تأمل في أسبوع الآلام – الميتروبوليت افرام كيرياكوس

تأمل في أسبوع الآلام

الميتروبوليت افرام كيرياكوس

 

هذا الأسبوع منفصل عن الصوم الأربعيني، في الماضي كان المؤمن الموعوظ في فترة الصوم الكبير يتهيأ للمعمودية، وفي الوقت الحاضر في أسبوع الآلام، حسب التفسير اللاهوتي، يتهيأ المعمَّدون للمعمودية الثانية، أي للتوبة. فترة الصوم كانت سابقاً فترة تهيئة، هذه الفترة هي فترة جهاد، أما أسبوع الآلام فهو فترة يأخذ الجهاد أهمية ثانوية لأن الإنسان المؤمن يدخل فيه في تأملٍ واشتراك بسرّ محبة المسيح، محبة الله الفائقة، سر آلام المسيح وقيامته. والذي يشترك بالصلاة لا بد أن يلمس ذلك من خلال التراتيل والمقاطع الكتابية.
تعرفون أن الآباء يوصون المؤمنين بقراءة الأناجيل في بيوتهم في هذه الفترة، والكبار في السن عندهم هذه العادة، على الأخص المقاطع المختصة بالآلام والقيامة.
إذاً هناك هذا السر العظيم الذي نشترك نحن به، هذه الحقيقة التي تفوق الإدراك والبشرية، كيف أن الله يأتي إلى الآلام والعذاب والصلب، ويموت من أجل هذا الإنسان، هذا الخروف الضال الذي خلقه أصلاً على صورته، ويقيم هذا الإنسان من مأزق واقع فيه، الحقيقة تفوق إدراكنا. تفوق وتتخطى نظرنا، تتخطى تطلعنا. ما هو هذا السر؟ تعبّر الكنيسة عنه بعبارات مختلفة ولكن يبدو أن هناك تعابير مفضّلة مثل التعابير التي يقول فيها: “المسيح إلهنا الذي تنازل”. إن لاحظتم في الختم “تنازل لكي يتجسد من البتول… لكي يركب جحش ابن أتان… لكي يحتمل الآلام من أجل خلاصنا…”
في هذا الأسبوع نأخذ عدّة وجوه، في الكتاب المقدس تستخدم الكنيسة وجوهاً تشير إلى المسيح، مثلاً يوسف العفيف، أيوب الصدّيق. هذا التنازل هو أحد ميزات شخص يسوع المسيح، ليس فقط شخصه بل طريقه، أي الطريق التي كشفها أمامنا، وفي الوقت نفسه هذا التنازل والانسحاق “أن يرتضي… أخلى ذاته…” هو مرتبط حسب تدبير الرب بالقيامة. حكمة الله انكشفت في المسيح، وكشفت أنه لا قيامة بدون موت، بدون ألم، بدون تنازل، بدون تواضع. هذا الشيء ظهر في حياة عدّة قديسين، مثلاً في أيوب: تعرّى أيوب من عائلته وحتى من سلامة جسده، تجربته بصحته هي نوع من تعرّي الإنسان حتى من راحته في سبيل المسيح أي الله، لأن أيوب لم يتذمر وبسبب إيمانه ارتضى أن يتألم محبةً بالله. يوسف العفيف قد تخلّى عن محبة الدنيا لأنه كان في بلاط فرعون وتمسّك بعفّته، أي مثل موسى “فضّل أن يكون مظلوماً مع شعبه من أن يكون ملكاً في قصر فرعون”. يوسف تجرّب بشيء مقابل السلطة، الذي هو اللذة الجسدية وهي نوع من سلطة، وارتضى محبةً بالله أن يحرم نفسه حتى يبقى أميناً.
وهكذا السبيل الذي كشفه المسيح في موته وصلبه وقيامته، أي بواسطة التعرّي الدنيوي – أن يحرم الإنسانُ نفسَه من مغريات هذه الدنيا محبةً بالأفضل، لأنه هو يفضّل شيئاً آخر – يجب أن يتأمّل كلّ واحد منّا في آلام الرب، أن يتأمل ويقرأ كلّ المراحل التي أطاع فيها الربّ يسوع منذ دخوله إلى أورشليم حتى الصلب والقبر، كلّ حادثة وتعليم، التعاليم الأخيرة في الهيكل، كلّ يوم، الثلاثاء مثل العذارى الحكيمات والجاهلات: كلهنّ عذارى، منتظرات، ما الخطأ الذي ارتكبنه الجاهلات اللواتي حُرمن من الدخول وهنّ مكرِّساتٌ حياتهنّ للعفة، الكنيسة تقول لم يكن معهن زاد (زيت) – الزاد هو الرحمة، كلّ عملِ رحمة صغير هو ادّخار في الملكوت كالذي يشتري حصةً له في الملكوت، إذا كنا نحن فعلاً مؤمنين، فعلينا أن نتمسّك بهذه التعاليم وتبقى هي مرشدة لحياتنا، لا يستطيع أحد أن يقول أن الدنيا تمشي هكذا. في النهاية، كل إنسان يمشي نتيجة حقيقة، وأن يرضى أن شر العالم يُرتضى فيه. هل تخدمنا طريق المسيح؟ هل نحب أن نحيا هذا الخوف والقلق الذي نعيشه؟ هذا أيضاً من تساؤلاتنا خاصة هذه الأيام، حيث موقف الإنسان مُحرج، أي أنه مضطرٌ أن يكون صادقاً مع نفسه، لأنه إن أراد أن يتعلّق بمبدأ المسيح عليه أن يحرم نفسه من أشياء كثيرة، العالم يجذب بشكل كبير والإنسان بحاجة لتمسّك أكثر، إذاً أنا يجذبني المسيح وتعليمه وأنا مستعد للتضحية والسرّ الكبير الذي يبقى بذهننا هو أنّ هذه الآلام هي مرتبطة بالقيامة، أي لا قيامة أو اشتراك بالقيامة بدون عبور الآلام من خلال جسدنا وشخصنا، المسيح هو القائم بالنسبة لكنيستنا، لا نستطيع أن نرى وجه المسيح إلا بالمجد ونحن غير ممكن أن نستمر إلا في صورة القيامة.
إذا لم تعبر فينا آلام الرب، إذا لم نختبر هذا التعري كما اختبره المسيح، إذا لم نشارك، يبدو، بحسب الإنجيل، أنّه لا يمكننا الاشتراك بالقيامة، هل نرتضي أن نتألّم من أجل الرب، هل نؤمن أن هناك فرح مع المسيح حتى نكون مستعدين أن نتألم. العالم بكل الوجوه والطرق يحاول أن يُبعد الألم فيما هو يتألّم، يستخدم وسائل لكي يُبعد عنه الألم (الطب… المخدرات…) ولكن هذه الوسائل تُتعب نفسَه. هل نحن مستعدون للتألم وهل نؤمن أننا سنحصل على الفرح؟ هل اختبرنا ذلك؟ هذا هو التحدّي اليوم، هل يبقى مؤمنون في هذا العالم يسيرون بعكس التيار؟
الدعوة للإنسان المسيحي اليوم هي أن يعمل ويؤمن كما يقول الأب ليف جيليه: أن نؤمن أن هناك شيء أسمى ويتخطى الوجود الإنساني البشري، العالم الظاهر، حقيقة أسمى. يجب أن يكون الإنسان مجنوناً، والإيمان شيء من الجنون ولكنه يعطي تعويضاً فظيع الشكل، الإنسان يعيش في عزلة في وسطه ولكنه يملك تعويضاً داخلياً لا حدود له، هذا شيء من القيامة، أي الحياة، عيش أو تذوّق سابق لقيامة الرب. ونحن في وسط العالم، إذا آمنّا وارتضينا بالتواضع الأقصى <أيقونة المسيح في القبر>.
“أخلى ذاته آخذاً صورة عبد صائراً بشبه البشر طائعاً حتى الموت موت الصليب” (فيليبي6:2). هذه هي صعوبة الحياة المسيحية وحلاوتها. إذا حذفنا هذه الصورة نقلّل من قيمتها، واجبنا نحن كأولاد كنيسة أن نواجه ولا نهرب، إذا واجهنا شيئاً ما ولم نقتنع به هناك مبرر، هناك أناس لا يقتنعون بحقيقة هذا المثال، ولكن الإنسان الذي لمس شيئاً ويهرب منه ويؤجّله يخسر ويُلام لأن حياته تكون وقتاً ضائعاً. يلمس الإنسان هذا الشيء بالإيمان والحياة. الإيمان هو الثقة بالأمور المنتظرة ولكن بحياتك أنت تقترب منها.

حديث في 1241993

الطهارة في الزواج – الميتروبوليت أفرام كرياكوس

الطهارة في الزواج

الميتروبوليت أفرام كرياكوس

 

كما في كلّ موضوع، كي يتكلم أحدنا عن الطهارة في الزواج، لا بدّ أن يكون هناك مقياس. هذا يعني أنّه قبل الدخول في الموضوع أو التحاور فيه لا بدّ أن نذكر على أي أساس نحن نطرح هذا الموضوع، وعلى أي أساس نحن نعالجه ونجد الحلول لكلّ ما يعترضه ويؤدّي إلى عدم الطهارة.
في المسيحية، في الكنيسة، معروف أن المقياس هو المسيح، والذي يعرف هذه القاعدة لا يضيع في أي موضوع يتطرّق إليه، خاصة في المواضيع الأخلاقية المسيحية.
الكنيسة المسيحية، استناداً إلى الكتاب المقدس وحياة القديسين، لها وجهة نظرها الخاصة في ما يتعلّق بأمور الإنسان وحياته على الأرض. ليست الكنيسة مرتبطة بما يُدعى علم الأخلاق، يعني هي تُرشد علم الأخلاق – الأخلاقيات – لأنه فيها المنبع للأخلاق. لا تفرض القواعد العلمية للأخلاق مقياسها على الكنيسة، يعني بإختصار قبل تفصيل الموضوع، إذا كان الزوج ( المرأة والرجل، إذ بلغتنا، هذا التعبير الجميل قد يعني أحد الشريكين والشريكين معاً) فعلاً عائشاً حياة تُرضي الرب فحياته تكون طاهرة. هذه خلاصة الموضوع بالنسبة للمؤمن: الإنسان الذي يعيش بإنسجام مع وصايا الرب ينتج عن حياته كلّ خير بما فيه الطهارة.
لنعدْ في تفصيل الموضوع إلى نقطة البداية حيث لا بد أن نتذكر شيئاً عن الزواج المسيحي. الموضوع ليس الزواج المسيحي ولا أريد عرض هذا، لكني أريد التذكير والتوضيح، استناداً إلى الكتاب المقدس، بالعلاقة الصحيحة بين الرجل والمرأة، خاصة من رسالة الزواج – الإكليل – التي تسمعونها كثيراً وهي رسالة مشهورة (أفسس22:5-33). هذه الرسالة بالرغم من تناقضها ظاهرياً فيها تعليم كبير، وهي طبعاً من نبوغة بولس الرسول وعبقريته إذ يصف العلاقة بين الرجل والمرأة مشبهًا إياها بنفس الوقت بعلاقة المسيح والكنيسة، وبهذا التشبيه يضع قاعدة أساسية، ليس فقط بين الرجل والمرأة بل أيضاً بين الإنسان وأخيه، وأكثر من ذلك يضع العلاقة الصحيحة بين الإنسان وخالقه، الله. كيف يكون ذلك؟
يقول في الرسالة: “أيتها النساء اخضعْن (هذه تسمعونها كثيراً)، لرجالِكن كما للرب، لأن الرجلَ هو رأسُ المرأة كما أن المسيح أيضاً هو رأس الكنيسة وهو مخلص الجسد، وكما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن في كل شيء. أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن ولا وسخ أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدّسة بلا عيب. كذلك يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم، من يحب امرأته يحب نفسه، فإنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه، كما الرب أيضاً للكنيسة لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بإمرأته ويكون الإثنان جسداً واحداً، إن هذا السر لعظيم ولكني أقول من نحو المسيح والكنيسة، أما أنتم الأفراد فليحب كل واحد امرأته كنفسه أما المرأة فلتهب رجلها” (أفسس21:5-33).
الشرح في هذه الرسالة طويل، ولكن ما يهمّنا بالنسبة لموضوعنا، هو أنّ في بعض الجمل الأساسية شيء من الثنائية: هناك تصرّف يقابله تصرّف آخر. الأول حسب ترتيب الرسالة يأتي من المرأة نحو الرجل، وهو شيء من الطاعة، والتصرف الآخر الذي يقابله ويبادله هو المحبة. التصرّف الأول الطاعة للرجل وكذلك محبة الرجل للمرأة تكون على صورة تصرف الكنيسة للمسيح الذي هو رأس الكنيسة رأس الجسد، ويقابله تصرّف المسيح اتجاه الكنيسة الذي هو تصرّف محبة إلى أبعد الحدود لأنه يقول: وأسلم نفسه من أجلها كما فعل المسيح من أجلنا.
تسري في الكنيسة هذه القاعدة، هذا التبادل أو هذه العلاقة، على الرجل والمرأة، كما تسري على العلاقة بين إنسان وآخر. يعني: في أيّ مؤسسة أو أيّ شركة، مثلاً في الجيش، يطيع الإنسان رئيسه والرئيس يقابل هذه الطاعة بتسليم نفسه بمحبة كبيرة. هذا يسري أيضاً على العلاقة بين الإنسان والربّ، الإنسان الذي يطيع وصايا الرب، يبادله الرب بإعطاء نفسه وحياته. هذا شيء واضح نوعاً ما. هذا قانون جرّب الرسول بولس التعبير عنه بالطريقة التي تلائم عصره، ولكنه كما يقول النص في النهاية هو سرٌّ عظيم “وأقوله بالنسبة للكنيسة والمسيح”. يعني أنّ تفسيرنا وإيضاحنا لهذه العلاقة لا يكتمل، فهي بشرية أو إلهية كانت فإنّ موضوعها سر وحقيقة كبيرة عميقة لا نستطيع أن نسبر أعماقها، ولكن عندنا فيها نور وضوء: مَن يتنازل أمام الآخر يستدعي هذا الآخر لأن يعطيه من نفسه وحياته، وهذا ما يعطينا الصورة الصحيحة للعلاقة،طبعاً هنا بين الرجل والمرأة.
هناك تفاسير للآباء القديسين لهذا النص، والتفاسير كثيرة. ولكن ما هو أكيد في كل هذه التفاسير أن هذا النص مرتبط بسفر التكوين حيث يوجد فيه نفس الجمل الواردة في هذا النص الذي مثلاً يتبع خدمة الأكاليل ويتبع الأفاشين يرى أن هذه الأفاشين فيها جمل طبق الأصل من سفر التكوين، عندما يقول لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه يقول عن المرأة هذه هي من لحمه ومن عظامه، ولهذا دُعيت امرأة لأنها من الرجل أُخذت ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته فيصيران جسداً واحداً وما جمعه الله لا يفرّقه إنسان” (تكوين23:2-24 ومتى5:19).
هذه هي إن أردتم الصورة الرئيسية للزواج المسيحي: العلاقة بين الرجل والمرأة، أنها هي لحم من لحم وعظم من عظامه وهي من الرجل أُخذت. وبسبب هذه الجمل يقول الآباء أنه هكذا شاء الرب في ترتيب الخلق أن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة على هذا الشكل، لأنه خلق الرجل أولاً وأخذ ضلعاً من أضلاعه وأبدع منه امرأة فقال هذه امرأة أُخذت من لحمك ومن عظامك أي أنه في الأصل الإثنان هما واحد، وحتى يبقى الإثنان واحداً لا بد أن يكون هناك التصاق في كلّ شيء، محبةٌ تفاني وتضحيةٌ في كلّ شيء، المسألة دقيقة: هناك ثنائية بين الطاعة والمحبة، لا تقتصر على طاعة المرأة للرجل ومحبة الرجل للمرأة عندما يصيران جسداً واحداً. يسري المفعول على الاثنين إذ صارا جسداً واحداً فلا يعود يُعرَف من يطيع الآخر ومن يحب الآخر أكثر. ولكن كلّ هذا لا ينفي الترتيب الذي شاء الله أن يضعه منذ البدء.
الآن نريد أن ننتقل إلى هذه العلاقة ضمن الطهارة. من المؤكد أنه يمكن أن نكرّر ما قلنا سابقاً: إذا كانت هذه العلاقة صحيحة مبنية على هذا الأساس فالرجل والمرأة يعيشان في طهارة دائمة، طهارة لا تتعلق بقضية الأخلاق أو اللاأخلاق. إذا كانوا يعاشرون بعضهم أو لا أمر يتعلق بمدى اتفاقهم فعليًا في الطاعة والمحبة.
هنا لا بد أن نقدّم ملاحظتين:
الملاحظة الأولى تختص بالسؤال ما هو الدنس؟
الدنس هو عدم الطهارة والخطيئة. أن يكون الإنسان طاهراً أو أن يكون غير طاهر، أي متى يكون دنِساً أو غير دنس، هذا شيء مهم كثيراً بالنسبة للإنسان المسيحي المؤمن الذي كما قلنا مقياسه المسيح. إذاً كيف تحدد الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية الخطيئة؟ نقول أن الخطيئة ليست في أن أحدنا عصى وصية معينة، أي أخطأ أو عمل شيئاً ليس صالحاً. ما هو الصالح وما هو غير الصالح؟ يجوز بالنسبة لي أن يكون هذا الشيء صالحاً أما لغيري فهو غير صالح، خاصة في عصرنا إذ يوجد أشياء نعتبرها غير صالحة ونذهب إلى بلدان أخرى فيعتبرونها طبيعية.
بالنسبة للمسيحي، المقياس هو المسيح. الذي يعيش مع الرب هو الإنسان الذي يبتعد عن الخطيئة، لا يوجد أبسط من هذا: الخطيئة هي العيش بعيداً عن الله. هذا بالنسبة للاهوت المسيحي الشرقي، يعني الإنسان الذي يعيش غاضّاً النظر عن الله هو الإنسان العائش في الخطيئة.
الخطيئة كما يفسرها الآباء، مثلاً القديس اثناسيوس الكبير هي حالة الفساد الطبيعي. الفساد الطبيعي يعني أنّه عندما عصى آدم أوامر الله، ابتعد عنه ودخل في عالم جديد هو عالم الفساد. الفساد بمعنى الاهتراء. ما صار يموت، ليس فقط نفسه بل وجسده، بينما أصلاً كان في حالة أزلية لا يموت عندما كان يحيا مع الله. عدم الموت هو أنّ الإنسان الذي يعيش مع الله لا يموت. الموت هو نتيجة الخطيئة ونتيجة البعد عن الله لذلك يقول يوحنا اللاهوتي: “من يؤمن بي وإن مات فسيحيا ومن يؤمن بي وإن كان حياً فلن يموت إلى الأبد” (يوحنا26:11).
بهذا المعنى، أنه إذا مات أحدٌ عائش جسدياً يبقى حياً، هناك أناس كُثُر أموات جسدياً بينما هم باقون أحياء ونحن نطلب شفاعتهم. إذاً، الخطيئة أو الدنس هما العيش بعيداً عن المسيح. يعني: إذا عاش الرجل والمرأة مع الرب ساعة يكونان طاهرين. فالقضية ليست إذا عملوا هذا الشيء أو لم يعملوا هذا الشيء الآخر، إذا امتنعوا عن المعاشرة فيما بينهما أو لم يمتنعا، هذا موضوع رعائي دقيق لا بد أن نعالجه على أساس العقيدة. إذأً، هذه الملاحظة الأولى أحببت أن أقولها، الملاحظة حول ماهية الخطيئة وماهية الدنَس. الدنِس هو الإنسان الذي لا يعيش وصايا المسيح ولا يتبعها. يمكن أن يكون الرجل والمرأة ظاهرياً طاهرين ولكنهما لا يعيشان بموجب وصايا الرب، فهما معرّضان للدنس أكثر من رجل وامرأة ضعيفين وعائشين بخوف الله. إذن المقياس بالنسبة للدنس هو العيش بخوف الرب وبحسب وصاياه.
الملاحظة الثانية التي أريد قولها هي حول الزنا حسب تفسير الرسول بولس الرائع في رسالته إلى أهل كورنثوس. في كلامه عن الزنا، لا يواجه الموضوع أخلاقياً، بل يواجهه أيضاً من ناحية الإيمان. إذا كنا نؤمن بالرب وبوصاياه نعرف ما إذا كنا سائرين بشكل صحيح وخيّر في الزواج وفي خارجه، لأنه يقول: أجسادكم هيكل للروح القدس وقد اشتريتم بدم كريم. يعني أنّ أجسادنا (الرجل والمرأة) لم تعُد خاصّتنا طالما اعتمدنا وصرنا مؤمنين، بل صارت تخصّ الرب. لم يعد باستطاعتنا التصرّف بها على هوانا. فإذا كان المسيح جامعاً بين الرجل والمرأة، فالمسيح هو الذي يطهّرهما بسبب إيمانهما والتصاقهما بالرب الذي يغطّي ضعفاتهما. ليست القضية أنهما هما طاهران. لا أحد طاهر، ولا أحد بلا خطيئة، ولكن إذا كنا ملتصقين بالرب، أي كما يقولون بأن لدينا خوف الرب، ولدينا هذا الهاجس بأن يكون عيشنا برضى الرب في كل شيء، عندئذ يكون الرب قادر دائماً أن يطهّرنا ويبقي هذه العلاقة مقدسة بلا عيب وبلا وسخ. من هنا يتكلّم بعض الآباء عن البتولية في الزواج، الإنسان الملتصق بالمسيح يكون طاهراً وبتولاً حتى ولو تزوّج لأن البتولية لا ترتبط باللحم والدم، بل ترتبط بمحبة الإنسان للرب.
إذا أردنا أن نلخّص مرة أخرى قبل أن نعطي المجال للأسئلة والحوار نستطيع القول بأن في الزواج، أي بين المرأة والرجل، مَن يكون أميناً للمسيح يضمن عيشَه بطهارة ويضمن نجاحَه، والأمانةُ للمسيح تضمن أمانةَ الرجل للمرأة والمرأة للرجل.
يمكن الآن أن أعطي مجالاً للأسئلة بعد أن أعطيت بعض قواعد وأفكار عامة يمكن أن ننطلق منها للحوار والأسئلة.

تعليق من مدير الجلسة الأب جورج الصوري:

يعتبر الناس أنّ مَن لا يُجري علاقة خارج العلاقة الزوجية المعروفة هو طاهر، أمّا الذي يجري علاقة خارج العلاقة الزوجية المعروفة فهو غير طاهر… معظم الناس هكذا تعرّف الطهارة: طالما يحافظ الإنسان على العلاقة الزوجية كون العلاقة الزوجية طاهرة فهو طاهر…
الأب افرام: أنا أريد أن أقول شيئاً. تعرفون أن في العالم كله اليوم أزمة، إنّها أزمة العائلة. اليوم في العالم، العائلة تتفكك، نشكر الله أننا بعد في منطقة لم تصبح هذه الأزمة كبيرة جداً. من أين تأتي هذه الأزمة، لماذا يحدث هذا التفكك، لماذا لم يعد كثيرٌ من المسيحيين يتزوجون مسيحياً في الكنيسة ويفضّلون الزواج المدني؟ ولماذا، أكثر من ذلك، كثيرون أو البعض لنقل في بعض البلدان يعيشون مع بعضهم البعض بدون زواج لا مسيحي ولا عقد مدني؟ ولماذا، أكثر من ذلك، بين الناس وخاصة المسيحيين يبنون علاقات خارج الزواج، أي زنا بحسب تفسير الكنيسة؟ هذا يعود كلّه إلى ضعف الإيمان والابتعاد عن الكنيسة وعن الله. هذا هو السبب الرئيس، لأنه إذا لم يكن ربّ الإنسان مقياسه، لا يوجد مقياس أخلاقي يضبط الإنسان ولا يوجد يلزمه. يأتي مَن يقول: من يمنعني، إذا الدولة أو بعض الدول تسمح بالعيش المشترك بدون زواج؟ لماذا أنت تريد أن تمنعني وتقول لي بأنها خطيئة؟ ولكن إذا كان الإنسان مؤمناً بصورة بسيطة، وإذا جاء إلى الكنيسة وسمع الرسالة تقول له ما جمعه الله لا يفرقه إنسان، ويصبحان جسداً واحداً، كيف يمكن لضميره أن يطاوعه على الالتصاق بجسد آخر؟

سؤال: الجملة الأخيرة “ويصيران جسداً واحداً” هل تعني أنّ الزوجين يصيران، أي أنّ الطرفين يصيران جسداً واحداً، أو أنّ كلّ طرف يصير واحداً مع المسيح؟

الجواب: هذا السؤال دقيق، يقول القديس الذهبي الفم مثلاً: هكذا شاء الله في البدء أن يخلق آدم ويأخذ المرأة من ضلعه لذلك قال: هذه لحم من لحمي وعظم من عظامي. أي أنه أراد أن يضمن شيئاً من الوحدة بمعني أن ينظر إلى الرجل والمرأة كواحد، ويعطي صورة النبتة التي تطلع ولا تبدأ بالتفرّع إلاّ بعد أن يصبح لها جذع. ويضيف الذهبي الفم أنّه بعد أن شاء الله أن ينبت الاثنان واحدا من أجل النسل، لم يعد يسمح أن يتزوّج الرجل اخته أو ابنته، لأنهم واحد. فلم يسمح بأن يتزوجوا من بعضهم لكي لا تبقى هذه الأنانية، لكي تتفرع الشجرة من أجل الشركة والمحبة، فيسعى الإنسان أن يفتش عن إنسان غريب بعيد عنه حتى لا يبقى مغلقاً على نفسه. لذلك الكنيسة لا تسمح للشخص أن يتزوج من أقاربه. فالوحدة قائمة بين الرجل والمرأة ولا بد أن تبقى قائمة ولكن في نفس الوقت هذه الوحدة منفتحة على الآخرين. لذا لا يسمح الله بأن يزني الرجل أو المرأة مع شخص آخر. المعنى هنا أنهما متحدان ومنفتحان في الوقت نفسه، ولذلك كما تقولين الوحدة قائمة بينهما وقائمة بين كل واحد منهما والمسيح كونهم أعضاء الكنيسة التي رأسها المسيح.

سؤال: الجملة الأخيرة “ويصيران جسداً واحداً” هل تعني أنّ الزوجين يصيران، أي أنّ الطرفين يصيران جسداً واحداً، أو أنّ كلّ طرف يصير واحداً مع المسيح؟

الجواب: هذا السؤال دقيق، يقول القديس الذهبي الفم مثلاً: هكذا شاء الله في البدء أن يخلق آدم ويأخذ المرأة من ضلعه لذلك قال: هذه لحم من لحمي وعظم من عظامي. أي أنه أراد أن يضمن شيئاً من الوحدة بمعني أن ينظر إلى الرجل والمرأة كواحد، ويعطي صورة النبتة التي تطلع ولا تبدأ بالتفرّع إلاّ بعد أن يصبح لها جذع. ويضيف الذهبي الفم أنّه بعد أن شاء الله أن ينبت الاثنان واحدا من أجل النسل، لم يعد يسمح أن يتزوّج الرجل اخته أو ابنته، لأنهم واحد. فلم يسمح بأن يتزوجوا من بعضهم لكي لا تبقى هذه الأنانية، لكي تتفرع الشجرة من أجل الشركة والمحبة، فيسعى الإنسان أن يفتش عن إنسان غريب بعيد عنه حتى لا يبقى مغلقاً على نفسه. لذلك الكنيسة لا تسمح للشخص أن يتزوج من أقاربه. فالوحدة قائمة بين الرجل والمرأة ولا بد أن تبقى قائمة ولكن في نفس الوقت هذه الوحدة منفتحة على الآخرين. لذا لا يسمح الله بأن يزني الرجل أو المرأة مع شخص آخر. المعنى هنا أنهما متحدان ومنفتحان في الوقت نفسه، ولذلك كما تقولين الوحدة قائمة بينهما وقائمة بين كل واحد منهما والمسيح كونهم أعضاء الكنيسة التي رأسها المسيح

سؤال: ما السبب أن أجسادنا ليست ملكنا، بعد أن نعتمد… هل هذا يعني أنّه، في الحياة العادية، لا يستطيع الواحد أن يتطلّع على جسد شريكه، وإذا غلط لا سمح الله هل بإمكاني أن أغضّ النظر (طنّش) وأقول…

الجواب: دائماً علينا أن ناخذ الناحية الإيجابية التي تنسجم مع الإيمان. جسمنا، كونه للرب، يصبح مقدساً لأنه يصير إناءً للروح القدس الموجود فينا والذي نأخذه في المعمودية ولجسد الرب ودمه اللذين يدخلان في أعضاء هذا الجسد كله. فنحن من أجل ذلك، إذا مرض هذا الجسد علينا أن نعتني به. يجب أن نأخذ هذا الأمر من هذه الناحية: أنا لا يمكنني أن أهمل جسدي ولا أحد يهمل جسده. ليس لأنه ملك لله أتركه لله وهو يتدبّر الأمر! لا على العكس، لأنه يجب أن أعيش لله أعتني به وأهذّبه حتى يبقى مطواعاً ومهذباً وإناءً صالحاً لتمجيد الرب، أكيد أنه إذا اهتممتُ بجسدي هذا لا يعني أن أرضي أهواءه، ليس بهذا المعنى، بمعنى أنه إذا مرض أحدنا يجب أن يهتم بمعالجة جسده. هذا شيء مشروع ومبارك حتى يبقى سليماً. يقول الآباء أن الجسد مثل الحصان، إذا تأخر أو ضعف لا يعود قادراً أن يتقدم، وإذا أهملته لا يعود هناك من يحملك.

مداخلة لمدير الجلسة:

في الكنيسة نهذّب الجسد إذ ممنوع تعذيبه، ممنوع إماتة الجسد. لا نسعى لأن نعمل إماتة للجسد، بإرادة أو بدون إرادة بمعرفة أو بدون معرفة. فإهلاك الجسد أو إماتته ممنوع مسيحياً لأنه جسد المسيح. من هنا، في الرسالة نفسها التي قرأها أبونا إفرام يقول: “مَن يريد أن يهلك جسده قط بل يفديه ويربّيه، كما يعامل الرب الكنيسة”. فإذا أوصى الطبيبُ الإنسانَ بتناول حبة دواء ألا يتناولها؟ إذا رأى الطبيب ضرورة الجراحة ألا يخضع الانسان لها. ألاّ يفعل يكون انتحاراً. السبب هو التعبير عن الوحدة بالمسيح والتعبير عن الطهارة المستمَدة من المسيح بقوة الروح القدس. نهتم بجسد شريكنا، أي إنسان يكون أمامنا، حتى لا نكون سبباً لهلاك الجسد أو لإماتته، وهناك الكثير ممَن يهملون شريكهم أو يهملون أهلهم وعائلاتهم وهذا مخالف للشريعة ومخالف لتعاليم الكنيسة.
الأب أفرام: نعم كما يقول أبونا جورج، هناك تمييز. على الإنسان أن يميّز بين الاعتناء بالجسد ومحاربته وعدم الإهتمام بأهواء الجسد. التهذيب يعني الأهواء والشهوات، عندما يحارب الشخص أهواءه وشهواته يهذّب جسده. مثلاً، إذا تجنّب المآكل الدسمة لا يقتل جسده بل يغذّيه! إنّه يهذبه لأن المواد الدسمة جداً تتعب الجسد ولا تهذبه.

سؤال: هل تعتقد أن الزواج المختلط مع غير الأرثوذكسي يؤثر على طهارة الزواج؟

الجواب: الموضوع بالحقيقة دقيق، لأنّ هناك صراع بكل معنى الكلمة بين علاقة الإنسان مع الله من خلال إيمانه وعقيدته وعلاقته مع الشخص الذي يحبه. هذا الصراع صعب. أعتقد أنّ هذه حالة إستثنائية. طبعاً الأحوال العادية، لا يخفى عليك أنه، الأفضل أن يقترن الإنسان بشريك من عقيدته. ولكن في الأحوال الإستثنائية يدخل الإنسان في هذا الصراع، وأعتقد أن ربّنا وحده هو الذي يفصل فيما إذا كان هذا الشخص يتصرّف بطهارة أو بلا طهارة، طبقاً لصدقِه الداخلي: على أي أساس يتصرّف ويختار الشخص الآخر، هل يتصرّف عن صدق أو عن مصلحة أو عن شهوة أو عن شيء آخر؟ إن كان يتصرف فعلاً عن صدق، فالرب قادر أن يحلّ المعضلة والصعوبات في حينها ويطهّرنا ويغطي ضعفاتنا وصعوباتنا.

سؤال: كان السؤال عبارة عن أن الزواج من طائفتين مختلفتين لا يمنع الطهارة لأن الله والمسيح واحد ونحن نتبع هذا الإله الواحد؟

الأب إفرام: أريد أن أعطيك صورة من أحد الآباء وهو القديس دوروثاوس: الناس دائرة مع مركز وشعاعات، المركز هو المسيح وهو واحد. لم يكن القديس يتكلّم عن الطوائف، لأنه لم يكن طوائف – قبل القرن الرابع – ولكن يتكلّم عن الأشخاص الذاهبين باتّجاه المركز الذي هو المسيح. الذين يسيرون على خطوط الشعاع، كلّما اقتربوا من المسيح كلّما اقتربوا من بعضهم ولكن في الحياة طرق. يقترب الإنسان من المسيح بطريق معين، كل مَن يعرف التقليد الشرقي والتقليد الغربي يعرف أن في كلّ منهما نهج مختلف ونمط حياة مختلف وصلوات مختلفة ويمكن لكلّ هذا أن لا يتعارض. ولكن يبقى أنّ الذي نشأ على نهج معين عنده وجدان معين وعندما يقترب من شخص له تربية ونهج آخران، تظهر صعوبة الانصهار. هذه لا يستطيع الواحد أن يهرب منها، هذا لا يعني أنهم لم يعودوا واحداً… يمكن أن يصبحوا واحداً إذا كانوا، كما حاولت أن أجاوب قبلاً، صادقين. أي أنّ وحدتهم تكون أمتن من غيرها إذا كانوا صادقين وعندهم النية بأن ينصهروا. ولكن هذا لا ينفي صعوبة الإنصهار.

سؤال : تفعيل المعمودية بالزواج؟

السؤال غير واضح ولكنه يتعلق بالمعمودية وتفعيلها، بالنسبة للمعمودية، إذا أردنا تبسيط التعبير مثل الترتيلة: أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم. نحن نلبس المسيح، كم هو عدد الأزواج حاملي المسيح في حياتهم.
هل أن السؤال يطرح الصلة بين سر المعمودية وسر الزواج. الصلة موجودة في التراتيل في الإكليل. عند الدورة والترتيل للشهداء (أيها الشهداء القديسون الذين كرزتم بحمل الله وذبحتم كالخراف)، تلاحظون الإكليل الذي هو للشهداء. لماذا دعوه إكليل؟ لأنهم شهداء للمسيح.
عندما يكلّل الكاهن يقول: بالمجد والكرامة كللهما، هذا يعني أن الجملة منسوبة أصلاً للشهداء الذي يكللون بسبب شهادتهم للمسيح. وكيف تكون الشهادة شهادة للمسيح؟ بالأصل كلمة شهادة باللغة العربية تعني الشاهد والشهيد، وبالأصل اليوناني الكلمة واحدة، هو الشاهد وفي نفس الوقت تعني الشهيد.
إذاً إذا كانوا في حياتهم شهداء للمسيح يحققون معموديتهم وإكليلهم… الإكليل يقال أن الزواج هو مدرسة للحب. يعني أنّ الذي يعيش زواجاً ناجحاً ينال الإكليل. فالإكليل الذي نأخذه بخدمة الزواج هو بركة نأخذها على الرجاء. يعني أننا نأخذ عربون إكليل المجد الذي سوف نحصل عليه بعد شهادتنا للمسيح. لذلك، كم من الأزواج – أنا لم أتزوج ولكن الذي تزوج ونجح يعرف – بأن آخر أيامهم تكون أياماً حلوة يقطفون فيها ثمار تعبهم وجهادهم سنين. وعند افتراقهم تصيب قلبهم حسرة فظيعة لافتراق الشريك عن الشريك. إنّهم لا ينالون تعزية إلاّ من الرب. الناس لا يتعزون إن لم يكونوا مؤمنين. وإذا كانوا مؤمنين فربنا فقط هو الذي يعزيهم.

حديث في بلدة الحدث، تشرين الثاني،1995

هل القداسة ومعاينة الله بمتناول الجميع؟ – الأرشمندريت أفرام كرياكوس

هل القداسة ومعاينة الله بمتناول الجميع؟

الأرشمندريت أفرام كرياكوس

 

في الحقيقة، الموضوع غير سهل. موضوع الكلام على الإتحاد بالله أو القداسة، موضوع سهل وغير سهل في آن واحد. هذا الإنجيل يدعونا كلّنا، نحن المؤمنين أن نكون قدّيسين: “كونوا قدّيسين كما أنّ أباكم السماوي قدوس” (1بطرس 16:1) أو كاملين (متى48:5) وفي مكان آخر، يقال: “ليس قدّوسٌ سواك يا رب”.
إذاً القداسة هي من الله، ليست من الإنسان لأن القدّيس الوحيد هو الله. لذلك لا يستطع أحد من البشر أن يطمح أن يلبس القداسة وحده بدون الله: هذه نقطة رئيسية في الموضوع كله.
لا بدّ أولاً أن نذّكر ببعض الحقائق الكنسية المستقاة من خبرة القدّيسين ونحن على درب القداسة. القداسة هي من الروح القدس. القداسة هي من صنع الروح القدس، أو إن شئتم هي من عمل النعمة، نعمة الروح القدس. هذه النعمة الإلهية موجودة فينا موجودة منذ المعمودية. هذا يعني أن لدينا إمكانية التقديس، إمكانية الإتحاد بالله ومشاركة الحياة الإلهية (2بطرس 4:1)، عن طريق الأسرار الكنسية المقدّسة، خصوصاً المعمودية والميرون والمناولة. يقول القديس نيقولا كباسيلاس: “الأسرار المقدسة قنوات تنقل إلينا النعمة الإلهية”. هذا أمر مهم لنا كلنا في حياتنا في الكنيسة.
كيف يمكن لمَن لا يواظب على الكنيسة وعلى الأسرار الإلهية أن يكتسب النعمة الإلهية إذ “بالنعمة أنتم مخلّصون” (أف5:2و8)؟ هذا الأمر يفسّر الكثير من الانحرافات الحالية في العالم خصوصاً عند المسيحيين الذين ابتعدوا عن الكنيسة وعن أسرارها المقدسة.
يريد مني قدس الأب جرمانوس أن أحكي عن سبل توصّل الإنسان المسيحي العادي، لأن يتقدّس أو على الأقل أن يسير على طريق القداسة؟ في الكنيسة الأولى، كما نرى واضحاً في أعمال الرسل، كان المسيحيون يواظبون على حياة الكنيسة. “كانوا يواظبون على الصلاة، وتعليم الرسل، وكسر الخبز، وكان كلّ شيء فيما بينهم مشتركاً” (أعمال42:2 و32:4)، كانوا كلهم ملتزمين، لهذا نفهم القانون الذي يقضي بحرمان المسيحي من عضويته في الكنيسة إذا غاب ثلاث مرات متتالية عن القداس الإلهي.
والرسول بولس في رسائله إلى أهل أفسس، كورنثوس، الخ… كان يدعو المؤمنين “قدّيسين” لأنه يعرف أنهم ملتزمون في حياة الكنيسة، ممارسون، أعضاء أحياء لا مجرّد مسيحيون بالاسم. هذا أول شرط للسير في طريق القداسة: الالتزام بالكنيسة، المواظبة على الأسرار الكنسية وخصوصاً القدّاس الإلهي، هذا ما ينقصنا في مجتمعنا الحاضر، خصوصاً عند الجيل الجديد، حتى تفعل نعمة الله فينا ونتقدّس ونقدّس الآخرين.
يقول أحد الآباء المعاصرين، الأب بورفيريوس، أن الإنسان الذي يعيش مع الله ويحمل نعمة الله فاعلة فيه، يؤثّر على الآخرين وينقل هذه النعمة إلى الآخرين بمثابة طاقة إلهية تفعل في الآخرين وتقدّسهم. هكذا تفعل الصلاة حتى ولو كان بعيداً مكانياً أو كان ميتاً هذا كله فعل النعمة الإلهية.
كيف تفعل هذه النعمة الإلهية والمؤلّهة للإنسان؟ هنا تكمن النقطة الأساسية التي توضح موضوع القداسة ومعاينة الله والإتحاد بالله أو على الأقل السير في هذا الطريق. هذه النقطة يوضحها لنا الآباء والقدّيسون ونحن بدورنا نختبرها ولو بشكل جزئي أو متقطّع.
النعمة الإلهية، كما قلنا موجودة في الإنسان منذ المعمودية ونحن في الكنيسة نتدرّب على العيش مع الله من خلال الصلوات والأصوام، من خلال الأسرار وطبعاً تطبيق الوصايا الإنجيلية. هذه هي الخطوة الأولى المطلوبة من الإنسان المسيحي: تطبيق الوصايا والعيش في الكنيسة.
النعمة الموجودة في الإنسان هي نعمة كامنة بالقوة كطاقة موجودة بالقوّة. هذه النعمة كما سبقنا وأشرنا سابقاً يكتسبها الإنسان منذ معموديته على اسم الثالوث القدّوس ممّا يعطيه إمكانية الاتصال بالله. نحن المخلوقون لا نستطيع الاتصال بالخالق إلاّ عن طريق هذه النعمة الإلهية غير المخلوقة. “وبنورك نعاين النور”: أي عن طريق شيء من الله يبثه فينا.
هذه العمليّة، عملية الاتصال بالله أو معاينة الله، تحصل عندما تكون النعمة الإلهية فاعلة في الإنسان أي عندما تتحوّل “الطاقة بالقوّة” إلى “الطاقة بالفعل”. عند ذلك يبدأ الإنسان يشعر بحضور الله. هذا الإحساس بحضور الله مرتبط بعمل النعمة الفاعلة في الإنسان. وهو البرهان واليقين لوجود الله. كثيرون من الناس يصلّون دون أن يشعروا بشيء، هذا لأن النعمة لم تبدأ بعد بالعمل في داخلهم.
الإيمان عند الإنسان المسيحي مطلوب أولاً وهو بحسب الرسول بولس “الثقة بالأمور المرجوّة وتصديق الأمور غير المنظورة” (عب 11:1). لكننا نحن لا نؤمن فقط بالله بل نودّ أن نعيش الله أن نشعر بوجوده، أن نعاينه. هذا على الرغم مما قيل “طوبى للذين آمنوا ولم يروا”. المعاينة هنا ليست مادية بالعيون الحسّية بل بالعيون الروحية.
نعود ونطرح السؤال: كيف تصبح النعمة فاعلة فينا لكي نعاين الله ونشعر ونتحسّس حضوره فينا؟ هناك شرط أساسي معروف في اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي ألا وهو نقاوة القلب: “طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله” (متى 8:5). هنا تكمن مساهمة الإنسان، حريّته، إرادته، هذا ما يشرحه بصورة جليّة القديس ذياذوخس فوتيكيس في كتابه الجميل “في المعرفة الروحية”.
لا بدّ للإنسان أن يبدأ بالخطوة الأولى حتى تبدأ النعمة الإلهية تفعل فيه. الله لا يعمل في الإنسان دون إرادته. إنه يحترم حريّته. هذه الخطوة الأولى وهي معروفة عند الآباء بمرحلة التطهير من الأهواء.
يأتي كلّ التعليم اللاهوتي وراء هذا القول. إذ إن إيماننا أو عقيدتنا تقول أن الإنسان سقط يوماً ما وأصبح قلبُه مظلماً، لذا نرى الكثيرين يقولون إنهم ضائعون ويفتّشون عن الحقيقة. هذا السقوط والظلام الذي يتبعه ناتجان طبعاً عن الخطيئة، ليس فقط خطيئة آدم بل كلّ خطايانا. من هنا نسمع كلام السابق القديس يوحنا المعمدان ومن بعده كلام الرب يسوع في بشارته، إذ يدعوان إلى التوبة بقولهما: “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات” (متى2:3 و17:4). إذاً الشرط هو التوبة أو التنقية. من هنا نفهم أهمية الصوم، إنه الباب لملكوت السماوات، انه زمن التوبة، زمن التنقية، تنقية أو تطهير الإنسان جسداً ونفساً وروحاً. الصوم ليس هدفاً، إنه وسيلة. حتّى الصلاة وسيلة. الهدف هو المسيح، العيش مع المسيح، مع الله، معاينة الله أو الإتحاد به، هو أن نشعر بحضور الله في حياتنا، في كلّ جوانب حياتنا. الهدف هو القداسة.
كيف يمكن أن تكون حياتنا ممتلئة من حضور الله، كيف يمكن لأعمالنا أن تكون كلها تمجيداً لله؟ هذا كله، مرّة أخرى، يتطلّب توبة، تطهيراً للنفس من كلّ غشاوة أو ظلمة، يتطلّب صوماً عن كلّ هوى أو شهوة ضارة، عن كلّ شيء يعيق هذه الطريق السائرة إلى القداسة.
إذا كنا فعلاً نريد الوصول إلى الله، علينا أن نُزيل كلّ عائق يمنعنا من الاقتراب إليه. طبعاً مَن يقترب من الله، يقترب من الآخرين. مَن يحبّ الله، يحبّ الآخرين. لذلك الصوم يرافَق بالصلاة وبأعمال الرحمة. هناك جهاد توبة أي صلاة وصوم ورحمة. والله يؤازرنا في هذا الجهاد حتى الموت. طالما الإنسان في هذا الجسد، عليه أن يتوب كونه معرّضاً دائماً للتجربة. لكن كلّما تقدم في جهاد التوبة يزداد فعل نعمة الله فيه. هذه النعمة كامنة في أعماق القلب. إذا استنار الإنسان وطهّر قلبه، كما نطهّر الزجاج المغشى بالأوساخ والغبار، أخذت النعمة تتحرك وتملأ كيان الإنسان وحتى حواسه الخارجية. يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث: عند فعل النعمة الإلهية في الإنسان تصبح حواسه حواس المسيح: كلامُه كلام المسيح، فكرُه فكرَ المسيح حتى يداه يديّ المسيح… وكذلك الأب برفيريوس يقول: يصبح الإنسان شفافاً يرى حتى نفوس الآخرين، يصبح “رائياً”، يرى حتى الله بنعمة الروح القدس: “الروح القدس يفحص كلّ شيء حتى أعماق الله” (1كور10:2). إذا ابتدأت النعمة الإلهية تفعل في الإنسان التائب، يتوق هذا الأخير نحو إنكار الذات ويدخل في نطاق المحبة الإلهية “المحبة التي لا تطلب ما لنفسها” (1كور5:13).
الصوم ليس إماتة للنفس، هو لتهذيب النفس، لتطهيرها من أدران الخطيئة. إنّه تهيئة للقاء مع الله، تهيئة للفصح. هنا أودّ أن أذكر لكم ما يقوله الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية: “ليس ملكوت الله أكلاً وشراباً بل هو برّ وسلامٌ وفرحٌ في الروح القدس” (رو17:14). هذا ما نعرفه أيضاً عند بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: “وأما نمو الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان وداعة تعفف” (غلا 22:5). هذا عندما تبدأ الفضائل الإنجيلية بالظهور لدى الإنسان.
الإنسان الدنيوي يعتقد أن الحياة كائنة في معيشته، في تأمين حاجات المعيشة، وهذا شيء شرعي. لكن أن يرى الحياة في تأمين الرفاهية والراحة فهذا شيء خطر، يمكن أن يقود إلى الخطيئة. لذا، نرى الكنيسة ترتل في الأحد الخامس من الصوم، في ذكصا الإينوس في السحر: “ليس ملكوت الله طعاماً وشراباً. بل برّ ونسكٌ مع قداسة”. لماذا عدّلت الكنيسة كلام بولس في رومية، هذا لأنها أرادت في الصوم الكبير، في أحد البارة مريم المصرية كما في أحد الصليب وأحد القديس يوحنا السلمي، أرادت أن تشدّد على النسك، نسك التوبة للوصول إلى القداسة والى الفضائل الإنجيلية. النسك هو التمارين الجهادية التي من شأنها أن تقود إلى التوبة، ومن التوبة إلى الاستنارة ومعاينة الله والقداسة. لا بدّ من التعرّي من حبّ الذات لكي تفعل فينا نعمة الروح القدس وتُثمر بالفضائل، لا شكّ أن تقليد كنيستنا تقليدٌ نسكي.
ما أريد أن أقوله في الخلاصة أنّ هذا المشروع المعروض علينا، مشروع القداسة كما يدعونا الإنجيل إليه “كونوا قدّيسين”، مشروع معروض على الجميع، جميع المؤمنين وليس فقط على الرهبان. مَن هم القديسون في النهاية؟ يقول القديس افرام السرياني إنهم التائبون العائدون إلى الله. لا بدّ للإنسان المسيحي في عصرنا أن يكون صادقاً مع نفسه، مع الله، مع إيمانه، مع الناس. لا بد لي أن ألتزم مع المسيح، مع وصاياه، مع كنيسته. هذا الذي ينقصنا. لا يوجد حلّ وسط في المسيحية، لا يوجد ميوعة في تقليدنا. لا يمكن لي إذا أردت القداسة أن أحضر القداس شكلياً وآتي إلى الكنيسة كواجب اجتماعي فحسب. الطريق ضيّق ويطلب تعباً وربما يتعرّض المؤمن اليوم إلى الاضطهاد، ليس فقط في الكنيسة بين أهله بل أيضاً في العالم في مصالحه. الله موجود وهو يحميه ويوفّقه.
الزمن الحاضر زمان توبة وعلى كلّ واحد منا أن يلتزم بأسرار الكنيسة ليس فقط بسرّ الأفخارستية، أي القداس والمناولة، بل أيضاً بسرّ الاعتراف والتوبة. هكذا تفعل فيه النعمة ويمكن له أن يتذوّق شيئاً من فرح الملكوت، شيئاً من ثمار الروح القدس ممّا ينتظرنا في الحياة الآتية. يكبر ويقترب من الموت ولا يخاف إذ قد عرف ولمس أن شيئاً أفضل ينتظره في الملكوت الآتي.

حديث ألقي في كنيسة السيدة الأرثوذكسية، راس بيروت، في 27-3-2006

الأبوة الروحية – الميتروبوليت أفرام (كرياكوس)

الأبوة الروحية*

الميتروبوليت أفرام (كرياكوس)

يدعى الكاهن في كنيستنا أباً (أبونا). وهو الأب الروحي الذي يختلف عن الأب الجسديّ، من حيث أنه (الأب الروحيّ) الذي يولِد بالروح بروح الله. قضية هذه الأبوة قصة طويلة يجب العودة إلى القديم جداً، منذ خلق الله اللكون، وقد خلقه بوجهٍ حسن، بقلبٍ طيب.
يقول الكتاب: “خلق الله كل شيء حسناً”. إنما في الوقت ذاته شاء الرب أن يكون الإنسان حراً. وكما تعلمون تشوّه هذا الوجه فدخل الشر في العالم وأخذ الناس يتقاتلون ويتصارعون، حروب جماعية وأخرى فردية، كره حقد، سقوط في كل الإنحرافات. شوّه الإنسان الخليقة الأولى، والربّ بسبب محبته لنا لم يرد أن يترك الإنسان الذي شرد، فحاول وبشتّى الطرائق أن يسترجعه إلى الحظيرة. هناك التاريخ الذي يدرّس في المدارس، والتاريخ الآبائي الذي يُعطى في الكنيسة. كيف حاول الله أن يرمّم في الإنسان؟ الإنسان الذي خلقه على صورته ومثاله تصدّع عقله وتخلخل جسمه، وآخِرُ مرضٍ كان الموت. فالإنسان في الأصل لم يكن يموت، ولكن بسبب الخطيئة دخل الموت، وأصبح الإنسان يباطح في التاريخ محاولاً أن ينتصر على الموت، ويخترع الوسائل والأدوية إلى أن جاء المسيح. ولكن قبل المسيح كانت هناك الشرائع كما شريعة موسى، وبعدها جاء الانبياء وحاولوا أن يحذّروا الناس من إنحرافاتهم. ظهر بعض الأنبياء، وبخاصة أشعياء النبيّ الذي أشار إلى أنه سوف يأتي من يعزّي قلوب البشر، وقال: “سوف يأتي واحد كي يفتح أعين العميان وآذان الصمّ ويعزّي منكسري القلوب ويعطي فرحاً لهذا العالم”. لأن الإنسان الذي يدخل في أحزانه يحتاج إلى معزٍّ، ومهما استطاع الإنسان أن يعزي أخاه تبقى تعزيته جزئية. أمّا الله الذي يحبنا فأراد أن يعطينا تعزيةً كاملة.
كيف ظهرت محبتُه، كيف نعلم أن الله محبٌ إلى أقصى الدرجات؟ ظهرت محبةُ الله للإنسان، بالنسبة إلينا طبعاً نحن المسيحيين، في إرساله ابنه الحبيب. يقول يوحنا الإنجيلي: “ليس من حبٍّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه من أجل أحبائه”. والرب أعطانا نفسه، بذل نفسه على الصليب بالموت. “الراعي الصالح هو الذي يبذل نفسه عن خرافه”.

ما هي وظيفة الأب الكاهن؟

الكاهن الأب هو استمرار لعملِ المسيح، هو صورةُ المسيح، أيقونةُ المسيح. لماذا أتى المسيح؟ أتى كي يخلّصنا. جاء الربّ يسوع وأسّس كنيسة وبعدها جاء التلاميذ وبعدهم الأساقفة والكهنة. والكنيسة إمتداد لعمل الربّ في العالم. كما قلت، المهمة هي مهمةُ التعزية. فالكنيسة موجودة في العالم حتى تعزّي الإنسان، وأكثر من ذلك، حتى تشفيه من أمراضه. في العالم اليوم إنسان مريض. كل إنسان ينظر إلى نفسه يكتشف ضعفَه حتى لو لم يكن عنده مرض، عنده ضعفات تقتضي أن يكون هناك مَن يساعدنا لنعالج هذه الضعفات والأمراض التي فينا حتى يستطيع كلّ واحد منّا أن ينمو ويتقدّم ويثمر، لأن الضعف هو عائق، بخاصة إذا كان يخفي هذا الضعف ولا يكشف عنه. كي نفهم هذا الموضوع المهمّ في الكنيسة؟ يمكن مقارنته بالضعف أو بالمرض الجسديّ. فإذا كان الإنسان يتألم بسبب مرض ولا يكشف عنه للطبيب يمكن لهذا المرض أن يتفاقم ويصل إلى حيث لا ينفع علاج. وهكذا الحال مع النفس. والآن، الطب الحديث يركّز أكثر فأكثر على الامراض النفسية، ويكتشف أكثر فأكثر ان الامراض النفسية والأمراض الروحية هي التي تؤثّر على وضع الجسد، ولذلك نحن نتساءل: عندما نكون في مرضنا إلى من نذهب طلباً للمساعدة والعلاج والدواء كي يرشدنا؟ الإنسان المريض يفكر أولاً بالطبيب، ولكن إذا كان إنساناً مؤمناً يفكر أيضاً بالكنيسة، بالكاهن، بخاصة، إذا كان داخل هذا الإنسان شيء يؤلمه، وهو يخفيه بخاصة عن أهله، لا بدّ من أن يكشف عن هذا الامر ويعبّر عنه لأحد وإذا كان مؤمناً يتحدث إلى شخص من الكنيسة، لأنّ هذا الشخص يمثّل الكنيسة وعِبْر الكنيسة يمثّل الرب يسوع. شخص الكاهن ملؤه في بهاء الكنيسة، إنّه الأب الروحي، الأب الحنون، الشخص الذي يحضن، الذي يمثل المسيح جسدياً. هذه عقيدتنا في الكنيسة. لا بدّ من أن يوجد أشخاص من لحم ودم يمثّلون المسيح وإلاّ يكون المسيح غيرَ موجود، لأنه ليس فكرةً أو حرفاً في الكتاب وغير مقتصر على التعليم فقط، هو يفترض حضوراً، يفترض بذل نفس، يفترض إحتضاناً. وهنا أحبّ أن أستشهد بجملة لبولس الرسول إلى أهل كورنثوس (1كور4: 14-16) “ليس لكي أخجلكم أكتب بهذا بل كأولادي الاحباء أنذركم. لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكنم ليس آباء كثيرون. لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل. وأطلب إليكم أن تكونوا متمثلين بي”. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم الذي يشرح هذا المقطع: ما الفرق بين المرشد أو المعلم الأب؟ لا ينكر بولس الرسول صفةَ المرشد، ولكنه يرفع من عظمة المحبة، وقد أضاف العبارة “في المسيح” ليبيّن فضيلتهم كمرشدين يتعبون من أجل التعليم وفي الوقت عينه يبيّن هاجسه الخاص، ولم يقل ليس لكم معلمون كثيرون. لذلك، بعد ان تعب كثيراً من أجلهم مما أعطاه صفة الأب، يقول “المسيح يسوع” العمل لم يكن من عندي، لا يعيد نجاح المهمة لنفسه، ولم يقل بولس الرسول “كرزتُ بالإنجيل لديكم” بل قال “ولدتُكم بالإنجيل” وهو تعبير الطبيعة أي “اهتمّمت بكم بصورة متواصلة لكي أظهِر المحبة التي أكنّها لكم”. هنا يظهر بوضوح الفرق بين المعلّم والأب. المرشد يعلم ولو في المسيح ولكن لمرّة واحدة أو لبعض المرات ويذهب. أما الأب فيعلّم الشخص ويتابعه ويتبناه، يلد ابنه بالمسيح ويتابع مسيرة حياته ويخصّه بمحبته الصبورة الواسعة على صورة المسيح.
الكنيسة تأسست على أساس الرسل كما تعلمون. يقول بولس الرسول: “الكنيسة هي جسد المسيح والمواهب فيها متعددة وقد أعطى الله ان يكون هناك أنبياء ورسل واعطى مواهب أخرى معلّمين ومترجمين وأصحاب ألسنة…”. كانت القاعدة هي الرسل والأنبياء ثم الآباء القديسون الذين واصلوا عمل الرسل وكانت الكنيسة تختار من بينهم (في الضيعة كانوا يختارون الإنسان الأكثر تقوى وإيماناً ومحبّةً وطبعاً يعرف الكتاب فيقدّمونه ليصبح كاهناً). هناك قدّيس مهم في الكنيسة فسّر مراتب الأساقفة والكهنة والشمامسة، وقال: “إن الكاهن يتميز بثلاثة أشياء تدريجية أساسية:
أولاً: إنه يحارب أهواءه، أي على المرشد أن يكون متجرداً من أنانيته إلى حدّ كبير. ثانياً: عليه أن يكون إنساناً مستنيراً بكلمة الله. أن يكون نور الله في قلبه وعقله، عندها يفهم كلمة الله وينقلها إلى الناس لأنه يحياها. ثالثاً: أن يكون متحداً بالمسيح، واحداً مع المسيح”.
هذا تقليدُنا. نحن نؤمن بالقديسين، نحن تلاميذ المسيح والقديسين. والقديسون يسميهم السواعي، المتوشّحين بالله أو المتوشّحين بالمسيح، حاملي المسيح ولابسيه، لذا نرتّل في المعمودية: “أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح قد لبستم”.

كيف يلبس الإنسان المسيح؟

إذا لم يوجد أناس يلبسون المسيح ويعكسون صورةَ الرب يسوع فكيف يعرف الناس الربّ، أبالخيال، بالعقل، بالدراسة؟ الناس بحاجة إلى أن يروا أشخاصاً مسيحيين لابسين المسيح ويعيشونه. هذه فكرة عمّا يُفتَرض أن يكون عليه الأب الروحي. هو يمثّل المسيح أي أنّه مثلَه يتشبه به، ولكن لاهوتياً نقول يلبسه اي يحمل نعمة الله التي تنسكب علينا ويرمز إليها البطرشيل الذي يلبسه الكاهن. تنسكب علينا نعمة الله بالمعمودية، وتنسكب على رجاء أن نعيشَها، وهذه البذرة التي تدخل قلبنا، إذا أرادها الإنسان وتجاوب، تنمو وننمو معها. كما يقول القديس باسيليوس الكبير: ” ينمو الإنسان بالروح إلى أن تصبح عيناه ونظراته تشبه عيني المسيح ونظراته، ويصبح فكرُه فكرَ المسيح كما يقول الكتاب”.
ويقول القديس بولس: “عليكم أن يكون لكم فكر المسيح”. نحن علينا أن نتدرّب هكذا على ما يدعى بالإرشاد الروحي، ونحن كما تعلمون متمسّكون بهذا التقليد، تقليد الجماعة (الكنيسة)، لأن الكنيسة شركة والإنسان لا يحيا وحده. إذا لم يكن هناك من جماعة تحيا مع بعضها البعض وتضحّي من أجل بعضِها البعض، لا وجود للمحبة. المحبة تتجسّد بشخصٍ يحيا مع الآخر ويتحمّله، كما يقول الكتاب: “إحملوا أثقالَ بعضِكم بعضاً هكذا تتمّمون ناموسَ المسيح”. في الكنيسة مرشدون لديهم خبرة يساعدوننا ويقدموننا للرب ويفسّرون لنا. ونحن لا بدّ من أن نفتح لهم قلوبنا، لا بدّ من الإعتراف لهم. آمين.

روحية الآباء القديسين – الأرشمندريت افرام كرياكوس

روحية الآباء القديسين
حديث روحي

الأرشمندريت افرام كرياكوس

 

قراءة كتابات الآباء القديسين

“قل لي من تعاشر أقول لك من أنت”. معاشرة القدّيس (الحديث والإلفة معه) تجلبان القداسة.
“مع البار تكون باراً، مع الوديع تكون وديعاً ومع القويم تكون قويماً” (مز17: 25-26).
إن اكتسب الواحد فكر الآباء وروحيّتهم عن طريق مطالعة كتاباتهم، يصل إلى هدفهم الذي هو الخلاص. هكذا نصبح أبناءهم. كتابات الآباء القدّيسين مكتوبة بإلهام الروح القدس. كتابات الآباء كلّها موحدّة بالإنجيل.
الكاتب القدّيس يعبر بتعابير مخلوقة من خبرته الإنسانية الإلهية غير المخلوقة أي المطعّمة بالنعمة الإلهية غير المخلوقة، هذه الخبرة هي تحقيق لكلمات الإنجيل. حياة القدّيس، خبرته، كتاباته كلّها دليلٌ حيّ لصحّة كلمات الإنجيل.
من هنا أهمية حياة القدّيسين وكتاباتهم.
قراءة الإنجيل، وحياة القدّيسين وكتابات الآباء تتطلب قلباً نقياً. هذه الكتابات تسمح فقط للمتواضعين أن يدخلوا إلى أعماقها، إلى روحها.
في عصرنا قلّ وجود الآباء الروحيّين، لذا أضحت كتابات الآباء القدّيسين معيناً أساسياً للّذين يبتغون الخلاص والوصول إلى الكمال المسيحيّ. صوت الآباء يكشف مكائد الشرّير. صوت الآباء يكشف عن ضعفات النفس ويمنحها في الوقت نفسه الأدوية الشافية.

من هم الآباء؟

هم الذين نقلوا تعليم الرسل القويم، هذا “الإيمان المسلّم مرة واحدة للقدّيسين” (يهوذا 3).
عبارة “الآباء” كانت معروفة في زمن المجامع المسكونيّة. كانت تشير إلى معلميّ الكنيسة الأولى، بعد ذلك، اُطلقت على الأساقفة الأعضاء في المجامع. لنلاحظ أن الآباء ليسوا معلمين فحسب بل وأيضاً شهوداً في حياتهم لكلمة البشارة الرسوليّة السارة. بمقياسنا العالمي تظهر تعابير الكتاب المقدّس وكتابات الآباء قديمة. لكنّ القدّيس إيريناوس يقول: “ليست الكنيسة متحفاً للودائع الميتة، سوف أعلّم أبناء عصري بالعقائد نفسها أي بيسوع المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات”.
ويضيف الأب فلورفكسي: “إنّ مؤلّفات الآباء أكثر حداثة لمشاكل عصرنا الحاضر من نتاج اللاهوتيين المعاصرين”. والسبب لذلك عائدٌ إلى أنّ الآباء القدّيسين لا يعطون على غرار الفلاسفة تحديداّ ما ورائياًMetaphysique لوجود الله بل تحديداً وجوديّاً إيمانيّاً. فالله ليس قوةً مهيمنةً على الكون من بعيد بل بإفراغ الله لذاته، لمجده، أصبح شخصاً تاريخياً وله علاقة شخصية مع الإنسان. الإيمان عندهم خبرة ومعاينة.

ما هو مقياس الحقيقة؟

عند محاكمة يسوع من بيلاطس سأله الحاكم لماذا جئت؟ فأجاب يسوع “جئتُ إلى العالم لأشهد للحق… قال له بيلاطس وما هو الحق؟” (يو18: 37-38) ولم يجب الرب يسوع لأنه قال في مكان آخر “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو14: 6)، وفي مكان آخر: “إن ثبتّم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي وتعرفون الحق والحق يحرّركم” (يو8: 32).
مقياس الحق إذاً هو المسيح وتعاليمه: إذا كنّا نعتمد أولاً على كلمة الله، تبقى مشكلة التفسير. هل سلطة الآباء مساوية لسلطة الكتاب المقدّس؟ نعم بقدر ما هي ملهَمة من الروح القدس. لذلك فإن كتاباتهم ليست ذات سلطة مطلقة. يقول القدّيس ايريناوس: “السلطة (العصمة) هي في النهاية للكنيسة. لا بالمعنى القانوني بل بالمعنى المواهبي. لأنّ هذه السلطة تقوم على مؤازرة الروح القدس”.
فكر الكنيسة الجامعة يعتمد على “إجماع الآباء”: “فظهرت حسنةً للروح القدس ولنا”.
الإيمان القويم مبنيّ إذاً على الكتاب المقدّس، كلمة الله والبشارة السارة، وأيضاً على كتابات الآباء القدّيسين الشارحين للكتاب. فهم المعلّمون الحقيقيون Docteurs de l’Eglise بقدر ما هم شهودٌ للمسيح ولوصاياه.

ملاحظة شخصية

هذه الملاحظة قابلة للنقاش: يقوم اليوم صراعٌ حاد بين التقليد المقدّس والنقد الحديث، بين الإيمان المسلَّم والعلم: هل نعتمد على كتابات الآباء القدّيسين دون الاستفادة من دراسات النقد الحديث؟ أو نعتمد على معارف الدراسات النقديّة الحديثة دون تعاليم الآباء القدّيسين وتقليد الكنيسة؟
الجهد العقليّ يساهم في عمل الخلاص شرط أن يكون بناءً في الكنيسة مرافقاً بالتواضع، كما ذكرنا سابقاً، لا يقصي تقليد الكنيسة المقدّس. لذلك، إن المسعى المبارك هو في التزاوج بين التقليد الشريف والنقد الحديث البناء في الكنيسة والمحتكم إليها لا الفرديّ individualist .

خلاصة

الإحتكام إلى الآباء القدّيسين يجد تبريره في استمرار عمل الروح القدس في الكنيسة. سلطة الآباء القدّيسين تعود إلى سلطة الروح القدس الفاعلة فيهم. لا تعتمد روحيّتهم على مقاربة عقليّة فردانيّة بل على روح منسحق متواضع يبحث في إطار مناخ الكنيسة وتقليدها المقدّس ويعبّر تأليفاً وجودياً شهادةً مسيحيةً معاصرة (بلغة العصر).

“إتباع الآباء القدّيسين”

ذُكرت هذه العبارة رسمياً في قرارات المجمع المسكوني الرابع والمجمع المسكوني السابع المتعلّق بالأيقونات المقدّسة، حيث نقرأ “إننا نتبّع تعليم الآباء القدّيسين الذي أوحى به الله ونتبّع تقليد الكنيسة الجامعة”. يشرح القدّيس إيريناوس معنى ذلك بقوله: التقليد الحقيقي هو التقليد الحيّ traditio veritatis ، وهو ليس مجرّد استمرار للعادات القديمة وليس شريعةً ميتة بل هو “وديعةٌ حيّة”. إنّه استمرار لحضور الروح القدس في الكنيسة، وهو في الوقت نفسه احتكامٌ إلى شهود قدّيسين. نحن لا نحتكم إلى مجرّد قرارات وعقائد بل إلى شهادة آباء قدّيسين.”
الكنيسة رسوليّة ولكنّها آبائية أيضاً. هي “كنيسة الآباء”، ولكونها آبائية فهي رسولية حقاً. إليكم ترنيمة من خدمة الأقمار الثلاثة: “إنكم بكلمة المعرفة ألّفتم العقائد التي وضعها الصيّادون قبلاً بكلام بسيط عبر المعرفة بقوّة الروح…”. إن تعليم الآباء وعقيدة الكنيسة ما زالا “الرسالة البسيطة” نفسها التي سلّمها الرسل مرّة والى الأبد.

الخاتمة: روحيّة الآباء القدّيسين

بتعبير حديث نستطيع أن نقول إنّ روحيّة الآباء وجوديّةٌ existentielle . يقول القدّيس غريغوريوس اللاهوتي “تكلّم الآباء على طريقة الصيّادين لا على طريقة أرسطو” (العظة23: 12) فبقي كلامهم بشارةً لأن مرجعهم الأخير كان الرؤية الإيمانية والخبرة الروحيّة. إذا فُصل الكلام اللاهوتي عن حياة الإيمان يتحول إلى ديالكتيك (Dialectique جدلية) فارغ، إلى كلام كثير باطل. لا يمكن فصل اللاهوت عن حياة الصلاة وعن ممارسة الفضيلة. يقول القدّيس يوحنا السلّمي: “قمّة الطهارة هي أساسُ اللاهوت” (السلم الدرجة30) يبقى المرجعُ الرؤية الإيمانية” إننا نعلن ما رأيناه وسمعناه”.
اليوم لا يمكن أن نقبل أن “عصر الآباء” قد انتهى. وأن ننظر إليه على أنه “عتيقٌ وميتٌ”. فقد ألِف الناس اعتبار القدّيس يوحنا الدمشقي آخرَ أب في الشرق. لكن لا يمكننا أن نهملَ القدّيس سمعان اللاهوتي الحديث، القدّيس غريغوريوس بالاماس، آباء الفيلوكاليا، القدّيس نيقوديموس الآثوسي وغيرهم. فكرُ الآباء يبقى قائماً في عصرنا ويشكل موقفاً وجودياً هاماً.

موقع التوبة في حياة الإنسان الخادم في الكنيسة – الأب افرام كرياكوس

موقع التوبة في حياة الإنسان الخادم في الكنيسة

الأب افرام كرياكوس

 

الموضوع دقيق، يعرض العلاقة بين التوبة والخدمة. هذا شيء دقيق وصعب لأنه مجهودٌ شخصيٌ وجماعيٌ في آنٍ معاً: ينطلق من دافع شخصيّ داخليّ ويذهب إلى رسالة نحو الجماعة والعالم. بالنسبة للموضوع والعنوان المطروح أنطلق من تحديد للتوبة للقدّيس يوحنا الدمشقي الذي جاء في كتابه المعروف عن الإيمان الأرثوذكسي: “التوبة هي العودة من ما هو ضدّ الطبيعة إلى ما هو بحسب الطبيعة من الشيطان إلى الله، عبر الوجع والجهاد أو التقشف والنسك”.
نقول باختصار كما نعرف من تاريخ الكنيسة إن التوبة هي العودة إلى الله. وهنا أورد بعض النقاط التي تساعدنا على تحديد ما هي العودة إلى طبيعة الإنسان الأصلية، سيرة العودة، وثانياً في عمل الشيطان ضدّ المسيح anti Christ وتخطّي العقبات التي يضعها الشيطان لنصل إلى الله. وهي تتطلب هذه المعاناة: هذا الألم الداخلي، شيئاً من الجهاد والتدريب النسكي.
ما يناسب موضوعَنا اليوم هو خبرة بولس الرسول عند اهتدائه على طريق دمسق (أعمال الرسل26: 15-18): “فقلتُ – بولس الذي كان شاول – من أنتَ يا سيّدُ؟ فقال أنا يسوع الذي أنت تضطهده – ونعرف أن اضطهاد المسيح يتمّ عندما يخطىء الإنسان – ولكن قمْ وقفْ على رجليك لأني لهذا ظهرت لك لأنتخبك خادماً وشاهداً لما رأيتَ وما سأظهره لك به، منقذاً إياك من الشعب ومن الأمم الذين أنا الآن أُرسلك إليهم لتفتح عيونهم كي يرجعوا من ظلماتٍ إلى نور ومن سلطان الشيطان إلى الله حتى ينالوا بالإيمان بي غفرانَ الخطايا ونصيباً مع القدّيسين”.
من يحلّل هذا المقطع يرى فيه خلاصةَ اللاهوت الأرثوذكسي. سأحاول أن أعرض بعض نقاط هذه المسيرة التي تبدأ في داخل الإنسان وتنطلق إلى العالم. هي مسيرةُ الخلاص، لذلك يعتمدها الآباء، هي عملُهم، برنامجُهم طيلة الحياة، من الولادة حتى القبر (باعتبار أن بعد الموت لا مجال للتوبة).
إذا اعتبرنا أننا كنا في حالة الخطيئة أي التي هي ضد الحالة الأصلية نكون، حسب عبارة القدّيسين وأعمال الرسل، مستعبَدين للشيطان. هذا ما يقوله القديس بولس في رسالة رو5: 12 “لأنه كما بإنسانٍ واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع”.
القضية هي أننا كنا ولم نزل، إذا ما ابتعدنا عن الله، في هذا الإستعباد وفي تعبير عصري: نحن مستعبدون لـ “غريزة البقاء” Instinct de conservation، هذه الغريزة المركّزة على الذات الأنانية المفتّشة عن اللذة. وهذا ما حرّرنا منه الله بالمحبة على الصليب.
لذلك يقول القديس يوحنا الدمشقي نحن بحاجة إلى الألم وكما يقول القديس اسحق السرياني: “الذي يعترف بخطيئته (ويبكي ويتألم عليها) هو كمن عَبَر من الموت إلى الحياة”.
هناك إحساس بالموت لا بدّ منه في طبيعة الإنسان الضعيف ومن ينقذنا من هذا الشيطان ويحرّرنا منه سوى المسيح وحده، بالتصاقنا به وبكلامه. إيماننا هو وحده الذي يستطيع أن ينقذنا من إبليس، وبدون ذلك لا نستطيع التخلّص منه. إذا كنا مستعبدين لهذه الدنيا، وهذا شيء طبيعي حسب البعض، لا نستطيع أن ننطلق إلى المسيح.
1 – نحن نتوجع عندما نتأمل هذه الطبيعة الضعيفة التي نحملها، والأحداث كلّها تُظهر بوضوح هذا الإنسان الذي يتعذب ويتصارع ويتمخّض ولكن نحن المؤمنين نتوجع بصورة خاصة لأننا نحب الله، نحبّ أن نصعد هذا السلّم، أن لا نبقى على الدرجة التي نحن فيها. محبتّنا تدفعنا إلى أن ننسلخ عن أنفسنا عن أنانيتنا.
“إن كان أحدٌ يأتي إليّ ولا يُبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وأخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً” (لوقا14: 26). إذ عندها لا تكون تخدم الله بل نفسك. محبتنا لله، عشقنا له، يدفعنا إلى أن نتخلّى عن أنفسنا.
2 – نحن أيضاً نتألم لأننا فقدنا النعمةَ الإلهية. نعمل من أنفسنا، من تفكيرنا وليس من نعمة الله. الإنسان متروك إلى قواه البشرية فقط، لم يعد مسنوداً من النعمة الإلهية. هذا عندما نعي طبيعتنا الضعيفة نعود نتوق إلى التمتع بهذه النعمة وهذا لا يحصل إلاّ إذا تخطينا أنفسنا.
يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس “الذي لا يرى الله لا يستطيع أن يتخطى نفسه، رؤية المجد الإلهي لا بدّ منها لكي يتخطى الإنسان أهواءه وشهواته”. لا نستطيع الخروج من هذا الجسد إلاّ إذا عشقنا الربّ. الذي يعشق شخصاً آخر يتخلى عن كل شيء.
لكل هذه الأسباب التي ذكرتها، ولهذه الحاجة للعودة إلى الله إلى المجد الذي فقدناه، لا بدّ من اعتراف.

الاعتراف

ضعفنا في الكنيسة أننا لا نعترف. يبقى قلبُنا مغلقاً. لماذا الاعتراف؟ الاعتراف هو الإقرار بالخطيئة. هنا نعود إلى قول القدّيس نيقوديموس الآثوسي الذي يتكلم عن سر الاعتراف والتوبة: “إننا بحاجة لمعالجة هذه النفس المريضة، أولاً لأن الأفكار السيئة، إن لم تُكشف تصبح أفعالاً، وإن كُشفت ضعف فعلها”.
ويقول أيضاً: “التوبة والاعتراف يجعلانك تستعيد حريتك ويُطلقاك لخدمة المجتمع، لأنك أصبحت حراً بالمسيح وتتصالح مع الجماعة”. ويشهد بولس: “إن تألّم واحد تألمت الجماعة” (1كور12: 26).
يقول القديس باسيليوس: “الذي يمرض في نفسه لا بدّ أن يستشير طبيباً لكي يساعده على الشدّة”. وفي رسالة يعقوب: “اعترفوا بعضكم لبعض وصلّوا بعضكم لبعض لكي تشفوا” (يعقوب5: 16).
من هذا المنظار يجب أن تعالج الكنيسة نفوسَ الناس وتعزّيهم وتشفيهم وإلاّ تركتهم للأطباء النفسانيين والسحرة والشيوخ والمشعوذين. هل تتخلّى الكنيسة عن رسالتها: “الكنيسة هي مستشفى بكل معنى الكلمة”. أسّسها الرب والرسل وخلفاؤهم لتشفي نفوسَ الناس وتقودهم إلى الخلاص.
يقول القديس نيقوديموس: “التوبة والاعتراف مدرسة لشفاء الإنسان من الداخل”.
بالنسبة لهذه المدرسة، لهذا العمل، يقول إن هناك دوراً لي أنا المعترف، ثم دوراً للكاهن ثم دوراً لله. في هذه العملية الشفائية، دوري أنا هو أن أحاول أن أفتح قلبي، أن أكشف عن نفسي حتى لا يسيطر الداء عليّ وهذا معروف في الإرشاد النفسي، ودور الكاهن الذي يمثّل الجماعة هو الإرشاد والمصالحة مع الله والجماعة والمساعدة في إعادة الحريّة للإنسان. أمّا دور الله وهو الأهم والذي ننساه نحن المؤمنون، فمختلف عن المساعدة التي يقدّمها الأطباء وعلماء النفس، دور الله يكمن في عمل النعمة الإلهية فينا، هذه النعمة التي فقدناها بسبب خطيئتنا. نجد أنفسنا أمام الكاهن الذي أعطاه الله هذا السلطان وهذه النعمة، من خلاله نستعيد النعمة الإلهية التي وحدها تشفي. هذا هو إيماننا.
يقول الذهبي الفم: “كل شيء في الإنسان يتمّ باسم الآب والابن والروح القدس”.
إذا أردتُ أن أركّز على جدّية هذا السعي الذي يتطلب فهماً وإيماناً ومعرفةً بأننا بحاجة إلى أن نفحص أنفسنا ونعالج أنفسنا ونلتصق بالله وعيش مع الله، أن لا نخاف من كلّ ظروف الحياة القاسية، أن نسعى للتضحية للخدمة، أن نمتثل بالملائكة. للملائكة وظيفتان: تسبيح الله على الدوام والثانية، التي هي نتيجة كونهم يعيشون مغتذين من وجه الله، من كلمته، عند ذلك “يُرسلون إلى الخدمة من أجل الذين يرثون الخلاص” (عب1: 14).
علينا أن نتمثل بالملائكة، أن نلتصق بالله عن طريق الصلاة والتسبيح، أن نعود إليه بالتوبة والاعتراف، حتى نستحق حمل رسالة المسيح إلى هذا العالم، أوّلاً إلى الكنيسة التي عند ذلك تتجدد والى العالم كلّه بعد ذلك. آمين.
حديث في المؤتمر الثامن عشر لمركز طرابلس في حركة الشبيبة الأرثوذكسية، بشمزين 29/9/2006

القيامة وحياتنا الروحية – الأرشمندريت أفرام كرياكوس

القيامة وحياتنا الروحية

الأرشمندريت أفرام كرياكوس

المقدمة

هو من سلسلة المواضيع المطروحة. تبقى هذه المواضيع مفتوحة ولا شيء يكتمل إلاّ بالحياة مع الله وهذه الأحاديث كلّها هي مدخل إلى الملكوت.

قليلاً ما يطرح الموضوع من منظار كيف نعيش نحن قيامة الرب يسوع في حياتنا؟ كيف نعيشها بالروح القدس مع أنّ الآباء القدّيسين تكلّموا عن القيامة في حياتهم؟ ونعرف أن الكنيسة الأرثوذكسية هي كنيسة قيامية لأنها تشدّد أولاً على حدث القيامة وتؤكد على نتائج القيامة في حياتنا، أي اثر هذا الحدث في حياة المؤمنين، استناداً إلى الكتاب المقدّس وتقليد الكنيسة، ما عاشه وما ألفه المؤمنون عبر القرون.

السلام المعروف “المسيح قام”! في زمن القيامة وبعده حتّى اليوم وإلى الأبد هو ملخّص البشارة والترتيلة (الطروبارية) “المسيح قام من بين الأموات ووطىء الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور” تختصر معنى القيامة. الربّ يسوع نفسه يؤكد لنا في الكتاب “ثقوا لقد غلبت العالم” (يو 33:16).

ومع كلّ ذلك، تبقى هذه الكلمات وهذه التعابير كلمات، على رجاء أن تتحوّل إلى حياة. الإنجيل والكتاب المقدّس كلّه والمؤلّفات الروحيّة الأخرى المقدّسة كلّها تعابير عن خبرة القديسين والأنبياء والرسل. هذا شيء أساسي في اللاهوت، إذ أن الكتابات المقدّسة ليست مُنْزَلة حرفيّاً من الله، بل هي تعابير كُتبت بلغة عصرٍ معيّن تعبيراً عن خبرة مقدّسة إلهيّة-إنسانية عاشها القدّيسون مع الله. كُتبت لإفادتنا ولتعليمنا، لكي نسعى بدورنا ونجاهد لعيش مثل هذه الخبرة مع الله. من هذه الناحية نقول إنّ هذه الكتابات هي ملهمة من الله، وليست منزلة.

هدف الموضوع هذا هو أن نستعرض بعض ما جاء في الكتاب المقدّس عند بعض الآباء القديسين، وفي الليتورجيا عن موضوع القيامة وعلاقتها بحياتنا الشخصيّة الروحيّة.

القيامة زمن التجديد

القيامة زمن التجديد، زمن الإستنارة، الربيع الروحي، غلبة النور على الظلام، النهوض من كبوة. الصورة الأفضل هي صورة الطبيعة الربيعيّة. لأنّ الطبيعة في الربيع تتجدّد وتكتسي الأشجار أوراقها من جديد والأزهار تنبت وتتفتّح، النهار يطول على حساب الليل. ليس لأنّ الطبيعة تتجدّد فحسب، بل لأنّها تتحوّل إلى الأفضل ولكون المخلوق يصبح هكذا رمزاً للحقائق الروحيّة، رمزاً للتجدّد الداخليّ للإنسان. هي علامة بأنّنا قادرون بقوّة المسيح القائم من بين الأموات أن نتحوّل نحن بدورنا إلى نوره ومجده. بمعنى أنّه كما أنّ الرب يسوع تألم ومات وقام من الموت وغلبه وحطّم أبواب الجحيم وكسر شوكة الخطيئة والشرّ والألم والمرض، كذلك نحن قادرون بقوّة المسيح القائم أن نغلب نحن بدورنا أيضاً كلّ فكر شرّير والألم والمرض. لم يعد للموت سلطان كما قال الرب عن لعازر المريض. هناك جانب إيجابّي للألم (مصائب الإنسان وتجاربه). المسيحي المؤمن يتطلّع إلى كلّ الأمور من الناحية الإيجابية، إذ قد قُضي على الموت والشر. لقد “قيّد القوي” (مت29:12) أي الشيطان، وحُرّر الإنسان.

كيف تتمّ هذه الغلبة فينا ؟

بأعين الإيمان أوّلاً إذا كنّا نملك الحسّ الكافي لذلك والقلب الطاهر. وبولس الرسول يدعونا له: “نقّوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجيناً جديداً كما أنتم فطير لأنّ فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا. إذاً لنعيّد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشرّ والخُبث بل بفطير الإخلاص والحق” (1كور5: 7-8).

“إذاً إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً” (2كور 5: 17).

بأعين الإيمان إذاً ننظر، إلى آلامنا كما إلى آلام المسيح أنها أضحت معبراً للحياة وللفرح، وعلى الأقل فهي تعلّمنا الصبر، تعطي لنا فرصة للتواضع وعمل الرحمة، تمحّصنا، تطهّرنا، تنقّينا (بدون تنقية، بدون تطهر، بدون جهاد، لا نحصل على طعم القيامة) لا بدّ من التطهّر من الأهواء لكي نقترب من المسيح القائم لكي نعاين مجده. “طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله” (مت 8:5).

شهادة القديس سمعان اللاهوتي الحديث

+      قيامة المسيح السرية

يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث: “عند خروجنا من عالم الخطيئة ودخولنا على شبه آلام المسيح في قبر التواضع والتوبة ينحدر هو بالذات من السماء ويدخل في جسدنا كما في قبر ولدى اتّحاده بنفوسنا ينهضها… ويؤهلنا نحن القائمين هكذا معه إلى رؤية مجد قيامته السرّية… قيامة المسيح هي قيامتنا نحن الواقعين في الخطيئة. قيامة النفس هي اتّحادها بالحياة. إنّ النفس لا تستطيع أن تحيا وحدها إن لم تتّحد بالله، لأنّه قبل الإتحاد تكون النفس مائتة بالمعرفة، بالرؤيا وبالحسّ… لأن المعرفة لا تكون بدون رؤيا ولا الرؤيا بدون تحسّس”.

+      دور الروح القدس

ويضيف القديس سمعان اللاهوتي الحديث قائلاً: “إنّ النّص الشريف الذي نتلوه دائماً في الآحاد وفي الفصح لا يقول إذ قد آمنا بقيامة المسيح بل إذ قد رأينا قيامة المسيح فلنسجد للرّبّ القدوس… لأنّ قيامة المسيح تحدث فعلاً في نفس كلّ مؤمن على حدة، وذلك ليس مرّة واحدة بل في كلّ ساعة، يقوم المسيح السيد فينا حاملاً الضياء ومُشِّعاً بأشعّة الألوهة وعدم الفساد، ذلك لأنّ حضور الروح القدس المنير يكشف لنا قيامة السيّد كما في نور صباحيّ أو بالأحرى يؤهّلنا لرؤية المسيح نفسه قائماً. لذلك نقول: “الله الربّ ظهر لنا” ونتابع مؤكدين على مجيئه الثاني “مباركٌ الآتي باسم الرب”.

إنّ الذين يظهر لهم المسيح قائماً يَرَونه روحيّاً وبأعينهم الروحية، أي عندما يدخل المسيح فينا بنعمة الروح القدس يقيمنا من بين الأموات ويحيينا ويؤهّلنا أن نراه في ذواتنا حيّا كله، هو العديم الموت والفناء. لا هذا فحسب، بل يعطينا أيضاً موهبة إدراك حضوره البهج مقيماً وممجّداً إيّانا كما يشهد على ذلك الكتاب المقدّس بأسره.

هذه هي أسرار المسيحيّين الإلهيّة، هذه هي قوّة إيماننا الخفيّة، القوّة التي لا يعرفها الملحدون والمشكّكون وقليلو الإيمان ولا يمكن أن يروها”.

ويقول القديس أيضاً:

“إن طابع ختم المسيح هو بالحقيقة إشراق الروح القدس… حيث توجد دموع غزيرة بمعرفة حقيقية هناك أيضاً إشراق للنور الإلهي. وحيث إشراق النور هناك هبة الصالحات كلّها. هناك يختم بخاتم الروح القدس داخل القلب، الذي منه تأتي أثمار الحياة كلّها. من هنا يُزهر من أجل المسيح السلام، الرحمة، الرأفة، الصلاح، البرّ، الإيمان والعفة. وبالتالي محبة الأعداء والصلاة من أجلهم، الفرح في التجارب والإفتخار في الشدائد. وأيضاً أن يحسب المرء خطايا الآخرين خطاياه، أن يبكي من أجلها وأن يضحّي بحماس بنفسه من أجل الأخوة”.

شهادة القديس ابيفانيوس القبرصي

+      النزول إلى الجحيم

الرب يسوع المسيح الإله بعد موته على الصليب مماتاً في الجسد ولكن محيىً في الروح ذهب فكرز “للأرواح التي في السجن” (1بط18:3-19). هذه الأرواح ما هي إلاّ نفوس الصدّيقين الأبرار الذين كانوا ينتظرون المسيح القائم لكي ينتشلهم من سلطة الشيطان ويملأهم من نور مجده ويؤهّلهم للرؤية الإلهية.

الأيقونة الأرثوذكسية للقيامة تُظهر الرب يسوع المسيح مُحاطاً بهالة من المجد بيضاء لامعة، ينتشل آدم وحواء من قعر الجحيم ويقيّد الشيطان بالسلاسل. ومع آدم وحواء ينتشل كلّ نفس مؤمنة تنتظره وهي مكبّلة بقيود الألم والمرض والموت. كما ينتشل أيضاً كلّ نفس تحيا بموجب الروح الإنجيليّة دون أن تعرف الإنجيل.

كيف نتدرب نحن على عيش سرّ القيامة في حياتنا ؟

وما هي السبل العملية لذلك ؟

قلنا أن الإنسان لكي يتحول إلى إنسان جديد على صورة المسيح القائم الممجّد الغالب الموت لا بدّ له أن يتنقى أولاً من أهوائه. كيف لا يعود يشك في قريبه أو يدين أخاه، كيف يعود يتحمّل أخاه. لذلك القيامة هي حالة جديدة لا تنتمي إلى هذا العالم بل إلى الآتي الجديد ولكن نحن المسيحيين نعيش هذه الحالة من اليوم. نتذوق القيامة قبل القيامة إذا لم نلتق بالمسيح في هذه الحياة فلن نراه في الحياة الأخرى.

أمّا أن نعيش مع الربّ فليست القضيّة قضيّة معرفة إيماننا، وتأدية فروض وشعائر دينية، وتعلّم عقائد، بل قضيّة خبرة وحياة. هذا نهج القديسين، النهج الطبيعي، أنّهم عاشوا مع الرب، لمسوه، تكلموا عنه وعرفوه.

كيف نلتقي به عمليّاً؟ ما هي السبل التي تقدّمها لنا الكنيسة والتي تساعدنا لكي نقترب ونلتقي بالربّ يسوع القائم من الأموات؟

جواب: في الأسرار المقدّسة إن كنّا متهيّئين لإقتبالها، لعيشها لكي تفعل فينا. تلميذا عمواس عرفا الرب يسوع عند كسر الخبز (لو 24: 35) هذا لأن قَلْبَيهِما كانا ملتهبَين إذ كان يكلّمهما في الطريق.

بولس الرسول عرف الرب على طريق دمشق حيث حصل له الإشراق الإلهي، كان شاول قبلاً مضطهِداً كبيراً للمسيحيّين. كان يعتقد أنّ المسيحيّين الجدد قد خرّبوا الديانة اليهودية. ولكن عند إشراق النور، أي عندما استنار، عاين المسيح فرأى فيه الصورة غير المشوّهة للحقيقة عرف أنه الإله الحيّ. كان يضطهد دفاعاً عن الحقيقة ولكن عندما عاينها في النور الإلهي عندئذ تبنّاها، كان مضطهداً فأصبح مضطّهَداً.

عندما يرى المسيحيّ الحقيقة يتبنّاها، فيستنير، ويشهد لها. وإلاّ كيف نستطيع أن نفسّر كيف استطاع عددٌ صغير من الرسل في عصر كانت عبادة الآلهة الوثنية مسيطرة، كيف استطاعوا أن يقلبوا المسكونة رأساً على عقب خلال حوالي 300 سنة من الإضطهادات؟ كيف أقنعوا أن المسيح هو الإله الحقيقي؟

إذاً السبيل الأول للّقاء مع المسيح الحيّ هو الأسرار، وخاصة سرّ الشكر الذي يتطلّب تهيئةً ضمن إطار التوبة والإعتراف والصوم والسهر والصلاة.

الصلاة هي الطريق الفعّالة التي يلتقي بواسطتها كلّ إنسان مؤمن المسيح. الصلاة الحارّة، الصلاة القلبية- الصلاة النقيّة الخالية من التشتّت، هي اتّصالٌ مباشرٌ بالرب، وهي الإطار الذي فيه يدخل الإنسان بصلةٍ مع الربّ القائم ويأخذ منه قوّة ودفعاً.

التوبة والإعتراف هذا سبيل آخر، أن يتجرّد الإنسان ويُقصي عنه الميول السلبيّة بقوّة المسيح. كذلك قلنا سابقاً: التنقية والتطهر ومحاربة الأهواء، والجهاد الروحي، هناك حرب دائمة. نتدرّب لكي نكون جنوداً للرّبّ، والجنديّ المسيحيّ هو الذي يحارب أهواءه. “احملوا سلاح الله الكامل يقول بولس الرسول، لكي تستطيعوا أن تقاوِموا مكائد الشرير”. كيف تستطيع أن تقوّي، أن تساعد غيرك، وأنت كسول؟

الصلاة الدائمة تجعل روح الله فاعلاً على الدوام في ذواتنا، في حياتنا، في تصرّفنا مع الآخرين. تذكّروا ما يقول القدّيس يوحنّا السلّمي: “أُجلُد محاربيك باسم الربّ يسوع، ليس سلاحٌ أمضى من هذا السلاح، لا في السماء ولا على الأرض”.

أخيراً وليس آخراً، السبيل الفعّال وربما الأفضل لكي يلتقي الإنسان المسيح القائم هو أعمال المحبة، أعمال الرحمة ومساعدة الإنسان القريب المحتاج المتألِّم، المريض الخاطىء، تفقّد الأرامل واليتامى حيث نلمس أكثر من أيّ مكان آخر جراحات المسيح، نلمس كيف أن الألم يتحوّل إلى تعزية، إلى فرح، لأن القيامة لا تكون بلا صليب. لا يكون الفرح بلا ألم. وعندنا في كلّ وقت في كلّ زمان ومكان الإمكانيّة أن نشارك آلام الآخرين، أن نعيش آلام الربّ وقيامته.

إن كنا نلمس وراء الألم تعزيةً فسوف لا نيأس، بل نرجو وراء كلّ ألم، وراءَ كلّ وجعٍ تعزية “الإيمان والرجاء والمحبة وأعظمهنّ المحبة” يقول بولس الرسول. “المحبة” لأنها وحدها تغلب الموت وتطرح كلّ خوف خارجاً… حاملات الطيب ذهبن بخوف وفرح عظيم بعد رؤية القبر الفارغ. الله محبّة وليس من حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه من أجل أحبّائه. المحبة لا تظنّ السوء. المحبّة لا تطلب شيئاً لنفسها، المحبّة لا تسقط أبداً. لذلك قال بولس أيضاً إني أشتاق أن أذهب لألتقي بالمسيح، اشتهى أن يموت. الموت هو أكبر عدو للإنسان. أمّا في عهد النعمة، عهد القيامة، فقد أخذ القدّيسون يشتهون الموت لأنّ الموت أصبح معبراً للحياة، يوم رقادهم أصبح عيد ولادتهم للحياة الأبدية التي للمسيح الإله القائم الممجّد إلى الأبد مع الآب والروح. آمين.

(عن كتاب “أحاديث روحية” للأرشمندريت أفرام كرياكوس. منشورات دير البلمند. 1995)

كلمة روحية تهيئة للصوم الكبير – الأرشمندريت افرام كرياكوس

كلمة روحية

تهيئة للصوم الكبير

الأرشمندريت افرام كرياكوس

 

طُلب مني أن ألقي هذه الكلمة تهيئة للصوم. وقد رأوا من المناسب أن تكون كلمة روحية توجيهية في بداية الموسم المبارك، الذي يبدأ بالخلوة السنويّة ويستمرّ فترة الصوم حتى نصل الى العيد المشرق بقيامة المسيح.

معاني الصوم – هدفه

هذه الكلمة الروحيّة التوجيهيّة سوف يتقبلّها البعض ويفهمونها، وقد لا يفهمها البعض، أو قد يرفضها البعض الآخر. وهذا شيء ممكن أن يكون مباركاً لأن الاشتراك في هذا الموسم الذي تحتضنه الكنيسة هو اشتراك اراديّ طوعيّ. واشتراك الانسان اراديّاً وبقناعته هو الذي يعطي الصوم قيمته. لذلك لا تفرض الكنيسة دائماً الصوم فرضاً بكلّ جوانبه.

سوف أتناول في القسم الأوّل بعض المعاني عن الصوم وفي القسم الثاني بعض التوجيهات العملية. معروف أنّ هذه الفترة هي فترة تنقية، فترة تطهير للجسد والنفس وهذا هو الجانب السلبيّ في الجهاد الروحيّ، أن يحارب الانسان أهواءه، أمّا الجانب الايجابيّ للصوم فهو في ما يتعلّق بشوقنا الى الله ومحبّتنا للقريب. هذا هو الوجه الايجابيّ المشرق. لأنّ الانسان يتعرّى ويحاول أن يتجرّد ولو في فترات قليلة من عمره من أهوائه، من بعض عاداته السيّئة، من أنانيّته. لكنّه مدعوّ أن يحيا حياة الشركة في المسيح القائم فينا بالروح القدس. هذا هو جوهر الموسم: أن يتحوّل الانسان، أن يريد تغيير نفسه، والكنيسة تساعده حتّى ينتقل من الهاجس الأرضيّ الى هاجس أسمى، روحيّ سماويّ. هل نريد هذا التحول؟ الصوم بجوانبه المختلفة يساعدنا لكي نقترب من الله، على حدّ قول القديس باسيليوس، ونقترب من القريب.

حسب ترتيب الكنيسة الطقسيّ في التهيئة، يمرّ الإنسان بخطوة التواضع، تواضع العشار “اللهم ارحمني انا الخاطئ” (لو13:18). لا بد من انكسار. والخطوة الثانية هي خطوة الابن الشاطر المأخوذ نموذجاً للتوبة والعودة الى الاحضان الأبوية أي الى أحضان شركة الكنيسة.

هناك جملة للقديس غريغوريوس بالاماس تقول: “عندما ينقطع شخص عن وفاق الشركة وعن طاعة المعلّمين الشرفاء يبتعد عن النظر الالهيّ” (أي عن النعمة الالهية التي تصونه). لذلك يسعى الانسان دائماً إلى أن يكون في شركة الكنيسة حتّى يصبح محروساً بالنعمة الالهية.

وإذا انتقلنا إلى مرحلة أخرى، مرحلة الدينونة والغفران نرى كما تعلمون أنّه سوف نحاسَب قبل كلّ شيء على المحبّة. أي إنّ الصوم في النهاية هو تعبير عن المحبّة. إذا كان جهادنا لا يُوصِل الى تعبير عمليّ عن محبّتنا لأخينا، لا يكون صومنا صوماً حقيقياً. وعليه، فالغفران هو أيضاً تعبير عن محبّتنا للقريب.

على كل حال يبقى الصوم في الكنيسة موضوع نقاش، أعني سؤالاً مفتوحاً، مجالاً مفتوحاً للاختبار لا يُسبر غوره.

كيف يكون الصوم الحقيقي؟

النصوص التي تختارها الكنيسة للتلاوة تكشف عن بعض النقاط الرئيسية للصوم الحقيقيّ. من يقرأ انجيل متى الذي يُتلى في أحد الغفران (مت6: 14-21) لا بد أن يلفت نظره طابع الخفية عندما يتكلم عن الاحسان، عن الصلاة وعن الصوم وتعلمون ان الثلاثة مترابطة كما يقول القدّيس باسيليوس: “الصوم هو مثل طير له جناحان: الصلاة والرحمة لا يستطيع أن يطير وان يحلّق بدون جناحيه”. ويضيف أنّ الصوم يعطي للصلاة قوة أكثر يزيدها حرارة وكذلك الرحمة.

إذاً هناك طابع الخفية كما ذكرت سابقاً. “فمتى صنعتَ صدقةً فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك لكي تكون صدقتك في الخفاء” (مت6: 3-4). “أنت متى صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية” (مت6:6).

وطابع الخفية شيء مميّز. علينا أن لا ننساه. لذلك يقول “فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك ولا تكن كالمرائي” (6: 16-17).

الرب ينتقد قبل كل شيء المراءاة، الكذب، حبّ الظهور والمجد الباطل والشكليّات والواجبات والمظاهر البطّالة. لذلك المنفعة الرئيسية تبقى في الخفية. علاقتنا مع الربّ هي قبل كلّ شيء وآخر كلّ شيء في القلب “لأنكم قد مُتّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله” (كول3:3).

وكذلك إشعيا النبّي يقول (58: 6-7): “أليس هذا هو الصوم الذي آثرته: حلُّ قيود النفاق وفك ربط النير وإطلاق المضبوطين أحراراً وكسر كلّ نير. أليس هو أن تكسر للجائع خبزك وأن تُدخل البائسين المطرودين بيتك واذا رأيت العريان أن تكسوه وأن لا تتوارى عن لحمك”.

هذا ليُظهر أن هدف الصوم هو المحبّة. له طابع المحبّة وله طابع الشركة. إذا كان هذا هو الصوم الذي نريده، إذا أراد كلّ واحد منّا أن يتحوّل إلى هذا الوجه، ماذا يجب عليه أن يعمل؟

التطبيق العملي

هذا المعهد يعطي بعض الفرص، والفرصة الأولى هي الخلوة السنويّة. هل لها فائدة إذا أراد الطالب أن يستفيد؟ هل يجني من هذه الأيام القليلة ثمراً؟ هذا يعود إلى خبرتكم. تبقى على كلّ حال فرصة للاختبار. لأنّ الدروس تتوقّف ولا بدّ أن تتوقف في وقتٍ ما، أي لا بدّ للطالب أن يعيش أن يطبّق ما قد تعلّمه. ألإنسان المعاصر يريد أن يفهم كثيراً ويطبّق قليلاً. جئنا لندرس ونعرف لكن يجب ألاّ ننسى أنّ الغاية أيضاً هي في أن نطبّق آخراً. هي فرصة لكي يعود الانسان إلى ذاته ويقف أمام نفسه وأمام الله. إنْ أراد الواحد منّا رغم كلّ الصعوبات أن يصلّي ويقرأ ويتأمل ويشترك في الصلوات ويسمع الأحاديث، له الفرصة لذلك. على الأقلّ يكون قد كسر الروتين والنظام العاديّ. وله الفرصة أن يصمت. أيلزمنا دائماً أن نتكلم؟ هل لدينا فراغ حتّى نلجأ إلى الكلام لكي يسدّ فراغ حياتنا؟ والصمت ليس فقط عدم الكلام. الصمت الروحي هو أن نتيح لله أن يتكلّم فينا. أن نتدرّب على قراءة الكتاب المقدّس والكتب الروحيّة وسير القديسين على انفراد.

والفترة لا تقتصر على يومين او ثلاثة، لكنّها تمتدّ الى الموسم كلّه. فرصة ليجتهد الواحد الذي هو عضو في شركة الكنيسة لكي يصير إنساناً روحيّاً. أن يتدرّب كيف يعيش روحيّاً قبل أن يعظ الآخرين. كيف يمكن له أن يسعى لكي يفعل فيه روح الله لا الجسديّات.

ماذا يمكن لنا أن نفعل أيضاً؟

هل نشاهد التلفزيون في هذه الأيام؟ هل يعترف الطالب في هذه الفترة؟ هل يفيده الاعتراف؟ وكيف ولمن يعترف؟ وكيف نختبر هذا السر ونعيشه؟ قال مرة رئيس دير وهو يتكلم عن الطاعة والاعتراف:”إن سيرة الانسان العضو في الجماعة هي بمثابة اعتراف”. وقال أيضاً: “إن الطاعة لا تكون فقط لشخص الرئيس. انما الطاعة هي أيضاً للنظام المعمول به في الجماعة. اذا كان العضو يتقبل بتواضع النظام الموجود، اذا كان يتقبل الآخرين، يتقبل هذه الشركة التي سمح بها الرب لكي نعيش فيها لمجد الله لا لمجد أنفسنا، هذه النعمة الكبيرة إذا تقبلها يحصل على بركة كبيرة”.

هل نستطيع فعلاً أن نتغيّر؟ هل نريد أن نكتسب هذه الذهنيّة الجديدة؟ هل يريد الواحد أن يتمسّك بنفسه او نريد ان نصبح على شبه المسيح الذي قَبِل الكلّ: الأخيار والأشرار، الخطأة والصديقين؟ هل نريد أن يكون لنا هذا الحسّ الجديد؟ لماذا جئنا؟ لنتذوّق الحياة المشتركة التي هي هبة مجانيّة. هذا هو هدف الصوم. أن نكتسب هذه الذهنيّة الجديدة.

الخلاصة

إذا لمسنا تجدّداً في علاقاتنا بعضنا مع البعض ومع المسؤولين، نكتشف المسيح، ويُعْرَف المسيح. لا بد للواحد أن يكون له رؤية تطلّع الى اين يريد أن يصل. ونحن نتمسّك بهذه الرؤية الانجيلية ونريد أن نسخّر كلّ شيء لها، ولو اضطررنا أن نتخلّى عن أنفسنا. وما هي رسالة الكنيسة سوى أن تدربّنا على التخلّي عن الأنانية؟ إذا كان الصوم يعطينا فرصة لنخرج من أنفسنا ونلتقي بالآخر فأهلاً به. لذلك قال الربّ “إدهن رأسك واغسل وجهك لكي لا تظهر للناس عابساً”. هذا لكي يظهر النور على وجهك. المقصد هو أن نستنير مثل القدّيسين. لذلك نتمنى عليكم أن نحاول كلّنا اكتساب شيء مفيد في هذا الموسم ابتداءً من الأيام الأولى، حتّى يستمرّ في حياتنا وحياة كلّ الأشخاص الذين بمعونة الله سنكون مسؤولين عنهم. آمين.

الأسئلة

*        سؤال:   نحن كمسيحيّين مدعوّون لهذا الجهاد الروحيّ في كلّ وقت. وبالصوم نلتقي الرّبّ. والصوم تعبير عن المحبّة. ما الفرق بين أيّام الصوم والأيّام العاديّة؟

*        جواب:  هذه قضيّة خبرة وتدريب. توضع فترة يركَّز فيها على الجهاد الروحيّ، فيها يتدرّب الإنسان على هذا الجهاد اكثر من الأيّام العادية. هذه خطّة تربويّة. هناك فترة تكثيف للعمل الروحيّ، يمكن فيها أن يكتسب الإنسان عادة جديدة على رجاء أن تستمر في الأيّام العاديّة. لأنه بسبب ضعف الانسان لا يستطيع أن يصوم السنة كلّها. وهذا شيء معروف في شتّى الحقول. وإذا لم نفعل ذلك لا نستطيع ان نكتسب شيئاً جديداً.

*        سؤال:   انت تتكلم عن النور، ونعرف أنّ الصوم إذلال للنفس فكيف ذلك؟

*        جواب:  الصائم يذوق طعماً روحيّاً جديداً. هذا هو الفرح. والذي لم يذق هذا الطعم الجديد لا يكون قد صام. ظاهريّاً هو انقطاع عن الطعام وإذلال للجسد وضبط للنفس، ولكن حقيقياً يختبر الشخص حالة من الارتياح والسلام والفرح وانفتاحاً للقلب والذهن. وبمعونة الرب إذا ذاق شيئاً طيّباً لن ينساه في الأيّام العادية. لولا وجود ثمار لذيذة، هل من المعقول أن نتمسك بقوانين الكنيسة؟ وهذا تابع لخبرة كلّ شخص وليس مفروضاً عليه. والذي يختبر ويلمس يستطيع أن يبشّر ويقنع غيره.

*        سؤال:   قبل الصوم نأكل كثيراً، في الصوم ننقطع، وبعد الفصح نأكل كثيراً. فما الفائدة؟

*        جواب:  الصوم يبقى سؤالاً مطروحاً كما ذكرت سابقاً. والكنيسة حافظت على هذا الطابع الروحي للصوم. والحفاظ على طابع الشركة، وعلى خبرة روحيّة ممارَسة في الصوم وخارجه. ونعرف أنّ النظام الطعاميّ له تأثير كبير على حياة الانسان وسلوكه، وعلى تفكيره. ولكن هناك خبرة روحيّة في الانقطاع الكلّيّ، لأن الصوم الكلّيّ يعطيك شيئاً من خبرة الموت وشيئاً من خبرة القيامة. هذا مقرون بالصلاة. ممكن للواحد أن يختبر ذلك شرط ألاّ يكون عنده تطرّف. هذه الخبرة الروحيّة في الصوم لها علاقة بالصليب، بالموت والقيامة. وهذا تعبير عن خبرة بعض الآباء، أن للإنسان إمكانية ليختبر أنّه يستطيع أن يعيش فقط من نعمة الله. نعمة الله كافية لاستمرار جسده ونفسه. هكذا يكون له خبرة سابقة للملكوت.

*        سؤال:   في متابعة الصوم او المسيرة نحو القيامة، لا بدّ من كسل أو شرود، كيف المعالجة؟

*        جواب:  حياة الانسان العمليّة تبتدئ من النيّة. ما هي نيّته؟ ما هو هاجسه الداخليّ؟ عن ماذا يفتش؟ ان كان يريد ان يختبر يستطيع ذلك ولو سقط او تكاسل. يحتاج الانسان الجِدّيّ إلى مرشد أو معين، لكن لمجرد أنّه يريد في عمقه يستطيع أن يدرّب إرادته، اذا كان لديه حقّاً الاستعداد الداخليّ، الدافع الداخلي (motivation intérieure).

*        سؤال:   في صلاة الغفران، أريد أن أعيش رغم الرواسب السيّئة نحو الآخر كيف ذلك؟

*        جواب:  الرواسب تخفّ والانسان قابل للتغيير، لأنّ حياة الإنسان ديناميكيّة ليست (statique) جامدة. يتحول بنيّته وإرادته. وهذه الرواسب تخفّ وتزول مع الوقت. لذلك يؤكّد الآباء على الإيمان (عب 11).

الإيمان هو اليقين بالأشياء المنتظرة. إيمانك يحرّكك فتزول الرواسب والغشاوة بمعونة الله.

(عن كتاب “أحاديث روحية” للأرشمندريت أفرام كرياكوس. منشورات دير البلمند. 1995)

معاني الصوم

معاني الصوم

ما هي المعاني الهامّة للصوم؟

لماذا نصوم؟ هدف الصوم وفائدته.

كيف نصوم؟

كل إنسان يطرح على نفسه هذه الأسئلة. والأهم هو أن يصوم ويختبر معنى الصوم وحينئذٍ يفهم ويكتشف فائدته، إن لم يصم  لن يكتشف حقيقة الصوم ولو قرأ وسمع الكثير عن هذا الموضوع. المطلوب أن يدرس ويطبّق ويختبر.

تُعطى هذه الملاحظات على رجاء أن تختبروا الصوم وتكتشفوا معانيه وفائدته. سأحاول أن أعطي حديثاً شبه شامل ومطول وجامع حول كل المعاني المهمة. ويتطلب ذلك منكم صبراً وانتباهاً ولو كانت فيه مراجع كتابية وآبائية تكون مراجع لنتأمل فيها فيما بعد.

الصوم

كلمة صوم في اللغة اليونانية هي (νηστεία) وهي الكلمة العادية وغير معبّرة كثيراً، والكلمة الأعمق هي (έγκρατεια) وهي معبّرة جداً عن معنى مهم للصوم، وتترجم عادة بكلمة إمساك، وهي تعني أن يمسك الإنسان نفسه وهو صائم.

ترجمة أخرى للكلمة هي إنضباط، وهي عملية ضبط النفس وهي عملية عفة أو تعفف وفيها يحرم الإنسان نفسه عن بعض الأمور غير الموافقة. وأولها الأطعمة والشرور.

في القاموس، كلمة إمساك (έγκρατεια) تعني أن يكون الواحد سيّدا على أهوائه وعلى رغباته. إذاً يبدو الصوم في أول معانيه أنه وصية إمساك، وصية إنضباط. لماذا؟ أي لماذا هذه الدعوة إلى الإمساك وضبط الجسد والنفس؟.

الوصية الأولى في الكتاب المقدس هي وصية صوم. وردت في التكوين. ويقول فيها الله لآدم “لا تأكل” وهي وصية قطع ونهي على نسق الوصايا لا تقتل، لا تزنِ. ويقول القديس باسيليوس الكبير (في ميمره الشهير عن الصوم): “كانت الوصية الأولى في الكتاب المقدس وصية صوم. ففي (تك2: 17) تقول الآية: “أما من شجرة معرفة الخير والشر لا تأكل فإنك يوم تأكل منها موتاً تموت”. وفي (تك3: 4-5)  قالت الحية لحواء: “لن تموتا، لكن الله عالم أنكما في يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة عارفي الخير والشر” إذا ما تسألنا: لماذا هذه الوصية؟

لنحاول أن نربط هذه العملية – عملية الإمساك – بآدم وحواء.

طرد آدم وحواء لأنهما أكلا من الشجرة فصارا مريضين جسدياً ونفسياً ولأن المرض كان بسبب الأكل. يأتي الصوم كدواء لما نجم عن الطرد، والسقوط فيه حملنا ضعفاً ومرضاً جسدياً وروحياً.

إذاً الصوم دواء لهذا المرض الموروث، دواء لمرضنا.

طرد آدم من الفردوس بسبب الأكل فلنعد إليه (إلى الفردوس) عن طريق الصوم.

يقول الرسول بولس في (1كور 15: 32): “إنني أموت كل يوم”.

ويقول الرب يسوع قبل آلامه عندما كان مع تلاميذه: (مر 14: 38): “أما الجسد فضعيف وأما الروح فنشيط” (مت41:26) ويقول بولس الرسول أيضاً في (2كور 10:12): “حينما أنا ضعيف فحينئذٍ أنا قوي” وهنا يعني بأني أتقوى بإذلال النفس واضعافها.[1]

الانضباط (έγκρατεια)

لنعد إلى فكرة الإنضباط. يقول بولس الرسول في (1كور 9: 25) كل مجاهد في سبيل ملكوت السماوات يضبط نفسه في كل شيء.[2]

السؤال المطروح دائماً هنا: لماذا المطلوب هو انضباط لنصعد إلى السماء؟ رغم أن الله جاء وخلصنا، فلماذا وصية المنع هذه؟ ودائماً الشعب يقول لماذا وصية المنع؟ وهل الأكل نجس؟ وبما أن الأكل والأطعمة لا تنجس الإنسان فلماذا ننقطع عنها؟

الجواب: إذلال النفس والجسد يؤدي إلى التواضع وهو شرط لدخول الملكوت. كما أن الصوم هو عملية إمساك، وهي عملية سلبية ولكن يبدو أن لا بدّ منها. وكيف نصل بهذه العملية إلى الحالة الفردوسية؟ وهل الموضوع هو عملية سلبية فقط؟ أم هناك بعد إيجابي. في الإنسان مرض، وعلينا أن نطهّر نفسنا وننقيها. لذلك يُعد الصوم فترة تنقية وتوبة ومدرسة للتوبة.

وضعت الكنيسة هذه الأسابيع السبعة كفترة تنظيف.

غسل التجديد. كل أسبوع تغسل جسمك وتنظفه أفلا تحتاج نفسك لفترة تنظيف وبذلك وضعت الكنيسة طرائق عملية من أجل هذه الغاية: كالصوم والصلوات الطويلة والإمتناع عن النشاطات الصاخبة.

تذكروا أن الصوم هو الخطوة الأولى ولا بدّ منها وفيها ينضبط الإنسان في جسده ونفسه. فللصوم وجهان: وجه جسدي ووجه روحي، هو صوم عن الأطعمة الثقيلة وصوم عن كل أنواع الشرور. نرى ذلك بوضوح في (اش58: 5-8): “أنا ما اخترت هذا الصوم ولا آثرت يوماً، يذلّل الإنسان فيه نفسه، ولو أنك أحنيت كالطوق عنقك وبسطت المسح والرماد تحتك فلا تدعو على هذه الجهة صوماً عند الرب مقبولاً. فصوماً مثل هذا ما اخترته انا يقول الرب. لكن فُكَّ كل رباط الظلم وحُلّ عقود المعاملات الإقتسارية، أصرف المهشمين بصفح وخزّقْ كل صكٍ ظالم. وفتَّ للجائع خبزك وأدخل مساكين لا سقف لهم إلى بيتك إذا رأيت عارياً فأكسه ولا تعرض عن مؤاساة آل ذريتك” (LXX الترجمة السبعينية). وهذا المقطع يقرأ في الكنيسة يوم الأربعاء قبل الشعانين في الساعة السادسة.

في تقليد الكنيسة هذه الفترة هي فترة للتفكير بالمحتاجين والمظلومين فالصوم يرافقه الإحسان.

اليقظة (νηψι)

فائدة أخرى للصوم مهمة.

من فوائد الصوم الإنضباط، إن هذا الإمساك الذي  يمارسه الإنسان المؤمن يؤدي ليس فقط إلى تطهيرٍ أو تنقيةٍ للجسد والروح بل يؤدي إلى أكثر من ذلك. إلى الصحو واليقظة بأن يصبح الإنسان في حالة يقظة وحالة إنتباه.

يقول القديس يوحنا السلمي في كتابه “السلم إلى الله”: “الصوم هو إخصاء لرغبات الجسد، إبتعاد عن الأفكار الشريرة، تحرّر من التخيّلات المذنبة، طهارة الصلاة، نور للنفس، يقظة العقل”. ما هو المطلوب يقظة العقل أم يقظة القلب؟ بل يقظة العقل والقلب معاً. فالقلب هو مركز الإنسان.

إذاً علينا أن نختبر لنلمس بأن الإمساك والإنضباط سوف يعطيانا حالة يقظة.

ربما تكون هذه إحدى النواحي الإيجابية لجهاد الصوم. والنواحي الإيجابية الأخرى هي في إكتساب كل الفضائل بشكل عام. وبتخصيص يقول القديس باسيليوس الكبير: الصوم هو كالطير ذو جناحين لا يستطيع أن يطير ويُحلّق بدون جناحيه: الصلاة والإحسان[3].

لذلك يجب  أن يترافق الصوم بكل الفضائل وخاصة الصلاة وعمل الرحمة. لماذا يجب أن يكون هناك صلاة وإحسان؟[4]

محاربة الشيطان

فكرة أخرى عن الصوم غير الفضائل واليقظة والمذكورة في الكتاب المقدس وعند الآباء:

صام السيد أربعين يوماً وحارب بعدها الشيطان وجابهه. فالصوم هو سلاح فعال لمحاربة التجارب والأرواح الشريرة والشيطان. لذلك فالآباء الروحيون يصومون قبل مواجهتهم الحالات الصعبة والشريرة.

يقول مثلاً القديس إفاغريوس في هذا الموضوع: “الصوم يهدىء النفس، ينقّي الفكر، يبعد الشياطين ويطردهم بعيداً ويجعل الله قريباً”.

ويقول القديس باسيليوس: “الصوم يقرّب الإنسان إلى الله”.

ويقول القديس أثناسيوس الكبير: “كل من يتعذب من جراء تجربة شريرة، ان استخدم دواء الصوم يطرد الروح الشرير للحال، لأن هذا الأخير يخشى الصوم كثيراً”.

أما القديس سمعان اللاهوتي الحديث (القرن العاشر) فيقول:

“الصوم مثل الشمس يزيل شيئاً فشيئاً الضباب، وهكذا تضمحل غشاوة النفس”.

الصوّامون الكبار

كان هذا عن معاني الصوم ولنُعط أمثلة عن الصوّامين الكبار:

موسى الذي صام أربعين يوماً على الجبل قبل أن يتسلم الوصايا وقبل أن يعاين الله. (خر 24: 18) (خر 34: 28).

“إن آدم لما تناول من الأكل كمخالف طُرد من الفردوس أما موسى لما نقّى حدقتي نفسه بالصيام صار معايناً لله”. (اينوس أحد مرفع الجبن).

ولهذا فالهدف هو معاينة الله، وما الهدف الإنضباط ولا التطهير بل الهدف هو التنقية فمعاينة الله.

فالإنسان يصوم لأنه مشتاق إلى الله.

الإنسان المبتدىء يصوم مطيعاً إذ يوصونه بذلك، ولكن عندما يمارس ويعي، يصوم ليس كتنفيذ للوصايا بل لتذوق اللذة واختبارها واكتشافها.

بالصوم نميت أجسادنا، يقول الآباء، من يصوم لحدٍ كبير يختبر ويتذوق الموت لحد ما.

فالقديس سمعان العمودي بصومه القاسي ذاق الموت وبه ذاق القيامة فقد ذاق موت المسيح وقيامته بالصوم. راجع قصة حياته كيف كان يقضي الصوم الأربعيني كله بدون أكل ولا شرب.

لسنا جماعة تبتغي إماتة الأجساد وتعذيبها بل غايتنا هي تذوق الفرح وتذوق الفرح بالمسيح. وهذا محور كل جهادنا الروحي.[5]

إذاً محبتنا هي الدافع والمحرّك (το κίνητρον-  La motivation) لكل السعي والجهاد وهي التي تدفعنا لمحبة القريب.

لا يمكن أن ينفصل الصوم عن ذكر الرب المحرّك الأساسي له كما المحرك للسيارة.

يقول الآباء: لم يخلق الرب الإنسان كاملاً بدون الرب، ليتكامل بالرب. وهي حجّتنا نحن المؤمنين أن بدون الرب لن نصل للكمال والفرح. غير المؤمن يجيب أن بدون الرب نصل للكمال ونحن نرى أن بدونه لن نصل.

وهناك أمثلة أخرى في الكتاب ومنها عن ايليا (3مل19: 8-15) الذي صام على جبل سيناء قبل أن يرى الله وأقام إبن الأرملة بعد صوم متغلباً على الموت نفسه (3مل17: 20-23).

ومثل الفتية الثلاثة الذين بعد أكلهم البقول بدت وجوههم أبهى من كل الذين في بابل (دا1: 12-16).

تاريخ الصوم

وأخيراً نذهب في نظرة تاريخية وقانونية لتطور الصوم:

يبدو أن الصوم ابتدأ في القديم، في القرون الأولى: إنقطاع كامل في نهاري الجمعة والسبت العظيم إستناداً لما جاء في (مت9: 15): “فهل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ما دام العريس معهم ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم حينئذٍ يصومون”. هذه نبوءة عن :”صوم” التلاميذ أي عن عذاباتهم، جهاداتهم خلال آلام المسيح وموته وأيضاً خلال حياتهم اللاحقة كلها. إذاً هنا كلمة “صوم” مرادفة لكلمة “جهاد” حسب زيغافنوس.

في القرن الثالث: يوجد مخطوطة إسمها ذيذاخي (Didascalie) امتد فيها الصوم لكل الأسبوع العظيم وفيه انقطاع عن اللحم والبياض حتى الغروب.

وفي القرن الرابع: الشهادة الواضحة أنه في أورشليم كانوا يصومون أربعين يوماً وهي واردة في ما كتبته امرأة في رحلتها اثريا (Ethérie) وما كتبه القديس كيرلس الأورشليمي.

وهناك مخطوطة قديمة ومنحولة لقوانين الرسل ابو كريفا (400) سنة قوانين الرسل(Constitutions apostoliques). تتكلم عن صوم الأربعين يوماً من الصباح حتى التاسعة (ενάτη) وعند الفطور انقطاع عن اللحم والبياض أي أكل النواشف (ξηροφαγία) وتضيف هذه المخطوطة “ان كانت صحتكم تسمح لكم”.

ليس في الكنيسة قوانين واضحة ومحددة وثابتة للصوم، وأصبح الصوم تقليداً الذي بات فيما بعد كقانون؛ التقليد بمثابة قانون.

وبالضبط هذا هو التقليد الذي عرفه القديس باسيليوس الكبير والقديس يوحنا الذهبي الفم والمغبوط أو غسطينوس، وهذه هي إرشادات وليست بأوامر قاطعة.

ملاحظة: لا تجبروا شعب الرعية  على الصوم بل يجب أن تقنعوه.

وهناك مجمع ترلو (692): وقد أصدر قانوناً عن الصوم ورقمه (56) يتكلم عن الإمتناع عن اللحم والبياض ويقول هذا القانون: هذا الصيام إلزامي لكل الجماعة.

في القرن الثامن والتاسع: أصبح الصوم الأربعيني المقدس في الكنيسة اليونانية صوماً رسمياً ولا تتميز فيه الأديار عن الرعايا والشعب.

ولا بد من التمييز بين الحرف والروح فالكنيسة تعطي إرشادات لا أوامر ويجب العودة إلى الضمير والإرشاد الروحي.

خلاصة

الإنسان ضعيف بدون المسيح العريس، حزين بدونه يشعر بحاجة إلى عون، يلتجىء إلى الإمساك حتى ينضبط ولا يقوى عليه الشرير في غياب العريس أي غياب النعمة وهذا ما يسميه الآباء الفساد (φθορά) حالة الإنسان الطبيعية بدون الله شبه خطيئة التي ورثناها. صومه، شهادته البيضاء هذه، كذلك جهاداته، عذاباته، إضطهاداته، تجنّده، إمساكه. كل ذلك لكي يصون نفسه من الهجمات الشريرة، ليحفظ نفسه صحيحاً سالماً ولكن أيضاً ليفوز بالسباق بالقيامة بالمسيح ليتمتع بالحياة الأبدية. الذي يجاهد ويصوم هنا يرتاح هناك في الآخرة.

في آخر المطاف التوبة، الصوم، الصلاة، السهر، كل جهاد، إمساك حرمان من أجل المسيح هو إفتقار إلى الله، توق إلى المعشوق، إلى لقاء أوفر إلى التمتع الأقصى، إلى السعادة الحقيقية الأبدية، الاكتفاء بالمسيح وحده. لذا الصوم من أجل المسيح سرّ، سرّ التواضع أمام الله، سرّ محبة الله، الله خلقنا في المسيح بمحبّته ونحن نبادله المحبة بإفتقارنا إليه هكذا نشارك بعملية الخلق. خُلقنا صوامين حتى نبقى عشّاقاً إلى الأبد “أما من شجرة معرفة الخير والشر لا تأكل” (تك 17:2).

U U U

مناقشة

*      عندما نكون بحالة خاصة – عائلة فقيرة يمكن التساهل بأن يأكلوا معلبات عندما لا يتوفر لديهم غيرها. وقد أصدرت البطريركية نشرة توجيهية في الأحداث منذ سنين قريبة تسمح فيها أكل اللحم والمعلبات والحليب وغيرها مما وزعته الهيئات الدولية على المهجرين في لبنان إبان أحداث الحرب.

من الجيد أن تعمل الكنيسة في الصوم صندوقاً مشتركاً للمحتاجين في الكنيسة الأرامل، المرضى، المساجين…

–       نلاحظ بأن سيدات البيوت تتفنن بطبخ وتحضير الأكلات الصيامية، التي باتت تكلف جهداً ومادة كثيرين.

*      هذا مظهر من مظاهر التمسك بالقشور دون الجوهر. وينتج هذا عادةً من الجهل وعلينا أن نوعي ونعلم. وصلوات الصوم تساعد على الوعي أكثر.

–       سألني أحدهم بأنه لا يحب اللحم ولا يأكله أبداً، فكيف يصوم؟

*      يمكنه أن يقتصر صومه على تخفيف الكمية وتخفيف تشكيل نوعيات أكله.

–       كيف يصومون في الجبل المقدس؟

*      عند الرهبان، الصوم يتضمن الإنقطاع عن الزيت والخمر وعادة يصومون في الجبل المقدس أيام الإثنين والأربعاء والجمعة.

–       لماذا إخترنا الزيت عن المنتجات الحيوانية بالذات؟ وليس غيرها؟

*      هو تقليد ناتج عن أن الإنسان القديم لم يأكل اللحم والمنتجات الحيوانية. هذا ما يذكره القديس باسيليوس في ميمره والملاحظ أن علم  الانسان (anthropologie) يقر بأن جمجمة الإنسان القديم كانت صغيرة لأن الإنسان كان نباتياً. ومن الجيد أن نعرف بأن الإنسان الذي يصوم يصبح دمه خفيفاً ويصير عنده فقر دم وهو مهم ولا بدّ منه لتنشيط الروح وتصفية العقل والفكر.

عملياً ألغت الكنيسة الكاثوليكية الصوم، إنما في الكنيسة الأرثوذكسية لا زال للصوم مكانته وأهميته كوسيلة فعالة ومفيدة للوصول إلى حالة روحية أفضل.  

U U U

——————————————————————————–

[1]حينئذٍ أتواضع أمام الله وأمام الأخوة فتنسكب عليّ نعمة الله وهكذا أكون قوياΟ άγωνιζόμενος παντα έγκατεύεται

[2] راجع المقطع كله (1كور 9: 24-27). حيث أن المجاهد الصوّام يقارن بالمسابق في الميدان.

[3] الصوم νηστεία     الاحسان  έλεημοσύνη الصلاة προσευχή

[4] لأنه مرتبط بالله وبالقريب أنظر إلى الخلاصة في الآخر.

[5] في كل عملية الصوم المحور هو المسيح.

روحانيّة أرثوذكسيّة – الأرشمندريت أفرام كرياكوس

روحانيّة أرثوذكسيّة
الأرشمندريت أفرام كرياكوس

لماذا هذا الموضوع اليوم وما هي أهميّتهُ؟ ماذا تنفعنا الروحانيّة وبشكلٍ خاص الأرثوذكسيّة؟  
نشهد اليوم لرواج الروحانيّات والروحانيين بعد سطوة المادة والحاجات الماديّة على كلِّ شيءٍ،  أولاً على الإنسان. العلماء الروحانيون، الأطباء الروحانيّون، صادقين كانوا أم كاذبين ومشعوذين يتكاثرون. أمّا نحن المسيحيّون فلنا روح قدس واحد “الربّ المحيي المنبثق من الآب… مسجودٌ له وممجّد” وروحانيتنا هي في التمييز بين ما هو لله وما هو لغيره.
ولماذا الأرثوذكسيّة؟ هل من فائدةٍ بعد في التمييز بين أرثوذكسيّ وغير أرثوذكسيّ؟ هل من فائدةٍ بعد “لكنيسةٍ أرثوذكسيّة” مميّزة عن “الكنيسة الكاثوليكيّة” مثلاً؟ أسئلةٌ كثيرةٌ تنتظر الإيضاحات.
إذا ما فتحنا ملفّ الشيطان على شبكة الإنترنت نجد فيه على لائحة أهم أعداء الشيطان “جميع الكنائس الأرثوذكسيّة في العالم”. وإذا ما سألنا عن موجب أو مبرر لاشتراك الكنيسة الأرثوذكسيّة في مجلس الكنائس العالميّ نرى الجواب الغالب: “نريد أن نشهد للحقيقة في عالم اليوم”.
قال الربّ يسوع لبيلاطس: “لهذا قد أتيتُ إلى العالم لأشهدَ للحقِّ … فقال لبيلاطس ما هو الحقّ؟” (يوحنّا 37:18). لم يُجِبْ يسوع آنذاك لكنّه كان قد أجاب من قبل بقوله: “أنا الطريق والحقّ والحياة” (يوحنّا 7:14).
هل الكلام هذا يعني أنّ الأرثوذكسيّة اليوم لم تعد قريبة أكثر من غيرها إلى الحقّ أعني إلى المسيح؟ هذا ما نرجوه في كلّ حال.
لنرَ الآن ما هي الهرطقة؟ أصلاً هي الخلط بين أمور العالم (المخلوق) وأمور الله (غير المخلوق) وسبب هذا الخلط هو اسوداد القلب، ظلمته عن طريق الكبرياء والشهوات والاهتمامات الدنيويّة. لذلك قال أحدهم إنّ الهرطقة في النهاية هي نقصٌ في المحبّة (وكذلك كل شذوذ فكريّ أو عمليّ في الكنيسة وفي العالم).
يخلط المرء بين أمور العقل وأمور القلب. بالعقل يعرف الإنسان محيطه، يتدبّر أمور حياته الإجتماعيّة، يعرف العلوم المختلفة. هذه هي وظيفة الدماغ الذي خلقه الله بإعجاز ليفي بهذا الغرض. أمّا القلب فهو الجهاز الذي من خلاله نتّصل بالله ونعرفه. عندما يتوحّد العقل مع القلب يتوحّد الإنسان، تختفي الإزدواجيّة، عندما يذكر الإنسان الله باستمرار:
“أيّها الرب يسوع المسيح ارحمني”، “يا يسوع ارحمني، يا ربّ ارحم”، “يا يسوع يا ابن داوود ارحمني”. من هنا الإرتباط الوثيق بين العقيدة والحياة. هذه الصلاة، الصلاة المستمرّة أو ذكر اسم الربّ يسوع، يصحبها تقشّف في الحياة وفقر وبساطة عيشٍ كما وتقريع للأنا المستحوذة علينا عن طريق المحبّة “التي لا تطلب شيئاً لذاتها” (1 كورنثوس 13:5)، مقاومة للشهوة الرديئة. هذا السلوك في الحياة يخدم العقيدة الصحيحة.
نرى من هنا كمّ أنّ “روح المسيح” تفترق عن “روح العالم”. الأرثوذكسيّ متقشّف في حياته. راهب في فرش  بيته في عمله في لباسه، عفيف في أحاسيسه وأفكاره. هذا لأنّه عاشقٌ للرب، محبّ للقريب، منفتح القلب والذهن لكلّ الأديان ولكلّ التيارات مع تمسّكه الشديد بعقيدته. هو منكرٌ لذاته. هنا ربَّ معترضٍ يُسرعُ ويسأل أليست هذه الفضائل متوفّرة عند كلّ مسيحيّ بل كل إنسانٍ صالح؟ نُجيب: في الأرثوذكسيّة تغلب هذه الروح. هي نزعة فوق كلّ نزعة.
عشق الله يغلب عشق الدنيا. لا يسمح الأرثوذكسيّ للمؤسسة الدنيويّة أو حتّى للشريعة والنظام أن يتغلّب عليه، أن يتسلّط، أن يتفرّد.
نزعة قويّة تستدر النعمة إلى القلب، تشعل ناراً في قلبه.
طبعاً في كلّ هذه العمليّة لا بدّ من مراقب، من مشورة. لا بد من شركة. لا بد من عيش في الكنيسة. فيها تتجسد هذه النزعة وفيها تثمر وتنعكس على الآخرين. محبّة الله تنسكب محبّة على القريب كما أنّ محبتنا للإخوة تعزز محبتنا لله.
الكنيسة شركة. هي مشورة لا تفرّد individualité، لا يكتمل الإنسان وحده. هذا من مشيئة الله الخالق وتدبيره. كما أنّ الكنيسة ليست عقلاً وبحثاً عقليّاً intellectualism . إذا طغت المؤسسة، إذا أصبحت الكنيسة مؤسسة أرضيّة فحسب أصبحنا فيها عالميين ودهريين sécularistes . هذا مرض المسيحيّة في عالمنا اليوم. من هنا أهميّة الرهبنة: أن نأبى الإلتصاق بهذه الأرض لأنّ المسيحيّ يتوق إلى الملكوت. الملكوت هو العيش مع الله أبدياً بلا عوائق.
هل يستطيع الإنسان أن يملك ويعيش كأنّه لا يملك شيئاً؟ لا بدّ من أن يترك شيئاً بل أشياء. لا بد من أن يزهد بالعالم. نحن غالباً منظّرون نتقن فنّ الكلام عن الله ونعيش في “فخفخة” لم نختبر بعد فنّ العيش مع الله.
لا نتمرّن على الترك (التخلّي). ننقاد إلى الإستهلاك بسهولة، نعلق بشباك الأمور الماديّة وأيضاً بتعجرفنا، بعدم المسّ بكرامتنا، بكبريائنا المبطن. نريد أن نترك، أعطنا يا ربّ أن نترك من أجلك. يأتي وقت لا مجال فيه حين علينا أن نترك كلّ شيءٍ رغماً عنّا. فلنترك اليوم بإرادتنا طالما لدينا الوقت.
نحن بحاجةٍ إلى دير، تلك الآية المعلّقة بين السماء والأرض، وبحاجةٍ أيضاً إلى رعيّة أرثوذكسيّة مع راعٍ أرثوذكسيّ حيث المحاولة جاهدة في جعل كلّ شيءٍ مشتركاً. أهذا بعد ممكن اليوم؟ الراعي طبعاً له أهميّته في الموضوع. له أن يكون حكيماً، أباً محبّاً باذلاً نفسه يتحلّى بالتمييز والخبرة (لقد قال لي أحد الشيوخ مؤخّراً إنّ على الكاهن ليوم أن يكون في سنّ الأربعين على الأقلّ ليواجه المشاكل العصريّة المستعصية). طبعاً يسنده الله بنعمته ومواهبه، أما الخوريّة فلها أن تتحلّى بطول الأناة وبساطة العيش. ولا بدّ للكاهن من أن يكون مرِناً متوازناً لا متطرّفاً.
الدير والرعيّة يتكاملان. ترى أين ينشأ اللاهوتيّ، أفي البيت العائليّ، في الدير، في الرعيّة أم في معهد لاهوتيّ؟ يقول أحد القديسين المعاصرين انه يأتي يوم وهو على الأبواب حين يكون الراهب في العالم (وكأنّه العالم أصبح ديراً صحراء) هذا هو تحدّي الأرثوذكسيّة. هل نجدها؟
عن Syndesmos News، السنة الثانية، العدد الأول، تذكار رفع الصليب المقدس 1998