الشهيد في الكهنة نقولا خشّه1 2 آب 1917

الشهيد في الكهنة نقولا خشّه1

2 آب 1917

ولد نقولا خشّه في مدينة دمشق في 31 آب سنة 1856م من أبوين تقيين هما يوسف خشّه ومريم مقبعة.

تلقّى العلم في المدرسة الآسية البطريركية.

انضم الى الجمعية الأرثوذكسية الوطنية الساعية الى تعريب الكرسي الأنطاكي فكان أحد أبرز العاملين فيها. وقد عانى، من جرّاء ذلك، السجن والمضايقة والملاحقة.

تعاطى تجارة الحرير. ولما عطلت مطاردة البوليس له، في دمشق، عمله انتقل الى مصر ولازمها ثمانية أشهر.

إثر انتخاب السيد ملاتيوس الدوماني بطريركاً سنة 1899م اتجهت أنظار رعية دمشق صوب نقولا خشّه فسيم شماساً لها في 25 آذار سنة 1900 وكاهناً، بعد ما يزيد قليلاً على الشهرين، في 3 حزيران.

نطاق خدمته

خدم الخوري نقولا رعية دمشق “بكل ما أوتي من همّة وحكمة واختبار”2.

أدار جمعية القدّيس يوحنا الدمشقي مدة طويلة واهتم بمدرستها الليلية والنهارية في القصّاع وكذلك بغرف المطالعة التابعة لها. يذكر أنه كانت للجمعية يومذاك مكتبة خاصة تذخر بالمخطوطات القيّمة والمطبوعات الفريدة في شتى اللغات3.

جعله البطريرك ملاتيوس ملاحقاً لأعمال البطريركية في الدوائر الرسمية، ووكيلاً عنه خلال زيارته التفقدية لبعض نواحي وأبرشيات الكرسي الأنطاكي كزحلة وبيروت وجبل لبنان واللاذقية وأنطاكية والاسكندرونة.

تولّى وكالة دير صيدنايا البطريركي مدة من الزمن وتعب في ضبط حساباته وتحسين أوقافه.

اعتاد البطريرك ملاتيوس إيفاده لمعالجة إشكالات وأزمات رعائية مختلفة كانت تطرأ، بين الحين والآخر، في بقاع شتى من أرجاء الكرسي الأنطاكي كحلب وحاصبيا ودير عطية ويبرود. الخوري نقولا، في هذا الإطار، كان “محبوباً جداً، حائزاً على اعتبار عظيم وفضّاضاً للمشاكل”2.

سنة 1908، أوفده البطريرك غريغوريوس الرابع وكيلاً بطريركياً عنه في أبرشية كيليكيا بعد استعفاء المثلث الرحمات السيد الكسندروس طحّان.

كان للخوري نقولا في مرسين دور بارز في تهدئة الخواطر والدفاع عن مصالح بعض الطوائف المسيحية، غير الأرثوذكسية، إثر المذابح التي وقعت في الولاية.

سعى الخوري نقولا، في مرسين، لإصلاح الأوقاف وكنيسة رؤساء الملائكة. كما أعاد فتح مدرستين فيها، احداها للصبيان والأخرى للبنات. اهتمّ بإنشاء جمعية لمساعدة الفقراء وأخرى للعناية بمدرسة البنات. كما عزّز المجلس الملّي. وكانت له حظوة لدى متصرف مرسين لاستقامته وغيرته ودماثته.

ولما وقعت الحرب العالمية الأولى كان له دوره في احتضان العائلات المحتاجة والتوسط لأجل المظلومين وتسهيل أمور الرعية لدى السلطات الرسمية.

مناقبه وفضائله

هكذا وصفه ولده، الشهيد في الكهنة حبيب4. قال: “كان رحمه الله كريم الأخلاق مضيافاً بشوشاً ذا إرادة حديدية وحكمة وثبات وانعطاف على المظلوم. من فطرته تضحية كل ما كان بإمكانه لمساعدة الضعيف من أي مذهب وجنس. ولا ينسى لطفه وعنايته وجهاء بيروت والشام الذين كانوا مدة الحرب منفيين في مرسين. وكان لا يهاب ملامة ولا يهمه حظوة في سبيل الحق. واكليروس الكرسي الأنطاكي كلهم يعرفونه حق المعرفة وكانوا يحترمون آراءه ونفوذه وإخلاصه ويقدّرون خدماته. غيوراً على الدين والعلم، كثير المطالعة، كثير الاختلاط بجميع طبقات الناس. ينال مراده بأحسن أسلوب. يصلح بين فريقين وينال محبة كليهما. يعرف كيف يتصرّف مع كل إنسان حسب مداركه ومقامه. وكان ذا نفوذ ومنزلة كبرى عند أولي الأمر وأصحاب الجاه والمراكز الرفيعة، يعرف كيف يعاملهم وينجز الأشغال المتعلقة بهم. وبالإجمال كان رجلاً اجتماعياً وخادماً للشعب بكل معنى الكلمة” (حبيب خشّه، ذكرى شهيد، 1920، ص7).

وكان الخوري نقولا الى ذلك، خطيباً جريئاً وواعظاً مفوّهاً. وقد بقيت رعية دمشق تذكر مواعظه المرتجلة في الكنيسة المريمية، بعد استشهاده بزمان. قال عنه السيّد أثناسيوس عطا الله، مطران حمص وتوابعها بعد استشهاده: ” أذكر طلاقة لسانه واسترساله في الوعظ والتفسير مما يذكرنا بالذهبي الفم”5.

استشهاده

جاء في خبر استشهاد الخوري نقولا أن رجلاً من أهل مرسين اسمه جرجي، من أبناء الرعية الأرثوذكسية فيها، اضطرته الفاقة والعوز الى الانتقال الى جزيرة قبرص. وهناك اتصل بالقنصل الإنكليزي في مرسين، المدعو الخواجا أبيلا، فكلّفه هذا الأخير بنقل رسائل الى عدد من الأشخاص المعروفين في مرسين لقاء مبلغ من المال. حمل جرجي الرسائل وعاد بها الى بلده. ولكن قبل أن يعمل على توزيعها على أصحابها خطر بباله أن يستشير الخوري نقولا، فلما عرض عليه الأمر وبّخه ومنعه من تنفيذ مهمّته، ثم أخذ الرسائل منه وأتلفها وكتم خبرها. لكن جرجي ما لبث، حباً بالمال، أن تحرّك باتجاه قبرص من جديد فألقى الأتراك القبض عليه. ولما أخضعه القومندان بهاء الدين، المشهور بعدائه للمسيحيين، للتعذيب اعترف أنه اتصل بالخوري نقولا. فجيء بالخوري وبعدد من وجهاء الطائفة وسلّموا للتحقيق. غرض بهاء الدين، منذ البداية، كان انتزاع اعتراف المقبوض عليهم باعتبارهم متّهمين بالعمالة لا فرق أأبرياء كانوا أم مذنبين. يقول أحد الرواة أن القومندان كان يصدر الى هيئة التحقيق “الأمر تلو الأمر بأن تنزل في المتهمين أفظع ما يمكن أن يخترعه العقل البشري من وسائل التعذيب ليجيء قرارهم على ما يوافق رغبته الخبيثة من وقوع التهمة على الأبرياء بجرم خيانة الوطن والتمتّع بلذّة الانتقام”6. وبعد أن ضاقت بأكثر المتهمين فسحة تحمّل فنون التعذيب وقّعوا مرغمين على اعتراف بالعمالة والخيانة. أما الخوري نقولا فلم يثنه عن عزمه لا جوع ولا ألم ولم يبال بالسياط ولا بقلع الأظافر وتكسير الأضلاع. احتمل بمنتهى الجلد فظاظة حارس ضخم قضى الليل بطوله يرتمي بجثته الضخمة على الصدر النحيف للخوري نقولا. لم ينبس ببنت شفة ولا ذكر أياً من أسماء الذين كانت الرسائل موجّهة اليهم لئلا يعرّض أحداً منهم للأذى. عزاؤه في عذابه كان بتلاوة فصول من الكتاب المقدّس. ولم يزل الجلاّدون يشبعون الخوري نقولا ضرباً وتهشيماً حتى حطّموا جمجمته فقضى نحبه شهيداً للمسيح، غيوراً على ما لله وما لشعب الله. كان ذلك في الثاني من شهر آب من السنة الميلادية 1917.

شهادات أهل زمانه فيه7

*          في رسالة للبطريرك غريغوريوس الرابع وجّهها، في 17 تشرين الثاني سنة 1918، الى عائلة الشهيد في مصر، جاء ما يلي: “تمسّك بالأمانة واستودع نفسه بيد خالقه متيقناً أنه ينال إكليل الحياة في مجد القدّيسين الأبدي” (ص14).

*          وقال عنه السيّد أثناسيوس عطا الله، مطران حمص وتوابعها: “لا تمر في مخيّلتي صورة الشهيد في الكهنة المثلث الرحمات الخوري نقولا خشّه حتى أذكر لأول وهلة وقفة العبد الصالح الأمين الذي أحسن الجهاد في مدة تجنّده وهو ينتظر كلمة مولاه الأخيرة… هنالك في تلك الساعة الرهيبة… تبرز تلك الكلمة العذبة… معلنة أن العدل الإلهي قد قدر له خدماته حق قدرها وهو يكافئه عما فعل…” (ص14).

*          وقال عنه السيد جراسيموس مسرّة، مطران بيروت وتوابعها: “… عرفناه عامياً فإكليريكياً وكان في كلتا الحالتين مثال البر والصلاح وقدوة في السيرة الفاضلة ونموذجاً في الأعمال الحسنة وأباً حقيقيا لأولاده الروحيين… قضى نحبه تحت أشد الظلم… فكان موته موت استشهاد يذكره أبناء الكنيسة بالمديح ويكتبه له الباري في صحيفة الأبناء المخلصين في سفر الحياة…” (ص16).

*          وقال عنه السيد الكسندروس طحّان، مطران طرابلس وتوابعها: “…في عصر تهافت فيه الناس على اختراع أساليب الحيلة للنجاة من الموت… نرى صورة مخشعة تتجلى فيها أمامنا نفس الخوري نقولا خشّه تجود بجسدها الخائر القوى من تعذيب المعذّبين وقلة القوت لتخلص آخرين. هذه صورة… لامعة للصورة العظيمة التي رآها العالم يوماً ما في الجلجلة يوم صلب فادي العالم لخلاص البشر… سأذكر اسمك مثالاً للرعاة الأمناء على رعيّتهم وأورد ذكرك وعملك كلما ذكرت خدمتك في مرسين البلد الذي خدمت نفوس رعيتك فيه خدمة الأمين ومتّ من أجلهم موت الأبطال لتخلص الغير” (ص 16 – 17).

*          وقد رثاه السيد ايليا ديب مطران صور وصيدا وتوابعهما بقصيدة طويلة هذا بعض أبياتها (ص 21 – 22):

سديد الرأي مقداماً جريئاً
شديد الحزم بين العاملينا

رشيداً في مناحيه مفيداً
مجيداً في مآتيه رصينا

فكم جبرت عنايته كسيراً
وكم عزّت مواعظه حزينا

وكم آوت بشاشته غريباً
وكم شملت رعايته سجينا

وكم أحيا ليالي ساهرات
ليجلي عن ذوي البؤس الشجونا

ولست مبالغاً في وصف خلّ
أقرت بأنس طلعته العيونا

بأبناء الكنيسة هام حباً
لذا في عشقه هام البنونا

فأعلاه الفضا منه سناما
وأركبه الهوا منه متونا

وتوّجه العلي بتاج فخر
وكلّل بالسنا منه الجبينا

وألبسه فضائله رداء
منيراً أسوة بالنيّرينا

وها هو يسمع التبريك منهم
وينشد مع صفوف المنشدينا

*          وقال عنه السيد روفائيل نمر، مطران حلب واسكندرونة وتوابعهما: “… كان ممن تاجروا بوزناتهم فربحت أضعافاً… مات شهيداً بيد الجور والظلم يكلله الوفاء… فذكّرتنا أعماله… بجهاد الشهداء والأبرار…” (ص23).

*          ومن قصيدة رثاه بها الخوري برناردس نحاس مدبّر الرهبنة الباسيلية الحلبية (الملكية الكاثوليكية) نقتطف الأبيات التالية (ص 24 – 25):

اذا قدّر الرحمن موت امرىء فما
لنا غير إذعان لرب البريّة

ولكن من لم يجن يوماً جناية
فكيف به إن مات أصعب ميتة

كمن قد مضى والنور كلّل رأسه
وسار به جند العلاء بغبطة

هو الأب نيقولا الذي عمّ ما جرى
به من ضروب الجور كل البسيطة

لقد عاش وألا للعفاة وقد قضى
شهيداً حميد الذكر سامي الفضيلة

سقى الله أرضاً حل فيها رفاته
سحاب الرضا والعفو عن كل هفوة

*          وكتبت عنه السيدة روزا توفيق اسكندر من هليوبوليس في مصر تقول: “…طوباكم يا أبانا الحنون لصبركم على ما قاسيتموه. طوبى لغيرتكم وحكمتكم وتفانيكم… طوبى لرأفتكم بالقاصر والفقير… ان ذكركم الكريم… في سبيل مساعدة الضعيف لا تمحوه الأيّام من قلب كل من عرفكم” (ص26).

*          وكتب فيه من القاهرة سيرافيم أفندي كسّاب الذي عرفه قبل استشهاده بسنوات في دمشق، فقال: “… عرفته نقيّاً تقيّاً غير متعصب ورعاً عاملاً مخلصاً سباقاً الى المكرمات واعظاً مؤثراً وخطيباً متدفّق اللسان عذب المنطق ظريف العشرة بشوش الوجه ولكنه عصبي المزاج… فكان يقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت غير هيّاب ولا وجل… أما حياته البيتية فكانت مثالاً يحتذى… فهل… توحي الى نفوسنا… وضع مثالك أمام عيوننا حتى نقوى على اجتياز هذه المخاضة الملأى بالأخطار؟!… ولربما كلامك غير الملفوظ بكلمات يسمع أوقع في النفوس من كلامك المسموع!…” (ص 29 – 30).

*        ورثاه عيسى اسكندر المعلوف بأبيات منها (ص 30 – 31):

“يعز عليّ أن تقضي شهيداً
وفي مرسين عن وطن بعيدا

وأن يجنى عليك بغير ذنب
وقد أحموا لمقتلك الحديدا

فذقت الموت ألواناً بصبر
عجيب قد أراك الموت عيدا

نظيرك معشر الأبرار كانوا
وقد سفكوا دماءهم صديدا

فنلت منالهم إكليل مجد
وكنت بجنّة الأخرى سعيدا “

كما رثاه نجيب اللاذقاني من بيروت بأبيات منها (ص32):

” أبعدوا الخوري نقولا عنوة
وجنود خانة تتبعه

ضربوه بعصي بعد أن
أثخنوه ووهت أضلعه

قتلوه صابراً مستسلماً
للردى والموت لا يفزعه

وأذاعوا أنه قد مات من
علّة قلبية توجعه

أيها الكاهن طوباك فقد
نلت إكليلا سما موضعه “

*          وتحدثت جريدة الحوادث بطرابلس الشام (عدد 343، تاريخ 22 تموز سنة 1919) عن الخوري الشهيد نقولا خشّه فاعتبرته “ذلك الذبيح الذي آثر الموت على خرق حرمة الواجب… في سبيل افتداء المئات من أبنائه”. ولاحظت أن “أعظم دليل على فضل هذا الكاهن الشهيد إجماع الكل على محبته وتقدير فضله”. ثم خاطبته بقولها: “لقد عشت عيشة العاملين الأبرار ومتّ ميتة الشهداء الأخيار فذكر هذه الشهادة لا يمحوه كرور الأدهار” (ص 33 – 34).

*          وفي رسالة كتبها المعلم حنا ياسمين في مرسين جاء ما يلي: “… رأيته وكنت بمعيّته أيام حصول المذبحة بولاية اطنه فكان يطوف ليل نهار في شوارع مرسين مسكّناً قلق الأهالي. ولقد دعاني أن أطوف معه أكثر من مرة في الليل لهذا الغرض… كان يحسن لكل إنسان لا فرق عنده من أي ملّة كان… كان ليّن الجانب… يقابل الكبير والصغير بالإحترام وبتواضع… كان كل من رآه يحبّه… وكثيراً ما كنت أصحبه لقضاء بعض الأشغال فأعجز من كثرة وقوفه بالطريق مع من يصادفهم من الأهالي… كان إنساناً بكل معنى الكلمة…” (ص 36 – 37).

*          وكتبت “فتاة مرسين” التي كانت تلميذة في المدرسة التي انشأها الخوري نقولا هناك، أقول كتبت مقالاً بعنوان “مات من ذكره لن يموت”، جاء فيه: “مات كما لا يموت سواه… وهو يتمّم الصلاة من أجل خلاص شعبه والوطن… قدّم روحه فداء عن الغير… كان لمرسين راعياً أميناً… أتى مرسين رجل الله الحقيقي… كنت أجده وراء مكتبه يكتب حتى الغروب واصلاً ليله مع نهاره حارقاً نفسه كالشمعة كي يضيء طريق الظلمة… له همّة لا تعرف الملل وحكمة نادرة… أب حنون للفقير وأخ مخلص للغني… يرشده ويذكّره دوماً بأخيه البائس المسكين… هو رب الخطابة وأمير من أمراء المنابر… أب مجاهد يعزّ وجود من يماثله… أما ذكرك فسيبقى خالداً على مدى الأيّام” (ص 38-40).

*          وظهر في “مرآة الغرب” بنيويورك، (عدد الأربعاء في 8 كانون الثاني سنة 1919) مقال كتبته إحدى خريجات المدرسة في مرسين. مما جاء فيه انه “أب ساهر على خير رعيته سهر الأم على طفلها. وهو المحامي عن الطائفة كلها والشبان خصوصاً من اعتداء الحكومة. فكم وكم من مرة حماهم في منزله متحملاً المسؤولية وذهب يدافع عنهم دفاع الأسد في دار حكومة الظلم مخاطراً بنفسه فلا يعود الا وإكليل النصر معقود فوق رأسه بفضل جرأته الأدبية وبراعته المشهورة وحماية روسيا… اني أشعر بعجزي وقصوري عن تدوين مآثره الغرّاء لكن صوت ضميري أبى أن يسكت عن مصدر الفضل…” (ص 42 – 44).

*          وفي قداس لراحة نفسه أقيم له في الكاتدرائية السورية الأرثوذكسية في بروكلين ترأسه الأسقف أفتيميوس وإكليروسه، أبّنه المتقدم في الكهنة باسيليوس خرباوي فوصف ما لاقاه رجال الكنيسة المسيحية من قديم الزمن من الاضطهادات وقال ان قتل الخوري نقولا ليس الا من تلك الاضطهادات فلذلك هو أحد الشهداء الذين تقوم على ثباتهم في الإيمان والوطنية أسس المبادىء. وقد وزع رسم الشهيد على المصلّين لدى خروجهم من الكنيسة (نقلاً عن جريدة السائح بنيويورك عدد 27ك2 سنة 1919). (ذكرى شهيد. ص 45).

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ــــــــــ

(1)      ان المعلومات التي أوردناها في هذه السيرة استعرناها، بصورة أساسية، من كتيّب للخوري الشهيد حبيب خشّه، ابن الخوري نقولا، وضعه وطبعه في مطبعة الهلال بمصر سنة 1920. وقد جمع الخوري حبيب، في هذا الكتيّب، ما تمكّن من جمعه، آنذاك، من رسائل ومقالات وأخبار، في الوطن والمهجر، تناولت استشهاد أبيه. دونك عنوان الكتيّب: ذكرى شهيد ” مراثي قيلت في شهيد الكنيسة والوطن المثلّث الرحمات الخوري نقولا خشّه الدمشقي”. مصر: مطبعة الهلال، 1920 .

الى هذا استعنّا بورقة مخطوطة وضعها جوزيف زيتون، أمين الوثائق البطريركية بدمشق في 14/12/1992، واعتمد فيها على عدد من مصادر البحث نجد من المفيد ذكرها للقرّاء:

أ –      الوثائق البطريركية (أبرشية دمشق، مرسين)

ب-      السجلاّت البطريركية. مسوّدة سجل القومسيون 1892 – 1894

ج-      حبيب خشّه، شهيد الكنيسة والوطنية

د-       روايات شفهية

هـ-     مشاهدات من رحلة غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع الى أنطاكية والاسكندرونة وكيليكيا (زيارة مرسين) 1992 .

عنوان ورقة جوزيف زيتون هو التالي:

زيتون جوزيف، شهيد الكنيسة والوطنية: الخوري الشهيد نقولا خشّه. مقال مخطوط.

يذكر ان مقالاً بعنوان “الخوري الشهيد نقولا خشة الدمشقي وابنه الخوري الشهيد حبيب خشة” ظهر في زاوية “أعلام أرثوذكسيون” من نشرة البطريركية، عدد تموز، 1994 ص 33 – 45 .

(2)      ذكرى شهيد. ص  5

(3)      شهيد الكنيسة والوطنية. ص1

(4)      ذكرى شهيد. ص7

(5)      المصدر عينه. ص15

(6)      المصدر عينه ص11

(7)      هذه كلها مستعارة من كتيب “ذكرى شهيد”.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

الشهيد داود الحلبي1 ( 28 تموز 1660م )

الشهيد داود الحلبي1

( 28 تموز 1660م )

هكذا ارتسمت صورة داود الحلبي لما دنت ساعة شهادته بدمه للمسيح: رجلاً رومياً أرثوذكسيا، متزوجا2، ذا أربعة أولاد وأم عجوز تعهّدها، غنياً، عامل خراج سابقاً أميناً شهد الناس لاستقامته، حاد الطبع، ثابتاً في قناعته، يقول الحق متى احتدت روحه فيه كائناً ما كان الثمن. لا يحابي الوجوه ولا يأبه لوعيد. وقد كان له من العمر لما قطع الأتراك رأسه خمسون سنة.

فإذ أخذ مكانه في الجباية رجل ظالم حسود أثيم اسمه يوسف، ضاق هذا الأخير بداود ذرعاً لما كان القوم يعيبون عليه سيرته وسوء معاملته لهم وادين لداود ذكراً طيّباً على استقامة في السيرة وحسن في الشميلة دون خلفه. فلما بلغ يوسف من الغيظ أبلغه واشتدت به أفكار السوء، عزم في سرّه على التخلّص من غريمه. فحاك له في نفسه حيلة نكراء من بطون الأبالسة دهاء.

كان يوسف عالماً بكون سلفه حاد الطبع، سريع الغضب، فأوفد اليه وكيله الجوّال برفقة شاهدين اثنين من المسلمين. فما أن التقوه حتى بادره الوكيل بالقول ان عليه ضريبة لم يسدّدها هي ضريبة الطرابيش. لبس الطربوش، يومذاك، كان يخضع للضريبة، والطرابيش على ألوان، وليس مأذوناً للمسيحيين أن يلبسوا منها الا ما تلوّن بالأزرق المخطّط بالأبيض. فاعترض داود مؤكداً أنه سبق له أن سدّد ما عليه. وإذ كان همّ المتحرّشين به إثارته وإخراجه عن طوره، أساؤوا معاملته وضربوه بالقضبان فصعد الدم الى رأسه واغتاظ حتى ذهب الغيظ بصوابه فأمسك طربوشه وطرحه أرضاً وصاح: “ماذا ! أيكون حالي أسوأ من حال الأتراك، ولأني مسيحي تستحلّون اهانتي وتسيؤون اليّ على نحو ما تفعلون؟!” ولكن، تمثّل الوكيل ورفيقاه تهدئة الرجل وتعميمه وانصرفوا وعاد داود الى داره.

فلما بلغ الدار طالعته أنظار أهل بيته في دهشة واستغراب. ماذا على رأسك؟! كان على رأس داود لا طربوشه المعتاد، الأزرق المقلّم، بل طربوش آخر، أخضر اللون محظر لبسه على غير الأتراك المسلمين. وإذ أخذ داود يضرب أخماساً بأسداس لا يدري أفي اليقظة كان أم في المنام، فيما أهل بيته يستسترون الله عاقبة، أخذت أصوات الطبول والمزامير تتردّد في البعيد ثم تعلو وتشتدّ وكأنها تدنو من الدار. ماذا هنالك؟ مرسلون من القاضي أتوا، بهرج ومرج، يهنئون داود على انتقاله الى الإسلام ويكتتبونه ويعدّونه للختان. ألبسوه طربوشاً إسلامياً، على غفلة منه، وأشهدوا عليه اثنين أمام القاضي فحسبه على الإسلام! وإذ فطن الرجل الى الحفرة التي سعى المحتالون الى إيقاعه فيها، هتف: “معاذ الله أن أتترّك، فأنا مسيحي وعلى دين المسيح أموت”. ثم تناول الطربوش التركي وداسه بقدميه والتفت الى المقبلين اليه وقال: “عودوا الى معلّمكم وقولوا له إني لا أستفظع شريعة أكثر مما أستفظع شريعته… والطربوش الذي وضعوه على رأسي، على غفلة مني، قد جعلته تحت قدميّ ودسته على مرأى منكم لتعلموا التصاقي بيسوع المسيح”. فوثب عليه الناس وهم  يقذفونه بالصيحات والشتائم وتطايرت أيديهم وأرجلهم عليه لبطاً ولكماً. ثم قيّدوه في يديه وجرّروه الى “المتسلّم”، ونائب الباشا، فاستجوبه ثم أحاله الى القاضي، فتودّد اليه القاضي وأسبغ عليه من المواعيد أحلاها فلم يلق منه غير الخيبة، فردّه الى “المتسلّم” فلم يشأ أن يلقيه في سجن العاديين بل جعله في السرايا مكبّلاً بالسلاسل والحديد، في مقصورة من مقصورات المحكومين بالإعدام.

أقام داود في السجن شهرين كاملين سعى غرماؤه خلالها الى كسر مقاومته بشتى الطرق فلم يفلحوا. هدّدوه مرّات بما سيؤول اليه حاله وحال أهل بيته. جدّدوا وعودهم لهم بالخير العميم اذا أذعن. أفلقوا رجليه بالقضبان مرّات. ألزموا والدته وزوجته بالوقوف أمامه والبكاء عليه والطلب اليه أن يرضخ ولو في الظاهر ويبقى على مسيحيته في السرّ فلم يستجب لندائهم ولا أخذ بالتماسهم وإن آلمه الحال أشدّ الإيلام، واضطربت نفسه واهتزّ كيانه. لكن الرب الإله شدّده فثبت على الإيمان قويماً.

أخيراً استحضره الباشا وقال له: “ألا اعلم، يا كلب، اني ما زلت بعد رئيفاً بك. أستحلفك بالله العليّ العظيم أن تعترف بشريعة النبي العظيم فإن فعلت أكرمتك ومنحتك كل ما تحتاج اليه لتسعد أنت وأهل بيتك، وإن لم تفعل أزهقت روحك وجعلت الحياة على ابنك أسوأ من الممات”. فأجاب داود انه لم يسبق له أن قبل بدين محمّد ولا نيّة له في قبوله الآن بل هو باق على دين المسيح وهو مستعد لأن يموت من أجله. فعصب الجلاّد عينيه ورفع السيف فوق رأسه، وهوى به عليه، فأصاب كتفه الأيمن، عن قصد، ليرهبه. كلمة واحدة كان بإمكانها أن ترفع السيف عنه فلم يتلفظ بها. ثبت على الأمانة للمسيح! وهوى السيّاف بالسيف ثانية عليه فأصاب كتفه الأيسر فقطع بعضه. وارتفع صوت داود: لست أقبل بغير المسيح ديناً! فهوى السيف ثالثة فقطع رأسه وتمّت شهادته. حدث ذلك في الثامن والعشرين من شهر تموز من السنة الميلادية ألف وستمائة وستين.

في اليوم التالي، التاسع والعشرين من تموز، رأس الخدمة البطريرك مكاريوس ابن الزعيم (1647 – 1672م) بحضور البطريرك السرياني والبطريرك الأرمني وخمسة أساقفة آخرين وأعداد من الكهنة وجموع حاشدة من أهل حلب. كانت الخدمة خدمة الشهيد. وقد واراه الثرى أربعة من الأساقفة، من الروم الأرثوذكس.

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ـــــــــــ

(1)      هذه السيرة استمددناها مما وضعه عنه ايلي ضنّاوي بين أيدينا مشكوراً من أخبار وتقارير الإرساليات الأجنبية وقنصل فرنسا في حلب François Picquet (1652-1662م) في ذلك الحين. أنظر في هذا الشأن:

+  Goyau, Georges, “Le rôle religieux du consul François Picquet dans Alep (I652 – I662)” dans Revue d’Histoire des Missions, Tome XI, I934 P. I6I – I98

+  “L’âge d’or des Missions Latines en Orient (XVIIe – XVIIIe siècles)” dans L’Unité de l’Eglise, 8I (I936) P. 784 – 789.

+  Goyau, Georges, “Un précurseur: François Picquet…”, t.2 Institut Français de Damas, Paris I942, P. I03 – II4.

+  “Briève Relation de la Mission d’Alep en I662”, Archives Nationales, Paris, L. 932 n. 4, P. 450 – 460.

(2)      ولد داود وترعرع وعاش رومياً أرثوذكسياً. ولكن، ذكرت المصادر الأجنبية أن أحد المرسلين الكرمليين، الأب Bruno de St – Yves ، وهو رئيس الكرمليين الحفاة في حلب، تمكّن بهمة القنصل Picquet من الدخول الى الزنزانة التي كان داود محتجزاً فيها واقتنصه الى الكنيسة اللاتينية. كما ذكرت المصادر عينها أن القنصل الفرنسي اشترى جسده بالذهب بعدما جرى قطع رأسه. ولما ووري الثرى كتب على قبره باللاتينية ما ترجمته: “هذا هو داود الذي عاش قبلاً مفصولاً عن الرأس. وهو ملتصق الآن بالرأس بثقة ولو جرى قطع رأسه . فإن موته حياة بعدما كان عائشاً في حال من الموت؛ لأن الحياة من الرأس الأوحد تنساب كما يعلّم الإيمان الأوحد”. وقد ذكر أن وهبة (الله)، ابن الشهيد، انضم الى الكرمليين، فيما بعد، واتخذ اسم David de Saint – Charles ، تيمناً بأبيه، ودرس في روما ومات قاصداً رسولياً وأسقفاً على إزمير.

من المفيد أن نذكر شيئاً عن المرسلين الأجانب ومناخهم الذهني في حلب يومذاك. هؤلاء كانوا من الكرمليين والكبّوشيين واليسوعيين. استقروا، في المدينة، في العشرينات والثلاثينات من القرن السابع عشر. وقد جاؤوا الى البلاد السورية مشبعين بالفكرة البابوية أن من ليس من إيمان بابا رومية وخاضعاً له وفي شركة معه فهو خارج عن الكنيسة. على هذا رمى المرسلون، بكل قصد حسن، الى استعادة من أسموهم “الانفصاليين والهراطقة” معتبرين أنفسهم “ملزمين بتوفير العناية لهم لإعادتهم الى حضن الكنيسة ووضعهم، من جديد، على درب الخلاص”. الانفصاليون، في نظرهم، كانوا الروم، الذين أسموهم “اليونانيون”. أما الهراطقة فكانوا السريان والأرمن والكلدان. قبل وصول القنصل Picquet كان عمل المرسلين محدوداً ومحفوفاً بالمضايقات والمخاطر، كما كان أكثره في الخفاء. فلما جاء Picquet الى حلب، قنصلاً، وفّر لهم الغطاء الأمني والدعم المالي والسياسي حتى بدا عمله في خدمة الإرساليات الأجنبية أبرز بكثير من عمله القنصلي. كل هذا أمّن للإرساليات امتيازات شجعتهم على الخروج من تواريهم وبدّدت مخاوفهم فأضحوا مقدامين جسورين يتحركون بثقة وحريّة دون سائر المسيحيين المحلّيين. في إطار المناخ الجديد، بات همّ المرسلين الإفادة من كل الفرص المتاحة لاختراق الكنائس المحلية. هنا لا بد من الإقرار بأن الغاية، بالنسبة لهؤلاء المرسلين، كانت تبرّر الوسيلة. فقد سعوا، عبر Picquet ومعه، الى كسب الدعاية لأنفسهم، بكل الطرق الممكنة. ولعله من الصعب التفريق بين ما كان لـ Picquet وما كان لهؤلاء المرسلين لأنهم كانوا جميعهم يعملون يداً واحدة وفكراً واحداً. ولا شك أن Picquet كان رجل علاقات عامة من الطراز الرفيع، عرف كيف يستميل الباشا وغيره من الموظفين الأتراك بالهدايا والمال، كما عرف كيف يتقرّب من البطاركة والأساقفة من خلال الموائد والخدمات والمساعدات، وكيف يعكس عن نفسه صورة الرجل الشعبي، من خلال بذل الأموال لإطعام الجياع وفضّ المشاكل.  ولا شك، قبل ذلك كله، أنه كان يعرف جيداً كيف يجيّر كل هذه الخدمات لصالح الإرساليات. من جهة أخرى لم يكن Picquet والمرسلون ليتورّعوا عن التآمر واستغلال النفوذ السياسي لتمرير مخطّطاتهم وضرب السلطات الكنسية المحلية. من ذلك مثلاً اختيار وتنصيب اندراوس Akidzian السرياني المنشق رئيس أساقفة على السريان في حلب، بعد وضع اليد عليه من قبل البطريرك الماروني في دير قنوبين (!) ثم استصدار فرمان من السلطان التركي في اسطنبول يأمر باعتراف الملّة السريانية، في حلب، به تحت طائلة الموت شنقاً. إثر ذلك فرّ البطريرك السرياني من حلب ودخل الكهنة السريان في صراع مع رئيس الأساقفة المزعوم. وقد استمر الصراع الى أن اضطر   Akidzian  الى الخروج من حلب. ولكن حدث، بعد مدة، أن جريمة حصلت في حي السريان ففرض الأتراك على أهل الحي أن يدفعوا مبلغاً من المال عقاباً لهم. وإذ تحيّر القوم في أمرهم ولم يدروا كيف يتدبّرون تدخّل Picquet مستفيداً من الفرصة ودفع المال عنهم، فجاؤوه شاكرين ممتنين فجعل ثمن خدمته لهم أن يخرج الكهنة الذين قاوموا Akidzian للبحث عنه وإعادته رئيس أساقفة أصيلا على حلب (!).

في هذا المناخ الاقتناصي الانتهازي المنحرف تحدثت مصادر الإرساليات، بإكبار(!)، عن انضمام داود الشهيد، الرومي الأرثوذكسي المرتع، الى الكنيسة اللاتينية. ولم ينس اللاحقون أن يلفتوا الى أثر ذلك على الكهنة والناس الذين صاروا يقبلون على المرسلين بغيرة وحماس لم يعهده المرسلون، من قبل، في حلب.

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

الشيخ جرمانوس من دير ستافروفوني – قبرص

الشيخ جرمانوس من دير ستافروفوني – قبرص
نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لمحة موجزة عن الدائم الذكر الشيخ جرمانوس ستافروفوني

ولد الشيخ جرمانوس في قرية أوغورو التابعة لأبرشية أمّوخوستوس (قبرص) سنة ١٩٠٦ من أبوين تقيين هما نقولا ومارغاريت، من عائلة حاجي جيورجي. بسبب قراءته في صباه لسيرة القديس يوحنا الكوخي، اندفع بحماس موطداً العزم ليعيش الحياة الديرية (الرهبانية).
في عمر السادسة عشر دخل دير ستافروفوني مُظهراً حماسة مثالية وطاعة ملفتة كمبتدئ في الرهبنة. تمّت الصلاة عليه ليلبس الإسكيم في عمر الرابعة والعشرين وتغيير اسمه – الذي كان جورج – ليُصبح جرمانوس. رُسم شماساً في السنة اللاحقة. مُنح الإسكيم الكبير في عمر التاسعة والعشرين ورُسم أرشمندريتاً في عمر الثامنة والثلاثين.
لقد أسهمت حكمته الظاهرة ونقاء سيرته وقدراته الإدارية بشكل رئيسي لانتخابه رئيساً للدير سنة ۱۹۵۲ حين رقد الشيخ ذيونيسيوس الثاني الدائم الذكر. كان قدوة في رئاسته للدير: أولاً في براءته، في تسامحه، في حلمه، في صبره، في خدمته، في كدِّه، في هدوئه، ومشاركته في الخدم المقدّسة. لقد كدّ كثيراً لأن يزرع في نفسه الصلاة غير المنقطعة.
كان التواضع بضمير حي واحدة من فضائله الرئيسية. لقد تجنّب أي إسقاط من قلبه تجاه العالم الخارجي، وأيضاً تجاه الناس الذين من حوله. لقد جاهد لإخفاء فضائله بكل ما أُعطيَ من قوّة. لذلك، وكقاعدة عامة، استطاع القليلون تمييز الكنز الخفي المستور في هيئته الجلية. كانت صلاته غير المنقطعة مع دموع، ووقفته الملائكيّة أمام هيكل الله المرهوب خلال القداس الإلهي، والمثال الفريد والمميز الذي هو حياته، كل ذلك أعلن عن إثمار روحي غني، ليس فقط في ديره، بل في الأديرة النسائية في قبرص التي ازدهرت وتدين بالشكر بصورة رئيسية لجهوده.
لقد كان أباً روحياً معرّفاً من الطراز الرفيع، قاد العديد من الناس الى التوبة والتحوّل الروحي الأصيل الى الرب. إن حياته كلها شهادة حيّة حقيقية للمسيح الحي.
لقد اختتمت حياته الأرضية بنهاية استشهادية. بعد ظهر الواحد والثلاثين من آب سنة ۱۹۸۲ الذي هو اليوم الأخير من السنة الكنسية وهو أيضاً يوم مخصص بامتياز لوالدة الإله الفائقة القداسة الذي يوقّره الشيخ الموقّر، وعندما كان عائداً من عمل يوم متعب في بساتين الزيتون وهو يقود جرارالدير الزراعي، سقط في وادٍ عميق حيث لاقى موته الإستشهادي بدون أن يلقى أيّة مساعدة. هكذا رقد الشيخ المبارك في نهاية السنة الكنسية. هذه الشخصية الأصيلة التي حياتها تضحية متواصلة وخدمة لا تنقطع.
لقد نُقل، بدون شك، الى الهيكل السماوي حيث التسبيح الذي لا ينتهي. أما الرهبان الذين أمضوا طيلة فترة بعد الظهر في التفتيش عنه، فقد وجدوه في اليوم التالي ميتاً وفي وضع صلاة حيث يداه ورجلاه بشكل صليب، فكان ذلك علامة منظورة على عمله الروحي حتى في تلك اللحظات الأخيرة المملوءة ألماً ومعاناة من ميتته الإستشهادية التي تشبه معاناة الولادة والتي تدخله الى الحياة الأبدية.

إرشادات ونصائح الشيخ جرمانوس

حول الإيمان بالله

من يتغلّب على أهوائه يَنَل إيماناً عظيماً.
الإيمان الكبير نعمة من الروح القدس. فهي تُمنح بغنى فقط لأصحاب القلوب المنقّاة من الأهواء.
يجب أن نؤمن بالمسيح من كل قلوبنا، فيكون الذهن مستنيراً فنتغلب على الخطايا، تتلاشى الأهواء، يعتري نفوسنا الهدوء، ويكون كل كياننا مُفعماً بالحياة.
يوجد إيمان حقيقي صادق كما يوجد إيمان كاذب. يظهر الإيمان الحقيقي في وقت التجربة. أما الإيمان الكاذب فيزدهر فقط في أوقات الراحة ويذبل وقت الإمتحان. هل تصلّي بإيمان؟ ستُسمع. هل تتوب بإيمان؟ ستنال الرحمة. هل تعترف بإيمان؟ ستُغفر خطاياك. هل تصبُر بإيمان؟ ستتقدس. “إني أؤمن بالمسيح” هذا يعني أن ثقتي به في كل شيء. لا أُغيّر ولا حتى حرفاً أو نقطة من تعاليمه ووصاياه، وإلا فسأكون هرطوقياً. والهرطوقي هو خارج فُلك الخلاص. سيُغرقه الطوفان.
يتجلى إيماننا في أعمالنا، في كلماتنا وفي أفكارنا.
ما يُحرز الإيمان الحقيقي يتجلّى ببرهان أكيد في سير الشهداء الأبرار النساك المعترفين الذين يمارسون ضبط النفس وكل أعمال القديسين.
بالإيمان بالإله الحقيقي والتواضع نتغلب على أهوائنا، والشياطين الذين يناضلون لأذيتنا سيلوذون بالفرار وبطريقة سرية وفائقة الطبيعة يُجرّدون من أسلحتهم.
“إني أؤمن بالمسيح”، عبارة لا تعني وحسب أنه عليّ الانتظار والطلب من الله أن يسمع لي محققاً رغبتي. “إني أؤمن بالمسيح” تعني أنني أقدّم الطاعة لله مُحققاً رغبته هو، أكان ذلك يُرضيني أم لا. لهذا نقول لله في صلاة “أبانا الذي…”: “لتكن مشيئتك…” وليس: “لتكن مشيئتي”.
حول العناية الإلهية

كيف يستطيع الناس إيذاءنا عندما يكون الله محباً لنا ومُدبراً لأمورنا؟ إذا كنت تفهم محبة وعناية أهلك لك، ففكّر أن محبة الله لك وعنايته بك هما أكبر بما لا يُقاس. إحفظ ذلك في فكرك ولا تيأس.
المرض الذي يعتريك في ظل العناية الإلهية هو دواء يشفي نفسك من الأهواء والشرور والخطيئة. يقبل المرء المرض كفرصة للصلاة والتوبة كذلك.
في معاناتك الآن من مرضك يصعب عليك أن تخطئ، ولا تُشبَع الأهواء كما يحدث عندما تكون مُعافى. يجب أن ترى محنتك على أنّها “الباب الضيّق والطريق الصعب” (متى ۷:۱٤) الذي يقود الى الحياة الأبدية. عظموا الله الذي بعنايته ومحبته سمح بهذا الأذى الوقتي مما يفتح الطريق الى الأبدية من أجلك.
في الرجاء بالله

مع الصلاة المستمرة والإعتراف الصادق والدراسة المستمرة للكتاب المقدس وسير القديسين يتكوّن الرجاء المسيحي في نفوسنا ثابتاً وقوياً.
لقد وضع القديسون كل رجائهم على الله ولم يخيبوا. ليكن هذا مثالاً نحذوه.
لا تستسلموا حتى ولو حاربتكم أهواؤوكم أو أفكار الخطيئة. إبدأوا بداية جديدة دائماً، وقولوا: “الله حي، لهذا لن أيأس”.
من يتّكل على الله لن يرقى الى طريق مسدود.
من لا يتّكل على الله يفتّش على تعزيات خادعة في الفلسفات الضبابية وفي الانحرافات التي تقود الى الخطيئة والمشروبات المؤذية وحتى في لمخدرات.
الصلاة بلا رجاء كالسفينة بلا بوصلة.
أي نوع من المسيحيين نحن إذا كنّا نعيش “كسائر الذين لا رجاء لهم” (۱تسا ٤:۱۳).
من يعمل بحسب وصايا الله يرجُ المكافأة، لأن الرب يقول: “إن أجركم عظيم في السماوات” (متى ۵:۱۲) فيتوجه الى المسيح قائلاً: “لتكن يا ربّ رحمتك علينا كمثل اتكالنا عليك”. (مز ۳۲:۲٢).
في المحبة

من يُجاهد ليحظى بالمحبة الكاملة تجاه الله كما تجاه قريبه يتمكّن من الإعتراف بأن يسوع المسيح هو الرب “بالروح القدس”.
يجب أن تثق بأن الله يحبّك حتى ولو نبذك كل الناس وتخلى عنك الجميع.
إذا جاهدت في محبة الله بقدر فإنّه يظهر ذاته لك بقدر أكبر.
الحب الإلهي موجود ولكن الحب الشيطاني موجود أيضاً. كما هناك بغض إلهي وهناك أيضاً بغض شيطاني.
المحبة الإلهية تنمو عن طريق المحافظة على وصايا الله. المحبة الشيطانية شريرة راغبة باللذة وشهوانية. البغض الإلهي هو بغض للخطيئة. أما البغض الشيطاني فهو ضد كل إنسان من جنسنا وحتى ضد الأعداء.
الشرير يتذوق الموت، في حين أن المُحبّ يتذوّق الحياة الأبدية. لا مكان في ملكوت السماوات للذين لا يوجد مكان لمحبة الأعداء في نفوسهم.

بعض من ذكريات مع الشيخ بورفيريوس

بعض من ذكريات مع الشيخ بورفيريوس

أناستاسيوس تزافاراس
ترجمته بتصرّف عن اليونانية راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع
رسالة الشيخ بورفيريوس إلى أولاده الروحيين

أبنائي الأحباء،

بما أنه لا يزال تفكيري سليماً حتى الآن، أود أن أوجه إليكم بعض النصائح. كنت متمرغاً بكل أنواع الخطايا منذ طفولتي، وعندما كانت أمي ترسلني لأحرس الحيوانات في الجبل، لأن أبي نظراً لعوزنا نحن أولاده، كان قد سافر إلى أميركا ليعمل في قناة بناما. وأثناء رعايتي للحيوانات تهجأت حياة القديس يوحنا الكوخي الذي أحببته كثيراً. وكطفل صغير كنت أتراوح بين 12 – 15 سنة، إذ لا أذكر تماماً، صليت مراراً كثيرة مبتغياً، وبجهاد كبير، أن أقلده. فذهبت خفية عن أهلي قاصداً كافسوكاليفيا في الجبل المقدس، حيث تتلمذت هناك لشيخين شقيقين بندلايمون وأيوانيكيوس. ومن حسن طالعي أنهما كانا تقيين وفاضلين جداً فأحببتهما حباً جمّاً. وهكذا، وبصلواتهما، كنت مطيعاً لهما تماماً، الأمر الذي ساعدني كثيراً، إذ أحسست بمحبة فائقة نحو الله فعبرت عندئذ أيامي بشكل جيد. ولكن، وبتخل من الله بداعي خطاياي، مرضت كثيراً، فطلب مني الشيخان أن أمضي إلى أهلي في إيفيا. وبما أني كنت قد ارتكبت منذ طفولتي خطايا عديدة، فعندما عدت إلى العالم عاودت ارتكابها من جديد. وأما الناس فاعتبروني صالحاً وقديساً مع أني أحس بأني أكثر رجل خاطئ في العالم. وطبعاً اعترفت بخطاياي التي كنت أذكرها، وأنا على يقين بأن الله سامحني بكل ما اعترفت به رغم أنها اليوم كثيرة جداً. لذا أرجوكم أنتم يا من عرفتموني بأن تصلّوا لأجلي لأني أنا أيضاً، وبكل تواضع، صليت لأجلكم عندما كنت حياً. وأما الآن، وبما أني سأنتقل إلى السماء، فلدي شعور بأن الله سيقول لي: “ماذا تبغي أنت هنا؟” وأما جوابي الوحيد له فهو: “لست مستحقاً يا سيد لهذا المكان، ولكن اعمل بي بمقتضى محبتك”. لذا فأنا لا أعلم ماذا سيحدث بعد ذلك، ولكني أرجو أن تتداركني محبة الله. أتمنى على أبنائي الروحيين أن يحبوا الله الذي هو الكل في الكل كي يؤهلنا أن ندخل كنيسته غير المنظورة. لأنه من هنا، ونحن على هذه الأرض، يجب أن يبدأ جهادنا. سعيت دوماً أن أصلي وأن أقرأ التسابيح الكنسية، الكتاب المقدس وسير قديسينا. فأتمنى أن تعملوا أنتم أيضاً الشيء نفسه.

أرجو جميعكم أن تسامحوني بكل ما أحزنتكم به.

الكاهن المتوحد بورفيريوس

من كافسوكاليفيا في /4-17 تموز1991/  

بعض من الذكريات مع الشيخ بورفيريوس

حاولت بصعوبة أن أكتب إليكم، أنا الحقير، بضعة سطور عن الجد الصغير كما ندعوه نحن معظم أبنائه. فعلت هذا محبة بكم مستقوياً بأقوال ربنا حيث يقول: “بأنه جعل قديسيه عجباً، كما أنه هو عجيب في قديسيه “.

وعلى الرغم من صعوبة هذا العمل، إذ إنني لست لاهوتياً ولا مصنفاً كتابياً موهوباً ولا أديباً أو فقيهاً بالمعاني والأشكال الجوهرية، سأجتهد، وللفائدة، لأنقل ما أعرف عنه عربوناً لمحبتي تجاهه ولمجد ثالوثنا القدوس.

كنت جالساً ذات يوم إلى طاولة في إحدى ساحات قريتي الصغيرة، أتحاور مع اثنين من مواطنيّ الأكبر مني سناً، عندما سمعت لأول مرة عن الأب بورفيريوس. إن الله أظهر أولاً الأب بورفيريوس قديساً، ثم أعلناه نحن الذين سمعناه وعاينّا عجائبه، وهكذا أيضاً سوف تعلنه الكنيسة، لا لشيء سوى لمحبته الكبيرة لله التي ملكت نفسه وقلبه. لقد دلّت طاعته طيلة حياته على حرارة إيمانه وتواضعه العميق، إذ كثيراً ما كان يردد: “الطاعة يا ولدي تعني التواضع”.

أما أنا، كابن روحي للأب بورفيريوس، فقد عرفته لأول وهلة صدفة بواسطة أحدهم، ولكن فيما بعد عرفته أكثر عندما أتيت أثينا لأقدّم امتحاناتي في حقل الطيران. كنت أحاول جاهداً أن ألازمـه حتى  آخر أيامه، أي قبل

رحيله إلى الجبل المقدس حيث رقد. كما كنت أجتهد أن أتشبه به ولو قليلاً.

وهكذا لازمته أولاً في كنيسة القديس جراسيمس في بوليكلينيكي أثينا، ثم في كنيسة القديس نيقولاوس في كاليسيا، ثم فيما بعد في الدير في ميليسي، ثم متنقلاً ما بين مختلف المنازل أو المستشفيات حيث كان يحلّ لإجراء علاجات لمختلف الأمراض التي عاناها بصبر محبةً بالمسيح. وهكذا لم أكن أهمل أية فرصة لألازمه، كما أننا مرات كثيرة ترافقنا في سيارتي قاصدين جهات مختلفة.

كنت أراقبه دوماً كيف كان يصلّي، كيف كان يقبّل الإيقونات، كيف كان يشعل شمعته. كيف كان يعامل كل من يدنو منه، كيف كان يسامح أو يتكلم أو يتمشى أو يكهن. كيف كان يشجعنا ويقوّي إيماننا. وكيف فضّل أخيراً أن يموت في الجبل المقدس هرباً من الضوضاء، في حديقة العذراء التي طالما أحبها واتخذها مرشدة له. وبهذه الوسائل البسيطة مجَّد أبانا السماوي هنا على الأرض.

لذلك مجده المسيح أيضاً بدوره هنا على الأرض بالمحبة الكبيرة التي كان يبديها المؤمنون نحوه. إذ كان يزوره يومياً العشرات بالسيارات، والمئات بالباصات فقط لينالوا البركة. وبالإضافة إلى مجد الأرض مجده الرب أيضاً في السماء. والآن فهو يشفع من هناك مع بقية القديسين من أجل خلاصنا، كما يمدنا بالمعونة عندما نسأله، الأمر الذي اختبرته جيداً إذ إنه لم يرفض لي مطلقاً أي مطلب شرط أن يناسب طبعاً ما هو صالح لخلاصي.

لقد منحه الله موهبتي البصيرة ( أي الرؤيا ) لنقاوة ذهنه والنبوءة ( أي

معرفة المستقبل )، إلى جانب المواهب الأخرى التي كان يستخدمها مراراً، حسبما كان يقول لنا، ليساعد المؤمنين على تقدمهم الروحي، وليحرك حميتهم نحو محبة المسيح وكنيسته.

هذا هو رأيي المتواضع، وبهذا أنصحكم أن تتخذوا كلكم الأب بورفيريوس نصيراً وشفيعاً لدى الله لتنحدر عليكم من العلاء الصالحات التي ننالها عندما نطلبها بمحبة وتواضع كبيرين.

وصية ترك لنا في إحدى رسائله، والتي أوردها لكم لتعلموا كلكم بماذا أوصانا قبل انتقاله عنا بالجسد. ورغم أنها تتضمن إرشادات قليلة، لكنها بالنسبة إلينا نحن أولاده تعني الكثير.

إنه ينصحنا أن نصبح نحن أيضاً أبناء لله، لهذا نجتهد، بقدر الطاقة، أن نحفظ كل ما تعلمناه وعشناه بقربه. وبهذا فقط يبتهج في السماء من حيث يشاهدنا ويساعدنا لمجد الله الآب والابن والروح القدس آمين.

والآن أتابع سرد مختلف القصص الصغيرة منها والكبيرة، والوصايا والحوادث وغيرها، التي بواسطتها يستطيع كل امرئ أن يلمس سمو قداسة الأب الشيخ الموقّر والمغبوط بورفيريوس، وذهنه الصافي مع مختلف مواهبه الأخرى: الأشفية التي صنعها، المساعدة التي قدمها لكل الذين كانوا يزورونه أو كانوا يتصلون به هاتفياً أو كانوا يطلبون شفاعته. هذا وأرجو منه، هو الذي تحرر من الجسد والحائز ملء نعمة الإله المثلث الأقانيم، أن يمنح جميعنا من عليائه ما هو صالح لخلاص نفوسنا.

وهذا نموذج صغير أستقيه من حياته ومن كل ما جرى مع المئات من أبنائه الروحيين من كل سن ورتبة:

ذات يوم كنت أقود سيارتي وإلى جانبي الأب بورفيريوس، وكنت أسأله بتواتر حول مختلف الأمور الروحية أو الحوادث التي كانت تجري معه. فطلبت منه أن يقصّ عليّ ماذا جرى له مع السيد باسيليوس الذي أتى إلى قريتي لاهثاً خائفاً. أجابني: “ما الذي ذكّرك به الآن”؟ ثم بدأ يروي لي ما جرى:

لست أدري كيف استطاع بعضهم أخذي لأعلمهم أين يوجد ماء، مع أني لم أكن أرغب أبداً بمرافقتهم. إن أحد معارفك المدعو السيد ميخائيل، وهو ابن أخ السيد باسيليوس، كان قد دعاني يوماً إلى حقله لأشير له في أية جهة يوجد ماء. ومع أني أوصيته بألاّ يخبر أحداً بهذا الأمر، إلاّ أنه لم ينفّذ الوصية بل نقله لأحد أخصائه المقربين الذي كان يملك هو أيضاً حقلاً في الموضع نفسه. وبينما كنا نجتاز حقل السيد باسيليوس لنذهب إلى حقل السيد ميخائيل، ناداني هذا الأخير عن بعد وقال لي:

– هيا بنا يا أبتي لتجد لي أنا أيضاً ماء في حقلي. ثم أردف: الويل لك يا أبتي! أمسموح لك وأنت الكاهن أن تهتم بأشياء كهذه مستهزئاً بالناس؟ لو علم المطران بهذه الأمور التي تفعل لحلق لك لحيتك”.

– ولكن أي شر أفعل؟ ها قد توسل إليّ السيد ميخائيل أن أريه أين يوجد ماء، وبما أن الرب قد منحني هذه الموهبة فلم أرفض.  

– ولكن كيف تستطيع أن تتفوه بهذا يا أبتي؟ كيف تدّعي معرفة أين يوجد ماء؟

– نعم أنت على حق. أما بالنسبة لعيوننا المادية التي نملك فإننا لا نرى بها إلاّ بعداً قليلاً فقط، وأما بالنسبة لعيون النفس، الكائنة وراء عيوننا المادية، فإنك تستطيع أن ترى بها ما وراء هذا الجبل وما تحت الأرض وما فوق في السماء، لا بل أبعد من هذا أيضاً”.

وعند سماع السيد ميخائيل هذا الكلام ارتاب بي وغيّر رأيه نحوي. عندئذ أظهر لي الرب أن السيد باسيليوس كان قد أجرى عمليتين جراحيتين، فسألته حالا: “ألم تجر أنت عمليتيتن جراحيتين الأولى في الجهة اليمنى والأخرى أسفل جهة الشمال” مشيراً من فوق ثيابه إلى موضع العمليتين.

وبوحي من الشيطان، أنكر هذا الذي اكتشفته فيه وأعلن أنه لم يجر عمليات كهذه. حينئذ تساءلت متعجباً وقلت: “لا يتكلم روح الله كذباً”. وبحركة قوية جذبته من قميصه وحاولت رفعه مريداً أن أبيّن له افتراءه. وللحال اعترته رعدة خفيفة، وبدأ يقرّ بخطيئته بخوف معلناً أنه بالفعل كان قد أجرى عمليتين جراحيتين الأولى كانت بسبب التهاب الزائدة، والأخرى بسبب أحد أمراض المعدة الخطرة.

وبعد أن ندم على خطيئته، كان يطلب مني باستمرار أن أسامحه وهو منذهل من كشف الحقيقة. ورغم كل ما حدث بقي السيد ميخائيل مرتاباً فيّ. غير أن هذا لم يمنعنا من متابعة عملنا، تاركين السيد باسيليوس مرتعباً راكضاً إلى قريتك ليخبر بالتفصيل مالذي حصل له.

عندئذ قلت: “أتعرف يا أبي أني في ذلك اليوم كنت أنا أيضاً بين أولئك الذين أخبرهم السيد باسيليوس حادثته. وإن لم أكن مخطئاً فإن هذا حدث سنة /1954/ أو /1955/، إذ كنت جالساً وقتئذ إلى طاولة صغيرة في إحدى ساحات القرية، عندما أتى لاهثاً خائفاً وقائلاً: “لقد كشف لي أحد الآباء كل مجريات حياتي. الأمر الذي لا يعرفه أحد آخر سواي”.

وعند سؤالي الأب بورفيريوس إذا ما وجد ماء أجابني: “تجولت في الحقل كله، فلم أجد ماء”. ومن ثم ذهب بي السيد ميخائيل إلى منطقة أخرى، حيث وجدت ماء غزيراً إلا أنه كان مالحاً غير صالح للشرب”.

–  كيف عرفت يا أبي أنه مالح؟

–  لقد ذقته، ذهنياً، فوجدته مالحاً.

خلال أيامي الأولى في أثينا، ذهبت متهيأً للاعتراف إلى كنيسة القديس جراسيمس حيث كان الأب بورفيريوس. وكنت قد كتبت خطاياي على ورقة صغيرة راغباً أن ينصحني كيف يمكنني أن أصبح إنساناً أفضل. وعندما رأيته في الكنيسة، وبالتحديد عند باب الهيكل الأيمن، قبلني فرحاً. وبدون أن أطلعه على رغبتي ناداني وطفق يرشدني قائلاً: “يجب يا بنيّ أن تكون دوماً صالحاً، متسامحاً، محباً، مستقيماً في أعمالك، جدّياً، مصلياً، مجاهداً”. بقيت صامتاً لأن أقواله جاءت جواباً على ما أردت سؤاله إياه.    

قال لي أحد الأخوة : “في /4-6-1967/ أُخبرت أثناء عملي أن أختي مريضة مرضاً خطيراً، ولكن الحقيقة أنها كانت قد ماتت. فمررت، قبل أن أذهب إلى المستشفى حيث كانت، بكنيسة القديس جراسيمس لأنال بركة الأب بورفيريوس. رأيته داخل الكنيسة فسألته: “كيف ترى حالة أختي يا أبي؟ ” فأجابني: “اعلم يا بنيّ إن المسيح يقيم الأموات”. ودون أن أعي مغزى كلماته قلت في داخلي: “ما هذا الذي يقول؟ إني أعتبره قديساً ولذا سألته عن أختي أفيجيبني بهذا؟! “

وخرجت دون أن أقول له شيئاً آخر. ولما وصلت المستشفى علمت بموت أختي، وساعتها فهمت معنى كلام الأب.

قال لي الأب بورفيريوس ذات يوم موضحاً لي كيفية قطع أهوائنا: “لدينا يا ولدي حديقة غُرست في إحدى جوانبها أزهار نضرة وفي الجهة الأخرى نمت أشواك ضارة، يسقيهما صنبور ماء واحد. متى حوّلنا الماء جهة الأزهار مانعين إيها عن الأشواك أينعت الأولى ويبست الثانية. هكذا يجب أن تكون أعمالنا نحن أيضاً، إذ لدى اعتيادنا عمل الصلاح، سوف تزول عاداتنا السيئة شيئاً فشيئاً، وسيختفي الإنسان العتيق الكائن داخلنا ولن يعود يشغلنا. ولكي نقتني الفضيلة يلزمنا جهاد وصلاة غير منقطعة.     

قصدنا ( الأب بورفيروس وأنا ) ذات يوم أحد أولاده الروحيين القاطن شقة في إحدى البنايات. وقبل وصولنا صادفنا إنساناً أعمى، فحياه الأب بورفيريوس. وبعد أن جزناه سألني:

– هل تعلم لماذا هذا الإنسان أعمى؟

– كلا.

– عُمي لأنه بنى هذه البناية التي ترى، فسرقه بعض الصناع الذين كانوا يبنونها معه وأحزنوه، فكانت النتيجة أن فقد بصره.

وعند دخولنا المصعد قال لي مبتسماً: “كم نحن محظوظون يا ولدي لأننا لا نملك الكثير”.

قصّ عليّ ما حدث لأحد الكهنة مرة قائلاً: “ذهب كاهن ذات صباح ليشتري تفاحاً من أحد البقالين الذي لم يكن قد باع منه شيئاً. وطبعاً كان يوجد في تلك الناحية بقالون آخرون يبيعون الزبائن ما لديهم من التفاح. فحياه الكاهن وسأله أن يعطيه كيساً ليضع فيه بعضاً منه، فأعطاه وتركه يختار ما يشاء بمفرده، وعندما أخذ الكمية التي أرادها، كان قد تجمّع كثير من الزبائن لدرجة أن البقال لم يعد يستطيع تلبيتهم. وبعد ساعات قليلة كان قد باع كل ما لديه تقريباً ولم يعد يعلم كيف يشكر الكاهن”. فسألته: “ولماذا حصل هذا؟” فأجابني: “عندما يكون الإنسان رجل الله، فإن النعمة تتبعه باستمرار وتحصل عندئذ عجائب مختلفة”.

مرة أخرى سألته: “كيف ومتى ذهب إلى الجبل المقدس؟” فقال: “ذهبت عندما كنت في سن الثانية عشرة متمثلاً بسيرة القديس يوحنا الكوخي. في العشرين من عمري أصبحت كاهناً، وفي الحادية والعشرين أباً روحياً. وحيث لم يكن لي خبرة للفترة الأولى، كنت أضع قوانين صارمة للرهبان وللعلمانيين الآتين للاعتراف، وكثير من هؤلاء كانوا يعودون بعد وقت قصير قائلين: “لم نستطع يا أبانا أن نطبّق القوانين التي فرضتها علينا”. وبعد أن تعمقت خبرتي أدركت أن تلك القوانين التي فرضتها في البداية كانت صارمة. أتعلم، لقد كنت متحمساً للغاية، إذ عندما ذهبت مرة إلى البيت ورأيت أبي يقرأ إنجيلاً مفسَّراً، بادرت إلى تمزيقه مع أني لم أكن على حق، ولذا يجب أن لا نكون متزمتين”.

ومرة أخرى سألته: “كيف يجب أن تكون محبتنا نحو الله؟” فقال لي: “يجب أن تكون محبتنا نحو الله يا ولدي عظيمة جداً لا يشاركه فيها أمر آخر. وهاك مثلاً على ذلك: إنسان يوجد بداخله بطارية ذات طاقة محدودة، فعندما تُنفَق هذه الطاقة  في أشياء مختلفة غير محبة الله، فإنها تصبح قليلة أو عديمة النفع. ولكن عندما نوجه كل طاقاتنا نحو الله عندئذ تكون محبتنا له عظيمة. وأسوق لك أيضاً مثلاً آخر: أُغرمت إحدى الفتيات بشاب. فكانت تقوم كل ليلة لتقفز من النافذة خفية عن أهلها، وتذهب عارية القدمين، متوغلة في الحقول المشوكة لتلاقي حبيبها مدمية القدمين. وعند عودتها إلى البيت كان ذهنها دوماً معه متفكرة به. هكذا أنت أيضاً يجب أن تعطي كل قوتك لله يا ولدي، وأن يكون ذهنك دوماً معه لأنه هكذا يسر ويرتضي”.

سألته مرة قائلاً: “كيف نستطيع يا أبي أن نحب المسيح؟” فأجابني: “محبتنا للمسيح يا ولدي تتحقق تتحقق على النحو التالي: ندعو إنساننا الداخلي ونقف به أمام الله، موجهين ذهننا نحوه، ومجتهدين أن نتلمس حبه وعجائبه عند رؤيتنا جمال الطبيعة: الأشجار، الأزهار، الطيور الداجنة، النحل، البحر، الأسماك، النجوم، القمر، الشمس… وبمحبتنا لهذه المخلوقات تنمو محبتنا نحو الخالق وتصبح حقيقية. ضرورية هي محبة المخلوقات، ولكن محبة أخينا الإنسان ضرورية أكثر، لذلك يجب أن نزور المستشفيات، السجون، المياتم، دار الشيوخ …الخ . إن أعمالاً كهذه تجعل محبتنا صادقة”.

يستحيل أن يُصوَّر الموت إلاّ هكذا: “لنفترض أننا نوجد داخل إحدى الغرف، فلدى فتحنا الباب فإننا سنوجد تلقائياً في غرفة أخرى. هكذا نحن أيضاً، إن كنا هنا مع المسيح فهناك أيضاً سنكون معه”.

كنت قد واجهت بعض الصعوبات مع أحد المسؤولين وعندما أخبرت الأب بهذا قال لي: “أطع يا ولدي واصبر، لا تجادل بل صلِّ”. وعندما أتيته ثانية متذمراً من السبب ذاته قال لي: “ألم أقل لك أن تطيع؟ أتعلم ماذا تعني الطاعة ؟ الطاعة تعني التواضع هل فهمت هذا؟”.

– فهمته يا أبي.

– كلا لم تفهمه بعد. اسمع لتعي ماذا تعني الطاعة: كان شيخ فظاً جداً، حسبما تصف أنت مسؤولك، يعيش في أحد الأديار. فأتى ذاك الشيخ عدد كبير من الرهبان ليعيشوا تحت طاعته، فلم يستطيعوا أن يقيموا معه أكثر من أسبوع تقريباً. وعندما علمت أنا بهذا الأمر، قلت لنفسي لأذهب أنا أيضاً وأجرب. وفعلاً ذهبت إلى قلايته وتحدثنا حول الهدف الذي أتيت من أجله. فقال لي بعد قليل: “حسناً، اذهب الآن من حيث أتيت” مشيراً إلى النافذة. وبدون أن أفكر بشيء آخر ذهبت وخرجت من حيث أشار لي. أفهمت الآن ماذا تعني الطاعة؟

– نعم.

ثم تابع الأب قائلاً: “لقد أقمت معه أكثـر من بقية الرهبان الآخريـن،

وكنت أخدمه فرحاً، وبعد فترة تركته من تلقاء ذاتي. هذه هي الطاعة. والآن عليك أن تتصرف هكذا مع مسؤولك.

– نعم يا أبي، ثم أخذت بركته ومضيت.

ذهبنا ذات مرة سوية إلى الدير(الذي كان مزمعاً أن يشيده) سنة /1978/ فقال لي الأب بورفيريوس: “أمسك هذا الحبل واجذبه إلى أسفل، لأني أريد أن أرى كيف يجب أن تكون قلالي الدير عند شروق الشمس”. فأمسكت بالحبل وذهبت إلى المكان الذي أشار إليه الأب متمتماً : “أي دير يقول إنه سوف يبنيه وهو في هذا السن ويعاني من أمراض كثيرة”. فأجابني للحال: “حسناً سوف تراه”. وفعلاً رأيت بعد فترة كيف كان العمل في بناء الدير يقترب إلى نهايته. وأما الآن فإني أقول لنفسي: “كم كنت على حق حينئذ يا أبتي لأنك أنت رأيته وأما أنا …!

قال لي أحد الإخوة: “كنا قد انتهينا من القداس الإلهي في كنيسة القديس نيقولاوس في كاليسيا، وذهبنا في طريق ضيق يؤدي إلى حيث توجد السيارة لنعود إلى أثينا. وكالعادة كان يسير أمامي متمهلاً وكنت أنا خلفه أتبعه. عندئذ فكرت أن أخطو حيث يخطو الشيخ مصلياً في داخلي: “أرجو أن تؤهلني يا إلهي أن أتبع خطوات حياة أبينا الروحية كما أتبع الآن خطواته، وأن أتشبه به قدر المستطاع”. وتتبعت لعدة دقائق تحركاته نفسها، وبعد لحظة توقف الأب فتوقفت أنا كذلك. فالتفت إلى الوراء وتأملني مبتسماً، وباركني راسماً علامة الصليب لأنه أدرك كل ما فعلت وما قلت… لتكن صلواته معنا آمين.

قال لي ذات يوم: “انتبه ألاّ تكون مبالغاً بل واقعياً. يجب أن يحصل في حياتنا من وقت لآخر اعتراف عام، لأن بعض الجراح النفسية أوالحوادث الخطرة تخلق لنا انحرافات صحية. لا نقل في الاعتراف خطايانا فقط، بل مختلف الأفكار أيضاً : كالخوف، والحزن، والفرح، والانزعاج… التي تحصل من مختلف الوقائع كالهزات والموت والزواج وقلة الإيمان…”.

قال لي مرة أخرى: “كن صالحاً، مطيعاً، صبوراً، عديم الانزعاج، لا تكن مرهف الحساسية، كن مستقيماً في عملك، ولا تتكلم هناك كثيراً عن الروحيات إن لم يسألوك، بل كن مثالاً لهم متشبهاً بالمسيح”.

دخل الأب بورفيريوس بعد إحدى النزهات بيت أحد أولاده الروحيين، وقبل أن يلج المنزل قال له الأخ: “أرجو منك يا أبي أن تكشف إحدى الحقائق لزوجتي لتقترب من المسيح أكثر”. فالتفت الأب وقال له: “إنك لا تعلم ماذا تطلب”. فأجاب الأخ: “لماذا؟!” فقال الأب: “لأنني إن استجبت لطلبك سأجعل حالتها تزداد سوءاً، سأسبب لها ضغطاً وثقلاً. غير أني سأصنع لها شيئاً آخر يفيدها أكثر”.

– ما هو يا أبي؟

– سأصلي لها لتتجه نحو الروحيات وهكذا ستستفيد كثيراً جداً.

– ليكن مباركاً.

ولكي يرضي الأب الأخ قال لزوجته وهم يتناولون شيئاً من المرطبات:

– ألديك إحدى صور قريتك يا سيدة؟

– نعم.

– أحضريها لي لأراها.

فأحضرت له إحدى الصور التي تُظهر قريتها محاطة بأشجار كثيرة من الجهتين. فقال لها الأب:

– قولي لي أيوجد هنا ماء؟ وأشار من فوق الصورة إلى المكان الذي يقصد.

– نعم يا أبي يوجد ماء.

– وهناك أيوجد ماء؟ وأشار إلى منطقة أخرى فوق الصورة.

– نعم يوجد ماء هناك.

– وهنا فوق ألا يوجد ماء؟ مشيراً إلى جهة ثالثة من القرية.

– نعم وهناك أيضاً فوق يوجد ماء.

– حسناً يا ابنتي، خذي الصورة. إن قريتك جميلة جداً.

فسرّ الأخ بداخله كثيراً للحقائق التي أظهرها الأب لزوجته، محققاً بذلك رغبته التي كانت لديه عندما دخلوا البيت.

قال لي ذات مرة: “لا تصلِّ كي يشفيك الله من مختلف الأمراض، بل كن في سلام، صابراً، مداوماً على الصلاة العقلية (صلاة يسوع) فتستفيد أكثر”.

طلب منه أخوان أن يقول لهما كلمة منفعة فقال: “ماذا أقول لكما؟ اعملا الصلاح ولا تدعا الشيطان يختطفكما”. فضحك الأخوان لقوله وأما هو فأكد مردداً: “نعم، لنعمل الصلاح دوماً لأنه الويل لنا إن عملنا خلاف ذلك”.

وقال لأخ آخر: “اقرأ بتواتر لينير الله ذهنك. أتعلم؟ إني كنت أطالع كثيراً، ولكي لا يزعجني أحد، كنت أصعد إلى أعلى إحدى الأشجار بواسطة سلم صنعته بنفسي، وحالما كنت أصل إلى فوق كنت أسحبه، وهناك كنت أمضي ساعات في المطالعة”.

كنا قد ذهبنا بصحبة الأب بورفيريوس لزيارة أحد الأديار في كريت. فالتقى هناك أحد الرهبان الذي كان قد عاش معه فترة في جبل آثوس. وبما أنهما كانا فرحين بلقائهما، فقد بدأ يخبر الواحد الآخر كم كانا سعيدين في آثوس وما العجائب التي كانت تحدث للشيوخ. وأتذّكر أن الأب وصف لهذا الراهب كيف كان يُختطف أولئك الشيوخ على السحب عندما كانت تقضي الحاجة أحياناً أن ينتقلوا إلى دير آخر. “كم نحن بعيدون عنهم حالياً!” قال الأب متنهداً”.

أعطاه أحدهم ذات يوم مالاً لسد إحدى حاجات الدير، ولكنه أراد، بالمقابل، أن يقول له الأب كلمة حول إحدى الصعوبات التي كانت تعترضه، أو أن يميزه بالمعاملة عن الآخرين. ولكن الأب لم يكن قادراً وقتئذ على محادثته مما جعل الأخ يدمدم في سره قائلاً أثناء ذهابه: “لقد أعطيته مالاً كذا مقداره، أفيبخل عليّ بكلمة يقولها لي؟!” وللحال ناداه الأب إلى الداخل قائلاً له: “انتبه يا فلان لما سأقوله لك، لم أطلب منك مالاً أو أي شيء آخر. أنت بإرادتك دفعته لي عندما أتيت، فلا يصح أن تفكر هكذا. واعلم أني إن احتفظت بهذه الأموال إنما لأستخدمها لحاجة الدير”. فصمت الأخ مبهوتاً.    

عندما عاد أحد الإخوة، ذات يوم أحد، من الكنيسة علم بأن زوجته وأولاده لم يذهبوا إليها. فتضايق كثيراً لهذا الإهمال ولكنه لم يتكلم. وعندما التقى الأب بورفيريوس بعد بضعة أيام لم يقل له شيئاً البتة عن هذا الموضوع، وإنما حدثه عن خطاياه الأخرى. فقال له الشيخ: “حسناً لكل ما قلت لي، ولكن دعني أقص عليك كيف تصرفت يوم الأحد كي لا تعاود فعله”.

– ماذا يا أبي؟

– حالما دخلت بيتك غضبت وتضايقت لأن عائلتك لم تذهب إلى الكنيسة.

– وماذا عليّ أن أفعل يا أبي؟

– عندما تصادف أموراً كهذه ابق هادئاً ومردداً بداخلك يا ربي يسوع المسيح ارحمني، محافظاً على البركة التي نلتها من الكنيسة، لأنه بانزعاجك هذا سوف تؤلمك أمعاؤك. ألا تؤلمك الآن؟

– نعم إنها تؤلمني. ثم طلب منه أن يسامحه.

كان يقول مرة لأحد الإخوة: “انتبه واستعد جيداً قبل أن تتناول الأسرار الإلهية. كن ممسكاً، صالحاً، محباً للرب كثيراً، لا تنقطع عن المناولة أكثر من خمسة عشر يوماً”. وأما عن هذا الأمر الأخير، فكان ينصح  كل شخص أن يحاسب نفسه متصرفاً بما يوافقها.

قال لي ذات يوم: “اجتهد أن تقرأ وتصلي وترتل بوضوح، وأن يُسمع حتى الحرف الأخير من كل كلمة تقولها، لأنه هكذا تعتاد على الصحيح، وأن تكون متواضعاً في كل شيء بالأفكار والأقوال والأفعال. مهما تكن تعباً لا تهمل أبداً تلاوة صلاة النوم قبل رقادك”.

“اجتهد ألاّ تظهر سيئاتك الداخلية، بل بالحري افتح باب قلبك ليلجه النور الذي هو المسيح، وبذا تضمحل الظلمة الكائنة فيك”.

وعند قولي للأب بورفيريوس بأني لا أحفظ كل ما أقرأ أجابني: “اعلم يا ولدي أن كل الأشياء تُخزَن في ذاكرتنا التي سوف يكشفها المسيح يوم الدينونة. ليكن الرب دوماً نصب عينيك، لأنه يرى ويراقب كل شيء إذ إن آلته التصويرية لا تبلى”.

الشهيد الروسي الجديد المتقدم في الكهنة ميخائيل شيلتسوف

الشهيد الروسي الجديد المتقدم في الكهنة

ميخائيل شيلتسوف

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

أحدى أكبر المآسي خلال الاضطهادات المرعبة التي شُنّت على الكنيسة بعد سيطرة السلطات الملحدة كانت المحاكمة العامة، سنة 1922، للميتروبوليت بنيامين الذي من بيتروغراد ومجموعة من الأكليروس والعلمانيين (حوالي 100 شخص) الذي تحالفوا معه، من بينهم كان المتقدم في الكهنة ميخائيل شيلتسوف. حُكم عليه مع عشرة آخرين بالموت، أعفي من ذلك لكنه عاد وحاز إكليل الشهادة لاحقاً إذ أُعدم قبل الفجر في عيد الميلاد سنة 1931.

سنة 1870 وُلِدَ الأب ميخائيل في ريازان، وكان ابناً لكاهن القرية. بعد تخرجّه من أكاديمية قازان اللاهوتية مارس التعليم لفترة في كالوغا قبل ان ينتقل مع عائلته سنة 1898 إلى العاصمة من أجل مناقشة أطروحته التي عنوانها “كنيسة الملكية العربية”. وقد عمل لثلاث سنوات
في الإرسالية إلى Dioosam وثلاث سنوات أخرى في مكتب وكيل المجمع. في خريف سنة 1903 عُيّن الأب ميخائيل من قبل الكنيسة في مركز المهندسين المدنيين، حيث قام أيضاً بتعليم اللاهوت، وكانت مادة محبوبة من الجميع بسبب شرحه المقنع والحسّي. كان متكلماً دائماً في اجتماعات الكنيسة ومؤلفاً لمقالات وكرّاسات وكتب متنوعة.

سنة 1920 عيّن الأب ميخائيل مرة أخرى في كاتدرائية الثالوث Ijmailousky حيث كان يغط لخمس سنوات. سنة 1919 أختير كممثل لمجمع الأبرشية وبقي في هذا المنصب حتى توقيفه الأخير. لقد أوقف بسبب هذا المنصب وكان واحداً من بين العديدين الذين اتهموا بأنهم أعداء الثورة لأنهم قاوموا مصادرة مقتنيات الكنيسة القَيِّمة، من عملية أختلقها البولشفيون من أجل إخافة المؤمنين وقمع الإكليروس الروسي. بعد المحاكمة اقتيد الأب ميخائيل مع آخرين إلى إصلاحية
(أي السجين في الحقيقة )، حيث وضع في زنزانة مع نزيل هو الأرشمندريت سرجيوس شاسي. وبعد بضعة أيام نقلا إلى سجن في شارع سباليرنا حيث وضعا في مكان ضيق ومنعزل بانتظار التعليمات من موسكو، حيث تمت مراجعة حكم بحقهما غيابياً.

عاش الأب ميخائيل أربعين يوماً بتمامها في هذا السجن. تُعتبَر ذكرياته حول هذا التعذيب ملفاً تاريخياً مرعباً. وهذه الذكريات كالعديد من مثيلاتها تكشف وتصف الإرهاب الأحمر، لكنها تتميّز بصراحتها الصارخة. فهي أقرب إلى الاعترافات، اعترافات كاهن يهيء نفسه روحياً للاضطهاد. لم يصوّر ميخائيل نفسه كشهيد شجاع وفاضل. على العكس، كتب عن انهيار العزيمة، الخوف وعن الأمل بأن يُعفى من هذا المصير الرهيب. في مواجهة الموت، وجد أنه من المستحيل البقاء صامتاً حول شكوكه، التي كان من المفترض أيضاً أن تُمَّحى من وعيه حتى يستطيع حمل صليبه ويقف في طريق الشهادة بروح مستنيرة وموقف ثابت أمام تجاربه.

يكتب الأب ميخائيل: حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، وبعد أن أُعطينا شيئاً لنأكله، فُتح باب زنزاتنا فجأة ودخل أحد مدراء السجن، وقال موجهاً ملاحظاته للأب سرجيوس ولي: “اجمعوا حاجياتكم. في ظرف نصف ساعة سوف تنقلون إلى سباليرنا”. لماذا؟ كيف يحصل هذا؟ لأي سبب؟ لم يكن هناك من أجوبة. أصبحنا في حيرة كليّة. ولكنّنا بدأنا نعزّي أنفسنا بعدة تخمينات، كما يحدث مع شخص يحيا في ظروف يائسة ويريد أن يجد تفسيرات إيجابية لكل أمر. لقد ظننا أن حكم الإعدام قد أرجئ، والاّ فلماذا ينقلوننا إلى هناك؟ إن السجناء يُقتادون من هنا إلى ساحة الإعدام. ثم جاءت فكرة: ربما هذا الكلام عن نقلنا إلى سباليرنا هو ببساطة لتهدئتنا. ربما في الحقيقة، نحن مقتادون إلى الإعدام! لكن الوقت يمشي ضد هذا الاستنتاج: إن النهار في منتصفه، والسجناء يؤخذون إلى الإعدام في الليل.

جمعنا أغراضنا بسرعة. ما أُعطيناه من طعام إضافي وزّعناه على مَن هو بحاجة من السجناء، وبدأنا الانتظار. ثم وبدون أي توّقع، توجّه الأب سرجيوس إليّ: “لا نزال نعلم حقاً إلى أين سيأخذوننا. ولا نعرف أيضاً ماذا في المخزن؟ ماذا سيحدث لنا. لذا هلاّ سمحتَ بأن تعرّفني؟” نزعتُ صليب الكهنوت من حول عنقي ووضعته على عتبة النافذة، كما لو على منصّة ووضعتُ منشفة حول عنقي، وتدلّى طرفها على صدري كما لو أنها بطرشيل، وبدأتُ الاعتراف مستحضراً من الذاكرة الصلوات المختصّة. اعترف الأب سرجيوس بصدق وحرارة ودموع. كان آخر اعتراف له على الأرض. بعد ذلك طلبت منه أن يعرّفني. اعترفنا وبكينا على سجيّتنا وبدون ارتباك.

سرعان ما أتى مدير السجن نفسه وطلب منّا أن نتبّعه. في الممّر قابلنا الأب ل. بوغوبافلانسكي الذي كان أيضاً منقولاً إلى مكان آخر. ثم اقتِدنا خارجاً نحو المدخل الخلفي حيث استلَمَنا الجنديان اللذان سيأخذاننا. عبرنا الساحة ثمّ حُشِرنا، ثمانية أشخاص، في سيارة ليموزين. كانت ضيّقة لدرجة أن الأب بوغوبافلانسكي أضطر أن يربض على عقبيه مّتكئاً علينا. جلس واحد من الجنود المرافقين قرب السائق. وجلس آخر معنا مقابلي.

أبقيتُ نظري على الشبّاك طول الطريق آملاً رؤية وجه مألوف، لكنني لم أرَ أحداً. قدم الأب سرجيوس لنا جميعاً، حتى للحارس، بعض الفراولة الطازج الذي كان قد حصل عليه ذلك النهار، مما كسر الحجاب وفتح مجالاً للحوار مع الحارس. عندما رفض هذا الأخير ثمر الفراولة علّق الأب سرجيوس أنّه ليس سامّاً. بعد كل ما حدث لم نكن نفكر بالموت حتى. عندما سألنا عن سبب نقلنا إلى سباليرما، أجاب بشيء من الاحتراس بأنّ رأيه الخاص هو أنّه كان سيُعفى عنا من موسكو. لكن بما أنّ التسهيل رقم 1 كان مكتظاً إذ قد جلبوا بعض اللصوص للمحاكمة فق تمّ نقلنا. هناك في سباليرنا، أكمل قائلاً، سنجد الأمر أكثر هدوءً. لقد كان مصيباً بهذا بالتأكيد إذ لم يكن هناك مكان أكثر هدوءً من سباليرما، لقد كان مثل القبر. طوال الطريق كنت مشغولا أفكّر بأننا ربما لسنا مأخوذين إلى سباليرما… وعندما وصلنا إلى المكان المقصود هدأ روعي.

في سباليرما اتُخّذت إجراءات السجن الاعتيادية، وثم أُخِذنا أوّلاً إلى المكتب ثم اقتادونا في ممر طويل تحت الأرض. “حسناً “، فكّرتُ، “سوف يضعوننا في مكان ما تحت. لقد قيل أنّه، في ظلام حالك كهذا، وفي هكذا زنزانات يغلقون على حثالة الناس غير المرغوب بها. مشينا بصمت. كان الهدوء ثقيلاً، ما عدا وقع خطوتنا العميق. لم نرَ أيّ وجه إنسان، حتى الحراس اختبأوا بعيداً في مكان ما.

وصلنا إلى حائط وبدأنا بصعود درج لولبي ضيق ذو فسحات متتالية ضيقة. صعدنا أعلى فأعلى. هذا يعني بأنني لن أُغرس في قبو رطب. صعدنا حتى الطابق الرابع. أيضاً تسلّلَت إلى رأسي فكرة مزعجة. هنا، بدون أي شك الزنزانات مخصّصة للسجناء بناءً على خطورة جريمتهم. هكذا بدا النظام في التسهيل رقم 3. يرسَل السجناء الأسواء (أو الأخطر) إلى الطوابق الأعلى. نحن صف نزلاء الموت سوف نكون بعد كل هذا أقرب إلى السماوات حيث سوف نذهب عاجلاً (السماوات التي يجب أن نفكر فيها في أغلب الأحيان). في السجون، كنت أفضّل الطوابق العلوية، هناك هواء وضوء أكثر، يستطيع المرء رؤية السماء، بشكل أفضل ويشعر بشكل بثقة بالنفس أقل.

تمّ توزيعنا نحن الثمانية من التسهيل رقم1، على عدة طوابق في زنزانات متفرقة، ليست قريبة، وبذلك لن نستفيد من التواصل مع بعضنا، باستثناء يالاشيش واوجنيف، ولضرورات غير منظورة بدون شك، وأحياناً جسدية، اللذان وضعا في زنزانتين متجاورتين. لكنهما اكتشفا هذا في النهاية فلم يستفيدا منه. تمّ وضع يالاشيش، أوغنيف، كيفا شارير وانا في الطابق الرابع، اما الأب سرجيوس، بوغوبافلانسكي وشوكوف فقد اقتيدوا إلى الثالث. بينما ألاسل نوفيتسكي إلى الطابق الثاني حيث كان يوجد أسقفان. لم نعلم شيئا بالطبع في ذلك الوقت حول هذا الترتيب، لكننا عرفنا عنه لاحقاً حين وصلنا إلى التسهيل رقم 2.

تمّ اقتيادي إلى زنزانة، لم أعرف ما كان رقمها. كانت زنزانة كالباقيات عرضها حوالي سبعة أقدام ومثل ذلك بالطول. على يسار الباب، كان هناك سرير حديدي مثبّث بالحائط، له غطاء بالٍ كان يحوي في زمن ما قشّاً لكنه الآن يحافظ على القليل من بقاياه… مقابل السرير قرب الحائط الآخر كان هناك طاولة معدنية مرّبعة صغيرة مع كرسي من نفس الصنع، وهي أيضاً مثبّثة بالحائط. وراء الطاولة في الزاوية قرب الشباك كان المرحاض مغ مغسلة عليها صفيحة ماء… بجانب الباب كان هناك على الحائط تعليقتان ورف صغير.

كنا في اليوم الأول تحت مراقبة مستمرة. كانت السياسة العادية المتبّعة، خوفاً من أن نقوم بالانتحار أو نتواصل مع جارنا أو حتى من أن نهرب أو أن نتلقى معاملة خاصة، لا أستطيع الجزم. في أول الأمر كانت قرقعة فتحة الباب المتكررة توتر أعصابي وتجعلني مترقباً وخائفاً من أي شيء، لكني أصبحت معتاداً عليها ونادراً ما عدت ألاحظها. إضافة إلى ذلك، كنت أفكر في أية معلومات كان سيقدم هذا النوع من المراقبة للسلطات. كل ما كان السجناء يفعلونه هو الصلاة والمشي حول زنزاناتهم.

لن أنسى أبداً عيد القديس سرجيوس (5 تموز). لقد رقدت في الوقت المعتاد في الليلة التي قبله. مرّت فترة طويلة لم استطع النوم فيها، لسببٍ ما كان قلبي ثقيلاً. فجأة، سمعت جرساً يُقرع.  ومرة أخرى… ما يعني هذا؟ من أين يأتي؟ ولماذا في مثل هذه الساعة المتأخرة؟ (كانت الحادية عشرة او الثانية عشرة) ثم تذكرّت: غداً عيد القديس سرجيوس رادونيج، وكانوا يقرعون في كاتدرائية القديس سرجيوس القريبة التي كانت تحتفل بعيد شفيعها. كانت الأجراس تنادي المؤمنين إلى خدمة صلاة ليلية. شعرت بالكآبة: هناك حيث الحرية، يحتفلون بالعيد. المؤمنون يذهبون إلى الكنيسة للصلاة، بينما انا هنا مغلق علي، محروم من المشاركة في العبادة وفي المناولة المقدّسة. تذكّرت انه قبل سجني كنت قد فكرت بالذهاب في هذا اليوم إلى دير القديس سرجيوس، فاجتاحتني رغبة جامحة للصلاة. نهضت وقمت بخدمة للقديس. بعدها رقدت وسرعان ما غرقت في النوم.

مضى الصباح كالعادة بحسب روتين السجن. لكن حوالي الثانية عشرة والربع فُتحت فتحة بابي وناولتني الحارسة المناوبة حزمة صغيرة ملفوفة بمنديل أحمر وهمست بقلق “خذّها بسرعة”، يظهر أنها الجسد المقدس، أنتبه ان لا تقع منك” . أخذتها بكل وقار وخفضتها وانا أرتعش. كان في المنديل صندوق صغير مُذهَّب كان فيه جسد ودم المخلص المقدسين من القداس في الكاتدرائية جسد. فصَّلت لنفسي قطعة ثم لففت العلبة مرة اخرى وانتظرت ليأتي أحد ويأخذها.

في خلال نصف ساعة اتت إمرأتان لم أرهما من قبل، برفقة المفتش الذي تعاطف سابقاً معنا والذي كان منذ عدة أيام قد انتدب للخدمة في طابق آخر. أرادت المرأتان أخذ العلبة لكن المفتش ذكرّهما انه ليس من المفروض ان تلمس النساء الجسد المقدس، فأخذه بنفسه، وراقبتهم ينزلون الدرجات. لقد كانت زنزانتي رقم 182 تقع مباشرة مقابل الدرج.

تُركت مع الجسد المقدس. لكن ما العمل؟ هل يجب ان أتناوله كله حالاً؟ لكنني لم أكن مستعداً فقد كنت قد انتهيت من الغذاء. فقررت الانتظار حتى اليوم التالي. لكن هل سأكون حياً؟ قررت أن أضع الجسد المقدس ملفوفاً في قطعة ورق نظيفة في مكان سرّي، فإذا ما أتوا في الليل ليأخذوني إلى ساحة إطلاق النار، فسوف أتناوله مباشرة، واذا لم يحدث ذلك فإن القسم الذي معي يكفي لأربعة أو ستة أيام.

كنت مملوءاً بهجة بسبب هذه الهدية غير المتوقعة. حتى ذاك اليوم كنت قلقاً لاحتمال اعدامي رمياً بالرصاص من دون الاشتراك في الأسرار المقدسة. لقد اعترفت للأب سرجيوس في التسهيل الاصلاحي قبل نقلنا إلى سباليرما، لكن ذلك كان من شهرين تقريباً، لكني لم أتناول منذ أن كنت حراً. وفجأة أُرسلت لي الأسرار المقدسة. كنت مسروراً جداً وبمزاج بهيج. كانت هذه هدية واضحة من القديس سرجيوس. على أي حال سرعان ما بدأت تظهر أفكار متضاربة وبعيدة عن أن تكون مفرحة. وبدأت أفكّر: لماذا أرسلوا الآن الجسد المقدس؟ (لم أعرف حينها، بالطبع، أنه قد تمّ إرساله بطلب من الميتروبوليت بنيامين وبرصى سلطات السجن). ربما علم الذين في الخارج بمصيرنا السيء في موسكو، وقد أرسلوا القدسات باعتبار أنه زادنا الأخير. بالنهاية، لقد مرّ بالضبط اسبوعان. لكن إذا كان هذا هو الأمر، فلماذا أُرسل الجسد المقدس للجميع؟ من المؤكد أنه لم يتمّ الحكم على الجميع بالإعدام؟ هذا أكثر خطورة ممّا في موسكو حيث خمسة من أصل أحد عشر يتم إعدامهم. لقد قال المدّعي بنفسه ستيرنوﭪ، بأن قضيتنا أقل خطورة ممّا في موسكو، فهل أصبحت الآن نهاية حالتنا أكثر مأساوية؟ من الممكن. هذا يعني بأن الجسد المقدس لم يرسَل لتحضيرنا للإعدام. لكن ربما هذا بالضبط سبب إرساله. لم استطع معرفة كل شيء. لقد نشب صراع داخلي بين ….(صفحة6)

في تلك الليلة انتظرتُ مترقبا باضطراب، وقد قضيتها وأنا في الحالة نفسها متوقعاً بأنه، في أية لحظة، سوف يُفتح الباب وأوخذ إلى مكان ما بعيداً. الليلة التالية مرّت والأفكار نفسها تراودني. لم يأتِ الاضطراب بسبب الخوف من الموت بل بسبب يقين أكيد بموتي إعداماً، مع خزي ملازم بطريقة مهينة. كان هناك الكثير منه حين المحاكمة. إنه أمر متوقع، وليس بدرجة أقل، قبل الإعدام. لكن الاشتراك في الأسرار المقدّسة كان قد منحني قوة كبيرة وجعلني أقبل الموت بكل سلام. كنت مقبِلاً إلى الموت، لكنني سأموت مع المسيح بعد أن اشتركت في جسده ودمه.

تناولت الجسد المقدس للخمسة أيام التالية، مما منحني قليلاً من الراحة والفرح. يجري اليوم العادي في سباليرما بحسب الروتين التالي: عند الساعة السابعة أو الثامنة كنت أنهض وأقرأ بتأنٍ كل الصلوات الصباحية وقانون قديس النهار بحسب الدورة الأسبوعية. يستغرق هذا حوالي الساعة. بعدها كنت اذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، أستلقي، أقرأ الكتاب المقدس أو يوحنا الذهبي الفم. عند الظهر يكون الغذاء والشاي. ثم استلقي أيضاً، أتمشّى، أقرأ قانون يسوع الحلو، وبعد زمن قصير أتلو قانون مديح والدة الاله. عند الساعة الخامسة أتناول العشاء والشاي، ثم أقرأ قانون التوبة للمخلص وقانون الشفاعة لوالدة الإله، وبعد استراحة وجيزة أتلو صلوات المساء. في مساء الأعياد كنت أقوم بخدمة السهرانية قبل صلوات المساء، وفي الصباح القداس الالهي. في بعض الأحيان كنت أرتل كل التراتيل التي أذكرها وأنا أتمشى في القلاية.

إجمالاً كنت استمتع بسكينة روحية بعد وقت من الصلاة بتركيز. وغالباً ما كنت أختبر فترات طويلة من الإفراط في النشاط الروحي، إذ كنت أتعالى عن كل أمر أرضي، أي من هذا العالم، وأترك نفسي بالكلية أمام مشيئة الله.

يبدو أنني قد استفضت في وصف أمور حياتي الخارجية في سباليرما، بقى أن نتطرق إلى ما هو أكثر أهمية: حالة النفس أي الحياة الداخلية. لقد كانت خاضعة لشيء واحد كما لو أن هناك مسمار ينخر الرأس أو كألم مبرح في القلب. السؤال هو: هل يتم اعدامي أم لا؟ كان هذا السؤال حاضراً بشكل مستمر ومعذِّب. مهما فعلت أو شغلت نفسي كان يعذبني على نحو متواصل. وأنا أعني كلمة يعذبني. كنت أبدأ بقراءة الإنجيل فكان يبلبلني بشكل يمنعني من فهم ما كنت أقرأ. لم أستطع قراءة الذهبي الفم لمدة طويلة. فقط استطاعت رسائله إلى أوليمبيا أن تشدّ انتباهي قليلاً. حتى في هذا، كنت أقرأ سطرين أو ثلاثة، وأعود لا أفهم ما أقرأ بسبب استسلامي للأفكار القاسية نفسها. وكنت أقرأ بلا استيعاب.

فقط حين كنت أصليّ كنت أتمكن من نسيان نفسي. يحدث بأن تشعروا أنكم مكسورو الخاطر، تجتاحكم كآبة لا حدّ لها ولا تستطيعون تفسيرها. ستبدأون بالصلاة، وستشعرون أنه بالرغم من هذا فإن قوى غير منظورة تجرّكم بعيداً ويسيطر عليكم عدم رغبة بالصلاة بشكل حاد. سوف تتلفظون بالكلمات لكن رأسكم يكون مسحوقاً بشكل مثير للجنون ولن يكون سلام في قلبكم. ستقرأون ولا تفهمون: ستقرأون كلمات الصلاة نفسها ثانية وثالثة وفي النهاية – وانتم تجبرون نفسكم بهذه الطريقة – ستتحررون من الذي يعذبّكم، سيحل السلام في نفسكم، وستنهون الصلاة بمزاج هادئ وحتى مفرح، لانكم وجدتم حلاً لهذا السؤال وستكونون جاهزين، حتى في تلك اللحظة، لمواجهة الموت. فقط في السجن اختبرت الاكتفاء والسلام الحقيقي والفرح في الصلاة ومنها.    

الستارتز ليونيد

الستارتز ليونيد

إعداد راهبات مار يعقوب – دده

ولد ليف ناكولكين Lev Nagolkine عام 1767 في عائلة تنتمي إلى الطبقة البورجوازية في مقاطعة اوريل OREL الروسية. عمل في حقل التجارة، فأصاب نجاحاً باهراً، لما حباه الله من مواهب طبيعية جمّة. كان كثير التنقل بسبب طبيعة عمله. فجال طول البلاد وعرضها، مما أتاح له فرصة اختبار الحياة الاجتماعية بملئها، فاكتسب معرفة عميقة لنفسيات البشر ونوعياتهم، فكانت تلك المعرفة خير معين له في عمله كمرشد روحي.

لا نعرف شيئاً عن حياته الروحية في تلك الفترة ، إنما جلّ ما وصلنا أنه انضم إلى السلك الرهباني في التاسعة والعشرين من عمره، وأعطي اسم ليونيد. التقى بالشيخ ثاوذورس أحد تلاميذ القديس الكبير باييسيوس فيلتشوفسكي Paissios Veltshovsky فلازمه حتى آخر حياته. وحفاظا على التواضع والسكون، استقرّ الأب ليونيد في الاسقيط الكائن قرب دير اوبتينو Optino بعد موت معلّمه وصديقه الأب ثاوذورس. وكان لموته الاثر البليغ في نفس الأب ليونيد ، فكتب يصف خبرته تلك بقوله: “إن موت من نحبه لمؤلم جدا، وهو يدفعنا إلى الصلاة الحارة من كل القلب والنفس. “

كان الاب ليونيد طويل القامة، منتصب الجسم، وبالرغم من بدانته المرضية، كان سريع الخطوات خفيفها. وهبه الله قوة بدنية خارقة، فقد كان بإمكانه أن يحمل وبكل سهولة مائتى كيلو غرام دفعة واحدة. أما عيناه فكانتا رماديتين ثاقبتي النظرات، ووجهه يطفح بشرا. إن مجرد الوجود في حضرته كان يكفي ليضفي على من حوله شعوراً بالسلام والفرح الداخلي. فتتبدد الأحزان، وتطرد الأفكار السيئة، أما القلوب فتنفتح نحو الله. لم يره أحد قط حزيناً أو غاضباً أو قليل الصبر. صلاته كانت قلبية لا تنقطع فهو القائل: “إني لأجل محبة القريب لمستعد أن أمضي يومين متتاليين أتكلم معه، إن كان ذلك ضرورياً، دون أن تتأثر صلاتي الداخلية.” كان الأب ليونيد يتناول القرابين المقدسة كل أسبوعين مرة في كنيسة الاسقيط. كان ينام ثلاث ساعات فقط في الليل، أما طعامه فكان وجبتين معتدلتين في اليوم. كانت أصابعه مشغولة دائما، حتى أثناء إرشاده لتلاميذه أو لقائه مع العلمانيين، بصنع زنانير صغيرة كثيراً ما كانت بركة لزائريه. كان يتمتم صلاة يسوع بلا انقطاع أو أحياناً تسمعه يرتل بعض التراتيل.

تغّيرت الحياة الرهبانية في اوتينو Optino لحظة سكنى الشيخ ليونيد الاسقيط، إذ تحولت قلايته إلى مركز روحي للدير. فكان الأب موسى رئيس الدير يأتيه ورهبانه كاشفين أفكارهم وطالبين إرشاده. وما هو إلا زمان قليل حتى تبعتهم جموع العلمانيين يأتون من كل جنب وصوب متدفقين لينهلوا من النبع هذا. في عام 1834 أتى الراهب الكاهن مكاريوس إلى اوبتينو، فأضحى المساعد الأمين للشيخ ليونيد، إذ كانا يستقبلان الزوار سوية ويستمعان الاعترافات ويجيبان على الرسائل. وكما أنه لا يمكن أن تخفى مدينة مبنية على جبل، هكذا اخذ شعاع أبوتهما الروحية ينتشر ويمتد، حتى أن أديرة عديدة أخضعت نفسها لارشاد شيوخ اوبتينو.

شدّد الشيخ ليونيد في تعليمه على التواضع الذي هو أعظم الفضائل. وعلّم تلاميذه الهرب من المجد الباطل بتفاديهم أعمال النسك الظاهرة وبممارستهم النسك الداخلي الخفي والقيام بالأعمال الجسدية الوضيعة. ففيما كان منشغلاً ذات يوم بمحادثة مع بعض الزوار، أتاه أحد تلاميذه طالباً كتاب الفيلولكاليا، ظاناً بأن الشيخ سيعطيه إياه دون أي استفسار، وذلك لئلا يقطع محادثته. لكن الشيخ أصرّ على معرفة دوافع الأخ لأخذ كتاب كهذا. ولما علم أن الأخ المبتدئ أراد دراسة موضوع الصلاة عند القديس كاليستوس، وبّخه بعنف قائلاً: “كيف تجرؤ على أن تنشغل بموضوع من هذا المستوى الرفيع؟ بدلاً من أن تدرس القديس كاليستوس، خير لك أن تنظف الأقذار من أمام الباب. تذكّر سيمون الساحر كيف بعد أن ارتفع في الهواء سقط على الأرض. احذر وكن متواضعاً لئلا تصادف مصيراً كهذا.” عندما سمع الأخ هذا انصرف منتفعا متعجبا من حكمة الشيخ.

اعتاد أخ الإلحاح ليسمح له الشيخ بلبس سلاسل حديدية ، ولكن الشيخ كان دائم الرفض، إلى أن أتى يوم استدعى فيه الأخ الحداد وقال له: “إن أتاك الأخ الفلاني قائلاً: ببركة الرئيس اصنع لي سلاسل حديدية لألبسها، اصفعه على وجهه. وهكذا كان. فلما أتى الأخ طالبا من الشيخ البركة لتقلد السلاسل، أذن له أرسله إلى الأخ الحداد. فما كان من هذا إلا أن صفعه على وجهه صفعة قوية. فلم يحتمل الأخ الضربة وبادرها بضربة مماثلة. فاشتدّ الخلاف بينهما وأتيا الشيخ يشتكيان على بعضهما البعض. فتأملهما الشيخ برهة بحزن وأنّب الأخ المصفوع قائلاً: “كيف تزعم يا أخي انك تستطيع احتمال السلاسل بينما فشلت في احتمال صفعة بتواضع”.

كافأ الرب الشيخ على تواضعه بموهبة البصيرة الروحية، فكان يعرف أسماء زائريه واحتياجاتهم حتى قبل إن يسألوه. ففي إحدى المرات، زار لاهوتي شهير رئيس إحدى مدارس إعداد الكهنة دير اوبتينو. فسأله موسى رئيس الدير إن كان يود أن يزور الشيخ ليونيد. إلا إنه رفض باشمئزاز قائلا: “ولماذا أذهب أنا اللاهوتي لاتحدث مع هذا الفلاح ابن الفلاح.” بالطبع لم يخبر أحد الاب ليونيد ما جرى. وفي الغد عدل اللاهوتي عن رأيه، وذهب لزيارة الشيخ الذي بادره فور دخوله القلاية بقوله: “لماذا أتيت لتتحدث مع الفلاح ابن الفلاح؟” اضطرب الأستاذ وطلب السماح من الشيخ، وبقي بقربه ساعات طوالا، عاد بعدها يقول للأب موسى : “ماذا يجيدنا نفعا كل علمنا. إن معرفته العميقة إنما هي الحكمة الحقيقية المباركة من الله.”

كان يعيش بقرب اوبتينو إنسان نبيل غني اعتاد أن يقول بتهكم: “إني لو صادفت الشيخ ليونيد، لجعلته يعترف بكل ما في قلبه”. وحدث فعلا أن أتى هذا النبيل بنفسه إلى الشيخ، فلما دخل القلاية، فجاءه الشيخ بقوله: “انظروا إلى هذا الرجل الفظ. انه يدّعي بأنه سيجعلني أعترف بما في قلبي، رغم انه هو نفسه لم يعترف ولم ينل الشكر منذ سبعة عشر عاما.” انذهل النبي مما قيل، واخذ يعترف من تلقاء نفسه بأنه يحيا حياة غير لائقة، وانه فعلاً قد أهمل سري الاعتراف والشكر لمدة عشر عاماً كما قال الشيخ.

ورغم مواهبه الجمة، لم ينجُ من الاضطهاد، إذ كان نصيبه كنصيب سائر الأبرار القديسين الذين عانوا الكثير من آلام الاضطهادات. فالأعداء كانوا كثر. ولسوء الحظ كانوا من الرهبان أنفسهم ومن الاكليروس. فقد منع بعض الجهال منهم ممارسة “كشف الأفكار” بالهرطقة. واستهجن آخرون اللقاءات الودية بين راهب يرتدي الاسكيم الكبير وبين علمانيين من بينهم نساء. وقدم فريق ثالث تقريرا رفع إلى مجلس الأبرشية يتهم القديس تهما مختلفة. فما كان من مطران كالوغا Kaloga إلا أن أمر الشيخ ليونيد بترك الاسقيط والتوجه إلى الدير للعيش فيه كسائر الرهبان. كما حرّم عليه ارتداء الاسكيم الكبير. قبل الاب ذلك بتواضع وصبر، وخضع بدون تذمر لأوامر سلطة الأبرشية. غير أن كل هذه التشديدات لمنعه من استقبال الزوار العلمانيين، لم يقف حائلاً بينه وبينهم. فاستمروا يتهافتون عليه طارحين ثقل آلامهم بين يديه. وكيف لهم إن يبتعدوا عمن هو أبوهم وصديقه وشفيعهم في آن واحد. فقد روى أحد حراس القيصر، بأنه لدى عودته من منطقة قرب اوبتينو، استوقفه أهل القرى الصغيرة، ظانين انه عائد من اوبتينو وانهالوا عليه بالأسئلة عن الأب ليونيد. فأصابه الدهش لما سمع، ولما استفسر عن علاقتهم بهذا الأخير ، فوجئ بردهم: “تسألنا أيها السيد من أين نعرف الأب ليونيد؟ هل يمكن أن لا نعرفه؟ وكيف نجهل من هو لنا أكثر من أب نحن الجهال البائسين؟ فمن دونه نحن أيتام قسى الدهر عليهم”.

وجد الأب موسى في الدير نفسه في وضع حرج، أيطيع تهديدات الأسقف أم يتبع صوت ضميره المسيحي؟ ففي أحد الأيام، بينما كان الأب موسى ماراً بقرب قلاية الشيخ، رأى جموعاً غفيرة تحتاط به أمام القلاية. فرأى الرئيس نفسه مجبراً أن يذّكر الأب ليونيد بإدارة الأسقف الصريحة. أما الشيخ فأشار بيده إلى إنسان مقعد مطروح قرب القلاية قائلا: “انظر إليه. إنه وهو حي بعد يقبع في عذاب جهنم، وإني أستطيع أن أساعده وأن أنقذه. لقد أرسله الله إلى هنا لكي يتوب ولأكشف له خطاياه”. ارتاع الأب موسى لدى سماعه ذلك، لكنه أصرّ قائلاً: “إن سيادته يهدد بتوفيقك”. فأجاب الشيخ: “وماذا سيؤثر هذا عليّ. باستطاعتكم أن ترسلوني إلى سيبيريا، أن تحرقوني حياً. لكني لن أتغيّر سوف أبقى ليونيد نفسه. أنا لا أدعو أحداً اليّ لكنّي لا أستطيع أيضاً إن أطرد الذين يأتون”.

أخيرا توقف الاضطهاد ضد الاب ليونيد عام 1837، عندما زار فيلاريت مطران موسكو وحامي الأبوة الروحية اوبتينو، بصحبة مطران كالوغا. سأل الحبر الشيخ لماذا لا يرتدي اسكيمه الكبير. صمت الشيخ ولم ينبس ببنت شفة. فأمره الأسقف بارتدائه من جديد.

ولكن ما إن مضت سنتان، حتى بدأت الصعاب من جديد. اذ نُقل الأب ليونيد إلى قلاية أخرى بعيدة عن مدخل الدير، وذلك ليُعزل تماما عن الاتصالات بالشعب. إلا إن الجموع كانت تنتظره كل يوم ساعة مجيئة إلى الكنيسة، فيزدحم الناس حوله ساجدين عند قدميه ومقبّلين أهداب ثيابه. كان من المنتظر أخذ تدابير جديدة في حقه، كأن ينفى إلى أحد الأديار النائية. ولكن تدخل فيلاريت موسكو وحده الذي حدّ من غيرة أسقف الأبرشية ونقمته العاصفة. فكفّت الاضطهادات ضد شيخ اوبتينو.

كثرت عجائب القديس جداً. فكان يشفي المرضى بصلاته، ويحل الخطايا، ويقوّم اعوجاج النفوس. استمر هكذا إلى آخر نسمة من حياته. فقبل رقاده بسنة، أخبر عن يوم وفاته قائلا: “بعد عام سأكون هناك”. مشيراً إلى القبر الذي كان مزمعاً أن يحوي رفاته المقدسة. في 28 من شهر أيلول 1841، طلب إلى الاخوة أن يصلّوا الخدمة الخاصة بالمحتضرين. فأخذ أولئك بالنوح والعويل على فقدانهم أبيهم، الذي عزّاهم بأنه سيكون معهم دائماً، وسيصلّي لأجلهم، لكي يكون المسيح سندهم، وأن يقودهم إلى طريق الخلاص المفرّحة. لم يعد بعد ذلك يتناول أيّ طعام، لكنه تناول القرابين المقدسة اثنتي عشرة مرة خلال أسبوعين. هذا رأى بعين الروح الشيخ يحتضر فأتى لوداعه ونيل بركته الأخيرة، وقد كان على علاقة معه منذ زمن بعيد. فقال للشيخ: “لقد حان وقت تبديل الثياب”. مشيراً إلى حلول ساعة الموت. فأجابه الأب ليونيد: “صلِّ لأجلي يا فاسيلي لكي ينجيني السيد من الموت الأبدي”. فطمأنه الزائر بقوله: “ثقْ، لا تخف سوف يخلّصك”.

وهكذا انتهى جهاد هذا القديس الذي أعلنت الكنيسة الروسية قداسته مع سائر شيوخ اوبتينو في الذكرى الألفية لمعمودية الروس. وكانت كلماته الأخيرة:” المجد لك يا الله، المجد لك”.

فبشفاعات القديس ليونيد وكل شيوخ اوبتينو أيها الرب يسوع المسيح ارحمنا وخلصنا، آمين.

الشيخ خريستوذولس الكاتوناكي

الشيخ خريستوذولس الكاتوناكي

إعداد راهبات مار يعقوب – ددة

إنه أحد ابرز الوجوه التي لمعت في النسك والجهاد المقدسين. نسك ما يقارب ٦۰ عاما في مناسك كاتوناكي. كان مرتع راحة نفسية وروحية لآباء واخوة كثيرين ومعلماً للفضيلة وخاصةً في ممارسة الصلاة الذهنية.

ولد خريستوذولس عام۱۸٩٤ في منطقة لاميا قرب أثينا وأصبح يتيم الأب وهو في سن العاشرة. انتقل بعد ذلك نهائياً إلى منطقة خالكيذا حيث تعلّم مهنة الإسكافي. غرست أمه في نفسه منذ حداثته بذار التقوى وحقائق أسرار العقيدة المقدسة، ومن ثم منحته بركتها كأم صالحة لاعتناق الحياة النسكية.

قادتها محبتها لله الى محاكة حياة ابنها فحوّلت بيتها إلى دير وأصبحت هي نفسها راهبة متوشحة بالاسكيم الرهباني الكبير تحت اسم مجدليني. وبعد خمسة عشر عاما من الجهاد المستمر بلغت إلى درجة الكمال الرهباني ثم ما لبثت أن غادرت هذا العالم حاملة معها مجد جهادها المقدس.

دخل الشاب خريستو، كما كان يدعى، حلبة الجهاد والصراع الرهباني وهو في سن الثلاثين. كان يتحلّى بالوقار ورجاحة العقل ممتلئا أشواقا وأماني مقدسة، يحفزه حماسه وتقواه لتسديد الضربات المتوالية والقوية إلى مرمى العدو غير المنظور وإلى مرمى نفسه بالذات ليحدّ من تسلط الأهواء.

لقد تلقى الدعوة إلى الحياة الرهبانية من ملكة الجبل نفسها وبطريقة سرية غير معلومة. صحيح أن الوعود الكثيرة والجميلة التي وعدته بها الدائمة البتولية كانت مشجعة، لكن المسؤولية كانت أيضا جسيمة. فالواجبات لا تحصى، وأهمها أنه على كل راهب أن يشق لنفسه سكة سماوية يسير فيها بتؤدة وجهاد نحو العلاء، لينصب لنفسه هناك مظلة مقدسة إلهية. وهذا ليس بالأمر السهل اذ يتطلب جهاد الحياة بأكملها.

ها هو ذا جندي المسيح، لا بل أسير عشق المحبة الالهية، يطفر بين الأديار والمناسك متنقلاً ليختار في نهاية المطاف، وكحمامة محبة للقفر، الانعزال في برية موحشة لا عزاء فيها. إن المكان الذي اختاره يسبّب، لأول وهلة، لدى الزائر العادي كآبة واضطراباً، إذ إن طبيعته لا توحي بوجود أية راحة أو تعزية داخلية. فالصخور غرانيتية سوداء وعرة ومخيفة، والوديان ضيقة تولّد تجهماً وضيقاً للنفس، الأشجار تقريباً غير موجودة فالمنطة صخرية. لكن هذه الطبيعة، مع وجود قلالي النساك المتناثرة والمباركة، تؤلّف بتسبيحاتهم وتأملاتهم، تغريداً صامتاً وسرياً للأبدية. تتقهر وحشة المكان منهزمة بقوة محبة الله العارمة في النفوس ويغدو القفر بهجاً للسكنى وللجهاد الرهباني والفوز على الذات.

إذاً، إلى هنا، إلى هذا المكان دعت نعمة الله عبدها خريستو ليعيش ويجاهد، لا لنفسه فقط، بل ومن أجل الآخرين أيضا. في السنوات الأولى لجهاده، وجد المبتدىء الشاب ضالته المنشودة في شخص الأب كالينيكوس رجل الله واليقظة الروحية الذي سيرشده كربّان ومدبر حكيم الى ميناء الملكوت بكل معرفة ودراية. فأخضع المبتدىء له إرادته وذاته بجملتها طوعاً وبكل صبر وثبات. فكانت طاعته الكاملة وتدربه على ممارسة الصلاة الذهنية، الطريق المثلى لحياة النسك. لم يكن يملك أية تعزية بشرية: فالماء شبه منعدم تقريباً، غذاؤه اليومي بضع قطع من الخبز الجاف، تعب جسدي مفرط واستشهاد يومي غير دموي لقطع الارادة الذاتية، وعزلة المكان ووحشته. كل هذا لم يثنِه عن عزمه في متابعة السير قدماً في الطريق الضيقة. إنه مصمم على الموت من أجل المسيح وحباً به.

إن طاعته الكاملة لرئيسه جعلته يتمتع بين الفينة والاخرى بغبطة وفرح سماويين، وزوّدت عقله بحكمة إلهية أضحت مدعاة لسموه فوق كل أرضي ومادي. وأما ما سمعه من كلمات مباركة وجّهت اليه يوم سيامته والقائلة: إن الحياة الرهبانية هي تعهد يومي لحمل الصليب ومجابهة الموت حثّته ليصير منذ بدء رهبانيته ذا خبرة ودراية روحية. لقد احتمل كل أشجان وضيقات ومصاعب الحياة النسكية من أجل ملكوت السموات وبقي أمينا لوعوده وعهوده حتى آخر حياته فهو القائل “إن كثيرين أرادوا اعتناق هذه الحياة، ولكن للأسف، سرعان ما رجعوا القهقرى الى الوراء إذ أغرقتهم أفكار اليأس وزعزعتهم قساوة حياة الاسقيط وشظفها”.

كان رئيسه قاسياً جداً وبطريقة غير مألوفة كان يدربه على قطع إرادته وخلع الإنسان العتيق من نفسه، ليحيا، وهو على الأرض كما يتدبّر الملائكة في المدينة السماوية. لقد كان يرسله، مثلاً، إلى مدينة كاريس عاصمة الجبل، ولو كان من أجل رسالة واحدة، سيراً على الأقدام في مسافة يستغرق قطعها مدة ۱۰ ساعات، ليعود في اليوم التالي، على قدميه أيضاً، حاملا على ظهره كيساً مملؤاً بالمشتريات يتراوح وزنه بين ٢٥ و۳۰ كيلوغرام. كما لم يكن يسمح له كثيراً بقراءة الكتب حتى ولو كانت روحية مردداً: “ماذا يجديك نفعاً قراءتها دون العمل بها؟”.

بقي مدة سبع سنوات مع معلمه. وفي هذه الفترة تركزت معرفة الأب خريستوذولوس الروحية على قواعد عملية فغدا راهباً مجرباً، مختبراً ذا حنكة في الجهاد والفوز على الشياطين.

لقد استحق بعد موت معلمه أن يحصل على تلاميذ مختارين. ففي عام١٩۳۰ وبعد أشهر قليلة من رقاد رئيسه أرسلت اليه العذراء أول تلميذ دعاه كالينيكوس تيمّناً باسم معلمه ووفاءً له، فأضحى هذا الراهب سند الأب خريستوذولس وتعزيته، فقد خدمه مدّة ٥٢ عاما دون تضجر أو تذمر وبعد شهرين. من مجيء كالينيكوس تبعه والده بالجسد ايوسيف الذي نسك معهما مدّة ٢٢ سنة ثم رقد بالرب عام ١٩٥۳. ثم انضم راهب آخر الى هذه الشركة المقدسة وهو الأخ جراسيموس الذي تميّز بصبر ونكران عجيبين.

كانت الأيام الأخيرة للشيخ مؤلمة ومحزنة جدا. فقد كان يعاني من مرض الاستسقاء ومن التهاب الكبد بالاضافة الى امتلاء الرئتين والأحشاء بالماء والقيح، الأمر الذي أحدث له شقوقاً كبيرة وعميقة في مختلف أنحاء جسده كان يجري منها القيح كما من صنبور ماء، مما يسبب له آلاماً مبرحة وانزعاجاً كبيراً. لقد ذاق وعانى خبرة المرض والألم، فكان يقول: “الأمراض نافعة إذ إنها تطهرنا من الأدران العالقة بنفوسنا”. ثم أضاف: “أرجو أن يأخذني الملاك القديس بسرعة فقد غدوت ثقلاً عليكم بتحملكم لأوجاعي وأوهاني. الويل أنا الانسان الشقي لم أهتم بخلاص نفسي كما ينبغي وها أنا عارٍ من كل فضيلة وشبيه بالبهائم فصلو من أجلي كي أتخلّص من أرواح الهواء الشريرة التي سوف تفتري علي بأكاذيب جمّة. قوي أنت يا رب وقادر أن تخلصني أنا الضعيف غير المستحق لرحمتك الإلهية ولا لهؤلاء الملائكة الأرضيين الذين أرسلتهم لخدمتي”.

لقد خبر هذا الأب نعمة التوبة بقوة وهذا ما كان يظهر من شوقه ورغبته ليقوم باعتراف عام وشامل لحياته عند بدء كل صوم كبير. كان ذكر الموت وخوف الجحيم يلازمانه، وبهما خبر نخس القلب وتوجعه كما عرف موهبة الدموع فكانت مآقيه تذرف الدمع سخياً الليل والنهار. كما تميّز بموهبة التعليم والارشاد الروحي فكان يرشد كل أخ أو زائر بكلماته الحكيمة والأبوية. لقد منحه الله الكثير من النعم والمواهب الالهية وبفضائله هذه أنار نفوسنا وشدد وهنها.

ومن تعاليمه لاخوته الرهبان قوله:” املكوا المحبة في قلوبكم دائماً ومن يسرع بضرب مطانية لأخيه فذاك هو الرابح والمنتصر على الشيطان الذي اعتاد أن يزرع الخلاف بين الاخوة. تجنبوا العثرات ما استطعتم لأنه أمر سيء جداً ومشجوب أن يكون أحدنا سبب عثرة وشك للآخرين الصلاة فضيلة مقدسة وبواسطتها يسكن المسيح في قلبنا دون أن ندرك كيف. لا تضطربوا إذا ما تشتت الذهن أحيانا فأن الله رغم ذلك يسمعها والشيطان يهرب منها بعيدا لا تهملوا قانونكم أبداً فالقانون اليومي حارس أمين للنفس من كل تجربة عارضة أثناء النهار. الصليب الكريم يقيم الموتى ويشفي السقماء فتسلّحوا أنتم إذاً بإشارته قبل بدء كل عمل وأينما حللتم اهتموا أولا بروحياتكم وتقديس نفوسكم والعذراء مريم ستهتم بالزمنيات والماديات. عندما تزاولون عملا ما أثناء اقامة الخدم الالهية فان هذا العمل يكون بمثابة الصلاة ويعتبر تعبكم بدل المطانيات عندما لا تستطيعون اتمامها. غاية الراهب الابتعاد عن العالم والعالميات التي من شأنها أن تشوش ذهنه لأن الراهب انما يعني ذهناً نقياً مشاهدا لله.

وربما تتساءلون كيف نستطيع أن نحقق هذا؟ انما هذا بممارسة البساطة المقرونة بالصلاة هذان السلاحان هما هدية بها تطعنون الشيطان في الصميم. لا تتهاونوا في إتمام وصايا الرب. كلّ ما تسعون لتحقيقه هنا على الأرض إنما هو من أجل الحصول على الحياة الأبدية. يجب على الراهب أن يقرن الحياة العملية بالحياة التأملية فيمد الرجل الواحدة لعمل الطاعة، بينما الأخرى قابعة داخل القلاية تتأمل في الحكم الرهيب الذي للسيد المسيح يوم الدينونة. كلنا نملك الأهواء لأننا أتينا الدير من عالم يسوده الشر. لذا علينا ن ننزع هذه الأهواء من جذورها بحسب تعليم الأب دوروثاوس لأنه بقدر ما يتقدم الانسان في العمر ويشيخ بقدر ما تتجذر السيئات أيضا وتترسخ في النفس ويصعب اقتلاعها انتبهوا لأفكاركم كل فكر تهاون تستجيب له يستحق ضرب خمسين مطانية تكفيراً حققوا الهدف الذي من أجله خرجتم من العالم وجئتم الدير أي خلاص النفس وقداستها. اننا لم نأتي من تلقاء أنفسنا إلى الحياة الرهبانية وبشكل خاص الى الأرثوذكسية. فاحتفظوا إذاَ بالرجاء واليقين الثابتين في الله وثقوا أنه مخما أنجز الانسان وحقق من صغيرات أو كبيرات انما الله هو فاعلها( لأنه بدوني لا تستطيعون أن تفعلوا شيئا) كما هو مكتوب. المنالة الالهية تهدىء النفس وتنيرها والمضطرب داخلياً يجب أن يمتنع عنها. يجب أن تكون المناولة ببركة الرئيس وبرغبة فائقة وشوق كبير من المتقدم. هنا في الهدوء أي في الحياة الرهبانية أو النسكية يغير الجهاد حياة الانسان رويدا رويدا. ويكتسب الفضائل بنعمته تعالى متحولاً إلى إنسان إلهي. كم من الصالحات والخيرات يعدها الرب لمختاريه الأمناء من الرهبان والراهبات”.

وأما عن السيدة العذراء فكان يقول:” ليكن لكم تقوى ومودة خاصين بالعذراء مريم. إنها تحكم وتحمي هذا الجبل المقدس وسوف تحفظه الى انقضاء الدهر. إن المحال يحشر ذيله في كل مكان في المنازل، في الاديرة، في المناسك… ولكن عندما نتلو “أيتها الفائق قدسها والدة الاله خلصينا”، يفر المثلث اللعنة حالاً. مغبوطون هم الذين يقيمون ويموتون هنا أي في الجبل المقدس لأن سيدتنا العذراء وعدت بأن تشفع لدى ابنها من أجل خلاصنا وكل ما نقوم به من سهر وصوم وتعب إنما نفعله حمداً وشكراً للعذراء التي بدونها لن يخلص العالم فهي قالت ها أنذا أمة للرب وأصبحت بهذا القول علة تجسد المسيح وليس بالأمر اليسير أيضا أن نشتم نحن الرب ونهينه.

وعن فضيلة الضيافة قال: يجب أن نعتني بالغرباء كي يرحلوا عنا شاكرين فنحظى بصلواتهم لنا. إن فضيلة الاحسان عظيمة والرب يبارك خاصة اولئك الذين يتعاطونها”

كان الاب خريستوذولس واحداً من أكابر نساك عصرنا: فقد ضبط تقليد الإسقيط القديم وسلمه بصفاء دون شوائب أو زيادات الى خلفائه. كان يتحلى بروح الشركة والتسامح ويرشد بحكمة مقدماً حياة القديسين مثالاً يحتذى ويستفيد منه الكثيرون، فكان مثالهم أبلغ وأجدى نفعا من الكلام القاسي أو التوبيخ. كان يمك سلاماً داخلياً نابعاً من طاعته الكاملة المقدسة إذ لم يكن يرفض أبداً أي عمل يشار به عليه إن من معلمه أو من سواه. وكان يقول عن رئيسه: ” لقد لقنني ممارسة الفضيلة بصمت. وبحزمه وقساوته على نفسه وشظف عيشه علمني أن ألقي رجاء خلاصي وتدبير حياتي على الله وليس على أعمالي”.

قبل السيد جهاده النسكي كذبيحة مرضية وأنهى حياته في فترة القيامةففي يوم الخميس من أسبوع حاملات الطيب رحلت نفسه المقدسة إلى السماء تاركة خلفها رائحة عطر فضائلها ونسكها. لقد كان له من العمر ثمانون سنة، أمضى منها خمسين سنة في النسك والجهاد المقدسين.

إننا نشكر الله الكلي الصلاح، والسيدة العذراء اللذين أظهرا لنا كأنوار ثاقبة تنير ظلمات حياتنا رجالا قديسين منحهم الفهم الروحي والاستنارة الداخلية، فكانوا العضد والسند لنفوسنا المسترخية من أجل استمرارية الجهاد والوصول الى الملكوت العلوي الهدف، المنشود لكل راهب.      

الراهب ايسخيوس أب إسقيط القديسة حنة

الراهب ايسخيوس أب إسقيط القديسة حنة

إعداد راهبات دير مار يعقوب

من بين الأزهار الفوّاحة التي أينعت في حديقة العذراء كان الأب ايسخيوس المزيَّن بالفضائل.  ولد في قرية صغيرة في ميسينيا MISSINIA عام ۱٩۰٥، من عائلة ورث منها الأموال الطائلة، كما أخذ عنها التقوى وحب الله والقريب. توفي والده وهو لم يزل بعد في الحشا الوالدي. أعطي في المعمودية اسم ديموستيني DIMOSTINI، وهو اسم كان معروفاً في قريته وليس تيمناً باسم أي قديس. عرف بوقاره وحشمته ورصانته. كان ذكياً جداً، تفوق على زملائه في المدرسة لدرجة أنه تمكن خلال عام واحد أن ينهي عامين دراسيين. ما أن كبر قليلاً، حتى اضطر للعمل لدى خياط لمدة أربع سنوات لمساعدة أمه الأرملة. كانت نفسه متعلقة بحب الله، متلهفة أبداً للإرتواء من مائه الحي. استيقظت في نفسه مبكراً رغبة جامحة لممارسة حياة روحية أسمى، حياة أكثر هدوءاً من صخب العالم الذي بات يتبعه نفسياً. وها هو يقول في مذكراته التي تركها لنا:

“عندما بلغت الخامسة عشرة من العمر، أرسلتني أمي لأتعلم مهنة الخياطة. وقبل رحيلي عن القرية، التقيت بمسيحي فاضل أسدى إلي نصائحه قائلاً: عند نزوحك يا ولدي عن القرية، سوف تتعرض لتجارب ومغريات كثيرة، فانتبه لها. لا تبتعد عن الكنيسة، ولا تهمل الصلاة أبداً.

وذات مساء، اشتد بي الشوق إلى حياة الهدوء والصلاة، وتمنيت لو كان لي جناحان كالحمامة حتى أطير إلى البرية وأستريح. فأخذت أتوسل إلى العذراء كي تهديني إلى طريق الخلاص. فرأيت أثناء نومي شاباً ذا طلعة وسيمة ومهيبة، يرتدي لباساً عسكرياً مزيناً، قال لي: إذهب إلى المخزن الفلاني، وهناك سوف تصادف شخصاً، فاسأله عن اسم أخيه الراهب وكيف يعيش في جبل آثوس. ثم توجه بعد ذلك إلى إسقيط القديسة حنة أم والدة الإله، حيث ينتظرك الرهبان. ثم أراني صور كل المناطق التي ينبغي لي أن أجتازها، كما أراني أيضاً صور رهبان الإسقيط.

أرسلني معلمي ذات يوم لأحضر له زوجته على الحمار من قريتها التي كانت تبعد حوالي ۲ كلم. أرادت أن تأتي معها نسيبتها الشابة، التي راحت تحيك لي أثناء الطريق فخاخاً شيطانية لإغرائي. أمسكت بمقود الحمار ورسمت إشارة الصليب قائلاً: أيتها العذراء القديسة أتوسل إليك أن تسرعي إلى نجدتي. وعندما تكررت المحاولات قلت للصبية بغضب: سوف أقتلك بهذه الحجارة التي في يدي إن أبديت أية محاولة أخرى. ثم صرخت أيتها العذراء نجني من هذا الخطر المحيق بي. وفجأة ظهرت أمامي العذراء بنور باهر وقالت لي: ارمِ الحجر من يدك ولا تخشَ شيئاً فأنا إلى جانبك. فامتلأت نفسي من الفرح والشجاعة معاً. وأما المرأتان فقد أخذهما الخوف أبلغ مأخذ إذ كانتا تسمعان الصوت ولا تريا أحداً. وهكذا تمكنت من الوصول دون أدنى انزعاج. فتذكرت حينئذ تحذير ذلك المسيحي المؤمن.

وذات مساء، ظهر لي مرة أخرى الجندي قائلاً: لقد حان الوقت لتباشر سفرك. انطلق غداً، واحترس من التجارب التي سوف تعترضك. لا تخَف، تسلَّح بإشارة الصليب وادعِ العذراء وهي سوف تجيبك.

وفي الغد انطلقت، وأثناء مسيري التقيت بزمرة من الأشرار يرقصون ويضحكون بشكل قبيح في وسط الطريق. وما أن رأوني، حتى تقدم كبيرهم مني مريداً امساكي قائلاً لزملائه وهو يقهقه عالياً: هيا لنمسكه ونقتله إنه عدونا. وللوقت تذكرت ما قاله لي الجندي القديس، فرسمت إشارة الصليب مستجيراً بالعذراء. فإذا بهم يختفون للحال عن ناظري. فأدركت أنهم كانوا جماعة من الشياطين أرادوا عرقلتي عن المسير.

وعندما وصلت إلى مدينة سالونيك، قادني احد معارفي إلى أماكن التسلية والمجون بغية الترفيه عن نفسي. فرأيت على باب إحداها شيطاناً واقفاً يدعو الناس إلى الدخول والتمتع في الداخل. ثم رأيته يصفق فرحاً جذلاً كلما استجاب لدعوته أحدهم. وبينما كنت أتأمل هذا مفكراً كيف يهلك البشر دون أن يشعروا، إذا بالجندي يظهر لي قائلاً: متِّع ناظرك ما شئت من مغريات هذا العالم الفانية. إنها المرة الأخيرة التي ترى فيها أشياء كهذه، ثم اختفى.

تابعت مسيري في اليوم التالي متوجهاً إلى الجبل. وعندما أردت الذهاب إلى الإسقيط، رأيت راهباً جالساً على الطريق فقلت له: باركني يا أبي، لأني أود أن أكون راهباً مثلك. فقال لي: وإلى أين تقصد؟ أجبت: إلى إسقيط القديسة حنة. فقال: ليس حسناً ما اخترت، إذ إن الرهبان هناك أشرار، كما أنهم لا يفقهون شيئاً لا من تعاليم الرهبنة ولا من نظامها. تعالى إلي وسوف أعلمك الكثير. قلت: لست بمحتاج إلى تعاليمك، سأذهب إلى هناك لأنها إرادة الله. وما إن قلت هذا حتى أصبح ذلك الراهب دخاناً واختفى عن ناظري تاركاً وراءه رائحة كريهة. وطبعاً أدركت ساعتئذ انه كان شيطاناً”.

وهكذا وبنعمة الله ومعونة العذراء انتصر الشاب ديمو DIMO – كما كانوا يدعونه – على تجارب العالم والشيطان، وصار مبتدئاً لدى الأب ليونيدوس LEONIDOS في إسقيط القديسة حنة، الذي كان يضمّ خمسة إخوة ممؤولين من الفضائل، مثابرين على الصلوات، حافظين للإمساك، أمينين لوعودهم الرهبانية التي أبرزوها أمام الملائكة أثناء توشحهم بالإسكيم الرهباني.

لقد كان الأب ليونيدوس أب الإسقيط، رجلاً ذا خبرة روحية واسعة، وطبيباً حاذقاً للنفوس، يتراكض اليه الكثيرون للإعتراف ولسماع كلمات إرشاد مفعمة محبة وحكمة إلهية. كان يعرف الماضي دونما شرح، ويرى بوضوح حوادث المستقبل. كان مرآة تعكس بجلاء إرادة الله للآخرين، ذا ذهن ثاقب مستنير، يستطيع كشف خفايا القلوب بما له من البصيرة الروحية. ولقد أخبر عنه الأب إيسيخيوس قائلا: “نزل مرة الأب ليونيدوس إلى ميسينيا، ومرّ هناك قرب مطعم، وما أن رآه زواره، حتى أخذوا يشتمونه ويلعنونه منتقدين الرهبان وأعمالهم. فاقترب منهم الشيخ وراح يحدثهم بوداعة ولين، ويكشف لكل واحد منهم حوادث جرت له، وللبعض الآخر خطاياه ومآثمه. فأخذ الرجال يرتعدون وتأثروا من لطف الأب ومحبته وحنوه. فاعتذروا عما بدر منهم وطلبوا إليه أن يسمع إعترافهم معلنين توبتهم ومنذهلين من استنارة نفس الأب وقداسته”.

ثم أردف الأب إيسيخيوس: “لقد تنبأ لي عن مستقبل حياتي قائلاً: ستصل إلى شيخوخة متناهية، وسوف تموت بسلام، لكن الأحزان الكثيرة لن تفارق حياتك. فاذكر دوماً قول الرب: من يصبر إلى المنتهى يخلص”.

في عام ١٩۲٧ أصبح الأب إيسيخيوس وهو في سن الثانية والعشرين عضواً في شركة الإخوة، مجاهداً كل يوم على تقديس نفسه، وغرس أسمى الفضائل فيها، وخاصة الوداعة والتواضع مماثلاً سيده القائل: “تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب”. كان يخدم في الكنيسة، ويؤمّن للآباء حاجياتهم بكل فرح وصبر. وبما انه تعلم مهنة الخياطة، فقد راح يزاولها وهو في الإسقيط. وبعد سنة أي عام ۱٩۲٨ توشح بالإسكيم الرهباني الكبير واعطي إسم إيسيخيوس. وبعد عامين أي سنة ۱٩۳۰ سيم شماساً ثم عام ۱٩۳۲ نال نعمة الكهنوت. وفي العام ۱٩٥٤ أصبح أباً روحياً للإسقيط.

وهكذا بدأت مسيرة الأب إيسيخيوس الروحية. وما هو إلا زمن قليل، حتى تزينت نفسه وتكمّلت بالفضائل الرهبانية، مماثلاً القديس أنطونيوس الكبير بجهاده وتمييزه وقيادته الحكيمة للنفوس. كان يعمل بكل صمت، ويجمع عسل الفضائل من سيرة الآباء بتواضع وهدوء. يرشد النفوس بكل حنان، ويؤدب بعصا الوداعة واللين. فكنت ترى في وجهه حلاوة الناصري يسوع ووداعته حتى أثناء تأديبه. وهكذا وبحق دعي “قانوناً للإمساك وصورة للوداعة”. لم يكن مرشداً للرهبان فقط بل أيضاً كان للعلمانيين القسط الوافر من ذلك، لأن صيته تعدى حدود الجبل المقدس. إن صيت القداسة لا بد له من أن ينتشر، ولا يمكن لعبير الفضيلة إلا أن يضوع. ألم يقل الرب “إن المكيال يوضع على المنارة”.

ولقد قال عنه أحد الرهبان: كان الأب إيسيخيوس ناسكاً قديساً ومجاهداً صنديداً، قاسياً على نفسه في ممارسة نسكه، شفوقاً رؤوفاً على الآخرين. لم يفتأ أبداً مردداً في كل مناسبة نصائحه وإرشاداته لرهبانه قائلاً : “حافظوا ما استطعتم، وبحرارة اجتهاد على تتميم قانونكم الرهباني وعلى حضور الخدم الكنسية. احرصوا على سلامكم الداخلي وعلى رباط المحبة بين بعضكم البعض، وليس بينكم فقط بل ومع الجميع. تمموا خدمكم الديرية بأمانة كما للرب. أكرموا الغرباء وخاصة الفقراء منهم مقدمين لهم الإحسان قدر الإمكان، لأنكم بعملكم هذا تستضيفون كنيسة المسيح نفسه، الذي سوف يعوض عليكم مئة ضعف، أحبوا القديسة حنة واتقوها مقديمين لها الإكرام اللائق بها، لأنها هي شفيعة الإسقيط وطبيبه. ضعوا أيقونتها في قلاليككم وقبلوها عند خروجكم من القلاية وعند عودتكم إليها، وهي سوف تحميكم وتشفع من أجل خلاصكم.

كان للأب ايسيخيوس مودة خاصة يكنها للقديسة حنة. وكان يحمل دوماً بعضاً من ذخائرها أينما حلّ  وحيثما توجه. كان يزور من وقت لآخر قرى ونواحٍ متعددة متفقداً معرّفاً. كان يحب أن يتحدث عن عجائب القديسة، لذا أحبها الجميع واعتبروها الشفيعة الخاصة بهم. وكانت هي بدورها تسرع لشفاء مرضاهم وسقمائهم، وتبعد الأخطار عنهم وتحل عقر نسائهم. وبالإختصار أضحت الملجأ الأمين لكل من يسرع إليها.

وهاك ما حدث مع الأب ايسيخيوس شخصياً إذ قال: “في اليوم السابق لاندلاع الحرب العالمية الثانية، كنت مضطراً إلى ترك الإسقيط  والتوجه إلى القرية التي يقيم فيها بعض أقربائي. فتوجهت إلى الكنيسة، حيث توجد ذخائر القديسة حنة صانعاً لها مطانية وقائلاً: يا قديسة الله ساعديني واعفيني من الجندية، وسوف أخدمك بقية حياتي. ثم قصدت القرية بعد أن طلبت صلاة الإخوة من أجلي. وفي الطريق صادفت جندياً طلب مني ورقة الإعفاء من الجندية. وبما أني لم اكن أملكها، اجبته بجفاء: أتجسر أن تطلب مني ورقة إعفاء. إني راهب والرهبان لا يذهبون إلى الجندية. فأصر الجندي على طلبه قائلاً: إن لم أطلبها أنا يا أبي، سوف يطلبها غيري. وأما أنا فلم ارد له جواباً وتابعت مسيري.

أمضيت في القرية عشرة أيام، وعند عودتي التقيت نفس الجندي. ففوجئت بلطفه ورقته في المعاملة وقال: لقد جائتني يا أبتي في الليلة التي صادفتك فيها للمرة الأولى سيدة عجوز أثناء نومي وحذرتني قائلة بلهجة قاسية: الرهبان لا يذهبون إلى الجندية. لقد كررت هذا القول ثلاث مرات ثم قالت بلهجة الأمر: عندما يأتيك في المرة القادمة، اعطه ورقة إعفاء من الجندية. فخذ إذاً يا أبي هذه الورقة وأخبرني من تكون العجوز. فضحكت وقلت: إنها القديسة حنة شفيعة الإسقيط. فقال: توسّل إليها علّها تسامحني. ثم علمت بعد عودتي إلى الإسقيط، أنه في الساعة التي ظهرت فيها القديسة للجندي، كان الإخوة يرتلون خدمة البراكليسي الخاص بها كي تؤازرني وتساعدني على العودة سالماً.

وذهبت مرة أخرى إلى القرية، ومعي داخل حقيبتي بعض من ذخائر القديسة. واضطررت أن أبيت لدى كاهن القرية. وعند وصولي طلبت من ابنه أن يضع لي الحقيبة في غرفتي. ثم صرفت اليوم كله مهتماً بأهالي القرية. وعند المساء ذهبت للنوم، وبما إني كنت متعباً جداً لم أتفقد الحقيبة التي كان ابن الكاهن قد نسيها قرب الباب الخارجي. وعند انتصاف الليل، إذا بالقديسة حنة تصفعني على وجهي قائلة لماذا تركتني بعيدة في الخارج؟ ومن قوة الصفعة استيقظت مفتشاً على الحقيبة حتى وجدتها فحملتها عائداً إلى الغرفة، وصانعاً للقديسة مطانيات كثيرة طالباً من القديسة الغفران على إهمالي.

وفي حزيران من عام ١٩٨۱ تعرض الأب لمرض أقعده طريح الفراش عدة سنوات. تحمل آلاماً مبرحة، حتى إن القيح كان يجري من أسفل قدميه بغزارة ومع ذلك لم تكن تسمعه متأوهاً أو متضجراً. بل شاكراً وقائلاً: لا تتذمروا يا إخوتي أثناء المرض، لأنكم سوف تنالون أجر تحملكم الذي أبديتموه محبة لإسمه القدوس.

وقبل عشرة أيام من نهاية مسيرته، قال لأحد الإخوة: سوف أرحل عنكم في عيد القديس خرالمبوس. وفعلاً في غروب العيد قال له الأخ بندليمون: هيا بنا يا أبي لنرتل خدمة غروب القديس. فأجابه الأب: اذهبوا أنتم وأما أنا أهيء نفسي للحياة الأخرى وملاقاة الرب. وكانت هذه كلماته  الأخيرة. وهكذا لم يكد يحل مساء ذلك اليوم، حتى أودع نفسه بين يدي بارئه. بقي جسده يومين كاملين دون دفن ريثما يحضر بقية رهبان الجبل لإتمام مراسيم الجناز. ومع ذلك لم ينتن ذلك الجسد ولا برزت منه أية رائحة فاسدة.

ولقد أخبر عنه أحد الإخوة قائلا: إنه قبل عام من رحيله، مرض مرضاً شارف فيه على الموت. وإذا به يصرخ ذات يوم قائلاً لي: من هم هؤلاء السود الوجوه يا بني الذين جاؤوا إلى هنا وماذا يبغون؟ ثم قال بعد قليل: من هو هذا الشاب اللامع الهيئة الواقف قرب النافذة؟ لقد قال لي تهيأ يا إيسيخيوس، فسوف أمرّ عليك العام القادم لآخذك معي. لقد كان ملاك الرب الذي تمم قوله فعلاً بعد عام.

سيرة الشيخ أفرام الكاتوناكي

سيرة الشيخ أفرام الكاتوناكي

لخّصها عن الأصل اليوناني الأخ يوسف كبا

نشأته

وُلد إيفانجيلوس (الشيخ إفرام) في منطقة ثيفا في ٦/۱٢/۱٩۱٢ لعائلة ريفيّة فقيرة. عمِل والده بكدّ ليؤمّن لعائلته احتياجاتها للعيش والتعليم. كان جدّه كاهن البلدة أما والده فكان عاملاً نشيطاً أميناً وحازماً، كريم الأخلاق وقد أمضى سنيه الأخيرة راهباً بجوار ابنه. والدته الطيّبة ذات القلب المحبّ العطوف، اضطربت كثيراً لدى حملها بابن جديد هو إيفانجيلوس العتيد، وذلك بسبب الضيق المعيشيّ والحروب الدائرة في ذلك الزمان. إلاّ أنها ندمت في ما بعد وأدركت أنّ هذا الصبيّ سيخلّصها بحياته البارة وصلواته. وقد استُؤهلت هي أيضاً، كما صلّت لسنوات عديدة، لأن ترتدي اللباس الرهباني في آخر حياتها.

كان إيفانجيلوس تلميذاً مجتهداً، أنهى دراسته الإعدادية عام ۱٩٣۰ مع مواظبته على الصلوات الكنسية والشخصية. وقد أقام علاقات طيّبة مع رهبان وراهبات من بلدته، منذ فتوّته. بعد إنهائه دراسته الثانوية، حاول ترتيب عمل مناسب، لكنّه لم يوفَّق. حتى عندما قرّر تأدية خدمته العسكرية، رُفض، وأُجّل لأسباب صحيّة. وهكذا وجد نفسه مدفوعاً لاختبار حياة الهدوء التي كانت نفسه تتوق إليها. وكانت زيارته الأولى للجبل المقدّس في 14 أيلول ۱٩٣٣.

في كاتوناكيا

تقع منطقة كاتوناكيا في الطرف الجنوبي الغربي لشبه جزيرة الجبل المقدّس المطلّ على البحر الإيجي. وهي منطقة صخرية منحدرة جدّاً تتوزّع فيها القلالي، كما في معظم أساقيط الجبل، كأعشاش النّسور، وتربط بينها طرق متشعبة تنتشر بين الأحراج. قلالي منطقة كاتوناكيا حديثة نسبياً، لا يتعدّى عمرها المئة سنة. إلاّ أن خلال هذه الفترة القصيرة كانت كاتوناكيا خليّة روحيّة نابضة بالحياة.

في عمق الوادي يقع منسك القديس إفرام السُّوري حيث تنسّك الشيخ إفرام. تألف المنسك من كنيسة وعدّة غرف ومستودعات مع فناء للدار. الأبواب منخفضة، المحراث ضيقة، شباك الغرفة صغيرة. كان الشيخ لونجينوس أول من بنى القلاية في أواخر القرن (۱٩)، مع بداية القرن (٢۰) جاء الشيخ إفرام الكبير ووسّع القلاية والكنيسة وبنى الجدارات الحجرية المحيطة بها وبالحقول. ثم التحق به الأب نيكيفوروس ثم بروكوبيوس وهؤلاء الثلاثة كانوا من ثيفا موطن الشيخ إفرام. وقد دفعته معرفته السابقة بهم إلى اختيار هذا المنسك لاختبار الرهبنة. وهكذا كان. فأتى إيفانجيلوس (الييروندا إفرام) شاباً مثقفاً فيما الآباء الموجودون طاعنون في السنّ (فوق ٥۰ سنة) وقرويون. في البداية، لم تكن الطاعة لهم سهلة عليه، بخاصة مع قساوتهم عليه وتشدّدهم. إلا أنهم في ما بعد، عندما اختبروا وداعته وصبره، قدّروا قيمته ومواهبه عالياً. كان معظم عبء الأعمال المجهِدة ملقى على عاتق الشيخ إفرام، فهو الأصغر سناً والأنشط عزيمةً. لذلك كان يهتم بالعمل في الحقول ويقوم بطحن القمح وأعمال أخرى في الاسقيط المجاور، إسقيط القديسة حنة، أو دير القديس بولس الآثوسي.

تذكُّر والدته، العثرات من آبائه الرهبان،… وغيرها من الحروب التي يتعرض لها كل المبتدئين، بالإضافة إلى ما سبق، حُورب بها الراهب الشاب. إلاّ أن السيدة العذراء أعانته وصَمَدَ، بنعمة الله، حتى النهاية، بالالتزام بالصلاة والخشوع باستمرار، في الكنيسة وعلى انفراد، والمواظبة على عمله اليدوي. وهكذا في زمن قصير، نصف سنة تقريباً أي في عام ۱٩٤٣، تمّت سيامة إيفانجيلوس راهباً مبتدئاً باسم لونجينوس، بعد نوال بركة دير اللفرا الكبير الذي كان مسؤولاً عن قلالي كاتوناكيا. وفي العام التالي، في عيد القديس إفرام السّوري، سيم لونجينوس راهباً بالاسكيم الكبير باسم إفرام. وفي عام ۱٩٦٣، حينما رآهُ أبوه الروحي الشيخ نيكيفوروس مُجاهداً، مُتزناً، وقوراً، وافق على سيامته شماساً ثم كاهناً في العام ذاته.

علاقته بالشيخ يوسف الهدوئي

يوسف أبوه الروحي

اعتاد رهبان الأساقيط في الجبل المقدّس على تبادل الزيارات بخاصة في أعياد القديسين للمشاركة في الصلوات. كانت قلاية الشيخ يوسف، في منطقة القديس باسيليوس، قريبة من قلاية الأب نيكيفوروس، رئيس قلاية القديس إفرام حيث سيم الراهب إفرام. وبتعرّف الشيخ يوسف على الراهب الكاهن الشاب، أحبّه وأُعجب بصمته ورزانته. فكانت أن تطوّرت علاقة روحية أبوية متينة وعميقة بين الشيخ المخضرم يوسف والراهب إفرام، الذي صار الكاهن الخادم الأول في قلاية الشيخ يوسف. وبمناسبة كل زيارة كان الييروندا إفرام يُطلع الشيخ يوسف على اختباراته الروحيّة وصعوباته، وقد وجده خير معين له، يروي ظمأه للتعمُّق في الهدوء وصلاة القلب واكتساب الفضائل. قال له الشيخ يوسف مرّة: “أنت كنت تبحث عني، وأنا عنك!”. هكذا رغم وجود الييروندا في قلاية الشيخ نيكيفوروس وتحت طاعته، صار الشيخ يوسف أباه الروحي الفعلي. فقد اعترف الييروندا وقال: “إن لم أحبّ إنساناً في العالم، ولم أهَبْ إنساناً مثلما أحببته وهبتُهُ”. حتى بعد بعد انتقال الشيخ يوسف الى قلاية أخرى في اسقيط القديسة حنّة الصغرى، استمرّ الييروندا في زياراته إليه وإقامة القداس الإلهي وتقبُّل توجيهاته الروحية على الرغم من إضطراره الى السير لنصف ساعة في الأحراش، في الليل، والبرد، والمطر…، وحتى أنه كان يساعدهم في تجديد قلايتهم الجديدة التي انتقلوا إليها وكأنه واحد من أخويّتهم، من دون أن يقصّر إطلاقاً في إلتزاماته مع أخوية الأب نيكيفوروس وطاعته، بخاصة في شغل الأختام الخشبية اللازمة لصنع القرابين. لقد تأثّر الييروندا كثيراً بالشيخ يوسف حتى أن البعض قالوا أنه كان “نسخة طبق الأصل عنه”.

اختبارات روحيّة

كان الشيخ يوسف يتفاخر بحالة الييروندا أفرام الروحيّة، ويحثّه دائماً على مواصلة الجهاد وتأجيجه، طبعاً بحكمة واتزان، عالماً أنه قادر بنعمة الله على ذلك. وأيضاً عندما كان يحزنُ التلميذ أباه الروحيّ يوسف، كان يدرك في أعماقهِ أن النعمة قد غادرته بالفعل، ولم يكن تقرُّ له عين حتى يرضى عنه أبوه المحبّ والمربّي الخبير. لقد بلغ الييروندا درجة كبيرة من التمتع بالصلاة وتذوّق حلاوتها. قال في أواخر أيامه: “لقد كنتُ ملاكاً. أين للفكر الشرير أن يدنو مني، حتى ولو أردت ذلك، لقد كانت النعمة ترميه بعيداً. كان في داخلي نور. كانت تستمر الصلاة فيَّ حتى أثناء النوم”.

بعد فترة راح يشعر بامتلاء من النعمة، وكأن نفسه تطلب الخروج، أن تطير، راح في لحظة ما يتمسّك بالأشياء التي حوله، خشية أن يطير! لم يستطع تمالُك نفسه. إنها أمور لا يُمكن التعبير عنها بكلام.

تجارب

إلا أن كل هذا لم يكن يعني أنه لم يمرّ في تجارب وسقطات وأمراض وضعفات. قال: “رغم أني شبعت من خمور الفردوس الكليّ الحلاوة، إلا أني كنت أعتني بألاّ يظهر هذا عليَّ خارجياً. بالإضافة لذلك، شربتُ من مياه الجحيم الكليّة المرارة، إلاّ أنني اهتممتُ هنا بألاّ يبتلعني اليأس والقنوط”.

الغيوريّة

منذ العام ۱٩٢٤ دخل التقويم العالمي (الغربي) إلى الكنيسة بدل التقويم القديم، مما أدّى الى نشوء حركة معارضة للكنيسة الرسميّة، بخاصة في القسطنطينية. دُعيت هذه الحركة بالغيوريّن ومنطقة كاتوناكيا في الجبل كانت من مناطقهم. هنا صدف أن أصبح الييروندا إفرام راهباً. إلاّ أنه بعد صلوات ورؤى حدثت معه، واستشارات متعدّدة لشيوخ الجبل المقدّس وعلى رأسهم الشيخ يوسف الهدوئي، وبعد أخذ وردّ، توصّل الى إيمان وقناعة بأن يكون مع الكنيسة الرسميّة إلاّ أنّه احتراماً لأبيه الروحيّ نيكيفوروس وطاعةً له، كما يقتضي الواجب الرهباني. بقي شكلياً منضمّاً الى الغيورين الى حين رقد الأب نيكيفوروس المتشدّد، حينها أعلن ما كان يتوق إليه وما كان يمارسه بشكل غير مباشر وصريح وانضم بأخويّته الجديدة الى الكنيسة الرسميّة.

حياته مع الأب نيكيفوروس

لقد عانى الييروندا الكثير وتحمُّل صعوبات من أبيه نيكيفوروس وحفظ الطاعة له، ومارس صبراً جميلاً في سبيل خدمته بخاصة في السنوات الخمس الأخيرة من عمره، حين أمسى الأب شيخاً طاعناً في السنّ نحيل الجسم وشبه فاقد لذاكرته. حينها لم يكن يستطع البقاء لساعة من الزمن من دون الييروندا إفرام الذي كان يهتمّ به في كلّ شيء. لم يكن ذلك إلتزاماً منه أخلاقياً أو بالنظام الرهباني، إذ إنه تجاوز ذلك، محبّةً بأبيه وتمجيداً لله، وتوصّل إلى الحنو عليه والرقّة في معاملته حتى النهاية. كل ذلك بالرغم من اعتلال صحته هو وإرهاقه جسداً ونفساً. يروي الييروندا حادثةً ويقول: “في ذلك الحين قرّرتُ تغيير غرفتي. أن أبتعد عن جوار الأب نيكيفوروس، بحيث لا أعود أسمعه وأحتفظ بذكره في فكري مهتماً به على الدوام. كنت متضايقاً حتى من الصوت الذي تصدره أحذيته الثقيلة التي كانت تعيق نومي. ابتعدت قليلاً، الى مكان أهدأ. إلاّ أنه، كما أسمعكم وتسمعونني، سمعتُ صوتاً يقول لي: “يا عادم الضمير، يا فاقد القلب، لقد هجرت أباك الروحي. الآن إذا عانى من شيء واحتاج إليك، مَنْ سيسمعهُ ويهتمّ به؟” في اللحظة عينها عدتُ الى غرفتي الأولى هلعاً”.

بالإضافة إلى ذلك، كانت الراهب بروكوبيوس الطيب يعاني من صعوبات أخرى حتى بلغ به الأمر في وقت ما أن يقرر مغادرة القلاية نهائياً. لكنه صَبَرَ حتى النهاية مواظباً على أعماله في الأختام وجلب الأغراض والزراعة. ومما شكّل عبئاً إضافياً على كاهل الشيخ أفرام هو مجيء السيد حنا (والد الييروندا إفرام) للإقامة معهم في أواخر سني عمره، بخاصة بسبب غيرة الشيخ نيكيفوروس والسيد حنا المسنّ أحدهما من الآخر عند خدمة الييروندا لأحدهما وإبدائه شيء من المحبة له. لقد أمضى السيد حنا ثماني سنوات عندهم إلى أن رقد، وقد كان يظن بدءً أنه سيقيم فقط لعدة أشهر. كان الييروندا خلال هذه الفترة بين نارين، والده بالجسد وأبيه الروحي. هذا الوضع أرهقه وأتعبه جداً، لكنه أيضاً محّصهُ كالذهب في البوتقة، فازداد تلألؤاً بالقداسة.

الجدّة الذهبية وأنسباء الشيخ

في عام ۱٩٦٣ لدى مرض والدة الييروندا، في القلب، وإحضارها الى المشفى للمعالجة شهد حتى الأطباء على نبلها وطيبتها. قال أحدهم: “إن هذه الجدّة، عوضاً عن أن نشجّعها نحن ونُواسيها، هي التي تعزّينا وتشجّعنا”. عندما عَلِم الييروندا بمرضها الخطير، أدرك أن مفارقتها للحياة قريبة، فأرسل إسكيماً طالباً أن يصيّروها راهبة كما كانت تتوق منذ سنين طويلة. وقد تحدّثت ابنتها عن سعادة الجدّة الكبيرة بصيرورتها راهبة، وكيف أشرق وجهها واستنار وراحت تحدّث بعظائم الله بعد صمت.

وبعد أسبوع تقريباً لدى وفاتها بسلام وهدوء، راحت تفوح منها رائحة الطيب دلالة على قداستها. واستمر ذلك حتى يوم جنازتها. ويشهد الييروندا قائلاً عنها: “إني أعترف، عندما كنتُ أصلّي من أجلها، كنت آخذ، لم أكن أنا مِنْ يُعطي! بل كنت أمتلئ من النِّعم”. وقد كان يشعر أنها والشيخ يوسف واحد، متشابهان، روحياً الى أقصى الحدود.

رغم بقاء الييروندا في الجبل لعشرات السنين دون أن يزور “العالم”، حتى أهله وأقاربه، إلاّ أنه لم يكن يتوقف عن الصلاة من أجلهم، ومساعدتهم روحياً، كما كان يشعر بذلك في قلبه وكما أخبره أهله في ما بعد. إلاّ أنه يذكر أنه تلقى “صفعةً” عندما ألحّ في الصلاة من أجل ابنة عمّه التي كانت متورّطة بعبادات شيطانية وشعوذة.

أمراض وأتعاب مع تعزية إلهية

منذ صغره، عانى الييروندا من عدة أمراض من أهمها تحسّس جلدي خطير في قدمه ويديه وقد انعكست تأثيراته حتى على عينيه، وكانت سبباً لتأجيل خدمته العسكرية وبالتالي التحاقه بالرهبنة. بلغ به الأمر مرة الى حالة “نوبة تحسّسية” هيّجَتْ جسدهُ بالكامل، وأصابته حَكَّة حتى الدم، مع رعشة في كل جسمه. لم يكن أيامها (حوالي الحرب العالمية الثانية) من طبيب في الجبل. لم تشفِهِ إلاّ تضرّعاته الى العذراء وصبره الجميل. ورغم ضعفاته وأمراضه، كان هو العامل الأول في الأخوية: ينقل المنتوجات من الأختام وموادها الأساسية من والى الاسقيط عند الشاطئ. كما كان يحمل مواداً أخرى كالقمح للطحن، والنبيذ… كلّه على الأقدام. هو نفسه كان دّابة النقل، الطباخ، المزارع، الحفّار، المعمار،… الكاهن الخادم… والراهب المواظب على فروضه الرهبانيّة.

وحيداً

عانى الأب نيكيفوروس كثيراً في أيامه الأخيرة، وهو قدّر صلوات الييروندا الحارّة من أجله وخدمته له، فاستحق الأخير منه كلمة شكر وبركة حين قال له قبيل رقاده: “فليباركك الله، فليباركك، لست أنت بإنسان، بل ملاك أنت!”. بعد هذه المرحلة صار الأب إفرام وحيداً في القلاية. فراح يتأمّل وضعه الجديد وذكرياته المرّة والآلام التي لم تفارقه حتى اللحظة. وما لبث أن اُصيب بمرض تسمُّمي بسبب الفول وهدّدت حياته بالخطر. فكانت أول مرة يخرج فيها من الجبل (الى تسالونيك) منذ دخوله إليه. فأقام في المشفى لمدة تقارب الشهر لمعالجة هذا المرض ومعالجة ضعف عينيه. كانت إقامته في المشفى مناسبة لاستقبال زوّار كثيرين، ممّا أتعبه وأضعف صلاته المستمرّة. ومن الطرائف أنّ أخته وأخيه جاءا لزيارته ولم يعرفهما إلاّ بعد أن أخبراهُ بشكل مباشر.

مع أخويته

كان الشيخ يوسف الهدوئي قد نصح إبنه إفرام ألاّ يقبل في القلاية طلاّباً للرهبنة قبل أن يرقد الأب نيكيفوروس. وقد طبّق وصيّة الشيخ. وبعد أن تمنّع عن قبول عديدين، صار من الممكن له أن يقوّي شركته بالكنيسة، وأن يقبل تلامذة للرهبنة في قلايته ليسلّم إليهم شيئاً من خبرته في الصلاة والهدوء، رغم اعترافه مراراً بضعف إمكانيّاته في التعامل مع الشباب، خاصةً وقد أصبح هو شيخاً مسنّاً الى حد ما. وهكذ قَبِل مختبرين لديه، كان يعاملهم أبوياً، يستمع يومياً لاعترافاتهم ويتبادل معهم الحوار، موضحاً طرق الرهبنة المختلفة: هدوء، انفراد، حياة شركة… دون أن يفرض على أحد نمطاً ما.

كان يقول لطلاّبه: “يا أولادي الأحباء، أنا أصلي من أجل أن ينيركم الله لكي تختاروا أنتم الطريق الذي به تمجّدونه وتخلّصون أنفسكم”. كان الييروندا يرى ما يناسب كل شاب يأتي ليستشيره ويأخذ رأيه في الترهُّب، لم يكن يهتم بأن يُبقيه عنده بحيث يزيد عدد أخويته. بل كان يرسل البعض الى أديار أخرى وآباء روحيين آخرين ليروا ويستشيروا آخرين ويختاروا بحريّة وقناعة ذاتيّة. قال لأحد الشباب الذي كان ابناً روحياً له واختار أخيراً شيخاً آخر ليصير عنده راهباً: “الآن مات الأب إفرام بالنسة لك. لديك شيخك الروحي (الآخر)، أثبت هناك واحفظ الطاعة له حتى النهاية”. وبالرغم من كبر سنّ الييروندا إلاّ أنه أبدى قدرة كبيرة في التحمُّل والتضحية بالإضافة الى مرونة ممدوحة مع أبنائه الجُدُد في الرهبنة، مُعلّماً إياهم وناصحاً ومربياً بطول أناة وصبر ومحبة.

بعض تعاليمه

كان الييروندا يواظب على تعليم الإخوة الخمسة الذين شكّلوا أخويته الجديدة. كانت تعاليمه ونصائحه الأولى أمور عملية بسيطة كأن يتّقوا الهواء البارد بخاصة عند التعرُّق. وأن لا يُجهِدوا أنفسهم في العمل فوق الطاقة وأن يحافظوا على أنظمة الأخوية فيما يتعلّق بالأصوام والترتيبات العامة الأخرى.

عبارتَيّ “ليكن مباركاً” (نان إيفلويمينو) تعبيراً عن الطاعة، و”باركني” (إفلويصون) يمعنى إغفر لي، كانت من أهمّ العبارات التي شدّد على استعمالها. وكان يشجّع الإخوة على إنكار العالم ونزع نيره عنهم، بخاصة الأهل والأقارب.

لسنوات وسنوات واظب الشيخ إفرام على نصح تلاميذه وحتى توبيخهم عند الحاجة في الموضوع الأهم، وهو المتعلق بحياتهم الروحية، غاية وجودهم في الجبل المقدس، كما كان يقول. مع محافظته هو أولاً على نشاطه الروحي وإلتزامه في الصلوات والأصوام والصمت والتواضع أمام الإخوة والابتعاد عن الدالة والمزاح، مع الاعتراف والمطالعة الروحية والسَّهر والتعب الجسدي. وكثيراً ما كان يستعمل قصصاً من الكتاب المقدس أو أخبار الشيوخ القدماء لكي يوضح ما يودَّ إيصاله من عِبَر ونصائح مفيدة للنفس، وأحياناً أخرى كان يتحدّث عن خبرته الشخصية لكي يثبّت الإخوة ويعزّيهم.

التعليم العملي

لم يكن الييروندا يبخل في مساعدة الإخوة النسّاك من القلالي المحيطة، رغم تعثُّر تلاميذه من مثل هذه التصرّفات. إلاّ أنّ السيّدة العذراء كانت تضاعف خيراتهم وتزيدهم.

بخصوص المال، لم يكن يطالب بحقّه. على سبيل المثال، اعتاد أن يقول عن المال الذي كانوا يجنونه من صناعة الأختام: ” عندما يُظلَم المرء ويصبر، تكون الأجرة من الله أكبر بكثير من أن يقدّم هو طواعية إحساناً أو تبرّعاً”.

كان نُبله وشهامته في منتهى العمق. تصرّفاته كانت مدروسة بدقّة. وكثيراً ما حدث في أوان الراحة أن تابع عمله الشاق بانتظار عودة أحد الإخوة من مهمة ما أرسله لإنجازها، وبالتالي لكي يرتاحا معاً، لا هو قبل الأخ الغائب.

امتاز الأب إفرام ببساطته. كان يظهر هذا لدى مواجهتهِ مشكلةً فنيّةً عماية في إحدى الأدوات (كالمدفأة مثلاً). حينها كان يتصرّف كالأطفال الأبرياء.

الزمن والأشياء

لم يكن الييروندا يحفظ الكثير من التواريخ والأزمنة حتى من حياته الشخصية. فقط بعض المحطات الرئيسية: سيامته راهباً، الذكرى الألفية لتأسيس الجبل المقدّس… ويستعمل عبارات عامّة لتحديد الزمن: زمن الاحتلال (الألماني)، عندما كنتُ مبتدئاً، عندما كان الشيخ يوسف في منسك القديس باسيليوس،… أما أعياد القديسين والأعياد فكان يحفظها بامتياز.

كان النهار والليل يمضيان وفق ترتيب معين للأعمال الجسدية والروحية. كل عمل، مهما كان، هو جهد مبذول وسبب للفرح وتمجيد الله. الزمن كترتيب لا يهم، المهم أنه إمكانية للحضور المستمر روحياً. كانت الصلاة هي محور حياته، صلاة يسوع رافقته في كل أوقاته، في عمله وحتى في نومه. الزمن كلّه اتّحد في صلاة.

كما ذكرنا، لم يكن الييروندا ذاك الإنسان العملي المتعدّد الأشغال. ايضاً كان كل ما يعمله يعمله بأمانة وفرح واجتهاد.

الصلاة

على السؤال: كيف سنجد الصلاة، كيف سنجد النعمة؟ كان الييروندا يجيب: “عندما يكون وعاء النفس نقياً، عندها تمتلئ تلقائياً من نعمة الله. تُولد الصلاة من الطاعة، ومن الصلاة يأتي التكلّم باللاهوت”. كان ينصح بألاّ نطيل صلاة يسوع، فقط أن نكرّر خمس كلمات (كما يوصي الرسول) “أيها الرب يسوع المسيح إرحمني”. ويضيف أنّه عندما نتقدّم في الصلاة سنختصر أكثر، يمكن أن نصل الى مجرّد المناجاة باسم يسوع: يسوع، يسوع… إن خبرة كل شخص ستعلّمه أسرار الصلاة. كان ينصح باستحضار صور ما، كالجلجلة أو المجيء الثاني للمسيح، في بداية الصلاة، مما يجلب إلى نفسنا التخشُّع. ثم نطرح عنّا كل الصور ونكتفي بالتركيز على كلمات صلاة يسوع مما يُثمر تواضعاً ويجلب كل مواهب الروح القدس الى النفس. إلى هذا، فقد اعتاد على استعمال صلوات مرتجلة شخصية من حين لآخر. كل ذلك من خلال شرط الطاعة للأب الروحي، فمن دون هذه يستحيل اقتناء الصلاة والاستمرار فيها.

البرنامج في البريّة

كان الييروندا منتظماً جدّاً في برنامجه اليومي، وهكذا كانت أخويّته. في ساعات الصباح بعد أن يكون قد ارتاح من سهرانية الليل اليومية، كان يصعد الى الكنيسة لإتمام القداس. بعد القداس كانت مائدة صباحية ثم الأشغال الضرورية واليدوية مع بقية الإخوة حتى منتصف النهار. حينها كانوا يجتمعون حول المائدة كضيافة خفيفة ثم وقت الاستراحة. في المساء صلاة الغروب والعشاء وكان يتمنى عليهم أن يُوقفوا اهتماماتهم الحياتية وأعمالهم، لكي يحرّروا النفس ويفرّغوها للعمل الروحي الليلي، السهرانية. بعد صلاة النوم كان يستلقي لمدة ثلاث ساعات ونصف ثم يستيقظ تلقائياً، من دون منبّه، لإتمام سهرانيّته الشخصية بالمسبحة بشكل عام، مع مطالعة روحية، وصلوات شخصية من القلب.

أما عن خدمته القدّاس الإلهي، فقد كانت بهدوء وخشوع، على ما تعلمه من الشيخ يوسف منذ شبابه. كان يقول أن القدّاس بالنسبة له هو الصلاة الأهم.

الاقتصاد والعلاقات العامّة

المال

كان الييروندا يستعمل الأموال ببساطة، متجنّباً تخزينها، ملقياً رجاءه أولاً على الله. لم يكن يتقبّل إحساناً من المؤمنين إلاّ بصعوبة، وعندما يتقبّل كان يصلّي من أجل المحسن كثيراً.

شيوخ الجبل

كل الإصلاحات والإضافات التي تمّ إنشاءها في القلاية كانت بداعي الحاجة الملحّة. كان رهبان دير السيمونوبترا من أهم مساعديه في أعماله. كما كان يحتفظ بعلاقة خاصة مع رئيس الدير إميليانوس، ومعظم الأبناء الروحيين للشيخ يوسف، وهم الييروندا يوسف الفاتوبيذي، أفرام الفيلوثيي، خرالمبوس الذيونيسياتي، بالإضافة لآباء روحيين آخرين كُثُر كالأب أثناسيوس من دير اللافرا، والأب برثانيوس من دير القديس بولص، والأب جاورجيوس من دير غريغوريو… إلخ. لقد كان همّاً كبيراً عنده أن يحافظ رهبان الجبل المقدّس على علاقات طيّبة في ما بينهم. وقد اعتاد على رفع قيمة شيوخ الجبل في أعيُن الرهبان الشباب المختبرين.

الزوار

مشكلة زوّار القلاية كانت متعبةً للييروندا، أفقدته جمال صلواته الليلية. لم يكن يعرّف إلاّ نادراً، كان يكتفي بإعطاء النصائح والمشورة والتعزية. كان يرسل كثيرين الى آباء روحيين آخرين لديهم الخبرة الاجتماعية الكافية، بخاصة إذا كان لديهم إشكالات عائلية. قال إحدى المرّات مازحاً: “لكْ يا ولدي، يأتيك أحدهم ويقول زوجتي كذ… ثم آخر ايضاً زوجتي… كأنهم جعلوني طبيباً نسائياً!!”

مواهب الييروندا

لم تكن موهبة الييروندا الرئيسية في الرؤى المستقبلية، بل في الصلاة والدموع. وفي النهاية يبقى الله وحدُه هو الحاكم في شؤون الآباء الروحانيين الكبار. هناك عدة قصص تُروى عن رؤيوية الييروندا. حيناً ما كان الإخوة جالسين الى مائدة الطعام، مستضيفين أحد الرهبان الزوّار. إلتفت الييروندا نحو الراهب الضيف وقال له وهو يهزّ الرأس ملمّحاً: “عقبال الأعلى! عقبال الأعلى!” ثم راح يحرّك طرف كفّه الأيمن بشكل صليب على صدره قائلاً: “قدوس، قدوس، قدوس…”. بعد وقت قصير، إعترف الراهب لبقية الإخوة أنه أتى لينال بركة الييروندا على سيامته شماساً، وقد أدرك الييروندا ذلك قبل أن يقول له. حيناً آخر زاره أحد الشباب من تلاميذ الجامعة. فاقتادَه الييروندا الى حيث يوجد ضريح لأحد الراقدين، خلف القلاية، وراح يكلّمه عن الموت والحياة بعد الموت. بعد يومين من هذا، عندما خرج الشاب من الجبل، علم أنّ والده قد توفّي.

لدى تحوّل دير اللافرا الى نظام شركة، كان اسم الييروندا إفرام على رأس قائمة المرشحين لاستلام رئاسة الدير. وعندما أخبروه برغبتهم طلب أن يُعطى فرصة للصلاة من أجل هذا الأمر، ثم تبيّن له أن ليس هذا من مشيئة الله، فاتصل هاتفياً بشيوخ الدير وأنهى المسألة.

الشيخوخة والرقاد

لم تُشفَ القروح في قدمَيْ الييروندا حتى العام ۱٩٩٢، لم يكن يتناول، بسبب التحسُّس منها، إلاّ الفاكهة والخضروات وقليل من الزيت. وكان الشفاء منها عجائبياً. إلاّ أنه أُصيب بمرض ثقيل آخر هو مرض الجفاف، حيث كان يضطر لشرب كميات كبيرة من الماء، بخاصة في الصيف، مما سبّب له نوبات من الدوار، كما أن عينيه تأثّرتا… وكان يتضرّع الى العذراء أن تهبه أن يخدم نفسه بنفسه حتى آخر أيام حياته.

بعد عام ۱٩٩٤ أصبح الييروندا شبه أعمى. إلاّ أنه لم يفقد عفويّته وحيويّة نفسه وظُرف معشره مع زوّاره والإخوة. وكانت صلاة يسوع بالمسبحة ترافقه دائماً. كان الإخوة الرهبان يتناوبون على خدمته باستمرار. وقد تمّ هذا الترتيب لأن كلاً منهم كان يتمنى أن يبقى هو بقربه لخدمته.

حتى يومه الأخير، لم يبدُ عليه أنه “ضيّع عقله”، أو أنه لا يدرك ما يقول أو ما يسمع. نعم ضعفت ذاكرتُه إلاّ أنه كان يسمع ويفهم كل ما يحدُث ويُقال، مهتمّاً بما يجري ومُتابعاً أمور الأخوية من بعيد.

في شهر تشرين الثاني ۱٩٩٦ أصابته وعكة صحيّة أَلقته طريح الفراش وفاقد الوعي، أقام لفترة صامتاً في سرّ عميق، فقط كان يتأوّه من الألم من حين لآخر، أو يبتسم. في الفترة الأخيرة كان يفضّل الجلوس في سريره وأرجله نازلة على الأرض، وهو منحنٍ، في وضعيّة صلاة، في هذه الوضعيّة أخذه الربُّ إليه بهدوء وسلام في ٢٧ شباط ۱٩٩٨.

إن قلبُه المفعم حُبّاً ما يزال يرافقنا، يصلّي من أجلنا. آمين.

الشهيد في الكهنة الياس والخورية افجانيا

الشهيد في الكهنة الياس والخورية افجانيا

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

ليس من الغريب أن نجد في سير القديسين أن رجلاً وامرأته يحوزان الأكاليل السماوية التي سبق أن استقرت رمزياً على رأسيهما عند زواجهما. إذ من المؤكد أن الزواج ليس مانعاً لبلوغ القداسة، لكن الظروف الخارجية للحياة الزوجية وتربية الأولاد ودعم العائلة، كلها أمور تجعل الزوجين، في معظم الحالات، أقل استعداداً للالتزام بالحياة الروحية. وبما أنه غالباً ما تبقى حياة الأزواج القديسين مستترة في الله، لذا، من المشجِّع أن نقرأ عن زوجين يشتعلان بحب المسيح وكنيسته. وهذه إحدى القصص المؤثّرة الملخّصة عن الشهيد في الكهنة الياس وخوريته[1] افجانيا (شتفروخين) التي شاركته كلاً من أفراحه وأحزانه.

زواجهما

كانت الخورية أفجانيا فتاة ورعة، وكانت رغبتها أن تصبح راهبة. لكنها لم تلقَ التشجيع من الشيخ برنابا الذي كان في إسقيط الجثسمانية والذي نصحها أن تفتّش عن زوج لها. تحت تأثيرها، تخلّى الأب الياس عن دراساته الجامعية التي كانت تحمل مشروعاً واعداً، ودخل كلية اللاهوت في لافرا (دير) القديس سرجيوس للثالوث الأقدس. عارض والد أفجانيا زواجها قبل أن ينهي الياس دراساته اللاهوتية خشية وقوعهما في صعوبات مادية. لكنه اقتنع في النهاية بأنهما يستطيعان أن يتوليّا أمورهما، فأعطى موافقته.

أمضى الزوجان الفتيّان شهر عسلهما في منسك زوسيماس واضعَين نفسيهما تحت طاعة الشيخ ألكسي المتوحّد. بعد عودتهما إلى موسكو، استأجرا شقة قرب دير القديس سرجيوس. كانا جد فقيرين لدرجة أن أفجانيا لم يكن بمقدورها إشعال أكثر من ستة قطع من الخشب في المدفأة لتبقى دافئة.

أنهى الأب الياس دراسته الأكاديمية قبل اندلاع الثورة عام 1917. بعد رسامته، خدم لمدة قصيرة في كنيسة تابعة لملجأ الفقراء، ثم نُقل إلى كنيسة القديس نيقولاوس، حيث قام بالخدمة إلى أن تمّ توقيفه عام 1932.

كان الأب الياس كاهناً غيوراً. لم يكن يختصر الخدم الإلهية أبداً. كان يقرأ الاستيشيرات بصوت جهوري وغالباً ما كان يقرأ القوانين. كانت الخورية تأتي إلى الكنيسة يومياً وتقود الجوقة. في ذلك الوقت الحزين، بعد اندلاع الثورة، كانت كنيسة القديس نيقولاوس مصدر نور روحي لمؤمنين عديدين. تتذكّر امرأة من رعية الأب الياس: “آه كانت كنيستنا في تولماخوف تشرق طهارة! لكن الجو كان بارداً لدرجة أن قدميك تتجمّدان”.

المجد لله على كل شيء

كانت الماتوشكا متكلة على الله في كل الظروف. صدف مرة في عيد القديس نيقولاوس أن عادت من الكنيسة لتحضّر الطعام إذ كانت العادة في مثل هذا اليوم أن يجتمع أبناء الرعية في بيت الكاهن من أجل وجبة متواضعة. وإذ وضعت يديها في جيوبها اكتشفت أن لا مال لديها، فعادت إلى الكنيسة مسرعةً وسألت باتيوشكا عمّا إذا كان لديه بعضاً منه. بنظرة ملؤها الشعور بالأسف، أعطاها بضعة قطع نقود نحاسية لم تكن لتشتري أي شيء، فعادت إلى بيتها. في طريق عودتها إلى البيت فكّرت: “كم سيكون من الجميل لو حصلتُ على روبلين (عملة روسية)، سأشتري حينذاك قليلاً من البازيلا والزيت وأشياء أخرى وسيكون ذلك كافياً”.

كان النهار خريفياً دافئاً، وكان أمام رواق بيتهم بركٌ من مياه الأمطار. في تلك الأيام كان من المستحيل الحصول على حذاء لذا كانت الماتوشكا ترتدي قماشاً ملفوفاً على قدميها. وبلباس القدم هذا، راحت تقفز متنقلّة بين برك الماء. فجأةً، وقع نظرها على إثنين من الروبلات الورقية ملفوفة بعناية، بدتا كقاربين يطفوان على سطح المياه. اصطادتهما وبدأت تسأل المارّة إذا ما فقد أحدهم روبلين، لكن الجميع نفى ذلك. حينها شكرت ماتوشكا الله وهي تردد “اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه وكل شيء آخر يُزاد لكم”. وبدأت بتحضير الوجبة البسيطة.

كانت كلمات الكتاب المقدّس، بالنسبة لكثير من الناس، معروفةً وهم يردّدونها آلياً، أمّا بالنسبة لماتوشكا فقد كانت كلمات حقيقية تنبض بالحياة. حتى عندما كانت تعاني من صعوبة، أو عندما كان الناس يستغلّون قلبَها المؤمن، كانت فقط تقول: “المجد لله على كل شيء”، رغم تضاعف الصعوبات والمعاناة.

صعوبات ومعاناة

أُصيب الابن الأصغر بالرشح الذي تحوّل إلى مرض التهاب السحايا (meningitis) في وقت كانت الخورية قد كُسرت يدها. كانت عذابات الطفل غير محتَمَلة حتَى أنه هو نفسه سأل: “أصحيحٌ يا أمي أنني ايضاً أنا شهيد؟” وفي يوم وفاته هنّأها أحد الرهبان قائلاً: “لقد أصبح لديك ابنٌ في الملكوت”.

كانت الأوقات صعبة والناس يحتشدون لدى الأب الياس حاملين همومهم وطلباتهم للمساعدة. وكانت الماتوشكا مساعدَه الأمين في كل شيء. فقد كانت ترتل كل يوم في الكنيسة. وكانا بطريقة ما، قادرَين على المحافظة على جمال الخدَم الكنسية وورعتها.

التوقيف والاستشهاد

سنة 1932، استُدعي باتيوشكا الياس من قبَل البوليس السري الذي وعده بعدم المساس به إذا ترك الكهنوت. على مثال القديسة ناتاليا، فقد شجَّعت الخورية زوجَها في جهاده ليكون معترفاً. تم توقيف الأب الياس. قضت الخورية تلك الليلة بالصلاة والدموع. حوالي الصباح استسلمت لغفوة قصيرة فظهرت لها والدة الإله قائلة: “لا تخافي. لن يفعلوا شيئاً بزوجك الكاهن في السجن. سوف أشفع به”.

بعد توقيف الباتيوشكا حلّت مساوئ جديدة بالخورية. فقد طُردَت هي وأبناؤها من الشقة، وتشرّدوا لبعض الوقت، إلى أن استقبلتهم إحدى العائلات. كما أن الأولاد طُردوا من المدرسة وسُرقت مكتبتهم الكبيرة. وكانت الخسارة الأكبر وفاة الابنة الوحيدة ماشنكا التي لم تستطع، وهي دون الخامسة من العمر، أن تقاوم الجوع والبرد، فتوفت متأثرة بمرض بسيط يصيب الأطفال. ومع كل هذا كانت ماتوشكا تتشدّد بتردادها مع القديس يوحنا الذهبي الفم “المجد لله على كل شيء”.

بعد سنتين، استطاعت الخورية من زيارة الأب الياس الذي كان قد نُفي إلى قرية شمالية معزولة. جلبت له الكتاب المقدس لكنه صودِر في الحال. لكنها استطاعت اعطاءه بعض الماء المقدّس.

أخبرها الأب الياس كل ما حدث خلال هاتين السنتين وكم أنه كان صعب التخيّل وكيف اقتيد من زنزانته الوسخة في السجن الذي كان يغص بالسجناء، إلى البلدة الشمالية فوق الثلج المتجمّد. ومع كل خطوة كانت طبقة الجليد تتكسّر ويغوص السجناء في الثلج حتى الخصر. لم يكن لديهم ما يأكلونه أو يشربونه طوال النهار. وقد أُجبِروا على تمضية الليلة في كوخ حيث وقع الرجال المنهَكون على الأرض مستغرقين في النوم، لكنه هو (الأب الياس) لم يستطع النوم. من عمق الليل خرجت تنهيدة من قلبه: “إلهي، لماذا تركتني؟ لقد خدمتك بأمانة، وأعطيت كل حياتي لك…” فجأةً، لامس روح ذاك المعذّب افتقادٌ إلهي مثل النار مرسِلاً تعزية غير أرضية، وأضاء نور الإيمان قلبه سرياً وبدأ حب المسيح بالاشتعال بطريقة لا يُنطَق بها. ومن تلك الليلة لم يعد قادراً على أن يحيا حياة عاديّة. عند وداعهما لبعضهما، أخبر باتيوشكا الياس الماتوشكا: “هنا بدأت أفهم أنه لا يوجد ما هو أفضل أو أروع من المسيح، ولا ما يحل محلَه. أنا مستعد للموت من أجله”. عند عودتها إلى المنزل، وجدت الخورية تلغرافاً في انتظارها. لقد حدث حريق في مخيم السجن وقد قضى الأب الياس احتراقاً مع أحد عشر رجلاً آخرين. كم أن اسم الياس الذي يعني “الملتهب” مناسب لهذا الكاهن.

بعد استشهاد الأب الياس

لم تكن بقية حياة الخورية سهلة. فعند اندلاع الحرب العالمية الثانية بدأت المصائب تتراكم فوق كاهلها. فقد أُوقِف أحد أبنائها وآخران أُرسِلا إلى الخطوط الأمامية حيث مات الأكبر بينهما. ومع كل هذا بقيت دائماً الماتوشكا الهادئة الملقية رجاءها على الرب.

مرت السنوات وماتوشكا تعيش العيشة نفسها. كان هناك دائماً أناس حولها لأنها، بعد موت زوجها، أخذت على عاتقها إرشاد أبنائه الروحيين، بناءً على طلبه. وقد أيّدها الله في هذه المهمة بإعطائها موهبة التمييز.

عاشت الخورية أفجانيا حياة طويلة وصعبة ومميزة. لم تكن تتكلّم عالياً ولم تعلّم أحداً، لكن تصرّف هذه العجوز الهادئة المتواضعة كان أفضل درس في التقوى المسيحية لأولئك الذين كانوا يودون، في ذلك الزمن الرديء، أن يحيوا بحسب المسيح. تماماً، كما أن القديسة ناتاليا عاشت أكثر من زوجها القديس أدريانوس الشهيد ثم ماتت بسلام وحُسبَت شهيدة معه، كذلك الخورية أفجانيا هي أيضاً شهيدة مع زوجها الأب الياس.

أيها الشهيد الجديد في الكهنة الأب الياس ويا ماتوشكا أفجانيا تشفعا إلى الرب من أجلنا.

——————————————————————————–

[1]   باتيوشكا في الروسية هي ما ينادي به المؤمنون الكاهن (أبونا)، أما الخورية فينادوها بماتوشكا.