حتى نبقى على الإيمان القويم

حتى نبقى على الإيمان القويم

 

الأرشمندريت توما بيطار

نقاط على الحروف،  18 كانون الأول 2005

يوم خضع أو لَزِمَ الصمتَ أكثرُ الكنيسة في شأن بدعة المشيئة الواحدة، ضغطتْ سلطةُ الدولة وسلطةُ الأمر الواقع في الكنيسة القدّيسَ مكسيموس المعترف فكان جوابه: “خير لي أن أموت من أن أضلّ عن الإيمان في أقلّ بنوده”.

 لِمَ هذا التمسُّك بأدقّ العقيدة في كنيسة المسيح؟ لأنّ العقيدة هي إيقونة عمل روح الله في وجدان الكنيسة. صحيح أنّ ثمّة تعبيراً كلامياً عن حقيقة عمل روح الله هذا، لكن العقيدة ليست، بحال، مسألة كلام قابل، بتدابير الناس واستنسابهم، للتعديل. الصيغ العقدية التي انحدرت إلينا قابلة للتدقيق والتوضيح؟ بكل تأكيد! لا! هذه الصيغ ليست عندنا مُنزلة! لكنَّ التدقيق والتوضيح، متى دعت الحاجة إليهما، ليسا مسعىً بشرياً وحسب، بل عمل إلهي في آن معاً. ليس في وسع أحد، كائناً مَن كان، ولا في وسع جماعة، مهما علا شأنها وسَمَت رتبتها العلميّة أن تُدخل على ما سبق أن قيل، في العقيدة المسيحية، حرفاً واحداً أو نقطة واحدة. إذا ما قلنا عن أنفسنا إن كنيستنا هي كنيسة المجامع المسكونية السبعة المقدّسة فليس هذا لأنّنا نتوقّف عند حدود العدد بل لأنّ الكنيسة المقدّسة شهدت لكون النصوص التي عبّرت عنها المجامع المسكونية السبعة نصوصاً ملهمة من الله في لغة الذين اشتركوا فيها. لذا نحسبها مقدّسة ونحسب الآباء الذين اشتركوا فيها قدّيسين. هؤلاء تعاونوا مع روح الله في بسط أمور الإيمان بالله على غرار ما ورد في المجمع الأول الذي ضمّ الرسل والمشايخ في أورشليم. يومها كتبوا إلى الإخوة الذين من الأمم في أنطاكية وسورية وكيليكية، جواباً على المسائل المطروحة، بوعي كاملٍ لأمرَين: أولهما أن ما ارتأوه ارتأوه “وقد صرنا بنفس واحدة” وإثر ما “رأى الروح القدس ونحن” على حدّ تعبير النصّ (راجع أع 15: 25، 28). أن يكون هناك مجمع ثامن وتاسع وعاشر هذا بديهي، متى دعت الحاجة، شرط أن يبقى المتكلّم هو الروح القدس ونحن. طبعاً كثيرون ادّعوا في الماضي، الأمانة، زوراً، لهذا المنحى الإلهي الإنساني في تعاطي شؤون الكنيسة فلم تثبت مزاعمهم لأنّ روح الربّ هو الضامن لكنيسة المسيح، وأبواب الجحيم لا تقوى عليها. والروح القدس يحفظ استقامة الإيمان بالقلّة دون الكثرة، بالأفراد دون الجماعات، متى لزم الأمر. المقياس، في كل حال، باقٍ داخلياً لا خارجياً، روحياً لا مادياً. على هذا لا يمكن لتدابير المفترين، مهما اشتدّت، على الإيمان القويم، أن تثبت. ثمّة أزمنة للهرطقات لكن حقّ الله، في النهاية، هو الغلاّب. ليس ثمّة مؤسّسة على الأرض ولا ثمّة فرد ينحصر فيه قول كلمة الحقّ. لا هناك بابوية فردية ولا بابوية مجمعية في الكنيسة. الكل قابل للشطط. ولكن لأنّ الأمور، في الكنيسة، ينبغي أن تكون قائمة بلياقة وترتيب يُطيع المؤمنون مدبّريهم، مجامعَ وأساقفةً وكهنةً. إلاّ أنّ هذا لا يُعتبر حاصلاً إلاّ في إطار حقّ الإنجيل. الطاعة في حدود الشريعة لا بخلافها، وإلاّ لا تعود الكنيسة كنيسة. انتماؤنا ليس البتّة إلى مؤسّسة بشريّة ولا حتى إلى مؤسّسة إلهية. انتماؤنا هو إلى كيان إلهي إنساني. هنا بالذات يكمن سرّ الكنيسة. كل الهرطقات، في التاريخ، مردّها التغاضي عن هذه المسلَّمة: أنّ الكنيسة إلهية وإنسانية معاً.

 

ركنُ العقائد عندنا هو عقيدة التجسّد. كل العقائد الأخرى تنبثق منها أو تصبّ فيها. هذا، في الحقيقة، لأنّ الكنيسة، بطبيعتها، تجسّدية. ملء اللاهوت فيها وملء الناسوت. كل ما فيها إلهي وإنساني معاً، كل المنتمين إليها، طريقة تفكيرهم، مقاربتهم للأمور. عقيدة التجسّد، عندنا، هي إيقونة لحياة الكنيسة، وفي الكنيسة الواحدة لوجدان المؤمنين الواحد. لا إمكان تغيير في العقيدة، أي في الإيقونة، لأنّها صورة الحياة عينها. التغيير تنكّر للحياة الجديدة، طعن فيها. لذا تقطع الهرطقة عن الله لأنّها تشوِّه صورة حياة الله في الكنيسة. مَن سلك قويماً في الكنيسة شهد قويماً ومَن سلك ملتوياً شهد ملتوياً. دونك عيِّنة من السلوك القويم ومن خلافه وكيف يفضي إلى شهادة فاسدة.

 

تقول مثلاً أنا لا أُقبِّل يمين الكاهن لأنّه إنسان أو تقول أنا لا أَقْبَل أن أُساهم القدسات بالملعقة لأنّ الملعقة أداة لنقل الميكروبات. تقول مثلاً إنّ الإيقونة قطعة فنّية ذات موضوع كنسي وتعرضها بجانب سواها من اللوحات الفنّية. تقول مثلاً إنّ الترتيل البيزنطي نمط موسيقي وتُقيم له حفلات على المسرح كغيره من الأنماط الموسيقية وتجعله مادة تعليمية لدُرّاس الموسيقى في الكونسرفتوار. تتعاطى الكتاب المقدّس كنصّ أو كأدب أو كثقافة. تدرّس اللاهوت كجملة مواد تعليمية في المعاهد والجامعات، لمَن يرغب. تتعاطى البناء الكنسي كبناء والفكر الكنسي كفكر والعبادة كطقوس والكنيسة عينها كواحدة من الديانات أو الطوائف. كل هذا وغيره الكثير تتحرّك على أساسه كل يوم ولا ترى فيه غضاضة. ولكنْ كلُّ هذا مؤشّر على وجدان كنسي غير قويم لأنّه ليس مشبعاً بالمنحى الإلهي الإنساني المفترض أن يكون. وفقاً لطبيعة الكنيسة الإلهية الإنسانية أنتَ تقبِّل يد الكاهن لأنّك ترى فيه إيقونة مرئية للمسيح غير المنظور. ولا تتعاطى القدسات، متى ساهمتها، من حيث هي ملعقة وخمر وماء وخبز بل من حيث هي المسيح يسوع عينه آتياً إليك في إيقونة الخبز جسداً والخمر دماً. في إطار الرؤية الكنسيّة تتعاطى الإيقونة لا باعتبارها لوحة كاللوحات ولا لقيمتها الفنّية بل لأنّها علامة حضور إلهي ومطرحُ تجلٍّ وموضع لقاء السماء بالأرض. الترتيل البيزنطي لا تقف فيه عند حدود النغم بل تتعاطاه كأداة عبادة تساعد الناس فيه ليرتفعوا إلى فوق وتستنزل فيه رحمات الله إلى مستوى عِشرة الناس. وماذا يُقال عن الكتاب المقدّس؟ بارَكَنا الربّ الإله بمَن كان لا يقرأ الإنجيل والرسائل إلاّ أمام الإيقونات وواقفاً أبداً في وضع الصلاة (راجع سيرة القدّيس سيرافيم ساروفسكي). والشيء نفسه يُقال عن كل أمر آخر في الكنيسة وما يختصّ بالمؤمنين. الكنيسة كيان فريد لا مثيل له في العالم. خطأ كبير أن نعتبرها واحدة من الديانات أو الطوائف أو مؤسّسات هذا الدهر.

 

الموضوع، أولاً وأخيراً، إذاً، هو موضوع وجدان كنسي ذي طابع إلهي إنساني فذّ. هذا ينبغي أن يكون لدينا واحداً ووجدان الكنيسة التاريخي التراثي وإلاّ لا نكون منها ولا ننتمي إليها. بغير هذا الوجدان نسقط في الضلال، نُسبى إلى بابل فكر هذا العالم، نمسي أرضاً خصبة لكل هرطقة!

فاسولا ريدن: وجهة نظر أرثوذكسية

فاسولا ريدن: وجهة نظر أرثوذكسية

إعداد الأب أنطوان ملكي

—————————————————————————————————————————————————————– 

فاسولا ريدن: وجهة نظر أرثوذكسية

إعداد الأب أنطوان ملكي

تعاليمها

أهم تعاليم فاسولا هو الدعوة إلى الوحدة المسيحية. وهي لذلك تحلّل المناولة المشتركة، خاصةً خلال رحلات الحجّ التي تنظمها. وهي تؤكّد أن يسوع كشف لها أن الإفخارستيا ينبغي أن تكون الوسيلة لبلوغ الوحدة: “يدعونا ربّنا إلى عيش الوحدة في قلوبنا، حول مذبح واحد متشاركين بالمناولة” وتضيف أنّ “السلطات الكنسية لا تفهم هذا الأمر لأنّ عليهم أن يتوبوا لكي يتمكّنوا من الاستماع لما يقوله الروح القدس لهم”.[1]

 

 

من أوضح دعواتها في هذا الإطار كلام في إحدى رحلات الحج في تركيا: إذا قال لكم البعض أنكم تقومون بعمل خاطئ عندما تعيشون الوحدة الروحية أو تشتركون بالمناولة، كما جرى اليوم وفي الأيام الماضية، فعليكم أن تقولوا لهم: … أنا أتبع وصايا المسيح وحسب. فما هو الأفضل لكم أن تتبعوا وصايا المسيح أو أن تعصوها؟ … سوف أستمع لوصية الرب وأبقى فيه لأني قرأت، بمعونة الروح القدس، علامات الأزمنة التي تدعونا إلى الوحدة والاشتراك حول مذبح واحد”[2]

من تعاليم فاسولا، التي تشترك مع غيرها من دعاة الوحدة غير المستندة إلى التقليد والكتاب، هو الدعوة إلى توحيد تاريخ التعييد للفصح. ففي عام 2007 أطلقت جماعة الحياة المسيحية في الله عريضة عنوانه “تاريخ واحد” مطالبة الأرثوذكس والكاثوليك بتوحيد تاريخ عيد الفصح، استناداً إلى ما طلبه يسوع في الرسائل التي نقلتها فاسولا. وبحسب فاسولا إذا نجحت العريضة فإن يسوع يَعِد بزمان من السلام[3]. وكما يشرح أحد أتباعها في مقال منشور على موقع TLIG الرسمي: “إذا توافق رؤساء الكنائس على تاريخ التعييد للفصح، فإن كل الحروب على المسكونة سوف تتوقّف. سوف يكون عندنا سلام كوني: كلّ شيء سوف يقع في مكانه. كلّ شيء سوف يصير أفضل للجميع. هذا ما شرحته لي فاسولا”[4].

وتؤكّد فاسولا أن يسوع كرّر أكثر من مرة أنّ “الحروب… الإرهاب، الكوارث الطبيعية، كالتسونامي مثلاً، كلّ هذا بسبب انقسام الكنيسة”[5]

هذا وقد تعرّض نقّاد فاسولا لموثوقيّة رسائلها لأنّ هذه الرسائل تغيّرت مع الوقت. ففي 1995 ذكرت فاسولا في مقابلة مع The Times  أنّ الله أعطاها الإذن بالقيام بهذه التغييرات. فقد ذكرت: “من الممكن لإله كامل أن يندم (regret) على ما سبق له قوله، تماماً كما ندم على خلقه لجنس سقط من النعمة.[6]

 

التزامها بالكثلكة وملاحظات عامّة حول تعليمها

أمّا عن التزامها بالكثلكة، فيذكر أقرب تابعيها، الأب رينيه لورانتاين، في حديثه عن أنّ البابا والحبل بلا دنس هما نقطتا الخلاف الأبرز بين الأرثوذكس والكاثوليك: “في هاتين النقطتين، فاسولا تلتزم (adheres) بالكامل بالعقيدة الكاثوليكية، وهذا ما يشكّل مشكلة لدى بعض الأرثوذكس”[7]

إلى هذا، يوجد عدد من النقاط التي يلاحظها قارئ رسائلها وينبغي التوقّف عنده:

  1. تدّعي أنّها تزوّجت بيسوع وأعطاها خاتماً بطريقة فائقة الطبيعة (رسالة 23 آذار 1987).

  2. تذكر أن يسوعها يسمّي الذين لا يتوافقون معها “زمرة قايين” (رسالة 18 كانون الثاني 1991) وأن مَن يرفض فاسولا يرفضه هو شخصياً (رسالة 15 تشرين الثاني 1991).

  3. تعلّم عن الجحيم تعليماً هو أقرب إلى الخرافة وتعاليم البدع منه إلى ما تذكره الكنيسة خاصةً في التفاصيل والمناقشات التي دارت بينها وبين الشيطان، إذ تروي أنّها زارت الجحيم برفقة يسوع (رسالة 7 آذار 1987).

  4. تعليمها عن ضد المسيح، معطوفاً على تعليمها عن الجحيم، أقرب إلى تعليم الألفيين خاصةً في التهديد والوعيد الذي يحمله، وربط الكوارث والمحن بمجيء ضد المسيح وإيقافها باتحاد المسيحيين.

  5. تستعمل لغة العصر الجديد، أي لغة عمومية مبهَمة وتحمل الكثير من التفاسير، خاصةً عند حديثها عن الرئاسات الكنسية وعن الأقانيم الثلاثة.

من ناحية ثانية، يمكن إيراد عدد من الملاحظات تسهم في طرح البعد الفائق للطبيعة عن رسائل فاسولا وسلوكها:

  1. التبدل في عدد من الأفكار الواردة في الرسائل

  2. شكل تلقّي الرسائل، خاصة موضوع الخط الغريب، مثير للشكوك لعدم تطابقه مع التقليد، ما يوحي بالمسّ الشيطاني أكثر منه بالخبرة الروحية البنّاءة.

  3. عدم وضوح موقف فاسولا من الرئاسات والقوانين الكنسية واستعدادها لتخطيها والدعوة لإهمالها في الكثير من الحالات.

  4. الدور الرئيسي الذي تظهر فاسولا من خلاله في هذه الرسائل، حيث تكون رفيقة يسوع وزوجته ورسولته…

 

مواقف الكنائس الأرثوذكسية

بالإضافة إلى الموقف الواضح الصادر كنيسة اليونان والمذكور آنفاً، صدر في 2002 موقف عن كنيسة أورشليم برسالة موقّعة من الراهب سارافيم، أمين سر البطريركية، ومن أهمّ ما جاء فيه: ” إن حركة السيدة فاسولا غير مقبولة كحركة أرثوذكسية، بل هي مسكونية وتساوم ضد الحقيقة وترتكز على رؤاها… الرؤى التي تصفها السيدة رايدن لا تشترك مع رؤى الآباء القديسين بأي من الصفات. فالمتوشّحون بالله مُنحوا الرؤى بعد لله وللقريب ت كثيرة من حياة الصليب والطاعة والاتّضاع والصلوات والصوم والمحب وإخفاء الذات طوعياً، ومن كلّ هذا لا يظهر لدى السيدة رايدن إلا إقلاعها عن حياتها الدنيوية السابقة…”[8]

أمّا كنسة رومانيا، فقد صدر موقفها من بعد زيارة حجّ نظّمتها في أيار 2010، حيث استقبلها الكاهن دانيال كريشان في مدينة بوسكا. وقد تكلّمت فاسولا في الكنيسة بالحجاج ودعتهم إلى المناولة المشتركة، وقد شارك في القداس أحد الكهنة الكاثوليك المرافقين لها. موقف الكنيسة الرومانية عبّر عنه المجمع، بطلب من مطران بوسكا، في رسالة رفضت فيها تعاليم فاسولا والنشاطات المماثلة لرحلات الحج التي تقوم بها كما أوقفت الكاهن دانيال عن الخدمة[9].

آخر المواقف هو للكرسي القسطنطيني الذي اصدر بياناً مجمعياً في السادس عشر من آذار 2011، على أثر انتقال فاسولا للعيش في رودس، وقد جاء فيه: “إن الكنيسة الأرثوذكسية باتباعها بدقّة مثال الرسل القديسين وتعاليمهم، كما تعاليم خلفائهم آباء الكنيسة، وقرارات المجامع المسكونية الملهَمَة من الله، تصون الإيمان كجوهرة غالية الثمن، إيمان الكنيسة الواحدة المقدّسة الجامعة الرسولية، الذي تختبره الجماعة المسيحية باشتراكها في الأسرار ومجمل حياة الجسم الكنسي المؤسَّس من الله.

وعليه، كل حركة وتوتر مرتَجَل، سواء كان شخصياً أو جماعياً، ويحمل ازدراءً او خرقاً لعقائد الإيمان والحياة الأرثوذكسيين اللذين يُعاشان في المسيح ضمن الكنيسة على أنّهما السبيل الوحيد لخلاص نفوسنا، وبخاصةً الصادرة عن شخصيات تدّعي لذاتها المواهبية، مرفوضة دائماً على أنّها ابتداع غير مقبول.

بهذه الروح، وحرصاً على الشعب الأرثوذكسي الورع، الذي لا يعرف جيداً الأمور المترتّبة من خطر الخديعة، ولحمايته المفيدة من التشوّش الروحي، نشجب فاسيليكي باراسكيفيس بنداكي – رايدن، المعروفة على نطاق واسع باسم فاسولا، من الكنيسة الأمّ، ومعها منظمّتها التي تحمل اسم “الحياة الحقيقية في الله”، لأنّها تقترح بطيش تعاليم تقوم على ما يُزعَم بأنّه “حوار مباشر بينها وبين مؤسس الكنيسة ربّنا يسوع المسيح”، كما نشجب الذين استولَت عليهم وداعمي “الحياة الحقيقية في الله”، لكونهم ينحرفون اعتباطياً عن تعليم الكنيسة المُعطى من الله، لا بل أنّهم يحيّرون ذهنية المؤمنين الأتقياء.

لذا، نحن ندعو أنصار هذه البدَع المرفوضة والأشخاص الذين يدعمونها، الذين من الآن وصاعداً لن يُقبَلوا في الشركة الكنسية، ليس فقط إلى عدم التورّط في أعمال تبشيرية في الأبرشيات المحلية، بل أيضاً إلى عدم نشر تعاليمهم المبتَدَعة، للحيلولة دون الوقوع تحت العقوبات التي تنصّ عليها القوانين المقدّسة.

أخيراً، نعبّر عن أسف البطريركية المسكونيّة العميق لأعمال بعض إكليريكيي الكنيسة الأرثوذكسية – لحسن الحظ أنّهم قلّة – الذين يحاورون المسمّاة فاسولا ويعطونها “شهادة في الأرثوذكسية”.”

يدافع أتباع فاسولا عنها في وجه هذه المواقف بالقول بأنّ قرار كنيسة اليونان لا يذكر كلمة “حرم excommunication”، خاصة أنّ الكنيسة لا تحرم أحداً إلا بعد أن تناقشه، وكنيسة اليونان لم تناقش فاسولا. أمّا في قرار كنيسة القسطنطينية فهم يرون أنّ لا قيمة له لأنّه ليس صادراً عن البطريرك شخصياً، في حين أنّه قرار مجمعي صادر عن سكريتيريا المجمع. وفي هذه الحجة الأخيرة دليل واضح على عدم فهمهم لتركيبة الكنيسة الأرثوذكسية حيث البطريرك متقدّم بين متساويين. إلى هذا، إنّهم يبرزون عند أي حوار صورة لورقة موقّعة من بطريرك الإسكندرية ثيوذوروس، يقولون أنّها شهادة بأنّ إيمان فاسولا أرثوذكسي، ويستندون إلى قانون يقول بأنّ الإنسان عند انتقاله من مكان إلى آخر يبقى لمدة خمس سنوات تحت سلطة الكرسي التي كان فيها. فلكَون فاسولا مصرية الأصل فإن رسالة البطريرك ثيوذوروس شهادة كافية. وهنا لا بد من الملاحظة أنّه لا يوجد هكذا قانون في الكنيسة الأرثوذكسية، إضافة إلى أنّها تركت مصر مما يزيد عن الأربعين سنة.

 

 

 


[1] “Vassula speaks of unity and intercommunion”, 2008, http://www.tligvideo.org/chich.html

[2] www.tlig.org/print/en/news/2007-06-29/2045

[3] رسالة 10 كانون الأول 2001.

[4] “My Valentine’s Day Kitchen Table Talk with Vassula”  (http://www.tlig.org/en/news/2007-03-27/2035

[5] من فيديو أثناء رحلة حج في تركيا سنة 2007، مصدره http://vimeo.com/11074886 عند التوقيت 4:50 من الفيديو.

[6] http://www.latimes.com/news/local/la-me-visionary10jan10,1,4003585.story

[7] http://www.propheties.it/celestial/vassula/rydentes.htm

[8] النص كاملاً موجود باللغتين اليونانية والإنكليزية على موقع دير الضابط الكلّ http://www.impantokratoros.gr/EFC7D523.en.aspx.

[9] http://www.infovassula.ch/tligcrecan.htm

فاسولا ريدن


النبية الكاذبة فاسولا ريدن

ترجمة إدارة شبكة القديس سارافيم ساروف

مراجعة الأب أنطوان ملكي

في رسالة مؤرخة بتاريخ 24 نيسان (2010)، نُشرت على موقعها الرسمي، ادعت رايدن بأن تحذيرات من بركان أيسلندا لهذا العام والنيزك الذي شوهد في وسط وغرب أمريكا قد وردت في رسائلها، وأنّ الصلاة التي لقّنها إياها يسوع ورددها أتباعها قد خففت من تأثيراتهما إلى هذا الحد… وتقول الرسالة أنه إذا استمرت السلطات الكنسية في محاربة الله ومنعه من الكلام (من خلال فاسولا رايدن) فإن الناس سوف تنقلب عن الإيمان وعقاب الله بالنار سيكون رهيباً.

وتدّعي فاسولا بأن الرب يسوع أعطاها صلاة خاصة في تشرين الثاني عام 2009 للحد من تأثيرات البركان والنيزك الكارثية. وتذكّرهم بأنها سبقت وتنبأت عن أحداث 11 أيلول وكارثة تسونامي. وادّعت بأنها طرحت على يسوع السؤال “لماذا يسمح بكل هذا؟” فأجابها أنّ الناس يموتون بسبب “الإرتداد عنه”. وتدعي أن الذين ينتقدون نشاطاتها ويمنعون الناس عن الإصغاء لها سوف تأخذ بهم العدالة الإلهية إلى الجحيم (10 كانون الثاني 2002). وأحدى أهم النقاط التي وردت في رسائلها المزعومة هي تلك التي تدعي فيها أن الرب قال “ الآن أرعى كرمتي بيدي شخصياً” (22 آب أوغسطس 1989) وأن الرب سيختار “كهنة الله الحي، كهنة الأمين، ومن خلال الكهنوت الجديد سيعيد بناء الكنيسة“ (29 تشرين أول أكتوبر 1991)، وكأن الكنيسة لم تكن في رعاية الرب مخالفة بذلك قوله “وها أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء الدهر”، وقوله “متى اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون حاضراً في وسطهم“ وقوله “لا أترككم يتامى“ في وعده بحلول الروح القدس في الكنيسة وبقائه معها إلى يوم المجيء الثاني

 

من هي فاسولا ريدن؟

في العام 1985 بدأت تنشر رسائلها مدعية أن الملاك الحارس “دانيال“ كان يلقنها ما تكتبه وكان يحرّك يدها للكتابة رغماً عنها (بشكل لا إرادي)، ليحلّ سريعاً فيما بعد الرب يسوع المسيح مكانه والذي كان يخط رسائله من خلالها والذي دعاها لتنادي “بالحياة الحقيقية في المسيح“. وقد أكد عدد من الخبراء أنها مزيج من تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية مع الكنيسة الكاثوليكية وبعض النبوءات والتحذيرات من أحداث كارثية. ووفقاً لموقعها الخاص على الإنترنت “الحياة الحقيقية في الله TLIG “ فقد وُجّهت لها الدعوات لأكثر من 90 بلداً في العالم وألقت أكثر من 900 محاضرة، حتى أنه وفق زعمها قد طُلب إليها أن تتحدث عن الوحدة ثلاث مرات في مجلس الكنائس العالمي في جنيف (لم نتمكن من التحقق من صحة ذلك)

ورغم انها تصرّح بأنها يونانية أرثوذكسية لكنها حاولت منذ بداياتها الحصول على موافقة الكنيسة الكاثوليكية، وفي الواقع أن الكثيرين من أنصارها بمن فيهم الإكليريكيين هم كاثوليك. كما أن دعواتها لتقديس قلبَي مريم ويسوع وعبادتهما هي دعوات كاثوليكية لا أثر لها في الكنيسة الأرثوذكسية، ناهيك عن دعوتها الناس لصلاة المسبحة الوردية وزيارة المزارات الكاثوليكية فحسب، قائلة نقلاً عن إحدى رسائلها المزعومة “مباركين هؤلاء الذين يقيمون صلاة المسبحة الوردية“. كما أنها تؤمن بالعذاب وبأن الصلاة تقي منه، وادّعت أنه أتيح لها رؤية الجحيم ووصفت أموراً بعيدة عن تصوّر الكنيسة له. وفي الحقيقة يصعب على المتتبّع لرسائلها أن يجد أي روح أرثوذكسية فيها – كما تدّعي- . هذا ويوجد لها اعتراف على أحد الفيديوهات تقرّ فيه بأنها لم تكن تتردد على كنيسة و”لم تكن تبحث عن الله مطلقاً“، بل كانت تؤمن بأن الله موجود دون أن تتلقى أي تعليم ديني محدد. وعندما تزوجت من أحد اللوثريين البروتستنت هجرت الأرثوذكسية واتبعت إحدى الحركات العالمية التي أرسلتها إلى أماكن متفرقة في العالم. ولم تكن لا هي ولا زوجها ممن يمارسون أي شعائر دينية. وفي عام 1985 وبينما كانت تكتب قائمة باحتياجاتها من الخضار فجأة رأت ملاكها الحارس يحرك القلم ويكتب على الورقة ما يريد أن يقول لها، وقدم نفسه باسم “دانيال“ وأمَرَها بقراءة الكتاب المقدس ومن ثم صارت الرسائل تأتي من الله

وقد أصدرت كلتا الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية تحذيرات جدية من تعاليمها ونشاطاتها، لكنها لم تزل تجد مناصرين من كبار الإكليروس الكاثوليكي مما يوحي لأنصارها بأن الكرسي الرسولي يدعمها وبأنّ هناك مؤامرة في الأوساط الفاتيكانية كانت وراء التحذيرات التي صدرت بشأنها. واعتبر أتباعها أن عدم الاعتراف بأن يسوع يتكلم معها من قبل السلطات الكنسية هو تكرار للتاريخ عندما لم يصدّق اليهود أن يسوع هو “المسيّا “. ولذلك فإن “الأمناء“ من رجال الدين الذين صدّقوها هم بمثابة رسل العصر الجديد الذين سيتلَمِذوا العالم . وقد وصفها أحد أتباعها بأنها “واحدة من أعظم أنبياء الله كما كان أنبياء العهد القديم، وأنّ رسائل الحياة الحقيقية في المسيح التي تنشرها ليست سوى إحدى أهم عطايا الله للجنس البشري، وأن رفض هذه الرسائل هو بمثابة التجديف الذي لا يُغتفر على الروح القدس “

ولدت فاسيولا لأبوين يونانيين في مصر عام 1942، تزوجت عام 1966 لموظف بروتستنتي في منظمة الأغذية والزراعة وأنجبت منه ولدين. بدأت منذ العام 1985 تدعي بأنها تتلقى رسائل موحاة من يسوع المسيح، محتواها يدور حول الحركة المسكونية وانقلاب الناس والكنيسة عن الدين وقلبَي مريم ويسوع المقدسين. وكان لنشر هذه التعاليم والدعم الذي لاقته من قبل لاهوتيين عالميين مثل رينيه لورينتين الأثر المهم في وجود أتباع ومؤيدين لتعاليمها في صفوف العديد من العلمانيين والإكليريكيين على حد سواء (مطارنة وكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية).

رسائلها مجموعة الآن في حوالي 10 – 12 مجلد تدور كلها تقريباً حول إثارة المشاعر الإنسانية والحديث حول الإرتداد في العالم المسيحي والكنيسة والعلمانية والعقلانية التي جعلت الإيمان فاتراً. أتباعها يدينون الإجهاض والاستنساخ والعصر الجديد، ويعظون بالولاء للبابا والحاجة لقبول الأسرار وأهمية الصوم. وأخيراً وليس آخراً يدعون حدوث عجائب بتلك الرسائل حتى دون أن يوجد لها أي توثيق علمي

في السادس من تشرين الأول عام 1995 صدر عن مجمع العقيدة والإيمان في الفاتيكان بيان يعلن بوضوح أن الرسائل التي تنشرها فاسيولا رايدن وتدّعي أنها من السيد المسيح، بالإضافة لاحتوائها على نقاط إيجابية، لكنها تحوي الكثير من المغالطات والتناقضات مع العقيدة الكاثوليكية كاللغة الغامضة التي تستخدمها في الإشارة لأقانيم الثالوث الأقدس والخلط بين هذه الأقانيم، والادعاء بقرب وصول ضد – المسيح AntiChrist وحلول فترة من السلام والرخاء على العالم – الفكرة الألفية حول حدوث فترة من السلام والرخاء على الأرض تسبق الدينونة الأخيرة – قبل مجيء المسيح الثاني (كما في رسائل 24 كانون أول ديسمبر 1989، و10 تشرين الثاني نوفمبر 1988) .. واستغرب البيان تناقض تعاليم فاسيولا رايدن مع تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية التي تدعي الانتماء لها، ودعا البيان في ختامه كل الأساقفة الكاثوليك إلى عدم السماح لتعاليمها بالانتشار بين رعاياهم والعمل على تنوير المؤمنين لزيف هذه الرسائل

وسرعان ما احتج أنصارها على البيان وادّعوا أنه صدر بلا توقيع بمعنى أنه دون علم رئيس مجمع العقيدة والإيمان الكاردينال راتسنغر (البابا بنديكت السادس عشر حالياً)، وأنه من صياغة وصنع بعض القوى الماسونية في الفاتيكان

ورغم الشكوك التي حامت بسبب تصريحات تتسم بالليونة أدلى بها الكاردينال راتسنغر لمجموعة من مؤيديها في المكسيك في أيار عام 1996، عاد الفاتيكان في قرار له في تشرين الثاني من العام نفسه ليؤكد على أن الحظر على نشر وقراءة رسائل فاسولا، واعتبارها رسائل من وحيها الخاص هو حظر ساري المفعول ونافذ

 

اختفاء، حذف وتعديلات على الرسائل

هذه المعلومات نُشرت في مجلة إيطالية اسمها Jesus تحت عنوان “عندما يُصحح يسوع”، في تشرين الأول من عام 1996 وأشارت إلى عمليات الحذف والتعديل التي أدخلتها السيدة رايدن على رسائلها المزعومة

فقد أتلفت المدعوّة رايدن رسائل الأشهُر العشرة الأولى من دعوتها المزعومة والتي يفترض أنها الأهم في كل ظاهرة جديدة، وتعترف بذلك شخصياً وتقول “نعم لقد أحرقتهم لأن لدي الكثير منهم“، وهذه وحده يعتبر طريقة غير محترمة للتعامل مع رسائل تقول أنها من الوحي الإلهي. ولكن رينيه لورنتين لا يتردد في الدفاع عنها وينفي قيامها بإتلاف الرسائل – على خلاف اعترافها هي بذلك – ويقول أنها “لم تدمر شيئاً لكنها لم تنشر تلك الرسائل إلا أن لديها خطط للقيام بذلك“. ولا يزال الوعد قائماً منذ أكثر من عشر سنوات بنشر هذه الرسائل دون أن يتم .. هذا التناقض لا يترك مكاناً للثقة

اكتشف الأب الفرنسيسكاني فيليب بافيتش وهو كرواتي الأصل تعديلات كثيرة قامت بها المدعوة رايدن على الرسائل، عندما كان مقيماً في ميديغورييه وقد تلقى نسخاً من رسائلها قام بمقارنتها مع النسخ الأصلية المكتوبة بخط اليد لها فاكتشف وجود مقاطع محذوفة ومُشار إليها بأن الحذف تم من قبل السيدة رايدن نفسها وبالتعاون مع أحد مناصريها المدعو إرفين شلاخر Erwin Schlacher. وقد قام بإرسال الرسائل إلى المترجمة إيلينا كارفالو لترجمتها إلى اللغة البرتغالية، فقامت كارفالو بمراسلة السيدة رايدن والاستيضاح منها، وردت فاسولا رايدن عليها بالفاكس في تاريخ 1 تشرين أول أكتوبر 1993 تقول فيها مبررة ذلك: “كل شيء حذف بمشيئة الله، وبكلمتين مختصرتين، الله يعطيني رسائل خاصة ورسائل مشفّرة. في البداية قمت بتصوير نسخ عن كل تلك الرسائل، وعندما أردنا طباعتها لاحقاً جعلني الله أفهم أن الرسائل الخاصة وتلك المشفرة التي قد لا يفهمها الناس لا يجب أن يتم طباعتها.(…) لدي جهازي كمبيوتر محمول، أحدهما أدعوه الكمبيوتر الخاص، (…) والثاني هو العام والذي يحتوي على ما يجب أن يتم طباعته. الله ينقل من الكمبيوتر الخاص ما يجب أن يتم طباعته ويدخله في الكمبيوتر العام “.

وتدعي أنها في البداية قد نشرت كل شيء على الملأ لكن الله لم يرد ذلك. وفي نهاية الفاكس تقول أن اللاهوتي رينيه لورنتين سوف يدحض كلّ تلك الإفتراءات. لكن هذا الدحض لم يأتِ مما زاد في هشاشية مصداقيتها المهزوزة أصلاً. وبإجراء الفحص الدقيق لنسخ الرسائل المكتوبة باليد وتلك التي تم طباعتها منها، تبين أن المقاطع المحذوفة هي تلك التي تشير إلى نبوءات لم تتحقق، مما تسبب بخيبة أمل لبطلة الرواية. مثل رغبة العذراء بلقاء الكاهن المريمي دون ستيفانو غابي الذي لم يتم، وطلب يسوع من فاسولا أن تطلب مقابلة البابا لتغسل قدميه ومن ثم يحتفلان بدرب الصليب سويّة. ثم إشارة يسوع إلى أنه سوف يجعل الناس “تعبد“ أمّه القديسة والتي تمّ شطبها وتصحيحها بخط فاسولا إلى “يكرمون“ بدل كلمة يعبدون.

وهنا علينا أن نتساءل عن ماهية هذا الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس الذي لا يستطيع اختيار المفردات الصحيحة والذي هو بحاجة لأن يصحح عباراته وكلماته الخاصة

أخيراً وفي مذكّكرة طويلة نشرت في بلفاست عام 1994 تقول فاسولا رايدن مدافعة عن هذه التصحيحات أن الآب السماوي قال لها حرفياً في رسالة بتاريخ 12 تشرين أول أكتوبر 1986 “السلام معك، لا تترددي في تصحيح أي كلمة ترين أنها غير صحيحة أو أنها قد تتسبب لك بالإزعاج. أنا، الله، سأمنحك الشعور بذلك. هل أنت سعيدة يا فاسولا ؟“.. هذا الآب السماوي المزعوم نفسه يقول لها في رسالة مؤرخة بتاريخ 14 تموز يوليو 1992 “رددي فقط الكلمات التي أقولها لكِ، لا تزيدي ولا تنقصي، أريدك خاصة لي”.

 

الكتابة التلقائية

في لقاء مع حجاج كنديين في سويسرا عام 1991 تحدثت السيدة رايدن بنفسها عن الطريقة التي يتمّ بها تسليم الرسائل المزعومة: “كنت أعدّ قائمة باحتياجاتي للحفلة في تلك الليلة وتناولت ورقة لأكتب عليها ما أحتاج. وفي اللحظة التي أمسكت بالورقة والقلم شعرت بتيار غريب كالكهرباء يسري في كل جسدي وصولاً إلى يدي وخاصة يدي اليمنى … وخرج القلم من بين أصابعي كما لو أنني أردت التخلص منه، ولم يعد بإمكاني الإمساك به مجدداً، كما لم أستطع أن أفتح يدي مجدداً كما لو أنها التصقت. صارت الورقة كالمغناطيس ولم أعد أقوى على رفع يديّ كما لو أن وزنها صار 100 كيلوغرام. لم أكن خائفة ولا أعرف لماذا، فتركت يديّ لأنظر ماذا سيحدث. لم يكن الخط خطي وسرعان ما صارت الكلمات مقروءة “أنا ملاكك واسمي دان (دانيال)“ ولكن سرعان ما حلّ محله يسوع، الآب، مريم العذراء وقديسون آخرون“

والأمر الهام في هذا التصريح هو أنها كانت مجبرة على كتابة ما كُتب بواسطة قوة خفية خارقة، وأن الخط الذي كتبت به الرسائل ليس هو خطها لأن القلم كان يتحرك وحده دون أن تتدخل هي. فقد اعترفت شخصياً بأنها لم تكن تقوى على السيطرة على يدها عندما كان الله يكلمها (9 نيسان أبريل 1992)، وبأن يسوع مرة طلب إليها أن تكتب وقال بأنه سيسحب قوته لكي تتمكن من السيطرة مجدداً على يدها (19 كانون أول ديسمبر 1989)

وهنا نعتقد أنه ليس من طبيعة الإله الذي نعرفه في الكتاب المقدس أن يسيطر على الشخص الذي يتواصل معه ويلغي حريته، وليس من المعروف أن هذا الشخص يصبح “ سكرتيراً لله “ يكتب املاءاته

 

بعض ادعاءاتها

–  بأن هناك قوىً أعطيت لها: ورد في رسائلها “ كل الأعمال سأفعلها أنا – تعني الرب يسوع – من خلالها، وسأتكلم من خلالها“ (10 تشرين الثاني نوفمبر 1987)، و“محبتك لي سوف تشفيهم، سوف أستخدم حبك لي لكي أشفيهم. اشفِهم، اشفِهم يا فاسولا، إنك تحملين معي صليبي “ (10 شباط فبراير 1987)

– بأنها دُعيت لمهمة كبرى لها أهمية حيوية بالنسبة للكنيسة والعالم: “يا صيادة البشر، انشري شبكة الحب والسلام في العالم … عندما كنتُ بالجسد على الأرض علّمت مجموعة صغيرة من الرجال كيف يصبحون صيادي بشر، وتركتهم في العالم لينشروا كلمتي لكل الناس. انا الرب يسوع أطلب إليك وسأريكِ كيف يتم هذا العمل“ (26 نيسان أبريل 1987)، وتدّعي أنها كاهنة “ يا كاهنتي، لأنك كاهنتي سوف أكون معك ولن أتركك وحدك “ (17 آذار مارس 1987

– لرسائلها سلطة تفوق كل سلطة روحية: “ولكن بالطبع يا فاسولا أنت لا تنتمين لهم، أنت تخصينني وحدي، أنا خالقك وأبوك الأقدس، أنتِ تحت سلطتي .. إذا سألوكِ إلى من تنتمين فقولي أنك تخصينني أنا وأنك تحت سلطتي“ (27 تشرين أول 1987). وفي رسالة أخرى “انهضي يا ابنتي الكنيسة بحاجة لك“ (وليس العكس !، 29 آذار 1988)، وفي رسالة أخرى “من أجلي يا فاسولا سوف توحدين كنيستي“ (3 تموز 1987)

– تدعو ريدن إلى اختبار “العلاقة الشخصية “مع الله، وتقول في محاضرة لها في آسيا: “ … من المهم جداً ألا نصير بيروقراطيين، كتابيين، أو لاهوتيين بشكل آلي. بل أن نعطي الروح القدس المساحة اللازمة لكي يكشف عن نفسه وأن نبني علاقة وطيدة مع الله، وعندها فقط يمكننا ان نخدم الله وشعبه”.

 

إيحاءات جنسية

عند المرور على هذه الداعية الشيطانية لا بد وأن نقف عند الأمور المقرفة والمقززة التي ذكرتها في تلك الرسائل، وفيها خير دليل على طبيعة من يتراءى لها وماهيته، وهو فعلاً ذلك الذي بإمكانه أن يغير من هيئته ليصير كملاك، ونعني هنا الشيطان عدو الكنيسة

هنا مقتطفات من “الحوار” بينها وبين يسوعها المزعوم

“شاهدت بعينيّ الروحيتين الرب يسوع يجلس إلى الطاولة معي يراقبني وأنا أتناول الطعام. قال لي “ هل هو جيد؟” فقلت “نعم، شكراً لك يا رب “ (25 أيار 1988)

– يسألها يسوع “ هل تعلمين كم أحبك؟ “. تجيبه “ نعم يا يسوع “. فيقول “ لماذا إذاً ترفضين أن أقبّلك ؟ … ألم أخبرك من قبل يا فاسولا أن لا ترفضي لي طلباً ؟ بماذا أجبتني؟ “ . فتقول “ بأني لن ارفض لك طلباً مهما يكن “. يتابع يسوعها “ لماذا إذاً ترفضين قبلتي يا فاسولا؟ … اسمحي لي أن أقبّلك، دعيني أفعل ؟ هل ستدعيني الآن؟ تعالي إليّ واشعري بقبلتي، قبلة سماوية على جبينك، هل أنت مستعدة؟ “ (19 آذار 1987)

 

موقف الكنيسة الأرثوذكسية

عبّرت الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية عن هذا الموقف – بحكم أن السيدة رايدن يونانية الأصل – في عام 2001 عندما اجتمعت “اللجنة المختصة بمحاربة الهرطقات“ واتخذت القرار التالي بشأن فاسيولا رايدن (ترجمة غير رسمية عن اللغة اليونانية): ” بعد ان تدارست اللجنة الأدلة المطروحة، استخلصت أن فاسولا رايدن قد فصلت نفسها عن شركة الكنيسة الأرثوذكسية، رغم أنها لم تزل تقدم نفسها على أنها تنتمي إليها. ويجب أن يكون معلوماً أن المجلة الدورية الكنسية Dialoge قد نشرت في الأعداد 1 و17 تقارير مفصلة عن منظمة فاسولا رايدن “.

وقد طالبت فاسولا وزير العدل اليوناني بمحاكمة سكرتير المجمع اليوناني المقدس الأب كيرياكوس تسوروس آنذاك بتهمة الذم والتشهير، ولكنها سرعان ما تراجعت وتخلت عن تلك الدعوة

في قراءتنا للكتاب المقدس نطالع عدة نماذج لأشخاص تراءى لهم ملائكة الله، فالنبي دانيال لما ظهر له الملاك وقع ارضاً من الخوف (دانيال8: 17)، والرعاة الذين ظهر لهم ملاك يبشرهم بميلاد المخلص كانت أولى الكلمات التي قالها لهم “لا تخافوا“ مما يعني أن هلعاً أصابهم للوهلة الأولى من رؤية ملاك (لوقا2: 10)، وأخيراً التلميذ الذي كان الرب يحبه يوحنا قد سجد للملاك الذي رآه مرتين وفي المرتين كان الملاك ينهيه عن ذلك (رؤيا19: 10، 22: 8). أما فاسولا فتقول حين ظهر لها الملاك أول الأمر “كنت سعيدة جداً وأحلّق في أرجاء المنزل وبالكاد تلامس قدميّ الأرض، وأردد بصوت عالٍ: أنا أسعد شخص على هذاه الأرض، وأنا ربما الشخص الوحيد على الأرض الذي يمكنه أن يتواصل بهذه الطريقة مع ملاكه“. ناهيك عن أن حركة الكتابة الغريبة التلقائية تختلف عن كل أولئك الذين ظهرت لهم ملائكة في الماضي كما يذكر الكتاب المقدس

وتدّعي فاسولا أنها الرسول الذي اختاره المسيح في يومنا هذا لكي يُظهره للعالم، وكأنه قد تخلى عن كنيسته التي تشهد له في العالم. وادّعت أنه طلب إليها قائلاً “أحبك كما أنتِ يا فاسولا .. كوني عروسي“. ومن المعروف أن لقب المسيح “العريس = الختن“ في الكنيسة الأرثوذكسية جاء من اعتبار أن الكنيسة هي عروس المسيح الوحيدة بالمعنى المجازي للكلمة، وهذا المصطلح استخدمه الرب يسوع عن نفسه بأنه العريس “لا يصوم بنو العرس مادام العريس معهم ولكن تأتي أيام عندما يرفع عنهم العريس فحينئذ يصومون“. وقد يتبادر للذهن أن الكنيسة تسمّي بعد قديساتها “عرائس“ المسيح، لكن ذلك هو معنىً مجازي أعطيَ لأولئك الذين عاشوا حياة القداسة والبتولية ولم يكونوا في حياتهم متزوجين، إنه لقب يعني أنهنّ عِشنَ “ مكرّسات “ للمسيح وحده دون سواه

تهاجم الرسائل المزعومة كل من يحاول إيقاف فاسولا وتنعته بأنه يؤذي الكنيسة، ولا يحضرنا أي قديس على مرّ الزمن قد حظي بمثل هذا الدفاع. فالكتاب المقدس يتحدث على أن اضطهاد الكنيسة هو اضطهاد للمسيح نفسه، كما يخاطب الرب شاول (بولس الرسول) على طريق دمشق “شاول شاول لماذا تضطهدني؟“ ولكن لم يكن هناك أي إشارة لشخص محدد. وحدهم الأنبياء الكذبة يدافعون عن أنفسهم بهذه الطريقة ضد أي نقدٍ أو تكذيب

تدعي ريدن أن الرب اختارها لأنها أكثر عجزاً وبؤساًً من أي رجل عرفه، وبأن مسكنتها تجذبه لكي يواسيها. إن القاريء الفطن للكتاب المقدس يرى في حديث الرب مع شاول، ذلك البطل اليهودي ومضطهد الكنيسة بإفراط، ليحوّله من أكبر عدو للكنيسة إلى واحد من أهم رسله، هو بذاته معجزة خارقة تستحق الوقوف عندها. ولا يمكن المقارنة بين ذلك وبين تحويل فتاة غير مؤمنة إلى داعية للسلام والوحدة، ليس في هذا ما يستحق الذكر على الإطلاق

في إحدى الرسائل ادّعت أن الرب يسوع قال لها “.. الروح القدس يأتي مني … الثالوث الأقدس هو واحد، يمكنك أن تدعوني الآب أيضاً“.. وهنا تبرز مشكلة الفيليوك أي الإضافة التي قام بها الغرب على قانون مجمع نيقية بأن الروح القدس ينبثق من الابن أيضاً. وهذا قد أدين ورُفض من قبل الكنيسة الأرثوذكسية في حينه وحتى اليوم. والأمر الآخر هو السقوط في هرطقة قديمة كانت قد رفضتها الكنيسة في القرون الأولى وهي تدّعي أن الله واحد لكنه يُظهر نفسه في ثلاثة هيئات مختلفة كما الماء الذي يمكن أن يكون بخاراً وسائلاً وصلباً، ولكن ليس الجميع معاً في وقت واحد. في عقيدة الثالوث يؤمن الأرثوذكس كما الكاثوليك والبروتستنت أن الله واحد قد كشف عن نفسه من خلال أقانيم ثلاثة، ولا يمكن أن ندعو الإبن أباً لأن الآب هو الآب والابن هو الابن. والأقانيم الثلاثة متحدة في الجوهر لكنها منفصلة أيضاً عن بعضها (لا اندماج ولا انحلال وكذلك لا انقسام ولا تباين)

 

هل لديها دعم كنسي حقاً ؟

رغم انها تضع على موقعها الرسمي شهادات لبعض كبار رجال الدين، لكن الحقيقة هي غير ذلك. فالكنيسة الأرثوذكسية اليونانية التي تدعي الإنتماء إليها قد قطعتها من الشركة Excommunication، ورفضت دعواتها كذلك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. ومن جهة ثانية فقد أدانتها الكنيسة الكاثوليكية ومعظم من تضع أسماءهم في موقعها الرسمي قد أعلنوا عدم تصديقهم لها مثل المطران توماس ماركوريلوس وجوزيف مارتوماس في الهند. وكثير من المطارنة واللاهوتيين أعلنوا لاحقاً أنهم لم يكونوا على علم بمن تكون وأنها في معظم الحالات كانت تطلب الإذن بالكلام وكان يُعطى لها

 

خاتمة

حذّر القديس مكسيموس المعترف من أنه قد “تهاجمنا الشياطين بشكل غير منظور تحت ستار الصداقة الروحية” (Third Century on Theology, 78).  وجاء في كتاب الفيلوكاليا عن لسان القديس بطرس الدمشقي “ليس عجباً أن يغير الشيطان نفسه ويظهر في هيئة ملاك من نور (كورنثوس الثانية 11: 14)، إنه يزرع في داخلنا أفكاراً تبدو أنها صحيحة عندما نفتقد للخبرة الكافية “ (الكتاب الثاني، الفصل التاسع)، ولنا في قول الرسول بولس عبرة واضحة: “لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة، فعلة ماكرون، مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح ولا عجب  لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور، فليس عظيما إن كان خدامه أيضا يغيرون شكلهم كخدام للبر. الذين نهايتهم تكون حسب أعمالهم (كورنثوس الثانية11: 13-15 ).

الأمّ رافاييلا

 

الأمّ رافاييلا

شهادة معاصرة عن الحياة المسيحيّة الرهبانيّة من قلب أميركا الشماليّة

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

 

نتساءل أحياناً كثيرة ما الذي يمكن لراهب أو راهبة أن يقدّمه أو يعلّمه لنا في هذه الحياة الفاسدة في حين أنّهم يعيشون منعزلين في أديرتهم…

يأتينا الجواب من عمق تعليم كنيستنا الأرثوذكسيّة: “لا يوجد طريقتان للحياة المسيحيّة، واحدة للذين في العالم وأخرى للذين في الأديرة، لأنّه ليس هناك سوى إنجيل واحدٍ و‘حياة وطريق وحقّ’ واحد وهو يسوع المسيح نفسه، وبه يمكن أن نعيش إيماننا بطرق متنوّعة بحسب مواهبنا المختلفة المعطاة لنا من السيّد” هكذا تشهد الأمّ رافاييلا من وسط أميركا الشماليّة.

لأوّل مرّة، في تاريخ هذه القارّة، تبرز حركة قويّة من رجال ونساء يحاولون عيش الحياة الرهبانيّة الأرثوذكسيّة في هذا الجزء من العالم. لقد ظهرت على الأقلّ، في السنوات الأخيرة، ستّ مجموعات رهبانيّة، أو شبه رهبانيّة، تتألّف في معظم الأحيان من خمسة إلى ستّة أعضاء، يدبّرها واحد من الآباء الرهبان من خارج البلاد.

بيد أنّ دير حاملات الطيب المقدّس الذي ترأسه الأمّ رافاييلا، كاتبة هذه المقالات، لا ينتمي إلى هذه المجموعات. إذ قد أنشأته الأمّ رافييلا، (وقد كانت سابقاً راهبة تابعة للكنيسة الأسقفيّة البروتستانتيّة)، وهي لم تزل إلى اليوم ترأسه وتدبّر أموره.

عندما كانت الأمّ رافاييلا راهبة أسقفيّة، كانت تعلّم في المدارس، وتعزف الأورغ، وتحرِّر منشورات الجماعة الرهبانيّة، كما كانت تمثّل الدير التابعة له في اجتماعات الأساقفة. وقد تركت الكنيسة الأسقفيّة بعد عشر سنوات من رهبنتها، وانضمّت إلى الكنيسة الأرثوذكسيّة في العام 1977. وفي السنة نفسها أعطيت بركة متابعة مسيرتها الرهبانيّة في الكنيسة الأرثوذكسيّة في أميركا مع أخت أخرى كانت هي أيضاً راهبة أسقفيّة سابقة. وهكذا تأسّست أخويّة حاملات الطيب. وفي العام 1988 حصلت الأخويّة على ملكيّة خاصّة بها شمالي ولاية نيويورك. وفي العام 1997 سُميّت الأخويّة ديراً تحت رعاية المتروبوليت ثيودوسيوس الجزيل الاحترام الذي نصّب الأمّ رافاييلا رئيسة بحضور أسقف أوتاوا سيرافيم.

لقد قامت الأمّ رافاييلا، على مدى عشرين سنة، بكتابة مقالات عديدة كانت عصارة خبرتها في التعامل مع اللّواتي قصدن الدير بغية انتهاج الحياة الرهبانيّة. وتقول الأمّ: “إنّ تعليم المسيح الحقيقيّ هو لكلّ إنسان، فالصلاة والصمت والإيمان والطاعة والطهارة وحسن التمييز…. وأهمّ هذه كلّها المحبّة، هي لكلّ إنسان مسيحيّ سواء كان مدعوّاً إلى حياة البتوليّة، أو إلى الحياة العائليّة على حدّ سواء.

ولنعد، الآن، إلى سؤالنا الأساسيّ وهو: “ما الذي يمكن أن نتعلّمه، نحن العلمانيّين من الرهبان؟”. تجيبنا الأمّ رافاييلا قائلة: “يأتي الرهبان من عالمنا نفسه حاملين معهم إنسانهم العتيق في أعماقهم وأذهانهم وأجسادهم، وحتى في ذكرياتهم وعواطفهم وأهوائهم. لذلك، فالشيطان الذي يعمل في المجتمعات والعائلات الدنيويّة، هو نفسه يعمل عملاً مضاعَفاً في الأديرة المسيحيّة، ليمنع الرهبان من التحرّر من هذا الإنسان القديم.”

ولكنّنا نحن نحتاج إلى سماع “صوت البريّة” و”كلمة القفر” ( أي الكلام الإلهيّ الصادر عن الأديرة المسيحيّة)، وذلك، لأنّ جوّ السكون المحيط بأولائك الرهبان يزوّدهم بالقدرة على رؤية الأمور بطريقة أوضح وأدقّ، وهذا ما لا يمكننا، نحن العلمانيّين، الوصول إليه في لجّة حركتنا التي لا تتوقّف، ونشاطاتنا التي لا تنتهي، والصخب والضجيج المحيطان بنا. لذلك، باستطاعة الرهبان، لا بل من واجبهم، أن يقدِّموا الإرشاد الروحيّ إلى إخوتهم المسيحيّين العلمانيّين الذين يلجأون إليهم، وذلك من أجل الحفاظ على صحّة جسد المسيح الواحد وسلامته. أمّا نحن، فنؤكّد أنّ الصوت الصادر إلينا من الدير هو حقيقةٌ لا يمكن أن يُستهان بها، لأنّ قوّته تنبع من حيث يصدر أي من البيئة الرهبانيّة”.

فلنتلقّف، إذاً، هذا الصوت شاكرين الله الذي يرسله إلينا ليحثّنا وينيرنا ويشجعنا ويؤدّبنا…

الأب توماس هوبكو

معهد القدّيس فلاديمير للاهوت

 

الصمت!!

 

كثيراً ما أسمع الأهل يشتكون بأنّهم لا يفهمون ما يجري مع أولادهم المراهقين، فهم صامتون وحسب، وفلان لا يكلّم فلان الآخر لأنّه قد أساء إليه. إنّ أصدقائي، العاملين مع المراهقين في المدارس والأبرشيّات، غالباً ما يشاركونني انطباعاتي عن المراهقين ” الذين لا يستطيعون تحمّل فترات حتّى قصيرة من الصمت.” وخبرتي الخاصّة مع اللّواتي أردن دخول الحياة الرهبانيّة تؤكّد هذه الانطباعات.

يقول خبراء نموّ الأطفال بأنّ الطفل الذي يكبر متابعاً التلفاز الذي يغدو بمثابة مربٍّ مرافق له، ومصدر رئيسيّ للثقافة منذ عمر الروضة، لا يكون، هذا الطفل، قادراً في ما بعد على استعادة قدراته الخلاقّة على التعلّم، هذه القدرات التي تتشكّل خلال تلك الفترة من النموّ عند الطفل.

ويقول جون روزموند، وهو عالم نفس مختصّ بالعلاقات العائليّة: “إنّ الطفل الذي يقضي أمام التلفاز ثلاثين ساعة في الأسبوع في مرحلة ما قبل المدرسة، يصل إلى عمر الستّ عشرة سنة وقد شاهد ستّة عشرة ألف ساعة من التلفاز مقابل اثنتي عشرة ألف ساعة من المدرسة، وإنّ هذا الوقت لا يمكن أن يعوَّض”. وبرأيه، ورأي علماء النفس الآخرين، أنّ ساعة من اللّعب في الطين، مع تشكيل أشكال مختلفة منه، لهي أفضل بكثير من ساعة أمام التلفاز، ولو كان البرنامج المعروض من أفضل البرامج التثقيفيّة، لأنّ اللّعب يحفّز قدرات الدماغ، بينما يقوم التلفاز بدور المهدّئ لجسد الطفل وخياله وذكائه.

من الضروريّ أن لا يقضي الأطفال أكثر من خمس ساعات في الأسبوع أمام التلفاز أي بمعدّل نصف ساعة في اليوم. وقد تظنّ أنّ التلفاز يصنع لك معروفاً  بتهدئة طفلك المشاغب، ولكنّك مخطئ في ظنّك هذا. فالتلفاز يمنع طفلك، فقط، من تعلّم كيف يقضي وقته بشكل خلاّق، إذ إنّه بصوره المتلاحقة السريعة يحدّ من قدرة الطفل على الانتباه.

فلا نعجبنّ، بعد ذلك، عندما يقع الناس في حيرة، وفي نوع من الضياع متى تعرّضوا لفترات من الصمت المتواصل لا تتخلّلها تسلية أو تنوّع.

أظنّ أنّ قلّة من الأولاد هم قادرون على الصمت. ويؤكّد الكثيرون من الأصدقاء المثقَّفون بأنّ كلامي هذا ليس مبالغاً فيه، وإنّ عمليّة تعليم الأولاد اليوم هي جهد بلا أمل إن لم يملك المعلِّم، من جهة، وسائل تعليم متطوِّرة تتضمّن إحدى وسائل الإعلام، ومن جهة، أخرى مواهب مقدِّم تلفزيونيّ.

حبّذا لو يتمّ تطوير علاج نفسيّ  (psychotherapy) قادر على معالجة الأذى الحاصل لهذا الجيل، لكي يستطيع أن يستعيد مَلَكَة التفكير البشريّ وطاقاته، بالإضافة إلى القدرة على التعامل مع الصمت بشكل طبيعيّ حتى ولو كلّف ذلك الكثير من العمل الشاقّ.

ولكن يبدو أنّ معظم الناس اليوم يعتبرون الصمت صفة سلبيّة تنمّ عن عدم القدرة أو عدم الرغبة في التواصل. أو يعتبرونه سلاحاً لرفض التعبير عن الحبّ والثقة و الغفران، هذه الأمور التي تدعونا المسيحيّة لإظهارها نحو الآخر، وبخاصّة ضمن العائلات.

أعتقد، أيضاً، أنّ هناك أمران يخلقان هذا الشعور بعدم الارتياح تجاه الصمت:

فمن الناحية الأولى، لقد لعبت عمليّة التعليم عن طريق التلفاز دوراً مهمّاً في تحويل عدّة أجيال إلى أناس لا يستطيعون الصمت. لأنّ خبرة هؤلاء في التعلّم، ليست خبرة صراع من أجل الفهم، لأنّهم يخضعون للعلم، فقط، من خلال التسلية، متلقّفين المعلومات بشكل سلبيّ من دون أيّ تشغيل لفكرهم ليصبح مبدعاً.

في الحقيقة، هناك العديد من الأشياء التي لا نستطيع أن نتعلّمها بهذا الأسلوب، إذ إنّ الكثير من الفكر الذي وصل إلينا عن طريق الأدب المكتوب قابل للتفسير والنقاش بما أنّه غير محدود. وأعني بهذا الأدب أعمال الفلاسفة الكلاسيكيّين واللاّهوتيّين وآباء الكنيسة والنسّاك بالإضافة إلى الإنجيل نفسه، ناهيك عن الخدم الكنسيّة وبخاصة القدّاس الإلهيّ.

فكلّ ما نحتاجه نجده في هذا الأدب الشبيه بالمعلِّم الحاذق الذي يقدِّم التعليم الجيّد.  ولكن، ولكي يقطف الطالب ثمرة هذا التعليم، عليه أن يُعمل فكره لاستنباط المعاني، فيحصّل، نتيجة لذلك، فكراً خلاّقاً ذا حسّ بالمسؤولية .

وبعكس البرامج البصريّة، تتيح لنا هذه الكتب والخدم الكنسيّة فرصة للإصغاء، فتوقظ قدرتنا على الاستجابة الراكدة في أعماقنا، وهكذا نستطيع أن نؤكّد وجود شكل من الصمت خلاّقٍ ضمن هذا النوع من الأدب والعبادة والثقافة.

وعلينا أن نقدّر فرصة النموّ والتطوّر المذخرة في هذه الكتب والخدم الليتورجيّة، فلا نضيّعها، بل نجني ما تحمله من تطوّر ثقافيّ خلاّق.

 

“الصمت يمنعني من التواصل مع الآخرين وفهمهم!!”

ومن الناحية الثانية، تنتج الصعوبة في التعامل مع الصمت عن هذا الادّعاء بأنّ الصمت هو حاجز أمام التواصل. في الحقيقة، إنّ المرء لا يستطيع أن يعرف الناس والظروف التي حولهم بشكل جيّد من دون الإصغاء إليهم، والسماح لهم بكشف أنفسهم. وأيّة معرفة يمكن الحصول عليها عن طريق آخر، غير هذا الإصغاء، هي معرفة مرتكزة على التكهّن أكثر منها على الحقيقة، والتي غالباً ما تكون مضلِّة وغير صحيحة.

ونحن إذ ندّعي أنّنا نحبّ الخليقة الإلهيّة، فلنأخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار والجدّ، وإذ ذاك سوف نرى أنّ هذا هو السبب الجوهريّ الخفيّ للدمار الذي يحصل حولنا.

الشخص الوحيد الذي أنا مسؤول عنه، وعن معرفته بشكل كامل أمام الله هو أنا نفسي. نحن لا نستطيع أن نوجّه الآخرين إلى تعلّم أو فعل ما لا نستطيع نحن أنفسنا أن نفعله أو حتّى نرغب بفعله. لذا، إذا أردنا أن نتعلّم أفضل الطرق لمحبّة الآخرين، وجب علينا أن نتعلّم الطرق الصحيحة لمحبّة أنفسنا أوّلاً. أمّا أوّل محطّة تعبر بها هذه الطرق فهي الصمت، أي الصمت الضروريّ لتعلّم فنّ الإصغاء، وأعني الإصغاء إلى أنفسنا أوّلاً.

لقد عرّف الآباء القدّيسون معرفة النفس، معرفة حقّة، بأنّها الطريق الضيّق والشّاق, فكم بالأحرى يكون هذا الطريق شاقّاً وصعباً على من تشرّبوا، منذ طفولتهم المبكّرة، عدم القدرة على التعامل مع الصمت.

فالآباء الذين لا يستطيعون، أو ببساطة لا يريدون، أن يصغوا إلى أولادهم كأشخاص أحبّاء، وليس كمصدر للإزعاج، يجدون أنفسهم أمام أولاد مشبعين بالألم والغضب. وإذ يتعلّم هؤلاء الأولاد من آبائهم أنّ الأشياء المزعجة أو المؤلمة, بما فيها هم ذواتهم, يجب تجنّبها، يعطيهم ألمهم وغضبهم دافعا آخر ليهربوا من الصمت, أي من مواجهة حقيقية ذواتهم. وحينذاك، كم يكون مفرّحاً أن نرى معجزة ما تجعل أولئك الأشخاص يعثرون على من يساعدهم، في وقت من الأوقات في حياتهم، ليبدؤوا بالتعلّم من جديد. إذ لا يتمّ الشفاء من الغضب والألم إلاّ بمواجهته والتعبير عنه أو الاعتراف به. ولا يتعلّم الإنسان محبّة الآخرين، والقدرة على الغفران، إلاّ إذا تعلّم محبّة نفسه ومسامحتها، وذلك كلّه يكون في الصمت.

ومن المؤسف، حقّاً، أن نتعرّض، نحن أبناء الكنيسة، لهذا النوع من الأذى، وذلك عندما لا نجد ضمن الرعيّة من يستطيع الإصغاء لنا. وهكذا، وطلباً للشفاء، نلجأ إلى طبيب نفسيّ، أو إلى مجموعات[1] تحتضننا، أي إلى حيث نجد من يصغي لنا، وجوّاً يمنحنا (ربّما لأوّل مرّةٍ في حياتنا) القدرة الخلاّقة على الاستجابة. فتنمو في داخلنا ردّة فعل تجاه الكنيسة تتجلّى في الغضب عليها، لأنّها لم تقدّم لنا الدعم الذي نحتاجه، والذي منحنا إيّاه الأطبّاء أو المجموعات المختصّة. ردّة الفعل هذه ليست مفاجئة بل متوقَّعة، ومن وجهة نظري مبرَّرة.

وبالنتيجة، فحين نتجاوز المراحل الأساسيّة للشفاء بأن نجد من يصغي إلينا في جوّ علاج نفسيّ متوازن، نجد أنفسنا، بدورنا، قادرين على الإصغاء. إذ إنّنا نبدأ بسماع ورؤية الأشياء من حولنا، تلك الأشياء التي، حين كنّا مصابين بالأذى، لم نكن قادرين على رؤيتها  وسماعها من قبل. وكلّما تقدّمنا في الشفاء، كلّما اكتشفنا أنّنا ما زلنا أطفالاً نتغذّى بالحليب في خطواتنا الأولى, وأنّ هناك عالماً كاملاً من البالغين المسيحيّين الناضجين الذين ينتظروننا لكي نبدأ في النموّ الصحيح لأوّل مرّة.

وإذ نصل إلى نقطة البداية في الإصغاء إلى أنفسنا في الصمت نجد أنّنا, بخلاف ما كنّا نتوقّع, لسنا وحيدين… فما يدعوه غير المؤمنين اليوم “القوّة الأعلى الأسمى” (أي الله) يكشف عن نفسه، بقوّة أكبر، في الصمت، فيعلن ذاته لنا كوجود جوهرّي سرمديّ…

مبارَكون أولئك الذين ينهلون من منابع التعليم الأرثوذكسيّ، ويعلمون أنّ ذلك “الوجود” هو “خالقهم نفسه” الذي أحبّهم الى درجة الموت عنهم على الصليب. فإذ نعرف أنّه “هو” خلقنا ويعرفنا أفضل مما نعرف، نحن، أنفسنا، وأنّه “هو” مات لأجلنا ونحن خطأة, تقودنا هذه المعرفة إلى روحه القدوس الشافي الذي هو أعظم محبّة وقوّة، وأقرب من أيٍّ من الأشخاص المحدودين المخلوقين الذين قد أساؤوا استعمال محبّتهم تجاهنا في الماضي. “هو” يشفي بطريقة لا يستطيعها أحد منّا تجاه نفسه ولا تجاه الآخرين. ومع ذلك فإنّنا عندما نتّحد به في المناولة، نبدأ، فعلاً، بالتوسّط لديه من أجل الآخرين ليحصلوا على حبّه الشافي ووجوده المحيي.

ولكن… ما دور الكنيسة هنا؟!

نستطيع القول إنّه من واجب الكنيسة أن تقدِّم طرق تعليم خلاّقة مع خبرتها الروحيّة المتنامية. ولكن، من ناحية، لا يمكن للكنيسة أن تنافس وسائل التسلية، وتبقى أمينة لنفسها في الوقت نفسه. ومن ناحية أخرى، إنّه لخطأ فادح أن تتحوّل الأبرشيّات ومعاهد اللاّهوت والأديار إلى مجموعات دعم أو عيادات من أجل العلاج النفسيّ الاحترافيّ، لأنّ هذه المؤسّسات لها دور آخر في الكنيسة، فهي مُعدَّة لتكون مدارس بالمعنى الكامل للكلمة.

فالكهنة ورعاة الأبرشيّات أو حتّى رؤساء الأديار، لا يقومون، مثلاً، بجراحة قلب مفتوح لأعضاء الرعيّة، ولا يحاولون أن يجبروا كسور عظامهم, كما أنّه لا يتوجّب عليهم أن يقوموا بأدوار أخرى لا تخصّهم. على هؤلاء الرعاة أن يكونوا واعين تماماً أين يمكن أن يقدِّموا المساعدة والتشجيع. وبنفس الوقت، لا بدّ أن يمتلكوا التواضع، لكي يطلبوا المساعدة من أجل أنفسهم عندما يحتاجونها, تماماً كما يحصلون على استشارة طبيّة عند إصابتهم بمرض ما.

فإذا لم يختبر هؤلاء الرعاة هذا الإصغاء الشافي في حياتهم, وإذا لم يمارسوا الصلاة الصامتة أمام الله، ويتعلّموا من الكتب المقدّسة والخدم الكنسيّة، فلن يستطيعوا أن يكونوا معلّمين لغيرهم. وإذ يعترفون بمحدوديّة معرفتهم في هذا المجال، يبادرون إلى استلهام الروح القدس الذي ينيرهم ليتفهّموا، بعمق، صراعاتهم الخاصّة، وصراعات أبنائهم.

إذاً هيّا لنبدأ, نحن من ندعو أنفسنا مسيحيّين، وربّما معلّمين لغيرنا, بالدخول في هذه الشركة الحقيقيّة مع الله إلهنا, لنعرفه بالصمت والصلاة، ونعرف أنفسنا والآخرين وكلّ الخليقة، وندرك وجودنا، كلّنا معاً، في الثالوث القدّوس الذي يخلق ويعزّي ويفتدي كلّ الناس.

 

آدم يتحدّث من خارج الفردوس

 

“ها أنا جالس خارج الفردوس وقد أُغلق الباب خلفي. نعم، هذه هي النتيجة البديهيّة والمنطقيّة لخياراتي الشخصيّة. لقد عرفت معنى الفرح والحرّيّة في الفردوس, ولكنّي لا أستطيع العودة إلى هناك, كما إنّني لا أستطيع الإدّعاء أو التظاهر بأنّ هذا لم يحدث قطّ.

إنّني أعي، تماماً، ما هي الخيارات التي تبنيّتها, ولذلك أدرك، أيضاً، أنّني عالق هنا بكليتي. إنّني أرى، الآن وبوضوح، إلى أيّ حدّ قد خُدعت، وكم كانت الحيّة مضلِّلة لي إذ فتحت عينيّ على خيارات أخرى كانت أمامي في الفردوس. إنّني, إذ أرى النتائج الحاصلة, أدرك، الآن، كم كانت تلك الرؤية مضلِّلة, فما اعتقدت أنّه بديل آخر عما أعطاني إيّاه الله كان مبنيّاً على وهم وكذبة كبيرة.

ولكن ربّما, هنا خارج الفردوس, أستطيع أنا والحيّة أن نعمل بجدّ على تحقيق هذا البديل, إلى أن يأخذ الشكل الذي نريد أن يكون عليه, ألا وهو نمط حياة رغدة أكثرعذوبة من هواء الفردوس العليل.

لقد تعلّمت أنّه علي أن أعمل على ضوء الحقيقة الجديدة للحياة التي خلقتها خياراتي الخاصّة؛ ألا وهي الموت. لم يكن للموت وجود هناك، فكيف كان لي، إذاً، أن أعرف أنّ الصور الجميلة التي زيّنها لي عقلي (عندما تخيّلت أنّ الله كان يخفي عنّي شيئاً رائعاً بالتأكيد) هي صور مضلِّلة, وبخاصّة عندما فكّرت أنّني أستطيع أن أكون إلهاً، أنا أيضاً، وأن أشرّع القوانين مثله؟ كيف كان لي أن أعرف أنّ قوانيني لن تجلب لي إلاّ الموت بدلاً من الحياة التي تمنحنيها شريعته.

لقد وسوس لي فكري بأنّ الله ليس عادلاً!! فأنا أحبّ أن آكل أيّ شيء يبدو لي جيّداً! وبخاصّة عندما يكون هناك من يؤكّد لي أنّه ما من حاجة لإنكار نفسي. أيّ نوع من الآلهة هو هذا الإله الذي يصوغ مثل هذه القوانين بقوله: “إن أكلت من هذه الفاكهة موتا تموت؟” لا أظنّ أنّني أستطيع أن أحبّ إلهاً كهذا بعد الآن.

هو يقول إنّني إذا كنت أحبّه، فعليّ أن أحفظ وصاياه. ولكن، ها هو قد طردني خارج ملكوته, فلماذا عليّ أن أحبّه بعد الآن؟! سوف أنساه هو وقوانينه، وأخلق عالماً خاصّاً بي له حقائقه الخاصّة به. ها هي الأفعى خارج الفردوس معي، وتبدو أنّها واثقة من نفسها تماماً, فإذا كانت هي قادرة على أن تبقى على قيد الحياة، بطريقتها الخاصّة، فأنا، أيضاً، أستطيع ذلك.

وها أنا، مع كلّ غضبي ومرارتي، مضطرّ أن أعمل بجدّ لتدبير حياتي الجديدة، ولأتصارع مع الله على الدوام. ولكن من حسن الحظّ أنّ هناك موتاً, وبهذا لا أعود مضطرّاً على أن أستمرّ على هذا المنوال الى الأبد.

يتوجّب عليّ أن أعمل بجدّ لكي أحرث الأرض، مع أنّ هذا العمل لا يبدو سهلاّ هنا في الخارج. كما أنّني لا أحبّ الطريقة التي باتت الحيوانات تنظر بها إليّ. وكلّ تلك النباتات الجميلة تبدو، الآن، وكأنّها أصبحت غير نافعة. وحين يأتي الموت، ذات يوم، يمكنني أن أستريح من كلّ هذا, وحتّى ذلك الوقت يمكنني أن أستمتع بحياتي حسب قوانيني الخاصّة.

ومع أنّ هذه الحياة تبدو قاسية، إلاّ أنّني إذا فكّرت بها على أنّها مجرّد لعبة، فسأكون بخير. سأحوّل حياتي إلى لعبة حظّ، وأستمتع بخداعها قليلاً. ففي النهاية سوف أموت، فلماذا، إذاً، لا أستمتع بحياتي. أستطيع أن أستمتع بالكثير من الأشياء التي حولي, ليس الأكل فحسب، وإنّما العديد من الأشياء، أيضاً. ومع أنّ شريعة الله تقول إنّ هذا التمتّع سيجلب لي المزيد من الموت والدمار، ولكن، لا بأس، سأفعل ما يحلو لي.

آه, لدي مشكلة هنا. لقد سمعت أنّ الله هو في حالة حرب مستمرّة مع هذه الحيّة. حسناً… إنّه يعلم أنّ الحيّة جالسة معي هنا، خارجاً، تساعدني لأحيك هذه الأفكار. آه, عليه أن يجد طريقة لكي يغادر عالمه المثاليّ، ويجلس هنا معنا أيضاً. ولكن، لا, لا, فليبقَ مكانه إذ سيكون من المزعج جدّاً أن أجده هنا حولي, فأنا والأفعى نحاول أن ننشئ عالماً بديلاً خاصّاً بنا, فعلى الأقلّ يجب أن يسمح لنا باللهو فيه، قليلاً، إلى أن نموت.

لقد طردنا الله من عالمه النقيّ السامي، ولا بدّ أنّه يشعر أنّ ما  فعله كان جيّداً جدّاً، لأنّنا كنّا قد نثرنا الفوضى في عالمه المرتَّب. حسناً, يمكنه، الآن، أن يتركنا وشأننا, فنحن، الآن، بالغون، ويمكننا أن نتّخذ قراراتنا بأنفسنا، ونحيا وفقاً لهذه القرارات، وبالتالي أن نقبل نتائجها. على كلّ حال، فالموت الذي تسبّبنا به ليس سيّئاً إلى هذا الحدّ، إذ إنّنا بواسطته لسنا مضطرّين للعيش في هذه النتائج إلى الأبد.

إنّني أمرّ بوقت عصيب حقّاً مع أنّه لم يمضِ عليّ هنا خارجاً سوى فترة قصيرة، ويوجد معي في هذا العالم الكثير من الناس يعيشون مثلي تماماً. يمكنني أن أرى جيّداً أنّ هذا المكان لا يشبه الفردوس أبداً. ويبدو أنّ قوانيني تواجه العراقيل أينما ذهبت. وكلّ واحد، هنا، يحاول أن يسنّ قوانينه، وقراراته، بحيث نستمرّ جميعاً سائرين في طريق بديل لطريق الله. إنّي لا أحبّ نتائج قرارات هؤلاء الناس, وأنا مستعدّ للموت بسبب قراراتي، ولكن، لماذا عليّ أن أعاني بسبب ما يفعله هؤلاء الناس الأغبياء. حقّاً إنّ هذا ليس عدلاً!!

عليّ، إذاً، أن أكون حريصاً  في اختيار قراراتي، لتأتي أقوى من خيارات الناس الآخرين، فلا يستطيعون، بالتالي، أن يؤذ     وني. يمكنني، ببساطة، أن أتجاهلهم وأبتعد عنهم، أو أن أجد طرقاً أخرى للتخلّص منهم إذا لم يتبعوا طرقي الخاصّة. أليس هذا ما فعله الله نفسه معي؟؟ حتّى إنّه يمكنني أن أقتلهم إذا لم يكن هناك طريقة أخرى.

في الليلة الثانية، لوجودي خارج الفردوس، حلمت حلماً خرج فيه الله إلينا، إلى ههنا، بطريقة لم أكن أتصورها قطّ, إذ اتّخذ بشريتي نفسها, تلك التي أعطاني إيّاها, وذلك من إحدى حفيداتي. لقد بدا الله، في الحلم، وكأنّ عليه أن يعيش هنا، في هذا المكان، كما أفعل أنا, وأن يواجه نتائج خيارات كلّ منّا, وحتّى إنّه كان معرَّضاً لأن تلعب الحيّة أيضاً بأفكاره.

لقد كان بإمكانه أن يكوِّن جسده الخاصّ كما يريد، كونه يعرف سرّ تركيب الجسد, كما كان قادراً أن يتحكّم بكلّ منّا، ويجبرنا أن نعيش وفقاً لقوانينه هو، بما أنّه قادر على ذلك.

لكنّه فعل شيئاً غريباً للغاية, في الحلم  طبعا. إنه لم يحاول حتّى أن ينافسنا في لعبتنا, بل اتّخذ أكثر شكل قابل للعطب على الإطلاق، وبدلاً من أن يتجنّبنا، أو على الأقلّ أن يتّخذ بعض الخطوط الدفاعيّة لكي لا نكون قادرين حتّى على لمسه، قضى كلّ وقته معنا، محاولا أن يكون قريباً منّا على قدر المتاح. لقد ظلّ يتحدّث عن الحبّ، وعن كلّ المشاعر المعاكسة لشعوري أي الغضب والمرارة. ظلّ يردّد أنّ الغفران هو المفتاح لدخول الفردوس, ولقد بدا أنّه يعني هذا الكلام حقّاً.

لقد علمت أنّه “هو”، لأنّه لمرّة واحدة، في الحلم، نزع الحجاب، وشعّ منه ذلك النور البهيّ الفردوسيّ عندما كان على الجبل مع بعض تلاميذه. وكانت تلك هي اللّحظة الوحيدة التي بدا فيها مختلفاً عنّا.

إلاّ أنّ حلمي بدأ يتحوّل إلى كابوس في نهايته، فلقد كان قادراً أن يعمل كلّ الأشياء التي كنت أفعلها لكي لا أسمح لهذه الحياة أن تكون جدّيّة, ولقد كان قادراً أن يحوّلها إلى لعبة. لكنّه بدلاً من ذلك، دفعنا إلى إخراج أسوأ ما فينا، وبالحقيقة، أجبرنا على أن نكون لئيمين وقاسين وساخطين إلى أقصى درجة. لقد انتزع منّا الجوّ اللّطيف الذي كنّا قد خلقناه حولنا هنا، لنعوّض عن صلاحه الفائق النقاء، وجماله الذي تركناه خلفنا في الفردوس. ولذلك, فقد فعلنا الشيء الوحيد الذي كان بإمكاننا فعله، لنحافظ على عالمنا مستمرّاً, لقد قتلناه… على كلّ حال، فإنّه “هو” من سنّ ذلك القانون بخصوص الموت!!

لكنّ الجزء الأخير من حلمي هو الذي ما زال يزعجني باستمرار. كان من المفترض أن يُنهي الموت القصّة بالنسبة لنا وله, لكن ذلك لم يحدث. لقد بدا أنّنا استطعنا قتل جسده، لكنّنا لم نستطع قتله “هو”. لقد عاد, عاد حتّى بالجسد الذي قتلناه به, وكان له نفس المجد الفردوسيّ الذي ظهر للحظات قليلة على الجبل.

وعندها سمعت, في حلمي, أنّه كوننا لم نستطع قتله، فإنّ الموت لن يكون المحطّة النهائيّة بالنسبة لنا بما أنّنا نماثله في كلّ النواحي ماعدا صلاحه وحبّه. والأسوأ أنّني سأعيش منذ الآن وفقا لمعاييره، هو، مرّة أخرى، ولن أكون قادراً على متابعة اللّهو والتسلية. لقد ولّى زمن المرح.

عندما استيقظت من حلمي أتت الحيّة، في الحال، لتؤكّد لي أنّه لم يكن حقيقيّاً, فحتّى لو حدث مثل ذلك الأمر، فما نزال نملك خياراتنا. يمكنني أن أحافظ على شعوري بالمرارة, ويمكنني أن أستمرّ في تجنّب الله حتّى لو أتى إليّ ليريني كم يحبّني ويفهمني ذلك كونه عاش هنا بنفسه. يمكنني أن أستمرّ بتفضيل تسليتي وقوانيني الخاصّة. كما أشارت الحية إلى أنّها هي نفسها ستفعل ذلك، وأنّه يمكنني أن أنضمّ إليه إن أردت. إذاً، ستبقى لدينا حياتنا وخياراتنا البديلة إلى الأبد، تماماً، كما هي الحال هنا الآن. المشكلة، فقط، إنّه لن يكون هناك موت لينهيها.

لكنّ الأمر سيصبح أسوأ، وسيبقى هكذا الى الأبد, فكلّ منّا سوف يسنّ قوانينه الخاصّة، ولن يكون هناك أحد يطيع قوانين الآخر. سوف نقضي كلّ وقتنا ونحن نحاول تدمير أحلام الآخرين وإبداعاتهم. وسيكون ذلك هو الجحيم حقّاً.

سيكون صعباً عليّ جدّاً الابتعاد عن هذه الأفعى!! ترى، ماذا سيحدث لو أنّي حاولت أن أمشي بحسب طريقة هذا الإله, الذي أصبح له اسم، الآن، إذ سمح لي أن أدعوه يسوع في الحلم؟!. ماذا لو تعلّمت أن أحبّ وأغفر؟! ماذا لو أنّني حرمت نفسي بعضاً من تلك الخيارات التي ماكنت لأتّخذها لو كنت ما زلت في الفردوس؟!

لا, سيكون ذلك صعباً جدّاً جدّاً، وسأكون بلا حول ولا قوّة كما كان هو هنا أثناء صلبه. يا للنبل!! عندما أضحّي بحياتي وأحلامي وكلّ خططي، في سبيل مساعدة شخص آخر! أن أتعلّم بأن أحبّ شخصاً آخر، أيّ شخص على الإطلاق، لدرجة أن أقوم بتلك التضحية!! لا أن أختار، وأنتقي، من هو مستحقّ لتضحيتي إذ سبق هو واعتبر كل إنسان مستحقِّا، مضحىً عن الجميع.

إنّ الأمر مغرٍ حقّاً! فلقد قال “هو” إنّه سوف يعطيني حياته نفسها، لكي تكون لي القوّة والحبّ والسلطة، لأفعل هذه الأشياء بطريقته هو.

عليّ أن أفكّر بهذا. عليّ، الآن، أن أتّخذ قراراً. ولكن… إنّني لست متأكّداً تماماً أيّ طريق أريد حقّاً أن أسلكه!

ألا يمكن أن يكون صراع آدم هذا صراعك أنت بالذات؟

وأي طريق تريد أن تسلك؟ الطريق الواسع الذي يؤدّي إلى الهلاك،أم الضيّق الذي يفضي إلى الحياة؟

 

 

 


[1] تنتشر في الولايات المتّحدة الأميركيّة مجموعات تضمّ أشخاصاً يعانون من مشاكل عائليّة واجتماعيّة، فيتبادلون الخبرات، ويسندون بعضهم البعض في مجابهة الحياة. من أمثال هؤلاء، مجموعات تضمّ أشخاصاً متزوّجين من أناس مدمنين على الخمر أو على كثرة الأكل أو… أو… (المعرب)

من تاريخ الكنيسة: ابجارا الحاكم ويسوع

 

 

السلام من ابجارا حاكم أدسا إلى يسوع المخلّص السامي، الذي ظهر في مملكة أورشليم. لقد سمعت أنباءك وأنباء آيات الشفاء التي صنعتها بدون أدوية أو عقاقير. لأنّه يقال إنّك تجعل العمي يبصرون والعرج يمشون، وإنّك تطهّر البرص وتخرج الأرواح النجسة والشياطين، وتشفي المصابين بأمراض مستعصية وتقيم الموتى.
وإذ سمعت كلّ هذه الأمور عنك استنتجت أنّه لا بدّ أن يكون أحد الأمرين صحيحاً، إمّا أن تكون أنت الله، وإذ نزلت من السماء فإنّك تصنع هذه الأمور، أو تكون أنت ابن الله إذ تصنع هذه الأمور.
لذلك كتبت إليك لأطلب أن تكلّف نفسك مؤونة التعب لتأتي إليّ وتشفيني من المرض الذي أعانيه. لأنّني سمعت أن اليهود يتذمّرون عليك ويتآمرون لإيذائك. ولكنّني لديّ مدينة جميلة جدّاً مع صغرها، وهي تتّسع لكلينا.

إجابة يسوع على الحاكم ابجارا على يد الساعي حنانيا

طوباك يا من آمنت بي دون أن تراني. لأنّه مكتوب عنّي أنّ الذين رأوني لا يؤمنون بي أمّا الذين لم يروني فيؤمنون ويخلصون. أمّا بخصوص ما كتبت إليّ عنه لكي آتي إليك فيلزمني أن أتمّ هنا كلّ الأشياء التي من أجلها أرسلت، وبعد إتمامها أصعد ثانية إلى من أرسلني. ولكنّني بعد صعودي أرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك من مرضك ويعطي الحياة لك ولمن لك.

وقد أضيف لهاتين الرسالتين الوصف التالي باللغة السريانيّ:

وبعد صعود يسوع فإنّ يهوذا، الذي يدعى أيضاً توما ( لم يُعرف توما باسم يهوذا إلاّ في كتاب تعاليم الرسل السريانيّ) أرسل إليه تدّاوس الرسول أحد السبعين. ولمّا أتى سكن مع طوبيّا بن طوبيّا. ولمّا ذاع خبره قيل لإبجارا إنّ أحد رسل يسوع أتى كما سبق أن كتب لك.
عندئذ بدأ تداوس يشفي كلّ مرض وكلّ ضعف بقوّة الله، حتّى تعجّب الجميع. ولمّا سمع ابجارا بالأعمال العظيمة والعجيبة التي صنعها، وآيات الشفاء التي أجراها، بدأ يشتبه بأنّه هو الذي كتب إليه عنه يسوع قائلاً: بعد صعودي أرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك.
لك استدعى طوبيّا الذي كان يسكن معه تداوس وقال: قد سمعت أنّ شخصاً ذا سلطان أتى وهو يسكن في بيتك. أحضره لي. فأتى طوبيا إلى تداوس وقال له: استدعاني الحاكم ابجارا وأخبرني أن آخذك إليه لكي تشفيه. فقال تداوس: سأذهب لأنّني أرسلت إليه بسلطان.
ومن ثمّ قام طوبيا مبكراً في اليوم التالي، وأخذ تداوس وأتى إلى ابجارا ولمّا أتى كان الأشراف حاضرين وقائمين حول ابجارا. وحالما دخل ظهرت رؤيا عظيمة لابجارا في وجه الرسول تداوس. ولمّا رآها ابجارا انطرح أمام تداوس بينما تعجّب كلّ الواقفين، لأنّهم لم يروا الرؤيا التي ظهرت لابجارا وحده.
ثم استعلم من تداوس إن كان هو حقّاً تلميذاً ليسوع ابن الله الذي قال له سأرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك ويعطيك الحياة. فقال تداوس: لأنّك آمنت بمن أرسلني إيماناً قويّاً فقد أرسلت إليك. وأكثر من هذا إن كنت تؤمن به يمنح لك سؤل قلبك حسب إيمانك.
فقال له ابجارا: لقد آمنت به حتى أنّني وددت أن أجرّد جيشاً وأهلك أولئك اليهود الذين صلبوه لو لم يؤخرني عن ذلك سلطان الرومانيّين. فقال تداوس: لقد تمّم ربّنا إرادة أبيه، وإذ تمّمها صعد إلى أبيه. فأجاب ابجارا: وأنا أيضاً آمنت به وبأبيه. فقال له تداوس: ولذلك أضع يدي عليك باسمه. ولمّا فعل ذلك شفي ابجارا في الحال من المرض والآلام التي كان يعانيها.

الــيــاس بــطريــرك الـعـرب

الــيــاس بــطريــرك الـعـرب

سامر عوض

سيرته

البطريرك إيلياس الرابع (معوض) بطريرك مدينة الله إنطاكية العظمى وسائر المشرق، أنطاكية هي الكرسي البطريركي الثالث بعد القسطنطينية والإسكندرية، والبطريرك إيلياس هو البطريرك الـ 170 بعد بطرس الرسول أول أسقف إعتلى سدة أنطاكية بين عامي (45-53) والبطريرك العربي السادس بعد البطريرك ملاتيوس الثاني (1899-1906) والبطريرك غريغوريوس الرابع (1906-1928) والبطريرك أرسانيوس (1931) والبطريرك ألكسندروس الثالث (1931-1958) والبطريرك ثيوذوسيوس السادس (1958-1970)، ثالث عشر الرسل القديسين الأطهار بطريرك مدينة الله أنطاكية العظمى.
ولد إيلياس بن دياب معوض عام 1914 في مدينة أرصون (المتن الجنوبي – لبنان) وتلقى علومه الإبتدائية والثانوية في دير القديس جاورجيوس (دير الحرف) التابع لأبرشية جبيل والبترون (جبل لبنان)، وفي مدارس الطائفة في دمشق وحمص.
لبس الثوب الإكليركي عام 1927 على عهد البطريرك غريغوريوس الرابع (حداد) ولقد أرسله البطريرك ألكسندروس الثالث (طحان) عام 1934 إلى معهد خالكي اللاهوتي قرب استانبول، وحاز على شهادة اللاهوت عام 1939
عُيّن مديراً لمدرسة البلمند الإكليركية وسيم كاهناً ورقّي إلى درجة الأرشمندريتية عام 1941، ودرَّس الأدب العربي في المدرسة الآسية الأرثوذكسية بدمشق، وفي عام 1947 انتدب إلى البرازيل لرعاية الجالية العربية في ريو دي جانيرو، وبقي هنالك ثلاث سنوات إلى أن انتخبه المجمع الأنطاكي المقدس راعياً لأبرشية حلب عام 1950 خلفاً للمثلث الرحمات المطران روفائيل نمر (1912-1950)
مثّل الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، في مؤتمرات أرثوذكسية عامة في رودس(1961-1963-1964) وفي جنيف في سويسرا (1968) كما واشترك في أعمال الندوة العالمية للمسيحيين من أجل فلسطين في بيروت (7-10 أيار 1970) وحينها ألقيت باسم الكنيسة الأرثوذكسية كلمتين واحدة بالفرنسية لسيادة المطران جورج (خضر) وأخرى بالعربية للمطران إيلياس (معوض) مطران حلب، عبر من خلالها عن مأساتين مرّتا بفلسطين بصلب المسيح منذ حوالي الألفي عام، وبإغتصاب الأرض وانتهاك المقدسات باحتلال الصهاينة لفلسطين، وقد أظهر المطران معوض في كلمته الجانب الإنساني لقضية فلسطين كما وبيّن حينها الموقف السلبي للغرب (المسيحي) من القضية الفلسطينية وأنهى كلمته بقول مؤثر: “فلسطين ستبقى لنا، وستبقى ما دمنا نؤمن بحقنا وندافع بأرواحنا عنها”.
ترأس المطران الياس عام 1969 نيابة عن البطريرك ثيوذوسيوس السادس الخدمة الإلهية لرسامة الأرشمندريت قسطنطين باباستيفانو مطراناً على بغداد والكويت، والأرشمندريت ألكسي عبد الكريم مطراناً على حمص.
وقد لعب المطران الياس قي حلب دوراً بارزاً على صعيد العلاقات مع الطوائف الشقيقة، وتبؤا مكانة كبيرة بين مطارنة حلب فجمع أواصر المحبة معهم، وكانت له في حلب علاقة طيبة مع مفتيها.
انتخب المطران إيلياس قائمقاماً بطريركياً عقب وفاة البطريرك ثيوذوسيوس السادس (أبو رجيلي) في 19/9/1970 وانتخب بعد ذلك بطريركاً في 25/9 وتم التنصيب في 27 منه، وإعتلى السدة البطريركية تحت إسم إيلياس الرابع بعد أن تعاقب على الكرسي الأنطاكي بطاركة تحت إسم إيلياس في القرون التاسع، الحادي عشر والثاني عشر
زار اليونان في عام 1971 وفي 1972 وبتاريخ 22 حزيران 1972 ترأس غبطته المجمع الذي وضع النظام الأساسي الجديد لكنيسة أنطاكية، وفي عام 1974 ترأس الوفد المسيحي المكون من أساقفة وكهنة ينتمون إلى طوائف عدة في لاهور (باكستان) كما وزار المملكة العربية السعودية في عام 1975 وإلتقى الملك الراحل خالد بن عبد العزيز وبحث معه قضايا عربية، واقترح على الملك عقد مؤتمر مسيحي إسلامي للبحث في مسألة القدس، إهتم غبطته بتشديد أواصر الأخوة في العالم الأرثوذكسي فزار الكنائس المستقلة والبطريركيات وكان العين الساهرة على أبرشيات المهجر ليعزز من إرتباطها بكنيستها الأم، فتفقد الكنيسة الأرثوذكسية في الأمريكيتين عام 1977 وزار أمريكا اللاتينية سنة 1978.
دافع البطريرك إيلياس عن قضية العرب الأولى فلسطين فاستحق بحق لقب بطريرك العرب، كل العرب من المحيط إلى الخليج، مسيحيين ومسلمين، فكان بطريرك إنسانية العرب، بطريرك الضمير العربي، وحمل هاجس فلسطين الأرض والشعب كل حياته
رقد البطريرك إيلياس بالرب في 21/6/1979 إثر نوبة قلبية حادة، وقد نعاه مطارنة المجمع المقدس، آباء الكنيسة الأنطاكية إلى العالم أجمع، وبذلك طويت صفحة رجل مرَّ من المتن إلى إستنبول فحلب مطراناً فمدينة الله أنطاكية بطريركاً
أجريت مراسم الدفن بحضور ممثلين عن الكنائس المسيحية من سوريا ولبنان والأردن ومصر، ورئيس الوزراء السوري محمد علي الحلبي ممثلاً الرئيس حافظ الأسد، ورئيس الوزراء اللبناني سليم الحص ممثلاً الرئيس الياس سركيس وممثل عن الزعيم الليبي معمر القذافي وممثل عن منظمة التحرير الفلسطينية، وعدد من الوزراء والنواب السوريين واللبنانيين وعدد من السفراء ممثلي عدد من الملوك والرؤساء وعقب انتهاء مراسم الدفن قلد الحلبي البطريرك وسام أمية الذي منحه إياه الرئيس الأسد كما قلده الحص وشاح الأرز الذي منحه إياه الرئيس سركيس وبعد ذلك وري البطريرك الثرى في مدفن البطاركة الأنطاكيين في دمشق بعد أن انتقل إليها مركز البطريركية عام 1342 على عهد البطريرك إغناطيوس الثاني وهو البطريرك الأول الذي أقام في دمشق
وخلف غبطته، مطران اللاذقية حينها إغناطيوس (هزيم) الذي انتخب بطريركاً في 2/7 وتم تنصيبه في 8/7 تحت إسم إغناطيوس الرابع (هزيم)

مؤلفاته

أ- الكتب:
1-      الآباء الرسوليون، كتاب صادر عن منشورات النور بالاشتراك مع رابطة الدراسات اللاهوتية في الشرق الأوسط في عام 1970، نقله عن اليونانية المطران إيلياس (معوض)، ويضم بين دفتيه نصوصاً قديمة تعود إلى القرون الأولى مع تعليق ودراسة عنها وعن هوية كاتبها، بما يختص: إقليمس أسقف رومية، تعليم الرسل الإثني عشر، رسالة برنابا، رسائل إغناطيوس الأنطاكي، بوليكربوس أسقف أزمير، الراعي لهرماس بما يضم من رؤى ووصايا وأمثال
2-      في المعمودية، للقديس يوحنا الذهبي الفم، صدر في عام 1975، نقله عن اليونانية البطريرك إيلياس (الرابع)، يتألف الكتاب من ثماني مواعظ في المعمودية، ففي الأولى يصف الذهبي الفم المعمودية بأنها زواج روحي بين النفس والمسيح ويبين كيفية عيش الحياة في المسيح بصورة عملية، أما في الموعظة الثانية فيسرد تعليمه للمدعوين مفصلاً عن مخطط الخلاص والرحمة الإلهية وأن عدل الله يظهر جلياً من خلال قصاص آدم، ويشرح طقس العماد وما يتبعه من مناولة جسد الرب ودمه الكريمين ومسح الجبين والجسد بالزيت المقدس، أما الموعظة الثالثة فتبين أن المعمودية فرح المؤمنين لتسربلهم بالنعيم الإلهي، بينما تبين لنا الموعظتان الرابعة والخامسة الواجبات الأخلاقية المفروضة على المستنيرين (فإذا كان أحدنا في المسيح فهو خلقة جديدة) فالمعمد نور يضيء قدام الناس من خلال أعماله التي تمجد الآب الذي في السماوات. فالمؤمن مصلوب على صليب أهوائه وما بعد الصلب إلا القيامة. أما في الموعظة السادسة فيحذرنا الذهبي الفم من ارتياد المسارح والملاهي وما يسببه ذلك من تأثيرات سلبية على المؤمنين، أما الموعظة السابعة فتتحدث عن بقايا القديسين ومدى فائدتها للمؤمنين. وفي الموعظة الثامنة يمدح القديس يوحنا المؤمن المتمسك بالخيرات السماوية ويرسم منهجاً للحياة المسيحية.
3-      بولس الرسول، للكاتب جوزيف هولزنر، نقله إلى العربية المطران إيلياس (معوض)، يبحث الكتاب في شخصية بولس ذا الثقافة اليهودية والهوية الرومانية وقصة اعتناقه المسيحية وإهتدائه على طريق دمشق وأسفاره التبشيرية ورسائله إلى تلاميذه والكنائس المنتشرة واهتمامه بالمسيحيين ورحلاته إلى روما وغير ذلك من التفاصيل. وفق إسلوب يعود بالقارئ إلى زمان ومكان بولس بما يحمله الكتاب من دقائق وتاريخ تساعد المؤمن على فهم لاهوت بولس وكيفية العيش وفق منطق وفكر المسيح بالإضافة إلى معلومات تاريخية وجغرافية تخص الأماكن التي زارها بولس. ويعد الكتاب الأوسع من ناحية التكلم عن الرسول بولس في لغتنا العربية فبولس لم يكن معلماً فحسب بل رسولاً نقل ما عند الله إلى بني البشر.
4-      الجبل المقدس آثوس، لبابانطونيو، نقله عن اليونانية البطريرك إيلياس (الرابع)، ويتألف من فصول عدة تتحدث عن الجبل المقدس وعاصمته ومينائه وبعض أديرته ونمط النسك فيه وحياته الرهبانية ويسرد سير بعض الذين نسكوا في الجبل المقدس وتقدسوا ويشرح عن الهدوئية وسيكولوجيا الرهبان ويشرح الكتاب الفن الأيقونوغرافي في الجبل ويتحدث عن أقسام الجبل.
5-      مختارات من أدب آباء الكنيسة، ويتضمن خمسة أبحاث للقديس باسيليوس الكبير (القرن الرابع) وعشرة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث (القرن الحادي عشر) وذلك وفق صياغة آبائية تراعي القارئ وتطلعه على أمور لاهوتية من منظار آبائي.
6-      الحياة في المسيح، للقديس نيقولاوس كاباسيلاس، نقله عن اليونانية البطريرك إيلياس (الرابع) وصدر عن منشورات النور عام 1982 أي بعد وفاته بثلاث سنوات وأعيدت طباعته عام 2002 ويتحدث الكتاب بخلاصات عدة عما يعيشه المؤمن من وسائل الخلاص ليس بالمفهوم العلمي فحسب بل بالمعنى الحياتي أيضاً الذي يتمكن المؤمن من خلاله للوصول إلى الله.
7-      طريق النعمة
8-      كتاب حول الشعر اليوناني الحديث

ب‌- المقالات:
1- الإتجاهات الجديدة في اللاهوت الأرثوذكسي، ويتكلم عن التقليد ومدى أهميته وتأثيره وكيفية فهمه والتعامل معه وقد ذكرت المقالة التعليم العقائدي من خلال المجامع المسكونية السبعة وتطور اللاهوت الأرثوذكسي على مر العصور من القرون الأولى حتى ظهور الإتجاهات اللاهوتية الحديثة.
2- أناشيد في يهوذا،للقديس رومانوس المرنم، ترجمها المطران إيلياس وهي عبارة عن سبع مقاطع تتحدث عن يهوذا وغشه وخيانته للسيد وتسليمه المسيح وتحوله من خروف إلة ذئب يهجم كالوحش على الراعي وتسرد الأناشيد حسرة يهوذا بأسلوب التأمل وتختم بتوسل إلى الله لكي يرحمنا ويهبنا أن نعرف دائماً طريق الحق لنسير عليه ونصل إلى المسيح.
3- التحرر من الأهواء، القديس إسحق السرياني، فالتحرر من الأهواء يتم عن طريق احتقار الذات وعدم القنية فهما أداتان للحصول على الصبر والانعتاق من سلطان الشرير فبالصبر يتحرر المؤمن من الأهواء وإن أحسن إستخدامه فالألم الشديد يطهر النفس من الخطيئة كما الدواء يزيل الداء من الجسد.
4- رسالة القيامة، وهي رسالة وجهها البطريرك إيلياس بمناسبة عيد القيامة عام 197 وبدأها بالقول: “القيامة هي الحدث العجيب الذي وضع حداً لحيرة الفكر”، بين غبطته المدى الكبير لتأثير القيامة على الكون من بشر ومخلوقات وأن هنالك حاجة كبيرة ليحيا البشر القيامة من خلال أفعالهم وأقوالهم وأشارت الرسالة إلى الشعب الفلسطيني وأن قضيته ليست قضية شعب بل قضية الإنسانية برمتها.
5- صياغة كياننا تجعلنا قوة تتحدى البطل، ويبين المقال أهمية معرفة الإنسان لذاته لكي يتمكن من صياغتها فحقيقة النفس الإنسانية هي المحبة التي تطبع الإنسان بفكر الله والمسيح هو المثال الأسمى للمحبة حين بذل ذاته على الصليب من أجل العالم، فبين الله والإنسان عهد محبة على المؤمن تحقيقه بأن يمارسها في حياته فيتغلب على الشرير فيتحرر المسيحيون وتتحرر الإنسانية جمعاء فتعيش الحق.
6- قيامة الرب في المجدلية، جزء من عظة إثنين الباعوث في الكاتدرائية المريمية لغبطة البطريرك وفيها يؤكد أن ما حدث للمجدلية هو صورة حية لما يمكن أن تجترح محبة المسيح لنا نحن البشر فالإنسان ذا مصدر إلهي ولذلك يحتوي في حياته أن يكون إلهاً مع أنه مخلوق والحرية هي جوهر التعبير عن الله، والمسيح يقف صامتاً صمت الله وصمته جمال يتكلم في الطبيعة من خلالها فكأن صمته يتكلم ويجترح العجائب في كيان المجدلية المغرورة فتحولها الداخلي قيامة عظمة تريك قيامة الإنسانية كلها فالمجدلية هي الرسم الأخير لما ستصير إليه الإنسانية وما يشتاق إليه الرب.
7- لماذا قبل الله أن يتألم، هذه المقالة نشرت عقب وفاة البطريرك إيلياس ويسأل فيها لمذا تألم الله ومات؟ ألم يكن من المستطاع أن يخلص العالم بدون العذاب والألم والموت لكن الله هو إله محبة وحرية ومن طبيعتهما أن يبقيا في ألم دائم لأن الألم هو الصفة الجوهرية التي ترافق جوهر الأزل المستمر في أزلية الخلق والإبداع الذاتية وعملية الخلق الدائم تفترض مخاضاً أبدياً وألماً أزلياً والمحبة الكاملة هي المنتهى الحتمي للذين يتعذبون.

المراجع:

1- الكتب
• أثناسيو، الأرشمندريت د. متري هاجي، موسوعة بطريركية أنطاكية التاريخية والأثرية،
• بيطار، الأرشمندريت توما، سير القديسين (السنكسار)، الجزء الأول
• بيطار، الأرشمندريت توما، سير القديسين (السنكسار)، الجزء الثاني
• إدارة مجلة النعمة، تقويم النعمة، 1964
• ديك، الأرشمندريت د. إغناطيوس، الحضور المسيحي في حلب في الألفين المنصرمين
• كاباسيلاس، القديس نيقولاوس، الحياة في المسيح، تعريب البطريرك الياس الرابع
• الذهبي الفم، القديس يوحنا، في المعمودية، تعريب البطريرك الياس الرابع
• معوض، البطريرك الياس، مختارات من أدب آباء الكنيسة
• هولزنر، جوزيف، بولس الرسول ، تعريب البطريرك الياس الرابع
• الآباء الرسوليون، تعريب البطريرك الياس الرابع
• أبو زيدان، مشيل، في الذكرى الخامسة لانتقال المثلث الرحمات المطران ألكسي عبد الكريم غلى الأخدار السماوية

2- المجلات
• مجلة النور، العدد 7،عام 1979
• مجلة النور، العدد 1،عام 1971
• مجلة النور، العدد 9،عام 1969
• مجلة النور، العدد 3،عام 1971
• مجلة النور، العدد 6،عام 1971
• مجلة النور، العدد 1،عام 1972 (يونان)
• مجلة النور، العدد 5،عام 1979 (روسيا)
• مجلة النور، العدد 7،عام 1978
• مجلة النور، العدد 9،عام 1964
• مجلة الكلمة، العدد 3، عام 1991

المثلث الرحمات صاحب الغبطة الميتروبوليت أرسانيوس حداد ميتروبوليت اللاذقية والبطريرك المنتخب على أنطاكية

المثلث الرحمات صاحب الغبطة الميتروبوليت أرسانيوس حداد
ميتروبوليت اللاذقية والبطريرك المنتخب على أنطاكية

إعداد: ميلاد جبارة – فادي بشور

نتابع اليوم ما بدأناه في مشوارنا مع آباء الكرسي الأنطاكي في النصف الأول من القرن العشرين، فسنتحدث عن سيادة المطران أرسانيوس حداد راعي أبرشية اللاذقية، وبطريرك أنطاكي منتخب، آملين أن تسهم هذه السيرة في المساهمة في نهضة الكرسي ووجود أناس ساعين إلى تكريس ذواتهم للرب الإله. (المعدان)

ولد سيادة المطران أرسانيوس (أسعد حداد) في قرية عبي منطقة الشحار الغربي في قضاء بحمدون، وهو ابن عم البطريرك غريغوريوس الرابع حداد.

خدمته الكهنوتية

كان شماساً إنجيلياً في خدمة المطران غفرائيل شاتيلا راعي أبرشية بيروت ولبنان، وسيم كاهناً يوم عيد الميلاد من السنة 1898 وأرشمندريتاً في 30 كانون الأول من السنة ذاتها، ورفع إلى درجة الأسقفية في 2 كانون الثاني من العام في 1899 في احتفال كنسي ضخم ترأسه غبطة البطريرك ملاتيوس الثاني بمشاركة السادة المطارنة: نيقوديموس (عكار)، غريغوريوس (حماة)، غريغوريوس (طرابلس)، أثناسيوس (أداسيس). وخطب المطران الجديد متوجهاً إلى البطريرك معلناً أنه يدرك عدم كفاءته البشرية للعمل المنوط به لكنه يتقوى بالسيد له المجد وسيحاول إتمام واجباته على أحسن وجه ويطلب أن يساعده الشعب بالصلوات ليحافظ على الآثار التي خلفها غبطته في كرسي اللاذقية واختتم خطابه بالشكر للدولة العثمانية وبالدعاء للسلطان العثماني فرد غبطة البطريرك بالشكر على ما أبداه نحوه من محبة وشغف للعمل في حقل الرب.

في اللاذقية

يعرف عن المطران أرسانيوس أنه الوحيد الذي رافقه البطريرك ملاتيوس الثاني ليسلمه أبرشيته، وكان مهتماً بحل خلافات نشبت في اللاذقية بين آل مرقس وآل كومين وكان البطريرك ملاتيوس منحازاً لآل كومين عندما كان مطراناً على اللاذقية فاستولى آل مرقس على كنيسة مار جرجس وأصلحوها فهي كانت خربة واستقدموا كاهناً عليها ورفعوا الرئاسة للبطريرك اليوناني احتجاجاً على تصرف مطرانهم. ومن آثار تفاقم هذه المشكلة تشكيل حارتين في اللاذقية عرفتا بالعامية بالحارة الفوقانية (وهي المنطقة الممتدة من القلعة شمالاً وحتى شارع القوتلي جنوباً) والحارة التحتانية (وهي الممتدة من شارع القوتلي وحتى منزل آل سعادة وآل نصري قرب كنيسة مار ميخائيل حالياُ). فكان من أوائل مهام الميتروبوليت أرسانيوس هي وضع حد للخلافات بينهما فبعيد وصوله مع البطريرك ملاتيوس إلى مرفأ اللاذقية ذهب إلى منزل حبيب مرقس فقال صاحب هذا البيت: “اليوم صار الخلاص لأهل هذا البيت” وتم الصلح. ثم ذهب إلى كاتدرائية القديس نيقولاوس وأقيمت صلاة الشكر. وقام المطران الجديد بشراء البيوت المجاورة لكنيسة مار جرجس وسورها تمهيداً لترميمها مع الكنيسة. وجددت في عهده كنيسة مار سابا في اللاذقية حيث تبرع آل نصري بمبلغ500 ليرة ذهبية
وفي أول وصوله تم انتخاب مجلس ملي جديد، وألف محكمة روحية للنظر في جميع القضايا الدينية، وأسس جمعية باكورة الإحسان لمساعدة الفقيرات، ولما كان شماساً في بيروت أسس مجلة المنار وتابع مهمته هذه لما صار ميتروبوليتاً على اللاذقية، عرف عنه أنه كان يقوم بعمله على أكمل وجه تجاه الأساقفة الآخرين، فكان أول الوافدين إلى مطرانية بيروت، لتهنئة المطران جراسيموس الميتروبوليت الجديد عليها، وشارك في انتخاب البطريرك غريغوريوس سنة 1906 وشارك في حفلة تنصيبه وعين قائمقاماً بطريركياً بعد وفاة البطريرك غريغوريوس

صفاته

بالرغم من أنه لم يكن متعلماً إلا أنه كان أرثوذكسياً لا غش فيه، أدار الأبرشية بحنكة لم يكن لها مثيل يحب الشباب ويجمعهم لكي يروي لهم سير القديسين. وكان حافظاً جميع الخدم الطقسية وكان يصحح كل أخطاء كهنته التيبيكونية دون الرجوع إلى نصوص مكتوبة. جعل من مطرانيته ديراً للرهبان، فعاش معه أربعة أرشمندريتية هم: الأرشمندريت نيفن سابا، الأرشمندريت تريفن غريب، الأرشمندريت جبرائيل دميان، الأرشمندريت ألكسندروس جحا. والكاهن ميخائيل خلوف. وأرسلهم إلى معاهد اللاهوت فقد أرسل الأرشمندريت تريفن (الذي صار مطراناً على اللاذقية) إلى معهد خالكي، والأرشمندريت جبرائيل (الذي صار مطراناً على اللاذقية أيضاً) إلى كييف، والأرشمندريت ألكسندروس (الذي صار مطراناً على حمص) والأب ميخائيل إلى موسكو، وأما الأرشمندريت نيفن إذ لم يكن متعلماً كفاية بقي معه في دار المطرانية. وكان مهتماً بالوعظ لدرجة أنه كان يستقدم الأرشمندريت فوتيوس خوري واعظ الكرسي الأنطاكي آنذاك (لاحقاً مطران بغداد والكويت) لإلقاء محاضرات روحية خلال فترة الصوم الكبير. كان محبوباً من الأوساط الإسلامية وكان شيوخها يزورونه في دار المطرانية وبشكل خاص شيخ الطائفة المولوية.

أمور تذكر

كان خلال الانتخابات النيابية، يغادر مدينة اللاذقية مركز الميتروبوليتية ليبتعد عن الأجواء الانتخابية ويطلب من الوجيهين اسحق نصري ووديع سعادة ألا يتصلا به إلا بعد انتهاء الانتخابات فيزور بيت الفائز ليهنئه وبيت الخاسر أيضاً. فرز الشماس فوتيوس ياسمين للاهتمام بالتعليم الديني في مدرسة الروم للشباب وعين الأب ميخائيل خلوف مديراً لها ومن بعده الأرشمندريت جبرائيل دميان، واستقدم الراهبة ماريا من دير زهرة الإحسان في بيروت للتعليم في مدرسة الروم للبنات.
ببركته وإشرافه قام الشماس ثيوذوسيوس مطلق وهو فلسطيني الأصل بالتعاون مع الأب أيوب خوري كاهن قرية المزيرعة بإصدار كتب للتعليم الديني ينشرها المطران فور جهوزيتها، ومنها كتاب السواعي الصغير
من حبه للسلام وعدم رغبته بالذهاب لا إلى المحاكم الروحية ولا المدنية كان يحاول حل المشاكل التي تحدث بين أبناءه فكان يظهر قسوة مصطنعةً ويحكى أنه في مدينة اللاذقية كانت هناك عائلة (رباحية) وأحد أفرادها يدعى عبدو يملك فرساً يركبها لكي يتاجر ببعض الحاجيات خارج اللاذقية، فأخذ أحد أعيان الطائفة من آل (صابور) المتمتع بمقام كبير في الطائفة هذه الفرس ولم يردها إلى عبدو فذهب الأخير إلى المطران أرسانيوس وشكا الأول، فجلب المطران الوجيه ولما سأله عن فعلته، أجاب:” أدفع له ثمنها وأزيد لأني أريدها” فأمره بإعادتها فرفض وازداد عناداً فما كان من المطران أرسانيوس إلا أن أمر بجلده قائلاً: “لا يهمني من يكون” فرضح وأعاد الفرس لصاحبها
عرف عن المطران أرسانيوس أنه قضى العمر في مطرانية اللاذقية يصالح بين الأزواج فلم يعثر في سجلاته إلا على حالة طلاق واحدة لاستحالة العيش المشترك.
في عام 1924 إثر الأزمة الناشئة في أبرشية نيويورك الأنطاكية للروم الأرثوذكس، انتخب المجمع الأنطاكي المنعقد برئاسة غبطة البطريرك غريغوريوس الرابع، قدس الأرشمندريت فكتور (أبو عسلي) ميتروبوليتاً على الأبرشية، واتفق أن يرسل وفداً إلى الأبرشية لمصالحة الأنطاكيين الذين تخاصموا حول مرجعيتهم الروحية إلى ثلاث فرق، أنطاكية وروسية وأمريكية، فأرسل غبطته مطران حوران زخريا لكي يسيم المنتخب بدون علم المجمع فاتفق أرسانيوس (اللاذقية) وباسيليوس (عكار) وألكسندروس(طرابلس) على رفض العمل وأبرقوا لغبطته ولغبطة بطريرك أورشليم آنذاك دميانوس لكي يمنع السيامة حيث كان من المقرر أن يشترك مطرانان من الكنيسة الأورشليمية في السيامة ( القوانين المقدسة تحدد أنه لشرطونية الأسقف يجب وجود ثلاثة أساقفة على الأقل) ونشئت أزمة طويلة انتهت بأن خرج أرسانيوس منها بعد سيامة فكتور ومن ثم تصالح باسيليوس وألكسندروس مع غبطته طالبين بركته

انتخابه بطريركاً على أنطاكية والحوادث التي رافقته

لقد كان القانون البطريركي يعطي أصواتاً لعلمانيي مدينة دمشق عددها عشرة وصوت لكاهن عن مدينة دمشق وصوت لكل من الوكيلين البطريركين في دمشق وأنطاكية، ضماناً لفوز المطارنة الوطنيين بعد استعفاء البطريرك اسبيريدون آخر البطاركة اليونان
ولكن عدد الأصوات المعطاة للدمشقيين يفوق عدد مطارنة الكرسي الأنطاكي آنذاك فيتحكمون بمصير المرشحين إلى المنصب البطريركي فجرت عدة محاولات لتغيير القانون باءت بالفشل بسبب رفض الدمشقيين التنازل عن حقهم وفي المجمع الأخير حيث توفي البطريرك غريغوريوس الرابع في 1928 المنعقد في سوق الغرب انتخب المطارنة بالإجماع أرسانيوس قائمقاماً بطريركياً فأجرى عدة محاولات لتغيير رأي الدمشقيين ونجح في ذلك ولكن خلال الاجتماع الأخير معهم عادوا عن موقفهم ووقف إلى جانبهم المطرانان ألكسندروس (طحان) وثيوذوسيوس (صور وصيدا) طمعاً برضاهم، فلما دعا أرسانيوس إلى مجمع ترشيحي لترشيح 3 مطارنة أبى الدمشقيون المشاركة إن لم يكن المرشحون هم (ألكسندروس: المسجل عليه دعاوى قانونية من رعيته)، (وملاتيوس: مطران سابق لديار بكر ولا يحق له لا أن ينتخب ولا أن ينتخب لأنه لم يكن من المطارنة العاملين)،( وثيوذوسيوس) وهددوا المطارنة، فقام أكثرية المطارنة من دمشق إلى دير مار الياس شويا حيث عدلوا نظام الانتخابات. والتأم المجمع في 20/1/1930 في دير مار جرجس الحميراء في جلسة انتخابية بمشاركة: روفائيل (حلب)، إغناطيوس (حماة)، أبيفانيوس (حمص)، زخريا (حوران)، جراسيموس (بيروت)، باسيليوس (عكار)، فكتور أبو عسلي(أمريكا) والأرشمندريت بولس خوري ممثلاً المطران بولس (جبيل والبترون) وانتخب أرسانيوس بطريركاً في 24/1 وأبلغ العالم كله بالنبأ المفرح بأن فترة ترمل البطريركية الأنطاكية قد انتهت. ولكن المطارنة الثلاثة المتخلفين وهم ألكسندروس وثيوذوسيوس ونيفن (زحلة) قد انتخبوا ألكسندروس بطريركاً
عاد البطريرك أرسانيوس إلى اللاذقية ومشى من دار المطرانية إلى كنيسة مار سابا يتقدمه ثماني مطارنة وأربع أرشمندريتية وعدد من الشمامسة وفرق الكشاف وعناصر الجيش الفرنسي. واكتظت الشوارع بالمسيحيين والمسلمين وحضر الجنرال شيفر وحاكم الحكومة العلوية في اللاذقية فكان شيئاً لم تشهده اللاذقية من قبل.
ولكن الدمشقيين هددوا البطريرك أرسانيوس ومنعوه من دخول دمشق، فمنعاً لتفاقم المشكلة آثر البطريرك المنتخب أرسانيوس البقاء في اللاذقية. أرسل البطريرك المسكوني مندوباً عنه ليحاول حل المشكلات ففوضه البطريرك أرسانيوس للتوقيع باسمه على أي اتفاق مع المطران “البطريرك الثاني” ألكسندروس، ولكن أرسانيوس لم يكن يتقن اليونانية عكس ألكسندروس الذي كان يتقنها وقوي الحجة ومتعلماً فتأثر خريسنثوس المندوب بألكسندروس وآثره عوضاً عن أرسانيوس فوضع اتفاق بنص على أن أرسانيوس هو البطريرك وألكسندروس بطريرك سابق وله الوكالة الدائمة لأرسانيوس وفي حال استقالة أرسانيوس أو وفاته يصبح هو البطريرك دون أي انتخاب. والسلطة الفرنسية التي أرادت أن تساند الوطنيين فبعد أن ساندت أرسانيوس تراجعت ودعمت ألكسندروس لأنها رغبت في أن يكون البطريرك من دمشق، مركز التجمع الأول للوطنيين. تاريخ 30/4/1931 يصل إلى مسمع المجمع أن بطاركة القسطنطينية والإسكندرية وأورشليم أرسلوا صكوك الاعتراف بألكسندروس بطريركاً شرعياً (وكانت هذه محاولة لإعادة السيطرة اليونانية على البطريركية الأنطاكية) وهذا ما حصل. منعاً لتفاقم الأمور، آثر الميتروبوليت أرسانيوس أن يكمل عمله كمطران على اللاذقية وانسحب من السدة البطريركية على أن يصبح هو البطريرك في حال وفاة أو اعتزال البطريرك ألكسندروس (عكس الاتفاق السابق)

وفاته

حزن المطران أرسانيوس كثيراً للمؤامرات التي أحيكت ضده فما لبث أن أصيب بداء السكري، وأصابته دملة كبيرة في رقبته فآثر الأطباء أنه يجب أن تشق فذهب إلى مشفى مار جرجس (مشفى الروم) في بيروت وبسبب السكري تسممت الدملة حيث عاجلته المنية هناك في حزيران 1932. ووافاه البطريرك ألكسندروس والمطرانان ثيوذوسيوس ونيفن فصرخ المطران إغناطيوس حريكة: “مات البطريرك أرسانيوس، عاش البطريرك ألكسندروس!” فبكى الجميع عليه ووعد البطريرك بأنه سيجعل اسم أرسانيوس نظامياً ضمن لائحة البطاركة، لكنه لم يحقق كلامه بل ذهب أدراج الرياح.
نقل الراحل الكبير إلى اللاذقية وتمت جنازته في كنيسة مار سابا ثم ووري الثرى في مقبرة الكنيسة ولكن بعد هدم الكنيسة وطمر المقبرة لبناء مدرسة الكلية الوطنية الأرثوذكسية نقل جثمانه إلى مدفن رؤساء الكهنة في المقبرة بالفاروس.

ولم يسجل اسم البطريرك أرسانيوس في اللائحة النظامية لبطاركة الكنيسة الأنطاكية إلى يومنا هذا ولكن يبقى في قلوب الأنطاكيين راعياً وأباً وبطريركاً منتخباً على أنطاكية هكذا شاء الروح القدس حامي الكنيسة الأرثوذكسية

المراجع
1. د. أسد رستم، تاريخ كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، ج 3 ، منشورات النور
2. عماد ربيز، أرسانيوس حداد: مطران اللاذقية وبطريرك منتخب على أنطاكيا، دراسة في معهد البلمند، غير منشورة.
3. د. علي خليل، اللاذقية في مطلع القرن العشرين، ط1، 2007
4. غيد الياس بيطار، اللاذقية عبر الزمن، الجزء الأول: التاريخ، ط 1 ، 2001
5. جورج منصور (حالياً سيادة المطران باسيليوس)، الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة، أطروحة لنيل إجازة في اللاهوت، غير منشورة
6. الأب نايف اسطفان، الأزمة البطريركية الأنطاكية الأرثوذكسية 1930-1933، 2006
7. الأب نايف اسطفان، أزمة أبرشية نيويورك وما يليها للروم الأرثوذكس 1924، 2006

بعض الإفتراضات المسبقة المتعلقة باللاهوت الخلاصي في المجامع المسكونية السبعة

بعض الإفتراضات المسبقة المتعلقة باللاهوت الخلاصي

في المجامع المسكونية السبعة

الأب يوحنا رومانيدس

ملاحظة

توصل الإفرنج وحلفاؤهم التيوتونيون إلى تسمية أنفسهم إفرنج. نحن نسمي هذا الحلف ذا الطابع التيوتوني بإسم الفرنكو لاتين لكي نميزهم عن اللاتين الحقيقيين في التاريخ الروماني.

أ. صياغات العقيدة وسر الله

1) يجب أن نميز بين صياغات العقيدة حول أسرار الثالوث القدوس والتجسد والحياة في مجد ملاك المجلس الأعظم قبل وبعد تجسده وحياة المؤمنين في جسده، الكنيسة. فالصياغات العقائدية هي موجهات وسط الحيرة التي تسببها الإنحرافات الهرطقية عن درب الشفاء الضيق الذي يوصل إلى التمجيد/ الصلب في المسيح.

من أجل ذلك، ما يوصل إلى الشفاء هو أرثوذكسي وما يبعد عنه هو هرطوقي. طريقة أخرى لقول هذا هو أن العقيدة ليست ماورائية بالطبيعة وأرثوذكسية العقيدة يحددها نجاح العلاج التي توصل إليه، لأنها ليست نهاية بحد ذاتها. وفي نهاية المطاف يكمن “مجيء الكامل” (1كو 13 :10) حين نرى رب المجد في هذه الحياة “وجهاً لوجه” (1 كو 13 :12) حيث الكلمات والمفاهيم عن الله تبطل.

خبرة التمجد/ التأله هي ما أنتج أنبياء العهد القديم والرسل وأنبياء العهد الجديد والتقليد الآبائي وصياغات العقيدة هي فقط مؤشرات على هذا الطريق الضيق. ولكنها لا تصف مجد “الكامل” غير المخلوق كما أنها لا تكشف جوهره أو طبيعته التي لا يعرفها إلا هو نفسه أي أفراد الثالوث القدوس.

2) الCredo ut intellegam هي إفتراضات بأن الإنسان يصل بالإيمان، على الأقل، إلى فهم جزئي لمادة أو جوهر الله خلف الصياغات العقائدية وهذه الإفتراضات هي مسبقة في اللاهوت الفرنكو – لاتيني ولم يعرفها آباء المجامع المسكونية الروميين. نقطة الإنطلاق الفرنكو – لاتينية هذه ظهرت مع انسلم كانتربري وارتكزت على التأملات الأوغسطينية الموروثة، مثل الخلاص وغيرها…. يجد المرء في هذين المسعيين (مسعى اوغسطين ومسعى السكولاستيين) خلطاً بين صياغات العقيدة وأسرار الإتحاد بالله التي إليها فقط تشير هذه الصياغات. فكرة أن المرء يؤمن بتعاليم الكنيسة لكي يفهم عقلياً الأسرار، هي إلى حد ما ميزة الهراطقة أمثال بولس سموزاتا والآريوسيين والأفنوميين والنساطرة.

3) موقع الصياغات العقائدية المذكور أعلاه معروف فقط من خبرات الذين تمجدوا في العهد القديم، اقله من ابراهيم حتى يوحنا، حيث لا يوجد أي تشابه بين الله غير المخلوق ومخلوقاته. وبسبب ذلك لا يكون التعبير عنه فقط مستحيلاً إنما أيضاً يستحيل تخيله. نكرر أن هذه الحقيقة تعرف فقط بالتمجيد/ الصلب/ المصالحة/ التأله لدى بطاركة وأنبياء العهد القديم وبرسل وأنبياء العهد الجديد وخلفائهم في جسم المسيح.

4) الفرق بين العهدين القديم والجديد هو تجسد الرب ملاك المجد وإلغاء موتهم في قيامة المسيح مع مؤمني العهد الجديد. لقد مات الذين تمجدوا قبل تجسد ملاك المجمع الأعظم ولكن أرواحهم أقيمت مع هذا الملاك لكي يصبحوا أعضاءً في جسده الكنيسة. المستنيرون والمتمجدون بالملاك المتجسد يشاركون في القيامة الأولى لأرواحهم التي لا تموت مع أجسادهم (يو 8 :51) ويستمرون كأعضاء في جسد المسيح مع مؤمني العهد القديم بإنتظار قيامة الأجساد العامة.

5) الهدف الوحيد في صياغات العقيدة في المجامع المحلية والمسكونية هو حماية المؤمن من أفكار الذين قد يقودونه بعيداً عن العلاج بالتمجد/ الصلب/ المصالحة في رب المجد. كل الحقيقة المعلنة في العنصرة المستمرة في كل من التمجدات التاريخية غير قابلة للزيادة أو التحسن.

ب. اللاهوت الخلاصي

6) الكتاب المقدس هو سجل الأعمال الخلاصية المجيدة التي عملها الرب بملاك المجد خاصته قبل وبعد تجسده. هذا الملاك أرشد وخلص شعبه وبطاركته وأنبياءه في العهد القديم وهو يرشد ويخلص مؤمنيه من خلال رسله وأنبيائه في العهد الجديد منذ العنصرة حتى المنتهى. أفراد شعب الله ليسوا مخلَّصين كأنفس نيوبلاتونية تبحث عن حياة مغبوطة beata vita وبالتالي بدون الجسد. بخلاف المسلمين، لم يستطع السكولا ستيكيون الفرنكو – لاتين تصور سبب ضرورة الجسد في حالة الـ beata vita المقبلة. بعكس هذا، أعضاء شعب الله هم أعضاء مجتمعهم بأجسادهم. البشر ليسوا أجسادهم وحدها ولا نفوسهم وحدها ولكن الإثنين معاً وبالفعل، في مجتمعهم حيث هم شعب الله المؤمن.

7) الترانيم الأرثوذكسية تمدح بتكرار المسيح ما قبل المتجسد، أي رب المجد، لأنه خلص إسرائيل من أعدائه الجسديين والروحيين ودمجه بجسده في الكنيسة.

8) هناك وجهان للخلاص: الأول بالتمجد في جسد المسيح أي الكنيسة، والثاني هو رؤية نفس هذا المجد – مجد المسيح – غير المخلوق كأنه نيران الجحيم والظلمة الخارجية. الإثنان هما نتيجة محبة الله لكل الخليقة إذ أنه يحب الملعون والممجد بالتساوي. (أنظر 1 تيم 4 :10). الجميع مخلَّصون، لكن المؤمنين هم مخلَّصون بالفعل لأنهم اختاروا أن يُشفوا من خلال تمجدهم وصلبهم مع المسيح وبعضهم البعض.

9) إن الأمر هكذا لأن المجد ليس مفروضاً على البشر والملائكة على غير إرادتهم. فهو عطية من الله على الناس أن يختاروها ويعملوا لها. عند اختيارها يُعطى المؤمن القوة للعبور في التطهر واستنارة القلب والوصول إلى التمجد الذي قد يدوم لفترات مختلفة في هذه الحياة. أما في الحياة المقبلة فينتقل الممجَد من مجد إلى مجد إلى غير نهاية.

10) إنتقاء الملائكة لمجد الله او لا، كان في الأزمنة المخلوقة (الأزل) وقبل خلق الوقت. وقد قبِل الملائكة طريقة المجد هذه أو رفضوها بقدر قدرتهم الزمنية(dimension) . ولأن هذا حدث كان في الأزل وليس في الوقت فلم يكن هناك من ندامة. الملائكة الذين قبلوا هذه الطريقة في الزمن هم كاملون إلى ما لا نهاية وهم مدموجون مع أعضاء جسد المسيح الممجَدون من مجد إلى مجد ومن جيل الى جيل. وعلى عكس هذا الخلاص فالجحيم الذي يختاره الشخص يتحول الى مجرد ركود، أي إلى الحياة المغبوطة التي لدى بعض الأديان الوثنية والتقليد الأوغسطيني.

11) بخلاف إله النيو افلاطونيين والسكولا ستيكيين، إله ال،بياء هو نفسه ليس محرِكاً وغير متحرك إنما هو متحرتك لأنه ولا بأي شكل مقارن بمخلوقاته.

12) إذاً الرؤية الفرنكو – لاتينية المبهجة إلى الله في الحقيقة الكاملة والجنة الجامدة، هي في الواقع كل ما هو الجحيم. هذا الجحيم في الحياة المغبوطة هو المكافأة الطبيعية للذين أبقوا كل حياتهم للسعادة، الأرضية أو السماوية. هذه المكافأة من السعادة هي نتيجة محبة الله للذين رفضوا عطيته من التمجيد/ الصلب أي المحبة المفرغة ذاتها. الله يعطيهم السعادة التي ناضلوا لها في حياتهم الأنانية ليس للمعاقبة بل بسبب المحبة.

(قرر الأرثوذكس حذف المقطع السابق من النسخة النهائية)

ج. رب المجد، طبيب نفوسنا وأجسادنا

12) يشير الآباء والصلوات الأرثوذكسية بشكل دائم إلى الرب المتجسد كطبيب نفوس وأجساد المؤمنين والسبب أنه هو بالتحديد هذا الطبيب. ليس من باب المجاز أن الرسول بولس يتكلم إلى اولئك الذين “يأكلون” و “يشربون” من الكأس “بدون استحقاق” بتسلسل تنازلي على أنهم “ضعفاء ومرضى” و “أموات” (1 كو 11 : 27 – 30). هذه المجموعات الثلاث هي “الأشخاص العاديين (العلمانيين)” الذين يقولون “آمين” في الصلوات المشتركة (الجماعية). هم إما “ضعفاء” وهي حالة من التطهر، أو “مرضى” وهي لا تعني بالحقيقة أنهم على درب الشفاء، و “الأموات” هم الذين لا يختلف اشتراكهم في مجد المسيح عن غير المؤمنين. إنهم لم يصبحوا بعد “أعضاء في جسد المسيح” و “هياكل للروح القدس” لأنهم لا يصلّون بعد ولا يرددون المزامير في نفوسهم على خلاف الصلوات والمزامير التي يرددونها في أفكارهم.

13) يوجد ضمنياً في هذا التسلسل المرضي عملية بيولوجية أو عصبية أو قوة في القلب مريضة. يسمي بولس هذه القوة “روحاً بشرية في القلب حيث يفحص الروح القدس أن الإنسان أصبح إبناً لله عندما يمتلك على الأقل أنواعاً من الألسن”. لأسباب أشرحها في مكان آخر توصل الآباء إلى تسمية روح بولس بعبارةnoera energeia التي ترجمتها “ملكة النوس”. إذاً العبادة الجماعية تسمى “العبادة العقلية” والصلاة في القلب تدعى “صلاة النوس.

د. إستثناءات

14) لا داعي للقول أن المواقف التالية لا مكان لها في السياق السابق:

أ – بأن البشرية ورثت خطيئة آدم وحواء وبالتالي هي تستحق الدينونة الأبدية.

ب – إن الله اختار البعض من اولئك المذنبين ليخلصوا بدون استحقاق شخصي.

ج – إن المسيح مات على الصليب فقط من أجلهم.

د – إن المسيح يحب فقط اولئك الخطأة المتجهين إلى النعيم.

ه – أنه كان على المسيح أن يصلب ليصالح الله مع البشر.

15) عبارة “من أجل ذلك” في رومية 5 :12 لها تاريخ مستمر وغير منقطع وتظهر في الرسائل البابوية القانونية حتى اليوم. هنا لدينا الشكل المذكر. الكلمة الوحيدة التي قد تشير إليها العبارة هي الكلمة المذكر موت التي تسبقها (طبعاً الكلام عن النص اليوناني). الترجمة الصحيحة هي إذاً “بسبب ذلك الموت أخطأ الجميع”. هنا لا يستعمل بولس الموت كنهاية لحياة الإنسان بل كمرض الإنسان الحي لأنه محروم من مجد الرب وهذا جذر الخطيئة. بكلام آخر “الكل أخطأوا وحرموا من مجد الله”. هذا هو مرض الإنسانية الأساسي الذي يحتاج إلى الشفاء بالتمجيد. ما فعله الفرنكو – لاتين للمسيحية بهذه العبارة “من أجل ذلك” هو بالتالي صاعق مذهل.

16) في كتابة التقرير عن تطور الحوار اللوثري – الأرثوذكسي، في اللقاء السابع في تموز 1993 ، رسمنا بعض خطوط المواضيع الأكثر أهمية للمعالجة بما يتعلق الإعتبارات المسبقة الخلاصية في المجامع المسكونية. بالطبع، الأكثر أهمية هو مماثلة (مطابقة) المسيح مع ملاك الرب في العليقة المحترقة، الخ. هذه المطابقة هي العالقة بين الأرثوذكس والهراطقة في مجادلات المجمعين المسكونين الأول والثاني. يبدو أنه على المرء أن يميز بين آرائه الشخصية حول إن كان الآباء محقون في هذه النقطة أو إن كانوا بالفعل يفعلون هذه المماثلة. كل المجامع المسكونية تعتمد هذه المماثلة. لهذا السبب أشارت الكتابة إلى أن لا اوغسطين ولا أي من أتباعه قبلوا أياً من المجامع المسكونية الرومانية.

17) إشارة أخرى من الإشارات الأكثر أهمية إلى أن الفرنكو – لاتين لم يقبلوا بالحقيقة المجامع المسكونية السبعة هو إضافتهم الفيليوك إلى دستور الإيمان. في خبرة التمجد، يبقى ما هو شخصي (اقنومي) في الثالوث يخص واحد من الأقانيم وما هو مشترك يخص الثلاثة.

ه. قبول المجامع

18) المجامع المحلية والمسكونية مقبولة لأنها تدافع عن طريقة رب المجد في شفاء الشخصية البشرية منذ العهد القديم إلى اليوم. لم تكن الكنيسة مهتمة يوماً بوحدتها كنهاية بحد ذاتها إنما اهتمامها فقط في إطار شفاء المؤمنين بالتطهر – الإستنارة – التمجيد – وعلينا تحديد معنى قبول المجامع المسكونية السبعة في هذا الإطار.

قُدِّمت في اللقاء التحضيري اللوثري-الأرثوذكسي، 5-10 تموز 1994، البندقية-ايطاليا

المسيح في العهد القديم والمجامع المسكونية

المسيح في العهد القديم والمجامع المسكونية

الأب يوحنا رومانيدس

لقد فقد أو رفض أتباع أوغسطين الوجه الأساسي للإفتراضات الضمنية اللاهوتية المختصة بشخص المسيح في كل المجامع المسكونية.وهذا ما يطرح التساؤل حول ما إذا كان هؤلاء يقبلون هذه المجامع فعلاً.

كل الآباء، باستثناء وحيد هو أوغسطين، يشددون على أن يسوع المسيح قبل ميلاده من العذراء والدة الإله، في شخصه الممجد غير المخلوق، رب الصباؤوت، أظهر الله في شخصه لبطاركة وأنبياء العهد القديم. يوافق الأريوسيون والأفنوميون على أن من فعل هذا هو المسيح بشخصه او بأقنومه الذي تواجد قبل خلق الأجيال، ولكنهم يصرّون على أنه خُلق من عدم وبالتالي هو ليس من نفس طبيعة الله الذي هو وحده الله بالطبيعة.

ولكي يبرهن الأريوسيون والأفنوميون رأيهم ناقشوا، كما فعل اليهودي تريفو مع يوستينوس الشهيد، بأن من قال في العليقة المحترقة :أهيه الذي أهيه” (خروج 14:3) (انا هو الذي هو) لم يكن ملاك الرب بل الله نفسه من خلال الكلمة الملاك المخلوق. بالمقابل يشدد الآباء على ان الملاك الكلمة أعلن هذا عن نفسه وليس فقط عن الله، فملاك الرب تكلم بحكم حقه عندما قال لموسى “أنا إله أبيك ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب”(خروج 6:3).

يناقش القديس أثناسيوس في مواجهة الأريوسيين ان اسم “ملاك” ينطبق أحياناً على الكلمة غير المخلوق وأحياناً على ملاك مخلوق. ويركز على أنه ليس هناك أي إمكانية للخلط بين أن يرى الإنسان ملاكاً مخلوقاً أو ان يرى ابن الله غير المخلوق الذي يُدعى أحياناً “ملاك” في العهد القديم. وأيضاً يركز على أن “عندما يُرى الابن يُرى الآب، لأن الابن هو شعاع الآب. وعليه فالآب والابن واحد… واضح جداً أن الله يتكلم من خلال الكلمة وليس من خلال أي أحد آخر… ومن رأى الابن يعرف أنه لم يرَ ملاكاً ولا رأى أعظم من الملائكة وحسب وباختصار لم يرَ خليقة بل رأى الآب نفسه. ومن يسمع الكلمة يعرف أنه يسمع الآب؛ لأن من يغمره الشعاع، يعرف انه مستنير بالشمس” (ضد الأريوسيين،III، 12-14). ويقول القديس أثناسيوس، أن مفتاح العهد القديم هو معرفة أن “الآب لا يعمل شيئاً إلا بواسطة الابن” (المرجع نفسه 12).

هذا يعني ان المسيح هو المركز في العهد القديم لأنه الملاك الما قبل المتجسد، ملاك الرب وملاك المجلس الأعلى، رب المجد ورب الصباؤوت الذي به رأى الأنبياء وسمعوا الله وبواسطته حصلوا على النعمة والمعونة والغفران.

اتفق الأرثوذكس مع الأريوسيين على أن الملاك الكلمة الذي ظهر وأظهر الله للأنبياء هو نفسه الذي أصبح إنساناً ومسيحاً. يجب أن يؤخذ هذا الاتفاق بجدية كاملة على أنه مفتاح لفهم قرارات المجمع الأول والمجامع المسكونية اللاحقة. ومن الضروري إدراك ان الجدل بين الأرثوذكسيين والأريوسيين لم يكن تأملاً بشخص ثانٍ نظري في الثالوث الأقدس يستطيع البعض الإدعاء باستنباط شخصيته من التمعن في المقاطع الإنجيلية بمساعدة الفلسفة اليونانية والروح القدس. لقد كانوا يناقشون خبرة الأنبياء والرسل الروحية، خاصةً موضوع ما إذا كان الشخص الذي ظهر في مجد وأعلن نفسه كصورة لله وأعلن الآب كنموذج أصلي، هو كلمة مخلوق أم لا.

وقد استمر النقاش نفسه الى المجمع المسكوني الثاني لأن الأفنوميين اتخذوا نفس مواقف الأريوسيين في ما يتعلق بظهورات الكلمة الملاك – الذي زعموا انه مخلوق – للأنبياء. بادر القديس باسيليوس الكبير افنوميوس بشيء من فقدان الصبر بالقول: “أيها الملحد، ألن تتوقف عن دعوته بغير الكائن وهو مَن بالحقيقة كائن ومصدر للحياة، وهو من يعطي الكائنات كيانها او عدمه؟ هو الذي استعمل، عندما كلّم عبده موسى، كنيته الخاصة والمناسبة لأبديته، مسمياً نفسه “الذي هو”. لأنه قال “أنا هو الذي هو”. وأحد لن ينكر هذه الأشياء التي قالها شخص الرب، أحد من الذين ليس “حين يقرأ موسى البرقع موضوع على قلبهم” (2 كور 3: 15). لأنه مكتوب، ان ملاك الرب ظهر لموسى في “لهيب نار من وسط عليقة” (خروج 3: 2). وفي حين ان الكتاب يقدّم ملاكاً في الرواية، يتبع صوت الرب: “ثم قال أنا اله أبيك أله ابراهيم” (خروج 3: 6). وبعد ذلك بقليل “أنا هو الذي هو”. إذاً من هو هذا الملاك والرب معاً؟ أليس إذاً هو الذي تعلمنا انه يدعى “رسول الرأي العظيم” (أشعيا 9: 6)”. يلخص القديس باسيليوس ملاحظات القديس أثناسيوس الكبير والآباء الأول حول اللقاء بين الملاك الكلمة ويعقوب، ويعطي صياغة للمبدأ التأويلي نفسه كما نرى لدى أسقف الإسكندرية. “انه واضح للجميع، انه حيثما يدعى الشخص نفسه ملاكاً والله معاً، فالمدعو هو الابن المولود الذي يظهر نفسه للبشر من جيل الى جيل ويعلن ارادة الآب لقديسيه. إذاً يجب أن لا نفتكر بأن الذي سمّى نفسه بإسم “الذي هو” لموسى، هو غير الله الكلمة الذي هو “في البدء مع الله” (يوحنا 1:1-2)”(دحض افنوميوس).

في جوابه على حجج القديس باسيليوس، إدّعى افنوميوس أن الابن هو ملاك “الذي هو”، ولكن ليس “الذي هو” نفسه. هذا الملاك يدعى إلهاً لإظهار تقدمه على كل ما خلقه هو، دون أن يعني هذا أنه هو “الذي هو”. إذاً افنوميوس يدعي أن المرسِل الى موسى كان “الذي هو” نفسه أما المرسَل وهو الذي تكلم كان ملاك “الذي هو” ورب غيره من المخلوقات”. (غريغوريوس النيصصي، ضد افنوميوس 11).

قد تبدو حدة الذهن السفسطية في هذه الحجة غريبة ولكنها مهمة للشهادة على حقيقة التطابق بين الملاك المدعو الله في العهد القديم والمسيح الابن الوحيد المولود من الله والخالق. وهذا التطابق كان راسخاً في التقليد بشكل لم يستطع الأفنوميون التفكير بالتخلي عنه كما أراد اوغسطين أن يفعل في افريقيا الشمالية بالرغم من أن معلمه (أمبروسيوس) وكل الآباء الغربيين وافقوا مع هذا التقليد.

لم يستطع القديس باسيليوس الرد على أفنوميوس لأنه توفي ولكن أخاه غريغوريوس كتب إثني عشر كتاباً ضد أفنوميوس وناقشها مع القديس جيروم خلال المجمع المسكوني الثاني عام 381. ويعالج القديس غريغوريوس من بين جملة أمور أن “إذا كان موسى صلى أن لا يقود الشعب ملاك إنما السيد (خروج 15:33، 9:34) [(هوذا ملاكي يسير أمامك (خروج 34:32) وأنا أرسل أمامك ملاكاً (خروج 2:33)] وإن كان الرب هو مَن يناقش موسى ليكون مرافقاً له وقائداً للجيش (خروج 33: 2و17) فيظهر جلياً أن الذي عرّف عن نفسه بصفة “الذي هو” هو الله المولود الوحيد. وإذا أنكر أحد ما هذا فهو يظهر نفسه مؤيداً للمذهب اليهودي في عدم الربط بين الإبن وتحرر الشعب. لأنه إن لم يكن الملاك هو الذي تقدم الشعب وإن لم يكن الإبن هو الذي أظهر نفسه بإسم “الذي هو”، كما يقول أفنوميوس، فنبلغ الى نقل عقائد المجمع (synagogue) الى كنيسة الله. وعليه فيجب تبني أحد الإحتمالين، إما أن الابن لم يظهر لموسى أبداً، أو ان الابن هو نفسه “الذي هو” ومنه أتت الكلمة لعبده. ولكن أفنوميوس يخالف ماسبق قوله متذرعاً بالكتاب نفسه (خروج 2:3) حيث يقرأ أن صوت ملاك تدخّل وبهذا بدأت محادثة “الذي هو”. وهذا في كل الأحوال ليس معارضة بل تأكيداً لنظرتنا. وأيضاً قال ان النبي، لكي يظهر للناس سر المسيح، سمّاه “الذي هو” و”الملاك”،ولا يمكن أن تعني هذه الكلمات الآب كما لو انه لم يستعمل إلا “الذي هو” في المناقشة” (ضد افنوميوس، XI، 3).

يجب أن تكون المقاطع المأخوذة من الآباء، أعمدة المجمعين المسكونيين الأول والثاني، دلالات كافية على أن آباء المجمع كانوا يرون تشابهاً بين عقيدة الثالوث القدوس وظهورات المسيح الكلمة LOGOS بدون جسد للأنبياء وبطبيعته البشرية للرسل. ما من أحد في التقليد، باستثناء اوغسطين، أنكر تماثل الكلمة، في شخصه المجرد الذي أظهر اله العهد القديم غير المنظور للأنبياء، والذي أصبح انساناً واستمر في إظهار مجد الله في ومن خلال طبيعته البشرية التي أخذها من العذراء.

لم يختلف الأرثوذكسيون مع الأريوسيين والأفنوميين على من هو الكلمة في العهدين القديم والجديد بل على ما هو الكلمة وما هي علاقته بالله الآب. لقد اعتبر الأرثوذكسيون دائماً ان الكلمة ليس مخلوقاً ولا متغيراً وموجوداً دائماً من جوهر (325) و أقنوم (381) الآب الذي بطبيعته هو مبدأ وجود الإبن منذ الأزل قبل الأجيال. الأريوسيون والأفنوميون أصروا على أن هذا الملاك-الكلمة (ملاك وكلمة في آنٍ) هو مخلوق متغير يستمد وحوده الأزلي من العدم وليس مخلوقاً من طبيعة الله بل من إرادته.

إذاً السؤال الأساسي كان: هل ما رآه الأنبياء والرسل في مجد الله غير المخلوق (الأرثوذكس والأريوسيون) او القوى المخلوقة (الأفنوميون) هو كلمة مخلوق أم غير مخلوق؟ هذا الكلمة هو الله بالطبيعة وبالتالي لديه كل قوى الله بالطبيعة؟ أم هم رأوا الهاً بالنعمة لديه بعض وليس كل قوى الآب وبالتالي هو يملكها بالنعمة فقط وليس بالطبيعة؟ لقد توافق الأرثوذكس مع الأريوسيين والأفنوميين على أنه إن كان الكلمة يملك كل قوى الآب بالطبيعة إذاً هو غير مخلوق وإلا فهو مخلوق.

فالسؤال المطروح كان خبرات الإعلان او التمجيد او التأله التي أعطاها الله بروحه بواسطة كلمته الملاك المسيح للأنبياء والرسل والقديسين. هذه الخبرات في حياة القديسين مسجلة أولاً في الكتاب المقدس وأيضاً في دستور العنصرة ما بعد الإنجيل وفي جسد المسيح: الكنيسة. إذاً يعود الطرفان الى آباء كل الأجيال بسيرهم المسجلة ابتداءً بالتكوين وصولاً الى أيامهم. لم يستطيعوا التوافق على مصداقية authority شهادات زمانهم العهد القديم والعهد الجديد شكلا أرضية مشتركة للمناقشة إضافة الى التقليد الآبائي الأول.

إذاً الأرثوذكس والهراطقة استعملوا الكتاب المقدس لبرهان ما إذا كان الأنبياء والرسل شاهدوا إلهاً مخلوقاً أم غير مخلوق، او شخص المسيح قبل وبعد تجسده. المناقشة بسيطة إذ كان كل من الطرفين يحضّر لائحة بكل قوى الله المسجلة في الكتاب، والشيء نفسه بالنسبة للملاك الكلمة الابن الوحيد المولود. والمطلوب كان أن تتطابق هذه اللوائح وليس فقط أن تتشابه لأنها إذا تطابقت يكون غير مخلوق إما إذا تشابهت فقط فهو مخلوق. والعملية نفسها طبّقت على الروح القدس.

توافق الفريقان الأرثوذكسي والأريوسي كلياً مع التقليد الموروث من العهد القديم والمشهود له من الرسل والقديسين الذين أظهر الله لهم مجده في ابنه المتجسد. هذا التقليد يقول بأن المخلوقات لا تستطيع أن تعرف جوهر الله غير المخلوق وليس هناك أي تشابه بين غير المخلوق والمخلوق من العدم ex nihilo. إذاَ لكي يبرهن الأريوسيون أن الكلمة مخلوق، اعتبروا انه لا يعرف لا جوهر الآب ولا حتى جوهره هو، وبالتالي هو لا يشبه الله في شيء.الأرثوذكسيون اعتبروا ان الكلمة يعرف جوهر الآب وهو مشابه له في كل شيء، ويملك بالطبيعة كل ما هو في طبيعة الآب ما عدا الأبوة أي أن يكون مبدأ وجود الابن والروح القدس.

ألأرثوذكسيون والأريوسيون كانوا متفقين على ان ما هو الله بنفسه بالطبيعة يختلف عن ما هو او ما يفعل بالمشيئة، ولكنهم اختلفوا بحدة في تطبيق هذا التمييز بين الجوهر الإلهي والإرادة او القوى. وعليه فقد اعتبر الأرثوذكسيون ان الله يسبب وجود الكلمة بالطبيعة ويسبب وجود المخلوقات بالمشيئة، بينما اعتبر الأريوسيون ان الكلمة وكل المخلوقات معه هم نتاج المشيئة الإلهية.

مقابل كل هذه الأسئلة، قال الأفنوميون بإن جوهر الله هو نفسه قوى الله غير المخلوقة، وإن الكلمة هو نتاج قوة الله المخلوقة وإن الروح القدس هو نتاج قوة الكلمة المخلوقة وإن كل ذبيحة[1] species هي نتاج إحدى القوى المخلوقة في الروح القدس. وبحسب أفنوميوس، لو لم تكن كل ذبيحة تملك قواها الشخصية من الروح القدس لكان هناك ذبيحة واحدة مخلوقة وليس أكثر. هنا أفنوميوس يسخر، على طريقته الخاصة، من شهادة الكتاب والآباء حول التمجيد حيث يتشارك كل مخلوق ويشترك كل قديس مع الكلمة الحاضر للجميع من خلال إكثار مجده غير المخلوق المتوفر بالكلية -وليس جزئياً- لكل شخص، فهذا المجد هو لكل شخص وبه كما علّم المسيح (يوحنا 14 :2-23) وأختُبر في العنصرة (أعمال 2 :3-4) والذي يحمل في الكلمة الآب والروح القدس معاً. هذا يعني أنه ليس في الله أية عوالم وأنه لا يغذي بخبز القربان وخمره فقط بل بكل أجزاء الوجود وأشكاله المتعددة. وعليه لا يضّحي المسيح بأي شخص من أجل منفعة مشتركة ولكن في الوقت نفسه، المنفعة المشتركة هي خير لكل شخص بمفرده. وهكذا تكون عودة المسيح الى تلاميذه بروح المجد في العنصرة نتيجة لسر صعود المسيح بمجده الشخصي، وهو الآن موجود بالكلية لجميع وفي جميع الذين هم في حالات الإستنارة والتمجيد (theosis). لهذا السبب، كل من يتناول من جسد ودم المسيح في الإفخارستيا، لا يحصل على جزء من المسيح وحسب بل على كامل طبيعته البشرية التي لا تزال تجدد نفسها، منذ العنصرة، في كل عضو من جسده (الكنيسة) بشكل غير قابل للإنقسام.إذاً بالمشاركة في خبز الإفخارستيا الواحد وبالكأس الواحدة، يحصل كل عضو على المسيح بكامله وليس على جزء فقط، ويصير ما هو أصلاً، هيكلاً او مسكناً للآب والروح القدس بواسطة الابن المتجسد، بالمشاركة مع الأعضاء الآخرين في جسد المسيح.

 


[1] الترجمة الحرفية لكلمة species هي خبز القربان وخمره

القدّيسون الأنطاكيّون

القدّيسون الأنطاكيّون

* القداسة في الكنيسة الأرثوذكسية، هي الهاجس وهي المآل. إرادة الله قداستكم كما قيل. والقداسة هي الخلاص. ما معنى القداسة؟ مَن هو القدّيس؟ وما عن القدّيسين الأنطاكيّين؟ هذا ما نجد الجواب عليه في التالي:

* الله قدّوس. هو الآخر بالكلية الذي لا بلوغ إليه إلاّ به. والقداسة هي الإشتراك في حياة القدّوس بنعمة منه. قطعة الحديد متى أُلقيت في النار اشتركت فيما للنار. صارت والنار واحدة. استحالت ناريّة. ومع ذلك تبقى حديداً. بمثل ذلك، متى اشترك المؤمن بالربّ يسوع في حياة الإله القدّوس صار وإيّاه واحداً. تَنَيرَن. تألّه وصار قدّيساً.

كنيسة المسيح هي كنيسة قدّيسين. لا مكان فيها إلاّ للقدّيسين. ليس القدّيس مَن يصنع العجائب بالضرورة. ليست القداسة خوارق بل حياة جديدة. القدّيس خاطئ أيضاً، مثلي ومثلك. وجلّ جلال مَن لا يُخطئ. يُخطئ لأنه ضعيف، لأن فيه ثقلاً يدفعه إلى الخطيئة. لكنه إنسان يؤمن بالله ويطلب الله ويعرف الله. يخطئ مرغماً، والخطيئة هي عبادة الذات والتنكّر لله. يطلب الله لذلك يطيعه. يجاهد ضدّ الخطيئة حتى الدم. لذلك هو التائب إلى ربّه أبداً. كلّما أبعدَته الخطيئة عن ربّه عاد إليه بتوبة أحرّ. وبالعودة تُغفر له خطاياه، كما تُنقّي النار الذهب من الخَبَث. وهو باق على هذه الوتيرة إقبالاً وإدباراً إلى أن تتخلّله محبّة الله، حياة الله، نار الله، فيعتصم بالله ولا يعود يُخطئ إليه من بعد. إذ ذاك يتقدّس كلّه بنعمة الله. يصير قدّيساً.

على هذا كان طبيعياً أن تذخر الكنيسة الأرثوذكسية في أنطاكية بالقدّيسين. هؤلاء نعرف قلّة منهم. وكلّهم عند ربّه مستبان. أما الذين تداول التراث الكنسي أسماءهم، جيلاً بعد جيل، فإن هم سوى عيّنة لاحظها المؤمنون وأثّرت في وجدانهم فأبرزوها، فيما يُسمّى بـ “إعلان القداسة”، وضمّنوها سنتهم الكنسيّة وأعيادهم، واتّخذوها قدوة ومعيناً وشفيعاً.

وعلى امتداد التاريخ الكنسي في هذه الديار لم تخلُ بقعة ولا زمان من القداسة والقدّيسين. عندنا أنه حيثما نضب معين القداسة كفّت الكنيسة عن أن تكون.

منذ القرن المسيحي الأول وسيل القدّيسين لا يتوقّف. المسيحيّون دُعوا كذلك أولاً في أنطاكية. بعض مَن ورد ذكره في أسفار العهد الجديد كان أنطاكياً – بالمدى الجغرافي الذي عرفته أنطاكية عبر التاريخ – نظير بولس الرسول ولوقا الإنجيلي وحنانيا الدمشقي. الأرض المقدّسة، في كل حال، إلى القرن الخامس الميلادي، كانت امتداداً أنطاكياً. في القرن الثاني الميلادي أسماء بارزة كانت من هنا كأغناطيوس الأنطاكي المستشهد سنة 117م. هذا في الوطن. وفي المهجر أيضاً كانت للأنطاكيين، منذ وقت مبكّر، شهادتهم. أنيقيتوس الشهيد، أسقف رومية الحادي عشر المتوفّى سنة ~ 161 م، كان حمصياً. إيريناوس الليّوني في بلاد الغال (فرنسا) كان من هذه الديار. والأسماء تتتالى. بعضهم سطع نوره في أرجاء المسكونة كبابيلا مؤدّب الملوك وملاتيوس الأنطاكي ويوحنا الذهبي الفم وأفرام وإسحق السوريين ومارون الناسك القورشي وسمعان العمودي ومكسيموس الجولاني المعترف ويوحنا الدمشقي. كان منهم الرسول والنبي والمعترف والشهيد والمعادل الرسل والأسقف والناسك والطبيب والعادم الفضّة الصانع العجائب والمرنّم والمتباله والكاهن والشمّاس والعذراء والأرملة والولد والرضيع.

الكنيسة الكرجية، أي الجيورجية، تلمذها، في القرن السادس الميلادي، ثلاثة عشر راهباً سورياً. مشرِّع الكنيسة الأنكليكانية، القدّيس ثيودوروس كانتربري، في القرن السابع، كان من طرسوس الكيليكية. أوّل متروبوليت على كييف وسائر الروسية في القرن العاشر كان القدّيس ميخائيل السوري. أحد الذين أعادوا الحياة النسكية إلى إيطاليا في القرن السادس للميلاد كان إسحق السوري السبولاتي.

وسيل القدّيسين الأنطاكيين في زمن المسلمين لم يتوقّف البتّة. بات أغزر لأن أزمنة الضيق تجعل التوق إلى القداسة أحرّ. ثباتهم واستمرارهم كان هو البرهان. أما حفظ التواريخ والسجلات فأضحى صعباً، وأحياناً متعذّراً. مطالعة المخطوطات والوثائق القديمة المتبقّية تُبرز أسماء عدّة غابت عن التداول ردحاً من الزمان. من الأسماء المستعادة اليوم بطرس الحوراني المستشهد في زمن الأمويين (+715م)، والشهيد أنطونيوس القريشي والشهيد إيليا البعلبكي والبار تيموثاوس العمودي في زمن العبّاسيّين. في زمن الحمدانيين، في حلب، عندنا مثلاً البطريرك الشهيد خريستوفوروس الأنطاكي (+967م)، صديق سيف الدولة الحمداني. وفي زمن المماليك، هناك أمثال الشهيد رزق الله بن نبع الدمشقي الطرابلسي والشهيد يعقوب الحمصي. وفي زمن العثمانيّين كثرة قضت كالشهيد جرجس الأسود الدمشقي والشهيد داود الحلبي (+1660م). ثم آخر قدّيس جرى إعلان قداسته عندنا، منذ عهد قريب، كان القدّيس الشهيد يوسف الدمشقي الذي قضى في أحداث 1860م. وهناك عدد من الأبرار، في الوقت الحاضر، ينتظر إعلان قداسته متى استُكملت الإجراءات المجمعية اللازمة. مثل هؤلاء البطريرك غريغوريوس الرابع حدّاد والشهيدان نقولا وحبيب خشّه والشهيد جبرائيل نصير والشهيد في الكهنة سليمان الأنطاكي. هؤلاء وسواهم مجّدوا الله بين القرنين التاسع عشر والعشرين.

وكما تنتشر القداسة في زمن أنطاكية الكنيسة تنتشر في كل موضع فيها. مراجعة جداول القدّيسين تزوِّدنا بأسماء تنتمي إلى الكثير من المناطق التي نعرف. دونكم مثلاً بربارة البعلبكية ولاونديوس الطرابلسي وبمفيلوس البيروتي وأكّلينا الجبيلية ودوروثاوس الصوري وثلالاوس جبل لبنان الصانع العجائب (القرن 3) وزنوبيوس الصيداني. وما يقال عن المناطق اللبنانية يقال أيضاً عن المناطق الأخرى في سوريا وسائر أنطاكية.

زبدة القول إن رائحة القداسة عالقة في هذه الأرجاء، منذ البدء. في أوائل الستينات كان أحد القدّيسين الأحياء مسافراً بالطائرة فارتجّت نفسه فسأل: أين نحن؟ فأجابوه: “فوق سوريا ولبنان!” فقال: هذه الديار ملأى برفات القدّيسين!

الأرشمندريت توما (بيطار)

دير مار يوحنا – دوما

تشرين الأول 2003