الشهيدة الجديدة مطرونة

الشهيدة الجديدة مطرونة

نقلها عن الإنكليزية بتصرف الأب أثناسيوس بركات

 

في عصرنا هذا، عصر الانحطاط الروحي، وحدها أمثلة الرجال والنساء البطولية قادرة على إشعال الحماس لعيش عيشة إلهية بحسب الوصايا المقدسة. لذلك، من الأساسي المحافظة على صورتهم التي تظهر حياتهم المرضية لله وتنشر رسالتهم التي تضيء ببساطةِ المسيح وتأتي إلى أيامنا الحاضرة محفوظة في الوعي الكنسي الأرثوذكسي. لقد عكسوا قداسته وأرضوه انسجاماً مع وصيته: “كونوا قديسين كما أنا قدوس” (تثنية 44:11). لقد جعلهم أصدقاءه وأنعم عليهم بقوة لا يلاشيها موتهم الأرضي. إن قديسي الله المعلَنين وغير المعلَنين هم أحياء فيه، ويلعبون دوراً في حياتنا نحن الذين ما زلنا على الأرض، عندما نتذكرهم ونتضرع إليهم.

دعونا نتباشر سريعاً نحو مقدَسي الله لنكون أصدقاءهم فنجد اتصالاً حياً بهم، خاصةً عندما نتذكرهم في صلواتنا ونلتمس صلواتهم، فينيروننا عندما يرون التماسنا ويوجهون حياتنا بعيداً عن هذا العالم الغارق في الشر. ليكن للعالم أبطاله العميان، الذين يضمحل مجدهم الذي لا يستطيع أن يمنح شيئاً يبقى للإنسانية. حتى في هذه الأزمنة الأخيرة، نحن لدينا أبطالنا الذين يتلألأون بمجد لا يزول ويقودون أرواحنا إلى الفردوس. (الراهب سيرافيم)

“وقال لي تكفيك نعمتي، قوتي في الضعف تكمل” (2كورنثوس 29:1).

ما يلي قد رواه الأسقف استفانوس (نيكيتين):

في الثلاثينيات سُجنت في أحد المعتَقَلات، وكنت حينها طبيباً. وفي المعتَقَل عُهِدت إلي مسؤولية العيادة. كان معظم السجناء في حالة خطيرة مما حطّم قلبي، وقد أعفيت العديد منهم من العمل لإعطائهم على الأقل بعض الراحة، أمّا مَن هم أكثر ضعفاً فقد كنت أرسلهم إلى المستشفى.

في أحد الأيام، عندما كنت أعاني من المرض، قالت لي الممرضة التي تعمل معي، وهي أيضاً سجينة في المعتَقَل: “دكتور، لقد علمتُ أن إنذاراً أعطي لك. أنت متهم بإفراطك في التساهل مع السجناء، وأنت مهدد بإطالة مدة اعتقالك 15 سنة”. كانت الممرضة واسعة الاطلاع وتعلم ما يجرى في المعتقل، لذا كان لدي سبب كافٍ لأجزع من كلماتها. لقد كنت محكوماً بثلاث سنوات كانت على وشك الانقضاء. كنتُ أحصي الأشهر والأسابيع التي تفصلني عن حريتي التي طال انتظارها، وفجأةً 15 سنة!

لم أستطع النوم طوال الليل، وعندما ذهبتُ إلى العمل في الصباح، هزّت الممرضة رأسها بحزن عندما رأت ما كان مرتسماً على وجهي. بعد انتهائنا من المعاينات، قالت بتردد: “أرغب يا دكتور بإعطائك بعض النصح، لكنني أخشى أنك سوف تضحك مني”. “أخبريني”، قلت.

في بانزا (Penza)، المدينة حيث ترعرعت، عاشت امرأة تدعى ماطرونوشكا، أعطاها الله موهبة خاصةً في الصلاة. إذا صلّت لأحدهم، تكون صلاتها مستجابة دائماً. يقصدها العديد من الناس لمساعدتهم وهي لا ترفض أحداً. لماذا لا تطلب منها مساعدتك؟”

فضحكتُ بحزن وأجبتُ: “خلال الوقت الذي تستغرقه رسالتي لتصل إليها، يكونون قد حكموا عليّ بـ15 سنة”. فقالت الممرضة ببعض الارتباك: “لكن ليس من الضروري أن تكتب لها. فقط نادِها من هنا”. “أنادي! من هنا؟” سألتها وأضفت: “إنها تعيش على بعد مئات الكيلومترات”. فأجابت: “علمتُ أنك ستضحك مني لقولي هذا، لكنها تستطيع سماعك من أي مكان. افعل هذا عندما تخرج لتتمشى في المساء، تأخّر عن الباقين قليلاً ونادِ بصوت عالٍ لثلاث مرات: ماطرونوشكا، ساعديني، أنا في مشكلة. وستسمعك وتستجيب”.

رغم ما كان يبدو ذلك غريباً، تقريباً مثل السحر، عندما خرجت لأتمشى في المساء فعلتُ كما قالت لي صديقتي. مر يوم فأسبوع فشهر… ولم يستدعِني أحد إلى المحكمة. فقد أُجريَت تغييرات في إدارة المعتَقَل إذ نُقل أحدهم، وأُسندَت المسؤولية إلى آخر. نصف سنة أخرى مرت، ثم جاء نهار إطلاق سراحي من المعتَقَل. عندما تسلمت ملفي في مكتب القائد، طلبتُ إرسالي باتجاه المدينة حيث تعيش مطرونة، لأنني وعدتُ قبل ندائي لها بأنني إذا ساعدتني سوف أذكرها في صلاتي اليومية، وفور إطلاق صلاحي سأتوجه مباشرة لأشكرها.

عند استلامي مستنداتي، سمعت أن آخرَين أُطلق سراحهما أيضاً، وهما مسافران إلى المدينة نفسها التي أقصد. انضممت إليهما ومضينا سوية. خلال سفرنا سألتهما إذا كانا بالصدفة يعرفان ماطرونوشكا.

“نحن نعرفها جيداً، الكل يعرفها في المدينة أو حولها على مسافة أميال. سوف نأخذك إليها إذا رغبت، لكننا نعيش في الريف، لا في المدينة، ونحن مشتاقان للعودة إلى بيتنا. لكن افعل ما نقوله بالضبط: عندما تصل إلى المدينة، اسأل أول شخص تصادفه عن مكان سكن مطرونة وهو سيرشدك”.

عند وصولي، فعلت تماماً كما قال لي زميليّ. سألت أول صبي صادفته فأجاب: “اتبعْ هذا الشارع رقم 9، ثم انعطفْ في الزقاق قرب مكتب البريد. إن مطرونة تعيش في ثالث منزل”.

كنت أرتعش من الحماس، صعدت إلى المنزل وكنت على وشك قرع الباب، لكنه لم يكن مقفلاً وقد انفتح بسهولة. وقفتُ على العتبة مشرفاً على الغرفة شبه الفارغة حيث تقوم في وسطها طاولة عليها صندوق كبير.

“هل أستطيع الدخول؟”، سألت بصوت مرتفع. فجاء صوت من الصندوق “ادخل ساريوزيلا” (ساريوزيلا هو اسم راوي القصة). دخلت متردداً، جافلاً من الاستقبال غير المتوقع، وتوجهت نحو الصوت، ولما نظرت داخل الصندوق وجدت امرأة صغيرة مضطجعة بلا حركة. كانت عمياء ولديها فقط يدين ورجلين غير مكتملة. كان وجهها لامعاً وبسيطاً وكريماً. بعد إلقاء التحية سألتها: “كيف تعرفين اسمي؟”. فجاء صوتها ضعيفاً لكنه واضح: “ولماذا لا أعرفه؟ لقد ناديتَني وقد صليتُ إلى الله من أجلك، هكذا عرفتُ اجلس وكن ضيفي”.

مكثت لدى ماطرونوشكا طويلاً. أخبرتني بأنها أُصيبت بمرض في صغرها مما أعاق نموها وأقعدها. في عمر السنتين فقدت بصرها بسبب الجدري. كانت أسرتها فقيرة وكانت أمها، في طريقها إلى العمل، تضجعها في صندوق وتأخذها إلى الكنيسة. كانت تضع الصندوق على أحد المقاعد وتتركها حتى المساء. في صندوقها، كانت الفتاة تصغي إلى كل الخدم الكنسية. كان الكاهن يعتني بها متعطفاً عليها. ثم أصبح أبناء الرعية أيضاً يرثون لها، فكانوا يجلبون القليل من الطعام أو شيئاً لتلبس. كان البعض يداعبها أو يساعدها للاستلقاء براحة أكثر. وقد كبرت على هذه الحال محاطة بجو من الروحانية العميقة والصلاة.

ثم تحدثنا عن غاية الحياة وعن الله. عندما أصغيتُ إليها صدمتني الحكمة في آرائها وبصيرتها الروحية. عند مغادرتي قالت: “عندما تنتصب أمام عرش السيد، اذكر أمةَ الله مطرونة”. حينها لم يكن يخطر ببالي أني سوف أصبح أسقفاً حتى أنني لم أكن بعد كاهناً. أما عنها فقالت بأنها ستموت في السجن.

عندما كنتُ جالساً بقربها، أدركتُ أنني لم أكن أمام امرأة مريضة، بل أمام شخص كبير في عيني الرب. كان أمراً معزياً ومفرحاً أن أبقى معها حتى أنني كرهت الرحيل، ووطدتُ نفسي على زيارتها مرة أخرى حالما أستطع. لكن هذا لم يحدث، إذ سرعان ما سيقت ماطرونوشكا إلى السجن في موسكو حيث قضت هناك.

أيتها القديسة مطرونة الشهيدة الجديدة، تشفعي بنا على الله.

الشيخ فيلوثيوس زرفاكوس

الشيخ فيلوثيوس زرفاكوس
نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

وُلد الشيخ فيلوثيوس المُبارك سنة ١٨٨٤ في قرية صغيرة من أعمال بيلوبونيز، وأُعطي إسم قَسطنطين في المعمودية المقدّسة. أَظهر، منذ الطفولة، محبة مميزة نحو الله حيث كان يهرع راكضاً إلى الكنيسة عند أول جرس. تطوّر استمتاعه بمطالعة قصص القديسين إلى رغبة شديدة في الحياة الرهبانية. لقد رأى الناس بوضوح في هذا الشاب حماساً كامناً، فراحوا، منذ البدء، يثنونه عن سلوك هذا الطريق. لقد كتب الشيخ (فيلوثاوس) في سيرته الذاتية: “عندما ذهبت إلى السرير ونمت، رأيت عمالقة مخيفين ذوي وجوه بشعة مروعة يتجهون نحوي. لقد أخافوني وهم يصرّون بأسنانهم حاملين السكاكين وشاهرين السيوف والحراب. واحد منهم، بالأخص، يبدو أنه قائدهم، قال بغضب: {تخلّص بسرعة مما يجول في خاطرك وإلا سوف نُصفّيك، مقطّعين إيّاك إرباً}. ثم نخسوا جسدي بسيوفهم وسهامهم.”
قاوم قسطنطين الهجوم متوسلاً معونة والدة الإله الفائقة القداسة، لكن الحادثة أضعفت عزمه. راح يتوجّه إلى الإهتمامات الدنيوية مستسلماً للمسرّات والرغبات العالمية. الشكر لله على أن له صديقاً كان يشاركه اهتمامه بالموسيقى ويُنشد معه تراتيل دينية. وفي زيارته له أحد الأيام، كان من حسن حظّ قسطنطين أنّه شاهد لديه كتاب حسن التجليد عنوانه: “جواهر الفردوس”. كان يحوي بين نصوصه مُختارات من سير قدّيسين وعظة للقديس باسيليوس الكبير “حول مراقبة الذات”. شعر قسطنطين وكأنه يملك بين يديه كنزاً سماوياً. دون أي يقول أكثر من كلمة “وداعاً” لصديقه، أخذ قسطنطين الكتاب إلى بيته واستغرق في قراءته. لقد أثّرت فيه عظة القديس باسيليوس بقوّة: “لقد أصابني الخوف والرعدة من التأمّل في ساعة الموت التي لا تعرف وقتها مما جعلني أُفكّر في نفسي، ترى ماذا سيحدُث إذا مُتّ في هذه اللحظة، هذه الساعة أو هذا اليوم. إلى أين ستذهب روحي. لم أَقُم بشيء حَسَن من أجل خلاص نفسي، في حين أن عقلي لا يزال مُتعلّقاً في هذا العالم الباطل. إبتداءً من تلك اللحظة تخلّيت عن الآلات الموسيقيّة، العالم وكلّ ملذّاته وجعلت عقلي وقلبي وروحي متعلّقين بمحبّة ربّنا يسوع المسيح الخلو والخيرات السماويّة.”
في ذلك الوقت صار قسطنطين معلّماً في قرية فونيكيون Phonikion حيث بقي لحوالي ثلاث سنوات (١٩٠١ – ١٩٠٤). كان له تأثير في تنشئة تلاميذه، مُغذّياً أرواحهم كما عقولهم. فقد كان يأخذهم إلى الكنيسة حيث يعلّمهم الوقوف بخشوع وانتباه في حضور الرب. وعندما كان أحدهم يُسيء التصرّف في المنزل أو في طريقه إلى المدرسة، كان يَعترف بذلك أمام زملائه التلاميذ ومعلّمه. كان الشيخ ناجحاً جدّاً في دمغ نفوس تلاميذه بالإيمان وخوف الله ممّا جعلهم يتحوّلون -وقد كانوا قبلاً “أسوأ من الوحوش”: مُجدّفين، عقوقين، غير مُطيعين لأهلهم، غير نظاميين في المدرسة – فأصبحوا كالنعجة الوديعة”. كان من الواضح، حتى في ذلك الحين، أنّه يمتلك موهبة الأبوّة الروحيّة.
لقد تعرّضت رغبته المُتجدّدة بالحياة الرهبانيّة إلى اختباراتٍ قاسية. ظهرت له الشياطين تكراراً في أحلامه ويقظته، تُهدّده، تُفزعه وتعتدي عليه جسدياً وعقلياً. فمن جهة كان عليه خوض معركة ضد الخوف والجُبن، ومن جهة أخرى ضد الرغبات الجسدية وتصوّرات الملذّات العالميّة. خلال إحدى المواجهات، حاول الشرير تحريضه على الانتحار. كما حاول أهله، بكلّ جهدهم، رغم كونهم أتقياء، أن يثبطوا من عزيمته للمضي في الطريق الذي اختاره. فقد صرّح أباه بأنّه فيما لو غادرهم قسطنطين فإنّه سوف يُهلِك نفسه، يُغرقها: “لماذا هناك القليل من الأطباء، المُحامين، الضباط والمعلّمين الذين يُصبحون رهباناً؟ ألا يعرفون ما هي مصلحتهم؟”. كان قسطنطين يُحبّ ويحترم أهله، فقد كان يعتني بهم ويعطيهم راتبه. كان من الصعب تحمّل مواجهتهم، لكنّه شدّد على نفسه بكلمات الإنجيل: “من أحبَّ أباً أو أماً أكثر مني، فلا يستحقُّني” (متى ١٠:٣٧). لقد ناقش والده بالمنطق: “إذا ما طلبني ملك أرضي إلى قصره لأكون إلى جانبه مانحاً إيّاي مرتبةً عظيمة، فماذا ستفعل حينها؟ أَظن أنّك ستكون مسروراً جداً مُعتبراً ذلك شرفاً عظيماً. فيجب أن تكون أكثر فرحاً، الآن، لأنّ الملك السماوي، يسوع المسيح، يُناديني لأكون بجانبه”.
ترك قسطنطين منزل أهله في إحدى الليالي حائراً من أين يَبدأ طريقه والى أين يذهب. غادر بدون معطف أو حذاء حاملاً فقط الإنجيل متوجّهاً إلى دير اللافرا المقدّس باحثاً عن أب روحي. كانت رحلته شاقّة بسبب سيره على الرمال الحامية والأشواك مما سبّب له تقرّحات في أخمص قدميه، وقد كان أن يقضى عليه من العطش والإرهاق. لكن هذه الثبات شدّد من تصميمه، وقد كانت مكافأته أنّ يتوجَّه إلى الأب الجليل إفسابيوس ماتوبولوس في باترا.
قام الأب إفسابيوس بنصحه: “عدْ إلى البيت، إلى أهلك في الوقت الحالي، وعندما تُنهي خدمتك العسكريّة {مُعطياً ما لقيصر لقيصر}، سيكون بمقدورك أن تذهب لخدمة الملك السماوي”.
بعد سنتين تقريباً وقعت القرعة على قسطنطين للانضمام إلى الجيش وتمَّ تثبيته في أثينا. سَمح له برنامج الخدمة أن يُشارك في الخدم الكنسيّة، وحضر بشكل مُتكرّر صلوات الأب إفسابيوس وقام بالترتيل عدّة مرّات في صلوات الغروب التي كان يُقيمها الأب (القديس) نقولا بلاناس. إلاّ أنّ الشرير استمرّ بتعقّبه. فكونه رقيباً بُعث في دوريّة إلى جزء قذر سيء السمعة من المدينة يتردّد إليه السكارى وبنات الهوى. “من أجل أن يبقيني بعيداً عن الإنحراف، فإن الإله الصالح والمحبّ البشر جعلني أشمّ رائحة نتانة وأشعر بمقت واشمئزاز تجاه بنات الهوى حين كنت أدخل بيوت فسقهم. هذه الرائحة النتنة استمرّت في أنفي لبعض الوقت”. وهكذا تمّ صونه من الوقوع ضحيّة الإغراء.
عند انتهاء خدمته العسكريّة، كشف قسطنطين للقديس نكتاريوس، الذي كان حينها مدير إكليريكية روزاريو في أثينا، عن رغبته بأن يُصبح راهباً في الجبل المقدّس. لكنّ القديس نصحه، بدلاً من ذلك، بالذهاب إلى دير لونغوفاردا Longovarda في باروس Paros. لكنّه بالرغم من ذلك أعطاه بركته عندما رأى تصميمه على الذهاب إلى الجبل المقدس، ذلك الجبل الذي لا يستطيع الفتى المُتحمّس والطموح أن يُقاوم الشهرة التي كان يتمتّع بها.
في أيار سنة ١٩٠٧، استقلّ قسطنطين باخرة إلى تسالونيكي حيث من المُفترض أن يكمل طريقه إلى الجبل المقدّس. كان مسروراً بالتوقّف (في تسالونيكي) ما يمنحه فرصة للسجود لبقايا القدّيس العظيم في الشهداء ديمتريوس، الذي كان يجلّه منذ الطفولة. لكن عندما قام بتحضيراته لإكمال رحلته، حرمه الأتراك من ذلك – إذ كانوا يخلون المدينة في ذلك الوقت – وأوقفوه لظنّهم أنّه جاسوس. فتمّ اقتياده إلى البرج الأبيض السيء السمعة، إلاّ إنّ الباشا أسرع بنفسه وأصدر أمره بإخلاء سبيله وبأن يستقلّ باخرة يونانيّة كانت على وشك الإبحار إلى اليونان. لاحقاً، علم قسطنطين، المذهول من تدخل الباشا، بأن القدّيس ديمتريوس ظهر للباشا في ذلك الصباح وأمره بالذهاب سريعاً إلى الشارع الفلاني وإطلاق سراح شاب كان قد أُوقف وأُدين ظلماً، وبإرساله على الباخرة ميكالي التي ستعود به إلى اليونان.
نزل قسطنطين من الباخرة في فولوس حيث قابل أُناساً طيّبين حاولوا مساعدته على تأمين إذن بالدخول إلى الجبل المقدّس، إلاّ أنّه أدرك أنّها ليست إرادة الله وذلك بعد أن قامت العراقيل عند كلّ محاولة. كتب لاحقاً: “لقد تعلّمت درساً قيّماً، يجب أن أكون مُطيعاً بالكليّة لأبي الروحي، بدون معارضة، وأن أختشى، لا عن مشيئتي بل مشيئة أبي الروحي كما فعل الربّ يسوع المسيح عندما أتى إلى العالم لا ليُتمّم مشيئته بل مشيئة الآب الذي أرسله”.
بعد بضعة أيّام، أبحر إلى مرفأ سبيروس في جزيرة باروس، ومن هناك شقّ طريقه سيراً على الأقدام إلى دير لونغوفاردا. لقد تحقّق، أخيراً، توقه إلى دير يمكث فيه: “عندما شاهدتُ النظام، التقوى، الطاعة، المحبّة، التعاطف والإنسجام بين الإخوة، شعرتُ بفرخ عارم حتى أنّني ظننت نفسي في الفردوس”. تمَّ قبوله كمبتدئ، وبعد سبعة أشهر، في كانون الأول سنة ١٩٠٧، أُعطي الإسكيم الصغير وسُمي فيلوثيوس “مُحبّ الله”.
في سنة ١٩١٠، أخذ الأب فيلوثيوس، وقد أصبح شماساً، البركة لتحقيق حلم صباه وذهب إلى الجبل المقدّس حيث أراد في الماضي ان يُصبح راهباً. لقد كتب بحماس إلى صديق حول هذا الحجّ، واصفاً الفرح والرهبة اللذين اختبرهما عندما أصبح في “بستان العذراء” وتمكنه من تكريم الكنوز الروحيّة العديدة: بقايا القدّيسين والأيقونات العجائبيّة في الأديرة المتعدّدة والأساقيط (جمع إسقيط) التي زارها. لقد ذكر بحزن، في سيرته الشخصيّة: “لقد وجدتُ، فقط، قليلاً من الأشخاص القدّيسين يُعدّون على الأصابع. لم أرَ أيّا من أصحاب المواهب أو صانعي العجائب كما كان يوجد في السابق”.
في رحلة عودته، عرج إلى تسالونيكي من أجل السجود لبقايا القدّيس ديمتريوس. ومرّة أخرى تمَّ اعتقاله من قبل الأتراك شكّاً منهم بأنّه جاسوس. فوُضِعَ في زنزانة يحوطها ثلاث طبقات من الشريط الشائك، فوجد فيها شاباً محتجزاً مثله. لم يطُل مكوثه هناك حتى حصلت فوضى كبيرة على المرفأ جعلت الحرّاس يهرعوا إلى هناك. فقد اشتعلت النيران في خزان وقود إحدى بواخر الركاب. قام الشاب، سريعاً، بإخراج قاطعة أسلاك (كماشة) من جيبه وقطع بعض الاسلاك، ثمَّ قاد الأب فيلوثيوس خارج السجن إلى باخرة يونانيّة راسية خارج المرفأ. بعد أن قام بترتيب أغراضه، التفت الأب فيلوثيوس ليشكر الشاب لكن هذا الأخير كان قد توارى. لم يعرف من كان إلاّ بعد سنوات: كان يُقيم الذبيحة الإلهيّة في كنيسة القدّيس ديمتريوس فنظر إلى أعلى ورأى أن أيقونة القدّيس تشبه كثيراً الشاب مُحرّره.
بدلاً من العودة إلى لونغوفاردا، استغلّ الأب فيلوثيوس الفرصة ليزور اباه الروحي، القدّيس نكتاريوس الذي صار حينها يعيش في ديره الرهباني في آيينا. وجد رئيس الكهنة مُرتدياً جبّة رَثّة وهو يحفر بالمعول في الباحة. ظنّاً منه بأنّه أحد العمّال، طلب الأب فيلوثيوس من القدّيس نكتاريوس أن يذهب إلى المطران لإبلاغه بأنّ إبنا روحيّاً له، شماساً، ينتظر خارجاً ليراه. لم يكشف القدّيس عن هويّته مباشرة بل قاد الزائر إلى غرفة الإستقبال: “إنتظر هنا وسأذهب لأطلب منه المجيء”. بعد عدّة دقائق عاد: “لقد صُدمت وتفاجأت” يتذكّر الأب فيلوثيوس: “لقد وجدتُ أن الرجل الذي ظننته عاملاً… وخاطبته بخشونة وبطريقة الأمر، كان المطران نفسه! حتى أنّي لم آخذ بعين الإعتبار أنّها كانت ساعة الإستراحة بعد الظهر، إذ ينام الجميع…! لقد ركعت والدموع في عينيّ متوسّلاً إليه أن يسامحني على تكبّري وسوء تصرّفي”.
قام، حينها، الأب فيلوثيوس بالتوسّل إلى القدّيس ليعلّمه كيف يتغلّب على الكبرياء الممقوتة من الله، وهكذا بدأ القدّيس نكتاريوس بالشرح مفسّراً كيف أنّه، وحسب الآباء القدّيسين، كلّ خطيئة تُغلب بفضيلتها المقابلة: “…يتمّ التغلّب على الحسد بالمحبّة، الكبرياء بالتواضع، البخل بالفقر، الجشع وقساوة القلب بالإحسان والتعطّف، التراخي بالاجتهاد، الشراهة والاستعباد للبطن بالصوم والإمساك، الكلام الباطل بالصمت، الانتقاد والنميمة بلوم النفس والصلاة…”. لقد شدّد القديس على أنّنا لا نقوم بهذا بفضل جهدنا الشخصي وقوّتنا. يجب أن نتوسّل إلى الله ليقوم بذلك.
غادر الأب فيلوثيوس أباه الروحي، وهو مملوء بالغنى الروحي والعزم، إلى لونغوفادا في أيلول سنة ١٩١٠. في ٢٢ نيسان سنة ١٩١٢، يوم أحد السامريّة، رُسم الأب فيلوثيوس كاهناً على يد الميتروبوليت جبرائيل الذي من تريفيليا من أعمال أولمبيا. لقد وصف تلك المناسبة في رسالة بعثها إلى أبيه الروحي الجزيل الوقار في دير كاراكاللو: “عندما شارف التكريس على أن يبدأ، وقف المطران في الباب الملوكي مُتحسّساً خطورة مهمّته، وبدأ يتكلّم عن الكهنوت. كان متأثّراً ولم يقُل إلاّ بضع كلمات بليغة مفعمة بالمعاني. عندما انتهى، طلب من جماعة المُصلّين بصوت خفيف: {ليسجد كلّ واحد من الحاضرين وليُناشد الربّ بإيمان أن يُرسل الروح القدس على الذي سوف يُسام ليكون نافعاً ومُفيداً لنفسه ولإخوته وللمجتمع”. سرعان ما ركع الجميع – الرجال، النساء والأطفال – وصلّوا بانسحاق. العديد من أصدقائي وإخوتي الروحيين المُنحدرين من عائلات نبيلة ومعروفة، الذين قد عرفتهم عندما خدمت في أثينا كضابط صغير، والذين أُقاسمهم محبّة روحيّة قويّة، كانوا حاضرين. كانوا يرفعون الصلوات لتحلّ نعمة الروح القدس عليّ، كانت الدموع تنهمر من أعينهم وهم راكعين حتى نهاية خدمة الرسامة. شعرتُ بانسحاق كبير حتى أني عجزت عن إمساك دموعي. لقد أحسستُ بقلبي يَضرُب بشدّة، ممّا جعل الدموع في عينيّ طوال ذاك النهار.” في حالة شخص آخر ذي نضج روحي اقلّ، فإنّ مثل هذا الشعور المجيد ممكن أن يؤدّي إلى عُجب روحي وكبرياء، خاصّةً إذا ما كان الشخص لا يزال فتياً. إلاّ أنّ الأب فيلوثيوس كانت محروساً بحساسيّة حادّة تجاه إقترافه الخطيئة. في الرسالة نفسها يقول: “حتى وبعد تلقّي نِعَمٍ عديدة من الأب فإنني انا، الخاطئ غير المستحقّ، لا أزال أعيش في التواني وأتمرّغ كالخنزير في الخطيئة، غير مُدرك كيف يجب أن أتصرّف تجاه الله وتجاه إخوتي وقد تسربلتُ بدرجة من الكهنوت السامية. إنني أخاف ان أُدان كما حصل للخادم الشرير الذي خبّأ وزنته. إنني أتضرّع مُلتمساً إلى حضرتك من قدسك أن تذكرني في صلواتك أنا الفاسد الدنس الخاطئ، وكذلك عندما تُقدّم الذبيحة غير الدمويّة حتى أنال الرحمة من لدن الرب”.
في السنة اللاحقة رُقّيَ الأب فيلوثيوس إلى رتبة أرشمندريت. فباشر بالوعظ وتقبّل اعترافات الناس في القرى والبلدات في باروس وجزر الجوار. وبمرور السنوات حملته رحلاته الرعائيّة والتبشيريّة إلى أبعد من ذلك حتى أصبح المعرّف الأول في كلّ اليونان.
رلقد كان الطلب قوياً على شيخنا للوعظ أنّى ذهب. سنة ١٩٢٤، قام بحجّ طويل إلى الأراضي المقدّسة ومصر، وقام بوصف تلك الرحلة بالتفصيل في كتابه “الحجّ العظيم العجيب إلى فلسطين وسيناء” الذي أُصدر بعد سنة. وفي الكتاب محفوظة الخدمة التي سُئل ان يُقيمها في الجلجلة يوم الجمعة العظيمة. من الممكن أن نحكم على موهبته كواعظ من خلال ردّة فعل مُستمعيه التي ذكرها بدون تكلّف في رسالة بعثها من أورشليم إلى أبيه الروحي الشيخ إيروثيوس: “لقد كانوا يُصغون إلى كلماتي المتواضعة بانتباه وتوبة كبيرين. لقد بلغ الجمع، وأنا معهم، درجة من التأثّر بحيث أننا ذرفنا الدموع. لقد قال الآباء المُقيمون في الجلجلة بأنّه لم يعُظ أيّ من اللاهوتيين الذي زاروا المكان بمثل هذا التأثير والاستنارة”.
كانت الانطباعات التي سجّلها في رسائله المتعدّدة تتأرجح بين الارتفاع الروحي الذي اختبره في حضوره الخِدم في الأمكنة المقدّسة المُختلفة وبين القلق الحادّ، أو حتى الشعور بالخطر، ممّا لمسه في الحياة الروحيّة الكئيبة في تلك الأماكن نفسها: “آه، كم رأيتُ وتمتّعتُ بالجلالة غير العادية والرائعة. كلّ شبر من هذه الأرض مقدّس وتاريخي… يبدو لي أنني في الفردوس نفسه، وكما لو أنني أُعاين المسيح نفسه. …هنا حيث لديهم الكثير من الأسباب، الرموز والحوادث العجائبيّة، من المفترض أن يكونوا قدّيسين، إلاّ أن الشيطان يعمل هنا بشكل مضاعف… لسوء الحظ فإنّ كهنة أورشليم، مع بعض الاستثناءات، يدفعون المسيحيين إلى الهلاك. لقد ذهبت إلى الصخرة حيث اختبأ موسى ورأى مجد الله. لقد هزّني الإنخطاف في تلك اللحظة وانهمرت الدموع من عينيَّ: لقد أحسست بعذوبة وفرح روحي لم أشعر بهما من قبل… المسيحيون، في تلك الأمكنة، بحاجة ماسّة إلى كلمة الله. ينام شعبنا نوم عدم الإكتراث والتواني، بينما يقوم اللاتين والبروتستانت بالاقتناص والدعاية القويّة… لقد عاينتُ المناسك وأماكن الأساقيط التي أقام فيها الآباء النسّاك القدّيسون، فكانوا يعيشون في المغاور وثقوب الأرض يعاينون الحرمان والبلى وغيرها… لقد ذرفتُ الدموع السخية وأنا أقول: “أين الآباء الكليّو القداسة الذين أقاموا مرّة في هذه الصحراء والكهوف والثقوب، وهم الآن يرتعون في الفردوس؟ لقد أحبّ هؤلاء الموقّرون الطريق الضيّق والمُحزن. لا ينبغي أن نتردّد عن فعل ذلك بسبب الراحة المؤقّتة هاهنا لأنّنا سوف نُحرَم من الراحة الأبديّة. لذا، دعونا نُجبر أنفسنا على فعل ذلك”…
في سنة ١٩٣٠ رقد الشيخ إيروثيوس وبرغبة منه خلفه الأب فيلوثيوس في رئاسة لونغوفاردا. كان قد ذاع صيته كقديس. ويصفه تاريخ الدير على انّه “غني بكلّ فضيلة، موسوم بالتواضع الشديد، وذو علم واسع، ومُستحقّ المديح على كلّ الأحوال. فقد تجلّت بوضوح كلّ الفضائل التي تزيّنه: تقوى صادقة أصيلة، إيمان وثقة بالله لا يتزعزعان، ضبط للنفس، حبّ للعمل، حماسة للتسليمات الحيّة، تفانٍ في أعمال الدير، طاقة مميزة في الاعتراف والوعظ بكلمة الله، وفوق كلّ ذلك التواضع”.
بالرغم من واجباته الجديدة المترتّبة عليه بسبب رئاسته للدير، استمرّ الشيخ فيلوثيوس بالوعظ واستقبال المُعترفين مُحافظاً على رباط مع أولاده الروحيين.
علاوة على ذلك تحققت للشيخ رغبة طالما تمنّاها عندما صار باستطاعته سنة ١٩٣٤ أن يحجّ إلى القسطنطينيّة. هناك أيضاً سُرَّت نفسه بالكنوز الروحيّة في المدن. أثار إعجابه بشكل خاص الفخامة الرائعة لكنيسة الحكمة المقدسة. لكنّه، في نفس الوقت، كان حزيناً لأنّ الكاتدرائيّة كانت بيد الأتراك. “واأسفاه أيّها المسيحيّون” قالها بنوح، “كيف حرّكت خطايانا إلهنا الكثير الرحمة والجزيل التحنّن وأثارت سخطه حتى سمح بأن نُحرَم من كنيسته المقدّسة. أيّها الربّ إلهي، لقد حرمتنا من ذلك بعدل، فقد أظهرنا جحودنا نحوك أيها الإله الحقيقي”. لقد صلّى الشيخ بإلحاح لكي يُعيد اللهُ كنيسته التاريخيّة العظيمة للأرثوذكسيين في حياته فيستطيع تقديم الذبيحة غير الدمويّة. “لكن علينا نحن الأرثوذكسيين أن نمضي حياتنا بالندم والتوبة حتى نستحقّ هكذ عطيّة.” لقد انتهت هذه الرحلة لتكون الأخيرة للشيخ خارج بلاده.
لقد تقلّصت تحرّكات الشيخ بعض الشيء بسبب الحرب، لكن، في خلال ذلك الوقت، كان الدير مثل خليّة النحل في نشاطه. لقد جلب الإحتلالان الإلماني والإيطالي ضيقاً شديداً على سكان باروس الذين ابتلع عددهم بسبب تدفّق اللاجئين من البر اليوناني. وبسبب رحمة الله كان لدير لونغوفاردا محصولاً وافراً غير اعتيادي مكّنه من أن يتماشى مع كرم الدير، إذ كان يتمّ إطعام المئات يوميّاً. لاحقاً، تمّ إحصاء ١٥٠٠ من سكان باروس كانوا سيموتون من الجوع.
يقدّم أحد الحوادث التي جرت في ذلك الوقت برهاناً ملفتاً عن محبّة الشيخ الإنجيليّة. فقد قام بعض الجنود البريطانيين بمباغتة الألمان في باروس في إحدى الليالي، فقتلوا إثنين وأسروا البعض الآخر. فقام الإلمان، ظنّاً منهم بأنّ أهل باروس متواطنون، بإصدار أمر بإعدام ١٢٥ شاباً اختيروا بطريقة عشوائيّة باعتبار أنّ هذا الإجراء سيكون رادعاً لأيّ عمل من هذا النوع في المستقبل. بعد صلاة حارّة إلى السيّدة (بانتاناسا Pantanassa)، قام الشيخ فيلوثيوس بدعوة المفوّض الإلماني غرافونبارايبارغ إلى الدير. فكان الضابط متأثّراً بشدّة من الزيارة حتى أنّه اندفع متسرّعاً وسأل الشيخ أيّة خدمة يطلبها. بعد ان وطّد العرض بوعد من الضابط، طلب الشيخ بجسارة أن تتوقّف الإعدامات الموشكة الحدوث. عندما احتجّ الألماني بأنّ هذا الأمر ليس من صلاحياته، أصرّ الشيخ فيلوثيوس بأنّه، في هذه الحالة، يجب ان يُحصى مع الشباب المُزمَع إعدامهم، مُضيفاً: “سأعتبر هذه الخدمة المهمّة”. فقام غرافونبارايبارغ بإصدار أمره بالعفو عن الشباب.
إبتداءً من هذه النقطة، فإنّ سيرة الشيخ لم تَعدُ أكثر من تعداد المدن والبلدات حيث “استمع إلى الاعترافات ووعظ بكلمة الله”. في الوقت نفسه استمرّ بالإشراف على دير لونغوفاردا ورهبنتّين أخريين أُضيفتا إلى مسؤوليّته. لم يكن ذلك، قطعاً، حدود إنجازاته. ففي ملحق موجز لسيرته الذاتيّة كتب باقتضاب: “لقد اتبعت المسيح خلال حياتي القصيرة على هذه الأرض، فمنحني أن أكون جديراً ببناء ١٢ كنيسة، ديرَين، ثلاث مدافن، مدرستين… إلخ. وبعث إليَّ بالمال بواسطة مسيجيين مُحبّين للربّ فقُمتُ بتوزيعه على إخوته الفقراء الأرامل واليتامى”.
إضافة لذلك، فقد قام بكتابة عدد من الكتيّبات مُجاهداً بكلّ معنى الكلمة لاستنهاض همّة اليونانيين ليتخلّصوا من اللامبالاة الروحيّة ومُلهماً إيّاهم بالنماذج الإنجيليّة. وكتب، أيضاً، آلاف الرسائل النُصحيّة لأبناء روحيين من كلّ أصقاع العالم: أوروبا، أفريقيا، أميركا وأوستراليا.
يُحار المرء عندما يجد الشيخ ثابتاً لا ينهار من التعب، علماً بأنّه ينام قليلاً ولا يأكل حتّى الشبع. بالواقع إنّه يكتب: “أُقرّ بأنني في أحيانٍ كثيرة بعد سماعي الإعترافات طوال النهار وفي الليل… أكون مُنهكاً جدّأً حتى أنني أنام في السرير كالميّت وأنا أُفكّر بأنني لن أنهض بعد ذلك بل سوف أموت أو أمرض… لعدّة أيّام… على أيّ حال فإنني عندما أستيقظ في الصباح أشعُر بأنّني شُفيت وفي صحّة جيّدة. هذا ما يجعلني أتعجّب وأتساءَل أحياناً كثيرة، فأُدرِك ضعفي كما أُدرك نعمة الله (التي بدونها لا تستطيع أن نفعل شيئاً)، فأقول {لستُ أنا من يُجاهد بل بالأحرى نعمة الله التي تقوّيني}… سأكون مجنوناً لو أنّي تجرّأتُ على الإفتخار.”
في النهاية، فإنّ جسده، بالطبع، قد أُنهك تماماً. في شباط سنة ١٩٨٠ وقبل الصوم الكبير، كان الشيخ في دير سيّدة الآسية (مايرتيديوتيسا نسبة لشجرة الآس) و هو واحد من الرهبنتين التي أسسهما في باروس، استبّد به المرض. خلال الأشهر الثلاثة التي كان فيها ضريح الفراش استمر بالارشاد وإلهام الاخوات بما كان عليه كما بما كان يقوله. وفي وصف هذا الفصل الاخير من حياته الارضية كتبت الاخوات بشكل مؤثر كيف كان الشيخ يتلقى المناولة الإلهية: “بالرغم من أنه كان منهكاً جسدياً فقد كان يستعد قبل ساعات… وعندما كان يظهر الكاهن على باب قلايته كان يرفع يديه الضعيفتين و يصرخ من كل قلبه: {مرحبا بك يا الهي. مرحبا بك}. فيشترك بالمناولة الإلهية بقدر كبير من الخشية والشوق والندم كما لو أنها المناولة الأولى بحياته… فكان يتغير بكل معنى الكلمة… لمرتين كانت هيئته لامعة حتى أننا لم نجسر على النظر اليه. كان مملوءاً من النور الإلهي. بعد ذلك، كان يقول وهو رافع يديه: {خذني يا إلهي، خذني}. …كم أحبّ الله بصدق وبالكلية.”
في الثامن من ايار سنة ١٩٨٠ وبعد سبعين سنة من العمل المتواصل في كرمة المسيح، دخل الشيخ فيلوثيوس في الراحة المغبوطة التي هي جزاء المستقيمين. أجرى مراسم الدفن، وبحسب رغبة الشيخ، الأرشمنديت ذيونيسيوس (كالامبوكاس) الذي في دير سيمونوس بترا في جبل أثوس. دفن جسده هناك في المدفن في مكان كان قد اختاره قرب الكنيسة المكرّمة على اسم مرشده الروحي القديس نكتاريوس من آيينا. لاحقا، كتب الاب ذيونيسيوس نفسه في معرض مدحه للشيخ المبارك: “أيها الاب الكلي قدسه الدائم الذكر فيلوثيوس… لقد بقيت من طفولتك وحتى نهاية حياتك إبناً دائماً للربّ… وفي الوقت نفسه كنتَ راهباً متقشّفاً في دير لونغوفاردا، كنتَ ضابطاً نفسك، ناسكاً بالسر رسولاً وأباً روحيّاً لآلاف النفوس… إنّ طهارة جسدك ونفسك وروحك وعقلك لباهرة… بتواضعك اللامتناهي كنتَ تجذُب الملائكة الذين كانوا يأتون لمعونتك… لقد اكتسبتَ إلفة القدّيسين. لقد ارتبطت بهم حميعاً بمحبّتك لهم واحتفالك بتذكارهم في كلّ خدمة كنسيّة وفي صلواتك الشخصيّة… وصرتَ صديقاً لكلّ إنسان، لكلّ طبقة، لكلّ الأعمار، للنساء والرجال. لقد ربحتَ قلوباً لا تُحصى وجذبتها نحو الله.”
فليعطِنا الله أن نكون من بين الذين جُذبوا إلى قُرب الله عن طريق هذا المثال الشيخ فيلوثيوس المُبارَك.

عجيبة

لقد قال ربّنا بأنّ أتباعه سوف يقومون بعجائب كما فعل هو نفسه. من المؤكّد أنّ حياة الشيخ فيلوثيوس الُمبارك تُعطي برهاناً جليّاً على انتمائه إلى رسل المسيح الحقيقيين. هذا ما تؤكّده النعمة الغزيرة التي كانت له كصانع العجائب، في حياته ومماته. لقد ذاعت شهرته كأبّ إعتراف وتضاعفت بسبب استنارته وامتلاكه موهبة الرؤية: هناك العديد من الأمثلة عن قيامه بتذكير الناس بخطايا مُحدّدة كانوا قد نسوها أو أخفوها خلال الإعتراف. هناك حالات موثوقة لأزواج ذوي عُقر، فكانت النساء تحمل عاجلاً بعد طلبها شفاعة الشيخ. آخرون أخبروا عن شفاءات من تضخّم الغدّة الدرقيّة والغنغرينا وآلام الرأس الحادّة والأسنان. لقد سُجّلت حالة شفاء لافتة من قبل إفسطاثيا وأندراوس الذين من أثينا:
ولد ابنهما جورج في آذار سنة ١٩٦٣، كان يبدو طفلاً طبيعياً وبصحّة جيّدة، لكن بمرور الأسابيع توقّف عن الأكل. فشخَّص أحد أطبّاء الأطفال مرضه بأنّه تضخم الأوردة وكشفت فحوصات الدم إصابته بفقر الدم في حالة تتطلّب إعطاءه دماً بشكل مستمرّ. فكان التكهّن بمصير الطفل مروعاً. بعد بضعة أيّام من إدخاله إلى المستشفى، أشارت خالته بأن يذهبوا لرؤية الشيخ فيلوثيوس الذي كان قد وصل لتّوه إلى أثينا آتياً من باروس. فعلوا ذلك، ولكثرة تضرّع الأم بالدموع، رافقهم الشيخ إلى المستشفى.
كان التنفّس الضعيف للطفل هو العلامة الوحيدة المنظورة لبقائه على قيد الحياة. صلّى الشيخ ورسم إشارة الصليب على الطفل. ثمَّ وضع أيقونة والدة الإله على الوسادة. “ماذا يجب أن أفعل؟” سألت الأمّ المُضطربة. “هل أُبقيه ليموت هنا أم آخذهُ إلى البيت؟” “لا” أجاب الشيخ، “سوف يُسلّمكِ إيّاه الأطبّاء خلال يومّين أو ثلاثة. على أيّ حال، بعد سنة اجلبيه إليّ في باروس”. فصُعق كلّ من كان مُتحلّقاً حول المهد. “ماذا تقول يا أبتِِ؟” سألت ممرضة. “إنّ الطفل يُشارف على النهاية. من المُختمل أن يعجز الأطباء حتى عن نقل الدم إليه”. أجاب الشيخ: “إنكِ تفتكرين بأمر، والعذراء تفكّر بأمر آخر”.
في تلك الليلة ارتفعت حرارة الطفل وصار يتنفّس بصعوبة. عند الصباح هبطت الحمّى، وعندما قامت الممرّضة بأخذ وزنه أصابتها الحيرة إذ اكتشفت إنّ وزنه زاد حوالى سبعين غراماً: لم يكن الطفل قد تناول شيئاً منذ يومين”. كانت تلك عجيبة. في اليوم الثالث خرج الطفل من المستشفى. كان مكتوباً على أوراق الخروج: أنيميا (فقر الدم). أخذت الأم طفلها إلى الشيخ ثيوفيلوس لشكره على وساطته العجائبيّة. نادى الشيخُ الطفل: “الله هو الذي أنقذ موسى”.

* * *

المقال االسابق

المقال التالي

الشهيد الجديد باسيل أسقف كينيشما

الشهيد الجديد باسيل أسقف كينيشما

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لقد كان المسيحيون على مرّ العصور يغتذون بحياة القديسين: الرسل، رؤساء الكهنة، رهبان الصحراء، الشهداء، والسوّاح. واليوم يواجه المسيحيون ضغوطاً متزايدة لنبذ العقيدة وقبول التوفيق الديني. لهذا علينا أن نولي عناية خاصة لحياة هؤلاء القديسين الذين اعترفوا بإيمانهم، ورفضوا تكييف أنفسهم مع روح هذا العالم. حياة القديس باسيل كينيشما، التي هي هدية من مستودع روسيا الغني، تقدم مثالاً ملهِماً.

تعود عظمة هذا القديس إلى تربيته التي كانت صارمة، حتى قياساً على روسيا القرن التاسع عشر. فقد أبقى والده الكاهن كلَّ تأثير عالمي خارج البيت، فلم يكن مسموحاً للأولاد بالتمشي خارج السياج الذي كان حدود عالمهم. لكن الصرامة الظاهرية لهذا المناخ الشبيه بالأديار، كانت مغمورة بجو من المحبة المسيحية. وكانت تُخرَق هذه العزلة الاجتماعية باستمرار لاستقبال الفقراء والسائحين. عدم وجود وقت للهو إضافة الى ممارسة الصلوات والجهاد الروحي أعدّا العقل للتركيز، فلم يكن لتأخّر الأولاد في البدء بالدراسة أيّ تأثير سلبي على تفكيرهم، بل هذا ما ساهم في تقدمهم الروحي الذي كان الهمّ الأساسي لأهلهم.

حتى بعد كل هذه الرعاية الروحية المركّزة، كان لا بد من العناية الإلهية لتوجيه الشاب بنجامين يرايوبرازنسكي – الأسقف باسيل مستقبلاً – بحسب مشيئة الله. كان قد تسجّل في جامعة انكليزية ليهيء نفسه لمهنة الكتابة، عندما ذهب خلال عطلة صيف الى الإبحار مع أصدقائه في نهر الفولغا. انقلب المركب، فصلّى بنجامين، خوفاً من خطر الغرق، قاطعاً وعداً بأنه، إذا ما نجا، فسيكرّس حياته للدفاع عن الإيمان. فكان الناجي الوحيد.

بدأ بنجامين الوعظ في الكنائس المحلية حين كان طالباً في الأكاديمية اللاهوتية في فورونيز. بدأ مهمّته التبشيرية حالاً بسبب إدراكه أن سامعيه كانوا ضعيفي المعرفة بإيمانهم. خلال وعظه، كان يتفحص المؤمنين. فاختار امرأة ذات إيمان قوي لتكون أداة استقطاب يتجمّع حولها المؤمنون. كان الكتاب المقدس يُقرأ ثم يُفسّر، أحياناً مع أمثلة يعطيها بنجامين بنفسه، وكانت الخدم الكنسية تُدرس أيضاً، إضافة الى ترنيم التراتيل المفضلة لدى المجتمعين.

لم يزدرِ مطلقاً بالأولاد. سنة ١٩١٨، أصدر البولشفيون مرسوماً يحرّمون فيه التعليم الديني للأولاد، لكن بنجامين كان يجمعهم في الكنيسة حيث يقوم هو نفسه بتعليمهم القوانين الإلهية ناموس الله.

كان والده يعتبر رسامته قبل سن الأربعين سابقة لأوانها. وقد أصبح بنجامين كاهناً في سن الخامسة والأربعين. وقد تكرّس للرهبنة Tonsured مباشرة بعد ذلك، وفي السنة التالية، ١٩٢١، سيم أسقفاً على كينيشما.

رغم مركزه، بقي الأسقف باسيل بسيطاً في علاقاته مع الناس. “عندما كان يزور حلقات الصلاة، كان خبر وصوله ينتشر بسرعة فيتهافت الناس لمقابلته… فمن يصل يجلس حيثما أمكن. كان فلاديكا (سيّدنا) يجلس على الأرض ويبدأ بإنشاد الأناشيد الدينية. كانت هناك الكثير من الخدم التي يقيمها مفعَمَةً بالمحبة والبساطة، فيبدو ترنيمه أو قراءته للإنجيل فيبدو كأنه آلة في يدي الله. لم يكن يبحث او يرغب بأي شيء من هذه الدنيا: لا ذهب ولا فضة أو أي مركز عالمي. رغب فقط أن يكون خادماً حقيقياً لله”.

إنّ غياب الطموحات و الاهتمام بالذات سمحا للروح القدس أن يفعل فيه، فكان حضوره مستمراً من خلال الخدم الإلهية التي يقيمها الأسقف. كان جماهير من الناس يحتشدون – كثير منهم عمال غير متعلمين – فيسيرون أميالاً عديدة لحضور السهرانيات حيث يقرأ فيها فلاديكا خدمة آلام السيّد. “كان الهدوء يخيّم خلال القراءات وكأن لا أحد في الكنيسة، كل كلمة تسمع حتى في أقصى الزوايا… كانت النعمة كبيرة خلال هذه الخدم حتى أن الناس لم يكونوا يشعرون بالضجر.” حتى غير المؤمنين كاليهود، كانوا يختبرون القوة المغيّرة التي في خدم الأسقف، التي كان يشعر بها الجميع تقريباً.

تكمن عظمة فلاديكا الروحية في تقشفه. كان يعيش لدى أرملة تقية في غرفة الغسيل التي تقع في فناء بيتها الخلفي ، حيث كان ينام على الأرض مستعملاً قطعة حطب كمخدّة. رغم ذلك، كان يومياً يأتي سيراً عبر المدينة وصولاً الى الكاتدرائية، إلاّ أنّه لم يقتنع من أحد بوجوب الانتقال الى مكان آخر. خلال سيره في الشوارع في الصباح الباكر أو في ساعة متقدّمة من الليل كان الأسقف يُصادف السارقين عدّة مرّات. وبما أنّه قد تخلّى طوعياً عن كل ما يملك، فقد كان يعطيهم أي شيء يكون لديه، فيفعل ذلك بحلم ومحبة.

أثمرت جهاداته التقشفيّة قوة شفائية في صلواته. “في إحدى المرات، قرعت فتاة باب فلاديكا، أدرك أنها كانت من طلاب صفوف التعليم المسيحي. كانت قد بكت طوال الطريق، وعندما رأت فلاديكا، أملها الأخير، ازداد بكاؤها. كيف لا تبكي ووالدها الذي تحبّه حبّاً جماً كان يموت؟ جمع فلاديكا أغراضه بسرعة وذهب معها الى أبيها وجده يكابد سكرات الموت. بدأ الأسقف بالصلاة. صلى طويلاً وبإلحاح، لمس الرجل المنازع واضعاً كل شيء في مشيئة الله، ثم غادر. خمد المرض بسرعة، ثم بدأ الرجل المريض يتعافى وسرعان ما عاد صحيحاً”.

حوادث عديدة جرَت، كانت تشهد على استبصاره تمييزه.

أكبر تحدّ في عمل القديس الرعائي كان قيادة رعيته بأمان عبر العواصف التي ضربت الحياة الداخلية للكنيسة الروسية. في أوائل القرن العشرين اصدرت الحكومة مرسوماً وبدأت بمصادرة الكنائس وزرع التعاليم التحررية Modernist Teachings، فقام الأسقف باسيل بإعطاء التعليمات لكهنته بعدم ترك رعاياهم بل بإقامة الصلوات في الهواء الطلق كما كان يفعل هو نفسه مجتذباً الآلاف عن طريق الخدم الملهَمة التي كان يُقيمها. أدت هذه المقاومة الى توقيفه لأول مرة سنة ١٩٢٣، فنُفي الى زيرناسك بصحبة خمسة إكليريكيين آخرين، كان من بينهم ميتروبوليت قازان كيرللس الذي صار لاحقاً قائداً لكنيسة السراديب (كنيسة السراديب هي كنيسة نشأت تحت الحكم الشيوعي في روسيا والصين وكونها رفضت الانصياع للدولة تعرّضَت لاضطهادات كثيرة وقدّمَت شهداء بالآلاف).

بعد أن انتهت مدة نفيه، عاد الأسقف باسيل الى كينيشما في أيار ١٩٢٥. إلا أن شعبيته الكبيرة أثارت السلطلت، وفي خلال سنة، أُجبر على مغادرة المدينة، فعزل نفسه في الريف مُكرّساً كل وقته للصلاة. بعد ستة أشهر، عاد الى كينيشما ليستأنف نشاطه الرعائي الرسولي في تنشئة أولاده الروحيين وإعادة النشاط الى حياة الكنيسة. لكن لم يستغرق الأمر أكثر من أشهر حتى أُجبر مرة أخرى على المغادرة. كان ذلك نموذجاً مألوفاً وَسَم حياة عدّة كهنة وأساقفة يتميّزون بالصلابة: التوقيف، السجن والنفي يتخلّله مدّة من الحرية.

رغم رغبتهم الشديدة في ذلك، إلاّ أن السلطات لم تجد مبرّرات كافية للحكم على فلاديكا لمدة طويلة، فلم يكن يتعاطى بالشؤون السياسية بل كل تركيزه كان على الروحيات. إلاّ أنّ ذلك تغيّر سنة ١٩٢٧، عندما صدر اعتراف الميتروبوليت سيرجيوس الذي أجاز بشكل أساسي للحكومة أن تتدخل في شؤون الكنيسة الداخلية. لقد فتح ذلك الاعتراف الباب واسعاً لاضطهاد الأساقفة والكهنة والعلمانيين بشكل واسع. أُوقف الاسقف باسيل سنة ١٩٢٨ ونُفي لثلاث سنوات الى قرية منعزلة في مقاطعة سفيردلوفسك. لكن انفصاله التام عن الأمور والممتلكات العالمية أعطاه مرونة رائعة، فكيفما كانت أوضاعه، كان باستطاعة فلاديكا أن يكون هو الرابح. عاش في المنفى كما لو أنه ناسك في الصحراء مستفيداً من هذه العزلة ليغوص في الحياة الروحية. كان سيسعد لو بقي هناك، لكن لم يُسمح له بذلك. انتهت مدة نفيه، فعُيِّن في مدينة أوريل. بعد سنتين أجبرته المخابرات على المغادرة فعاد الى كينيشما.

كانت تلك المرة الأخيرة. في أواسط الثلاثينات شُنّت حملة اظطهاد عنيفة هدفها محو الأرثوذكسية من الوجود. كان من الصعب جداً على الأسقف باسيل أن يتّصل بأولاده الروحيين قبل توقيفه. أمضى حكمه لخمس سنوات في معتقل قرب ريبنسك حيث عمل السجناء في بناء قناة. لكن معذبيه لم يشفوا غليلهم من السيطرة على جسده إذ كانوا يريدون نفسه. استُدعي فلاديكا للاستجواب:

–        “كيف تنظر الى الحكومة السوفياتية؟”

–        “أعتبرها سلطة مدنية” أجاب الأسقف. “إني أعترف بها، لكن تدخلها في شؤون الكنيسة والفوضى التي أحدثتها لم يكن لهما مثيل في تاريخ العالم مما لا أُوافق عليه.”

طلب منه المستجوبون الانضمام إلى اعتراف الميتروبوليت سرجيوس. وعندما رفض فلاديكا “انقضّ عليه المحققون الجاحدون الحاقدون وبدؤوا بضربه مستعملين الطرف المعدنية لأحزمة عسكرية. لم يُغيّر ذلك من اعترافه الأرثوذكسي النقي بالمسيح. لم يرد أن يُفسد اعترافه بالمسيح بمحاولته إرضاء العالم”.

سنة ١٩٤٢ كتب أسقف باروسلاف الى الاسقف باسيل سائلاً إياه أن يقبل يتولّي إحدى الأبرشيات. أيضاً، كان هذا يعني الموافقة على اعتراف الميتروبوليت سرجيوس. “أنا لا أعتبر سرجيوس أرثوذكسياً”، أجاب القديس. “وأطلب منك أن لا تعرض عليّ أية أبرشية مستقبلاً، إني طاعن في السن ومنهك بسبب المنافي”. أيضاً بعد ثلاثة أشهر تم توقيفه. ونُفي لخمسة سنين أخرى الى غابات مقاطعة كراسنويارسك في سيبيريا. هنا انتهت الدورة.

تدهورت صحة فلاديكا في ذلك الوقت. لقد أصبح في شلل نصفي وبحاجة الى أن يلقى العناية من أحدهم. جرت محاولة أخرى لتطويعه من أجل إعتراف الميتروبوليت سرجيوس عن طريق استغلال ضعفه الجسدي.

“أقِرْ بمجمع سرجيوس” قيل له، “وسوف نُحرِّرك عاجلاً. سنرسلك بالطائرة الى موسكو حيث ستلقى العناية الطبية مما سيًبعد الخطر عن حياتك”. إلاّ أن فلاديكا رفض. “إذن إبقى حيث أنت، لن نُطلق سراحك”. عبارات خالية من اللياقة كان من الممكن أن تكون مأخوذة من قصص الشهداء في الكنيسة الأولى.

كتب فلاديكا سنة ١٩٤٥ مُعايدأ أحد أولاده الروحيين بعيد الفصح: “…يا بني لا تضطرب، لا يحدث شيء إلاّ بحسب مشيئة الله. لقد وصلتُ الى نهاية العمر، سبعون سنة. قليلاً بعد من السنين لا تشكّل لي أي فرق. شيء واحد أكيد وهو أنه لن يكون بمقدوري تحمل خمس سنوات إضافية تحت هذه الظروف… لقد حصلتُ على الدواء الأثمن يوم الخميس العظيم. أُقدّم الشكر للخالق على كلّ الأفراح والتعزيات. يكاد السعال يخنقني. لا أستطيع التنفس. أكون طريح الفراش معظم الوقت، رغم أن كثرة الراحة ليست جيّدة… وداعاً يا بني. لقد أنهكتني الكتابة. لا تكتئب. كن معافى. اتّكل كليّاً على الله. إحنِ رأسك وقل: “لتكن مشيئتك”. صَلِّ. لدي إيمان بصلاة ولد. إنّها تساعدني باستمرار. فتّش عن راحتك أو تعزيتك في الصلاة أتمنى لك الصحة، وحياة عديدة سعيدة. مع محبتي، الأسقف باسيل كينيشما.

حاشية: سلامي الى الأولاد مع أحرّ تمنياتي. أنحني أمامك سائلاً منك الغفران”.

توفي الأسقف بعد بضعة أشهر، في ٢٩ تموز 1945.

أيها القديس الشهيد في رؤساء الكهنة باسيل تشفع لدى الله من أجلنا.

ملاحظة من الكاتب: إننا محظوظون هناك في الغرب ليكون لدينا، ليس فقط هذه السيرة الرائعة، بل أيضاً بقايا القديس حيث وضعت في مائدة كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان في واشنطن D.C. حين كُرِّست في ١٠ أيلول ١٩٨٨.

الشهيد ميتروفان رئيس أساقفة أستراخان

الشهيد ميتروفان

رئيس أساقفة أستراخان

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

 

تميّز رئيس الاساقفة ميتروفان بكونه واعظاً جليلاً، إداريا قديراً، عاملاً نشيطا في كرمة الكنيسة، ورجل صلاة. كان اسمه في العالم اﭙﭭان فاسيلياﭭﺘش كراسنوبولسكي وقد أصبح مشهوراً في روسيا عندما تمّ نقله، في تموز 1916، من مينسك إلى أبرشية أستراخان. إلى هذا، فقد كان عضواً في مجلس الدوما تلك المقاطعة حيث كانت مداخلاته المتقدّة تجذب انتباهاً لافتاً.

كان رئيس الأساقفة يكدّ ليلمّ بأمور أبرشيته الجديدة قبل أن يأخذ على عاتفه مشروعين بالغي الأهمية والصعوبة: التحضير لتطويب المعظَّم في الشهداء يوسف استراخان، والترتيب لتجديد إنجازات البطريركية. هذا الأمر أعطاه مكاناً مجيداً في تاريخ الكنيسة الروسية وجعله يستحقّ أيضاً أن يحتلّ مكاناً مميزاً في قلوب الناس.

بالظاهر، كان رئيس الأساقفة يعطي انطباعا بأنه صارم. ربما كانت هذه ميزة فطرية، أو ربما كانت نتيجة تركيزه المستمر المترافق مع قوة إرادة هائلة وواقع كونه متطلباً جداً من نفسه والآخرين. لقد أخبر حافظ الكنيسة  الأب ديمتري ﺴﺘﻴﭭنوفسكي “كنت خائفاً منه في البداية، فقد كان يبدو بالغ القساوة. لكن بعد أن صرت أعرفه بشكل أفضل، اقتنعت بأن ﭭﻼديكا لطيف ومتواضع… واكتشفت شيئاً آخراً: كان يصلّي كثيراً. كان يقيم القداس الإلهي أو يحضره في كنيسة الصليب. لكنه كان ينهض باكراً جداً وحتى قبل القداس ليدبر بعض الأمور”.

يتذكر مغني الأوبرا ي.ي. ﭭﺎليكانوﭪ الذي من أستراخان: “كان عليّ أن أقدّم نفسي ﻠﭭﻼديكا بسبب انتخابي كعضو في مجلس كل روسيا. ذهبت مع إحساس بالرهبّة متسائلاً: كيف سيستقبلني ﭭﻼديكا؟ إنه شديد الصرامة. لقد اغتبطت جداً عندما أني كنت مخطئاً في رأيي به. رحّب ﭭﻼديكا بي بكل دفء وأجلسني على كرسي بعد أن باركني وقام بضمي مردداً عدة مرات: “رائع، رائع، أنك أصبحت من بني المنتخبين.وعندما سنحت لي الفرصة للذهاب مرة لرؤية  ﭭﻼديكا قبل بضعة أيام من مغادرتي للمشاركة دورة للمجلس، لم يراودني الخوف هذه المرة. أنا والمندوب الآخر، الدكتور رومانوﭪ، حدّثنا ﭭﻼديكا عن واجباتنا المتوقعة في المجلس. كما استفهم عن مصاريفنا: كم من المال أعطي كل منا للرحلة، هل لدينا معارف في موسكو؟ هل اخذنا معنا مظلات وأحذية للمطر في حالة هطوله؟ بكلمة واحدة، لقد استفهم عن كل شيء حتى ادّق التفاصيل”.

طفولة معذبّة

في إحدى المرات، اقترف الأب ديمتري مخالفة ما، ما  جعل ﭭﻼديكا يؤنبه بشكل قاسٍ.  أخبر الأب ديمتري: “لقد جُرحت من ذلك، لكن ﭭﻼديكا تفهّم هذا وأخذني بيدي وأجلسني على كرسي وجلس بنفسه مقابلي وتكلّم معي بنبرة مختلفة، بحنان وعطف: “أنا نفسي أعلم بأنني أبدو قاسياً مع الناس، ودائماً ما أفكر: ما هذه السمة السلبية؟ لكني أعزِّي نفسي بفكرة أن هذا ليس قساوة بل بالأحرى جدية  وكآبة. لو كنت فقط تعرف مدى خشونة سني طفولتي وصباي وخلوهما من المسرّة. كم تعرضت لأذى الناس وخبثهم، كم تأذّيت باستمرار وأذللت. لقد تحملت الكثير من الأسى. وهكذا منذ كنت يافعاً طبع مُحياي بسخنة قاسية، ولم استطع تغييرها”.

لقد أثارت قصة طفولتي ﭭﻼديكا اهتمام المؤلف، إلى أن وصل إلى التفاصيل من وكيل الكاتدرائية السابق الذي كان قد سمع القصة من والدة رئيس الأساقفة. وقد كتبها بكلماتها هي: “كنت ابنة المرتل في احدى القرى، الذي كان فقيراُ لكن تقيا. لم أكن الابنة الوحيدة، وبسبب قلة المال توقفت عن الدراسة بعد أن أنهيت الدراسة في مدرسة القرية. كان ضرورياً أن أساعد والدّي في أعمال البيت والاهتمام بالأولاد الآخرين. إلى أن قرروا تزويجي مع كوني صغيرة. كانوا يتمنون لو تزويجي بكاهن. وأنا عندما حان الوقت، فكرت بأنه اذا كان لا بد من الزواج، فليكن زوجي كاهنا حتماً. في النهاية ستكون الصعوبات المادية أقل مما لو تزوجت أحداً من رتبة والدي. لكن لم يتقدم إلي أي مرشح للكهنوت يريد زوجة تزيد من فقره. لم يتحقق حلمي، فتزوجت عاملاً من العامة. كان في منطقتنا معملاً صغيراً للقرميد حيث كان يعمل زوجي. وقد تعلمت أنا أيضا الصنعة وكنت أنتج قرميداً ليس أقل جودة مما ينتجه زوجي.

كان فقرنا يسبب لي الكآبة، وقد تضرعت إلى الله ليعطيني صبيا: “آه لو كان لي ولد لأصبح  حتماً إكليريكياً. سوف أكرّسه للرب.  كنت مرة في كاتدرائية بلدتنا، حيث سجدت أمام أيقونة والدة الإله سائلة إياها أن تعطيني صبياً. لقد تأثرت بالصلاة لدرجة أنني أحسست بأنها سوف تستجاب. وبالطبع أعطاني الله صبيا أسمه ﭭﺎنيا. لم أستطع أن أتصّور مطلقاً أن ابني، إبن صانع قرميد، سيصبح رئيساً روحياً شهيداً، وبأن عداوة الناس سوف تؤدي به إلى هذه الميتة الشنيعة.

مرت الأيام، كبر الولد وحان وقت إرساله للمدرسة. درس في بلدتنا في مدرسة محلية حيث انكبّ منهياً دراسته بتفوق. اصطحبه والده إلى المدينة لتسجيله في مدرسة الأبرشية الإعدادية، لكن ذلك لم  يكن بالأمر السهل. فالمدرسة كانت لأولاد الكهنة، وكان من الصعب على ولد من الريف الدخول، فهو ابن صانع للقرميد. إضافة إلى ذلك، مَن يكون من خارج المدينة عليه أن يجد من يرتب أمر مأكله ومنامته ومصروفه، ومن أين المال لذلك؟ لكن بشكل غير متوقع، وُجد متبرع من أجل فانيا، وهو من ضيعة معلمه الذي كان مولعاً بالصبي بسبب كدّه ومثابرته في المدرسة. لقد عرض أن يسجلّه ويؤمّن دعمه. والده وأنا كنا مبتهجين لأن ولدنا سيصبح من رجال الكنيسة.

كان فانيا يأتي إلى البيت في العطل، وانا كنت أذهب أحياناً لرؤيته، خاصةً عندما كنت أشتاق إليه. وبدأت ألاحظ تغييراً فيه. كان كئيباً، متحفّظاً، يتجنّب زملاءه الطلاب. وعندما كنت أسأله عن ذلك كان يصمت وأحياناً كان يحرّك يده بحركة تدلّ على أن الأمر ميؤوس منه. ظننت في نفسي بأنه ربما يحسّ بالوحدة لحياته بين الغرباء. وفي وقت لاحق علمت من أصحابه بأن نظراءه في المدرسة عذّبوه بقساوة. كانوا ينادونه بالفلاح، يضربونه، ويتجنبون الكلام معه. أحسّ ﭭﺎنيا بأنه منبوذ وبطبيعة الحال صار منعزلا.

مرة، في آخر سنيه المدرسية، تعرّض لمزحة ثقيلة. كان في ملعب المدرسة “زحليقة” من الجليد، وفي إحدى الاستراحات قاموا بجرّه إليها ودفعوه فيها. تزحلق رأساً على عقب وطار إلى شباك ناظر المدرسة. تناثرت الألواح محدثة فوضى عارمة في غرفة الدرس. نجح الأولاد الأشرار في إلقاء اللوم كله على ﭭﺎنيا. إتُّهم بأنه مثير للشغب وتقرر طرده. لسؤ الحظ، كان كفيله قد مات للتو ولم يكن هناك أحد للتوسط من أجله. فانحنيت أمام المدير متوسلة إليه أن لا يطرد الصبي. أعفي من الطرد لأنه كان أفضل تلميذ ولأن ما تبقّى من الفصل الأخير كان أشهراً قليلة.

بعد ذلك، دخل ﭭﺎنيا معهد اللاهوت حيث أصبح قادراً على إعالة نفسه من مدّخرات الدروس الخصوصية التي كان يعطيها. كان من حظي الكبير ان أشاهد أخيراً اليوم السعيد الذي كنت قد حلمت به والذي كان أبوه المريض ينتظره بفارغ الصبر. في ذلك اليوم أصبح ولدي كاهناً. كانت تلك فرحة استثنائية لأن حلماً قد تحقق.

ترمّل ابني الكاهن بعد بضع سنوات. ثم أتت الأكاديمية والحياة الديرية، ورفعه الله إلى أعلى درجة: لقد أصبح رئيس كهنة. قبل رسامته، طلب مني أن أجلب له أيقونة عائلتنا القديمة لوالدة الإله (عذراء التوبة) التي كان يحبها كثيراً ويصلّي أمامها يومياً.”

وفي الختام طلبت الأم طلباً أخيراً: “إذا كان لا بد وسيأتي وقت يكون من الممكن ان تُنقَل رفات ابني إلى مكان آخر، فأتوسل اليكم أن تضعوهأ قرب مدفن القديس  يواصاف وأن تدفنوني بالقرب منها.”

من المحتمل جداً أن نجد سبب القسوة الظاهرية عند ﭭﻼديكا في ظروف سنواته المبكرة المؤلمة التي تركت أثراً غريباً في طبيعته الحقيقية. كان بسيطاً في حياته الشخصية وغير متطلب. ويتذكّرالإيبوذياكون  يوحنا بوبوﭪ، الذي كان يعرفه الجميع ﺒﭭﺎنيوشا، كيف كان ﭭﻼديكا يرسله غالباً ليعطي المال للعائلات الفقيرة.

رئيس موهوب

عندما افتتحت أعمال مجمع “كل روسيا” في آب سنة 1917، انتخب ﭭﻼديكا ميتروفان ليقوم عملياً بكل المهام. لقد قام بإعطاء المحاضرات فيما كان نشاطه وتصميمه غريبين. يتذكر د. رومانوﭪ “كنا مندهشين باستمرار من قدرة هذا الرجل على العمل لعدة ايام، فهو يعمل ويبقى يعمل”.

كان رئيس الأساقفة متكلّما أساسياً في قضية إصلاح البطريركية. لقد أدّى دفاعه الملتهب إلى إثارة جدل حاد دام ستة وعشرين يوماً، كان على رئيس الأساقفة خلالها أن يتحمّل نقداً مراً من المعارضة. عندما سوي أمر الجدل أخيراً على نحو مرُضٍ، كان فرحاً جداً لدرجة أنه قبّل كل مندوبي أستراخان .

في الأشهر اللاحقة، قام ﭭﻼديكا ميتروفان بعدة رحلات مطولة إلى موسكو لحضور دورات متلاحقة للمجلس. في سنة 1918، كان عائداً في بداية الصوم الكبير إلى أستراخان فوجد أن الحرب الأهلية قد سبقته إليها. كان البولشفيون قد احتلوا الكرملين. وقد سُدَّت عدة مداخل  وكان المؤمنون يحتاجون إلى إذن خاص لدخول الكرملين للصلاة في الكاتدرائية. وبالرغم من تلك الظروف استمر ﭭﻼديكا بإقامة الخدم بانتظام.

تصاعد التوتر مع اقتراب الجيش الأبيض والقوات البريطانية. بعد قداس عيد القديس ﭭﻼديمير (15 تموز)، أعلن ﭭﻼديكا انه سيقام زياح كنسي حول الكرملين، وبأن كل المؤمنين في المدينة سوف يتضرعون بفم واحد وقلب واحد إلى الله لحفظ المدينة من إراقة الدماء. كان ذلك حدثا لا يُنتسى، إذ ترك تأثيراً روحياً ومعنوياً كبيرين عندما التفّ المشاركون في الزياح حول الكرملين، وقد حمل  ﭭﻼديكا أيقونة والدة الإله فوق رأسه وصرخ متوسلاً : “أيتها الفائق قدسها والدة الإله خلصّينا. وفي الواقع، فقد مرّت ثورة اليوم الواحد في المدينة في الشهر اللاحق بدون إراقة دماء.

في تلك الفترة جرى تمردّ حتى داخل الكنيسة. فقد حرص النظام الجديد على قيام حركة ديمقراطية في محاولة منه لإضعاف تأثير الكنيسة. ومن المحزن أن أسقفاً جديداً تابعا ًﻠﭭﻼديكا ميتروفان، وهو الاسقف ليونتي (تسارﻴﭭﺴﻜﻲ)، أصبح ضحية هذه الفكرة وذهب إلى حد محاولة قلب الشعب ضد رئيس الأساقفة الذي وقف بصلابة أمام تلك البدعة المؤذية.

مع تنامي الحرب واحتلال أستراخان موقعاً استراتيجياً، سيطر البولشفيون على الكرملين أكثر فأكثر، واحتلوا تدريجياً مساكنالإكليروس ثم طردوهم فأصبح رئيس الأساقفة، عملياً لوحده. حاول المؤمنون إقناعه بالمغادرة، يقيناً منهم بأنه من الخطر عليه البقاء بين من حملوا تجاهه الضغينة. تناهى إلى سمع سكرتيره ما كان يقوله آمر الكرملين مازاكوف”لماذا  نسرف في اتّباع قواعد السلوك مع رئيس الأساقفة؟ فهو مناصر علني للقيصرية وعضو في الدوما القيصرية. لقد قام بمسيرة شعبية كبيرة في تموز تحت غطاء زياح كنسي. لقد كان هذا إظهاراً لقوة هي ضد الثورة، ونحن كالأغبياء أغلقنا أعيننا. كان يجب أن يكون مصفوفاً منذ زمن بعيد على الحائط (إشارة إلى إعدامه بالرصاص).

عندها أيقن ﭭﻼديكا بأنه على وشك أن يُطرد بالقوة، فوافق على أن يترك ويقيم في احد أديرة المدينة.

جلب وصول كيروﭪ، في شهر كانون الثاني مزيداً من التوتر إذ كان مصرّاً على “تنظيف” المدينة من كل القوى المعادية للثورة. بدا ﭭﻼديكا، حتى ذلك الوقت، هادئا ظاهريا. لكن بعد ان وقع ضحايا في صفوف أبناء الكنيسة، صار يبدي علامات قلق من أنه إذا استمر ألأمر على هذا فسوف يبيدون كل الإكليروس. ومع ذلك فأنه رفض بوضوح مغادرة المدينة واغتاظ ممن يقترحون مثل هذا الأمر: “لن أغادر رعيتي. أنا أحمل على صدري صليب المخلص الذي سوف يوبّخني ويدينني بسبب جبني وتهاوني. أرغب بأن أسألكم: لماذا لا تهربون أنتم؟ هذا يعني أنكم تتمنون شرفكم أكثر مما أتمنى انا درجة رئاسة اسقفيتي؟ اعلموا بأنني بريء أمام بلادي وشعبي!”

طريق جلجلته

أتت ساعة الرعب في 25 أيار عشية عيد الثالوث الأقدس. كان ﭭﻼديكا يتحضّر لخدمة اليوم التالي عندما أتوا للقبض عليه مباشرة بعد منتصف الليل. في تلك الليلة تمّ توقيف الأسقف أيضاً.

سجن الأسقفان في مبنى التشيكا المحلي. عن طريق احد الحراس، كان الايبوذياكون بوبوﭪ قادراً على جلب بعض الطعام والبطانيات للسجينين. كان كل المؤمنين مقتنعين ببراءتهما وقد حاولوا إيجاد طريقة للحصول على إطلاق سراحهما. لكنه كان من الواضح أن السلطات لم تكن مهتمة بإثبات ذنب ضحيتها. في تلك الظروف، كان همهم إبعادهما عن الناس. لقد أبقى دوكتوروﭪ، قاضي الاستجوابات، المؤمنين على علم بحالة السجينين، والايبوذياكون كان يأتيهما يومياً بالطعام.

في صباح أحد الأيام رُفضت رزمة بوبوﭪ. كان ذلك في 23 حزيران، عيد أيقونة سيدة ﭭﻼديمير. أمسك الحارس بهدوء بيد بوبوﭪ وقاده إلى الشباك في غرفته. نظر الايبوذياكون خارجاً فرأى عربة مكدسة بالجثث، ففهم ما يجري. علمت كل المدينة خلال ساعتين بخبر إعدام السجينين.

بعد علمهم، مصدومين بخبر الإعدام، اندفعت مجموعة من أبناء الابرشية والدموع في مآقيهم إلى التشيكا لالتماس جثة الرئيسين الروحيين. لاحقاً، كتبت امرأة: “ألقت والدة ﭭﻼديكا بنفسها بشكل هستيري على أقدام الحارس متوسلة اليه ليسمح لها بالدخول إلى المفوض أتارباكوﭪ، لكننا أُبعدنا بلا شفقة. الأمر الوحيد الذي رأيناه هو العربة المكدّسة حتى أعلاها بالجثث وهي تقف تحت الشمس. غادرنا والحزن يجتاحنا مقتنعين بأنه سوف يتم أخذ الرئيسين الروحيين مع الباقين إلى مكبّ النفايات حيث سيدفنون كالكلاب”.

صادفت المرأة الحزينة تعزية غير متوقعة. استطاع الأب ديمتري التعرّف إلى الرجال الذين كانت وظيفتهم التعيسة تقضي بنقل الجثث. وافق الرجال بسرية شديدة، ولقاء مبلغ كبير أن يسلموا جسدي الشهيدين في مكان تمّ الاتفاق عليه مسبقاً تحت شرط صارم بأن يدفنا قبل الفجر.

حوالي الساعة الواحدة منتصف الليل، فيما كانت المدينة نائمة، توجّه السائقون إلى عملهم يجرّون وراءهم العربات إلى ضواحي المدينة. توقفّت عربة قرب الجسر الأحمر بينما كان جسدا الشهيدين ينقلان إلى عربة أخرى يجرها حصان كانت تنتظر.

قرب دير العناية وقف حشد من الناس بجانب قبر حُفر حديثاً. كان كلا الفقيدين في الثياب الداخلية. أصبح من الممكن الآن رؤيتهما بوضوح على ضوء مصباح مغطى بوشاح. كانت قميص  ﭭﻼديكا ميتروفان ملطخة بالدماء عند الصدر والكمّين، كان صدغه مسحوقا من جهة اليمين، والقسم الباقي من لحيته كان منزوعا، الفم كان ممزقاً، أما مفاصل اليد اليمنى فكانت مليئة بالكدمات. قامت النساء بقص القسم الملطخ بالدماء من القميص. كان الأسقف ليونتي قد قضى بسبب الجروح الثلاثة في قلبه وصدره، إذ قد تمّ قتله بوابل من رصاص بندقية. كان كلاهما قد ألبس ثياباً قد أعدّت لهما. أُلبس ﭭﻼديكا ميتروفان حلّة كهنوتية. نزع حافظ الكنيسة صليبه وقدّمه من أجل ﭭﻼديكا ميتروفان وكان قد ربط بسلسلته صندوق معدني يحوي عرضاً مفصلاً لظروف الموت والدفن. وقد تمّ إيجاد بطرشيلاً للأسقف ليونتي، إذ لم يكن ممكناً الحصول على تابوت او حلة كهنوتية مناسبة بسبب العجلة.

بدأ الاب ﭭﻼديمير بخدمة الدفن. رتّل كل المجتمعين تراتيل الجناز وذرفوا دموعاً سخية على الفقيدين الجديدين. كانت تباشير الفجر على وشك البزوغ عندما رتلوا “فليكن ذكرهما مؤبداً”. وُضع ﭭﻼديكا ليونتي أولاً في القبر وفوقه ﭭﻼديكا ميتروفان. تمّ لفّهما كليهما بملاءات وأودعا الثرى. لاحقاً، تمّ نصب شاهدة فوق القبر مكتوب عليها: “رئيس الأساقفة ميتروفان والأسقف ليونتي، في 23 حزيران 1919”. زار المؤلف القبر مرتين سنة 1935 بصحبة رئيس الأساقفة تادروس لإقامة التريصاجيون. دُمرت شاهدة القبر سنة 1930 بسبب تدفق الحجاج. شاهد المؤلف قطعاً من الشاهدة مجمعة بعناية كومة واحدة بيدين تقيتين. هذه القطع اختفت الآن ولم يبقَ أية علامة ظاهرة. فقط، تحت الأرض، وعلى عمق 4-5 أقدام، تكمن علبتان تحويان مقاطع مكتوبة تشهد على المأساة المروّعة.

كتب حافظ الهيكل البيان التالي حول حكم الإعدام: “استطعتُ أخيراً مقابلة شاهد عيان لإعدام الأسقفين. كان رجل متوسط العمر اسمه تريكوف اخبرني بأنه، ليلة إعدامهما، كان هو في نوبة حراسته خارج حجرات السجناء. حوالي الساعة الثالثة ليلاً أتى الكومندون فولوكوف آمر شيكا وضابط الخدمة إلى الزنزانة التي كان الأسقفان محتَجَزين فيها. دخل الآمر إلى الزنزانة وشاهده تريكوف يلكز رئيس الأساقفة بحذائه. سمع صوتا “انهض” ثم شاهد السجين ينهض يرتدي قلنسوته لكن الآمر أمسكه من ياقته صارخاً: “انزعها ففي ذلك العالم الآخر تستطيع تدبر أمرك وأنت ترتدي …” (هنا ذكر قطعة من الملابس الداخلية). باشر الآمر بإمساك السجين من يده وسحبه باتجاه الباب. في الساحة أسرع في الخطى، ممسكاً ضحيته وجاراً إياه وراءه.

كان رئيس الأساقفة ميتروفان حافياً وبثياب النوم. مشى بضعة خطوات ثم تعثّر وسقط أرضاً. ركض تريكوف نحوه منهضاً إياه وقاده مع فولكوف إلى الممشى حيث حصل الإعدام. كان يقف هناك ثلاثة رجال مع بندقياتهم، عندما رآهم رئيس الأساقفة باركهم بيديه الإثنين كما يفعل  رئيس الكهنة مما جعل فولكوف يلطمه على يده اليمنى بقبضة مسدسه ثم شدّه من الجزء لحيته الأيسر جاذباً رأسه بقوة حادة نحو الأسفل. وفي هذا الوضع أطلق النار على صدغه الأيسر.

لم يصدق المؤمنون اتهامات البولشفيين الباطلة التي ادعت بأن الأسقفين كانا مشتركين بمؤامرة مناهضة للثورة. بل ندبوا الشهيدين وقامت الكنيسة بالصلاة لأجلهما وما زالت إلى الآن. هذه هي أفضل شهادة للحقيقة التاريخية. “تقوّلوا عليّ بألسنة غاشة ” (مزمور2:108)، لكن “كثيرة هي أحزان الصديقين” (مزمور19:33) ولأجل ذلك “الصديقون يرثون الأرض وفيها يستقرون إلى الأبد” (مزمور29:36).

راهب في العالم الشهيد الجديد فالانتاين سفينتيتسكي

راهب في العالم

الشهيد الجديد فالانتاين سفينتيتسكي

من أبطال القرن العشرين الروحيين

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لسؤ الحظ، نحن لا نعرف إلاّ القليل عن هذا المعلّم الكنسي الغيور. القليل الذي نعرفه عنه يأتي من معاصريه الليبرالليين الذين، عادةً ما كانوا لا يتنازلون من أجل التعرّف على فرادة وانتظام الفلسفة الآبائية التي كانت تشكّل جوهر الحياة بالنسبة للشهيد فالانتي. بسبب هذا، كان عدوهم الذي لم يستطيعوا فهمه، بسبب خبرة ارتداده الاصيلة.

لقد حُفظ التعليم المقدّس حول الله والإنسان خلال القرون وازداد غنىً داخل سياج الكنيسة الأرثوذكسية. وهذا التعليم هو محيط لا يُسبَر غوره من الحكمة، ويجب أن نقاربه بخوف ورعدة فلا نشوّه أيّاً من حقائقه من خلال خطايانا وكبريائنا. لا يمكن أن ينمو هذا التعليم في أيدي العقائدية الدهرية المدّعية.

كان عقل الأب فالانتي الفضولي في حالة رهبة أمام حقيقة التجسّد بالقَدر الذي يمكن الوصول إليها. بهذا الخصوص، لم يكن من هذا العالم، لكنه بقي في العالم كراعٍ قاد الناس إلى دنيا الاعتدال في الطعام والزراعة، التقشف والإيمان بالآخرة.

من خلال تفاصيل حياته، نستطيع أن نخبر بأنه أتى من عائلة بولندية أرستقراطية. تلقّى علوماً جيدة، وكان شاباً موهوباً ومثيراً جداً للإعجاب. كانت عيناه الواسعتان تنظران إلى العالم بكل جدّية. في سن الخامسة عشرة، كان بإمكانه مناقشة كانت (الفيلسوف الالماني) مع فلاسفة كبار، وعاجلاً بدأ بحملة عنيفة على رذائل المجتمع عن طريق الدفاع عن نظام صارم للجسد والروح. كان كلامه ينشئ انطباعاً صادقاً. أصدر على الأقل مجلتين، “مشاكل الدنيا” و “عيش الحياة”، تعالجان المشاكل المسيحية في مجتمع كان قادته المفكرون يقودون المسيحيين الاثوذكسيين الى فخ الأفكار والمذاهب البعيدة عن المسيح.

ترك موسكو سنة 1905 متوجهاً الى بطرسبرغ من أجل الحصول على دعم “الأخوية المسيحية المجاهدة”. عرف قيمة المثال الرهباني لكل المسيحيين والحماس الرهباني ضد انحطاط المفكرّين الأحرار في ذلك الوقت. لقد كان هؤلاء المفكرون يسيرون بسرعة بعيداً عن تسليم الكنيسة المقدّس آخذين الأرثوذكسية غطاءً لا يلتزمون به. من كتاباته “مواطنو الملكوت” و “رحلاتي بين نسّاك جبال القوقاز” (موسكو 1915). هذه كانت مستوحاة من زيارته للإسقيط الرهباني في القوقاز. كتب أيضاً كتاباً آخراً عنوانه “ضد المسيح” لاقى نجاحاً باهراً. أيضاً له عملان قصيران “الرهبنة في العالم” و”ضد الاعتراف الجماعي” (1926)، يظهران الدليل على أهميته كرسول عصري للأرثوذكسية الأصيلة في زمن تكاثر الارتداد عن الدين.

بعد الثورة، تزوّج وسيم كاهناً فكان مسؤولاً عن الكهنة في كنيسة “صليب القديس نيقولاوس الكبير” في موسكو. هناك في العشرينيات، اجتذب جماعة مصليّة كبيرة بسبب عظاته البليغة التي تلقّاها الناس كغذاء غني في وسط نقص عام للروحانية الأرثوذكسية الأصيلة في روسيا ذلك الوقت. لقد تردّد إلى دير أوبتينا فصار إبناً روحياً للشيخ اناطوليوس الذي كرّس أفضل أعماله له: ستة قراءات لسر الاعتراف وتاريخه الذي به سدّد ضربة لممارسة سر الاعتراف جماعياً، وهي كانت موضة بين الإكليروس الليبرالي في أيامه.

كان الأب ﭭالنتين نصيراً متّقداً لممارسة صلاة يسوع باستمرار. لقد حافظ على هذا النظام الرهباني في تلك الأيام التي كانت يسود فيها المسيحيين فتور عام. لم يكن هذا ممكناً بالنسبة له، بل كان يعتبر القيام به واجباً للحفاظ على “ملح الأرض”. أي الحقائق الأرثوذكسية في قلوب أناس يتعرّضون لهجمات روح هذا العالم الدهري. واضعاً هذا نصب عينيه، قام بسلسلة احاديث، بين سنة 1921 حتى 1926، مستعيناً بالتعليم الرهباني الصارم من كتاب القديس يوحنا السلمي “السلم إلى الله”. كان يكافح ليطبقه في الحياة اليومية في ذاك العالم المعاصر الذي أصبح معادياً للمسيحية.

لقد أعطانا أحد أصدقائه، س.ي.فوديل، وصفاً مختصراً لكيف ينظر هذا الراعي الروحي المهتم بكليته بالآخرة إلى العالم: ” كان يبدو الأب فالنتيني ﺴﭭنتيتسكي كاهناً عادياً له عائلة. لكن من جهة أخرى، كان معلماً خبيراً للصلاة المستمرة. لقد عمل الكثير للدفاع عن الإيمان بشكل عام. لكنّ ميزته الأساسية كانت أنه دعا الناس للالتزام بالصلاة غير المنقطعة، التي هي اشتعال للروح لا يتوقف”.

الصلاة، كان يقول، “تشيد جدراناً حول ديرنا الذي في العالم”. “كلّ خطيئة في الكنيسة لا تكون خطيئة الكنيسة بل ضد الكنيسة”. كان يعلّم أيضاً أنّه يجب أن لا نقاطع الصلاة العقلية المستمرة لأحدهم عندما نحضر الخدم الكنسية.

ويتابع صديقه: “عندما عدت إلى موسكو من منفاي سنة 1925، كان لي الحظ لحضور القداس الإلهي الذي يقيمه الأب ﭭالنتين. دخلت عند نهاية الخدمة، وعندما خرج  لصلاة ما وراء المنبر، كنت صُدمت لرؤية وجهه. لا أستطيع التعبير عن انطباعي بغير القول بأنه كان وجه إنسان قد انتهى لتوّه من تقديم نفسه تقدمة محترقة من الألم والحقيقة، وهو الآن مرتعش حتى الأعماق، يأتي إلينا غافلاً عن الأرضيين المحيطين به”.

مرة أخرى أتذكّر كيف كنت، أثناء وجودي في سجن في بوتيركا سنة 1922، أعدو بلا توقف من بين السجناء عندما اصطدمت بالأب ﭭالنتيني. سألته بارتباك وغباء “إلى أين تذهب؟” فجأة، استنار وجهه على نحو رائع باعثاً دفءً داخلياً وقال: “لقد كنت آتياً إليك”. كان في العادة بعيداً، منغلقاً، صارماً وغير صبور. أمّا الآن فقد كان له اشراقة نورانية مشّعة وهادئة، اشراقة القداسة الروسية…

كان آتياً مباشرة نحوي، نحو روحي التي كان ربما يحميها، في ذلك الحين، من الشر. هكذا، من الممكن أنّ السجن ينير النفس ويكشف على نحو رائع شيئاً كان، في وقت سابق، غير ممكن أن يُكشَف.

سنة 1927 أصدر الميتروبوليت سرجيوس إعلانه الشهير الذي حجَّم الكنيسة إلى مستوى منظمة تشرف عليها الدولة. هذا الاستعباد للسلطات الملحدة لم يحتمله الرعاة الحقيقيون والمؤمنون في  قطيع المسيح الذين لم يسمح لهم ضميرهم الموافقة على هذه التسوية الماكرة. قام عدد من رؤساء الكهنة والرعاة البسيطين بكتابة رسائل مفتوحة الى الميتروبوليت سرجيوس مستنكرين عمله ورافضين السير وراءه في هذا الطريق المؤدّي الى الدمار. في ديسمبر 1927 كتب الأب ﭭالنتين رسالة من هذا النوع معلناً فيها قطع الشراكة القانونية والصلاتية مع المتروبوليت سرجيوس ومجمع الأساقفة الذي يترأسه. لقد حدّدت فطنته الروحية الإجراء المتَّخَذ من قِبَل المتروبوليت سرجيوس كواحد من أخطر أشكال الإصلاح، فكتب إليه “لأنه في الوقت الذي تتخلّى فيه عن حرية الكنسية، أنت تحفظ خيال القانون والأرثوذكسية. هذا أسوأ من خرق قانون الانفصال”!

كان الأب ﭭالنتاين متوقعاً بأن بادرة الفصل هذه سوف تفسّر على أنها إنفصال عن الكنيسة لذا كتب: ” لست أحدث إنشقاقا جديداً، ولا اكسر وحدة الكنيسة. أنني أبتعد وأقود رعيتي بعيداً عن فخ مُحدَث مخافة أن نخسر شيئاً فشيئاً ودون ان ندري، الحرية التي أعطانا إياها ربنا يسوع المسيح مخلص كل الناس، حرية مجانية بدمه هو” . (القانون الثامن للمجمع المسكوني الثالث.).

نحن نعلم جيداً ما هي التبعات التي جعلت كل الذين رفضوا علناً  إعلان البطريرك سرجيوس يعانون. ﻠﭙﭪ ريغيل Len Regal في عمله “مأساة الكنيسة الروسية” أظهر أن المتروبوليت سرحيوس أعلن سنة 1929 أن كل الذين عارضوا “إعلانه” هم أعداء الثورة ويجب أن يتم توقيفهم حالاً وقد تمّ إيقاف خمسة عشر أسقفاً. أمّا التعامل مع الموقوفين فكان بكل بساطة: كان يأتي إلى الأسقف عميل GPV ويطرح سؤالاً واحداً: “كيف تنظر إلى اعلان الميتروبوليت سرجيوس؟ إذا كان الجواب أنه لا يقبله فالعميل يستنتج حينها: “هذا يعني أنك معادٍ للثورة”، وتلقائياً يتمّ توقيف الأسقف وهكذا يتم تصفية كل من رفع صوته احتجاجاً. ولم يكن مصير الأب ﭭﺎلنتاين مختلفاً.

وهكذا كان للأب ﭭﺎلنتاين إكليل النصر من الله لأنه حافظ على الإعلان المسيحي الأصيل وسلّط الضوء على مصدر الإغراء الماكر لعدو خلاصنا. ولهذا هو يقود إلى الفردوس مباشرة القطيع الذي أوكله إليه إلهنا الذي له المجد والعزة الى الأبد، آمين.

المدافع عن الأرثوذكسية رئيس الأساقفة سيرافيم سوبوﻠﻴﭪ

المدافع عن الأرثوذكسية

رئيس الأساقفة سيرافيم سوبوﻠﻴﭪ

الأرشمندريت بندلايمون ستاريتسكي
نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

“عليك اتكلت من الحشا، من بطن أمي أنت مجيري” (مز70: 6). شعر العدو القديم لخلاصنا بخصمه القوي والعنيد الذي في فلاديكا سيرافيم، فحاول تدميره عندما كان لا يزال في جوف أمه. عانت من ولادة صعبة ومؤلمّة للغاية فقرر الأطباء أنه من الضروري القيام بجراحة لاستئصال الجنين قطعة قطعة من أجل انقاذ حياة الأم. في تلك اللحظة، استعادت الأم وعيها، وإذ علمت بقرار الأطباء، استحلفت زوجها أن لا يسمح بقتل طفلها. في الصباح التالي، عند أول قرعة الجرس الكنيسة في الأول من ك1/1881، ولدت ابنها من دون أي عون خارجي. عندما رأت الطفل هتفت بتعجب “يا لهذا المختار الجديد”، وأطلقت على الصبي اسم نيقولا تيمناً بالقديس نيقولاوس العجائبي، الأ ان عائلته كانت تناديه أحياناً “المختار” وهي عبارة يبدو أنها بلا معنى وقد مقتها بشدّة. لكن بعد عدة سنوات، زار الأسقف نسطور منشوريا بلاد فلاديكا سيرافيم وأهداه كتاباً لمذكراته حيث يذكر فيه، في فصل زيارته لاورشليم، أن كلمة مختار تعني أسقف باللغة العربية. وهكذا، دون ان تدري، تنبأت والدته بمصير مولودها.

كان نيقولا تلميذاً ممتازاً، وبعد انتهائه من المدرسة المحلية دخل إلى معهد اللاهوت وهناك قرّر تكريس حياته للرب. بدأ بالصلاة بدموع وبحماس صانعا هذا النذر للمخلص: “يا مخلصي! ساعدني لأقدّم امتحاناتي جيداً، وأعدك ان أكون راهباً من أجلك بكل ذرة من ذاتي”. ومنذ ذلك الوقت صارت الأفضل في الصف بحسب نتائج امتحاناته.

عندما انتهى من دراسته في معهد اللاهوت، رأت أمه أن صحته أضعفمن أن يستطيع المتابعة في الأكاديمية، فحاولت تدبير أمره ليصبح كاهناً. هنا، كان من الضروري إيجاد خطيبة. انصاع نيقولا كلياً لإرادة والدته لحبه لها وعدم رغبته بمجابهة إرادتها، حتى أنه لم يذكر نذره بأن يصبح راهباً. بدأت الأم بتدبير زواج لابنها دون ان تشكّ بشيء. وخلال الصيف قاما بزيارة عدة بلدات وقرى بحثاً عن عروس. لكن هذا لم يكن إرادة الله ، فقد كانت وساطة الزواج تخفق في كل مرة، وغالباً بطريقة غير مفهومة. أخيراً، في اواسط شهر آب سنة 1904، قالت الأم: “كل جهودنا بخصوص زواجك من أجل كهنوتك أخفقت. الآن تستطيع تدبير مستقبلك بنفسك”. “في هذه الحالة”، قال نيقولا، “لنذهب إلى الكاتدرائية، إلى امنا ملكة السموات إلى أيقونتها العجائبية ولنطلب منها تريني بنفسها طريق حياتي”.

وافقت أمه كلياً. كان الأمر مدبراً بأن تكون الأيقونة قد أعيدت إلى قرية زيماروﭭﺎ، حيث كانت تحفظ عادةً. على أي حال، في طريقهما إلى الكاتدرائية، صادفا صديقاً لنيقولا اسمه ميشا سميرنوﭪ، فأخبره نيقولا بورطته. “لقد كنتَ تلميذاً جيداً لا لتصبح، بالطبع، قارئاً في الكنيسة. يجب أن تنضمّ للأكاديمية”، قال ميشا. وعندما احتجّ نيقولا بأن الأمر قد أصبح متأخراً جداً لامتحانات الدخول، أشار ميشا أنه بسبب الإصلاحات قد تأجلت امتحانات الدخول إلى أكاديمية بطرسبرغ اللاهوتية حتى نهاية آب. “أنك شخص ذو إيمان عميق” قال ميشا مؤكّداً. “ضع رجاءك في الله! والمخلص نفسه سيساعدك. إذهب بدون أي تحضير”.

هذه الكلمات غير المتوقعة من أول شخص صادفاه اعتبرها نيقولا جوابا من الفائقة الطهارة الأله على صلواته، جواباً أشار له بوضوح إلى طريق حياته. لقد احسّ من قلبه بفرح غير مألوف، وعندما صارح والدته بهذا قالت أنها أحست أيضاً بفرح عظيم مضيفة: “من الواضح أنها مشيئة الله. من الواضح أنها طريقك”. حينها ذهب نيقولا إلى مكتبة المعهد وجمع كومة من الكتب. كانت تفصله عن الامتحان عشرة أيام يجب ان يخضّر فيها، لكنّها لم تكن كافية لأكثر من النظر إلى عناوين الفصول وتقليب آلاف الصفحات من النصوص اللاهوتية الصعبة. كلّ ما حصل عليه من جراء ذلك كان تشويشاً في رأسه.

أعطته امه آخر ما معها من مال من أجل رحلته مرفقة ذلك ببركتها، وتوجّه نيقولا إلى الأكاديمية.

بدأت الأمتحانات الخطية والأكثر صعوبة بينها كان الامتحان الخطي في المنطق، حول موضوع” من وجهة نظر منطقية، كيف يمكن شرح أن في المناقشة الفلسفية تكون إجابتان إلى السؤال نفسه على طرفي نقيض”. قد أعطي هذا السؤال لكي يكون الاختيار سريعاً لأفضل طلبة اللاهوت الآتين من كل روسيا. سُمعت التنهدات بين الطلاب. وبدأ الأول ثم الثاني بمغادرة مقاعدهم جامعين ملفاتهم للعودة إلى البيت. بدأ نيقولا بالصلاة بحرارة: “أيها الرب امنحني الفهم حتى أكتب عن هذا الموضوع الصعب”. فسمع، كجواب، صوتاً داخلياً: “لا تكتب من منطلق منطقي بل من وجهة نظر سيكولوجية”. بدأ مباشرة بكتابة أن هذا الشرح من وجهة نظر منطقية صعب لأن قوانين المنطق متشابهة، ولهذا وسّع بحثه انطلاقا من مقاربة سيكولوجية ترتكز على كلمات المخلص: “من القلب تخرج أفكاركم”. واستنتج أن لهذا السبب أتت التعاليم المغلوطة من قلب ليو تولوستوي المتكبر، بينما من قلب القديس يوحنا كرونشتادت المملؤ بالنعمة تدفقت الحقيقة. كان نيقولا قلقاً لأنه أعطى لنفسه الحرية في تغيير البحث، لكنه في النهاية فرح لحيازته على علامة أربعة ونصف التي كانت الأعلى مقارنة مع كثرة من علامات  الضعيفة التي حازها التلاميذ الآخرون.

بعد هذا بدأ الأمتحان الشفهي. الأول كان حول اللاهوت العقائدي. أعطى يومان فقط للتحضير، قضاهما نيقولا في علية الأكاديمية مقلّباً صفحات الكتب السميكة. عشية الإمتحان وأثناء الليل جلس على الدرجات التي تقود إلى العلية وبكى. كل ما استطاع فعله خلال هذين اليومين هو اقناع نفسه بأنه من بين 150 بطاقة أسئلة كان يعرف واحداً: “تاريخ عقيدة الثالوث الأقدس”. لأنه كان قد أجاب عليه في امتحان في معهد اللاهوت. صلىّ نيقولا بدموع: “أيها الرب مخلي يا من هو رحيم وكلي الاقتدار، إجعل سؤالي غداً تاريخ عقيدة الثالوث الأقدس. وإلا فسوف أرسب وأعود إلى البيت مسبباً حزناً كبيراً وكدراً لأمي”.

في اليوم التالي قبل الذهاب إلى الامتحان، ذهب نيقولا إلى كنيسة الأكاديمية حيث سجد أمام أيقونة المخلّص معيداً طلبه. فُحص كل تلميذ لنصف ساعة وأكثر، وكثيرون أجابوا جيداً جداً لاستعدادهم خلال الصيف. كان نيقولا قلقاً، فصلّى بحرارة للمخلص. أخيراً، حوالي الساعة الثالثة، أتى دوره. اختار بطاقة سؤال وقلَبَها مرتجفاً وقرأ: “تاريخ عقيدة الثالوث الأقدس”. لقد استجاب الله لصلاته! أجاب سوبوﻠﻴﭪ إجابة ممتازة وتلقى علامة 4 و75 بالمئة. كانت فرحته بلا حدود لاختباره مساعدة المخلص الإلهية.

الامتحان التالي كان في تاريخ الكنيسة. كانت كمية كتب هذه المادة مضاعفة لتلك التي للعقائد يقابلها 250 بطاقة سؤال. كان نيقولا مرتعباً لأنه يعرف سؤالا واحداً أيضاً: “تاريخ الهرطقة الأريوسية بعد مجمع نيقية”. في عشية الامتحان، وكما فعل حين تحضيره لمادة العقائد، جلس أمام باب العلية وبكى. لكنه من بعدها بدأ بالصلاة أيضاً بحرارة للمخلص أن يمنحه مساعدته الإلهية فهتف قائلاُ “يا مخلص، يا فرحي أنت رحيم وكلي الاقتدار. ما هو بالنسبة لك أن تتمّم مرة أخرى طلبي. أنت تعرف أنني أعرف فقط سؤالاً واحداً ولا أعرف البقية. أرجوك دعْ بطاقة السؤال عن تاريخ الهرطقة الأريوسية بعد مجمع نيقية يقع علي، وإلا فسأرسب، وأعود إلى البيت مكدراً أمي”. عاد نيقولا إلى غرفته ورقد نائماً بدموع.

في الصباح التالي، كان يعاني بشدّة من قلقه لعدم ثقته بمصيره، استطاع أن يكرر فقط: “يا رب ساعدني. يا فرحي ومعونتي، ساعدني”. عندما تمّ استدعاء نيقولا إلى طاولة الامتحان، كان بالكاد قادراً على الوقوف على قدميه، لكنه سحب بطاقة سؤال وقلَبَها. يا للفرحة التي اعترته عندما قرأ: “تاريخ الهرطقة الأريوسية بعد مجمع نيقية”. استطاع بصعوبة احتواء مشاعر الشكر للمخلص الذي كان قد أظهر له حمايته بشكل عجائبي للمرة الثانية.

أجاب سوبوﻠﻴﭪ بشكل جيد لدرجة أن الأساتذة قررّوا بعث رسالة شكر إلى كلية ريازان للاهوت على هذا الطالب اللامع. وعندما عاد إلى مقعده تهامس الطلاب الآخرون حول الصبي الريازاني. لم يجسر نيقولا في بقية الامتحانات أن يسأل إحساناً من المخلص، لكنها جرت جيداً. وهكذا، وبمساعدة المخلص دخل ﭭﻼديكا أكاديمية اللاهوت بدون أي تحضير.

وعندما كان نيقولا في السنة الثالثة في الأكاديمية سأله المفتش الأرشمندريت ثيفان بشكل صريح ومباشر إذا كان مصمماً أن يصبح راهباً. و كان نيقولا يعتبر نفسه غير مستحق، بسبب تواضعه، للدخول في الطغمة الرهبانية فراح هذا السؤال يعذبه دون أن يعرف مشيئة الله بخصوصه. وليتخلّص من هذا الأرتباك، كتب رسالة إلى الأب يوحنا كرونشتادت، لكنه لم يتلقَّ جواباً. ثم سأل أيضاً الشيخ اناطول(بوتايوﭪ) من أوبتينا، لكن الشيخ كتب أنه لا يستطيع الإجابة على هذا السؤال دون رؤية نيقولا شخصياً. عندما تلقى نيقولا الرسالة التي من الأب اناطول، تكدّر أكثر. لم يستطع الحصول على جواب مباشر من أي مكان يجعله يدرك مشيئة الله بخصوصه.

خلال هذا الوقت كان يقرأ قصة القديس سيرافيم ساروفسكي. كان الكتاب مفتوحاً على طاولته. وإذ كان مثقلا من مأزقه هذا، بدأ نيقولا يذرع الغرفة ذهاباً واياباً، عندما أشرف عليه فجأة الطريق: “يا لإيماني الضعيف، إن القديس سيرافيم حيّ في هذه اللحظة. إنه أمام عرش الثالوث الأقدس. وهو يستطيع، في هذه اللحظة، حلّ كل المشاكل والأسئلة، اذا ما توجهنا إليه بايمان في صلواتنا. سوف أذهب مباشرة في هذه اللحظة إلى الطاولة حيث سيرة حياة القديس سيرافيم موضوعة. سأتوجه اليه كشخص حي، سأركع وأتوسل اليه لإنقادي من مأزقي: هل علي أن أتزوج وأصبح كاهناً، أم ان أصبح راهباُ؟”

وفعل نيقولا ما قاله بالضبط. بعد ان قام بالسجود والصلاة فتح الكتاب وقرأ: “أحد المبتدئين من منسك غلينسك، مضطرباً جداً بخصوص أمر تكريسه، فأتى قاصداً إلى ساروﭪ طالباً نصيحة الأب سيرافيم. فالتمس راكعاً أمام قدمّي القدّيس، حلّ سؤال حياته الذي يعذبّه: هل مشيئة الله بخصوصه وخصوص شقيقه نيقولا أن يدخل الدير؟ أجاب القدّيس المبتدئ: “خلّص نفسك وأخاك”. اعتبر نيقولا كلمات الأب سيرافيم كشفاً إلهياً فحواه أنه يجب أن يصبح راهباً، أي ما كان بالحقيقة رغبة قلبه. منذ ذلك الوقت لم يعتبر فقط الحياة الديرية طبق حياته الموصي من الله، بل طريق أخيه ميشا الذي، فيما بعد، أصبح الأرشمندريت سرجيوس.

مع اقتراب موعد قص شعره للتكريس الرهباني، سُئل نيقولا عن الاسم الذي يرغب به. فقال انه باعتباره راهباً يجب عليه التخلي عن مشيئته منذ البداية وهو سيقبل بأي إسم يعطى له. “حسناً، كن حذراً”، قال المفتش الأرشمندريت ثيوفان، “يجب ان لا تنزعج اذا أُعطيت اسماً قبيحاً” . ما حصل بعد ذلك أنهم قرروا إعطاءه إسم دوسيثيوس. لكن الأمر تحوّل خلافاً لذلك. عشية قصّ  الشعر، ذهب عميد الأكاديمية الذي كان من المفترض ان يقوم بطقس قص الشعر للعشاء عند أحد التجار. شرعت فتاتا التاجر تسألان العميد عن الاسم الذي سيمنحه للراهب الجديد. وإذ سمعتا أنه سيكون دوسيتيوس احتجتا بانه يستحق اسماً آخراً لا بل يستحق أجمل إسم.

في عودته إلى البيت بالعربة، تذكّر الأسقف سرجيوس فجأة أنه، عندما كان حاضراً أثناء عرض بقايا القديس سيرافيم، قام بعهد أمام الله والقديس سيرافيم بأنه، إذا ما أصبح عميداً لأكاديمية سان بطرسبرغ اللاهوتية، سيمنح اسم سيرافيم لأول تلميذ يقص له شعره. فقرر أن يكون لنيقولا هذا الاسم تكريماً لرجل الله العظيم الذي من ساروف. خلال قصّ الشعر، وعندما سمع نيقولا: ” يُقّص شعر هامة عبد الله سيرافيم” اعتراه الذهول وامتلأ بحب وامتنان عظيمين للقديس سيرافيم، وفكّر: “أنه لم يكشف لي مشيئة الله بأن أصبح راهباً، بل أيضاً أخذني تحت رعايته المقدّسة”.

في قبوله للحياة الرهبانية، سلّم الراهب الجديد سيرافيم نفسه لصوم قاس وصلاة بلا انقطاع. وهكذا، منذ يوم تكريسه وحتى يوم وفاته، لم يأكل ﭭﻼديكا لحماً. ولسنوات عدة كان يتناول الطعام مرة في اليوم.

بعد تخرجّه أولاً في صفه، علّم الأب سيرافيم لسنة في مدرسة كهنة قبل تعيينه مساعد مفتش في مدرسة الأبرشية في كالوغا. هناك أحب التلاميذ الأب سيرافيم حباً كبيراً، خاصة الصغار منهم في الصفوف الأبتدائية الذين كانوا قد تركوا بيوتهم للمرة الأولى وبكوا لفراقهم أمهاتهم. بقلبه المحب، حزر الأب سيرافيم بسرعة سبب حزن الأولاد واهتم براحتهم. يومياً وخلال الساعات الحرة وخاصة في أيام العطل والأعياد، كان يأتي إلى صفوف الأصغر ويشاركهم بنقاشات حول خلاص النفس، انطلاقاً من حياة القديسين بشكل رئيسي. أصبح الأولاد متعلقين بالمدير الصالح والحنون الذي فَهِمَهُم جيداً. كان صديقهم الأول والحَكَم فيما بينهم، وكذلك كان أمّاً حنونة. عندما كان الأب سيرافيم في الممشى، خلال ساعات الاستراحة، كان التلاميذ يهرعون خارجاً من كل الصفوف، كلٌ منهم محاولاً مناداته ليدخل غرفة صفه: “تعال إلينا يا باتيوشكا ادخل الينا” . كانوا يصرخون متنافسين لجذب انتباهه وهو كان يحاول زيارتهم جميعاً ودعمهم بكلامه.

بعد سنتين ونصف نقل  الأرشمندريت سيرافيم إلى كوستروما، فكان حزن التلاميذ لا يوصف وبكوا بحرقة. في يوم رحيله، رفض بعضهم أن يأكل، وذهبوا مرة تلو الأخرى ليقولوا له عبارات الوداع، وكان الأب سيرافيم يعطيهم أيقونات وصلباناً أو أي شيء تصل اليه يده كتذكار وتعزية منه.

عندما كان لا يزال في كالوغا، كان يذهب في غالب الأحيان إلى منسك أوبتينا ليزور الشيوخ اناطوليوس وبارصنوفيوس ويوسف. الأب اناطوليوس عامله بمحبة خاصة وكان أب اعترافه.

سنة 1910 وخلال عطلة الميلاد، قرر الأب سيرافيم زيارة أمه في مدينة بيرمشل. كان فرحها غامراً لكنها قلقت لما يخص تحضير الطعام لابنها المفضل. قلقها كان أيضاً حول صحته الضعيفة فاردت أن تسمنّه، لكنه لم يكن يأكل اللحم وكان من المستحيل إيجاد سمك في المدينة في فصل الشتاء. بعد الصلاة بحرارة أمام أيقونة القديس نيقولاوس العجائبي، لبست معطفاً من جلد الخروف وخرجت إلى الشارع. سرعان ما أتى رجلٌ ماشياً على الرصيف المقابل فنادته قائلة: “هل أنت صياد سمك؟” فأجابها “نعم، لماذا؟”  فشرحت له “خلال عدة أيام سيأتي ابني الراهب لزيارتي. إنه لا يأكل لحماً بل فقط سمكاً. لذا، اذهب إلى النهر واصطد بعض السمك له، وسادفع لك مهما طلبت”. فأجاب الصياد: “هل تظنين أنه يمستطاعك اصطياد السمك الآن، سيدتي العزيزة؟ إن الحرارة 25 درجة مئوية تحت الصفر. كل السمك نزل إلى قعر النهر”. لكن والدة فلاديكا أصرَّت “سيصلي ابني من أجلك”. في النهاية وافق الرجل وذهب إلى نهر أوكا حيث أمضى حوالي الساعة يخترق الجليد الذي تبلغ سماكته المتر. ثم رسم إشارة الصليب وصلىّ كما لقنته المرأة، وألقى الشبكة في الفتحة قائلاً “يا رب من أجل خادمك الأب سيرافيم أرسل سمكة”. سرعان ما انخفضت الشبكة علامة على أنها أمسكت شيئاً، فسحبها الرجل وإذ فيها شيُّوط فضي كبير (نوع من السمك) فأخذه إلى والدة فلاديكا. قدّمت المرأة له النقود فرِحة، لكنه رفض أخذها قائلاً
“هيا هيا يا سيدتي العزيزة لا أريد شيئا. انه صيد عجائبي. قولي لابنك أن يصلي من أجل عبدالله بطرس”. ثم غادر.

سنة 1912، عُيّن الأرشمندريت سيرافيم عميداً لثانوية في فورونيز. في ذلك الوقت كان النظام في الثانوية متقلقلاً. حالاً بعد وصوله، كان له حديث مع الطلاب، فلاحظ أن الطلاب الفوضويين يسخرون منه غير خائفين من العقاب. في المساء، أتاه الناظر بلائحة تحوي أسماء مثيري الشغب وعرض عليه طردهم رأساً. تناول الأب سيرافيم اللائحة قائلاً بأنه سيعالج أمر المذنبين بنفسه. خلال استراحته، بدأ بمناداتهم إلى مكتبه واحداً بعد الآخر. تكلّم معهم بطريقة مؤثرة، طارحاً عليهم أسئلة ومقنعاً إياهم. بنتيجة ذلك، كانوا يذرفون دموع الندم ويعدون بإصلاح أنفسهم. خلال سنة واحدة، غيّر الفلاديكا الثانوية مما جعل مفتش المجمع المقدس يعتبرها الأفضل في البلاد.

سيم الأرشمندريت سيرافيم اسقفاً يوم عيد حماية والدة الإله الفائقة القداسة في تشرين الأول سنة 1920 في كاتدرائية سيمفيروبول. كان من دواعي غبطته أنه في هذه المناسبة، ولتدبير الله الغامض، عُرضت في الكاتدرائية ايقونة كورسك – روت العجائبية التي لوالدة الإله.

حالاً بعد سيامته، كان عليه ان يغادر بلده. بقي لمدة قصيرة في القسطنطينية قبل الانتقال إلى بلغاريا حيث عُيّن هناك رئيساً للشركة الديرية الروسية الأرثوذكسية، وذلك في آب 1921.

في جهاد نسكي مستمر، وفي ظروف زهدية صعبة أصيب  الأسقف بالسل. وبالرغم من مرضه الخطير اهتم برعيته بحماسة أبوية. خدم بدون انقطاع. كان يقيم الصلوات ثلاث مرات في الأسبوع، داعياً رعيته إلى التوبة وتطهير النفس بنعمة الله، وإلى الفضيلة المسيحية الأساسية أي التواضع. خدمته في أحد الغفران كانت مميزة، حيث كان يجعل الكثيرين ممن كانوا قد تخاصموا فيما بينهم لسنوات يلتمسون الصفح من بعضهم البعض.

كان الأسقف سيرافيم يقيم صلوات رعائية في الأقانيم كونه رئيس الكهنة، وكان يزور المدارس الروسية. كانت أحاديثه وشخصيته الدافئة المحببة تترك انطباعاً جميلاً في كل مكان. وفي الأوضاع المادية الصعبة، كان يهتم بالروس الفقراء والمرضى فيرتب للبعض علاجاً مجانياً في المستشفى ويؤمّن للبعض الآخر مأوى يبيتون فيه، أو يضع البعض منهم في ديره. لم يهمل الرهبان الروس المعوزين الذين في جبل آثوس. وقد أسّس جمعية لجمع المساعدات لهم وفي عظاته كان يتوجه إلى الرعايا للتبرع من أجل هذا العمل المقدس.

سنة 1934، رقيّ فلاديكا إلى رتبة رئيس أساقفة. كانت له المواهب الروحية منذ سنيه الأولى وقد خاض بثبات جهاداً حاراً ضد الأهواء. فرغم أنه نسبياً أسقف جديد لكنه كان صاحب قامة روحية عالية. أشار العديد من أبنائه الروحيين إلى حالات من الرؤية لديه، كانت تتجلى حتى من مسافات بعيدة. وبسبب طهارته الملائكية، تلقى من الله موهبة تمييز لا ترضى أقل انحراف عن الحقيقة المسيحية الأرثوذكسية. لقد سهر على حياة الأرثوذكسيين وكان ضميرهم. حيثما كان يلاحظ أي شيء غير عادي كان يكشفه بعناد من دون خوف من الحقيقة، وكنتيجة لذلك أنتج أعمالاً لاهوتية لا تقدَّر بثمن.

كان عمل الأسقف سيرافيم الأساسي دحض هرطقة اللاهوتي الباريسي المتقدم في الكهنة سرج بولغاكوف، مما جعله يحصل سنة 1937 على درجة الماجستير في اللاهوت. كان مندفعاً لإنهاء هذا العمل في موعد محدد عندما وقع مريضاً بسبب الحمى. ناشد والدة الإله، التي التجأ إلى شفاعتها كل حياته، متوسلاً اليها لتشفيه. فماذا حدث؟ انخفضت حرارته فجأة، فأصبح بمقدوره إنهاء عمله ضمن الوقت المحدد.

كان فيلاديكا يسكب كل حبّه للمخلص من خلال أعماله اللاهوتية، مدافعاً بحرارة عن الحقائق الأرثوذكسية. “كتبي هي دمي” صرح قائلاً. حقاً إنه يبذل حياته للمسيح في جهاده ضد الهرطقات، دون ان يرأف بقواه أو بصحته الضعيفة. كان فلاديكا يعمل باستمرار في الليل. هذا ما أقلق أخاه الأرشمندريت سرجيوس. عندما علم فلاديكا بقلق الأرشمندريت صار يكتب في السر. في المساء كان يستلقي، وعندما ينام الجميع، كان ينهض ويتابع الكتابة، مستفيداً من هدؤ الليل، معتبراً أن هذا واجبه الرعائي للدفاع عن الحقيقة. لم تكن مصادفة أن الله استدعاه إلى العالم الآخر في يوم احتفال الكنيسة المقدّسة بانتصار الأرثوذكسية والمدافعين عنها (أحد الأرثوذكسية).

قبل موته بقليل قال فلاديكا لاولاده الروحيين: “إذا ما وجدت دالّة أمام الله، فلن أترككم”. وفي الحقيقة أنه في الليلة التي تلت دفنه، ظهر فلاديكا في الحلم لأحد الرهبان من أبنائه الروحيين وقال: “لماذا تبكون ؟ لم أمت، أنا حي”.

ونحن نؤمن أنه، في الأخدار السماوية، “حيث مسكن جميع الأبرار”، يصلّي من أجلنا، ونستطيع ان نتوجه إليه في محننا كشخص حيّ وهو يسمعنا ويساعدنا.

بعض العجائب الت حصلت بصلوات رئيس الأساقفة سيرافيم بعد رقاده

V        انتقل الأسقف سيرافيم 13 شباط 1950 في ودُفن في مدفن تحت كنيسة القديس نيقولاوس في صوفيا. ومن يوم رقاده كانت بقاياه ولا تزال مصدراً غير منقطع للعجائب. كما في حياته وكذلك بعد موته، استمر فلاديكا سيرافيم بمساعدة الناس الذين يلتجئون إلى شفاعته وصلواته، ليس فقط من بلغاريا بل من الخارج أيضاً.

حصلت امرأة بائسة على مساعدة من رئيس الأساقفة سيرافيم بدون توقع، وحتى قبل أن تعلم عنه شيئا، عندما كانت لا تزال ملحدة. كانت معلمة ثانوية تعيش مع ابنها في سيليفنا. سنة 1952 كان ابنها يخدم في الجيش على الحدود الجنوبية لبلغاريا. كان شتاء تلك السنة قاسياً للغاية، مثلجاً وبارداً. في أحد الأيام، عندما كان الشاب في خدمته متعباً يرتجف من شدة البرد، وقع على الثلج في إغفاءة عميقة. عند تلك اللحظة بالضبط، حصلت غارة من العدو الذي كان يحاول إجتياز الحدود. لحسن الحظ استطاع جنود كتيبة هذا الفتى أن يهزموهم ويجردوهم من أسلحتهم. وبعد انتهاء المعركة طفقوا يفتشون عن الحارس فوجدوه نائماً في مركزه، فأوقفوه وأرسلوه إلى المحكمة العسكرية في صوفيا. بسبب الأوضاع السياسية غير المؤاتية في ذلك الوقت، حكمت المحكمة عليه بالإعدام لكي تلقن الجنود الآخرين درساً. لم يكن طلب العفو وارداً مطلقاً. كل ما استطاعت الأم المذهولة أن تطلبه هو فقط تسليمها جثة ولدها حتى لا تُحرم من زيارة ضريحه. فأتت إلى صوفيا وكانت في كل صباح كانت تتكلم معه هاتفياً وهي مرعوبة كي تعلم إذا ما كان حُكم الأعدام قد نُفِذَ. في هذا الظرف، غلبها النعاس ذات ليلة. وفجأة ظهر لها شيخ قائلاً لها: “أيتها الأم المعذبة، تعالي إلي إلى الكنيسة الروسية وسأساعدك. لم تنتظر الفجر، اذ قبل أن يرحل الظلام هرعت إلى الكنيسة فلم تجد صورة لمن رأته، فعادت إلى بيتها يائسة، وقررت أن ذلك كان مجرد هلوسة. لكن في الليلة التالية ظهر لها الشيخ نفسه وقال “لقد ذهبتِ إلى الكنيسة الروسية لكنك لم تنزلي إليَ. تعالي اليَ عبر الدرج وسأساعدك”. أدركت المرأة المندهشة أن ذلك لم يكن هلوسة. فعادت مرة أخرى إلى الكنيسة الروسية وسألت اذا ما كانت بعض الأيقونات العجائبية تحفظ في القبو تحت الكنيسة. عندما نزلت الدرج وقع نظرها على صورة رئيس الأساقفة سيرافيم. فأيقنت أنه الشيخ الجليل نفسه الذي رأته في حلمها والذي وعدها بالمساعدة. فبدأت بالصلاة له بحرارة. بعد الصلاة بدموع لمدة طويلة، خرجت من القبو السفلي. وبعد أن تركت الكنيسة صادفت بشكل غير متوقع أحد معارفها الذين لم تلقاهم منذ وقت طويل وهو كان صديقاً حميماً وتلميذاً مقرباً من زوجها المتوفي. وقد أصبح ذاك الرجل محامياً لامعاً في صوفيا. عندما علم بسؤ حظهّا، ذهب معها مباشرة إلى وزارة الدفاع لمقابلة وكيل الوزير. اتصل الوكيل هاتفيا بالوزير الذي وافق على إلغاء حكم الإعدام مستبدلاً إياه بالسجن مدى الحياة. بعد أشهر، صدر عفو عام فأطلق سراح الشاب.

أصبحت أمه، التي كانت قبل ذلك الوقت ملحدة، امرأة مؤمنة بحرارة. وكبادرة شكر للرب، نظمت في باحة الكنيسة الروسية مائدة سخية، وأخبرت الجميع شخصياً عن المساعدة العجائبية التي حصلت عليها من ﭭﻼديكا سيرافيم.

V        كثيرون من التلاميذ، وخاصة الصغار منهم، يزورون قبر الأسقف سيرافيم. أحدهم وهو طالب طب في السنة الثانية، كان غالباً ما يزور الضريح ويصّلي له قبل امتحاناته. كان التلميذ من عائلة ملحدة حتى أنه لم يكن معمّداً. في أحد الأيام، كان يصّلي أيضاً هناك. بعد إنهائه صلاته راكعاً، قبّل الضريح الرخامي ونهض، وفجأة رأى رئيس الأساقفة سيرافيم أمامه كما لو كان حياً. باركه ﭭﻼديكا قائلاً: “اعتمد وحافظ على الصوم” ثم اختفى. كان التلميذ مضطرباً حتى أعماقه بسبب ما حدث. فاستدعى عمته التي كانت مؤمنة، من المقاطعة التي تعيش فيها، وطلب منها أن تكون عرابته. تلقى سر المعمودية في كنيسة الشهيد العظيم بندلايمون في بيت العجزة في كنجازﻴﭭﻭ. بعد هذه التجربة المميزة، راح التلميذ يخبر الجميع أنه حتى ولا الموت بستطيع ان يهز إيمانه بالحياة بعد الموت.

V        أخبر أحد المرتلين في الكنيسة الروسية: كنت أصّلي في احد الأيام على ضريح رئيس الأساقفة سيرافيم، فدخلت إمرأة كهلة، يظهر أنها من النخبة الثقافية. أخبرتني كيف أنه، سنة 1988، ظهر في فمها ورم بدأ يكبر بسرعة. سرعان ما بدأت تلاقي صعوبة في الكلام ولم تستطع ان تأكل بسبب ما يحصل لها من الألم. استنجدت بعدة أطباء. أحدهم مختصّ بالأورام، كان لها معرفة شخصية به. بعد الفحص أخبرها بصراحة أنه لديها سرطان سريع النمو في اللسان، وبأن الدواء ليس له أي تأثير عليه. كان السرطان قد انتشر تقريباً في كل الفم.

كانت المرأة التعيسة، قد سمعت وهي لا تزال في مدينتها بلوﭭﺩﻴﭪ، عن حالات الشفاء عند قبر ﭭﻼديكا سيرافيم، فبدأت بالذهاب يومياً إلى الكنيسة الروسية للصلاة لوقت طويل عند قبره. في اليوم السادس كانت وحدها عند الضريح. سمعت فجأة صوتاً يقول: “غمّسي الشمعة التي تحملي في المصباح الذي فوقي وامسحي المكان المصاب بالمرضى”. فعلت المرأة المريضة كما قيل لها وهي مندهشة وفرحة في آن بسبب هذه الاستجابة الرائعة لصلواتها. لشدة دهشتها، توقف الألم الذي لم يكن يحتمل فجأة. في الأيام التالية استمرت بدهن المكان السقيم. بدأ الورم ينكمش تدريجياً ثم بعد أسبوع تلاشى كليّاً. ذهبت المرأة إلى اختصاصي الأورام الذي تعرفه. بعد فحصها طلب منها الطبيب أن تخبره كيف تعالجت ومَن شفاها. أخبرت المرأة الطبيب بالتفصيل بكل ما حصل، فصرّح بأنها قد وجدت أنجع علاج وهتف بفرح: “المجد لله وللقديس ﭭﻼديكا سيرافيم”.

V                    عانت أرملة أحد الكهنة التي كانت ترغب بتزويج ابنتها. علمت بالقديس سيرافيم فتوجهت مع ابنتها إلى قبره حيث صليتا بحرارة. عندما خرجتا من هناك قابلتا شاباً من معارفهما وكانتا لم تقابلاه منذ وقت طويل. فابتهج جداً باللقاء وسرعان ما تزوّج الفتاة بعد ذلك.

الشهيد الجديد آفياني (أفجانيوس) الجندي

الشهيد الجديد آفياني (أفجانيوس) الجندي

هو أفياني رودينوف المولود في الثالث والعشرين من أيار 1977. أمه المدعوة لوبوف تخبر أنها عاشت بعد ولادته مع شعور يقول لها بأن شيئاً مخيفاً سوف يحدث لكنها تناست هذه الأفكار إلى أن عادت إليها بعد 19 سنة عند استشهاد آفياني. هو جندي شاب لم يتخلَّ عن إيمانه ولا عن صليبه بالرغم من التهديد والتعذيب، فاستحق الشهادة.
انضم آفياني إلى الجيش الروسي وأُرسِل للخدمة في الشيشان. وبعد ستة أشهر وقع في الأسر مع أربعة من رفاقه. وقد وعدهم الشيشان بإطلاق سراحهم إن هم أعلنوا إسلامهم. رفض آفياني فيما قبل رفاقه. رئيس الجماعة الشيشانية التي اعتقلت الجنود الروس كان رسلان خايخورويف وهو أحد زعماء هؤلاء المنشقين المعروفين على المستوى العالمي. بعد أن رفض آفياني إعلان الإسلام وخلع صليبه من رقبته، قام رسلان خايخورويف بقطع رأسه بيده. هذا ما أخبره هو شخصياً لوالدة الشهيد قائلاً لها: “كان بإمكان ابنك أن يقبل الإسلام وينجو وأن يخلع الصليب من رقبته ويخلص لكنه رفض”. كان هذا في يوم عيد ميلاده الثامن عشر. في 23 آب 1999 هاجمت القوات الروسية مقر رسلان خايخورويف وقتلته مع حراسه.

قُتل الشهيد في منطقة باموت قبل يوم واحد من دخول القوات الروسية إليها. ما أن علمت أمه بخبر اختطافه حتى راحت تبحث عنه لمدة تسعة أشهر. ولتتمكن من ذلك اضطرت إلى رهن منزلها. وقد عانت الكثير مع الثوار واضطرت لدفع الكثير مقابل حصولها على المعلومات ومرت بمخاطر كثيرة كالمرور على طرق ملغومة والدخول إلى مواقع ممنوعة وغيرها. هي الآن تؤمن بأن ابنها كان يحميها وبأن الرب كان معها لأن مهمتها كانت إيجاد ابنها ودفنه كما يليق به. تضيف أمه أنها خلال رحلة البحث عنه اختبرت قوة الصلاة. وجدت جسده بعد أن دفعت خمسمئة دولار لأحد الشيشانيين الذي دلّها إلى مكان الجثة حيث رماها رجال الزعيم الشيشاني. هناك حفرت تحت جنح الليل مستعينة بأربع أشخاص حتى وجدت جثته مع جثث الأربعة الباقين مطمورين في إحدى الغابات. وبمساهمات المؤمنين ارتفع صليب كبير فوق تلك النقطة. أما صليبه الذي رفض أن يخلعه فكان ما يزال في رقبته وقد قدمته أمه لكنيسة القديس نيقولاوس في أوردينكا، موسكو. بعد عودة لوبوف إلى روسيا وتجنيز الشهيد بخمسة أيام توفي والده الذي لم يحتمل فقدان ولده وأخبار الفظاعات التي تعرّض لها.

بعد انتشار خبر هذا الشهيد انشغلت الصحف به لفترة وواكبت الكنيسة الروسية كل تلك الفترة وعملت على التأكد من صحة عدد من الأخبار التي نشأت حول الشهيد إلى أن أُعلنت قداسته في العشرين من آب 2002، وبُدئ العمل ببناء كنيسة على اسمه في هانكالا بالقرب من غروزني في الشيشان.

الشهيد الجديد آفياني الجندي هو اليوم محرك تيار تقوي في بلاد الروس خاصة بين الشباب وقد تحوّل قبره إلى مزار. صدر عدد من الكتب التي تحكي عنه. في جنازه، قال الأب الكسندر شورغينوف المسؤول من قِبَل الكنيسة عن أمور الجند: “نحن نعرف أن الشهيد آفياني مرّ بعذابات ورعب يشابه ما مرّ به الشهداء العظام قديماً. وهو على مثالهم بقي مخلصاً ليسوع المسيح”. شفاعته فلتكن معنا.

نساء حكيمات

نساء حكيمات
إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

أخبر أحد الآباء قائلاً: كنت مرة في مدينة الاسكندرية أتجوّل في كنائسها، فدخلت إلى إحداها لأتبرّك وأسجد لذخائر قديسيها. فصادفت هناك إحدى النساء المؤمنات، يصحبها حشمها وخدمها، متوشحةً بزي الأرامل ساجدةً قرب ضريح أحد القديسين وهي تبلّ الأرض بدموعها وتتمتم باكية: “لا تتخلَّ عنّي أيها السيّد، بل ارحمني يا محب البشر أنا غير المستحقة”. وكانت تكرّر هذا القول مرات عديدة.

ومن شدّة بكائها وعويلها، استرعت انتباهي لدرجة أني تركت صلاتي متأثّراً بدموعها وحرارة توسلاتها، متفكّراً ومخاطباً نفسي: “لا بد أنّ أحداً ما يتعرضها ويزعجها بما أنها أرملة، فحضرت إلى هذا المكان المقدس تستجير بالقديسين عساهم ينصفونها”.

فانتظرت ريثما انتهت من صلاتها، ثم استدعيت أحد عبيدها وقلت له: “ادعُ لي سيدتك إلى هنا فإني أود محادثتها. فاقتربت مني بوقار، وهي تكفكف دمعها، فبحتُ لها بما جال في خاطري. فاجابتني بصوت متهدج: “إنك لا تعلم ولا تدري يا أبي القديس عظم المصاب الذي حلّ بي. لقد هجرني الرب ولم أعد أنا التعيسة أحظى بزيارته لي. فمنذ ثلاث سنوات لم أتعرّض لا أنا ولا أحد من عبيدي أو أمائي ولا أحد من أفراد عائلتي لمرض أو ضيق ما. وأعتقد أنّ الرب خذلني وأشاح بوجهه عني. نعم إن كثرة خطاياي وجسامة زلاتي هي السبب، وإنّه لعادل ومحق. ولهذا أبكي وأتضرّع إليه، عساه يعود فيتحنّن عليّ كسابق عهده، ويفتدقني كجزيل رحمته. فصلِّ من أجلي أيها الأب القديس، كي لا أُحرَم إكليل الصبر على المحن والأمراض”.

تعجبت جداً من موقف هذه السيدة التقيّة ومن إيمانها القويّ ففارقتُها بعد أن باركتها متّعظاً من أقوالها السديدة وممجداً الله.

كما حدّث شيخ آخر قائلاً:

كان هناك صديقان تاجران، أحدهما غنيً والآخر أقلّ غنى. وكان للغني امرأة جميلة جداً، فاضلة، متعقلة كما كانت تشير إلى ذلك سيرتها. لكن ما أن توفي زوجها، حتى أضمر رفيقه التاجر وكان يعلم مدى حشمة المرأة وحكمتها – أن يتّخذها زوجة له. لكنه لم يبح لها بعزمه هذا مخافة أن ترفضه أو أن تزدريه. أمّا تلك المرأة، بما أنها كانت على جانب وافر من الذكاء فقد أدركت مقصده فبادرته ذات يوم قائلة له : “إني أعلم أيها السيد سمعان – لأنه هكذا كان يدعى – ما يدور في خلدك من أفكار تخصّني. فأرجو أن تكشفها لي. وثِقْ أني سوف أجيبك عنها. تهّيب سمعان بادئ الامر، وخشي أن يبوح بما في صدره، لكنه تجرأ أخيراً وكشف لها عن مكنونات قلبه، مفصحاً عن نواياه وداعياً إياها لتكون قرينته. فقالت له: “سوف أقبل عرضك هذا بكل طيبة خاطر، شرط أن تقوم بما أشيره عليك.” فأجابها بلهفة: “تأكّدي يا سيدتي بأني سوف أتمم وأقوم بكل ما ترغبين.” فأجابت: “إذهب أولاً وزاول مهنتك في المصنع جرياً على عادتك، على أن تداوم الصوم إلى أن أدعوك ثانية إليّ. وكنْ على يقين أني لن أبرم أي قرار خلال هذه الفترة.” فوافق سمعان على طلبها، ظنّاً منه أنها سوف تدعوه في اليوم ذاته.

مضى يوم واثنان وثلاثة دون أن تبدو منها أية إشارة إلى دعوته، أو حتى على الاهتمام به. أمّا هو فصّبر نفسه رغم الجوع الذي كان قد بدأ يعضه – بسبب حبه الشديد لها.

بعد أسبوع تقريباً وبالتحديد في اليوم الرابع، استدعته تلك المرأة الفاضلة بعد أن بلغ إلى حالة من الشقاء والبؤس يرثى لها خاصة بعد أن انهارت قواه حتى لم يعد يقوى على السير بنشاط. فجهزّت له مائدة وزينتها بالأطايب من الطعام وفرشت إلى جانبها سريراً وقالت له: “هاك المائدة، وهاك السرير، فاختر أيّهما تشاء.” فأجابها ذاك: “أتوسّل إليكِ يا سيدتي أن ترحميني وتعطيني ما يسدّ رمقي، فقد أوشكتُ على الهلاك ولم أعد أستطيع الاحتمال أكثر من ذلك. أنا لم أعد أبالي بالزواج ولا أحس بأيّة شهوة أخرى غير شهوة الطعام تلهبني.” فأجابته تلك المرأة الحكيمة قائلة: “ها قد فضّلت الطعام عليّ، وتساميتَ على شهوتك ورغبتك أمام جوعك! فتعلّم إذن أيّها السيد الكريم أن تجابه أفكار الشهوة التي تعتريك بالصوم فتزول عنك للحال. وصدّقني أنه بعد وفاة بعلي، لا أرغب ثانية الاقتران برجل آخر، بل أبغي البقاء أرملة أرضي الله ما تبقّى لي من الحياة.”

وللحال أحسّ سمعان بتوجع ونخس في قلبه، وانتابه شعور بالانسحاق الداخلي لدى سماعه كلماتها وادراكه مقصدها فقال لها متعجبا من حسن تصرفها: “الآن علمت أن الرب سرّ وارتضى أن أرتدع على يدي أرملة حكيمة مثلك، وأن يخلصني بواسطة مشورتك. فبماذا تشيرين عليّ أن افعل؟ فأجابته: “لقد دبّر الله لك هذه الطريقة ليلقنّك أصول الفضيلة، وإذ وجد بين حناياك قلباً محباً ونفساً نقية تصبح بعد قليل مقراً يستريح فيها، ويحّولك إلى إناء مختار تعمل ارادته. وثقْ أيّها السيّد بأنّه لن يوجد شخص آخر نظيري يصدقك القول. فاسمع ما يقوله الرب في كتابه المقدس: “إن لم ينكر أحد أباه وأمه وإخوته وامرأته وأولاده وحتى نفسه، لا يستطيع أن يكون لي تلميذاً. إذاً فليبتعد أحدنا عن الآخر حباً بالله ورغبة في نهج سبل الفضيلة، وهكذا نكون قد أنكرنا ذواتنا ورغبتنا وتعالَينا فوق شهواتنا الارضية محبة به فقط. ثم إنه يوجد بالقرب من منطقتنا دير خاص بالرهبان، فان كنت ترغب حقاً في نيل الخلاص وسلوك طريق الكمال، فلج إلى هذا الدير وترهَّبْ فيه حاملاً الصليب، وكُنْ على يقين أنك سوف تلقى الله هناك، وسوف تعيش معه وتحت ظلّه حياة ملائكية سامية.

وهكذا ترهّب سمعان فعلاً في ذلك الدير وأمضى حياته ممارساً الفضائل والكمالات الإنجيلية حتى أصبح راهباً مثاليّاً، ووصل إلى قامة روحية عالية، وحاز ذهناً صافياً ونفساً نقية إذ كان يستطيع أن يرى أموراً غير منظورة متمتعاً بموهبة البصيرة الروحية. ثم رقد بالرب في ذلك الدير رقود الأبرار القديسين مملوءاً من الأجور السماوية.  

البارة ماريا البيثينية

البارة ماريا البيثينية
إعداد راهبات مار يعقوب

هي الابنة الوحيدة لرجل يدعى افجاليوس، من بثينية احدى اعمال آسيا الصغرى. كان مقتدرا ذا ثروة وجاه وفضل. فارقته زوجته الى الاخدار السماوية. وماريا لم تزل بعد طفلة غضّة، فحرمت من حنان امها باكرا. الا ان والدها الفاضل حاول ان يعوض لها ذلك الحنان، فراح بكل ما اوتيه من عزم – يربيها تربية فاضلة، وينشئها تنشئة صالحة، ويلقنها تعاليم واصول الحياة المسيحية الحقة.

وعندما شبّت الفتاة وكبرت ، قال لها والدها: ” ها قد تركت بين يديك يا ابنتي العزيزة كل مالي وثروتي، لان روحي تتطلع الى اعتناق الحياة الرهبانية في احد الاديار، عساني استطيع ان أخلّص نفسي: فعترضته الفتاة قائلة: “: او تريد انت ان تخلص نفسك، وما يعنيك او يهمك أهلكت نفسي ام لا ؟!. الم تسمع ما قاله الرب من ان الراعي الصالح يضع نفسه عن الخراف؟!. فلما سمع افجانيوس كلام ابنته، ورآها تنتحب وتبكي، حار في امره وقال لها: ” وماذا عساني افعل يا ابنتي، وانا راغب في الالتحاق باحد الاديرة، ولا يمكنني ان اصطحبك معي لئلا تكوني سلاحا يستعمله الشيطان ضد الرهبان عبيد الله المجاهدين؟ ” فقاطعته ماريا واجابته باصرار وصوت ثابت : ” لن اسبب عثرة ما يا ابي. فانا استطيع ان اقص شعري، واتزي بزي الرجال وامكث معك كأحد الشبان”.

وهكذا اخذ افجانيوس يوزع ثروته على الفقرآء والمساكين، ثم قص شعر ابنته، والبسها لباس الرجال، واطلق عليها اسم ماريوس، واوصاها قائلا: ” انتبهي يا ابنتي كيف تصونين اناءك من هجمات العدو، لانك سوف تعرضي نفسك لنار التجارب فاحتفظي بنقاوتها ما استطعت حبا بالمسيح. وهكذا نعيش نحن الاثنين امينين لوعودنا وعهودنا” ثم التحق باحد اديار الشركة.

راحت ماريا تحث الخطى واسعة في طريق الجهاد والفضيلة واخذت تتقدم يوما بعد يوم في ممارسة النسك الشديد مضارعة بذلك كبار رهبان الدير الذين ظن بعضهم انها شاب امرد بسبب صوتها الخافت الناعم، وعدم وجود لحية لها كسائر الرهبان، بينما اكد البعض الاخر منهم، ان هذه المظاهر مردها النسك الشديد، اذ كانت مرة كل يومين.

ما لبث افجانيوس، بعد فترة ليست بطويلة ان رقد بالرب. ومنذ ذلك الوقت اخذت ماريا تضاعف جهادها في عيش الطاعة العميقة الكاملة، والنسك والتواضع، لدرجة انها حازت نعما الهية، تجلت في قهر الشياطين وطردهم، اذ ان لثم يدها فقط، كان يشفي كل من مسّه الشيطان، او استأسره روح شرير، مما اثار عجب وانذهال الرئيس لهذا التقدم الروحي السريع،وبات متفكرا في امرها، خائفا عليها من حبال الشيطان وفخاخه.

كان عدد رهبان هذا الدير اربعين راهبا، كان الرئيس يرسل كل شهر اربعة رهبان ليؤمنوا حاجات الدير ويتفقدوا بعض الاخوة النساك المتناثرين هنا وهناك. وكان يوجد بقرب الدير نزل، وبما ان الطريق كانت طويلة وشاقة، فلقد اعتاد الرهبان الارتياد الى هذا النزل في ذهابهم وايابهم، لينالوا قسطا من الراحة، وكان صاحب النزل يستقبلهم ببشاشة ويحسن وفادتهم.

وذات يوم دعى الرئيس ألأخ مارينوس وقال له: ” انا اعلم جيدا سيرتك الفاضلة، وتقدمك المستمر في طريق الكمال، فانك برهنت في مناسبات عديدة عن حسن طاعتك وامتثالك، لذلك اطلب منك ان تؤمن انت هذه المرة حاجات الدير وتقضي مهامه،  وهكذا تهدأ نفوس وضمائر بعض الاخوة الذين يتذمرون لعدم خروجك مثلهم. وتأكد يا أخي ان اجر تعبك سيكون كبيرا جزاء طاعتك: ” . فلما سمع مارينوس هذا الكلام، انطرح على قدمي الرئيس قائلا: ” باركني يا ابي، وحيثما تريدني فسوف اتوجه، ولن اخالف لك امرا.

وهكذا انطلق الاخ مارينوس يصحبه ثلاث رهبان لقضاء حاجات الدير. فعرّجوا كعادتهم على النزل للاستراحة قليلا. وفي تلك الاثناء كانت ابنة صاحب النزل، تعلم احد الجنود الذين كانوا قد اخطأوا معها، انها تنتظر مولودا ولكن الجندي اقنعها قائلا: ” اذا علم والدك بما جرى قولي له ان الراهب الشاب المدعو مارينوس هو الذي خدعني: ” وهكذا كان. لانه ما ان علم والدها بالامر حتى ضاع رشده، وصعق لهول المفاجأة وسال الصبية عن الشاب الذي ثم معها، فالقت بالتهمة على مارينوس. فجن جنون صاحب المنزل، ولفرط غضبه وهياجه، اصطحب ابنته وذهب الى الدير وهو يزبد ويرعد ويصرخ قائلا: ” اين هو ذاك المضل، الذي يدّعي بالمسيحية والفضل والقداسة “؟ فظهر له احد الرهبان مستفهما عما جرى، فأجابه الاب: ” انها لساعة ملعونة عندما تعرّفت فيها عليكم ايها الرهبان، يا ليتني ما عرفتكم ولا تعرفت على من لهم بكم علاقة ” . ثم طلب مقابلة الرئيس الذي ما ان رأه حتى ابتدره قائلا: ” انها وحيدتي وسندي وعكازة شيخوختي ايها الرئيس، وعليها كنت اعتمد في تسيير اموري، وهاك ما قد صنعه بها هذا الرجل الراهب المدعو مارينوس ” . فاجاب الرئيس – بعد ان علم بتفاصيل الخبر – وقد اعتراه الخجل والانذهال معا: ” لا استطيع ان افعل او ان اقول شيئا، سيما وان مارينوس غائب، ولم يعد بعد من مهمته. ولكن ثق انه سوف يطرد من الدير فور عودته” .

وعندما عاد مارينوس مع الرهبان الثلاثة الآخرين، أنبّه الرئيس بلهجة شديدة قائلا: ” اهذه هي تربيتك الصالحة، وثمرة نسكك الشديد، ومظاهر برّك وقداستك، لدرجة انك أخطأت مع ابنة صاحب النزل، واذللت شيبة والدها الذي يحسن الينا، وكنت عثرة لكثيرين ممن سمعوه وهو يصيح  ويحتج باعلى صوته فاضحا الامور امام الجميع. فيا لها من شكوك اتيتها ايها ألأخ المحترم” . وعندما سمع مارينوس هذا الكلام، انطرح ارضا قائلا: ” سامحني ايها الاب القديس، لانني اثمت، وكانسان ضعيف اخطـأت”. لكن الرئيس ابى ان يسامحه، وطرده من الدير قائلا: ” لئلا تكون قدوة وامثولة للآخرين”.

خرج مارينوس حاملا صليبه، وجلس على باب الدير صامتا، منتظرا، صابرا على حر النهار وقر الليل. واما الزوار الذين كانوا يؤمّون الدير، فكانوا يسألون باستغراب! لماذا انت قابع هنا ايها ألاب مارينوس؟!. فكان يجيبهم:” انني زنيت، ولذلك طردني الرئيس”.

وعندما حانت ولادة ابنة صاحب النزل، ولدت غلاما جميلا، فحمله والدها بين يديه، وذهب به الى الدير، فوجد مارينوس على حاله جالسا قرب باب الدير، فجعل الصبي عند قدميه وقال له:” خذه، انه ثمرة خطيئتك”. ثم قفل راجعا . فأخذ مارينوس الصبي بحنو وعطف بين يديه قائلا:” نعم سأخذه لاسدد به خطاياي. ثم رفع عينيه نحو العلاء وقال متنهدا:” ولكن يا سيدي القدوس، ما ذنب هذا الطفل البريء ليموت معي؟!. ثم بدأ مارينوس يستعطي من الرعاة المارين، لبنا او حليبا ليغذي الطفل كأب حنون. وهكذا مرت الايام، وأخذ الطفل في النمو، ولم يعد يكفيه ما كان يقدّمه له مارينوس، وبدأت ثيابه تتهرأ ولم تعد تلائمه، فأخذ مارينوس يستعطف زوار الدير كي يحسنوا اليه ويساعدوه.

وبعد ثلاث سنوات، وعندما رأى الاخوة ضيقه وصبره، توجهوا نحو الرئيس قائلين، كفى يا ابانا ما يعانيه، فانه قصاص كبير لا يطاق، سيما وانه اعترف جهارا امام الجميع بذنبه، معلنا توبة صادقة نصوحا. فاما ان يدخل ويعيش معنا، واما ان نخرج نحن لنعيش معه. فقبله الرئيس وقال له:” لقد ارغمتني محبة الاخوة على قبولك ثانية، رغم انك آخرهم واسوأهم فضيلة”. فضَرب مارينوس مطانية وقال باحترام وتواضع: ” انه لمنة كبيرة ان أعيش تحت ظلك ورعايتك يا أبي القديس”. ثم فرض الرئيس عليه ان يقوم بكل مهام الدير الصعبة. فكان مارينوس يتممها بنشاط ولكن بتعب كثير ايضا، يصحبه الطفل لا يفارقه ابدا، وهو يملأ الدنيا زغردة وصراخا طالبا من وقت لآخر طعاما، او بعض ما تحتاجه اليه الاطفال عادة.

لم ينسى مارينوس ابدا ان يغرس بين هذا الطفل حنايا هذا الطفل محبة الله، وان يعلمه طريق الفضيلة. وهكذا تهذب وتأدب ونشأ على محبة النسك والحياة التوحدية. وما ان شبّ قليلا حتى صار اهلا لان يعد بين عداد الرهبان.

وذات يوم، سال الرئيس الاخوة مستفسرا اين الاخ مارينوس؟!. لقد مضى ثلاثة ايام دون ان الحظه في الخدم الطقسية، مع العلم انه الاول دائما في الحضور الى الكنيسة. اذهبوا الى قلايته وانظروا ربما يعاني من مرض او ضعف. وعندما ذهبوا الى قلايته وجدوه قد فارق الحياة. فذهبوا واعلموا الرئيس الذي اعتراه الانذهال فتمتم قائلا:” واين يا ترى ذهبت نفسه الشقية وما هو مصيره، وما الجواب الذي سي}ديه امام الرب الدّيان العادل؟!. ثم أمر الرهبان ان يحضروه للدفن والتجنيز.

وعندما اراد الرهبان ان يغسلوا جسده، تراجعوا الى الورآء وقد اعترتهم رعدة شديدة، اذ وجدوا انفسهم امام امرأة. فصرخوا كلهم بصوت واحد يا رب ارحم. وعندما سمع الرئيس صوتهم، ولاحظ جلبتهم والبلبلة التي حدثت من جراء ذلك، استفهم عما يجري فأجابوه: ” الاخ مارينوس امرأة يا ابانا”. فوجئ الرئيس بهذا النبأ، وبقي فترة منذهلا صامتا لا يتفوه بكلمة، يعلو وجهه الاصفرار. ثم اسرع نحو القلاية التي كان مسجى فيها مارينوس، وانطرح ارضا يمرغ وجهه بتراب القلاية باكيا قائلا: يا ويلي، اية تهمة شنيعة الصقت بك ايه الأخ لتصديقي الوشايات التي اثيرت ضدك. لن ابارح هذا المكان ولو اضطرني الامر الى الموت، حتى اسمع صوتك مسامحا غافرا لي جريرتي.” وللحال جاءه صوت من الجسد المسجى قائلا:” ثق يا ابي القديس، ان كل ما بدر منك وتصرفته تجاهي، انما كان عن جهل وبتدبير من الله، ولذلك لن يحسب لك خطيئة قط. واما انا مسامحك يا ابي القديس.”

وبعد برهة خرج الرئيس من القلاية وارسل يستدعي لتوه صاحب النزل، الذي ما حضر حتى بادره الرئيس بقوله:” ها قد مات الاخ مارينوس”. فأجابه ذاك قائلا:” ليسامحه الله لانه افسد علي حياتي”. فقال له الرئيس:” تب يا اخي، لانك اجرمت واذنبت الى الله والي، عندما اثارتني اقوالك ضد الاب مارينوس العفيف، لان مارينوس امرأة”. عندما سمع صاحب النزل فوجئ، وأخذ يمجد الله متوسلا اليه ان يغفر له ذنبه. وبعد قليل حضرت ابنته التي بعد ان اتهمت الراهب باثم لم يقترفه، اعتراها شيطان كان يعذبها عذابا شديدا. هذه ما ان حضرت حتى راحت تقر معترفة من تلقاء نفسها بكل ما جرى معها معلنة براءة الراهب مارينوس، وللحال طرد الشيطان وشفيت.

اخذ الرهبان جسد الراقدة ماريا، ودفنوه باكرام واحترام في المكان الذي قد دفن فيه بقية رهبان الدير، وعادوا يسبحون الله الذي يمجد دائما محبيه، ومن يقدمون له التمجيد والتسبيح اللائقين به. ورسموا ان يعيد للبارة ماريا كل عام في 16 شباط.

القدّيس الجديد ألكسي ميشيف الروسي (+ 1923)

القدّيس الجديد ألكسي ميشيف الروسي

(+ 1923)

إعداد عائلة الثالوث القدوس – دوما

وُلد سنة 1860. أبوه قائد جوقة في خدمة المتروبوليت فيلاريت الموسكوفي. عاشت العائلة في ظروف متواضعة. لم تكن له يوماً غرفة خاصة به. تزوّج ورُزق بضعة أولاد. توفّيت زوجته أنّا في وقت مبكّر من عمرها. كان كاهناً وصار متقدّماً في الكهنة. ابنه سرجيوس أيضاً صار كاهناً واستُشهد سنة 1941 م. اجتذب، عبر السنين، آلاف المؤمنين. لم يكن نجاحه سريعاً. قال عن أوائل خدمته الرعائية: “لثماني سنوات كنتُ أُقيم القدّاس الإلهي يومياً في كنيسة فارغة”. قال له كاهن مرّة: “في أي وقت أمرّ بكنيستك أسمع الأجراس تدقّ. مرّة دخلت فلم أجد أحداً. لن تنتفع شيئاً. أنت تدقّ الأجراس عبثاً”. لكن الأب ألكسي استمر، بثبات، يقيم الخدمة. أخيراً أخذ الشعب يُقبل إليه، شعب كثير. كان يحكي قصّته كلّما أراد أن يجيب على سؤال بشأن كيفية إنشاء رعيّة. الجواب كان دائماً إيّاه: “صلّوا”.

كان في حياته المنزلية بسيطاً متواضعاً. في مكتبه، في غرفته الصغيرة، كانت الكتب مكدّسة، بعضها مفتوح وموضوع كيفما اتّفق. كانت هناك رسائل مبعثرة والكثير من القربان على الطاولة، بالإضافة إلى بطرشيل وصليب وإنجيل وإيقونات صغيرة. الفوضى كانت بسبب انشغال الأب ألكسي الدائم بالناس. شعاره كان “عشّ من أجل الآخرين تخلص”. حياته كانت بذلاً للآخرين. خارج شقّته، كما شهد أحدهم، كان هناك صفّ من المتعَبين والثقيلي الأحمال ينتظرون، منذ الصباح الباكر. كل هؤلاء كان ألكسي يجد وقتاً للحديث إليه وتلطيف أحواله وتعزية نفسه. لم يكن، مرّة، لوحده. كان دائماً مع الناس وعلى مرأى من الناس. عن كنيسته قال أحدهم: “هنا يشعُر المرء بالحيطان مشبعة بالصلاة. يشعُر بمناخ صلاتي ينبثّ كالعدوى بين الحاضرين. بعض الناس، عن رغبة أو عن عادة، يتوجّهون إلى غير كنائس ربما ليستمتعوا بصوت الشمّاس أو الجوق… هنا يأتي الناس لسبب آخر، لأنهم يريدون أن يصلّوا”.

هذا ولم يكن الأب ألكسي يحبّ كثرة الكلام. من وجهه، من ابتسامته، من عينيه كان يتدفّق اللطف والتفهّم الذي كان يعزّي ويشدّد المقبلين إليه. هذا كان يخفّف من أحمال الناس ويحوّلهم إلى مسيحيّين فرحين بالرب كل حين.

استبانت شعبيّته من خلال عشرات الآلاف الذين احتشدوا يوم دفنه وسايروه إلى مثواه الأخير.

من أقواله:

·        كيف تبلغ الاتضاع؟ تَحوَّل إلى داخلك ما استطعت واعتبر نفسك دون الآخرين.

·        إعمل على تنشئة إخوتك وأخواتك الصغار. كن مثالاً لهم لتؤثّر فيهم. تذكّر أنهم سوف يلتقطون عيوبك والرب يحسبك مسؤولاً عنها.

·        إذا رأيت سوءاً حواليك للحال تطلّع إلى نفسك لعلّك السبب.

·        إذا هاجمتك أفكار السوء فأغلب الظن أنك لم تصلِّ كفاية. عليك أن تطردها. حالما تلاحظ في نفسك فكراً سيّئاً بادر إلى الصلاة. وإذا كانت أفكار عديدة تقلقك فخذ كتاباً جيّداً واقرأ فيه.

·        اشتهِ السعادة للآخرين تصرْ أنت نفسك سعيداً.

ملاحظة :  يُعيَّد للقدّيس ألكسي ميشيف في 9 حزيران.