا مرض أحدنا يجب أن يهتم بمعالجة جسده. هذا شيء مشروع ومبارك حتى يبقى سليماً. يقول الآباء أن الجسد مثل الحصان، إذا تأخر أو ضعف لا يعود قادراً أن يتقدم، وإذا أهملته لا يعود هناك من يحملك.

مداخلة لمدير الجلسة:

في الكنيسة نهذّب الجسد إذ ممنوع تعذيبه، ممنوع إماتة الجسد. لا نسعى لأن نعمل إماتة للجسد، بإرادة أو بدون إرادة بمعرفة أو بدون معرفة. فإهلاك الجسد أو إماتته ممنوع مسيحياً لأنه جسد المسيح. من هنا، في الرسالة نفسها التي قرأها أبونا إفرام يقول: “مَن يريد أن يهلك جسده قط بل يفديه ويربّيه، كما يعامل الرب الكنيسة”. فإذا أوصى الطبيبُ الإنسانَ بتناول حبة دواء ألا يتناولها؟ إذا رأى الطبيب ضرورة الجراحة ألا يخضع الانسان لها. ألاّ يفعل يكون انتحاراً. السبب هو التعبير عن الوحدة بالمسيح والتعبير عن الطهارة المستمَدة من المسيح بقوة الروح القدس. نهتم بجسد شريكنا، أي إنسان يكون أمامنا، حتى لا نكون سبباً لهلاك الجسد أو لإماتته، وهناك الكثير ممَن يهملون شريكهم أو يهملون أهلهم وعائلاتهم وهذا مخالف للشريعة ومخالف لتعاليم الكنيسة.
الأب أفرام: نعم كما يقول أبونا جورج، هناك تمييز. على الإنسان أن يميّز بين الاعتناء بالجسد ومحاربته وعدم الإهتمام بأهواء الجسد. التهذيب يعني الأهواء والشهوات، عندما يحارب الشخص أهواءه وشهواته يهذّب جسده. مثلاً، إذا تجنّب المآكل الدسمة لا يقتل جسده بل يغذّيه! إنّه يهذبه لأن المواد الدسمة جداً تتعب الجسد ولا تهذبه.

سؤال: هل تعتقد أن الزواج المختلط مع غير الأرثوذكسي يؤثر على طهارة الزواج؟

الجواب: الموضوع بالحقيقة دقيق، لأنّ هناك صراع بكل معنى الكلمة بين علاقة الإنسان مع الله من خلال إيمانه وعقيدته وعلاقته مع الشخص الذي يحبه. هذا الصراع صعب. أعتقد أنّ هذه حالة إستثنائية. طبعاً الأحوال العادية، لا يخفى عليك أنه، الأفضل أن يقترن الإنسان بشريك من عقيدته. ولكن في الأحوال الإستثنائية يدخل الإنسان في هذا الصراع، وأعتقد أن ربّنا وحده هو الذي يفصل فيما إذا كان هذا الشخص يتصرّف بطهارة أو بلا طهارة، طبقاً لصدقِه الداخلي: على أي أساس يتصرّف ويختار الشخص الآخر، هل يتصرّف عن صدق أو عن مصلحة أو عن شهوة أو عن شيء آخر؟ إن كان يتصرف فعلاً عن صدق، فالرب قادر أن يحلّ المعضلة والصعوبات في حينها ويطهّرنا ويغطي ضعفاتنا وصعوباتنا.

سؤال: كان السؤال عبارة عن أن الزواج من طائفتين مختلفتين لا يمنع الطهارة لأن الله والمسيح واحد ونحن نتبع هذا الإله الواحد؟

الأب إفرام: أريد أن أعطيك صورة من أحد الآباء وهو القديس دوروثاوس: الناس دائرة مع مركز وشعاعات، المركز هو المسيح وهو واحد. لم يكن القديس يتكلّم عن الطوائف، لأنه لم يكن طوائف – قبل القرن الرابع – ولكن يتكلّم عن الأشخاص الذاهبين باتّجاه المركز الذي هو المسيح. الذين يسيرون على خطوط الشعاع، كلّما اقتربوا من المسيح كلّما اقتربوا من بعضهم ولكن في الحياة طرق. يقترب الإنسان من المسيح بطريق معين، كل مَن يعرف التقليد الشرقي والتقليد الغربي يعرف أن في كلّ منهما نهج مختلف ونمط حياة مختلف وصلوات مختلفة ويمكن لكلّ هذا أن لا يتعارض. ولكن يبقى أنّ الذي نشأ على نهج معين عنده وجدان معين وعندما يقترب من شخص له تربية ونهج آخران، تظهر صعوبة الانصهار. هذه لا يستطيع الواحد أن يهرب منها، هذا لا يعني أنهم لم يعودوا واحداً… يمكن أن يصبحوا واحداً إذا كانوا، كما حاولت أن أجاوب قبلاً، صادقين. أي أنّ وحدتهم تكون أمتن من غيرها إذا كانوا صادقين وعندهم النية بأن ينصهروا. ولكن هذا لا ينفي صعوبة الإنصهار.

سؤال : تفعيل المعمودية بالزواج؟

السؤال غير واضح ولكنه يتعلق بالمعمودية وتفعيلها، بالنسبة للمعمودية، إذا أردنا تبسيط التعبير مثل الترتيلة: أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم. نحن نلبس المسيح، كم هو عدد الأزواج حاملي المسيح في حياتهم.
هل أن السؤال يطرح الصلة بين سر المعمودية وسر الزواج. الصلة موجودة في التراتيل في الإكليل. عند الدورة والترتيل للشهداء (أيها الشهداء القديسون الذين كرزتم بحمل الله وذبحتم كالخراف)، تلاحظون الإكليل الذي هو للشهداء. لماذا دعوه إكليل؟ لأنهم شهداء للمسيح.
عندما يكلّل الكاهن يقول: بالمجد والكرامة كللهما، هذا يعني أن الجملة منسوبة أصلاً للشهداء الذي يكللون بسبب شهادتهم للمسيح. وكيف تكون الشهادة شهادة للمسيح؟ بالأصل كلمة شهادة باللغة العربية تعني الشاهد والشهيد، وبالأصل اليوناني الكلمة واحدة، هو الشاهد وفي نفس الوقت تعني الشهيد.
إذاً إذا كانوا في حياتهم شهداء للمسيح يحققون معموديتهم وإكليلهم… الإكليل يقال أن الزواج هو مدرسة للحب. يعني أنّ الذي يعيش زواجاً ناجحاً ينال الإكليل. فالإكليل الذي نأخذه بخدمة الزواج هو بركة نأخذها على الرجاء. يعني أننا نأخذ عربون إكليل المجد الذي سوف نحصل عليه بعد شهادتنا للمسيح. لذلك، كم من الأزواج – أنا لم أتزوج ولكن الذي تزوج ونجح يعرف – بأن آخر أيامهم تكون أياماً حلوة يقطفون فيها ثمار تعبهم وجهادهم سنين. وعند افتراقهم تصيب قلبهم حسرة فظيعة لافتراق الشريك عن الشريك. إنّهم لا ينالون تعزية إلاّ من الرب. الناس لا يتعزون إن لم يكونوا مؤمنين. وإذا كانوا مؤمنين فربنا فقط هو الذي يعزيهم.

حديث في بلدة الحدث، تشرين الثاني،1995