ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟ – الأرشمندريت توما (بيطار)

ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟
الأرشمندريت توما (بيطار)

حديث أُلقي في كنيسة مار نقولا – الأشرفية

خلال الصوم الكبير

4 آذار 2004

مستهلّ الكلام
هل هناك، بعدُ، مَن يُبالون بالحياة الأبدية اليوم؟ هل ثمّة مَن يطرحون هذا السؤال بعد؟ وإذا ما طرحوه فهل يطرحونه لأنهم عطاش إلى جواب للحياة أم دافعهم المعرفة للمعرفة، من باب الفضول؟ هل هناك مَن هو مستعدّ لأن يتغيّر؟

النفوس متعبة مرهقة. تيّاران يجتاحان كيان الإنسان: أولاً، هذه المبالغة في الاعتماد على المعرفة العقلية الإدراكية أساساً وقياساً لكل معرفة، حتى للمعرفة الإيمانية. وثانياً، ذاك الإلهاب الذي تُعرَّض له أهواء الناس على كل صعيد. النفوس تُشحَن، باستمرار، بحجم هائل من المثيرات الحسّية والنفسية. سوق الأفكار مُغرَق بكل جديد وجذّاب مما لا ينفع وأكثره يؤذي. تحريك الرغائب، في هذا الإتجاه أو ذاك، واستعباد النفوس، باسم الحرّيات، لا سيما عبر وسائل الإعلام، بات تقنيّة متطوّرة. كيف يختارون؟ ماذا يختارون؟ كيف يفاضلون؟ على أية معايير يعتمدون؟ المقاييس تتغيّر كل يوم. وجدان الإنسان يتعرّض لزلزال. كلٌّ يُدفَع ليكون، في نهاية المطاف، مقياس نفسه. الإنسان في غربة تشتدّ. الكيان متخم بالسموم. الجهاز العصبي للإنسان يتحوّل مدينة مكتظّة بالخيالات والأشباح والأوهام والأفكار الهائمة. والسيل لا يتوقّف. أكثر الناس يعيش على المسكِّنات. سلّم أو سلالم القيم تتحطّم. النفوس في دوار. داخل الإنسان مبعثر مشتّت مخدَّر. القوّة الداخلية في النفس وهنة. الرؤية الداخلية معتمة أو مغيَّبة. الإنسان يقبل لنفسه، بصورة متزايدة، المثال الآلي الغرائزي. الذهن يُظلِم. إنسان اليوم يترنّح من سُكر الأهواء. استحال آلة تَستهلِك وتُستَهلَك. حال من اللاحس واللامبالاة تكاد أن تغمره. تقلّب النفوس بين المتع الشيطانية المهلكة والرغائب المختلقة المجوّفة يعرِّضها للتكلّس الروحي. من خَدَر الأهواء تكاد الرغبة في الحياة الحقّ أن تنطفئ. إنسان اليوم يموت ولا يكترث. أصبح كالكحولي الذي يعرف أنّه يجرع كأس الموت ولا يبالي.

رغم كل شيء، قلب الإنسان باقٍ سرّاً لا يَسبُر غوره سوى باريه، الله تعالى.

فعلى الرجاء أن يقع الكلام في آذان لا زالت ترغب في السماع للحياة، نسوق حديثنا في هذه الأمسية الصيامية المباركة مع الدعاء.

سؤال وجواب
هذا سؤال طرحه على يسوع إنسانٌ غني. جواب السيّد، كما ورد في إنجيل متى 19: 17، كان: “إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا”. وعاد الغني، ويبدو أنّه كان شاباً، فسأل: “أية الوصايا؟”، فأجاب يسوع: “لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمّك، وأحبب قريبك كنفسك”. الوصايا الخمس الأولى مأخوذة من الوصايا العشر. أما السادسة والأخيرة: “أحبب قريبك كنفسك” فمأخوذة من موضع آخر، من سفر اللاويين 19: 18. كل هذه الوصايا موضوعها واحد وهو العلاقة بين الناس، والأخيرة جُعِلَت في آخر الكلام كما لتختصر الوصايا الأخرى وسائر الوصايا التي لم يذكرها يسوع ولكنها تندرج في ذات الفئة. كل علاقة بالناس، في الحقيقة، أساسها هذه الوصيّة الجامعة: “أحبب قريبك كنفسك”.

الوصيّة العظمى
هذه الوصيّة ذاتها، “أحبب قريبك كنفسك”، ذُكرت أيضاً جواباً من الرب يسوع عن سؤال لأحد الناموسيّين. هذا سأل: “يا معلم أية وصيّة هي العظمى في الناموس” (متى 22: 36). فأجاب يسوع بوصيّتين كأنهما واحدة وتتفرّع إحداها من الأخرى. الأولى، التي وصفها الرب يسوع بـ “الوصيّة الأولى والعظمى”، هي “تحبّ الربّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك”. هذا بحسب إنجيل متى 22: 37. أما بحسب إنجيل لوقا ففيها تفصيل زائد: “تحبّ الربّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومن كل فكرك” (10: 27). والوصيّة مستقاة، في الأساس، من سفر اللاويّين 6: 5. أما الوصيّة التي نحن في صدد الكلام عنها، أي “أحبب قريبك كنفسك”، فيصفها السيّد الربّ بأنها مثلُ الوصيّة الأولى ولكنه يصنِّفها ثانية (متى 39). ويختم كلامه بالقول: “بهاتين الوصيّتَين يتعلّق الناموس كلّه والأنبياء” (متى 40). إذاً كل وصايا الله، كما وردت في الشريعة الموسوية والأنبياء، تنبثق من هاتين الوصيّتين الأحديتين.

على هذا تكون الوصايا الخمس الأولى التي ذكرها الربّ يسوع في جوابه للشاب الغني، أي “لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمّك”، أقول تكون هذه الوصايا متعلّقة بالوصيّة التي تلتها أي “أحبب قريبك كنفسك”، فيما تتعلّق هذه الأخيرة بالوصيّة الأولى والعظمى، أي “أحبب الربّ إلهك من كل قلبك وكل نفسك ومن كل فكرك”. الأولى هي مصدر الثانية والثانية تنبع من الأولى. هذا معناه أن الثانية تتوقّف على الأولى. الثانية مستحيلة وغير قابلة للتحقيق من دون الأولى. لا يمكن أحداً أن يكون محبّاً لقريبه ما لم يكن محبّاً لله أولاً. فإذا انشغل بمحبّة الله أولاً فوق كل شيء، فسيحبب قريبه كنفسه بصورة تلقائية. الثانية، محبة القريب، والحال هذه، تعبّر عن الأولى، عن محبّة الله، وتشير إليها. وبقدر ما ترسخ الأولى تعمق الثانية. كيف نعرف أننا نحبّ أولاد الله؟ “إذا أحببنا الله وحفظنا وصاياه”. هذا كما يجيب يوحنا الحبيب في رسالته الأولى 5: 2. وكيف نعرف أننا نحبّ الله؟ إذا أحبّ بعضنا بعضاً. وبكلام يوحنا الحبيب: “أيها الأحبّاء لنحبّ بعضنا بعضاً لأن المحبّة هي من الله وكل مَن يحبّ… يعرف الله… لأن الله محبّة” (1 يو 4: 7 – 8).

لماذا عليّ أن أحبّ الله؟
ولعل سائلاً هنا يسأل مستغرباً: لِمَ لا يكون كافياً أن يحبّ المرء قريبه؟! لِمَ علينا أن نحبّ الله أولاً؟ لِمَ يستحيل على الإنسان أن يحبّ قريبه ما لم يحبّ الله أولاً؟

الجواب هو أن الإنسان لمّا انفكّ رباطُه بالله، في المعصية، لم يعد قادراً على أن يحبّ. فالله هو المحبّة ومَن يزوّدنا بالمحبّة ولا محبّة من دونه. فإذ انقطع الإنسان عن الله انقطع عنه تيّار المحبّة. صار عابداً لنفسه، طالباً ما لنفسه، لا يمتدّ صوب الآخرين إلا ابتغاء ما لنفسه في الآخرين. محبّته للآخرين صارت تتحكّم بها، بمقادير، محبّته لذاته. الآخرون صاروا إليه أدنى إلى الأدوات. لم تعد لديه القوّة على المحبّة الصافية. صارت محبّته عكرة. أضحت فردوساً مفقوداً. بالمعصية خرج آدم من فردوس محبّة الله. صارت المحبّة مفتقدة. لكن الشوق إليها بقي عميقاً في الذاكرة، مغروزاً في قلب الإنسان. في إيقونة طرد آدم وحوّاء من الفردوس يصوَّران وهما يُخرَجان وأعينهما على الفردوس دامعة. هكذا أضحى الإنسان يبكي المحبّة كل أيام حياته. يطلبها، يغنّيها فلا يجدها. ليس همّ شغل أغاني الناس أكثر مما شغلها الحبّ. كل يطلب أن يُحَبَّ وليس من يُحِبّ. أمواج الحبّ في نفوس العباد دائماً ما تتكسّر على صخور أنانيات الناس. كل يشتاق إليها وليس مَن يعطيها. لذا سادت الخيبة والإحباط. أضحت المحبّة أدنى إلى الوهم والخيال. عاش الإنسان في لعنة الطرد من الفردوس كل أيام حياته. جوهره قلب ولا يستطيع أن يحبّ بمعنى الكلمة. لذا أضحى، في عمق كيانه، لا أقول إنساناً فاقد الإنسانية بل إنساناً ناقص الإنسانية.

لا شيء يُعيد المحبّة للناس، محبّتهم لبعضهم البعض، إلاّ إذا تابوا إلى ربّهم. بعودة الإنسان إلى ربّه يعود تيّار المحبّة ليوصَل به، ليُشعّ في قلبه من جديد. إذ ذاك تنساب المحبّة انسياباً بين الناس. تدفق دفقاً لتجمع إلى واحد، لتوحّد الإنسان بقريبه. إذ ذاك كل يتنفّس محبّةً لأخيه كنفسه. بلى، الله هو الحبيب ونبع المحبّة معاً. لذا قيل “الله محبّة”. في هكذا إطار نفهم، هنا وهناك في الكتاب المقدّس، بعض ما قيل في شأن المحبّة كمثل القول “المحبّة هي من الله وكل مَن يحبّ فقد وُلد من الله ويعرف الله” (1 يو 4: 7). على هذا يدعونا الحبيب يوحنا لأن “يحبّ بعضنا بعضاً” (1 يو 4: 7). ودونكم قول آخر: “نحن نحبّه لأنه هو أحبّنا أولاً” (1 يو 4: 19). هذه المحبّة هي إيّاها التي طلبها الربّ يسوع في الصلاة الكهنوتيّة، في يوحنا 17، لتقيم فينا لما خاطب أباه السماوي هكذا: “أيها الآب البار، إن العالم لم يعرفك. أما أنا فعرفتك وهؤلاء عرفوا أنك أنت أرسلتني، وعرّفتهم اسمك وسأعرّفهم ليكون فيهم الحبّ الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم” (يو 17: 25 – 26). المحبّة التي يتعاطاها الآب والابن فيما بينهما هي ذاتها التي أعطانا إياها الربّ يسوع من عند الآب لتكون فينا وليكون الجميع، على حدّ قول السيّد، “واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني” (يو 17: 21).

غاية الوصيّة
هذه المحبّة بالذات، اقتناء هذه المحبّة بالذات هو القصد، هو المبتغى، هو الغاية. “وأما غاية الوصيّة فهي المحبّة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء” (1 تيمو 1: 5). غاية الوصيّة، غاية كل الوصايا هي المحبّة. كيف نعرف أننا قد عرفنا الله؟ كيف نعرف أننا نحبّ الله وأن محبّته مقيمة فينا؟ الجواب يطالعنا به يوحنا الحبيب في رسالته الأولى: “بهذا نعرف أننا قد عرفناه إن حفظنا وصاياه. مَن قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب وليس الحقّ فيه. وأما مَن حفظ كلمته فحقاً في هذا قد تكمّلت محبّة الله. بهذا نعرف أننا فيه” (1 يو 2: 3 – 5).

معرفة الله، أن يعرف أحدنا الله معناه أن يحبّ الله، أن يكون الله فيه وهو في الله. هذه المعرفة، هذه المحبّة تتأتى، إذاً، من حفظ الوصيّة. “إن أحبّني أحد يحفظ كلامي ويحبّه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً” (يو 14: 23). بحفظ الوصيّة نعرف الله وبحفظ الوصيّة ندخل الحياة الأبديّة كما قلنا في مطلع حديثنا. هذا لأن المحبّة هي فحوى الحياة الأبدية. “نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحبّ الإخوة. مَن لا يحبّ أخاه يبقى في الموت” (1 يو 3: 14). وأيضاً “هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو 17: 3).

الحياة الأبدية والموت الأبدي
الحياة الأبدية، إذاً، هي محبّة الله، هي حياة الله، هي أن تكون لنا شركة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح (1 يو 1: 3)، هي الله نفسه فينا. هذا ما يتحقّق في روح الحياة، في الروح القدس، إذ نقتني الروح القدس، إذ يقيم فينا الروح القدس إلى الأبد، إذ يستقرّ الآب والابن في الروح القدس فينا. “ألستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله…” (1 كور 6: 19). ليست العبرة في الحياة الأبدية أن تكون لنا حياة بلا حدود في الزمن. الزمن، في ذاته، لا وجود له ولا قيمة. نحن نقيم في الزمن، في كل حال، لأننا خِلقة الله. العبرة هي في الفحوى. الكفرة، الذين لا يقبلون الله، هؤلاء أيضاً سوف يكونون، في الزمن، وإلى الأبد، لكنهم لن يذوقوا الحياة الأبدية. هم أيضاً سيقومون في القيامة العامة، لكنهم لن يعرفوا قيامة الحياة، “فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع مَن في القبور صوته [صوت ابن الإنسان] فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيّـآت إلى قيامة الدينونة” (يو 5: 28 – 29). هؤلاء يُطرحون في الظلمة الخارجية (مت 25: 30)، يمضون “إلى عذاب أبدي” (مت 25: 46)، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان (مت 25: 30). أما الأبرار فيمضون “إلى حياة أبدية” (مت 25: 46). من هنا أن الحياة الأبدية لن تكون امتداداً للحياة على الأرض بل شيئاً أخر بالكلية. المؤمنون بيسوع يذوقونها منذ الآن. أما الذين لا يؤمنون فهؤلاء يذوقون الموت الأبدي منذ الآن. لذا قال الربّ يسوع لليهود: “إنْ لم تؤمنوا أني أنا هو تموتون في خطاياكم” (يو 8: 24). يسوع، هنا، لم يكن يعني موت الجسد بل ما يسمّيه سفر الرؤيا الموت الثاني. “وأما الجبناء وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسَحَرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتّقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني” (رؤ 21: 8). الحياة الأبدية هي ما يقابل هذا الموت الثاني، لذا قال يسوع: “إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد” (يو 8: 51). وقال أيضاً: “كل مَن كان حيّاً وآمن بي فلن يرى الموت إلى الأبد” (يو 11: 26).

الموت اختراع بشري
على هذا، إذا كانت الحياة الأبدية هي محبّة الله، حياة الله، اللهُ نفسه فينا فالموت الثاني هو أن يخلو الإنسان من روح الله، من محبّته، من حياته، من نوره. هذا أفظع، بما لا يقاس، مما يمكن أن يتصوّره إنسان. إذا كنا هنا، على الأرض، لنذوق جحيماً على هذا القدر من الضيق والألم والعذاب إذ لا نشاء أن نستجيب لدعوة الله، للصلاح الذي زرعه في وجدان كل واحد منا حيث للجميع فرصة أن يسلكوا في الإيمان، حتى في أقسى الظروف، فماذا تراه يكون حالنا متى فاتت الفرصة وبتنا في الظلمة المطبقة، في الظلمة التي دعاها الربّ يسوع “البرّانية” حيث يخلو الإنسان من حضور الربّ؟! ألم نسمع ما قاله يسوع عن العين الشريرة، عن القلب الأثيم: “إن كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام كم يكون” (مت 6: 23)؟ كلا، أبداً، ليست هذه الظلمة من الله ولم يخلقها الله، بل الناس اخترعوها إذ شاؤوا أن ينصرفوا عن الله إلى بلد بعيد على غرار الإبن الشاطر. في سفر الجامعة هذا القول: “انظر. هذا وجدتُ فقط أن الله صنع الإنسان مستقيماً. أما هم فطلبوا اختراعات كثيرة” (جا 7: 29). الموت الثاني هو الثمرة الأخيرة لهذه الاختراعات. تصوّروا ما يمكن أن تكون عليه هذه الحالة في المدى الأخير. إنسان خُلق مفطوراً على عِشرة الله لأن نَفَس الله فيه. أليس هذا ما يعنيه قول سفر التكوين، الإصحاح 2، الآيتان 7 و 28، ان الربّ الإله جَبَل آدم تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفْساً حيّة؟ لا يقدر الإنسان البتّة أن يتحرّر من نَفَس الله فيه لأنه هكذا كُوِّن. تصوّروا، إذاً، أن هذا الذي كوِّن من الله وإليه يرتدّ عنه لا بفعل الطبيعة بل بعمل الإرادة ليلقي بنفسه في العدم، لأنه خارج الله ليس هناك سوى العدم الذي أخرجه اللهُ منه في البدء. الموت هو بالضبط خبرة العدم في الوجود. يشتهون، من وطأة العذاب في الكيان، لو لم يوجدوا فلا يُعطى لهم. لعل تعبيراً عن هذه الحال هو ما ورد في سفر الرؤيا “في تلك الأيام سيطلب الناس الموت ولا يجدونه ويرغبون أن يموتوا فيهرب الموت منهم” (رؤ 9: 6). الله لم يصنع الجحيم ولا يعذّب أحداً. فقط “ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً لأن مَن يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فساداً ومَن يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية” (غلا 6: 7 – 8).

الحياة الأبدية بيسوع وحده
ها قد جُعلت الحياة الأبدية، إذاً، في متناول الجميع لأن السيّد جاء ليخلّص ما قد هلك، والله يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحقّ يقبلون (1 تيم 2: 4). “الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا… ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً” (1 يو 1: 3 – 4).

هناك واحد فقط أُعطي لنا به أن نخلص: يسوع! “ليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص” (أع 4: 12). هو حياتنا (كو 3: 4). والكلام الذي يكلّمنا به “هو روح وحياة” (يو 6: 63). هو إياه الحياة نفسها والقيامة (يو 11: 25). إذ يعطينا الحياة يعطينا نفسه. “أنا هو خبز الحياة” (يو 6: 35). هو نفَس أنوفنا الجديد. “نَفَس أنوفنا مسيح الربّ” (مرا 4: 30). هو المعلم، من فمه نأخذ الكلمة، من كل نبرة، من كل حركة نستقي الوصيّة. هو الموصي وهو الوصيّة. غاية الوصيّة هي يسوع مقيماً فينا. يسوع فينا هو ذاتنا الجديدة، ذات كل منا، هو “أنانا” الأصيلة، “أنا” كل منا خاليةً من الأنانية. لذا مستحقٌ هو أن نحببه أكثر مما نحبب أنفسنا، أو هذا ما ينبغي علينا أن نفعله. فإن أحببناه، على هذا النحو، وجد كل منا نَفْسَه الحقّانية فيه.

المحبّة والصليب
على أن هذا يبقى كلاماً في الهواء طالما لم يقترن بصليب المسيح. مستحيل على أي كان أن يتبع المعلّم إلاّ بالصليب على عاتقه. “إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني” (لو 9: 23). لاحظوا: “كل يوم”! والصليب صليب بالمعنى الكامل للكلمة. ليس هناك نصف صليب أو ربع صليب. كذلك لا ينكر الإنسان نفسه نصف إنكار أو ربع إنكار بل إنكاراً كاملاً. لا خلطة لما هو للناس، لما هو لأنانيات الناس بما هو ليسوع، لغيرية يسوع الكاملة، لانعطاف يسوع الكامل على الناس. لذا قيل: “مَن يحبّ نفسه يُهلكها ومَن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية” (يو 12: 25). الصليب، صليب المسيح، هو علامة المحبّة والسبيل إليها وتالياً إلى الحياة الأبدية. المحبّة في العالم الساقط، في عالم الخطيئة، لم تعد ممكنة إلاّ إذا كان طالبها مستعداً لأن يضحّي بما لنفسه وبنفسه أيضاً من أجل مَن يحبّ. ليس الصليب ناموساً إلهياً ولا يُسَرّ الله بآلام الناس. الصليب ضرورة علاجية أوجبتها خطيئة البشريّة. بالأحرى خطيئة الناس فرضت الصليب على السيّد الرب فاتّخذه لأنه أحبّ خليقته إلى المنتهى ولأن الصليب، والحال هذه، كان خياره الوحيد. لا يقوى الإنسان على مآسيه ومآسي البشريّة إلاّ إذا اتخذ صليب المسيح صليباً لنفسه. ليس بإمكانك أن تستأصل الشرّ من العالم بأن تعنُف على الناس وإلاّ كان عليك أن تبيد البشريّة وتنتحر لأن بذار الخطيئة والشرّ منثور في قلوبنا أجمعين. بالأحرى، إذا أردت أن تستأصل الخطيئة والشرّ فلا مناص لك من أن تحبب الخاطئ، على غرار يسوع، ولكن من دون خطيئته، ان تمتنع عن مقاومة الشرّ بالشرّ وأن تقابل الشرّ بالخير وأن تصل أخيراً إلى حدّ محبّة أعدائك. وهذا صليب هائل. لكنه، مع ذلك، صليب المحبّة ولا محبّة من دونه. هذا ما اتّخذه يسوع وغلب لأنه “إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعيّن لأجل الفجّار… وبيّن الله محبّته لنا لأنه ونحن بعض خطأة مات المسيح لأجلنا” (رو 5: 6، 8). “وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام” (2 كور 5: 15).

صورة الإنسان الجديد
إذاً المحبّة صليب ولا محبّة من دون صليب. مسيحنا سمّرته محبّته لنا قبل أن يسمِّره اليهود على الصليب. لذا كانت حياته في الجسد، على الأرض، كلُّها صليباً:

w        أفرغ نفسه من مجد الألوهة ومن قوّته كإله وسار بين الناس كعبد، كخادم، كنكرة، بحسب مقاييس الناس، كمن لا هيئة له ولا جمال. وضع نفسه حتى إلى التواضع الأقصى لما أطاع حتى الموت، موت الصليب (في 2: 8). “لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني” (يو 5: 30). خبزه الجوهري كان أن يعمل مشيئة أبيه الذي أرسله ويتمّم عمله (يو 4: 34).

w        لم يفعل شيئاً من نفسه بل تكلّم بما  تعلّمه من أبيه (يو 8: 28).

w        لم يكن لنفسه في شيء. كان مبذولاً، كلُّه مبذولاً. بذل نفسه لأجلنا (تي 2: 14). بذل نفسه لأجل خطايانا (غلا 1: 4).

w        لم يكن له مكان يسند إليه رأسه. لا شيء في الدنيا أخذ بمجامع قلبه. لم يرتح لشيء في الدنيا، لا لمقام ولا لقنية. كان فقيراً كيانياً إلى أبيه أي إنه كان، كإنسان، يعتمد على أبيه بالكامل ولا يعتمد على نفسه في شيء. لذلك كان لا يملك من حطام الدنيا شيئاً على الإطلاق.

w        كان تجسيداً كاملاً للصورة التي رسمها الرسول بولس عن المحبّة في رسالته الأولى إلى كورنثوس 13. تأنّى على الناس ورفِق بهم. لم يعرف الحسد لأنه لم يطلب شيئاً لنفسه. لا تفاخر ولا انتفخ لأنه حسِب نفسه عبداً ليهوه. الآب السماوي وحده كان افتخاره. لم يأتِ قبيحة واحدة ولا طلب ما لنفسه. لا غضب باطلاً ولا ظنّ بأحد سوءاً. غضبه كان فقط على المرائين في التقى ومَن يتعاطون الإلهيات بنجاسة قلوبهم. بالحقّ وحده كان فرحُه فيما كان في حزن عميق على مآثم الناس. احتمل كل شيء، غلاظة قلوب الناس وقسوتهم. صبر على كل شيء. كان كلّه لأبيه وأسلم نفسه إليه بالكامل.

w        لأنه كان يعمل في كل حين ما يرضي أباه السماوي كان يعرف أن الآب معه ولا يتركه وحده (يو 8: 29) وأنه، في كل حين، يسمع له (يو 11: 42).

w        ولأنه استودع الآب روحه بالكامل أقامه الآب من بين الأموات (مثلاً كو 2:    12).

هذه هي صورة آدم الجديد، صورة الإنسان الجديد، الصورة التي أُعطي لنا أن نكون إيّاها ولا صورة إلاّها. بكلام بطرس الرسول في رسالته الأولى: “لقد أبقى لكم المسيحُ قدوةً لتقتفوا أثره” (1 بط 2: 21). “مَن قال إنه ثابت فيه ينبغي أنه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضاً” (1 يو 2: 6).

لا شك أننا نضلّ أنفسنا إذا حسبنا أن يسوع قَدِر أن يسلك كما سلك لأنه الله وابن الله. كلاّ البتّة لأنه لما شاء أن يفرغ نفسه وأخذ صورة عبد سلك كإنسان، كواحد منا، وكابد ما كابد كإنسان. حتى ما أتاه من أعمال إلهية كإقامة الموتى وشفاء المرضى وتكثير الخبز والسمك كان منّة من أبيه لأنه كان يفعل في كل حين ما يرضيه (يو 8: 29). لذا كان يسوع يصلّي: على انفراد، في الجبل، في البراري، في البستان، وفي حضور الآخرين أيضاً. نزول الروح القدس عليه لمّا اعتمد من يوحنا حصل فيما كان يصلّي (لو 3: 21). تجلّيه في طور ثابور أمام تلاميذه كان “فيما هو يصلّي” (لو 9: 29). إقامته لعازر جاءت بعد صلاة (يو 11: 41 – 42).  طبعاً ما منّ به عليه الآب السماوي كان منه أيضاً لأنه هو والآب واحد، ولأن كل ما للآب هو له أيضاً ولأنه الإله الكلمة. هو الشاهد لنفسه والآب الذي أرسله يشهد له أيضاً (يو  8: 18). ومع ذلك قال إنه إن كان يشهد لنفسه فشهادته ليست حقاً والذي يشهد له هو آخر (يو 5: 31 – 32). إنسانية يسوع في مسراه بين الناس، إفراغ ذاته من الألوهة واتخاذه صورة عبد صائراً في شبه الناس، هذا كان شأنه بتواتر بيننا في الجسد ولم يغادره يسوع لحظة واحدة. ألوهته كانت لها إطلالاتها، هنا وثمّة، لأنه ابن الله أيضاً. هذا ما يطالعنا في مثل حديثه عن الآب السماوي، في كلامه عن نفسه، في تعليمه وفي الطريقة التي تكلّم بها. لكن التجلّي الأكبر للاهوته كان في تواضعه الأقصى على الصليب. إذاً لاهوته استبان في إنسانيته لا من دونها ولا على حسابها، بل، بالضبط، في إفراغه لذاته ومن خلاله. فابن الإنسان تعاطى أعظم المحبّة لأنه قيل “ليس لأحد حبّ أعظم من هذا أن يضع نفسه لأجل أحبّائه” (يو 15: 13). ولأن الله محبّة فإن اللاهوت تكشّف، بامتياز، على الصليب. هذا لم يكن ليبين لعيون الناس، في كل حال، بغير نعمة من فوق. حدود الناس كانت الدهش والتساؤل. حتى التلاميذ تساءلوا: “مَن هو هذا فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه؟” (مر 4: 41). أما اليقين بشأن مَن يكون فكان بنعمة الله. لذا عقّب يسوع على اعتراف بطرس به: “أنت هو المسيح ابن الله الحيّ”، بقوله له “إنّ لحماً ودماً لم يُعلن لك لكن أبي الذي في السموات” (مت 16: 17).

ضعف الناس وضعف ابن الإنسان
فلا يتذرعنّ إنسان بعد اليوم بأنه ضعيف ولا يستطيع أن يكون كالمسيح ولا أن يفعل ما فعله المسيح فإن يسوع اتّخذ ضعف الناس، وصُلب من ضعف، كما يقول الرسول بولس إلى أهل كورنثوس (2 كور 13: 4)، وكذلك قَدّم، في أيام جسده، “بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرّعات للقادر أن يخلّصه من الموت [وكأنه غير قادر أن يخلّص نفسه من الموت] وسُمع له من أجل تقواه مع كونه ابناً تعلّم الطاعة مما تألّم به. وإذ كُمّل صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص أبدي” (عب 5: 7 – 9). بالعكس ضعفنا وإحساسنا بضعفنا لم يعد مجلبة للذلّ ولا سبباً للفشل بل مدعاة للإفتخار وضرورة للنجاح وإحراز للغلبة، فإن الربّ الإله سرّ أن تستقر قوّته، بالإيمان، في ضعفنا (2 كور 12: 9). لذلك، كما قال الرسول بولس، “أُسرّ بالضعفات والشتائم والضرورات والإضطهادات والضيقات لأجل المسيح لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي” (2 كور 12: 10).

يسوع كغريب
كل مَن تذرّع بالضعف بيننا كان متعلِّلاً بعلل الخطايا. أبان، بكلام آخر، أنه لا يشاء أن يؤمن. وحيث لا مجال للتذرّع بالضعف لا مجال للمساومة أيضاً. أية خلطة للبرّ والإثم وأية شركة للنور مع الظلمة (2 كور 6: 14). حنانيا وسفيرة اللذان رغبا في الاحتفاظ لنفسَيهما بنصيب من المال دون الله قضيا بميتة شنيعة (أع 5). الكل لله أو لا يكون لنا معه نصيب. “لنودع أنفسنا وبعضنا بعضاً وكل حياتنا المسيحَ الإله”. فإذا كنا نرغب فعلاً في أن نتجدّد بروح ذهننا ونلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحقّ (أف 4: 23) فلا سبيل لنا، للصدق والأمانة، إلاّ أن نخلع، من جهة التصرّف السابق، الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور (أف 4: 22). ليس الموضوع أن نقتبل أفكاراً أو شعارات عن يسوع ونصدح بها ونرفعها على الرايات وأن نتزيى، خارجياً، بلباس التقوى. هذا الدم المهراق على الصليب يفضح عقم ذلك كلّه. ليس افتخارنا بالهياكل الفخمة بعد، فهذه الربّ يسوع تخلّى عنها لما نبذ هيكل أورشليم وترك حجارته تتبعثر. لا قيمة للمؤسّسات، المسمّاة إنسانية وليست كذلك بالكامل عندنا، نظير مؤسّسات أهل العالم، لأن أنّات الجائعين وتأوّهات المرضى ونظرات الأرامل والأيتام المكسورة تدينها وتبطلها. لسنا بعدُ قبيلة جاهلية تفتخر بذاتها وبالناس ولها حقوق وكرامات في هذا الدهر. ذاك الغريب سفّهها مرّة وإلى الأبد. والغريب كان غريباً في شعبه يومذاك ولا زال غريباً في شعبه اليوم. هذا الغريب هو إيّاه مَن نلتمس. “أعطني هذا الغريب الذي أبناء جنسه أماتوه بغضاً كغريب… أعطني هذا الغريب الذي يعرف أن يُقْرِي الفقراء والغرباء. أعطني هذا الغريب الذي غرّبه اليهود من العالم حسداً… الذي بما أنه غريب ليس له أين يسند رأسه…” (طروبارية إن يوسف. الجمعة العظيم). ليس أحد منّا صالحاً. الصالح الذي أنكر على الناس أن يقولوا إنه صالح لأنه ليس صالحاً إلاّ الله، هذا حوّل عيوننا عن صلاحنا وأثبتها على خطايانا. “كلّنا كغنم ضللنا. مِلنا كلُّ واحد إلى طريقه والربّ وضع عليه إثم جميعنا” (إش 53: 6).

الخروج إلى يسوع
لا ننسينّ أبداً أنّ يسوع تألّم خارج الباب (عب 13: 12)، خارج غرور هذا العالم وأشواكه واهتماماته. “فلنخرج إليه خارج المحلّة حاملين عاره لأنه ليس لنا ههنا مدينة باقية بل نطلب الآتية” (عب 13: 13 – 14).

يوم نخرج إليه عراة، حفاة، جيّاعاً، عطاشاً، شُرَّداً، غرباء، لا ما نلتمسه غير وجهه قِبلةً، يومذاك نصير منه، نصير جسده، كنيسته، فيما يتغنّى المتخلِّفون، في أرض صادوم، بالأطلال والأوابد يبخِّرون عليها وفي ظنّهم أنّهم يبخِّرون لله. كلا، الله مَرَّ من هناك ولم يعُد هناك! ويل لمن يَحيد بنظرِه، في المسير إلى الملكوت، عن يسوع المَشرقِ إلى ما وراء، لأنّه سيستحيل عمود ملح حيث هو. أن تكون، في يسوع، في جسده الإلهي، في كنيسته معناه أن تبقى في وصال الأمانة للسيّد وإلاّ سقطت ولو لم يعلنك أحد في الدنيا ساقطاً. كثير مما يقوله الله لا يشاؤه الناس، ولا يتورّعون، باسم الله، عن تبرير أهوائهم مصدّقين الكذب. الحقّ باق في غربة، على الصليب، إلى قيام الساعة، فمن صدّق خبرنا؟!

فيما يتعاطى الأكثرون يسوع في المحلّة وثناً بين الأوثان يخرج قطيع صغير خارج المحلّة مزمِّراً: “أنا لحبيبي وإليّ اشتياقه. تعالَ يا حبيبي لنخرج إلى الحقل ولنبت في القرى… هناك أعطيك حبّي… اجعلني كخاتم على قلبك كخاتم على ساعدك، لأن المحبّة قويّة كالموت… مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبّة والسيول لا تغمرها… أهرب يا حبيبي وكن كالظبي أو كأولاد الأيائل على جبال الأطياب” (نشيد الأنشاد 7 و 8). يومذاك، يا حبيبي، لا تعود تسأل “ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟” لأنّك تكون قد وجدتَ يسوع الذي هو الحياة الأبدية!

الحضور إلى الكنيسة – القديس فيلاريت موسكو

الحضور إلى الكنيسة

القديس فيلاريت موسكو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عندما يحين الوقت المخصص لله وللحضور إلى معبده، خاصة يوم عيد أو ساعة القداس، سارِع إلى انتزاع ذاتك من الأعمال والاهتمامات الدنيوية وقدّم نفسك لله طوعياً وبغيرة في كنيسته. وإذ تدخل الكنيسة تذكّر وعد الرب للذين يجتمعون باسمه: هناك أكون بينهم (متّى 20:18)، وقِفْ بوقار في الكنيسة وكأنّك أمام وجه المسيح نفسه، وصلِّ إليه ليقدّسك بقداسته، وينشّطك بصلاته، وينيرك لكلمة الإنجيل ونعمة الأسرار.
تذكّر أيضاً أنّ، في الكنيسة، تخدم الملائكة معنا وتحفظ قداسة الدار هناك. في إحدى المرّات، في دير القديس ثيوذوسيوس قرب أورشليم، فيما كان الأب ليونديوس آتياً إلى الكنيسة لتناول الأسرار الإلهية، رأى ملاكاً واقفاً عن يمين المائدة المقدّسة، وإذ خاف واستدار ليهرب إلى قلايته، ناداه صوت الملاك: “منذ أن كرِّسَت هذه المائدة أوكِل إليّ أن أحرسها”.
تذكّر ذلك أيها المحبوب، وَقِفْ بورع. وإذا أحسستَ أنّ جسدك يقف وحده في الكنيسة فيما عقلك يفكّر بالبيت أو السوق أو مكان المرح، استجمع ذاتَك. أسرِعْ إلى استعادة فكرك الذي شرد وضمِّه إلى الله في قلبك، أرغِمْه على السعي نحو الله الذي يهتمّ بك. عندما تسمع كلمة الله، افتحْ لا أذنيك الجسديتين وحَسْب بل الروحيتَين أيضاً، افتحْ قلبَك، تقبَّل هذا الخبز السماوي وبه غذِّ لا ذاكرتك وحسب بل حياتك وعملَك أيضاً.

مختارات روحية – إعداد الأب أنطوان ملكي

مختارات روحية

إعداد الأب أنطوان ملكي

الفرق بين اقتلاع الهوى واقتلاع الخطيئة

معروف أنّه عندما يشعر المسيحي أنّه ارتكب خطيئة، يتخلّص منها عن طريق الاعتراف والحلّ الذي يعطيه إياه الأب الروحي، بقراءة الأفشين المناسب. إلا أنّه إذا كان هوى ما يكمن وراء هذه الخطيئة مسبباً إياها، فإن غفران الخطيئة لا يستأصل الهوى ويرميه بعيداً، وبالتالي لا يصير الإنسان بلا هوى وكاملاً. وعليه، من الممكن جداً أن هذا الشخص سوف يعود مجدداً إلى ارتكاب هذه الخطيئة نفسها بسبب ذلك الهوى الكامن وراءها. لا نقصد هنا تعداد السبل إلى استئصال الأهواء خاصةً أنها لا تفارق الإنسان على ما يرد في الأنتيفونة الأولى من اللحن الرابع: “منذ شبابي أهواء كثيرة تحيط بي، لكن أنتَ يا مخلّصي تعطّف علي وخلّصني”.
نذكر هنا ققط أنّ الهوى قد لا يفارق الإنسان مباشرةً كما يصير مع الخطيئة عند صلاة الأب الروحي، ولكن على الأكيد أنّه يضعف، وينتهي ببطء عندما يلجأ المسيحي المجاهد إلى الأسلحة الروحية المناسبة. في ما يلي سوف نورد مثلاً مبسّطاً عن كيف تضعف الأهواء تدريجياً.
في ما مضى من الزمان، انتهى أحد الرجال الحسني النية إلى أن يصير سارقاً للحيوانات، وتطور الأمر إلى هوى عنده. بعد أن تعرّف على أحد الآباء الروحيين، اعترف بخطاياه وبهذا الهوى، وساعده الشيخ على قطع هذه العادة تدريجياً، لأنّه ميّز استحالة قطعها مباشرة. وقبل أن يمضي قال له الشيخ: “إسدِ لي خدمة ولا تسرق أيّ حصان بعد الآن”. فأجاب: “معم، هذا سوف يكون سهلاً”. وبالفعل توقف عن سرقة الأحصنة.
عند محيئه في المرة التالية إلى الاعتراف عند الأب الروحي، سأله الشيخ قبل ذهابه: “أرجو أن تسدي لي خدمة ولا تسرق أي ماعز بعد الآن”. فأجاب: “سوف أفعل، مع أن الأمر يبدو عسيراً، إلا إني سوف أفعل كما تقول”. وتوقف عن سرقة الماعز.
ومرة بعد مرة، وبالطريقة عينها كان الشيخ الروحي يحذف نوعاً من أنواع الحيوانات التي اعتاد أن يسرقها هذا الإنسان. إلى أن أتى الرجل إليه يوماً مفعماً بالفرح وبادره قائلاً: “يا ابتِ لم يبقَ إلا الدجاج”.

تبرير الخطيئة أسوأ من فعلها

ذكر أحد شمامسة الكنيسة الصربية أنّ رجل الله المثلث الرحمات البطريرك بافل الصربي، قام بزيارة مدينة فريانسكابانيا في عام 2003. ولما مضى الشماس ليسلّم على البطريرك طلب الأخير من راهبات دير زيكا، حيث كان موجوداً، أن يقدّموا الضيافة للشماس. كانت الراهبات على علم أن مطران المحلّة، الأسقف استفانوس، قد أعطى البركة للشماس لشرب كأس براندي في كل مرة يزوره. فجلبت الراهبات القهوة وسألن البطريرك: “يا صاحب الغبطة، ما رأيكم بجرعة براندي للشماس؟”. فظلّ البطريرك صامتاً. فككرت الراهبة المضيفة السؤال: “يا صاحب الغبطة، أأجلب البراندي للشماس؟” وأيضاً لم يجب البطريرك. ولكي يكسر جدار الصمت غير المريح، بادر الشماس قائلاً: “يا صاحب الغبطة، يقولون في قريتي أن قهوة من دون براندي هي مثل إنسان ميت من دون شمعة”. فأجاب البطريرك: “هنا تكمن القصة يا أخي، ليست الخطيئة الكبرى هي التي تُرتَكَب بل السعي إلى تبريرها”.

السلام في العمل

القصّة التالية هي مثال عملي حول اتّباع أسلوب المحبة، النافع لأغلبنا في هذه الأيام، مأخوذ من كتاب سيرة الشيخ تداوس (1914-2003) من دير فيتوفنيتشا (صربيا). يخبر الشيخ قائلاً:
غالباً ما أتذكّر إحدى الأخوات التي أتت مرة إلى الدير بصحبة مجموعة من الحجاج (الزوّار)، وكانت تتأفف قائلة: “لا أستطيع أن أحتمل أكثر من هذا… الناس لم تعد تحتمل بعضها… سوف أبحث عن عمل آخر”. نصحتُها بألا تفعل، لأن الوظائف قليلة جداً ومستوى البطالة عالٍ. قلتُ لها بأن توقف الحرب ضد زملائها، فردّت “أنا لست أقاتل أحداً!”. شرحتُ لها أنّها وإن لم تكن تقاتل جسدياً، إلا أن الحرب على الزملاء مستعرة في أفكارها، لكونها غير سعيدة بمركزها.
احتجّت بأنّ وضعها المهني لا يحتمله أحد، فأكدتُ لها ذلك موضحاً أنّها لا تستطيع احتماله لوحدها، وبأنّها بحاجة إلى المعونة الإلهية. لا أحد يعرف إذا كنتِ تصلّين أثناء العمل أم لا. لذا، عندما يؤذونكِ لا ترجعي إلى أذاهم، لا بالكلام ولا بالأفكار السلبية. حاولي ألاّ تؤذيهم ولا حتّى بأفكارك، اضرعي إلى الله ليرسل غليهم ملاكاً سلامياً. واطلبي أيضاً ألاّ ينساكِ. لن تقدري على هذا مباشرة. لهذا، إذا صليّتِ دوماً على هذا المنوال، سوف ترين كيف تتغيّر الأمور مع الوقت، وكيف يتغيّر الناس أيضاً. في الحقيقة أنت أيضاً سوف تتغيّرين.
فذ لك الحين، لم أعرف ما إذا كانت سوف تأخذ بنصيحتي أم لا. هذا الأمر حدث في دير تومان سنة 1980. في 1981، أُرسِلتُ إلى دير فيتوفنيتشا. زفيما كنت مرة أجلس تحت شجرة سفرجل، لاحظتُ مجموعة من الزوار يصلون، وكانت هي من بينهم، فأتت إليّ طالبةً البَرَكة. ما أن وصلت حتى بادرتني قائلة: “آه يا أبانا! لم يكن لديّ أي فكرة عن مدى خيرية الآخرين”. فسألتها ما إذا كانت تقصد زملاءها في العمل، وأجابت بالإيجاب، وتابَعَت: “لقد تغيّروا كثيراً، بشكل لا يُصَدَّق! لا أحد يزعجني كما في السابق، وأستطيع ان ألاحظ التغيير حتّى في ذاتي أيضاً”.
لو كان في كل شركة أو مصنع أو مكتب شخص واحد من هذا النوع، لكان رسم الطريق إلى السلام. الحاجة هي إلى شخص واحد مرتبط بالله من خلال الصلاة. وإذا توفّر يسود السلام في كل مكان… في العائلة، في العمل، في الدولة، وفي كل الأمكنة. هذا لأننا بوجود هذا الإنسان نتحرر من الأفكار المظلمة والثقيلة.

في التحوّل إلى الأرثوذكسية والاستمرار فيها – 1

في التحوّل إلى الأرثوذكسية والاستمرار فيها – 1

كاهن إنكليزي من كنيسة القسطنطينية في بريطانيا

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

مدخل

نسمع بعض الأشخاص يتحدّثون عن كيف انضمّوا إلى الكنيسة الأرثوذكسية. ومع أنّ كل هذه الروايات مثيرة للاهتمام وقد تكون استثنائية، إلا إني أظنّ أن القصص عن كيف استمرّ الناس أرثوذكسيين مخلِصين بالرغم من التجارب قد تكون أكثر نفعاً. كما يرد في الإنجيل: “بصبركم تقتنون نفوسكم”. إلى هذا، لم أعنوِن هذا الحديث “الانضمام إلى الكنيسة الأرثوذكسية” بل “التحوّل إلى الأرثوذكسية” وهو أمر يدور بمجمله حول التغييرات الداخلية. أمّا الحفاظ على الأرثوذكسية والاستمرار فيها فهو أمر أكثر أهمية، وقد خصّصتُ له من الوقت ثلاثة أضعاف ما خصصت لموضوع الانضمام إلى الأرثوذكسية.

التحوّل إلى الأرثوذكسية

التحوّل والاندماج

لنحدد تعابيرَنا بالحديث عن بعض الكلمات التي تُستَعمَل في هذا الإطار. أولاً، هناك عبارة “مولود أرثوذكسي”، وهي عبارة لا نفع لها. لا يوجد إنسان يولَد أرثوذكسياً. كلّنا نولَد وثنيين. لهذا نحن نطرد الشياطين من ثمّ نعمّد. عبارة “مولود في عائلة أرثوذكسية” مقبولة أكثر من غيرها. من المثير للاهتمام أن الأشخاص الذين يستعملون عبارة “مولود أرثوذكسي” إذ يتنازلون يسمّون أبناء “المتحوّلين (converts)” متحوّلين. مع أن الحقيقة بحسب لغتهم الخاطئة، أبناء المتحوّلين هو “مولودون أرثوذكس”.
من ثمّ هناك كلمة “متحوّل”. عندما يقول البعض انّهم متحوّلون، أبادر إلى سؤالهم: “متحوّلون إلى ماذا؟ الفولكلور اليوناني؟ الطعام الروسي؟ الفريسية؟ الحنين إلى أنكليكانيّة أو كثلكة قديمة؟ إلى هواية التوفيقية؟ صحيح، بمعنى ما، نحن كلّنا متحوّلون دائماً لأن علينا أن نتحوّل إلى المسيح بشكل ثابت. هذا هو معنى المزمور الخمسين. النبي داود تحوّل أيضاً، تجدّد، بعد خطيئته العظيمة. للأسف، إن كلمة “متحوّل” تُستَعمَل غالباً بمعناها الدهري وليس بالمعنى الروحي.
أرجو لو أنّ الناس عندما يسمّون أنفسهم متحوّلين، أن يعنوا التحوّل إلى المسيحية (وهي المعنى الصحيح لكلمة أرثوذكسية). كما أرجو لو أنّّهم عندما يتكلّمون عن كونهم متحوّلين أن يعنوا أنّهم استُقبِلوا في الكنيسة مؤخّراً. من المحزن أنني مرغَم على الاعتراف بأن الوضع خلاف ذلك. لقد التقيتُ عبر السنوات بأشخاص قد انضمّوا إلى الكنيسة الأرثوذكسية قبل عشر سنوات، أو عشرين أو ثلاثين أو أكثر، وما زالوا متحوّلين، وهم حتّى يسمّون أنفسهم كذلك، ومنهم بعض الكهنة الذين سيموا مبتسرين.
هذا أمر فوق طاقتي، لأنه يعني أنّهم، بعد قضاء سنوات في عضوية الكنيسة الأرثوذكسية، لم يصيروا بعد أرثوذكساً، ما زالوا غير مدموجين في الكنيسة، لم ينموا بعد طبيعياً إلى الأرثوذكسية، وما زالوا لا يملكون طريقة أرثوذكسية للحياة، لم يكتسبوا بعد هذا الشعور الغريزي بالأرثوذكسية، الذي يعني أنّ الأرثوذكسية هي بيتهم الروحي وأنّها في عظامهم ودمهم وأنّهم يتنفسونها لأنّ نفوسهم أرثوذكسية. إنّهم يعانون من مرض “التحوّل” الروحي. ما زالوا مبتدئين، لم ينجزوا إلا ما أرادهم الشيطان أن ينجزوا، أي أن يكونوا غير كاملين.
قد يكون هناك الكثير من الأسباب لحالة التحوّل المَرَضي، منها أن البعض انضمّوا إلى الكنيسة الأرثوذكسية من غير أن يكون عندهم رعية، أقلّه باللغة التي يفهمونها. مثلاً، التقيت أشخاصاً أرثوذكسيين منذ أربعين عاماً لكنهم لم يشاركوا يوماً بخدمة الفصح بلغتهم، أعرف غيرهم أرثوذكسيين منذ خمس سنوات ولم يحضروا صلاة الفصح أبداً لأن لرعاياهم عشر قداديس سنوياً تُقام صباح السبت! التقيتُ مؤمنين انضموا إلى الأرثوذكسية منذ ستين عاماً ولم يعرفوا يوماً صلاة الغروب! بتعبير آخر، هؤلاء الناس لم يُعطوا الفرصة ليتعلّموا ويندمجوا. للأسف، هناك أسباب أخرى كثيرة لعدم اندماج الناس في حياة الكنيسة.

أسباب التحوّل

من حيث المبدأ، على الكهنة ألاّ يستقبلوا في الكنيسة الأرثوذكسية إلا لأسباب إيجابية، إذ هناك مَن يرغبون بالانضمام إليها لأسباب سلبية، كمثل نكاية طائفة ما أو إكليريكي ما. هذا نفساني وليس لاهوتياً، وبالتالي ليس صحياً ولا هو من الطب النفسي الأرثوذكسي.
أذكر أنّ في السبعينات، رفض الأسقف كاليستوس (وير) أن يكتب كتاباً عن هرطقات الأنكليكانية، نزولاً عند طلب بعض الأنكليكان السابقين. فهم لم يفهموا أن حافزهم للتحوّل كان مشاكلهم النفسية وردة فعلهم التي كانوا يخفونها خلف حماستهم العاطفية. رفض الأسقف أن يكتب هذا الكتاب الذي لم يكن يهمّ أياً من الأرثوذكسيين ما عدا المتحوّلين من الأنكليكانية.
عادةً، يستطيع الكاهن أن يعرف ما إذا كانت حوافز البعض للانضمام إلى الكنيسة سلبية، عن طريق مراقبة ما إذا كانوا يأتون إلى الخدم الكنسية. عادةً، الأشخاص الفائقو الحماسة الذين يحبون القراءة عن الإيمان أو التكلّم عنه أينما كانوا، هم مَن يتغيّبون عن الخدم. حماستهم فقط في رؤوسهم أو في عواطفهم، وليست في قلوبهم ونفوسهم وبالتالي ليست في حياتهم وممارستهم. من ثمّ هناك مَن شدّتهم الكنيسة عندما اكتشفوها في إحدى العطَل السنوية. هؤلاء اسمهم “ارثوذكس العطلة”. انشدادهم غالباً ما لا يكون للمسيح بل لحضارة غريبة دخيلة. فإذ تكون حياتهم مملّة، تعطيهم الأرثوذكسية شيئاً ما يحلمون به، عادةً ما يكون عطلتهم التالية في اليونان أو غيرها. مجدداً، يمكن للكاهن أن يجد بسهولة إذا ما كان اهتمامهم جدياً من خلال مراقبة مجيئهم إلى الخدم. بالإجمال، هم يتغيّبون لأنهم ليسوا في عطلة. للأسف، بعض هؤلاء استُقبِلوا في الكنيسة على يد كهنة من غير تمييز، سواء في رومانيا، روسيا، اليونان، قبرص، جبل أثوس أو غيرها. لكونهم لا يعرفون شيئاً عن الأرثوذكسية، على الكهنة فعليكَ أن تشرح لهم أنّهم، بالرغم من كونهم أعضاء في الكنيسة، إلا أنّهم لم يصيروا أرثوذكسيين بالفعل. غالباً، في مختلف الحالات، هؤلاء الأشخاص يتّصلون بالكنيسة لكنهم لا يأتون إليها بل يرتدّون قبل ذلك.
من ثمّ، هناك أشخاص يأتون مع برنامجهم الخاص، لكونهم قرأوا كلّ الكتب التي تحت الشمس لكنهم ما زالوا دون حرف الألف في الأبجدية المسيحية. فهم يأتون مع طلبات يرغبون بفرضِها! “نعم أريد أن أنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية، لكن بشرط أن تُصلَح وتتجدد”، “نعم، هذا جيد، ولكن أريد أن أضيف بعض الترانيم الغربية قبل القانون!”، أو “أنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية لو أنّ فصحها مثل فصح عمّتي سوزي الميثودية” أو “كلّ شيء كامل ما عدا أنكم تستعملون الكثير من الشموع. تخلّوا عن الشموع فأنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية”، “أكون أرثوذكسياً فقط إذا علّقتم أيقونة فرنسيس الأسيزي”، “أنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية شرط أن يصوّت الكلّ لحزب العمل الجديد ويذهبون إلى توسكاني لقضاء عطلة الصيف”. هذه ربما أمثلة متطرفة لكنها حقيقية. كلّها أمثلة عن نقص التواضع. لا ينبغي بأي كاهن أن يقبل هؤلاء الأشخاص، لسبب بسيط هو أنّهم لا يحبّون الكنيسة وسيدها المسيح ويقبلونهما.
هناك معيار واحد لدخول الكنيسة الأرثوذكسية وهو اقتناعك بأن هذا الأمر هو لخلاصك الذاتي، لبقائك الروحي، لأن هذه إرادة الله لك، لأنك تعرف أن هذا هو بيتك الروحي وأنّ مهما كان الثمن لا يمكنك أن تكون أيّ شيء آخر.

يتبع

ما هي السعادة؟

ما هي السعادة؟

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

يتمنى الناس السعادةَ لبعضهم البعض، في مناسبات مختلفة كمثل رأس السنة، لكن ما هي السعادة؟ كيف يمكن تحديدها؟ مفهوم الإنسان المعاصر للسعادة لم يتغيّر منذ الأزمنة الأولى، أي أن السعادة هي في إحراز المزيد من الأشياء المادية والتعاسة هي عندما تأخذ مني ما أملك.
حتى ولو وضعنا جانباً أخلاقية هذا المفهوم، يبقى العيب في جوهره لأن السعادة لا يحملها تكديس الممتلكات أو السلطة أو الصيت أو الملذات. الأشياء المادية عاجزة عن حمل السعادة الحقيقية، وهي لا تحمل إلا الحياة المملّة (taedium vitae) التي من بعدها يغمر الإحباط الإنسانَ بشكل يفوق ما قبلها. من المثير للاهتمام أن نشير إلى أن كلمة “سعادة” (“تيخي” في اليونانية القديمة) نادراً ما تَرِد في العهد القديم الكتاب المقدس، دون أن تَرِد أيّ مرّة في العهد الجديد. التعبير واسع جداً وغير دقيق. والكلمة بحد ذاتها لا معنى لها. بالمقابل، يستعمل الكتاب المقدس عبارة أكثر وضوحاً وتحديداً: “الفرح” (“خارا” في اليونانية القديمة) التي تشكّل السعادة إحدى مكوناتها.
يقول السيد المسيح عن الفرح: “لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ”. وهو أيضاً يشير إلى مصدر هذا الفرح: “إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ” (يوحنا 10:15و11). هنا يكمن الجواب على السؤال الذي منذ الدهور. السعادة الحقيقية، الفرح الحقيقي هو أن نحب الله ونكون معه. هذا ما يؤكّده الرسول بولس بشكل كامل في قوله: “لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ” (روما 17:14). ويضيف يوحنا: ”…ولاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ” (يوحنا 22:16)، ما يعني لا شيء ولا لا أحد، لا العذاب ولا الحرمان ولا الاضطهاد ولا حتّى الموت.
هذا الكلام يفهمه جيداً الذين وجدوا حلاً مع أنفسهم لمسألة البشرية القديمة، والذين وجدوا السعادة: القديسون والذين أرضوا الله في الماضي والحاضر. مع هذا، فإن سلوكهم يحيّر الآخرين. لم يستطع الرومان القدماء أن يفهموا سبب فرح المسيحيين. الوثنيون المعاصرون، وأغلبهم يظنون أنّهم ويسمّون أنفسهم مسيحيين، يسألون السؤال نفسه. تنتشر فكرة عامة عاطفية رومانسية ذات منشأ أوروبي غربي، وهي تُقَدَّم كجواب على هذا السؤال: وهي أنّ في العالم القديم كان للناس فهم محدود لما يجري بعد الموت فكانوا يخافونه، وقد حمل المسيحيون فكرة أن الناس يعيشون بعد الموت وأنّ المسيح قد خلّص الجميع وغفر للجميع ووعدهم بالحياة الأبدية والسعادة في الملكوت، ولهذا السبب كان المسيحيون شديدي الفرح. هذه الفكرة، شائعة بشكل أو بآخر، لكنها تفتقد للدقة بشكل كامل.
بالحقيقة، لم يَعِد المسيح أبداً بالبركة في الملكوت. غالباً ما يورِد تحذيرات مرعِبة: “… هناك يكون البكاء وصرير الأسنان… اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِه” (متى 51:24)، “يمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ…” (متى 46:25). إلى هذا، الرسول بطرس في كلامه عن خطر العذاب الأبدي الرهيب يذكّرنا بأنّه حتّى الأبرار بالكاد يخلصّّون أنفسهم، وأنّ هذا لا يكون للفجّار والخطأة” (1بطرس 18:4).
فكرة أخرى ذات منشأ بروتستانتي وهي تنتشر بين المسيحيين المتحررين مفادها أنّ المفهوم التعيس عن الحياة بعد الموت وصعوبة الخلاص هو نتاج مرحلة متأخّرة متأثّرة “بالرهبان والنساك الكئيبين العادمي الفرح”، وأنّ في ما قبل ذلك، كان يسيطر على المسيحية “مزاج مبتهج وفهم بأنّ خلاص الإنسان يأتي فقط من لإيمانه بالمسيح”. إن أصحاب هذا المعتَقَد يخترعون لأنفسهم نسختهم من المسيحية لا أساس لها ولا برهان، لا في الإنجيل ولا في الرسائل، ولا في التاريخ المسيحي.
على سبيل المثال، اقرؤوا كتاب “الراعي” لهرماس، وهو كاتب من القرن المسيحي الأول، وسوف ترون كم كان مسيحيو تلك الفترة متطلّبين في ما يختصّ بالخلاص وكما كان فهمهم واضحاً بأن أصغر إشارات العمل غير الأخلاقي تضع الإنسان في خطر الموت الأبدي. كُتِب هذا الكتاب متأثّراً بالكلمات المرعِبة في ما ترنمه الكنيسة عن أن آلام الخاطئ لا تُحصى. وهذا كان ينطبق أيضاً على نقاوة الإيمان والإخلاص للكنيسة.
من هنا، أن وجهة النظر المسيحية قد تبدو أقل إشراقاً بكثير من تلك الوثنية. إن لدى الوثنيين “مملكة من الظلال” بعد الموت، غير محددة بوضوح، ويمكن للإنسان أن يشكّل عنها الكثير من تصورات المختلفة. عند أحد الأطراف، توجد “الحقول الفردوستية (Elysian)” كمملكة يسهل دخولها. وعند الطرف المظلم يوجد مفهوم العدم والدمار الكامل بعد الموت. بحسب سقراط “بما أني لم أتألّم قبل ظهوري على هذه الأرض، يعني أني لن أتألّم عندما أتركها”. إذا قارنا هذا بالصورة المرعبة للعذاب الأبدي والجحيم فسوف نرى أن النظرة المتحررة عن أسباب فرح المسيحيين الأوائل هي غير صحيحة بشكل جوهري. فبرغم ذلك، الفرح المسيحي كان موجوداً وما يزال، وهو يلمَع في كل سطر من سطور سيَر الشهداء والمجاهدين، ويتوهّج في حياة الرهبان والعائلات المسيحية. بالحقيقة، وحده الفرح المسيحي يستحق هذا الاسم. وبقدر ما يكون الإنسان روحياً يكون فرحه أكثر وضوحاً وكمالاً. هذا الفرح، هذه النظرة الزاهية إلى العالم لم يترك المسيحيين الأوائل، حتّى خلال العذاب وعند باب الموت.
ما هو إذاً مصدر هذا الفرح؟ الجواب بالطبع هو الإيمان. لكن ليس كما يفهمه البروتستانت. ليس إيمان شكلياً لا حياة فيه بلا جهاد روحي بطولي (فالشياطين تؤمن وتقشعر)، بل بالأحرى هو إيمان منعِش فاعل يعيش في قلب نقي مستدفئاً بنعمة الله، إيمان متوهّج بمحبة الله ورجاء مدعِّم فيه. يقول أحد الكتّاب المسيحيين المعاصرين أنّه لا يكفي أن نؤمن بالله بل يجب أن نصدّقه أيضاً. كلمات الطِلبة “لنودِع ذواتنا وبعضنا بعضاً وكل حياتنا للمسيح الإله” تصف الإيمان المسيحي بشكل صحيح. إنها إيداع كامل واثق بنوي للذات بين يدي الله. هذا هو ما يفتح، الآن كما في الماضي، أبواب السعادة الحقيقية. إذا وثق المسيحي بالله يكون مستعداً لتقبّل أيّ شيء منه: الملكوت أو الجحيم، الآلام أو التعزية، لأنّه يعرف أنّ الله حسن بشكل لامتناهٍ. إنّه يعاقبنا لخيرنا. إنّه يحبنا كثيراً حتّى أنّه مستعد أن ينقل السماء والأرض ليخلّصنا. إنه لا يخدعنا، ولا لأي سبب، وسوف يخلصنا بأي شكل. يعبّر القديس أوغسطين عن ذلك بالقول: “الملاذ الوحيد من غضب الله هو عطفه”.
مع هذا النوع من الفهم، يسكن الفرح والنور بشكل راسخ في قلب المسيحي، ولا يبقى مكان للغمّ. العالم، هذا الكون غير المحدود، هو لله إلهي. ما من حَدَث، من الأصغر إلى الأعظم، ممكن أن يتمّ من دون إرادته، وهو يحبني بشكل لامتناهٍ. حتّآ هنا على الأرض، هو يسمح لي بدخول ملكوته، كنيسته المقدسة. هو لن يطردني أبداً من ملكوته طالماً أنا مخلص له. فوق هذا، إذا سقطتُ يرفعني ما أن أدرك خطيئتي وأذرف دموع التوبة. لهذا أنا أثق بأن خلاصي وخلاص كل الناس، ليس فقط مَن أحب، هو في يدي الله.
الموت لا يُرعِب، فقد غلبه المسيح. الجحيم والعذاب الأبدي ينتظران أولئك الذين بوعي وبإرادة حرّة تحوّلوا عن الله، الذين يفضّلون ظلام الخطيئة على نور محبته. الفرح والبركة الأبدية ينتظران المؤمنين “مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ” (1كورنثوس 9:2). فليساعدنا الله الكلي الرحمة على بلوغ الثقة الكاملة به. وليجددنا نحن الضارعين إليه!

حول الاعتراف والأب الروحيّ – الأب بايسيوس الآثوسي

حول الاعتراف والأب الروحيّ

الأب بايسيوس الآثوسي

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

 

سؤال: هل ينعم بالراحة الداخليّة مَن لا يعترف؟

الجواب: كيف يكون مرتاحاً؟ لكي يشعر الإنسان بالراحة التامة يجب أن يطرد من داخله كلّ سوء وهذا لا يتم إلاّ بالاعتراف. يفتح قلبه لأبيه الروحيّ ويقرّ بذنوبه وزلاّته باتضاع، فتُفتح أمامه أبواب السماء، لتحلّ نعمة الله عليه بغزارة، ويتحرّر من وقر خطاياه.
كما يهتمّ الإنسان المريض أن يكون دوماً على اتصال وثيق بالطبيب، هكذا على من يريد أن يكون ذا صحة روحيّة سليمة أن يكون دوماً على اتصال ويثق بأبيه الروحيّ.
مهما كان الإنسان ذا مستوى روحيّ سامٍ، ومهما استطاع أن ينظّم أموره الروحيّة بنفسه، لا يستطيع أن يجد راحة تامّة إلاّ باللجوء من وقت لآخر إلى الاعتراف، لأنّ الله يشاء أن يصلح الإنسانَ إنسانٌ آخر مثله. إنّه تدبير إلهيّ يقود الإنسان إلى الإتضاع.
لا يثمر الإنسان الروحيّ ثماراً روحيّة إلاّ بالاعتراف الصحيح، لأنّه بواسطته يطرد من نفسه كلّ ما هو غير مفيد.
من ضروريّات الحياة اليوم أن يلجأ المرء إلى أب روحيّ لكي يعترف ويجد إرشاداً. يجب على الآباء الروحيّين أن يضعوا لأبنائهم برنامج حياة روحيّة من صلاة ومطالعة ومداومة على حضور الخدم الكنسيّة ومناولة الأسرار المقدّسة، لأنّهم بهذا يحفظون أولادهم الروحيّين من الضياع، وهؤلاء يحيون حياة مطمئنّة دون قلق أو خوف.
من ليس له أبٌ ليرشده في مسيرته الروحيّة يعش قلقاً تعِباً، وبصعوبة يصل إلى هدفه المنشود. وإن أراد حلّ مشاكله بنفسه، فإنّه، مهما كان متعلِّماً، فإنَ روح الكبرياء والاعتداد بالذات هي التي تحرّكه لذلك يبقى في تخبّط وظلام. وأمّا من يقصد أباً، بروح التواضع ونكران الذات، ليسأل نصحاً وإرشاداً يُساعَد، لأنّ الله سوف يمنح الأب الروحيّ، بدون شكّ، البصيرة ليعطيه الجواب والحلّ الملائمين.
من الأفضل جدّاً أن يكون للزوجين أب روحيّ واحد. لأنّه باختلاف الآباء تختلف أيضاً الآراء، وقد يخلق هذا جوّاً من التوتر بين الطرفين. وأمّا الأب الواحد فإنّه يعرفهما كليهما ويصلح أخطاءهما، فتحفظ بهذا دفّة حياتهما مسيرها بدقّة وبشكل صحيح.
من لا يقبل ملاحظات أبيه الذي يحبّه فإنّه، من الواضح، لا يستطيع أن يفيد نفسه بنفسه مهما كان حاذقاً.
إن لم ننظّف أنفسنا بواسطة الاعتراف، عندما نتمرّغ في أوساخ الخطيئة، فإنّنا نضيف إلى طيننا طيناً آخر، وعندئذ، تصعب عمليّة التنظيف وتتعذر جداً.
عندما يكون الأب الروحيّ مستنيراً يفهم ويميّز الحالات بعضها من بعض، ويمنح النصائح والإرشادات كما تقتضي كلّ حالة. لا يحتاج المرء إلى ساعات طوال وإلى كلام كثير لكي يعطي صورة واضحة عن نفسه إن كان ضميره حيّاً ويعمل بشكل صحيح. ولكن إن كان داخله مشحوناً بالقلق، فإنّه لو تكلّم ساعات فلن يعطي الصورة الواضحة عن نفسه.
عندما نخطأ إلى إنسان ما علينا أن نطلب منه المسامحة ونصطلح معه قبل توجّهنا إلى الاعتراف للإقرار بذنبنا، لأنّه بهذا فقط تحلّ علينا نعمة الله. أمّا إذا اعترفنا بخطايانا دون أن نكون قد اصطلحنا مسبقاً مع أخينا فلن نجد السلام الحقيقيّ لأنّنا لم نتّضع.

سؤال: لماذا لا يشعر المرء، وهو يعترف، بنفس الألم عندما يقترف الخطيئة؟

الجواب: قد يكون قد مرّ زمن طويل على اقتراف الخطيئة، واندمل الجرح ونسينا خطيئتنا. أو يكون الإنسان قد برّر نفسه أثناء الاعتراف. لذلك أشير عليك أن أسرعْ إلى الاعتراف ولا تؤجل واحذر أن لا تبرّر ذاتك مطلقاً، لأنّ من يعترف ويبرّر ذاته لا يلقى الراحة الداخليّة عكس من يؤثّم نفسه ويلومها، فإنّه يشعر بغبطة داخليّة كبيرة بسبب ضميره الحيّ.
كلّ أب روحيّ لا يكون مستعداً أن يذهب إلى الجحيم، إن اقتضى الأمر، محبّة بخلاص أبنائه الروحيّين لا يسمّى أباً روحيّاً.
بالاعتراف الصحيح يُمحى كلّ الماضي، وينفتح باب جديد للحياة، وتحلّ نعمة الله لتغيّر الإنسان بجملته، ويختفي الاضطراب والحزن ويحلّ الهدوء والسلام، ليس داخليّاً فقط بل وخارجيّاً أيضاً إذ ينعكس سلامه على تصرّفاته وسكناته. لقد أشرت مرّة على البعض بأن يلتقطوا لأنفسهم صوراً فوتوغرافيّة قبل الاعتراف وبعده ليروا بأنفسهم التغيّر الحاصل على ملامحهم، لأنّ الوجه يعكس حالة الإنسان الداخليّة. نعم إنّ أسرار الكنيسة تصنع العجائب، فكلّما اقترب الإنسان من يسوع المسيح الإله والإنسان كلّما تألّه وشعّ بالنعمة الإلهيّة.
إن أراد أحد أن يعيش حياة روحيّة حارّة تحت إرشاد أب روحيّ مختبَر سيذوق طعم الفرح العلويّ، الروحيّ، السماويّ، ولا يعد يهتمّ في ما بعد بالأمور الأرضيّة، الماديّة، الجسديّة.

من أقوال الأب بورفيريوس الرائيّ

من أقوال الأب بورفيريوس الرائيّ

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

* جابه كلّ الأمور بمحبّة، بطيبة، بوداعة، بصبر وتواضع. كن دوماً كالصخر الذي يمرّ فوقه الموج ثمّ يعود ثانية من حيث أتى. كن ثابتاً غير متزعزع. قد تتساءل هل هذا ممكن يا أبانا؟! نعم بنعمة الله هذا ممكن. أمّا إذا جابهنا الأمور بقوانا البشريّة، طبعاً سيكون هذا غير ممكن.
* لا تتّخذ موقفاً معادياً ضدّ من يجدّف على الله. أبغض أقوالهم وأفعالهم. وأمّا هم فأحبّهم كبشر ضعفاء وصلّ من أجلهم.
* أحبب الجميع وخاصّة أولئك الذين يسبّبون لك المتاعب. أظهرْ لهم المحبّة بكلّ بساطة دون أن يشعروا بأنّك تتغصّب لتحبّهم أو لتتحمّلهم.
* التذمّر على الآخرين يؤذي نفسك بالدرجة الأولى، لأنّه لا يدعك تصلّي بارتياح. والروح القدس لا يقترب أبداً من نفس متذمرة ولا يسكن فيها.
* أيّها المسيح أنت حبّي. أنا لا أفكّر بالموت. أنا أودّ أن أفكّر فقط بالمسيح. افتحوا أيديكم وارتموا في أحضان المسيح، وعندئذ سوف يحيا هو داخلكم. ازدروا الأهواء ولا تهتمّوا للشيطان. التفتوا فقط نحو المسيح. ولكي يتمّ هذا اطلبوا أوّلاً نعمته.
* وجّهوا أذهانكم دوماً نحو العلاء، نحو المسيح. اعملوا مع المسيح، عيشوا مع المسيح، تنفّسوا المسيح، تألّموا مع المسيح وافرحوا أيضاً معه. ليكن المسيح كلّ شيء بالنسبة إليكم. المسيح هو عروس نفوسكم، هو أبوكم، هو كلّ شيء. لا يوجد أمر أسمى في هذه الحياة من محبّة المسيح. المسيح كلّه فرح، كلّه غبطة. النفس السكرى بمحبّة المسيح هي دوماً فرحة وسعيدة مهما واجهت من أتعاب وبذلت من تضحيات.
* نحن سعداء بقدر ما نحبّ كلّ البشر، وعندئذ سوف نشعر بأنّ الكلّ أيضاً يبادلوننا الحبّ. لا يستطيع أحد أن يصل إلى الله إن لم يمرّ أوّلاً بالبشر.
* لا يستطيع المسيح أن يحبّنا إن لم نكن نحن أهلاً لهذه المحبّة. لكي يحبّنا المسيح يجب أن يرى داخلنا شيئاً مميّزاً. هيّئ نفسك دوماً لاكتساب ما يحبّ المسيح أن تملكه داخلك. وما هو هذا الشيء؟ إنّه التواضع. إن لم نملك التواضع لا نستطيع أن نحبّ المسيح.
* لا يستطيع أحد أن يعلّمك الصلاة، لا الكتب ولا الأب الروحيّ ولا أحد. الأستاذ الوحيد للصلاة هو النعمة الإلهيّة. فقط الروح القدس هو الذي يعلِّم الصلاة. إن لم تدخل في جو النعمة لا تستطيع أن تصلّي.
* لا تنشغلوا باقتلاع أشواك نفوسكم، بل وجّهوا كلّ قواكم الداخليّة نحو عمل الصلاح، نحو المسيح، والأشواك سوف تنقلع من نفسها. (هنا يريدنا الأب القدّيس أن نوجّه جهادنا نحو الإيجابيّات لا نحو السلبيّات).
* إنّ طريقة الجهاد الأكثر ضمانة وسهولة هي طريق المحبّة. لا ترهقوا أنفسكم بطرد الظلام منها. يكفي أن تفتحوا ثقباً صغيراً داخلكم ليدخل نور المسيح، فيتلاشى الظلام حالاً. وهذا ما يحصل مع ضعفاتنا وأهوائنا، ازدروها واحتقروا الشرّ، والتفتوا فقط نحو المسيح. جاهدوا ببساطة وبدون عصبيّة أو تشنّج. وجّهوا كلّ قواكم إلى اقتناء محبّة المسيح وإلى الالتصاق به، وهكذا يتحوّل الشرّ في داخلكم خيراً بشكل سرّيّ دون أن تعلموا كيف وحتى دون أن تتعبوا. اقرأوا الكتب المقدّسة، رتّلوا ورنّموا المزامير وقوانين الكتب الكنسيّة، وهكذا يتّجه الفكر، تلقائيّاً، نحو المسيح، وتحلّ الحلاوة الإلهيّة في القلب.

مختارات من سير قديسين

مختارات من سير قديسين

إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده

في هيكل الأصنام

سمع مرّة القدّيس دانيال العامودي (409-493) البعض يتحدّثون عن معبد للأصنام تقطنه الشّياطين في منطقة قريبة منه، وإنّ هؤلاء الأبالسة ألحقت بالمنطقة أضراراً بالغة، فلم يكن يجسر أحد من السّكّان أن يمرّ بالمعبد لا نهاراً ولا ليلاً حتى قنط هؤلاء من طردهم واستكانوا لوجودهم.

عرف القدّيس بتوجّعهم وآلامهم ومخاوفهم، فراح يفكّر كيف يستطيع أن ينجدهم. تذكّر القدّيس أنطونيوس الكبير وكم تحمّل من هجومات الشّياطين وكيف انتصر عليهم في النّهاية. فدعا أحدهم وأخذ يستخبر منه عن المعبد وما بداخله ثم طلب منه أن يدلّه على مدخله.

وعندما وصل البار إلى المكان الخطر تظاهر بأنّه أحد المحارِبين، فدخل المعبد دون خوف متسلّحاً بكلمات صاحب المزامير: ” الرّبّ نوري ومخلّصي فممن أخاف. الرّبّ عاضد حياتي فممن أخشى.. “. (مز1:26) ثم راح يتجوّل داخل المعبد وهو يرسم إشارة الصّليب ويسجد مصلّياً في كلّ زاوية منه.

ولمّا حلّ الليل إذا به يسمع ضربات قويّة وضجة أناس كثيري العدد، فبقي لابثاً دون حراك يصلّي.

وفي الليلة الثّانية عادت الضّربات أيضاً وبقي هو على نفس الوضع مصلّياً. وفي الليلة الثّالثة أراد أن ينام قليلاً، فإذا به يشاهد أثناء غفوته جماعة سوداء تقترب منه وتصيح: ” من أرسلك إلى هذا المكان أيّها البائس الشّقي لتستحلّه. أتريد أن تلقى موتاً شنيعاً كما صادف غيرك؟ سوف نجرّك لنلقيك في النهر فتموت غرقاً “. بينما راحت جماعة أخرى ترجمه بالحجارة بغية سحقه بها. استيقظ جندي المسيح وراح يتجوّل من جديد في أطراف المعبد مرتّلاً ومسبّحاً الرّبّ ومستهزئاً بالشّياطين بلهجة متوعّدة: “هيّا ارحلوا بسرعة قبل أن يفوتكم الوقت. ستنزل نار من صليب المسيح لتحرقكم، فارحلوا قبل فوات الأوان “.

راحت الشّياطين تزيد من هجماتها، بينما بقي القدّيس هائداً بدون حراك داخل المعبد رافعاً يديه مصلّياً.

سمع أهل المنطقة وتعجّبوا مما يحدث، فاتّجهوا بأجمعهم كباراً وصغاراً ليروا بأمّ العين كيف أن هذا المكان الشّديد الخطورة قد أصبح مكاناً هادئاً، وكيف في هذا المكان بالذّات صار يتمجّد اسم الرّبّ، بينما كان لوقت قصير مسرحاً ترقص عليه الشّياطين ومرتعاً للأرواح الخبيثة. سمعوا جماعة الشّياطين تهدد رجل الله صارخة: ” إنّ هذا المكان هو لنا منذ أعوام طويلة، فاهرب أنت منه قبل أن نقطّعك إرباً “. وآخرون منهم كانوا يتوعّدون: “لا بل سنلقيك في النهر… “. وفعلاً أحسّ البار بأنّ الشّياطين تجرّه بقدميه، فلم يضطّرب، بل أخذ يصلّي بقوّة صارخاً في وجههم: “إنّ المسيح هو مخلّصي وسوف يغرّقكم الآن بقوّة يمينه في الهاوية السّفلى المريعة “. وللحال سُمعت صرخات مدوّية مخيفة، واختفى فجأة بعدها الأعداء المظلمون.

نعم، إنّ صلاة وتهديد القدّيس طردهم بعيداً عن مكانهم. وهكذا تخلّصت المنطقة من شرهم وجورهم.

X X X

القدّيس يوحنّا الخوزيبي

روماني الأصل. لم يُذكر شيء عن مكان أو تاريخ مولده. جلّ ما نعرف أنّه أُعطي اسم إيليّا في المعموديّة. تيتّم باكراً. ربّته جدّته وساهمت في تأمين متابعة علومه. بعد وفاة جدّته، احتضنه عمّه الذي كان أباً لعائلة كبيرة. في وسط هذه العائلة عاش يوحنّا. عانى من البؤس والمعاملة السيّئة مما جعله يبدو حزيناً ووحيداً.

كانت زيارة مدافن الأموات في عيد الفصح المجيد عادة قديمة درج عليها العديدون من أقارب إيليّا. فذهب هو بدوره ليزور قبر جدّته التي لم يكن قد مضى على وفاتها وقت طويل. وبينما كان يبكي فراقها سمع فجأة صوتاً مصحوباً برنين أجراس يقول له: ” لا تبكِ. أنا معك، المسيح قام “. نهض الصّبيّ خائفاً، مفتّشاً عن مصدر الصّوت، فرأى المسيح القائم يبتسم له وهو خارج من هيكل الكنيسة.

أتمّ القدّيس يوحنّا علومه الثّانويّة، وما عليه الآن إلاّ أن يختار المهنة التي تناسبه. وفيما كان يصلّي ذات يوم سمع صوتاً يهمس له: ” إلى الدّير، إلى الدّير “.

وهكذا ما أن أنهى خدمته العسكريّة سنة 1936 حتّى لبّى الدّعوة ودخل دير نيامتس Neants الشّهير (وهو دير روماني يقع في منطقة مولدافيا. عاش فيه لفترة من الزمن القدّيس الروسي باييسي فيلتشوفسكي مؤسس الحياة الرّهبانية في روسيا.) وكان حينها في سنّ العشرين من عمره. خدم في الدّير كمساعد للأخ المسؤول عن الصّيدليّة وبعدها عمل كأمين للمكتبة ثم سيم بعد ذلك مبتدئاً لابساً الجبّة. ضاعف يوحنّا أصوامه وصلواته وذهب ببركة الرّئيس حاجّاً إلى الأراضي المقدّسة برفقة راهبين آخرين، وأقام في دير القدّيس سابا حيث كان يعيش رهبان يونانيّون ورومانيّون معاً. أتقن هناك اللغة اليونانيّة واستطاع أن يترجم عدّة كتب روحيّة من اليونانيّة إلى اللغة الرّومانيّة خاصة كتابات القدّيس نيقوديموس الآثوسي (وهو قدّيس نسك في الجبل المقدس في القرن التاسع عشر.) حظي باحترام كلّ الآباء لصمته واندفاعه في تطبيق الحياة النّسكيّة وخاصّة الصّلاة القلبيّة.

في تلك الآونة تعرضت المنطقة لبعض الاضطّرابات السّياسيّة وخاصّة عندما كان يشنّ العرب بعض الهجمات على الإنكليز المحتلّين، فكان الدّير عندئذ يتحوّل إلى مستشفى لإسعاف الجرحى مقدّماً لهم الاسعافات اللازمة. فصرف يوحنّا بدوره وقته وذاته في سبيل الاعتناء بالمصابين حتّى وقع هو نفسه أسير مرض الديزنطاريا بسبب قلّة المياه وفقدان الوسائل اللازمة والضّروريّة للعيش السّليم.

في بداية الحرب العالميّة الثّانية، وبما أنّ رومانيا كانت حليفةً للألمان ومعادية للإنكليز، فقد اعتقل هؤلاء الأخيرون الرّهبان الرّومانيّين، وكان يوحنّا من بين الأسرى، فاختير كمترجم للإنكليز آنذاك. أخيراً أُطلق سراحه وعاد إلى سابق أعماله في الدّير. ثم ما لبث أن توشّح بالإسكيم الكبير (اللباس الذي يحصل عليه الراهب إشارة إلى نّذوره عندما يُعلنها) وعُيّن رئيس على دير روماني في وادي الأردن.

أدّى يوحنّا واجبه على أكمل وجه وبكلّ دراية وحكمة وتواضع (1947-1953). كان يمضي يومه بالعمل اليدوي وتدبير شؤون الإخوة، وأمّا لياليه فكان يلجأ إلى الصّحراء بعيداً مصليّاً. كان الشّوق إلى حياة الهدوء والنّسك يلهب قلبه وعقله إلى أن شعر ذات يوم بأنّ الوقت قد حان لكي يتنحّى عن رئاسة الدّير ويحيا حياة التّوحّد والعزلة. فأخبر تلاميذه بمنية قلبه، وأشعل فيهم الحميّة من أجل مواجهة الحروب الرّوحيّة محبّةً بالسّيّد. وفي عام 1953 انكفأ كليّاً في الصّحراء القريبة من دير خوزيبا (دير لوالدة الإله) وأقام في مغارة ترتفع 50 متراً فوق واد جبلي. واظب خلال سبع سنوات متوالية على الصّلاة المستمرّة وقراءة كتب الآباء وتأليف الأناشيد الرّوحيّة. تحمّل بجلادة حرارة المناخ وبرودته وكلّ أنواع التّقشّفات وهجوم الشّياطين واعتداء العرب عليه الذين حاولوا صرفه عن المكان. كان يقصد الدّير في الأعياد الكبيرة فقط. لم يكن يستقبل في مغارته سوى تلميذه إيوانيكيوس، تلك المغارة التي كان يتعذّر الوصول إليها خاصّة بعد نزع السّلّم عنها. وبعد أن عاين القدّيس رؤيا إلهيّة تنبؤه بقرب أجله أسلم الرّوح بين يدي خالقه وهو يبارك الجهات الأربع وكان ذلك في 5 آب من عام 1960.

أثناء خدمة الدّفن، اجتاحت المغارة فجأة أسراب كبيرة من الطّيور الكاسرة، وحطّت على جسد القدّيس لكي تشارك الرّهبان بأصواتها أثناء ترتيل خدمة الجنّاز.

بعد عشرين سنة من رقاده، أبصر تلميذه إيوانيكيوس في حلمه القدّيس يوحنّا يأمره بإخراج جسده المدفون من الموضع الذي فيه، إلاّ أنّ رئيس الدّير آنذاك أجّل طلبه لأنّ الظّروف لم تكن مؤاتية. زار بعد فترة المغارةَ بعض من أبنائه الرّوحيّين لنيل بركة القدّيس. ويا للعجب!! فما أن فتح  التّلميذ القبر، حتى اكتشف بأن جسد القدّيس لم يبلَ وكانت تفوح منه رائحة عطرة. نُقلت الرّفات بعدها باحتراز إلى دير خوزيبا حيث أصبح مصدر بركة وشفاء للكثيرين من الحجّاج الذين كانوا يؤمّون الدّير.

فبشفاعاته أيّها الرّبّ يسوع المسيح ارحمنا وخلّصنا آمين.

X X X

الأخ دانيال المريض

كان الأخ دانيال واحدا من مجاهدي جبل آثوس، يتابع جهاده النّسكي في  كوخ القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم في اسقيط القدّيس بندليمون. وقد أكّد لنا هو بنفسه ما سبق أن سمعناه من آباء كثيرين وذلك أنّ له عشرين سنة ونيِّف مطروحاً على سرير الأمراض، يعاني من ألم شديد في الرّأس والوسط، في الكليتين والقلب والرّجلين، ولم يكن من النّادر أن يجتاح الألم جسده كلّه عضواً فعضواً. إلى أطبّاء كثيرين لجأ وتحاليل عديدة أجرى، كما خضع لوفرة من الصّور الشّعاعيّة. غير أنّ النّتيجة كانت أبداً واحدة لا تتغيّر: لم يستطع الأطبّاء تحديد أي مرض عضوي يفسّر تلك الأمراض التي استمرّ يعاني منها، لقد وقف الطبّ والعلم عاجزين أمام أدوائه الغامضة.

منذ سنوات قليلة وتحديداً في السّابع والعشرين من شهر تمّوز وخلال سهرانة القدّيس بندليمون، انتصب الأخ دانيال أمام أيقونة القدّيس والدّموع تملأ مقلتيه متضرّعاً: “يا قدّيس الله وشفيع إسقيطنا، إنّك طبيب شهيد وقد أرقت دمك حبّا بالرّبّ يسوع، لذا أسألك أن تصنع محبّة وتتوسّل إلى السّيّد المسيح أن يهبني الصّحّة، لكي وأنا أيضاً إذا ما تمتّعت بالعافية أستطيع أن أمجّد الله وأرتّل خلال السّهرانات.”

ما إن انتهى من صلاته حتى أُخذ في إغفاءة بسبب تعبه وألمه الجزيلين. فإذا به يشاهد خلال رؤيا القدّيس بندليمون ساجداً أمام العرش الإلهي يتضرّع إلى الله ليمنّ على الأخ دانيال بالصّحّة. وسمع صوت السّيّد يقول للقدّيس: “يا أخي العظيم في الشّهداء بندليمون، أتراك أوفر رأفة منّي؟ أم أنّك أكثر محبّة للبشر. أعرف تماماً كيف أنّك سفكت دمك لأجل محبّتي. ولكن ألم أرق أنا أيضاً دمي وقتاً ما لأجل خلاص النّفوس؟ إعلم أنّي أرتضي مرّات عديدة أن يمرض الجسد لتخلُص النّفس. بهذه الطّريقة أبغي أن يخلص جمعٌ كبير من النّاس.”

عند سماع هذه الكلمات استيقظ الأخ دانيال ممجدّا اسم الله وشاكراً للقدّيس وساطته. وكما أخبرنا هو بنفسه، شعر حينئذ أنّ حملاً ثقيلاً قد أُزيح من فوق منكبيه وتعلّم كيف يحتمل بصبر وشكر وفرح صليب مرضه ووهنه.

X X X

الفقير والغني

أخبر المطران ثيوفانيس، ملاك أبرشية آفيا (جزيرة في اليونان) ، القصّة التّالية: كان أحد أبناء أبرشيّته الفقراء قد ورث إناءً ذا قيمة أثريّة جزيلة. حدث مرّة أن رأى أحد أغنياء المنطقة هذا الإناء فأُخذ به ورغب في شرائه بأيّة وسيلة ممكنة. غير أنّه فشل في الحصول على مراده بالحسنى والتملّق وذلك لأنّ الفقير، رغم جهله قيمة الإناء، رفض بيعه كونه إرثاً عائلياً. إذ ذاك لجأ الغني إلى القوّة وسلب الفقير ميراثه الغالي.

لم يمض زمن طويل على هذا الأمر حتى رقد الغني وهو في ريعان الشّباب. أراد أهله أن يصنعوا له حسب العادة الجارية وينقلوا جسده بعد ثلاث سنين من وفاته، فلمّا فتحوا القبر ألفوا الجسد غير منحلّ. انتظروا ثلاث سنين أخر وأعادوا الكرّة فلم يوفّقوا إذ وجدوا الجسد منتفخاً كالطّبل دونما انحلال. فقاموا بمحاولة ثالثة لكن دون جدوى. حينئذ دعوا الأسقف ثيوفانيس وطلبوا إليه أن يتلو صلاة الحلّ على الميت، غير أنّ النّتيجة لم تتغيّر.

بعد ذلك نصح الأسقف الأهل بأن يوقفوا الجسد المنتفخ في مكان عام  ليأتي كلّ سكّان القرية واحد فواحد ويسامحوا الميت وهكذا يسامحه إلهنا الكلّي صلاحه ويحلّ جسده. كما أنّ الأسقف طلب من أحد الثّقاة أن يقف بجانب الميت ويسمع كلّ ما يقال.

مرّ أهل القرية كلّهم أمام الجسد مصلّين إلى الله ليسامح الرّاقد. ولمّا جاء دور الفقير سمعه رجل الأسقف يقول: “هيه إنّه لعدل أن تعاني هذا الأمر وتبقى دون انحلال بسبب الإناء الذي اغتصبته مني. فلتلبث هكذا منتفخاً إلى الأبد ما دمت قد ارتضيت أن تسلبني ما ورثته عن أمّي التي ولدتني.”

ولمّا عرف الأسقف بما حدث استدعى الرّجل الفقير وسأله عمّا عناه بمقولته تلك. وعندما وقف على الحقيقة سأل أهل الغني عن الإناء، فعرف منهم أنّه، أي الإناء، يشكّل، حالياً، جزءاً من ثروتهم. فطلب إليهم أن يعيدوا الإناء إلى صاحبه الحقيقي عسى الله يمنّ بالغفران على ابنهم الرّاقد.

عمل الأهل بمشورة الأسقف الذي وضع الإناء بطريقة ما بيد الميت  وسأل الفقير أن يتقدّم ويأخذ الإناء مسامحاً الغني من كلّ قلبه على الظلم الذي لحقه بسببه. فلمّا تمّ ذلك أمام عيون أهل القرية المجتمعين، انحلّ ذاك الجسد، الذي لبث منتفخاً غير منحلّ سنين طويلة، على الفور وتحوّل إلى غبار. ذهل الحاضرون ومجّدوا الله الكلّي الصّلاح والدّيّان العادل. على إثر ذلك هجر الأسقف العالم وذهب إلى جبل آثوس حيث أمضى حياته كراهب بسيط مجهول من كلّ أحد مبتغياً إرضاء وجهه تعالى.  

” ما فعلتم بأحد أخوتي هؤلاء الصّغار فبي قد فعلتموه.”

إن كانت الطّريق الأقصر إلى قلب الله هي محبّة القريب والإحسان إليه، فظلم الإنسان لأخيه الإنسان هو الطّريق الذي يقوده بعيدا عن الله.

X X X

القدّيس أدريانوس رئيس دير أوندروسوف Ondroussov  

والمغبوط كبريانوس الذي من ستوروجيفسك Storojevsk

كان اسم القدّيس أدريانوس وهو في العالم اندراوس زافالاشين. ينحدر من إحدى عائلات البوايار Boyards التي كانت من حاشية القيصر الكبير يوحنّا الثّالث Vasilievitch . عاش في أملاك ذويه بالقرب من بحيرة لادوغا وكان مولعاً بالصّيد. وبينما كان في أحد الأيّام من سنة 1494 يلاحق أيّلاً في الغابة المجاورة للبحيرة، وصل أمام قلاية القدّيس ألكسندر سفير (عيده في 30 آب) (svir)  الذي كان يعيش في نسك صارم إذ لم يرَ وجه آدمي مدّة 7 سنوات متتالية.

أُعجب الشّاب أشدّ الإعجاب بالقدّيس ألكسندر وبجهاداته الرّوحيّة، وأخذ يتردّد على زيارته بانتظام. كان يحضر له المؤن الضّروريّة، ويحصل بالمقابل على النّصائح الرّوحيّة القيّمة والارشادات المفيدة.

دخل الشّاب أدريانوس إلى دير فالامو ببركة القدّيس ألكسندر، وخلال فترة قصيرة حصل على إذن من الآباء الشّيوخ لكي يعيش متوحّداً على الضّفاف الشّرقيّة لبحيرة لادوغا.

ابتنى له هناك كنيسة على اسم دخول السّيّدة والدة الإله إلى الهيكل، وكنيسة أخرى على اسم القدّيس نيقولاوس. اجتمع طلاّب الرّهبنة حوله، فأسّس لهم بجانب الكنيسة ديراً على اسم القدّيس نيقولاوس أيضاً، أمّا سكّان تلك المنطقة فأطلقوا عليه اسم دير اندراوس.

هناك في غابة جزيرة سالا الواقعة مقابل منسك القدّيس، كان يعيش رئيس عصابة يخلق لأدريانوس الإزعاجات والمتاعب الكثيرة. لكنّ رجل الله نجح، بلطافته ودماثته، في ثنيه عن شروره، حتّى تركه ذلك اللص يعيش بسلام وهدوء. بعد ذلك بفترة وجيزة هاجمت شرذمة من الأشرار الأشقياء ذلك اللص وزجّوه في السّجن. فجأة وهو في سجنه ظهر أمامه القدّيس أدريانوس وقال له: ” لأجل رحمة السّيّد وباسم الذي طلبتُ منك أن تُبقي على الأخوّة بيننا، ها أنت منذ الآن تصير حرّاً طليقاً “. وللحال سقطت السّلاسل الحديديّة من يدي الأسير وتحرّر من قيوده وراح يركض نحو الدّير لكي يشكر القدّيس على صنيعه وإحسانه إليه. ثم ما لبث اللص أن علم بأنّ القدّيس كان قد أمضى ليلته يصلّي ويتضرّع من أجله.

بعد هذه الأحداث، أدرك رئيس اللصوص بأنّ حياته الفاسدة هذه قد أدّت به إلى الضّياع. فارتدّ إلى الإيمان وتاب وأتى إلى القدّيس يطلب منه بأن يقوده في طريق الخلاص.

رُسم (هذا اللص) راهباً تحت اسم كبريانوس. وبجهاداته النّسكيّة ومحبّته ورحمته، لم ينل فقط غفران خطاياه، إنّما اكتسب أيضاً موهبة صنع العجائب. وبعد موته نال الكثيرون، بفضله وشفاعاته، إحسانات إلهيّة جزيلة.

في عام 1549 استُدعي القدّيس أدريانوس إلى البلاط الملكي في موسكو ليكون عرّاباً للملكة حنّة ابنة القيصر يوحنّا الرّابع. وفي طريق عودته إلى الدّير، وعلى بعد 20 فرسخاً منه، قتله أناس أشرار أرادوا الاستيلاء على العطايا التي وُهبت له من قِبَلِ الملكة (يُعيّد له في 15 أيار).

لم يعلم أحد بما جرى. ولكن، بعد سنتين من تاريخ موته، ظهر القدّيس لشيوخ الدّير وأعلمهم بحادثة وفاته. وبأمر منه، أطلق الرّهبان حصاناً يدلّهم على مكان وجود بقايا القدّيس. نُقلت الرّفاة وأودعت كنيسة القدّيس نيقولاوس. يعيَّد لذكرى نقل رفاته في 17 أيّار.

أُهمل الدّير بعد أن هجره الرّهبان وأصبح خرِباً. في عام 1789 هبّت فجأة عاصفة هوجاء في ذلك الموضع وهدّدت بالخطر حياة أحد الرّهبان واسمه اينوكنديوس، فوعد هذا أنّه إن نجا من هذه العاصفة سوف يجدّد بناء الدّير. بعد شهر من وقوع هذه الحادثة، ظهر القدّيس نيقولاوس يرافقه القدّيس أدريانوس للرّاهب اينوكنديوس لكي يذكّراه بوعده، معلنَيْن له عن قرب وقوعه في تجربة أخرى جديدة إن لم يفِ بوعده.

في السّنة التّالية، واجهت الرّاهب اينوكنديوس من جديد عاصفة في الموضع السّابق عينه بالقرب من الدّير. ورغم هذا الإنذار الثّاني، دفع عنه فكرة التّرميم وأجّل وعد تحقيق مشروعه. في وقت لاحق رأى إينوكنديوس في الحلم القدّيس أدريانوس ينقذه من الغرق ويذكّره بوعده.

أخيراً وبعد حوالي 30 عاماً استطاع الشيخ إينوكنديوس أن يُصلح المنسك عام 1817، وسنة 1883 شُيّدت كنيسة صغيرة في المكان الذي استُشهد فيه القدّيس أدريانوس.

فبشفاعاتهما اللهم ارحمنا وخلّصنا آمين.

X X X

القدّيس فانتينوس العجائبي

وُلد الأب فانتينوس حوالي عام 927م. في كنف عائلة تقيّة ومعروفة في منطقة كالابرا جنوبي إيطاليا. انعكف منذ الطّفوليّة على المطالعة والتّعمّق في الكتب المقدّسة. كان يزدري بكلّ أنواع التّسليات والملّذات التي كان يتعاطاها الأولاد الذين كانوا في سنّه، إذ وجّه كلّ اهتمامه نحو التّأمّل بالخيرات الأبديّة.

لاحظ ذووه ميل الطّفل نحو الأمور الإلهيّة، فكرّسوه لله وهو في الثامنة من عمره، وعهدوا به إلى القدّيس إيليّا الكهفي (وهو أحد الوجوه البارزة في الرّهبنة البيزنطيّة في جنوبي إيطاليا). أبصر القدّيس ما كان عليه فانتينوس من دعوة مميّزة ففوّض أمر تدريبه في الطّريق الرّوحي إلى أفضل رهبانه، فاقتنى فانتينوس حكمة الشّيوخ وهو بعد طفل، لهذا ألبسه القدّيس إيليّا الثّوب الرّهباني بعد 5 سنوات من دخوله الدّير، وجعله طبّاخاً. كان العمل صعباً وشاقّاً بالنّسبة إليه، ولكنّه كان مطهِّراً أيضاً للنّفس، لأنّه كلّما اتّفق أن ألِفَ نفسه أمام النّار التي كان يضطّرم لهيبها داخل الفرن، كان ينتقل للحال بفكره إلى تلك النّار الأبديّة التي سوف يُلقى الخطأة فيها، وهكذا اكتسب بهذا الفكر نعمة النّدامة وروح التّوبة.

منذ دخوله الدّير لم يكن يتناول الطّعام إلاّ كلّ يومين أو ثلاثة. وبدأ في التّقشف الزائد في السّنة الثّانية لتوشّحه بالنّذر الرّهباني، إذ لم يكن يأكل إلاّ الخضار ومرّة واحدة في الأسبوع، ونادراً ما كان يتزوّد بالقليل من الخبز.

كان فانتينوس يتقدّم في كلّ الفضائل طارداً عنه كلّ لذّة جسديّة، وقد أصبح قلبه النّقي أرضاً خصبة تحمل وبوفرة ثمار الرّوح القدس.

عندما أسلم القدّيس إيليّا روحه لله سنة 960م. قرّر فانتينوس اعتناق حياة الوحدة الكاملة، وكان ذلك بعد أن مضى عليه 20 عاماً في الدّير اكتسب خلالها خبرة كافية تؤهّله لاقتبال نظام نسكي صارم. انعزل في موضع صحراوي في منطقة جبل ميركوريون Mercurion في شمال الكالابرا في وادي لاو Lao حيث عاش عدة سنوات في تقشّف شديد، شبه عريان، يقتات فقط من الأعشاب البريّة. جُرّب بقساوة من الشّياطين التي كانت تظهر له بشكل أهله وهم يتوجّعون في حزن وأسى على فقده محاولين إعادته إلى العالم. وأحياناً أخرى كانت تظهر له الشّياطين بشكل حيوانات مفترسة. إلاّ أنّه كان ينتصر على كلّ هذه التّجارب برسم إشارة الصّليب المحيية وبالصّلوات الليليّة الطّويلة.

بعد 18 سنة من الجهادات والأتعاب الجزيلة، عثر عليه أهله، الذين كانوا يفتّشون عنه، في عزلته. وبعد عدّة لقاءات مؤثّرة معهم تهتزّ لها العواطف استطاع، وبنعمة المسيح، أن يقنعهم لكي يبتعدوا هم أيضاً عن حياة العالم وأباطيله. وهكذا أودع والدته وأخته في دير للرّاهبات، وأجرى بنفسه سيامة والده واثنين من إخوته لوقا وكوزما فأصبحت العائلة كلّها رهباناً، فقادهم هو كلّهم في الطّريق الضيّقة التي تؤدّي إلى الملكوت.

أصبحت تلك الجبال الصّحراويّة فيما بعد مساكن يقطنها الرّجال والنّساء الذين اختاروا أن يعيشوا وهم على الأرض حياة ملائكيّة تحت إرشاد المغبوط فانتينوس الذي كان أباً للكلّ ومعلّماً للشّريعة الإلهيّة ومثالاً حيّاً للفضائل الإنجيليّة.

وبما أنّ تحمّل مسؤوليّة خلاص العديد من النّفوس لم تدعه يتفرّغ لله وحده دونما تشتّت، وبما أنّه كان متعطّشاً للتّعمّق أكثر في التّأمّل بالإلهيّات، عهد إدارة شؤون الدّير إلى أخيه لوقا، كما وضع مدبّرين يديرون الأمور في الشّركات الرّهبانيّة الأخرى، وانصرف بعدها سرّاً ليعتزل في موضع آخر حيث اعتبره سكّانه جاسوساً فأوثقوه ورموا به في مكان مظلم تحت الأرض وتركوه دون عناية عرضة للسع الحشرات وكلّ حثالة. وجد القدّيس نفسه في المكان الذي وضعوه فيه مغموراً بالنّعمة الإلهيّة، فبقي غريباً عن كلّ توجّع وألم من جرّاء وضعه الصّعب لا بل أحسّ بحلاوة الحياة مع الله وهو على هذه الحالة.

عندما أدرك الذين سبّبوا له هذه الآلام ما كان عليه من الفضيلة والإيمان، فكّوا أسره منطرحين عند قدميه طالبين منه الصّفح والغفران. عاد فانتينوس فانتقل ليقيم في موضع آخر ملائم للحياة الهدوئيّة، وحيث تتوفّر فيه المياه والخضرة، إلاّ أنّه تعرّض من جديد للاضطّرابات التي كان يسبّبها له الزوّار. للحين قرّر العودة إلى ديره.

عاد إلى حياة الشّركة دون أن يتخلّى عن نظامه النّسكي الشّاق الذي كان يتّبعه من قبل. كان يقتات من الخضار النيّئة ويفترش الحضيض ويتنقّل شبه عريان. كان فنّ الخطّ عمله اليدوي، وكان يمضي نهاريه ولياليه في الصّلاة المتواصلة وإنشاد التّراتيل. كان شوقه إلى الله يزداد يوماً فيوماً حتّى اكتسب نعمة اللاهوى، ولم يعد يشبع من الرّحيق الإلهي الذي كان يستقيه من فيض قلبه. اقتنى موهبة طرد الشّياطين وشفاء الأمراض النّفسيّة منها والجسديّة. كانت له السّلطة على الحيوانات المفترسة والزحّافات ويأمرها كآدم جديد فتخضع له. كان، بعجائبه، يزوّد الدّير بكلّ احتياجاته.

عند فجر أحد الأيّام وأثناء خدمة الصلاة السّحريّة، أُخذ القدّيس في انخطاف وبقي رافعاً يديه وعينيه نحو السّماء حتّى صلاة الغروب. وعندما سأله تلاميذه ما الذي عاينه أجابهم بدموع حارّة: ” إنّ الذي تريدون معرفته أمر يفوق الوصف ولا يعبَّر عنه “. وعلى أثر هذا الكلام ألقى جبّته على الأرض تاركاً كلّ شيء، وخرج من الدّير عارياً متوغّلاً في الجبل حيث مكث هناك مدّة 20 يوماً صائماً دون طعام أو شراب.

عاش هكذا ولمدّة 4 سنوات محلوق الرأس واللحية، يقتات فقط من الأعشاب البريّة. بدا وكأنّه مسّه الجنون بالنّسبة للذين يجهلونه وأيضاً بالنّسبة لرهبان ديره. راح يتنبّأ عن حدوث قريب لاجتياحات تطال البلاد من قبائل العرب المغاربة، كما تنبّأ النّبي إرميا قديماً في أورشليم وذلك بسبب تقهقر وانحلال التّقاليد المسيحيّة.

عاد في أحد الأيّام وقابل الإخوة من جديد وأعلن لهم عن مجيء القدّيس نيلس الذي نسك في جبل ميركوريون كالابرا Mercurion Calabra (عيده في 26 أيلول) ، الذي سبق ودرّبه على الحياة النّسكيّة و كان يكنّ له في قلبه تقديراً كبيراً. عندما أخبر القدّيس فانتينوس القدّيس نيل عن رؤيا كان قد حُمل خلالها من قِبَل ملاكين ليتأمّل في مكان العذاب الأبدي ومكان الرّاحة والغبطة الأبديّة، راح القدّيس نيل يوبّخ الرّهبان على اتهامهم القدّيس فانتينوس بأنّه قد خرج عن طوره، بينما هو قد ارتفع إلى السّماء الثّالثة مماثلاً القدّيس بولس الرّسول.

بعد وقت طويل من الجهاد والأتعاب النّسكيّة، ظهر ملاك الرّب للقدّيس فانتينوس خلال صلاته الليليّة وأمره بأن يحضر إلى تسالونيكي بغية جذب العديد من النّفوس هناك إلى عمل الفضيلة.

جمع القدّيس الرّهبان في الكنيسة، وأوصاهم بأن لا يهدروا الوقت الذي أعطاه الله لنا من أجل التّوبة في التّعلّق بالأمور الأرضيّة أو في الاهتمامات الباطلة، بل أن يحثّوا بعضهم البعض ويجتهدوا لكي يكونوا مستحقّين لملاقاة السّيّد عندما سوف يعود ليدين العالم. بعد أن ودّعهم، أبحر إلى اليونان يرافقه تلميذاه فيتاليوس ونيكيفوروس.

وصلوا إلى جزر البيلوبونيز بعد رحلة بحريّة جميلة وأقاموا فترة في كورنثوس وأثينا. كثيرة هي النّفوس التي كانت تلتمس الخلاص لأنّها، لمجرّد رؤية هؤلاء الرّجال الإلهيّين الذين كانت تفوح منهم رائحة طيب الرّوح القدس، كانت تتسارع إليهم لنيل البركة. إلاّ أن فانتينوس وقع في مرض شديد وانتظر الجميع موته، لكنّه أنبأهم بأنّه سوف يقضي أجله في تسالونيكي.

عندما استعاد عافيته، انتقل إلى لاريسا وعاش لبعض الوقت بالقرب من كنيسة القدّيس أخيلّوس ناشراً بفيض تعاليمة الرّوحيّة. من هناك أبحر الثّلاثة إلى تسالونيكي، حيث أقاموا في كنيسة القدّيس ميناس. جذبت شهرة فانتينوس الواسعة العديد من شخصيّات المدينة المعروفين، حتّى أتاه المطران نفسه لزيارته ونيل بركة صلاته والاستماع إلى عذب كلامه.

أصبح القدّيس طبيباً لكلّ المجرَّبين وملجأ للمحزونين، ومعلِّماً للذين يريدون السّير في طريق الله. بدّل مسكنه بعد ثلاثة أشهر ومع هذا لم يتوقّف تدفّق الزوّار عليه، بل كان يزداد بالأكثر.

بينما كان ذات يوم موجوداً بالقرب من باب كاساندرا Porte de Casandra نزل فانتينوس فجأة وتوجّه نحو كنيسة القدّيسة أنيسيّة، فالتقى هناك براهبين آتيين من الجبل المقدّس ومتوجّهين نحو أثينا. أحدهما كان شيخاً وقوراً والآخر شاباً دون لحية (خصيّاً)، انحنى أمامهما ساجداً عند قدميهما وطالباً بركتهما. بعد اجتيازهما، أوحى القدّيس فانتينوس إلى تلميذه، المنذهل من هذا التّصرّف، بأنّ أحد الاثنين كان القدّيس أثناسيوس مؤسّس دير اللافرا الكبير، والآخر القدّيس بولس الذي من دير كسيروبوتامو، اللذين سوف يتألّقان كنجمين لامعين في الجبل المقدّس.

ولدى عودة الرّاهبين الآثوسيّين من تسالونيكي، تقدّما بدورهما إلى فانتينوس لينل بركته، بعدما سمعا بعجائبه وأدركا بأنّه إيّاه الرّاهب الذي التقياه أثناء مرورهما إلى أثينا في كنيسة القدّيسة أنيسيّة.

استمر القدّيس فانتينوس ينشر رحمة الله بعجائبه، وبفضل تبصّره أُنقذت المدينة من هجوم البلغار. بعد حوالي 8 سنوات من إقامته في مدينة القدّيس ديمتريوس، رقد بسلام في الرّب سنة 1000م. عن عمر يناهز 73 عاماً.

فبشفاعاته اللهم ارحمنا وخلّصنا آمين.

مختارات من سير مباركة

مختارات من سير مباركة
إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده

الرّسول يعقوب

يخبرنا التّقليد بأنّ الرّسول يعقوب، أخا الإنجيلي يوحنّا، في الوقت الذي كان يُقاد فيه إلى الاستشهاد التقى في الطّريق بذاك الذي أسلمه. فأوقفه القدّيس وقبّله قائلاً له: “السّلام لك يا أخي”. فلمّا رأى ذاك عدم شرّ الرّسول القدّيس تعجّب وصرخ بحماس: ” إنّي مسيحي منذ هذه اللحظة “. وبعد هذا الإقرار والاعتراف قُطع رأسه مع الرّسول.
الرّاهب واللصوص

تاه أحد الرّهبان في البريّة وأضاع طريق العودة، فراح يسير ساعات طوالاً دون هدف إلى أن التقى بأشخاص عابري الطّريق وكانوا لصوصاً أشراراً، فتوسّل إليهم أن يدلّوه على الطّريق الصّحيح ولكنّهم استهزأوا به ودلّوه خطأ. فهم الرّاهب قصدهم ولكنّه بقي صامتاً ورافقهم إلى أن وصلوا إلى نهر كان عليهم اجتيازه، وفجأة ظهر لهم تمساح مخيف هدّد حياتهم بالخطر لو لم يتداركهم الرّاهب وينجّيهم معرّضاً نفسه للخطر بدلاً عنهم. تأثّر أحد اللصوص من موقف الرّاهب فوقع عند قدميه يطلب منه الغفران معترفاً بأنّهم لو استطاعوا عبور النّهر لكانوا قتلوه بدون شفقة. ولكنّ طيبته وحسن معاملته لهم غيّرتهم وردعتهم عن فعل الشّر.
شكّ الرّاهب

راهب من أوبتينا يدعى دوروثاوس ذهب ذات يوم لمقابلة الأب أمبروسيوس (1812-1891) وانتظر ساعات طويلة خروج الشّيخ من قلايته. حلّ الليل، وبدأ ذهن الأب دوروثاوس يستضيف أفكاراً سيّئة: “الكلّ يعتبرون الشّيخ قدّيساً، ولكن ما هذه القداسة التي تُرغمك على الانتظار ساعات طوال؟ إنّ هذا الانتظار سيجعلك تخسر خدمة المساء وسوف تضطر بالتّالي إلى النّهوض متأخّراً فتخسر بذلك أيضاً صلاة السّحر. فليتحمّل إذن هو خطيئة كهذه “. وبينما كان يفكّر هكذا إذا بصوت الشّيخ يقول: “ها قد أتيت، ها قد أتيت”. وما إن خرج من قلايته حتى اتّجه فوراً ناحية الأب وباركه وأمسكه بلطف من لحيته، ثم ضربه ضرباً خفيفاً على وجهه مداعباً وقائلاً: “هناك راهبات ينتظرن شهراً بكامله كي يرونني، ويضطررن أحياناً إلى المبيت في المضافة. كما يوجد نساء يأتين من بعيد لمقابلتي ولكنهنّ يصبرن وينتظرن أيضاً. يجب أن أطلق أولاً هؤلاء لأنّه بسببهنّ لا أستقبل، مرّات كثيرة، العديد من الإخوة، إذ من غير الممكن أن أواجه الجميع في اليوم نفسه. فماذا تقول إذن فهل أنا أتحمّل خطيئة تذمّرهم جميعاً ؟”
بعد هذا الحدث لم يعد يشكّك الأب دوروثاوس بقداسة الأب أمبروسيوس ولم يعد يسمح لأفكاره أن تدين تأخّره مطلقاً. وهكذا أصبح كلّما خرج من قلاية الشّيخ يشعر بسلام وفرح كبيرين.
القدّيسان استفانوس وسرجيوس

كان القدّيس استفانوس أسقف مدينة بيرم الرّوسيّة يكنّ محبّة عظيمة للقدّيس سرجيوس رادونيج (1314-1392 مؤسّس لافرا الثّالوث الأقدس في زاغورسك). وذات يوم بينما كان الأسقف يقصد موسكو، عبر طريق قريبة من لافرا الثّالوث، ولكنّه، وبما إنه كان مسرعاً، أراد تجاوز الدّير وفي نيّته أن يزور القدّيس لدى عودته. غير أنّه وقبل أن يبتعد عن الدّير أوقف العربة التي كانت تقلّه وشرع يرتّل بواجب الاستئهال ثم انحنى نحو اللافرا قائلا: ” السّلام لك أيّها الأخ الرّوحي سرجيوس “. حصل هذا في الوقت الذي كان فيه القدّيس سرجيوس على مائدة الطّعام مع الإخوة. وبما كان له من البصيرة الرّوحيّة فلقد رأى الأسقفَ ساجداً نحوه. فقطع طعامه ووقف منتصباً مصليّاً ثم سجد بدوره للأسقف قائلاً: ” افرح أنت أيضاً يا راعي قطيع المسيح. فلترافقك بركة الرّبّ”.
بقي الإخوة منذهلين متسائلين ماذا حصل لرئيسهم. وظنّ البعض بأنّه أُهّل لرؤيا ما. وعندما إنتهوا من الطّعام اقتربوا منه طالبين توضيح ما حدث فقال: “عندما وقفت كان الأسقف مارّاً بالدّير قاصداً موسكو، فسجد للثّالوث القدّوس وباركنا أيضاً نحن الخطأة”.
تعجّب تلاميذ القدّيس الذين أكّدوا هذا الحادث من بصيرة الشّيخ الرّوحيّة ومجدّوا الله.
أفكار المتوحّد

من أخبار القدّيس سيرافيم ساروفسكي:
أخبر المتوحّد جرجس ماخورين قائلاً: “كنت أحارب منذ زمن أفكاراً توسوس لي بأن أترك ديري وأبحث عن آخر أكثر هدوءاً. لأنّ الزوّار كثر والكلّ يطلب مقابلتي، بالإضافة إلى الرّسائل التي لا تحصى التي أتلقّاها. فأنا أخجل من طرد الزوّار، ويجب أن أردّ على جميع الرّسائل وخاصة ما هو مهمّ منها. لقد استمرّت هذه الأفكار سنتين ولكنّي لم أستطع كشفها لأحد. وذات يوم أتاني أحد الرّهبان وأخبرني بأنّ هناك زائراً قادماً من بريّة ساروف من قِبَل الأب سيرافيم يطلب الانفراد بي. وعندما قابلته قال لي: “إنّ الأب سيرافيم يمنحك بركته ويقول لك إنّه من المخجل حقاً، بعد كلّ هذه السّنين التي قضيتها في الجهاد، أن تخضع لأفكار كهذه وتترك ديرك لتدخل آخر. ابق هنا ولا تذهب إلى أي مكان آخر فالمجاهد مجاهد في كلّ مكان”.
ما إن قال الزائر هذا حتى انحنى وخرج ذاهباً في سبيله. بقيت مسمَّراً في مكاني متسائلاً بانذهال واستغراب: كيف تأتّى لرجل أجهله كلّ الجهل، ولم أره أبداً في حياتي، ولم أراسله قط، أن يعرف أفكاري وخفيّاتي بهذه التّفاصيل والدّقة. وعندما عدت إلى نفسي رجوت الرّاهب أن يعود ويُدخل الزّائر من جديد علّي أستطيع أن أعرف منه أكثر حول هذا الموضوع. ولكنّه كان قد ذهب بعيداً ولم يستطع أحد أن يجده. لقد اختفى!”
نبل ضابط شاب

ربطت صداقة متينة بين ضابط من ضبّاط الجيش البيزنطي وأحد الأسياد الأغنياء. فراح هذا الأخير يستضيف في منزله، بين فينة وأخرى، صديقه الضّابط الذي كان على جانب كبير من الوقار والجمال. فعلقت به زوجة السّيّد الشّابة، ومن هواهه مرضت مرضاً ثقيلاً عجز الأطبّاء عن علاجه، إلى أن قالوا ذات يوم لزوجها: “اعرضها على أطبّاء نفسانيين إذ قد يكون مرضاً نفسيّاً”. فأمسك الثري زوجته وأرغمها على البوح والاعتراف بكلّ ما يخالجها ويعذّبها. فقالت: “أنت يا سيّدي، وبنيّة حسنة، تأتي برجال أصدقاء لك إلى المنزل، وأما إنا فكوني امرأة شابّة أقع في فخاخ العدوّ بسبب ضيوفك هؤلاء. وأمّا الآن فأنّي أتعذّب بسبب صديقك الضّابط هذا فإنّ هواه يقضّ مضجعي”.
ولدى سماع الزوج هذا الكلام هدأت نفسه، ولكي تبقى علاقته بصديقه مصانة، كاشفه بالأمر راجياً إيّاه أن يبقى الأمر سرّاً بينهما. وأمّا الشّاب النّبيل النّفس فتأسّف لحال المرأة من كلّ قلبه وقال لصديقه: “لا تغتمّ للأمر يا صاحبي. فبما إنني أنا السّبب في هذا فإنّي أرجو أن أقوم أنا أيضاً بإصلاحه سريعاً “.
وفي اليوم التّالي قصد الضّابط الحلاق وطلب منه أن يقصّ له شعر رأسه، وأن يحلق له لحيته وحواجبه أيضاً. وهكذا وبمنظره القبيح هذا قصد بيت صديقه وطلب أن يرى زوجته المريضة. ولمّا دخل حجرتها برفقة زوجها، كشف عن رأسه وقال لها: “انظري يا سيّدتي كيف سمح الرّبّ أن يصبح منظري”. فحالما رأته المريضة نفرت من قباحته، وتخلّصت للحال من الهوى الذي كان يعذّبها. وهكذا لم يعد هذا الضّابط التّقي الشّريف يزور بيت صديقه أبداً.
الصّداقة الحقّة

أمسك يوماً جماعة من المحاربين الأتراك شمّاساً مسيحيّاً وراحوا يتفنّنوا في تعذيبه. فسمع بذلك أحد معارفه المسيحيّين المدعو سانكتولوس، وكان يجلّ الشّماس كثيراً ويعتبره قدّيساً نظراً لورعه وعظم فضيلته، فأخذ يتوسّط لدى العديد من وجهاء المدينة ليخلّصه ولكنّه لم يصل إلى نتيجة ترجى، بل حظي فقط بإذن حراسة الشّماس في الليلة السّابقة لاستشهاده، على أن يعذَّب هو بدلاً عنه إن فرّ. قبِل سانكتولوس هذا العرض بكلّ فرح. وعند انتصاف الليل، وعندما أخلد الجميع إلى النوم، أيقظ الشّماس وطلب منه أن يهرب بأكبر سرعة ممكنة وخاصة أنّه جهّز له حصاناً سريع العدو.
– مستحيل يا صديقي، قال شهيد المستقبل، إن فررت أنا فمن المتعذّر أن تنجو أنت من أيديهم، فكيف أعرّضك لموت قاس كهذا.
– لا تهتم بي سوف يحميني الرّبّ.
وهكذا ضغط عليه وأرغمه على الهرب. وفي اليوم التّالي طلب القائد السّجين فأجابه حارسه أي سانكتولوس بشيء من اللامبالاة والاستخفاف:
– لقد هرب .
– ومن المؤكّد أنّك علمت بطريقة فراره.
– نعم.
– وبما إنك رجل صالح (بسخرية) لا أريد أن أعذّبك، ولكني أعرض عليك أن تختار بنفسك الميتة التي ترغب بها.
– أنا بين يدي الله. وطريقة الموت التي يختارها لي هي التي أقبلها بشكر.
قرّر القائد أن يقطع رأسه، وأوكل هذه المهمة إلى جندي ضخم الجثّة قوي السّاعد مفتول العضلات.
ركع سانكتولوس وصلّى ثم أحنى رأسه ليتقبّل الضّربة. كانت نفسه مبتهجة لأنّه بعد قليل سينعم بحضرة المسيح. وما إن رفع الجندي فأسه ليقطع هامة الشّهيد، حتى يبست تلك اليد في الحال وبقيت مرتفعة في الهواء وكأنّ قوّة سريّة قد جمّدتها، وأخذ يصرخ من الألم الذي اعتراه، فاضطرب كلّ من كان حوله قائلين: “ماذا سنفعل الآن بهذا الرّجل؟ يبدو أنّه قدّيس وأنّ الله معه”.
وهكذا راحوا يتوسّلون إلى الشّهيد أن يشفي يد الجندي الذي كان يصرخ باستمرار من الألم ويداه الاثنتان ما زالتا مرفوعتين. فقال الشّهيد:
– أنا لا أستطيع أن أطلب منّة كهذه من الله إن لم يَعِدْ هذا الجندي أولاً بأنّه لا يعود يؤذي بعد الآن أحداً من المسيحيين.
– إني أعد بذلك. قال الجندي وهو يرتعد خوفاً.
– أنزل يديك إذن.
وبكلمته هذه تحرّكت اليدان. فرمى الجندي فأسه بعيداً، تلك الفأس التي كان سيستعملها لقتل الشّهيد.
وهكذا عفّ القائد عن قطع هامة سانكتولوس الذي أصبح فيما بعد رسولاً بين هذه الجماعة من المحاربين.

البار بيمن

البار بيمن

إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده

كان هذا البار ذا بنية جسديّة ضعيفة منذ ولادته، إذ بقي طوال حياته يعاني من علل كثيرة نالت مختلف أعضاء جسده، لكنّها لم تستطع أن تطال صلابة ولا سموّ روحه، بل بالحري أتاحت له الفرصة كي يحفظ إناء نفسه نقيّاً طاهراً لم تفسده الأهواء ولا دنّسته الرّذائل.

كان بيمن يرغب منذ نعومة أظفاره أن يصبح راهباً لكنّ أهله كانوا يعارضونه ويقاومون رغبته هذه بشتّى الطّرق. وفي أحد الأيّام، وقد اشتدّ به المرض حتّى شارف على الموت، قرّر أهله أن يصحبوه إلى دير اللافرا  في كييف حيث كانوا يقطنون عساه يُبرأ بصلوات رهبان الدّير. أمّا القدّيس فإذ كان يعلم حقّ العلم، في قرارة نفسه، أنّه إذا شُفي فسوف يُبعده أهله من جديد عن الدّير، ولن يتسنّى له فيما بعد أن يزوره ولا أن يصبح بين عداد رهبانه، راح يصلّي بحرارة كبيرة كي لا يمنّ الله عليه بنعمة الشّفاء. فاستجاب الرّبّ لطلبته إذ لم تُجدِ نفعاً كلّ صلوات الآباء، فاضطّر ذووه أن يتركوه في الدّير عسى الله يتحنّن عليه في يوم من الأيّام ويمنحه البرء والشّفاء.

وفي إحدى الليالي، وبينما كان الجميع نياماً، ظهر لبيمن جوق من الملائكة بهيئة رئيس الدّير مع الإخوة الرّهبان قائلين له: ” لا تخف إنّ ما تعانيه من أمراض إنّما هو لخيرك وخلاصك وليتمجّد بك اسمه القدّوس. ولكنّك لن تحظى بالشّفاء الكامل إلاّ قبل ليلة واحدة فقط من رقادك. ثمّ ألبسوه الزّيّ الرّهباني وتوشّح بالإسكيم المقدّس باحتفال مهيب وأُعطي اسم بيمن. ناولوه بعد ذلك شمعة واحدة وأوصوه بأن يتركها مضاءة مدّة 40 يوماً و40 ليلة.

استفاق الرّهبان على أصوات التّراتيل والتّرانيم التي كانت تصدر من قلايّة المريض. فهرعوا مسرعين ليتحقّقوا ما يجري، وإذا بهم يرون العاجز المريض مرتدياً الملابس الرّهبانية، ومازالت رائحة طيب زكيّة تعبق في القلايّة، وتحقّقوا من صحّة تكريسه هذا عندما وجدوا ثيابه العلمانيّة وشعره المقصوص موضوعين على ضريح القدّيس ثاودوسيوس (مؤسّس دير الكهوف في كييف) في الكنيسة. بعد هذا الحدث العجيب، استطاع بيمن البقاء في الدّير بموافقة الرّئيس.

بقي بيمن يعاني ولسنين طويلة من أمراض خطيرة، متعرّضاً لآلام رهيبة مريعة كانت تدعو الإخوة لليأس من شفائه وللتّذمّر في كثير من الأحيان من خدمته والاعتناء به، فكانوا يتركونه مراراً كثيرة، ولعدّة أيّام، دون أن يقدّموا له الحاجات الضّروريّة من طعام أو شراب… كما وضعوا معه في قلايته أخاً آخر مريضاً. وبما أنّ الإثنين كانا يشتكيان من النّقص في تأمين حاجيّاتهما اليوميّة، سأل بيمن رفيقه المريض إن كان يقبل بأن يخدمه إن حظي بالصّحّة التّامة. فقبل الرّاهب، وبكلّ فرح، عرضه هذا. ثم ما لبث أن برء هذا الرّاهب بعد أيّام معدودة بصلوات البار بيمن.

وفى هذا الأخ بوعده من تقديم المساعدة اللازمة لبيمن، لكنّه ما لبث هو الآخر أن بدأ يتضجّر ويتأفّف من أمراض بيمن الكثيرة. فتركه كما فعل الآخرون وذهب ليقيم في قلاية أخرى. وبتدبير إلهي وقع من جديد طريح الفراش إذ ابتُلي بمرض خطير كان يعاني بسببه من عطش مستمرّ لا يُروى له فيه غليل أبداً.

أخبر الرّهبان بيمن البار عن حالة الأخ فأجابهم: ” إنّ ما نزرعه إيّاه نحصد أيضاً ” (غلا7:6). ولكنّ رأفته ومحبّته للأخ غلبتا مبادلة السّوء بالسّوء، فطلب أن يرى المريض. وما أن نهض هذا الأخير من فراشه حتّى شعر بالتّحسّن وتعافى كليّاً. فهرول يطلب السّماح من القدّيس الذي بادره قائلاً: “اعلم يا أخي، إنّ الذين يهتمّون بالفقراء بفرح ويخدمون المرضى بصبر، ينالون جزاء أتعابهم في الحياة الأبديّة ولا ينتقلون إلى الموت ولا يرون فساداً “. ثم أضاف بأنّه هو تحمّل بفرح كلّ صعوبات أمراضه وآلامه المبرّحة دون أن يطلب من الله الشّفاء لثقته التّامة بوعد السّيّد القائل: “بصبركم تقتنون أنفسكم (لو:19:21) “. لذا فهو يتمنّى أن ينال عوض هذه الأتعاب الرّاحة في الحياة الآتية حيث ينتفي كلّ حزن وألم. ومنذ ذلك الحين لم يعد هذا الرّاهب يفارق القدّيس بيمن، وكأيّوب آخر لم يكن يكفّ عن شكر الله في كلّ تجربة أو ضيق يتعرّض لهما.

عاش بيمن في الدّير ينعم بسلام وهدوء داخليين بالرّغم من بلاياه مدّة 20 سنة. وفي ليلة انتقاله، شوهدت ثلاثة أعمدة من نور تظلّل الكنيسة وغرفة الطّعام. وفي صباح اليوم التّالي وُجد القدّيس في حالة صحيّة جيّدة، فقام يتنقّل في الدّير ويزور الإخوة في قلاليهم شافياً السّقماء منهم، ثم دخل الكنيسة حيث اشترك في القدّاس الإلهي وتناول الأسرار المقدّسة. ذهب بعد ذلك برفقة بعض الإخوة لزيارة مغارة القدّيس أنطونيوس (المؤسس الأول لدير الكهوف) الموجودة في كييف للتّبرّك منها وحدّد المكان الذي كان يريد أن يُدفَن فيه. ثم ما لبث أن نظر إلى الإخوة وقال مسبّحاً ومترنّماً: ” ها قد أتى أولئك الذين ألبسوني الزّيّ الرّهباني لكي يأخذوا نفسي “. قال هذا وتمدّد على سريره وأودع نفسه بسلام، تلك النّفس المؤمنة ذات الرّجاء الذي لا يخيب الذي بربّنا يسوع المسيح. لقد رسم آباء الدّير أن يُعيّد له في 7 آب أي يوم رقاده. فبصلواته اللهم ارحمنا وخلّصنا آمين.

عن كتاب دير الكهوف (باليونانية)