عجائب القديس يوحنا الروسي – 5

عجائب القديس يوحنا الروسي – 5

جمعها الأب يوحنا فرنيزوس، خادم كنيسة القديس في بروكوبي – آفيا

نقلتها إلى العربية سعاد رزوق

في مستشفى القديس سابا للسرطان

في مستشفى القديس سابا الكبير في أثينا، كانت إحدى الأمّهات تجاهد ضد بلاء البشرية الذي هو السرطان. وقد كانت حالتها مستعصية حتى أنّ الأطباء قالوا لأولادها بأن يأخذوا أمهم إلى البيت: “لا تُتعِبوا أنفسكم بعد الآن بأن تأتوا إلى المستشفى لكي تعتنوا بوالدتكم! ما من أمل لها بالعيش. خذوها إلى البيت لأنها إن ماتت هنا فسوف تربكون أنفسكم بمعاملات المستشفى وإجراءاته “. لقد كانت العائلة من كافالا في شمال اليونان.
عند تبلغهم رأي الأطباء، راح أبناؤها الخمسة المجتمعين حول سريرها بالبكاء، فهي والدتهم أصل حياتهم، وللإنسان أم واحدة في هذه الحياة. وفي تلك اللحظة، مرّت أمام باب الغرفة حيث كانوا مجتمعين، امرأة لا يعرفونها فرأت المشهد المأساوي وفهمت ما الذي يحصل. وسألت الأبناء: “أهذه أمكم؟ اصغوا إليّ! لا تتوقفوا عند هذا، فالله وقديسوه فوق العلم والأطباء. كل ما هو بشري قد فعلتموه. لقد ذهبت حديثاً في رحلة حج إلى مقام القديس يوحنا الروسي في بروكوبي في آفيا، حيث يوجَد جسده المقدس كاملاً من دون فساد، وقد أخذت القليل من الزيت من القنديل المعلق فوق رفات القديس لكي أرسم بها علامة الصليب على أحد أقربائي وهو مريض هنا في هذه المستشفى، وسوف أفعل الشيء نفسه لوالدتكم والله سوف يُعيل”.
إن بعض الكلمات المصحوبة بقليل من العطف والتعزية تستطيع أن تريح كثيراً، وتساعد مَن هو في ألم أو في حزن. حتى الجلوس بصمت بقرب شخص متألم يعطي الشجاعة. وبقطعة من القطن رسمت السيدة الغريبة إشارة الصليب على جبهة المريضة ورحلت. صحيح أن القوة الإلهية تنتقل حتّى من خلال الأشياء والمواد التي تستعمل في العبادة، كالذخائر والماء المقدس والزيت لأن للكنيسة إيمان مطلق بقوة المسيح على الشفاء. إن هذه الطريقة المتواضعة لنقل قوة الله غير المادية وغير المخلوقة إلى أجسادنا وأمراضنا بواسطة رسم علامة الصليب مستخدمين الزيت والماء المبارَكَين قد وضعها آباء الكنيسة “كالشفاء الأعظم والأكثر لياقة بالله” (القديس يوحنا الذهبي الفم). من الممكن فهمها كعمل يعكس إيماناً عميقاً حيث أن شخصاً ما قد يشعر بعدم استحقاقه للطلب من المسيح نفسه أو من أحد قديسيه أن يأتي إلى معونته ولكنه يؤمن أن قوة المسيح الشفائية سوف تنتقل في هذه الطريقة البسيطة. أليس صحيحاً أن المسيح ينتقل من خلال مواد الخبز والخمر البسيطة؟
بالعودة إلى المرأة المريضة، بعد برهة قصيرة بعد أن رسمت السيدة الغير المعروفة إشارة الصليب عليها، فتحت عينيها. وإذ رأت أن أولادها يبكون أومأت برأسها إلى أحدهم لأن يقترب منها. فاقتربت منها ابنتها الكبرى فقالت لها والدتها هامسة: “لماذا تبكين يا ابنتي؟”
“أمي لقد مرّت أيام عديدة منذ فقدت وعيَك وما عدتِ تكلمت معنا. وأنتِ تسألينني عن سبب بكائي؟”
“نعم يا ابنتي، ولكن منذ برهة قصيرة، أتى جندي شاب وقال لي أن اسمه القديس يوحنا الروسي ورسم إشارة الصليب على جبيني وقال لي أنني سوف أعود إلى الحياة”.
وبالرغم من أن مرضها كان “مستعصياً”، فقد تعافَت الأم وعاشت مع أولادها ورأت أولاد أولادها كما سمح الله وقديسوه.

عصا المشي

“وإذا امرأة نازفة دم منذ اثنتي عشرة سنة قد جاءت من ورائه ومست هدب ثوبه لأنها قالت في نفسها إن مسست ثوبه فقط شُفيت”. (متى9: 20-21).
“وطلبوا اليه أن يلمسوا هدب ثوبه فقط. فجميع الذي لمسوه نالوا الشفاء” (متى14: 36).
“حتى أنهم كانوا يحملون المرضى خارجاً في الشوارع ويضعونهم على فرش وأسرّة حتى إذا جاء بطرس يخيّم ولو ظله على أحد منهم” (أعمال5: 15).

عندما تدخل كنيسة القديس يوحنا الروسي ترى هوية بسيطة وهزيلة، عصا مشي معلقة أمام مقام القديس كغنيمة الظفر. انها تعود لماريا سياكا، وهي امرأة مسنة من قرية فرنارو بالقرب من آموهوستوس في قبرص. فقد كانت لمدة ثماني عشرة سنة محدودبة الظهر ومنحنية على نحو مضاعف حتى أن المسافة بين وجهها والأرض كانت قصيرة.
في 11 آب 1978 أتى بها أقاربها في رحلة حج، مع بعض المئات من القبرصيين، إلى كنيسة القديس يوحنا. حملوها لتجسد لرفات القديس المقدسة. وبينما كان تتطلع إلى الرفات المباركة بكت السيدة المسنّة وتوسّلت إلى القديس يوحنا أن يهبها مساعدة إلهية صغيرة لما تبقّى من حياتها. وقد رأى القديس يوحنا عظمة روحها وحزنها وأيضاً إيمانها العميق. وفي تلك اللحظة وأمام أعين جميع الحاضرين، بدا وكأن يداً غير منظورة أمسكت بأكتافها بقوة هائلة وبدأت تدريجياً تُفتّح جسدها. لقد استقام عمودها الفقري وعاد إلى شكله الأصلي ووقفت السيدة المسنة مستقيمة.
بكى أصدقاؤها القرويون وقرعت أجراس الكنيسة وقدمت صلوات الشكر من قبل الحضور الذين لم يستطيعوا أن يمسكوا دموعهم. مَن كان له الحظ أن يرى حصول هذه العجيبة يستطيع أن يفهم هذه السطور.
أخيراً سُمع صوت السيدة المسنة قائلة: ماذا أستطيع أن أعطيك يا شابي العزيز ويا قديسي؟ أنا فقيرة. سوف أعطيك عصا المشي التي أملكها التي لن أحتاج إليها لبقية حياتي.
وقد روت الصحف اليومية في نيقوسيا: “إن ماريا سياكا بعد رحلة الحج إلى كنيسة القديس يوحنا الروسي في اليونان، تستطيع الآن أن ترى وجوه أصدقاءها القرويين بعد عشرين سنة تقريباً من انحنائها حيث لم تكن ترى إلا الأرض فقط. بفضل القديس قد شفيت وهي بصحة تامة”.
أتكرهني يا قديسي؟

مرّت ثماني سنوات على زواج السيد يورغوس ك. وزوجته وقد انتظرا كل هذا الوقت على رجاء أن يحصلا على طفل ولكن من دون جدوى حتى صاروا في حزن عميق وألم. فالحياة تبدو حزينة جداً عندما لا تستطيع المرأة أن تصبح أماً وتبقى من دون أولاد. ولكي يشجع امرأته قال زوجها منحنياً بالقرب منها: “اصبري. إنها مشيئة الله. الحزن والدموع لا يغيّرون شيئاً. الأولاد ليسوا هدف الزواج الوحيد، بل قبل كل شيء أن ننمو روحياً ونصير واحداً مع الله على الأرض وفي الأبدية.”
استمرت الزوجة بالصلاة كل يوم من كل قلبها وروحها. فمنذ حداثتها علّمتها والدتها أن تصلي دائماً وكانت تقول لها: “إن الناس الأقوياء يصلّون، فالصلاة تسلّح البشر بالصبر والاحتمال خلال صعوبات الحياة”.
وقد كانت، منذ صغرها، قد زارت القديس بصحبة عائلتها مرات عديدة. وعديدة هي المرات التي كانت تقول فيها للقديس: “يا قديسي العظيم يوحنا، أنا أرجوك وأتضرع إليك أن تشفع لي إلى الله حتى أكون مستحقة أن أصير أماً. لمدة ثماني سنوات، وأنا أسمع جواب البشر والعلم بأني لا أستطيع أن أكون أماً، وإنني لن أضم طفلاً بين ذراعيّ. إن بيتي فارغ وقلبي مملوء حزناً. سأنتظر يا قديسي جواباً من السماء بأن الله سوف يعطيني طفلاً لكي يمتلئ بيتي وقلبي وحياتي بالفرح والسعادة. سأنتظر يا قديسي العظيم”.
وفي مساء الثالث من كانون الأول 1979 كانت السيدة مكتئبة تبكي محاوِلة أن تجمع ذهنها بصلواتها. ولكنها لم تستطع فقد كانت متعبة، وتشعر بضيق ورغبة بالبكاء والصراخ والتهديد. فتحوّلت إلى مزار الأيقونات، وما أن شاهدت أيقونة القديس يوحنا حتى انفجرت بالبكاء قائلة: “ماذا فعلتُ لك بعد كل ذلك يا قديسي؟ أتكرهني؟ لماذا لم يمنحني الله هذه السعادة؟ أتكرهني يا قديسي؟”
وبعد منتصف الليل، صعد أحد الأشخاص درج بيتهم. فاستيقظ الزوجان وهمس الزوج: “لا تقولي شيئاً. قد يكون أحد الموظفين مخطئاً بالوقت وجاء ليأخذ المفاتيح من المكتب. لا تتكلمي سوف يرحل”.
ثم قُرِع باب غرفتهم وفُتح الباب فظهر وهج في الظلام على صورة القديس يوحنا وصوت: “آرشنرولا، ماذا كنتِ تقولين في صلواتك الليلية؟ إن القديسين لا يكرهون أحداً. ليست مشيئة الله أن لا يكون لكِ طفل. ستمر سنتان أخريان ثم تُعطَين هذه السعادة”. ثم اختفى الضوء واضمحل صوت القديس.
ومرت سنتان وأتى فرح الله بوفرة مع الطفل الأول ثم مع الثاني والثالث. لقد ملأت أصوات الأولاد الحلوة البيت وقلوب والديهم.

“أولئك صرخوا والرب سمع ومن كل شدائدهم أنقذهم” (المزمور34: 17).

عجائب القديس يوحنا الروسي – 4

عجائب القديس يوحنا الروسي – 4

جمعها الأب فرنيزوس، خادم كنيسة القديس في بروكوبي – آفيا

نقلتها إلى العربية سعاد رزوق

من مكة العربية إلى بروكوبي

أولى عجائب القديس يوحنا الروسي كانت إرسال صحن من الطعام من بروكوبي في آسيا الصغرى إلى مكة العربية. إنها معجزة تشهد للإخلاص المطلق بعلاقته مع الله. فبالرغم من معاناته مشقات فظيعة من أجل إيمانه على أيدي العثمانيين أعداء المسيحية، فإن المعجزة تمّت بينهم. هذه العجيبة سُجلت في حياة القديس التي كُتبت نحو أواخر القرن الثامن عشر ولها خاصية وعظمة تذكر المرء بالعهد القديم. بالطبع لقد سَلَّحَ حب المسيح قديسي الكنيسة بنفس القوات الروحية التي أُعطيت للأنبياء والبطاركة والرجال الأبرار في العهد القديم.
باشر أحد الكهنة الأربعة الذين يخدمون في كنيسة القديس يوحنا بتصنيف بعض عجائبه وبتجميع كل المعلومات التاريخية الحاضرة، وتسجيل التقليد الشفوي المُتَسلّم من اللاجئين من بروكوبي في آسيا الصغرى والذين جلبوا رفات القديس المقدسة إلى آفيا. كان قصد هذا الأب أن يكتب سيرة منقّحة للقديس غنية بهذا التقليد الحي قبل أن ينتقل آخر لاجئ من هذا العالم إلى العالم الأبدي.!!!
في مساء أحد الأيام كان هذا الكاهن يحتفل بصلاة الغروب وحده في كنيسة القديس. وبينما كان يرتل كلمات المزمور “لتستقم صلاتي كالبخور أمامك” توقف أمام مقام القديس لكي يبخره. ووقعت عيناه على أيقونة القديس يوحنا الكبرى التي عن يمين المقام خاصة على جزء من جانب اللوحة التي تصور القديس يوحنا على ركبتيه مصلياً إلى الله ليرسل صحن الأكل النحاسي إلى مكة. وقال لنفسه: “يا قديسي لو كان لدينا صورة عن هذا الصحن لأضفناها إلى الكتاب الجديد”.
وبعد أسبوع جاءت السيدة لينارداتو وهي إمرأة من قرية سباتا بالقرب من أثينا، برحلة حجّ الى بروكوبي. وقد التقت الكاهن في مدخل الكنيسة وسألته: “أبتِ، هل أنت كاهن هذه الكنيسة؟” وعندما أجاب بالإيجاب، تابعَت قائلة: “الأسبوع الماضي يوم الجمعة بعد الظهر (أي اليوم نفسه الذي أبدى فيه الكاهن رغبته في الحصول على الصحن النحاسي) شاهدتُ القديس يوحنا في نومي وقال لي أنّ بين الأشياء التي جلبها والدي من آسيا الصغرى، والموجودة في الدور السفلي من البيت، صحن نحاسي. وطلب أن أنّظفه وأجلبه إلى كنيسته في بروكوبي في آفيا واتركه هناك إلى الأبد لأنه، أي القديس، يحتاج إليه. ثم أخرجت الصحن النحاسي من حقيبتها. وقد رأى الكاهن، وهو مملوء عجباً، أن الصحن كان على نحو دقيق هو نفسه كالذي في الأيقونة. فقبّله الكاهن بعينين دامعتين وأخذه ووضعه حالاً على الزجاج أعلى الوعاء الذي يوضع فيه جسد القديس فوق يدي القديس وقال له: “يا قديسي يوحنا هل تتكبَدْ كل هذه الآلام من أجلنا نحن الخطأة؟ المجد لله الذي تحبه وتمجده وأنت معه أزلياً، ولك. أشكرك وأمجدك”.
الصحن اليوم محفوظ هو في كنيسة القديس.

بحسب كتاب الدين

في أحد مستشفيات أثينا، أمّ جالسة نهاراً وليلاً بجانب سرير إبنها الصغير. لقد أخذ والدا الطفل الصبي بسرعة الى المستشفى في مدينة باتراس لأن المرض الذي كان يعاني منه لمدة طويلة الذي هو شلل الرجلين صار سيئاً فجأة. وفي المستشفى قال الأطباء مرة أخرى كما في السنين الماضية أن سبب حالته هو نقص في الكالسيوم في جهاز الطفل.
في أحد الأيام بعد الظهر بينما كانت الأشعة الضعيفة للشمس الغاربة تُضيء المستشفى تذكرت الأم كيف تعودت أن تذهب الى كنيسة صغيرة لوالدة الإله في بلد خارج باترا لتضيء قناديل زيت الكنيسة بعض الأوقات وكان في بعض الأحيان يصحبها زوجها أو أولادها. وإذ تذكّرت هذه الكنيسة بدأت تصلي: “يا قديستي مريم، أيتها الأم الحلوة التي أيضاً عانت الألم ساعدي ولدي. يا قديسة مريم أرسلي لي قديساً. أنظري إلى صغيري يجاهد ليقف على قدميه. ساعدي ابني المضروب بالوجع”.
“أمي ماذا تقولين؟ مع من تتكلمين؟”.
“يورغو، يا صغيري، ألا تذكر أنك قرأت في كتاب الدين في المدرسة أنّ ربنا المسيح عندما عاش في فلسطين شفى هؤلاء الممسوسين من الشياطين وفتح أعين العميان وجعل المشلولين يمشون وأقام الموتى؟ قل له يا صغيري يورغو، فهو سيسمعك لأنك ولد صالح. قل لمسيحنا الصالح أن يجعلك معافى”. تطلّع الولد المعاق إلى والدته ببراءة ثم حوّل نظره إلى غروب الشمس ثم إلى السماوات وما وراءها. بعد منتصف الليل، رأى يورغو الصغير في حلمه فارساً وسيماً راكباً على حصان ضخم. توقف الفارس أمامه وقال: “يورغو، انهض واقفز على حصاني”. “لكني مشلول لا أستطيع المشي، ورجلاي لا تحملاني”.
“أعطني يدك يورغو الصغير. اصعدْ على حصاني. أنا القديس يوحنا الروسي. وقد أرسلني الرب لكي أعطيك نعمته الإلهية وأشفيك بقوته”.
وبينما هو بين النوم واليقظة، كان الصبي يحاول أن يقف. استيقظت أمّه وأمسكته كي لا يقع من سريره، فقال لها: “أمسكيني يا أمي فإن القديس يوحنا الروسي قال لي أن أقف”.
وفي صباح الغد، عندما حضر الطبيب الأخصائي، أخبره عاملو النوبة الليلية أن الصبي الذي من باترا قد مشى خلال الليل، فجاء وفحصه. ثم قرع ركبتي الصبي بمطرقته الصغيرة ووخز رجليه بإبرة فاستجابت أوصاله بشكل طبيعي. عندها قال الطبيب للأم: “اذهبوا إلى البيت، الله معكم”.

تحوّل السفينة عن الغرق

فيما كانت إحدى السفن التجارية تبحِر محمَّلَة في بحر الشمال في طريقها إلى أحد مرافئ هولندا، واجهت فجأة بحراً هائجاً. وقد بدا أنّها معرّضة للغرق بسبب الأمواج الهائلة في أي لحظة وأن طاقمها من البحارة اليونانيين كان يواجه آخر لحظات حياته. توقف دولاب القيادة والرادار عن العمل ولم يعد يوجد طريقة لمعرفة وجهة السفينة. قبطان السفينة، وقد كان بحاراً متمرساً، نادى طاقمه وسط زئير العاصفة، لا ليعطيهم أوامر لا حاجة لها، بل ليقول الحقيقة: “إننا نغرق! صلوا إلى الله من أجل خلاصنا!”
ثم مضى إلى مزار الأيقونات على السفينة حيث كانت أيقونة للقديس يوحنا الروسي. وبما أنه يدرك ما يحصل، ركع على ركبتيه وصلّى: “يا قديسي يوحنا إني لا أصلي من أجل أن تخلّصني أو تخلّص هذه السفينة الثمينة، ولكني أصلّي من أجل هؤلاء البحارة المساكين الذين يسافرون إلى أمكنة بعيدة ويأكلون خبز الغربة المعجون بماء البحر كي يساعدوا عائلاتهم التي قد تفقدهم في هذه الليلة. أيها القديس، أرجوك أن تخلّصهم!” ولم ينقطع القبطان عن التضرّع إلى القديس في قلبه طوال الليل، فيما كان البحر يهدر والريح الشمالية الباردة تعصف.
وعند انقضاء الليل المروّع وطلوع الفجر تفاجأ البحّارة. ماذا رأوا؟ رؤوا سفينتهم راسية وبأمان في مرفأ روتردام. راحوا يتساءلون من هو “القائد العظيم” الذي قاد السفينة خلال العاصفة وجاء بهم الى هناك؟ إنه القديس يوحنا الروسي. ديمتريس فاروتسيكاس، الذي شاهد عبر السنين أشياء كثيرة في عرض البحار، كان يعرف ذلك القائد وما من أحد يستطيع أن يقنع القبطان بغير ذلك. وفي وسط انذهاله من العجيبة، اتّصل هاتفياً بشركة السفن ليخبرهم بأنه يصلح السفينة وأنه قادم إلى اليونان.
وعند عودته أراد أن يعبر عن “شكره” للقديس يوحنا بطريقته. أرسل زوجته إلى متجر الأدوات الكنسية، فاشترت بيتاً للقربان وكتاباً للأناجيل المقدسة وكأساً للقربان ومراوح للقداس وصليباً للبركة وقناديل زيت كلها مصنوعة من ذهب وفضة، وأهداها للقديس يوحنا الروسي. هذه الكنوز الثمينة الموضوعة الآن على المذبح المقدس تذكّر بعجيبة الإيمان والصلاة وبخلاص هؤلاء البحارة المكروبين والمضطربين.
“فقام وانتهر الريح وقال للبحر اسكت، إبكم. فسكنت الريح وصار هدوء عظيم” (مرقس4: 39).

عجائب القديس يوحنا الروسي – 1

عجائب القديس يوحنا الروسي – 1

جمعها الأب فرنيزوس، خادم كنيسة القديس في بروكوبي – آفيا

نقلتها إلى العربية سعاد رزوق

الطبيب يشفى عجائبياً

الدكتور ماجوروس طبيب من مدينة لـِمني الصغيرة القريبة من بروكوبي (حيث تقوم كنيسة القديس يوحنا الروسي وفيها يوجد جسد القديس يوحنا الروسي كاملاً). كتب الطبيب إلى أسقف شالكيس خريسوستوموس: “فضيلتك، أنا لست مهووساً دينياً ولست أمياً، إنني طبيب وملحد سابقاً. لقد وقعت مريضاً. أُجريت الفحوصات المخبرية والطبية وكانت النتائج سرطاناً في المعِي الغليظ. لم يُخفِ عني زملائي الأطباء أي شيء. فقد كان سرطاناً من النوع الخبيث في مكان حتماً إلى الموت”.
“كنتُ في مستشفى الباندوكراتور (الضابط الكل) للسرطان في أثينا عندما أخبرني الأطباء بهذا. بعد ذلك، وحيداً في غرفة المستشفى، عدت إلى حواسي وحوّلت عقلي وروحي وقلبي إلى الله الذي كنت لا أؤمن به قبلاً. لقد كنت جالساً على سريري وقدميّ على الأرض. بدأت أتكلم وأصلي إلى الله. لقد طلبت منه أن يعتني بي. لقد قلت: “إلهي لم أؤمن بوجودك. لقد قلت أنك أسطورة وأن الإنسان والعلم هما الأشياء المهمة. لم يبقَ أي معنى لأي شيء الآن. إقبل توبتي وإذا وجدتني مستحقاً وبمساعدة القديس الذي نملك جسده المقدس في منطقتنا اشفِ مرضي”.
سمعت طرقاً على الباب، قلت: “أدخل”.
انفتح الباب ودخل طبيب شاب وسيم، مملوء لطافة. سألني: “كيف حالك أيها الطبيب ماجوروس؟ كيف تشعر؟”
“ماذا في استطاعتي أن أفعل أيها الزميل، الظاهر إنني سأموت”.
“كلا أيها الطبيب، لن تموت. سأستأصل ما في أحشائك”.
“من أنتَ أيها الشاب! لقد شاب شعري في خدمة مهنتي وأعرف الذي أعاني منه”.
“أنا هو الذي طلبته قبل قليل. وداعاً أيها الطبيب”.
وحالاً ركضتُ خارجاً إلى أورقة المستشفى لكي أكتشف من كان زائري. وقد قال لي الأطباء إنه كان حلماً لمع في عقلي برهة من جراء حزني. ولكن هذا لم يكن كذلك، لقد تكلمتُ إلى الله أولاً ومن ثمّ إلى القديس يوحنا. لم أنخدع وأصرّيت على إجراء فحص طبي جديد.
أناس لا عدد لهم رأوا الملفين الطبيين مع نتائج الفحوصات. واحد يبين السرطان والآخر خال منه.
“فضيلتك، أنا لست مهووساً دينياً… لقد رأيت القديس. لقد شفيت”. 10 نيسان 1964.
“إن العلي ألهم الناس العلم لكي يمجد في عجائبه” (حكمة ابن سيراخ38: 6، الترجمة السبعينية).

مأساة الصبي الصغير

في بيت صغير ذي سقف وضيع، في شارع ضيق يقود إلى كنيسة بنتاناسا الجميلة في مدينة باتراس، عائلة تعيش في مأساة. لقد رأت الأم بعد أن استيقظت من البنج بعد ولادتها طفل بواسطة القابلة القانونية، بأن لسان طفلها كان يمتد خارج فمه. شعرت برعب في داخلها. كان الطفل يحاول أن يرضع صدر أمه لكنه لم يكن باستطاعته ذلك لأن لسانه كان طويلاً جداً وكان يتدلى ثلاثة إلى أربعة سنتمتر خارج فمه. لقد بدأت المأساة.
لقد اعتكفت الأم في البيت مع طفلها. لقد ذهبت ذهاباً وإياباً إلى أثينا على رجاء أن يجد الأطباء علاجاً، ولكن لسان الطفل كان ينمو في الطول أكثر وكان يتدلى حتى ذقنه وكان الريق يسيل من فمه بشكل دائم. وقد توسلت إلى الله: “يا إلهي قل لي ماذا أفعل”.
لقد نصح الأطباء بقطع لسان الطفل ما يعني أنه لن يكون قادراً على التكلم. فرفض الأهل هذا وباعوا كل ما بوسعهم ليأخذوا الطفل خارج البلد طلباً للمشورة الطبيّة. أخذوا الطفل إلى عيادة خاصة في السويد وهناك أيضاً كانت آراء الأطباء مماثلة لأطباء اليونان، وذلك أنّ لسان الطفل يجب أن يقطع. لقد قال الأب والأم متفقين: “كلا”. ثم اتصلوا بأقربائهم في باتراس يقولون لهم إنهم عائدون إلى البيت دون أن يسمح حزنهم بأن يقولوا أي شيء أكثر.
في البيت، استقبلتهم عائلتهم المؤلفة من والديهم وإخوتهم وأخواتهم بشوق وبتمالك النفس. لكن هيئة الطفل غير المتغيرة ومعنويات الأهل الضعيفة بعد رحلة طويلة متعبة وغير ناجحة ألقتهم في حالة من اليأس. استقبلوهم بدموع. ماذا لديهم ليقولوا؟ أي تعزية يستطيعون أن يقدموا لهم؟
فجأة سُمع صوت امرأة معروفة بأنها مستنيرة ومسيحية حقيقية كرّسَت حياتها للكنيسة ولقديسيها، فقالت لأهل الطفل: “اصغوا إليّ، إن الله سيسمع صلواتنا”.
ثم وجّهت كلامها إلى الأم قائلة: “اعهدي طفلك إلى القديس يوحنا الروسي الذي ما زال جسده كاملاً من دون فساد، فهو يذهب إلى أي مكان يرسله الله. اسأليه الآن بحرارة أن يزور طفلك. وبالرغم من أنكم متعبين هلمّ نذهب جميعنا الآن إلى كنيسة البنتاناسا للصلاة”.
إن الصلوات التي تقدمها من أجل الآخرين كما يقول اللاهوتي الفرنسي والطبيب ألكسي كارل هي أفضل صلوات وهي مسموعة من الله.
في الكنيسة، رتّل الكاهن المتقدم في السن قانون الابتهال إلى القديس يوحنا الروسي ومن ثم أقام سهرانية قصيرة إكراماً للقديس. ثم عادت الجماعة الحزينة من الأقرباء إلى البيت. دخلوا البيت وأشعلوا الضوء فصرخت والدة الطفل “يا قديسي يوحنا هل جئت بهذه السرعة لكي تأخذ ألمنا الذي لا يطاق؟ ماذا ترى عينايَ المتعَبَتان اللتان ذرفتا الدموع المرّة لثلاث سنين؟”
كل الحاضرين شهدوا نهاية محنة الطفل: لقد عاد لسانه إلى وضعه الصحيح وبدأ يتكلم.
هذه الحوادث لا يمكن تفسيرها بالمنطق البشري. بالنسبة للذين ينكرون إمكانية الذهاب أبعد من المنطق الضعيف وبرهان الحواس، هذه الأشياء ليست أكثر من قصص خيالية. أمّا بالنسبة لذوي الإيمان فهذه الأشياء بسيطة وممكن تفسيرها. وبكلام القديس بولس: “أمّا الإيمان فهو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا ترى” (عبرانيين1:11).

من أخبار القدّيس يوحنّا كرونستادت

من أخبار القدّيس يوحنّا كرونستادت

إعداد راهبات دير القديس يعقوب المقطّع – دده، الكورة

1- الأستاذ الكسندروف

تأخّر يوماً الأستاذ ألكسندروف عن حضور البراكليسي التي كان يقيمها القدّيس يوحنّا كرونستادت في أحد المنازل. فبقي في الغرفة المجاورة ينتظر. وعندما بدأ الحاضرون يقبّلون الصّليب في نهاية البراكليسي، التفت القدّيس صوب باب الغرفة المجاورة قائلاً: “لماذا لا يأتي أيضاً حضرة الأستاذ؟” وعندما اقترب هذا الأخير ليقبّل الصليب قال له القدّيس: “أتخاف الصّليب؟ ولماذا؟ فها أنت سريعاً سوف تقدّمه للآخرين لكي يقبّلوه”.
وبعد فترة وجيزة أصبح الأستاذ راهباً ثم مديراً لأكاديميّة قازان اللاهوتيّة. ومن ثمّ سيم بعد ذلك أسقفاً. منذ ذلك اليوم آمن ألكسندروف بالقوّة الإلهيّة الكائنة في القدّيس.

2- القدّيس يشفي بواسطة المناولة من سلّ الحنجرة

اعتاد القدّيس يوحنّا كرونشتادت أن يشفي الكثيرين بواسطة نعمة المناولة الإلهيّة:
تعرّض أحد معارف الأستاذ الجامعيّ سيمانوفسكي لداء السلّ الذي أصاب بلعومه بشكل خطير، فكانت الجراح تغطّي البلعوم كلّه ممّا أدّى إلى اختفاء الصوت كليّاً، وجعل الجميع يعتقدون بأن العليل سوف لا يحيا أكثر من عشرة أيّام. فما كان من الأهل إلاّ أن أبرقوا إلى الأب يوحنّا يلتمسون قدومه إليهم، فوصل بعد خمسة أيّام. وما إن رأى حالة المريض حتّى بادرهم بسؤاله: “لماذا لم تعلموني بأنّ حالته خطيرة لكنت أحضرت معي بعضاّ من المناولة المقدّسة.” ولمّا كان المريض في حالة النّزع الأخير راح ينظر بتوسّل إلى الأب، فاستدار هذا نحوه وقال: “أتؤمن أنّي أستطيع أن أساعدك بقوّة الله؟” فأبدى المريض الموافقة بحركة من رأسه. عندها نفخ الأب في فم المريض بشكل صليب ثلاث دفعات، ثم تطّلع إلى الطاولة الصّغيرة قرب سرير المريض حيث كانت قد تكدّست أدوية مختلفة، وضربها بقوّة فوقعت بعض الزجاجات أرضاً وتكسّرت. ثم قال: “ارمِ هذه الزّجاجات كلّها إنّها لا تفيد شيئاً. تعال إلى كرونستادت لأناولك القدسات الإلهيّة. إنّي أنتظرك.”
وعند المساء حضر الأستاذ سيمانوفسكي لعيادة المريض، ولمّا أُخبر بأنّه في صباح اليوم التّالي سوف يقصدون كرونستادت، قال سيمانوفسكي بأنّ المريض سوف يموت في الطّريق. ولكنّ المريض كان يثق جدّاً بالقدّيس يوحنّا فأصرّ على الذّهاب إليه.
بقي هناك يومين حيث ناوله القدّيس الأسرار الإلهيّة. وعند عودته إلى البيت، ذُهل الأستاذ لأنّ الجراح كانت قد التأمت كلّها غير أنّ الصّوت بقي ضعيفاً، فاعترف عندئذ سيمانوفسكي أمام الجميع قائلاً: “إنّها ظاهرة غريبة. حقّاً إنّها معجزة.” وهكذا عاش المريض المحتضر بعدها خمساً وعشرين سنةً أخرى.

3- القدّيس يشفي بواسطة المناولة تلوّث الدّم

تعرّضت عام 1884 الأميرة يوسوبوفا إلى تلوّث دمها بعد وضع مبكّر لوليدها، وكان الطّبيب بوتكين يعالجها. وفيما كانت ساهرة في إحدى الليالي راح اسم الأب يوحنّا كرونستادت يطرق ذهنها بشكل ملحّ. وفي الصّباح أعلنت لأبيها عن رغبتها في رؤيته. فقال لها أبوها: “وأنا ايضاً كنت أرى في منامي طيلة ليلة أمس الأب يوحنّا، وكم أتمنّى لو ندعوه إلى هنا ليباركنا ويصلّي لنا”.
وعندما أتى الأب ووضع يده على رأس المريضة، شعرت الأميرة للحال بخفّة في رأسها غير معتادة (إذ كانت تشعر دوماً بثقل في الرّأس). فركع الأب أمام إحدى الأيقونات في الغرفة، وبدأ يصلّي. وعندما أراد الذّهاب قال مؤكّداً: “إنّها لن تموت”، على الرّغم من أنّ كلّ الأطبّاء يئسوا من حالتها، ولم يبقَ لديهم ثمّة رجاء في حياتها. وأثناء ذهابه تقابل مع الطّبيب الذي قال له: “ساعدنا”. لقد تناهت هذه الكلمة إلى سماع من كان حوله فنالهم عجب مذهل من قول الطّبيب هذا. (وتجدر الإشارة هنا أنّ الطّبيب لم يكن على درجة كبيرة من الإيمان).
في الزّيارة الأولى حاول الأب تهدئة المريضة، ولكن لم يطرأ أيّ تغيير على سير المرض. في الزّيارة الثّانية ضغط الأب على المريضة لكي تتناول القدسات، فاقترب منها قائلاً: “إنّ موتنا وحياتنا هما بين يديّ الله. ولكن علينا نحن أن نستعدّ لحياة جديدة بواسطة الأسرار المقدّسة الإلهيّة”. فأجابت الأميرة بأنّها تستعدّ لتتناول في عيد الفصح المقدّس المقبل. وللوقت راح الأب يصرّ عليها ألا تؤجّل، وإنْ كان الفصح قريباً، وأبدى استعداده لإحضار القدسات في الحال إن وافقت.
ما إن تناولت المريضة الأسرار الإلهيّة بفرح حتّى نامت ستّ ساعات متوالية، وعندما استفاقت كانت صحيحة كلّيّاً.
ولمّا رأى الطّبيب بوتكين هذا التّغير المفاجئ، بقي ساعات طويلة صامتاً متفكّراً، ثمّ ما لبثت أن انحدرت دمعتان على خدّيه فهمس قائلاً: “ليس لنا الفضل نحن البشر بهذا الشّفاء”.
وبعد أسبوع استطاعت الأميرة أن تنهض من فراشها وأن تمشي دون مساعدة أحد. لقد تركت هذه الأعجوبة أثراً عميقاً في نفسها وفي نفس الطّبيب.

4- القدّيس يشفي بالماء المقدّس: إيفان عازف القيثارة

أقام الموسيقار سلافيانسكي وفرقته، ببركة الأب يوحنّا كرونستادت، حفلة موسيقيّة في كرونستادت، وجاءت الحفلة باهرة النّجاح. لهذه أراد الأب يوحنّا أن يشترك هذا الموسيقار مع فرقته في القدّاس الإلهي صبيحة الغد. وأيضاً كان التّرتيل رائعاً حتّى أن القدّيس دعاهم للمرّة الثانية للاشتراك. وفي هذه المرّة حصل الشّفاء للضّرير إيفان:”.
فبعد الذّبيحة الإلهيّة تقدّم الموسيقار سلافيانسكي من الأب يوحنّا، طالباً منه أن يبارك له عائلته وفرقته الموسيقيّة. فأقام الأب خدمة الماء المقدّس، واقترب الجميع ليقبّلوا الصّليب الكريم. فقاد الموسيقار إيفان الأعمى بيده ليقبّل بدوره الصّليب المقدّس. فسأله الأب:
– منذ متى وأنت كفيف؟
– منذ حداثتي. فقد أصبت بمرض اليرقان فكانت النتيجة أن فقدت بصري.
– إنّه أمر غير مهمّ. قال هذا الأب مازحاً، ثم أضاف وأنا أيضاً تعرّضت للمرض نفسه وها إنّي لا أسمع الآن جيّداً. ولكن دعنا الآن نصلّي إلى الله العليّ.
وبقوله هذا وضع في يده قليلاً من الماء المقدّس، وغسل به عيني إيفان ثلاث مرّات، ثمّ داعبه وباركه قائلاً: “سوف يرحمك السّيّد المسيح. اذهب الآن وليكن الرّبّ معك دوماً”.
وعند المساء، وقبل البدء بالحفلة المزمعة إقامتها، دخل الصّبيّ الذي كان يساعد إيفان القاعة الخاصّة بتزيين الموسيقيّين وهو يقول لقائد الفرقة: “إنّ إيفان يبصر”. فردّ القائد: “يا لهذا الهذيان! كيف يبصر، أحضرْه إلى هنا”. فجاء إيفان وكلّه فرح يصرخ: “إنّي أرى، نعم بالحقيقة أبصر الأشياء وكأنّي موجود داخل ضباب”.
وهنا اعترف قائد الفرقة قائلاً: “لم يكن هناك مجال للشّكّ. نعم، كان يقف أمامنا مفتوح العينين يبتسم سعيداً”. ومنذ ذلك الوقت بدأ إيفان يتحسّن شيئاً فشيئاً، حتى صار يرى كلّ شيء جليّاً، ويذهب أينما أراد دون مساعدة أحد، فيما كان قبلاً مطأطأ الرّأس مغمض العينين. وها هو الآن يقدّم أجمل الأغاني وأحلاها.

الأسيرة المبشّرة

الأسيرة المبشّرة

إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده، الكورة

وقعت القدّيسة نونا المعادلة الرّسل، وهي سوريّة الأصل من الكرسيّ الأنطاكيّ، في أسر الإيبريّين (الكرج أو الجيورجيّين) سنة 320م، فأدهشتهم بتقواها واستقامتها وحياتها الفاضلة. وحدث أن اعتلّ، ذات يوم، الأمير الصّغير، فأرسلته الملكة إلى بعض النّساء الملمّات بصناعة الطّبّ عساهنّ تستطعن إنقاذه من براثن المرض. وهكذا أخذت المربّية تتنقل به من امرأة إلى أخرى. ولكن، ولا واحدة منهنّ استطاعت أن تأتي بنتيجة تُرجى. وأخيراً، وكمحاولة يائسة، قصدت الأسيرة نونا التي لم تعطه أيّ علاج طبيّ، بل مدّدته على بساطها الشّعريّ وقالت للمربّية: “المسيح الذي أبرأ كثيرين هو سيجعل هذا الصّبيّ معافىً أيضاً”. ثم راحت تكرّر هذه الجملة بروح الصّلاة وللحال برئ الصّبيّ واستعاد عافيته.
وبعد فترة وقعت الملكة نفسها مريضة طريحة الفراش، فأسرعوا باستدعاء الأسيرة، ولكن هذه رفضت، لتواضعها، المثول أمام الملكة، فاضطرّت هذه الأخيرة أن تذهب بنفسها إليها. فصنعت معها الأسيرة كما فعلت سابقاً بطفلها، وللحال أيضاً تحسّنت حال الملكة وامتلأت فرحاً وشكراً. فاستدارت الأسيرة نحو الملكة وقالت: “لم يكن هذا بقدرتي الشّخصيّة, ولا مردّه حسن سيرتي أو مآثري، ولكنّ المسيح ابن الله الذي كوّن هذا العالم هو منّ عليك بالشّفاء”.
دهش الملك من أنّ الملكة تعافت بهذه السّرعة، وقرّر أن يهب الأسيرة هدايا جزيلة. ولكنّ هذه رفضت قبولها قائلة بأنّها لا حاجة بها إلى الغنى المادّيّ، لأنّ التّقوى هي غناها الحقيقيّ، وسوف تكون هديّتها الكبيرة منه، أن يتعرّف إلى الله التي هي تعبده وتسجد له. ثم ردّت إليه ثانية الهدايا التي كان قد أرسلها إليها.
وبعد ذلك بعدّة أيّام، ذهب الملك إلى الصّيد، وبينما كان يتنقّل في الجبال يصطاد، وقع ضباب كثيف وحلّت عتمة داجنة، فلم يعد يتمكّن الملك وحاشيته أن يتبيّنوا معالم طريق العودة، فاضطربوا جميعهم وراحوا يستنجدون بالآلهة، أي بالشمس وبالنار وبالنجوم وبالشجر.. التي كان الجورجيّون يعبدونها، والتي كان هو شخصيّاً يوقّرها جدّاً، ولكنّه لم يطرأ أيّ تغيير. فتذكّر الملك عندئذ إله الأسيرة، فطفق يستغيث به بحرارة ويصرخ إليه بتضرّع. ويا للعجب!! إذ للحال انقشع الضّباب، وتبدّدت الظّلمة. فعاد الملك إلى قصره فرحاً وهو ممتلئ دهشة واستغراباً، وأخبر الملكة بجميع ما جرى له. وفي الحال استدعيا الأسيرة وسألاها عن هذا الإله الذي تسجد هي له.
وعندها راحت الأسيرة تبشّر الملك بالمسيح ربّاً وإلهاً، فآمن الملك بالمسيح، وجمع كلّ رعيّته وشرع يخبرهم بشفاء امرأته وولده وكلّ ما حصل معه أثناء الصّيد، وأمرهم أن يوقّروا إله الأسيرة.
ثم ما لبث الملك أن استفسر من الأسيرة عن شكل الكنائس الأرثوذكسيّة، راغباً بتشييد واحدة منها، ثم أمر بتجهيز كلّ ما يلزم للبناء. وهكذا بدأت الكنيسة تُشيّد رويداً رويداً إلى أن شرعوا بنصب العواميد. وهنا شاءت العناية الإلهيّة بأن يبقى أحد العواميد دون تحرّك، ولم تستطع كلّ الآلات الموجودة زحزحته من مكانه، فالحبال تقطّعت والآلات تعطّلت والعمّال لمّا رأوا استحالة الاستمرار في العمل رحلوا.
ولمّا علمت الأسيرة بهذا، استأذنت الملك بالذهاب إلى الكنيسة حيث أمضت ليلتها بالصّلاة والتّضرّع، ثم رسمت إشارة الصليب على العامود. وبمعونة الله تحرّك العامود من مكانه، وانتصب في الهواء دون أن يستند على شيء.
وعند الصّباح ذهب الملك ليتفقّد العمل وهو مغموم، فشاهد العامود منتصباً في الهواء، والأسيرة بجانبه، فامتلأ دهشة وخوفاً معاً، هو وكلّ من كان معه. ثم، بعد لحظات، رأوا العامود ينزل شيئاً فشيئاً ليثبت مكانه دون مساعدة أحد. فسرت همهمة بين الجمع، وراحوا يتساءلون: “ماذا يحدث؟” ولمّا علموا حقيقة الأمر انذهلوا مسبّحين إله الأسيرة.
وهكذا تمكّنت القدّيسة نونا، بمعونة الله، من تنصير الملك الذي طلب، فيما بعد، من قسطنطين الكبير، أسقفا وكهنة لتنوير الأهلين. وبهذا تحوّلت إيبيريا (جيورجيا) من وثنيّة إلى مسيحيّة ومن هناك عمّت المسيحيّة كلّ بلاد الكرج.

سيرة القديس مارون البار

سيرة القديس مارون البار

اسبيرو جبور

التوحّد في شرقنا

وإن كانت الرهبنة قد نشأت في مصر، إلا أنها سرعان ما انتقلت الى شرق المتوسط حيث عرفت ازدهاراً منقطع النظير. وتفنن النسّاك في أساليب النسك، لأن إنسان مشرقنا فرديّ. فابتكر العيش على الأعمدة، فإذا بنا نظفر بجيش من العموديين على رأسهم سمعان العمودي[1] مفخرة دنيا المسيحية الذي تقاطر إليه الناس من جميع أنحاء الإمبراطورية البيزنطية شرقاً وغرباً للاستشفاء وسماع المواعظ، فضلاً عن بلاد فارس وبدو الصحراء. فكان عموده خير منبر وعظ.
وما زال ديره المهجور قائماً في منطقة دير سمعان في محافظة حب، هذه المحافظة التي حظيت بعناية العلماء عناية فائقة لاستخراج كنوز تاريخ مسيحي مجيد لم يبقَ منه سوى الأطلال[2] . والتفرّد السوري جعل التوحد أساس النسك قبل الأديرة المشتركة. وللتوحد أشكال. بعضهم عاش حبيساً لا يخرج إلا لقضاء حاجات. وبعضهم عاش في العراء الكامل كالقديس يعقوب الكبير، تلميذ مار مارون. مارون عاش في عراء نسبي. وكذلك القديستان مارانا وكيرا الحلبيّتان اللتان زارتا قبر المسيح، وكذلك قبر تقلا في سلفكيا[3] ، بدون تناول طعام.
وما كان حبساء منطقتنا غير اجتماعيين، بل كانوا يستقبلون الزوار من ملتمِسي الوعظ والشفاء[4] . في منطقة غزة بفلسطين لمع حبيسان هما القديسان يوحنا وبرصنوفيوس اللذان أغنيا الكنيسة بما تركاه من رسائل مدهشة تحلّ مشكلات ملتمسي الحلول والإرشاد.

ثيئوذوريتوس وتاريخه

ثيئوذوريتوس[5] ، الكاتب الكنسي اللامع في القرن الخامس (457) كان صديقاً كبيراً للرهبان والحبساء وسمعان العمودي. اهتدت أمه الى التقوى، والكفر بالزينة والثياب الفاخرة (فعشقتْ النسك والزهد في الحبل والولادة)، وذلك على يديّ الراهب بطرس الغلاطي الذي شفى وجع عينيها العسير. فصارت مُعجَبَةً كبيرة بالمتوحدين والنساك والذهبي الفم. فحبلت وولدت ابنها الوحيد بوعد ونذرته[6] لله. ترهَّب، ثم صار أسقفاً لمنطقة قورش التابعة لمتروبوليَّة منبج (محافظة حلب) رغماً عنه. شاء أن يؤرخ لرهبان المنطقة كما أرَّخ آخرون لمصر، فترك لنا تاريخاً رائعاً قام على معلومات شخصية استقاها من الثقات مثل أمه وأكاكيوس مطران حلب (بالدرجة الأولى) وسواهما. وسمع بحبيس يقيم في شمال شرق جبله (محافظة اللاذقية) اسمه ثليليئوس Thalelaios فزاره وتعرَّف عليه. إلا أن تاريخه اقتصر غالباً على لمحات. وبعده غرقت المنطقة في الصراعات الكنسية، فلم يسدّ أحد النقص. ولهذا فانتقاصُ كتاب “الموارنة في التاريخ” من وزن مار مارون هو بلا قيمة.
بعد زوال الاضطهاد حلّ الرهبان محل الشهداء. أعمدةُ الكنيسة رسولٌ وشهيدٌ وراهب وأسقف وكاهن في وسط شعب يصلي بحرارة. وراءهم تقف أمهات مثل أم ثيئوذوريتوس، فنحظى بأساقفة رهبانيين يلوذون بالرهبان كما كانوا في طفولتهم يلوذون بأمهاتهم. الأمر واضح في كتابات ثيئوذوريتوس ولجوء أساقفة الى الحبيسَين يوحنا وبرصنوفيوس الغزيَّين. انحطاط الرهبنات هو سبب رئيس لسطحيَّتنا الروحية[7] وندرة قديسينا المعاصرين[8] .

مار مارون

منطقة قورش القديمة في ذمة التاريخ. في الخريطة المرفقة[9] يرى المرء مواقع نسك مار مارون وصحبه. اسم قورش غاب، وحلّ محله اسم “قلعة النبي هوري”. المنطقة مجاورة لمنطقتي عفرين واعزاز في محافظة حلب. وهي جبلية تتعرض لمجاري رياح قاسية وللبرد القارس والثلج والمطر. وجارتها منطقة دير مار سمعان العمودي منطقة رياح. فمن ريحا حتى هناك بحيرات زيتون يقابلها غرباً على الشاطئ الجبلُ الأقرع (1759 متراً) والجبلُ الأحمر (1777) شرق رأس الخنزير، فجبال أمانوس فضلاً عن غابات الصنوبر البرّي الكثيفة شمال اللاذقية. المناخ جاف إجمالاً وصحي. ويمَكّن المتوحدين من السهر ليلاً في جهاد صلاة بارّة لا تنقطع. اختار مار مارون لنسكه جبلاً اسمه الآن برساداغ يبعد 10 كيلومترات عن عمود سمعان. كان مكرّساً لعبادة أرطاميس برسيئا Parsaia قريباً من بلدة اعزاز[10] . يرتفع عن سطح البحر 850 متراً. المنطقة ممتازة للنسك بفضل مشارفها الجبلية.
وكان الهيكل الوثني مخصصاً لعبادة الشياطين، فكرّسه مار مارون، وبنى قربه كوخاً صغيراً، ولكن قلما استعمله. مار مارون طلب الكمال، فاتخذ قراراً مصيرياً بأن يقضي حياته في العراء، فسكن في ذروة الجبل ليناجي ربه في خلوات لا تنقطع. هو أبو هذا اللون من النسك.
مصدرنا الوحيد عن حياة مار مارون هو ما كتبه ثيئوذوريتوس الذي اعتلى سدّة قورش (423) بعد وفاة مارون. وأنشأ كتابه في العام 444. ولم يحرص على إعطائنا سيرة كاملة للقديسين، بل حرص على رسم لوحة رائعة عن القداسة النسكية في المناطق التي أتى على ذكرها، متغنياً في بضع كلمات بأمجاد النسك من مصر الى فلسطين فشمال سوريا. لذلك لم يروِ لنا قصة كاملة، لا عن ميلاد مار مارون وحياته، ولا عن أحواله.
وتجدر الإشارة إلى أن مارون هذا هو وحده مارون الأرثوذكسية القديس. ودير مارون في أفاميا هو على اسمه لا على اسم سواه. إنما يقرّ الاختصاصيون لمار مارون بأنه زعيم حركة الحبساء في القورشية. وقد استقى ثيئوذوريتوس معلوماته عن مار مارون من تلميذي هذا اللامعَين: يعقوب الكبير وليمنيئوس. فكان يعقوب صَديقاً كبيراً لثيئوذوريتوس، فخصَّه بالمدائح.
كان مار مارون يعيش ـ كما قلنا ـ في العراء. وكان يتوقى الثلج والمطر بارتداء جلد الماعز. وكان مُجلـِّياً في ميدان النسك، فقطع أشواطاً بعيدة الأغوار أحرز فيها قصب السبق على سواه. فابتكر ألواناً من التقشف وشظف المعيشة. وكلل الله جهاداته بفيض غزير جداً من البركات والنِعم والمواهب. وإن كانت العجائب لا تدلّ على قداسة الحياة الشخصية، إلا أنها إكليل في جملة أكاليل الأبرار.
فالقديس يوحنا السلمي ينوه بما يخصّ به اللهُ الرهبانَ من مواهب. إنما الحياة الشخصية الطاهرة الكاملة هي الأساس[11] . وقد خصّ الله مار مارون بموهبتي شفاء الأمراض وطرد الشياطين حتى طبَّقت شهرته الآفاق، فتقاطر إليه الناس من كل المناطق. فشفى الأمراض من جميع الألوان. ولم يكن يلجأ الى أدوات وعقاقير. أداته الوحيدة كانت الصلاة الطاهرة البارّة. كانت بركته تحلّ كالندى، فتطفئ السخونة وتهزم الشياطين، وتشفي كل مرض وسقم. وتعلق الناس بالحبساء أكثر من الأطباء[12] ، فأتوهم خاضعين مستسلمين في الأمور المستعصية وغير المستعصية[13] .
وما كان الحبساء يحبسون أنفاسهم. فمار مارون أطلق العنان ليشفي مرضى النفوس من أسقامهم. فوقف مرشداً روحياً كبيراً يقود الخاطئين في سُبُل البرّ والقداسة حتى تحوّلت منطقة قورش الى روضة مقدسة تعجّ بالغروس التي غرسها، أي بالرجال الأفاضل. وهكذا برز فلاحاً مجيداً في حقل الرب. فشفاء النفوس أهم من شفاء الأجساد. وربما ـ على ما نرى في الإنجيل ـ كان شفاء النفس باكورة لشفاء الجسد. فالجسد من صلصال يعود الى تراب، أما الروح فصورة بارئها وإليه المعاد. فهداية الخاطئ أرفع بما لا يُقاس من حشو بطنه بما لذ وطاب، ولو كان يشتهي الخروب الذي كانت تأكله الخنازير في مَثَل الابن الشاطر[14] . الذهبي ومكسيموس المعترف علـَّمانا أن الإحسان الى الروح أهم من الإحسان الى الجسد بما لا يُقاس.
ويبدو أن مار مارون كان ثقة حتى لدى اليهود. فكان قوم منهم قد التجأ الى سمعان القديم (هو غير العمودي)، فأجرى عجيبة على أحدهم. ثم جاء يرويها (في حضرة مار يعقوب الكبير) لمار مارون. فنقلها يعقوب لثيئوذوريتوس الذي نعت هنا مار مارون بـ “الملهم” (6: 3).
وكان مار مارون شديد الإعجاب بالناسك القديس زيبيناس. فكان ينصح زائريه بأن يقصدوا زيبيناس ليحصلوا على بركته. وبلغ إعجابه به حداً دعاه معه: “أباه ومعلمه والنموذج الكامل لكل أنواع الفضائل. وكان يلتمس بإلحاح كبير “أن يودَع جسداهما قبراً واحداً”. ولكن توفي زيبيناس قبل مار مارون.
وطعن مار مارون في السنّ وشاخ. فأصابه، لبضعة أيام قليلة، داء كشف “وهن طبيعته وحيوية روحه”. فتوفاه الله ونقله الى الفردوس. وتنازع المجاورون على جثمانه الطاهر، فحضر أهالي قرية مجاورة كثيرةِ السكان، فنجحوا في عملية إقصاء الآخرين، وأخذوا الجثمان، وبنوا فوق القبر كنيسة كبيرة، يحتفلون فيها علانية ورسمياً، فيمنُّ الله عليهم بثمار من الإنعامات الإلهية الغزيرة.
لم يذكر ثيئوذوريتوس أن مارون أنشأ أدياراً، إنما ذكرت التقاليد ذلك. وهذا التنازع على أجساد القديسين كان شائعاً جداً. فبالقوة العسكرية تمّ نقل جثمان القديس سمعان العمودي الى أنطاكية. وكان رفات الأموات يحظى بالتكريم ويؤتى به من بعيد. فذكر ثيئوذوريتوس (24) أنه أقيم هيكل كبير في كيتا Kitta على قبر زيبيناس تمّ إيداع ذخائر الشهداء (الذين اغتالهم الفرس) فيه. وكان القديس ماروثا حاذقاً في الحصول على ذخائر شهدائنا في شرق الفرات المستشهدين على أيدي الفرس، فأتى بكمية كبيرة منها الى مركزه ميافرقين التابعة لمتروبولية آمد (ديار بكر)، حتى أُطلق عليها باليونانية اسم مدينة الشهداء Martyropolis[15] .
والأعجب من هذا أن هناك حالات كانت الاستعدادات تسبق فيها الوفاة: دخل يعقوبُ تلميذ مارون الغيبوبة، فظن الناس أنه مات، فتنازعوا حاملين السلاح، ونتفوا شعر رأسه. فأتى أهل قورش وأبعدوا الناس بإطلاق النبال، وحملوه الى بلدهم. ولكنه عاد الى الحياة. ومواطنو سلمانيس اختطفوه من محبسه قبل وفاته لئلا يفقدوا هذه الذخيرة. ماركيانوس القورشي نسك في برية قنسرين في أيام والنس Valens (القرن الرابع)، فلما ذاع صيته أتاه أساقفة أنطاكية (القديس فلافيانوس)[16] وحلب (أكاكيوس) وقنسرين (أفسابيوس) وقورش (ايسيدوروس) ومنبج (ثيئوذوتوس) يستمعون لعظاته. صلـّوا ورفعوا أيديهم ليرسموه كاهناً، فلم يرسموه لأن كل واحد منهم كلف الآخر وضعَ اليد عليه. فاعتذروا بالتتابع لأنهم ـ كما أرى ـ تهيَّبوا وشعروا بعدم جدارتهم للمهمة. فانحنوا أمام قداسته وَجلين. وقبل وفاته أقام كثيرون هنا وهناك معابد مدفنيّة لتقبيل جثمانه الطاهر. منهم أليبيوس ابن أخيه الذي أقام له معبداً في قورش، وزينوبياني، السيدة النبيلة المَحتِد والمشرقة الفضيلة، معبداً في قنسرين. علم بذلك، فتدبّر الأمر مع الحميمين ونجا جثمانه دهراً.
أما وفاة مار مارون فمجهولة التاريخ[17] . في حسابات Canivet كان مارون حياً في العام 406. ولا نعلم شيئاً سوى ذلك[18] . ففي العام 406 تركه تلميذه يعقوب الكبير ليعيش في العراء، فكان ذلك في 444، عام تدوين التاريخ، أي بعد 38 سنة.
نعرف أنه في العام 536، في عهد الأمبراطور جوستينيانوس الكبير، بُني دير هام على اسم القديس مارون في “ارمناز” احتلّ المكانة الأولى في سوريا الثانية البيزنطية. وكان الأمبراطور مركيانوس قد أمر في العام 452 بإشادة دير بالقرب من أفامية (محافظة حماه الآن) على اسم مار مارون. وهناك غالباً أديرة أخرى. إلا أن أشهرها هو الدير المذكور الذي اختفت آثاره كلياً، فلا يهتدي الباحثون اليوم الى أطلاله[19] . والجدير بالذكر أن لغة رهبانه كانت اليونانية[20] .فالبقعة كانت خاضعة للثقافة اليونانية فضلاً عن كون الكتاب المقدس المستعمل والتراث المسيحي آنذاك يونانيَّين بالدرجة الأولى. وقد حضر رهبان منه المجمعَ الخامس المسكوني[21] . وترأس رئيسه بولس وفد رهبان سوريا الى مجمع في القسطنطينية في العام 536 وقدّم شكاوى ضد سويروس أنطاكيا وبطرس أفاميا المعاديَين لخلقيدونيا.
سيتساءل كثيرون عن معنى النسك والتقشف. الجواب العملي سهل، أما النظري فسفسطة. إما أن يعشق الانسان ذاته وبطنه وجلده وجسده وجيبه، وإما أن يعشق الله. النسك والتقشف المغمّسان في دم الصلاة بالروح القدس يقتلعانا من أجسادنا، لنكون في المسيح للآب السماوي. ثم تنعكس قداسة الروح على الجسد، فيمنحُ الروحُ القدس أجسادنا رجاءَ قيامةِ عدم البلى في القبر.
كلامي عسير جداً، ولكني واثق بأن جسدي سيبلى في القبر، وأن روحي لن تلاقي يسوع إلا إذا أمَتُّ شهوات الجسد ورغباته وأهواءه بالروح القدس، لتحيا الروح. متى اخترع الناس دواءً ضد الموت أعدتُ النظر في موقفي. ولكن من هو الإنسان المجنون الذي لا يفهم أن العيش أكثر من مائة سنة عبءٌ ثقيل على الأهل وحتى على صاحبه؟ فحتى الموت هو رحمة لنا، ما دمنا نشيخ ونهرم ونصاب بالخرف.
مار مارون هو إمام من أئمَّتنا للكُفر بالدنيا وملذاتها. فلنسِرْ على خطاه الرَّشيدة.
متى يقع عيده؟ الأرثوذكس واللاتين يعيّدون له في 14 شباط، أما الموارنة ففي 9 شباط.

تواريخ أعياد القديسين القورشيين[22]

يعقوب الكبير تلميذ مارون، 26 تشرين الثاني
ماركيانوس وتلميذاه، 2 تشرين الثاني
أغابتوس وافسابيوس مارَيس، 25 كانون الثاني
افسابيوس (أسيخا)، 15 شباط
برداتوس، 22 شباط
لمنيئوس، 22 شباط
ثلاسيوس، يوحنا، موسى، 23 شباط
داميانوس، أنطيوخوس، 23 شباط
أنطونيوس، زيبياس، 23 شباط
بوليخرونيوس، 23 شباط
يعقوب (نيموسا القورشية)، 27 شباط
أسكليبيوس، 27 شباط
دومنينا، 1 آذار

بقي معنا من القورشيين الذين ذكرهم ثيئوذوريتوس أكْبسيماس المتوحد. هو غير سميّه الشهيد الذي نعيّد له في 3 تشرين الثاني. لم أعثر على عيده في “رفيق المسافر” اليوناني. ونوّه ثيئوذوريتوس بامرأة ناسكة كانت تمارس الضيافة، دون ذكر اسمها. أما القديس سلمانيس المذكور قبلاً، فعيده في 23 كانون الثاني. وعيد القديستين الحلبيَّتين المذكورتين مارانا وكيرا في 28 شباط.

الخاتمة

إن عالمنا السائر بخطى حثيثة نحو الفراغ الروحي والضياع، ونحو العبودية لسادة قساة أجلاف يجلدونه بالميكانيك والتقنية، نحو الاستغلال لصالح الطغاة في عالم الفساد الحاضر، هو اليوم أحوج منه في أي يوم مضى الى الانبعاث بالنسك والصلاة. الإنسان يتعرّى بسرعة من إنسانيته ليضحي آلة مسخّرة. لم يعد سيّد نفسه حتى في أتفه شؤون منزله. النسك طريقة الى الحرية الروحية، الى اكتشاف نفسه الضائعة، الى إنقاذ عالم الغد من استفحال سرطان الجرائم ومن الاختناق الداخلي في عالم مشحون نفسياً بالغازات السامة. فلا الراديو ولا التلفزيون، ولا السينما، ولا المسجلة، ولا القصص، ولا الجرائد، ولا المجلات، ولا العمل المتواصل، ولا المطالعة المتواصلة، بقادرة على إنقاذ إنسان الغد ـ على المدى البعيد ـ من الوحشة الداخلية والضجر والسأم والملل. ولا أذكر المخدرات والمُسكرات والقمار والجنس لأنها أسوأ الحلول لانتحار الإنسان كانسان. مهووسون يجلدون أنفسهم ساديين sadomasochists ضد أنفسهم. يتم اليوم تطبيب السكارى ومدمني المخدرات في مشافي الأمراض العقلية. ولكن من يهتم بهم ؟؟؟ إنهم كارثة اجتماعية. المرض مرتبط بعيوب تربية الطفل الصغير من رضاعة وشراهة ونظام وغيره و…..
مدنية العلم والنظام رائعة، لولا القفا القاتم:
1- تفسُّخ الحنان البشري. رواسب تاريخ إنساني طويل تحمي بعض العالم المتمدن من تدهور سريع. إنما يعيش على مصل (سيروم) يدوم ما شاء الله.
2- طغيان آلة الحرب والدمار طغياناً أعمى، على الاقتصاد والمجتمع وأفكار الناس، وتفشي الإجرام، وانتشار السلاح الفتاك بين أيدي الناس. فأي طارئ جنوني (ينتاب أحد الذين بين أيديهم تحريك كبريات أدوات الدمار) قابلٌ لأن يحرق الكرة الأرضية. فمصيرنا معلق على النزوات. وعلمَنا التاريخ أن قرارات الحرب والإبادة غير عسيرة على السياسيين. ومتى كان السياسيون رجال الله؟
أما الحبساء فقد انتصروا على الضجر، وملأوا فراغهم بتنشق روائح يسوع وامتصاص أنواره الزاهية. عرفتُ كم يتضايق المرء متى دخل السجن أو الزنزانة. يختنق. لماذا؟ لأنه عاجز عن الخلوة. تعوَّد أن يتسلى بالقشور الخارجية ذاهلاً عن أعماقه الداخلية. الإنسان عدو الانطواء الروحاني (لا المرضيّ النفسانيّ) على ذاته. يهرب من مواجهة نفسه.
الحبساء خير الأدلاء على طريق الانعتاق الداخلي. عالمنا الحاضر بحاجة إليهم ليطردوا منه شياطين العنف، والتوحّش والبغضاء، والتلاشي في المستنقعات، والاختناق في السموم. مار مارون ومواطنوه علاماتُ طريق لقوم يعقلون. وأين العقول؟ في توافه الأرض.
الإنسان قلق. استقراره هو عدم استقرار. لا يستقر على حال. يسعى الى الامتلاء. ممَّ؟ لكلٍ فلسفته الخاصة. الإنسان جائع لا يشبع ـ نفسياً ـ من أي شيء. لا يرضى بأي واقع أو حال. عدم الاطمئنان يقلق البشر. الإنسان معرَّض دوماً للطوارئ والأحداث. يلجأ الى المخدرات المادية أو النفسية ليَقرَّ باله. ولكن، لا قرار. يسوع وحده القرار والامتلاء والكمال والاطمئنان والسرور الأبدي. لا خلاص لعالمنا الحالي إلا بالنسك. الرهبان سيُخلـِّصون العالم (دوستويفسكي).

الحواشي

 

1 – اسبيرو جبور، سمعان العمودي، حلب، 1992.
2- يهتم Canivet وصحبه منذ سنوات بنشر آثار ثيئوذوريتوس مع ترجمة من اليونانية الى الفرنسية، محققاً النصوص اليونانية. ويهتم الآن بمنطقة أفامية (محافظة حماه) حيث نسك ثيئوذوريتوس، لينبش آثارها الرهبانية وسواها. وكتب 3 آباء لاتين 3 كتب وصدرت قبلهم جميعاً كتب رائعة، مثل كتب الأب Festugière وVooleus وتشالنكو وسواهم مما يراه المُطالع في ثبت مراجع كلٍ من الكتب التالية:
Pierre Canivet, Théodoret de Cyr, Histoire des Moines de Syrie, Sources Chrétiennes (2 Tomes) 1977
Pierre Canivet, Le Monachisme syrien selon Théodoret de Cyr, Ed. Beauchesne, 1977.
Ignace Pena…, Les Stylites syriens, Milano, 1975.
Ignace Pena…, Les Reclus syriens, Milano, 1980.
Ignace Pena…, Les Cénobites syriens, Milano, 1983.
3 – تقع في منطقة ايسافريا Isavrie بتركيا شمال كيليكيا، لا في معلولا. لها دير في معلولا فقط. وهذا ثابت بكتاب ثيئوذوريتوس وخطبة غريغوريوس اللاهوتي 21: 22، وأعمال استشهادها. اعتماد الحقائق خير من الأوهام. حتى الأب لعازر مور وقع في هذا التوهّم في تدوين حياتها بالانكليزية (لديّ نسخة منه على “الدكتيلو”). أنشأتُ حديثاً سيرة الشهيدة تقلا.
4- كان في منطقة دمشق حبيس مشهور يطلّ على الناس كل أسبوع، فيشفي أولّ مريض يقع نظره عليه (في مجاني الأدب، الجزء الأول، ص 116 من طبعة 1956). لم أعثر لدى Pena على ذكر له.
5 – لغتنا العربية خالية من حرفين أجنبيَّين، لذلك اصطلحت على كتابة الأسماء اليونانية التي تحمل اسم الله هكذا ثيئو Theodoritos.
6 – نحن مدينون بكبار آباء الكنيسة لأمهاتهم: باسيليوس الكبير وأخوته وأمه تلاميذ جدَّتهم مكرينا. غريغوريوس اللاهوتي يذكر أمه بحنان كبير يشبهه فيما بعد أوغسطينوس وثيئوذوريتوس الستوديتي بأمهما. أم غريغوريوس بالاماس خلاصة النبل. فإن كنا تافهين روحياً في عصرنا فليس الاستعمار العثماني وسواه وحدهما المسؤولين، إنما تراخي أمهاتنا في عمق التقوى هو المسؤول الأكبر. البيت هو الأساس. والأم هي ربَّة البيت الملازمة لأطفالها. كما تزرع تحصد. واحسرتاه!!
7 – لا أعرف في شرق المتوسط رهبنة أصلية على الطراز القديم سوى دير مار سابا في وادي الأردن بفلسطين الذي زرته في 4/11/1946 و4/7/1947. هو دير محافظ على التراث النسكي السليم. تبنى جبلُ آثوس تيبيكونه فصار تيبيكون العالم الأرثوذكسي. الراهب الروماني يوحنا غادره بعد حين وصار حبيساً في وادي الكلت الى أن قضى أجله صدِّيقاً. سدى الرّهبنة ولحمتها زهدٌ في الدنيا والطعام والشراب والمقتنيات، ونسكٌ وتقشف وصلاة متواصلة. وهذا مفقود في شرقنا “المقدَّد” روحياً كأنه في ثلاجة.
8 – في العام 1977 أيضاً أصدر سيادة المطران فيلبس صليبا (نيويورك) كتيّباً جرد فيه أسماء القديسين الأنطاكيين مع لمحة عن كلٍ منهم، وذلك عن السنكسار اليوناني على ما أظن: Harvest of Antioch. وهذا ما نفتقر إليه حتى في الوطن. وهدف سيادته واضح ألا وهو ترسيخ أنطاكية في شمال أميركا، كما عهد فيه ذلك الطوباوي البطريرك الياس الرابع، فدعم ترشيحه في 1966.
9- نقلناها عن Canivet. في المصوّرات الجغرافية وخرائط محافظات حلب والجزيرة وادلب وكتب الدارسين وخرائط “لسان العرب المحيط” وجزء الخرائط من الموسوعات الفرنسية والانكليزية (دوائر المعارف) يتعرّف المرء على المناطق جغرافياً.
10- كانت اعزاز جزءاً من القورشية التي كان فيها 800 رعية. تقع برساداغ شرق قورش، على مسافة 5 كيلومترات الى الشمال والشمال الغربي من بلدة اعزاز. هذه في محافظة حلب.
11- راجع كتابنا “المواهب الإلهية”.
12- في سيرة القديسة تقلا غار الأطباء منها فحاكوا مؤامرة ضدها.
13- ثيئوذوريتوس ذكر عجائب أجراها المتوحدون في حياتهم. ولكنه لم يذكر ذلك عن بلاديوس وزيبياس اللذين صار قبراهما ينبوعَي عجائب (7: 3 و24: 2). فلربما لم يجريا عجائب وهما على قيد الحياة.
14- في كتب الأرثوذكس الطقسية اسمه “الشاطر”. في معجم “لسان العرب المحيط” تتعدد معاني لفظة “شاطر”. المنجد الأخير (1975) أثبت اللفظة في ص 387: “الابن الشاطر”: هو الذي عصى أباه وعاش في الخلاعة بعيداً عنه، ثم عاد اليه تائباً”. انما هذا تعريف بالابن الشاطر في الإنجيل لا تحديد لغوي للفظة. بعضهم ترجم نقلاً من الفرنسية “مبذر”. وردت اللفظة في اليونانية في لوقا 15: 13 وأفسس 5: 18 وتيطس 1: 6 وبطرس الأولى 4: 4 بمعنى “الخليع” و”الخلاعة”.
15- إن القديسين هم أوعية اللاهوت والروحانية. أما ديار بكر (أو آمد قديماً) فهي في القسم الذي اغتصبته تركيا، بعد ماردين، الى الشمال الغربي من القامشلي.
16- خلف القديسَ ملاتيوسَ الذي توفي في المجمع المسكوني الثاني (381). اليوم نقول بطريرك أنطاكية.
17- يعتبر Canivet الاختصاصي الكبير أن الرسالة 39 التي وجّهها الذهبي الفم (بين 404 و407) الى كاهن راهب يدعى “مارون” عنت شخصاً من الأقربين اليه في القسطنطينية. وحجته أن ثيئوذوريتوس ما ذكر أن مارون كان كاهناً. لهذا السبب أيضاً أهملتُ كلياً التعرض للموضوع في عدد آب 1972 من مجلة “النور” الغرّاء. وزدتُ عليه حديثاً حجة أخرى، ألا وهي عدم تنويه ثيئوذوريتوس بهذه الرسالة. ألم يكن ـ مثل والدته وأهالي أنطاكية والقسطنطينية ـ مسحوراً بسيّد المنابر، ورجل الأيام الحالكة، وداعية النسك، وإمام المصلحين، وأحد منقذي أرثوذكسية الأمبراطورية من استفحال خطر الجرمان الآريوسيين؟
18- Canivet, Monachisme, P. 199n. 175
19- ذكره ابن المسعودي في “النبيه والإشراف” (946) كدَير كبير جداً.
20- Fliche et Martin, Histoire générale de l’Eglise, Tome V, p.116 & 481 تعصبوا جداً للأمبراطورية البيزنطية بعد كل ما شاهدوا من مساوئ اجتياح الفرس للمنطقة في مطلع القرن السابع، ونقل عود الصليب الى فارس، إذ حاك اليهود مؤامرة خبيثة ضد المسيحية.
21- Mansi, VIII, 624
22- ذكر ثيئوذوريتوس بين القورشيين موسى وداميانوس. نعيّد لهما في 23 شباط. وهما غير قوزما وداميانوس 1 تموز أو 1 تشرين الثاني. وليس بين القورشيين أي ابراهاميس. إنما هناك اثنان أحدهما من “بني شهير” (Imma قديماً) في مقاطعة أنطاكية، والآخر من “النبي عيس” (قنسرين قديماً) شرق منتصف الطريق العام بين سراقب وحلب. كنيسة بلا قديسين هي اسم بلا مسمّى. الكنيسة هي “فبركة” تفبرك قديسين. فالقديسون هم نجوم الجلد في سماء الكنائس التاريخية وإحدى ثرواتنا المشتركة الكبرى.

 

 

الشيخ ديونيسيوس الروماني

الشيخ ديونيسيوس الروماني

الشمّاس كلاوبا باراسكيف

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

تمرّ الطريق من دير فاتوبيذي إلى قلاية القديس جاورجيوس بحقول الدير حيث يرى الحاجّ المناطق التي جاهد فيها القديس غريغوريوس بالاماس. وبعد عدد من المنحدرات الحادّة، يتشعب من الطريق مسلك يلتف ليقطع عبر المنحدر الجبلي المخضوضر. في الربيع تهدد كثافة أوراق النباتات بسدّ المعبر، فيما ترسم وفرة الأزهار البرية منظراً طبيعياً متألّقاً، يشكّل تقدمة تليق بوالدة الإله حامية الجبل. وبعد أن يقطع الحاج عبر خرائب مساكن الرهبان القديمة يصل إلى منبسط يطل على بحر إيجه. هناك، في وسط حدائق مرتبة محاطة بسياج ريفي من أغصان الشجر، تقوم بعض الأبنية من الحجر الأبيض يزينها سقف أزرق: إنها قلاية القديس جاورجيوس. قبل 11 أيار 2004، كان المرء يجد بعض الزوار جالسين خارجاً على مسطبات ينتظرون، متأمّلين أن يحصلوا على بعض الكلمات النافعة من الشيخ المتواضع ديونيسيوس.
توفي الشيخ في 11 أيار 2004 عن خمس وتسعين عاماً مرضية للرب قضى اثنتين وثمانين منها راهباً. أمضى الشيخ سبعاً وسبعين سنة في جبل أثوس، منها ست وستين في القلاية نفسها، قلاية القديس جاورجيوس التابعة لدير فاتوبيذي. لقد كان راهباً رائعاً محباً وأباً روحياً معروفاً بين الأثوسيين. لم يخرج صيته إلى خارج الجبل إلاّ في الخمس عشرة سنة الأخيرة من حياته.
وُلد الشيخ ديونيسيوس في رومانيا سنة 1909 وهو الأصغر بين ثمانية أولاد. عُمِّد على اسم القديس ديمتريوس. لقد كان قريباً دائماً من أخيه الأكبر جورج، الذي صار لاحقاً الأخ جمناسيوس وقد تبعه ديمتري إلى الحياة الرهبانية سنة 1922 في رومانيا ومن ثمّ إلى الجبل المقدس سنة 1926. بعد عشر سنوات من الصعوبات الجسدية القاسية والجهاد في الجبل، أتى الأخوان تحت رعاية الأب جدعون (خالارو). وقد استطاعا أن يحصلا على قلاية خاصة بهما ويعيدا بناءها روحياً ومادياً على اسم المعظّم في الشهداء جاورجيوس في إسقيط كوليتسو. بلغ الأب جمناسيوس القداسة قبل رقاده عام 1965، والأب جدعون أيضاً توفيّ باراً في العام 1979. وبقي الشيخ ديونيسيوس لحوالي العشر سنوات مع رفيق واحد هو الراهب يوحنا (شوفا). لقد كان بالقرب من المكان عدد من الرهبان المختبرين روحياً الذين كان يلجأ إليهم لطلب المشورة الروحية، ومن بينهم الشيخ يوحنا (غوتسو) الذي توفي عام 1996، الشيخ دوميتيانوس (تريخانا) من قلاية القديس إيباتيوس وقد توفي عام 1984، ومؤخّراً كان هناك الشيخ يوسف الجديد في دير فاتوبيذي.
لقد كان الشيخ ديونيسيوس آخر الأحياء الذين عايشوا النساك القديسين الذين عاشوا في النصف الأول من القرن العشرين. لقد كان رجلاً صاحب صلاة روحية عميقة، غاص في العملية النوسية الموصوفة في الفيلوكاليا. كثيرون من الذين انتفعوا من نصائحه كان تعليقهم أن الموضوع الأكثر تكراراً في تشجيعه لإخوته المجاهدين كان “الصبر، الصبر، وفوق هذا الصبر”.
مع أن هذا الشيخ قد وُلد من أبوين فلاحين بسيطين وقضى معظم حياته مغموراً، فإن شهرته قد اجتذبت سيلاً كبيراً من الحجاج الطالبين كلمة روحية. في آخر أيامه كان على آباء القلاّية أن يقفلوا البواب حتى يتسنّى له أن يريح جسده المتعَب من النسك والمرض معاً. حتى مع هذا، كان البعض يدفعون الأبواب لكي يتحدّثوا إلى الأب ديونيسيوس. كان بين الزوار الطلاّب والسياسيون، الكبار والصغار، اليونانيون وغير اليونانيين، حتى الأمير الإنكليزي تشارلز كان من زواره وحضر في جنازته ليظهر الاحترام الذي كان يكنّه له.
سوف ننشر على عدد من الحلقات ترجمة لحديث طويل أجراه معه الشماس كلاوبا باراسكيف، أورده في كتابه “صلاة يسوع: الطريق لاتّحاد الفكر والقلب”، بالرومانية. سُجِّل هذا الحديث مع الشيخ وهو في الثانية والتسعين من عمره وقد خسر نظره وصار واهناً من الشيخوخة، لكنّه كان غنياً بالحكمة المتأتّية من الجهاد الطويل المتواصل.

سؤال: أيها الأب الشيخ، ما هو هدف حياتنا في هذا العالم الوقتي؟

جواب: الغاية الأساسية من حياتنا الأرضية هي أن نخلص، أن نبلغ إلى ملكوت السماوات. يعلّمنا ربّنا يسوع المسيح: “كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ.” (متى 48:5). في حياتنا الأرضية، بالنعمة الإلهية وأعمالنا المسيحية الحسنة يمكننا أن ندخل مصاف القديسين. وإذا، بسبب افتقادنا للبِر، عجزنا عن الانضمام إلى مراتب القديسين، علينا أن نجاهد لنرث الفردوس. لا يمكنك بأي شكل من الأشكال أن تكون مسيحياً وترتكب الخطيئة. إذا خطئتَ، تحيد عن نعمة الله وتتحد نفسك بالشيطان. وهكذا، أنت تبتعد عن الكنيسة وعن الأسرار المقدّسة والتعاليم الإلهية لكي تشبع أهواءك الذاتية التي زرعها الشيطان في نفسك. عليك ألاّ تطيع أهواءك. لهذا ترتّل الكنيسة “منذ شبابي آلام كثيرة تحاربني”، ولهذا يقول لنا الكتاب المقدّس “إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ” (كولوسي 9:3-10). إذا كنّا من الإنسان العتيق فنحن عبيد للأهواء والخطايا.

سؤال: ما هو تعليم الآباء القديسين عن الروح البشرية والروح الشيطانية؟

جواب: تصير الروح البشرية شيطانية بالخطيئة. الشيطان يزرع بذور الأعمال السيئة في عملنا وأفكارنا. إذا اقتبلتَ البذور السيئة في قلبك، فسوف تبدأ البذور بالتبرعم. وإذا لم تكن منتبهاً لترميها بعيداً وتطّهر قلبك بنعمة الروح القدس والأعمال المسيحية الحسنة (الصلاة، الصوم، الاعتراف، المناولة، وغيرها)، فسوف تتجذّر البذور وتنمو. ومن ذلك الحين، لن يبتعد الشيطان عنك، إذ من تلك اللحظة يصير متأكّداً من أنّك سوف تتبع أهواءك للوصول إلى كل شيء رديء.

سؤال: إذاً، إذا كنتَ منغمساً في الملذّات، هل تفارقك النعمة الإلهية وهل تقودك روح الزنى إلى كل أنواع الخطايا الفاسقة والخطايا ضد الطبيعة؟

جواب: بالطبع. لكن الأمر أكثر خطورة، إذ تصبح الملذّات مثل الأعمال الطبيعية. أنت تفكّر وتقول أنّه لا يمكن أبداً أن تترك هذه الخطايا. لهذا، علينا منذ البداية علينا أن نحفظ نقاوتنا الجسدية والروحية، وكأننا نحيا حياة رهبانية. العلمانيون ينبغي أن يكون عندهم علاقات زوجية مع تعفف، في الأيام التي تحددها الكنيسة، وفقط بعد الإكليل. هذا يعرفه الشيطان ولهذا هو يحاول جاهداً أن يزجّ الناس في خطيئة الزنى. إن هذه الشرور الكثيرة في أيامنا هي من الشياطين الذين يتبعون هذه الطريقة ليدنّسوا هيكل الروح القدس، الذي هو جسد المسيحي، ومن ثم ليقودوه نحو كل الأعمال الشريرة. متى ارتكب إنسان خطايا الفجور يصير عاجزاً عن الصلاة، وأكثر من هذا، ينقطع عن الاشتراك بالقداس الإلهي، ويتوقّف عن الاعتراف، ويعجز عن القيام بأي عمل مسيحي جيد.
بسبب هذه الروح العالمية – التي تتشكّل منذ الطفولة حول القلب من خلال التربية الضعيفة، الأفلام الإباحية، الدعايات، الشهوات، الخطايا، وغيرها – لا يعود قادراً على الصلاة ولا على القيام بعمل جيد خلاصي. ولكن حتى الذين وقعوا في خطايا كبيرة يمكنهم أن يصلحوا أنفسهم، بمعونة النعمة الإلهية. هذا الصراع والنجاة من الخطايا ومن الشياطين سوف يُحسَب لهم شهادةً.

سؤال: بعد المعمودية، هل يُطرَد الشيطان كلياً من أعماق قلبنا حتى أنّه الآن يعمل من الخارج؟

جواب: إنّه يعمل من خارج القلب. أمّا إذا خطئنا، فنحن نسمح له بأن يتغلغل إلى أعماق القلب. هذا هو الهوى. منذ تلك اللحظة يقودنا هذا الهوى، لكن النعمة الإلهية لا تتركنا. الله أعطى الإنسان حرية كاملة. نعمة الروح القدس أظهرت له الفرق بين الخير والشر. لقد أظهرت لنا طريق ملكوت السماوات، والطريق التي تقود إلى الهلاك – الجحيم. يقول لنا الرب: “قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ” (تثنية 19:30). لقد كان باستطاعة النعمة أن تجعل سقوط الإنسان مستحيلاً. لكن في تلك الحالة، يكون بلا شخصية ولا فضائل، لا بل يكون حيواناً أو رجلاً آلياً. لا تملك أيٌ من مخلوقات الله الحرية التي عند الإنسان. إن المسيحي الذي يحقق وصايا الله بمعونة الروح القدس، يصير قديساً. والله بار جداً حتى أننا عندما نسقط في الخطايا ونصرخ إليه بندامة “اغفر لي! أيّها السيّد ساعدني!” يأتي إلينا ويعيننا للقيام من خطايانا. لهذا السبب قال لنا السيد يسوع المسيح “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.” (متى 28:11).
في أي حال، إذا استقرّت الأهواء في إنسان وصارت كمثل طبيعة خاطئة جديدة، عندها يقول الإنسان “يستحيل قطع الأهواء”. الأمر هو بالتحديد على هذا الشكل لأننا نعيش في الأزمنة الأخيرة، حيث صار الجنس البشري عديم الاهتمام وفاقد الحساسية في الأمور الروحية. لا يهتمّ الإنسان اليوم بالأهواء والخطايا، علمانياً كان أو راهباً أو كاهناً. هذا خطر كبير إذ بذلك نسمح للشياطين بالتقدّم نحو السيطرة علينا.

سؤال: من أين يأتي كبرياؤنا؟

جواب: الكبرياء هو فقط من الشياطين. بالمعمودية المقدّسة، غفر لنا الله الخطيئة الجدية والخطايا التي ارتكبناها قبل المعمودية، وأعطانا نعمة الكمال بالروح القدس، قائلاً لنا “كونوا قديسين كما أن أباكم السماوي قديس”.

سؤال: لكن المفاعيل تبقى؟

جواب: ينبغي أن نقطعها بنعمة الله التي تساعدنا دائماً على طريقنا نحو الكمال. لكن لكوننا مخلوقين أحراراًً، علينا أن نجاهد لكي نغلب الأهواء والخطايا. مثلاً، إذا كنتَ من المدخنين، فإن عندك القدرة على القول: “لقد اعترفت وبمعونة الله سوف أكفّ عن التدخين منذ الآن”. لكن الإنسان العتيق في داخلك سوف يقول “لقد كنت تدخن لكل هذه السنوات! لن تتمكن من التوقف! سوف تمرض وتموت!” ولكن إن كنت مؤمناً، متقوّياً بنعمة الروح القدس سوف تجيب: “لقد اتخذت هذا القرار وبنعمة الله سوف أكفّ عن التدخين بغض النظر عن كل شيء”. فتنزل عليك نعمة الروح القدس وتساعدك بشتّى الطرق. لكن إنْ فكّرتَ على هذا المنوال: “سوف أتوقف عن التدخين، ولكن بعد أسبوع أو اثنين مهما حصل”، عندها أنت لست مصمماً، وإرادتك ليست محصنة بنعمة الروح القدس ولن تتوقف عن التدخين.

سؤال: هل تنتقل خطايا الأهل إلى الأبناء؟

جواب: قد يلد للأهل أصحاب الخطايا والشرور الكبيرة (المتهتكين، السكارى، مدمني المخدرات، المدخنين، إلخ) أطفال ذوي عاهات جسدية وعقلية. هذا ما يؤكده الطب أيضاً. لكن النعمة الإلهية الموجودة في الأسرار الإلهية (المعمودية، الميرون، الاعتراف، المناولة، الزيت المقدّس والزواج) تتدخل وتساعد الأطفال على الخلاص. مثلاً، ولد مولود أعمى عنده مواهب إلهية أخرى مقارنة مع ولد مولود بصحة كاملة، وذلك حتى يعيش حياته ويخلص. لكن قد يكون للخطايا التي يرتكبها الأهل بعد ولادة الولد ارتدادات سلبية على حالته الروحية والجسدية. إلى هذا، بالتربية الهزيلة التي يعطونها للولد، يمكن للأهل أن يزرعوا في قلبه الأهواء التي تتلف النفس. عندنا من الكتاب المقدس والتقليد أمثال على ولادة أطفال صاروا قديسين من أهل أبرار طاهرين، كمثل والدة الإله ويوحنا المعمدان وغيرهم.

 

القديس غريغوريوس النـزينـزي (اللاهوتي)

القديس غريغوريوس النـزينـزي (اللاهوتي)
إعداد الأب باسيليوس الدبس

– حياته:
تنتمي عائلة غريغوريوس إلى العائـلات الملاّكة الكبيرة والغنية وكانت تسـكن في بلدة تسـمّى “ARIANDOS – Ariandos” بالقرب من البلدة الصغيرة نزينـز .
والدته (نونـا[1]) كانت مسيحية، أما والده غريغوريوس[2]، حاكم المدينة الأول ، فكان ينتمي في بدء حياته إلى فـرقة تسمى”YPSISTARION – Uyistarion”[3] وهذه الفرقة كانت تمزج العناصر اليهودية والوثنية، إلا أن الزوجة جذبت الزوج إلى المسيحية فاعتمد ولعله اخذ أيضاً اسم غريغوريوس في المعمودية وسقّف فيما بعد على نزينـز، وإلى غريغوريوس أنجب الزوجان الفاضلان بنتاً وصبياً وكلاهما قديس : غورغونيا (يعيّد لها في 23 شباط) و قيصر ( يعيّد له في 25 شباط).
هناك اختلاف في تحديد سنة ولادة غريغوريوس الإبن لكن العلماء يرجحون انه وُلد في الوقت الذي كان فيه أبوه اسقفاً ولذلك قد تكون ولادته عام 328م.

أحب غريغوريوس منذ صباه العلم وتلقى علومه الأولى على يد أقربائه المتعلمين ثم انتقل إلى قيصرية كبادوكية حيث تولى تنشئته كارتيريوس الناسك، الذي ترأس فيما بعد أديرة إنطاكية ، ومن ثم إلى قيصرية فلسطين وكان دائماً يدرس مع أخيه قيصر الذي اصبح طبيباً.
ثم ذهب إلى الإسكندرية وتعرّف إلى القديس اثناسيوس وانطونيوس ولعله سمع محاضرات ديدموس الأعمى وفي الإسكندرية ترك أخاه قيصر وانطلق إلى أثينا وفي البحر ثارت عاصفة هوجاء وهددت حياة الركاب فقرّر في ذاته أن ينفِّذ الوعد بأن يدخل في سلك الكهنوت مقدماً ذاته هبة لصانع الأرض والبحر.
ولما وصل إلى أثينا التقى من جديد بصاحبه باسيليوس ومع أنهما لم يتلقيا المعمودية في ذلك الوقت فإنهما انصرفا إلى الحياة الروحية والحياة العلمية وما عرفا إلا طريقَين ،واحدة تقود إلى الكنيسة وواحدة إلى الجامعة وهناك ألّفا أول رابطة طلابية مسيحية في العالم. يصف غريغوريوس علاقته بباسيليوس فيقول شعراً:
“فكل الأشياء مشتركة والنفس واحدة تنقصها (لا يفصلها إلا) بُعد الأجساد للإثنين”
“ta panta men di koina kai yhch mia duoin deousa swmatwn diasta_sin”

في أثينا تابع دراسة الخطابة والفيلولوجيا ،ولمهارته في هاتين المادتين أُختير ليكون أستاذاً فيما بعد في أثينا ، مما لم يسمح له بأن يغادر مع باسيليوس كما اتفقا وهما على مقاعد الدراسة. وقبل أن ينهي سنتين من التعليم أحسّ بالحنين إلى الوطن فترك عائداً إلى وطنه وهذا يعتبر الهروب الأول في سلسلة الهروب الذي مارسه.
وعند وصوله إلى نزينـز بدأ عمله هناك أيضاً كأستاذ للخطابة .ولكن ضجّة الحياة في هذه المدينة لم تناسب شخصيته المُحبَّة للهدوء والسكينة. ففضّل العيش بعيداً عن العالم وهذا كان هروبه الثاني.
فتنازعت في داخله أمور عديدة ، لكن الميل الأكبر كان للتوحّد أكثر من الخدمة في المجتمع أو في كنيسة العالم.

حاول كلٌ من غريغوريوس وباسيليوس أن يجذب الآخر إلى مملكته وأرضه، فوافق في بادئ الأمر باسيليوس على البقاء مع غريغوريوس لكن في النهاية جذب باسيليوس صديقه إلى ممتلكه الخاص قرب نهر ايريس في البنط، وهناك درسا اللاهوت معاً على أساس مؤلفات أوريجنس فوضعا الفيلوكاليا والقوانين الرهبانية، لكنهما اختلفا في نقاط معينة، فباسيليوس كان مؤيداً للعمل “Praxis” وغريغوريوس للنظر “Qewria” .فترك غريغوريوس البنط عائداً إلى وطنه.

عند عودته وجد أن أباه وبسبب شيخوخته ، واهتدائه المتأخر إلى المسيحية، وقّع دستوراً نصف آريوسياً عن جهل ، فقرر الإبن أن يساعد أبيه ، فأقنعه أن يوقّع دستوراً آخر أرثوذكسياً.

الأب لم يرضى بعد هذا الحدث أن يكون أبنه مجرّد مساعد بل أراده كاهناً لله العليّ فرسمه في أواخر سنة 361م[4]. لكنه أيضاً هرب ولجأ إلى رفيق الدرب وهناك دوَّن كتابه الشهير “في الهرب”. وبقي عنده بضعة أشهر (لعيد الفصح)، بعدها أقنعه باسيليوس بالعودة، فعاد لتقع مسؤولية العمل في نزينـز عليه.
بقي هناك عشر سنوات استطاع أن يعيد أبناء الرعية الذين تركوا الكنيسة بسبب توقيع أبيه الدستور الآريوسي.وعندما أبعد الإمبراطور يوليان المسيحيين عن التعليم المسيحي وفرض التعليم الوثني في المدارس، حينها وضع غريغوريوس عدّة مؤلفات وكتب الشعر لينشر التعليم المستقيم الرأي.

بعد موت افسافيوس انتخب باسيليوس اسقفاً على قيصرية بمساعدة والد غريغوريوس، فبدأت مرحلة جديدة في حياة غريغوريوس اللاهوتي عندما رسمه باسيليوس اسقفاً عن طريق الضغط سنة 372م. وهذه المرحلة كانت صعبة في حياته لأن باسيليوس كان يعمل على أساس مخطط لمقاومة تقسيم كبادوكية لذلك اختار غريغوريوس اسقفاً على ساسيما “Sasima” وهذه المنطقة كانت تقع تحت دائرة السلطة[5].

عارض غريغوريوس الإنتخاب لأنه:
أولاً: لا يريد أن يكون أداة للصراع الناشب بين باسيليوس والإمبراطور لتقسيم المنطقة.
وثانياً: لأنه لا يحب لأن يقيم في منطقة صاخبة وثالثاً لأن المسؤولية الإدارية غريبة عن صفاته.

رغم كل معارضته رُسم أسقفا وأعلن في العظة عن قبوله لتسلّم المسؤولية رغم التعبير عن حزنه وأسفه لهذا الإنتخاب. زار ساسيما دون أن يبقى فيها وفشلت كل المحاولات لإقناعه بالعودة اليها. عندما رقد والده البالغ المئة من العمر(سنة 374م) ووالدته بعد بضعة أشهر من ذلك، أدار أبرشية أبيه، وعندما أدرك أنه سينصّب عليها اسقفاً ترك المكان إلى دير القديسة تقلا حيث بقي سنوات.

في عام 378م قتل الإمبراطور الآريوسي فالنس في معركة أدريانوبوليس فدُعي غريغوريوس إلى القسطنطينية لمقاومة الآريوسية[6] المستفحلة في البلاط والجيش.

في القسطنطينة كان المؤمنون المستقيمو الرأي يجتمعون في كنيسة صغيرة ، بسبب استفحال الآريوسية وسيطرتها على أغلب الكنائس، هناك بدأ غريغوريوس يلقي عظاته فتزايد عدد المؤمنين شيئاً فشيئاً[7].
وهناك ألقى غريغوريوس كلماته اللاهوتية الخمسة “في الثالوث” والتي لاقت استحساناً من الشعب لدرجة أنهم كانوا يصفقون له في الكنيسة عندما كان يلقيها والتي بسببها سُمِّيَ بـ”اللاهوتي”، وبما أن هذه الكنيسة أقامت الكلمة الإلهية دُعيت بـ “كنيسة القيامة – Anastasia”.

كل هذا لا يلغي أن صعوبات عديدة واجهت قديسنا الكبادوكي في القسطنطينية منها أن صديقه الفيلسوف مكسيموس الكلبي قد جاء إلى القسطنطينية واعتمد فرسمه غريغوريوس كاهناً لكن مكسيموس كان يعمل بالخفاء لأجل أن ينصّب نفسه بطريركا، وقد ساعده في ذلك تيموثاوس بطريرك الإسكندرية.
في عشية عيد الفصح، عام 379م، هجم جماعة من الآريوسيين على كنيسة “القيامة” ورجموها بالحجارة.
في عام 380م دخل الإمبراطور ثيودوسيوس الشرق فخلع الأسقف الآريوسي ديموفيلوس وأعلن الإيمان الأرثوذكسي في الإمبراطورية وسلّم غريغوريوس الكنيسة الرئيسة في القسطنطينة. وأراد الإمبراطور أن يجعل من غريغوريوس بطريركاً على المدينة لكن هذا الأخير رفض معتبراً نفسه غير مستحق لهذا المنصب. لكن في 27 تشرين الثاني من السنة نفسها أُدخل غريغوريوس إلى كنيسة الرسل القديسين كبطريرك القسطنطينية.

بعد عام واحد (أيار 381م) التأم المجمع المسكوني الثاني[9] وأعلن غريغوريوس بطريركاً للقسطنطينية وسُلِّم رئاسة المجمع المقدس الذي ضمَّ 150 من الآباء الشرقيين (الغرب لم يمثّل لكن وافق على مسكونية المجمع فيما بعد).
لاحظ غريغوريوس ردّة فعل أساقفة مكدونية والإسكندرية تجاه تنصيبه بطريركاً على القسطنطينية “الذي حدث دون الأخذ برأيهم” لأن موافقة آباء المجمع على تنصيبه حدثت قبل وصولهم، لذلك وقبل انسحابه من المجمع ألقى خطاباً مهماً يعتبر من أمهات الأدب الخطابي، دافع فيه عن وجوده في القسطنطينية كأسقف عليها، ومن ثم ترك رئاسة المجمع لخلفه في الأسقفية نيكتاريوس.

بعد تركه المجمع انتقل إلى قيصرية ومن هناك إلى نزينـز ليدير شؤون الكنيسة التي بلا راعي إلى أن انتخب إبن عمه إفلاليوس اسقفاً عليها سنة 383م.
بعدها عاد لينشد الهدوء والسكينة، فسكن في مكان قرب الدير الذي أنشأه في منطقة أرينـز وبعد ذلك انسحب إلى كهف جبلي مساكناً الوحوش والضواري.هناك الّف قسماً من شعره وكتاباته لمواجهة الهرطقات إلى حين رقاده سنة 390م. بعدما أوصى بكل ما يملك لفقراء كنيسة نـزينـز[10].
تعيّد له كنيستنا في 25 و30 (مع الأقمار الثلاثة) كانون الثاني. الكنيسة القبطية في 4 تشرين الأول وتنسب إليه القداس الغريغوري المستعمل لديها، والكنيسة الغربية تعيّد له في الثاني من كانون الثاني.

– مؤلفاته:
أمضى غريغوريوس حياته يتحدث ويكتب وكانت مصنفاته عميقة وقلبية، وكتاباته تميّزت بالسمو والقوة والحرارة والخيال الخصب، ومعرفته بالخطابة والبلاغة جعلته خطيباً من الدرجة الأولى من حيث الصور والأمثال والاستعارة، حتى أنه كذّب المثل الشائع في عصره والقائل : “إنه يستحيل على المرء أن يجد خطيباً أو غراباً أبيضاً في كبادوكية”.
.وبعد رقـاد القديس باسيليوس الكبير في 1/ك2/ 379م أصبح غريغوريوس الناطق الرسمي[11]، البارز، في آسيا الصغرى من أنصار مجمع نيقية ودُعي آنذاك بـ “معلّم المسكونة”.

يمكن تقسيم مؤلفاته إلى ثماني فئات:
1. تجاربه المثيرة (الدفاع عن إعتزاله في البنط ، حيث يصوّر ببراعة مثال الإكليركي. “من هنا نهل الذهبي الفم ليكتب عن الكهنوت”).
2. إدارة الكنيسة.
3. مقاومة الآريوسيين: -يصف الآريوسيين فيقول:

“طُعم محلّى للبسطاء يخفي شصّ التجديف
وجه جذّاب يتلفت يميناً ويساراً ليوقع بالعابرين!،
حذاء لائق لكل قدم!، بذور تبذر في كل ريح!،
كتابات اكتسبت قوتها من دناءتها وتحايلها ضدّ الحق،
كانوا حكماء في صنع الشرّ، ولكن في الصالح لم يكن لهم معرفة أو نصيب”[12]
4. كلمات أُلقيت في الأعياد: (في الفصح، الظهور الإلهي، العنصرة، أحد توما).
5. كلمات اجتماعية وخلقية.
6. مدائح.
7. تأبينية : (أخيه قيصر، أخته غريغوريا، أبيه غريغوريوس، باسيليوس الكبير).
8. الكلمات اللاهوتية.

في الكلمات اللاهوتية الخمس يقاوم اعتقادات القائلين بعدم التشابه بين الآب والإبن. في الأولى، يتحدث عن حدود التكلم باللاهوت بطريقة سليمة، فيشدد على الإيمان والطهارة وعجز الجدالة (dialctique). في الثانية، يشدد على أن في العالم نشاهد عظائم الله فقط. في الثالثة، والرابعة يحارب مخلوقية الإبن عند آريوس. وفي الكلمة الخيرة يؤكد أن الروح القدس سرمدي كالإبن والآب.

– رسائله:
كتب غريغوريوس رسائل عديدة وصلنا منها 245 رسالة أكثرها شخصية، وقد تبادل الرسائل ليعبّر في الدرجة الأولى عن أفكاره ومواقفه وليجيب أيضاً عن حاجات كنسية واجتماعية. هذه الرسائل صورة صادقة عن إنسان شريف لا يتردد في قول الحقيقة. تتحلى رسائله بالإيجاز والتماسك والجمال.

– شِعره:
تنسب إليه أكثر من 400 قصيدة، كتب الشعر ليعبّر عن إحساسه وخبرته وليقدم للشباب ومحبي العلم والقراءة وليظهر أن المسيحيين لا ينقصون بشيء عن الوثنيين، وليقاوم قرار يوليان ويواجه شعر أبوليناريوس وتعاليمه.
قصائده تعبّر عن نفس دقيقة تطلب الراحة في أحضان الله. قصائده كلاسيكية في لغتها أيّ أنه يستعمل لغة يونانية قديمة جداً (لغة هوميروس)[13]، وشعره مصدر مهم عن حياته.
كتب غريغوريوس اللاهوتي معظم أبياته في أرينـز في سنواته الأخيرة حفظ منها 18000 بيت ذات فحوى عقدي، أخلاقي، تاريخي.

– مسرحيته:
ترك لنا القديس مسرحية بعنوان “صبر المسيح” وهي اقدم مسرحية مسيحية وصلتنا. أشخاص المسرحية البارزون هم يسوع والعذراء مريم ويوسف ومريم المجدلية ونيقوديموس وبيلاطس البنطي.

– “في الهرب”:
يبدأ غريغوريوس كتابه في الهرب بقوله أن افضل مثال للراعي هي سيرة يسوع الناصري الذي بذل نفسـه من أجل الآخرين وهذا يتطلب جهاداً في الصلاة والإغتذاء من الكلمة الإلهية. ينكب الكاهن على الكتب المقدسة فتفيض منه ينبوع حياة فيشفي ويعزّي ويخلّص.
يقول: “أنا لم أتوار في برية البنط، سوى لأنني غير مؤهَّل لسيرة قداسة مثل هذه وخوفاً من أن أُعثر الرعية إن قبلت كرسي الرعاية وأنا بعد لم أسلّم نفسي كلياً للمسيح، تواريت لأُسلِّم ذاتي للذي أَحَبَني، ليقدسني هو بنعمته، يعلمني كيف أصمت في الكنيسة وأكلّم نفسي والله (1كو 28:14) إلى أن أُمنح موهبة النبوة. أُصمت فيَّ كل اهتمام دنيوي، أُغلق أبواب حواسي وشهواتي لأنمو في النعمة فأستحق أن أكون مرآة صافية تعكس وجه السيد للآخرين.

ثم أنني خشيت إن تقبّلت المسؤولية قبل أن أدع السيد نفسه يؤهلني لها، خشيت أن أسير في خطى البعض الذين يُقبلون إلى خدمة المذبح بلا استحقاق كأن هذه الخدمة باب للارتزاق، وكأنها سلطان عوض أن تكون مثالاً للفضيلة يجتذب الآخرين بالمحبة (1بط 2 : 5) … إن أقبل أحد إلى الكهنوت، عليه أولاً أن ينقَّى بالنار مثل المعدن الثمين (1كو12:3). حياة الفضيلة أمر شاق ولكن مَن أقدم على خدمة القدسات من دون أن يقدِّس ذاته فهو لا يجلب فقط دينونةً لذاته بل دينونةً للآخرين أيضاً.

كيف نطبب الآخرين من دون أن نشفى نحن أولاً؟ ثم ماذا نقدّم للآخرين إن لم نُعط من عند الآب أن نتقدّم بالفضيلة؟ لا يكفي أن نبتعد عن الشرّ، علينا أيضاً كما يوصي الكتاب أن نسعى لفعل الخير.

العمل الرعائي يشبه عمل الطبيب ولكن النفوس تقاوم شفاءها لأن المرض الروحي خفي على خلاف الأمراض الجسدية ولأن الكاهن يستهدف ليس فقط حفظ الصحة واستعادتها ولكنه يسعى ليؤلِّه كل من يأتي إلى المضيف الإلهي. ثم أن الكاهن الطبيب يعالج نماذج مختلفة من البشر، من هنا عليه أن يغيّر اسلوبه وفقاً للزمن والظروف. البعض يعالجون ببسط العقيدة لهم وآخرون بحاجة إلى مثال حيّ يتبعونه، البعض بحاجة إلى رأفة وآخرون بحاجة إلى صرامة، البعض بطيئون في الفهم وآخرون يلتهمون التعليم التهاماً، البعض يبنون بالمديح وآخرون بالتأنيب، البعض بحاجة إلى احتضان وآخرون ليسوا بحاجة إليه، للبعض نضع لهم حدوداً ولآخرين نترك ملء الحرية. كل حسب شخصيته وظروفه ومجتمعه.

الراعي هو أمام آلة موسيقية لها عدّة أوتار ، عليه أن يضبط الأوتار فتتناغم معاً وتتوافق في لحن شجيّ.

الكاهن لا يُصنع بيوم واحد لما يقولب الخزاف إناء الخزف ، الكاهن يكتسب مهارة في الرعاية بفضل الممارسة والخبرة.

لا يجوز للكاهن أن يكون جاهلاً ولكنه أيضاً لا يتعلّم بحشو المعلومات وبنظريات لاهوتية فقط، فالرجاء بالجاهل أكثر من المحشو علماً (مع كبرياء)، الكاهن معلّم وشارح للكلمة وعليه أن يكتسب مهارة التعليم أي أن يحرر الناس من أفكارهم المسبقة ، عليه أن يهدم ما في النفوس ومن ثم يبني النفس ليقودها إلى صورة المسيح . فشفتاه تذرّان بالمعرفة الإلهية لأن الرب يضيء سراجه وبه يقتحم جيوشاً وأعضاؤه تصبح أداة بيد الله…”[14].

تعليمه
– الإيمان والعرفان:
يوصف الآباء الكبادوكيون بأنهم أفلطونيو المذهب لكن إذا درسنا فكر غريغوريوس فإننا نكتشف في النهاية أنه ليس أفلاطونياً ولا أرسطياً ولا رواقياً، أخذ من الأفلاطونية “العقاب” كوسيلة تربوية، وأخذ مبدأ التطهير ووجود عالمين مادي وروحي واعتبار الإنسان بأنه “عالم صغير – Mikrokosmos” واستعمل ألفاظاً رواقية مثل الفضيلة والرذيلة والألم والإمساك وأخذ من أرسطو بأن الله هو المسبب الأخير للكون.

لا يواجه غريغوريوس العرفان وكأنه قائم بذاته إنما يواجهه مواجهة اختيارية لأن العرفان لا يمكن أن يكون خالياً من التناقض والأخطاء. هناك عناصر إيجابية في العرفان لكنها لا تكتمل إلاّ بالكشف أي بالإعلان الإلهي. المشكلة ليست مشكلة العرفان بحدّ ذاتها إنما مشكلة الاختيار الموفّق له، واستخدامه الاستخدام الصحيح.
بناءً عليه، لا يعتبر غريغوريوس أن الفلسفة ضرورية بشكل مطلق فأحياناً الإنسان البسيط يكون مغتبطاً في حياته أكثر من الفيلسوف.

المسيحي البسيط هو فيلسوف، لأن العرفان الذي بحسب العالم يقاوم صليب المسيح،ولذلك فالفلسفة الحقيقية هي الفلسفة بحسب المسيح. بالتعليم المسيحي لا يكتمل العرفان المسيحي فقط إنما تكتمل أيضا حكمة العهد القديم التي كانت تستند إلى الخوف، بالإعلان المسيحي تتجاوز الحكمة الخوف وترفعه إلى المحبّة، تجعلنا أصدقاء الله وابناءه بدل أن نكون عبيداً: “الحكمة التي بالمسيح يسوع أعظم من حكمة أهل هذا الدهر، حكمة المسيح نتشربها من خلال العيش في التقليد الشريف الذي يكشف لنا الحقيقة الأزلية المعلنة في الكتاب المقدس”.

المقياس الأخير ليس الإستدلال المنطقي إنما الوجود بحد ذاته، فالإنسان الذي يقوده المنطق فقط هو إنسان ارضي لأن العقل لا يحرر الإنسان ولا يقدّم له الحقيقة كاملة. الإيمان وحده يكمّل الإنسان ويجعله قادراً على رؤية الواقع الساقط. عندما يستنير العقل بقوة الإيمان يعي ما هو فوق العقل ويدرك جهله لذلك قال: “ليقِدْنا الإيمان أكثر من العقل”.

– معرفة الله: “معرفة الله ممكنة لكنها محصورة بأنقياء القلوب”
تتميز معرفة الله بشَكلَيْن : معرفة طبيعية ومعرفة فوق الطبيعية. مصادر الكشف الطبيعي هي الطبيعة والتاريخ ووعي الإنسان. والعرفان الذي يجيء من الكشف الطبيعي هو عرفان ناقص لأن الله البسيط واللامحدود يبقى غير مدرك، فعقل الإنسان يحاول أن يدرك الله بالجمال وبالتنظيم الذي يراه في الخليقة. لذلك تتعلّق معرفة الله الطبيعية بخصائص عمل الله، أما العرفان فوق الطبيعي فهو أسمى لأن الإيمان يدعمه.

اللاهوت ليس منهجاً عقلياً ولا يمكن أن يُحدّ ضمن الجسم العقلي ولذلك على الإنسان أن يُعيد صياغة فكره وأحاسيسه من خلال علاقته بالله، ومع ذلك فهو لا يتكلّم باللاهوت في شؤونٍ تخصُّ جوهرَ الله إنما فيما يدور حول الله أي أعمال الله وقواه.

الله لا يدرك بالعقل فما هو مدرك فيه هو لامحدوديته، يمكن أن يقول الإنسان عن الله أنه غير مدرك، لا بدء له، لا مولود، أي أن يظهر ما هو ليس الله[15].

عمل اللاهوتي محدود بطبيعة بحثه وبقناعته بأن معرفته لا تكتمل، حتى بولس الرسول أكّد على عدم الإدراك الكامل لله، يقول غريغوريوس: “إيليا كما نعرف من التاريخ لم يرَ طبيعة الله بل ظلالها، وبولس الرسول إذا كان يستطيع أن يعبّر عما رأى وسمع في السماء الثالثة، وبالصعود حتى ذلك المكان يمكننا أن نعرف شيئا أكثر عن الله، فلماذا لم يخبرنا عما هنالك إذا كان يعرف شيئاً من غاية الاختطاف؟
ذلك لأن بولس نفسه لم يدرك شيئاً. بل ترك لنا أن نكرّم بصمت ما عاينه وذكره، أي انه سمع كلمات سرية لا ينطق بها … إننا كمن يحاول أن يغرف ماء البحر بالوعاء … بكلامي حاولتُ أن أُبرهن أن العقل لا يستطيع أن يدرك طبيعة الملائكة فكم بالأحرى طبيعة الله التي تفوق كل شيء؟ له المجد والإكرام إلى أبد الدهور آمين”[16].

تكلّم غريغوريوس كثيراً عن الثالوث وقال أن الله واحد في ثلاثة أقانيم وإن هذه الأقانيم تتميز عن بعضها، فالآب مساوٍ للإبن دون أن يعني ذلك أن الابن هو الآب. الآب هو علّة الوجود، علة وجود الإبن وهو علّة انبثاق الروح القدس، وإن ما للآب هو للإبن والروح القدس : “لنا ربٌ واحدٌ الآب، الذي منه كل شيء، وربّ واحدٌ يسوع المسيح الذي به كل شيء، وروح قدوس واحد فيه كل شيء”[17].

ويشهد غريغوريوس كما باسيليوس وأثناسيوس (والدمشقي فيما بعد)، أن النشيد المثلث التقديس لا يقال في الإبن فقط بل في الثالوث الأقدس، فإن السارافيم القديسين في تقديسهم يظهرون لنا الأقانيم الثلاثة للاهوت الفائق الجوهر وعليه يقول غريغوريوس: “… وهكذا إذاً، فإن أقداس الأقداس التي هي محجوبة عن السارافيم أيضاً وتتلقى التمجيد بتقديسات مثلّثة تجتمع في سيادة واحدة ولاهوت واحد”[18].

القدرة الإدراكية للعقل محدودة والكائنات التي تقع تحت تأثير الحسّ لا تستطيع أن تدخل إلى أعماق العقليات ، يقول غريغوريوس: “قل لي ما هي عدم الولادة وأنا سأعلّمك عن ولادة الإبن وانبثاق الروح القدس، الإنسان تتكاثر أسئلته مع كثرة معرفته، وهو يشبه من استنار لحظة واحدة ولكنه بقي في الظلام”. إلى جانب محدودية العقل وعدم قدرته على الدخول إلى سرّ الله، هناك الجسد الإنساني الذي يعيق القوّة النسبية الموجودة في العقل. فالجسد بعد السقوط صار أكثر كثافة والعقل نفسه صار كثيفاً ومادياً لكن هذه المحدودية في الجسد ليست عقاباً لإنسان بل تربية له.

– الخليقة والخالق:
يقسم غريغوريوس الخليقة إلى ثلاثة أقسام، فيقول أولاً، أقرب إلى الله الطبائع العقلية وأبعد منه الطبائع الحسّية، وابعد شيء هو الوجود الذي لا نفس لهولا حسّ، وأما أول الخلائق بالنسبة له فكانت الملائكة الذين وُجدوا قبل الخليقة كلها “لأن الله فكّر بالقوات الملائكية والسماوية فكان تفكيره عملاً”[19].

الإنسان مخلوق على صورة الله، ولا يقول رأي أوريجنس بان النفوس مخلوقة قبل الأجساد وإنما هو يؤمن أن النفس تأتي إلى الإنسان عند الحبل به، وإن هذه النفس لا تموت لحظة الموت وإنما ترتفع وتعود إلى خالقها. بسبب السقوط صار الإنسان يموت .الخطيئة أدخلت الموت، والموت بدأ يجعل الخطيئة عذبة وحلوة.

كل شيء في الكون يتغير من ساعة إلى أخرى، وكل شيء يجري ويفنى، فالحياة والموت اللذان يعتبران فكرتان متناقضتان هما يتواجدان ويتبادلان الدور. فالحياة تبدأ بالفساد والإنسان ينتقل من فساد إلى فساد حتى تنقضي حياته الأرضية، فالفساد هو انتصار الزمان لأن الحياة تمر عبر الولادة في اتجاه معيّن لا يمكن إعادته.
لكن الموت في حدّ ذاته يحمل عناصر إيجابية لأن الموت الحقيقي ليس انفصال النفس عن الجسد وإنما هو دمار النفس والمشكلة الأساسية عند الإنسان هو مشكلة التمييز بين الواقع والظاهر أي انه يخاف مما هو ليس مخيفاً.

المؤمنون في مسيرتهم نحو السيد الصالح يمكن أن يتحرروا من سيطرة الزمن الدائري لأنهم يتجهون نحو واقع ثابت متحرر من كل تشوّش أي نحو تجاوز العالم الحاضر. هذا لا يعني أن غريغوريوس يقلل من أهمية العالم وقيمته فالعالم الحاضر ليس عائقاً يحول دون اقتناء ما هو قائم وثابت، فما يجري ويتبدّل يمكن أن يكون وسيلة لاكتساب الحياة الجديدة.
أما المأساة الحقيقية فهي أن يصبح الإنسان محصوراً ضمن دائرة الولادة والموت، أي انه يصبح حلماً غير موجود في الواقع. لذلك يقول غريغوريوس على الإنسان أن يترك الأحلام والظلال وينعم بالحياة على أكمل وجه.

الفرق بين الإنسان والملائكة هو أن الكائنات اللاجسدانية لا تخضع للزمن الذي يحدّ الإنسان، فالزمن غير موجود بالنسبة للكائنات الروحية، لأن في الزمن يتحوّل الحاضر إلى ماضٍ ميْت.

– أسباب التربية:
إن المنطلق الأساسي للاهوت التنـزيهي هو ردّ على المسعى الهرطوقي الذي يهدف إلى تغيير الكشف المسيحي إلى تعليم فلسفي. فمعظم الهراطقة كآريوس، افنوميوس، صابيليوس، حاولوا أن يدرسوا الإعلان الإلهي ويبرهنوا بمقولات عقلانية البحتة، لكن هذا التطوير العقلي للأمور يُنزل الإعلان إلى المستوى الإنساني، فوجود الظلام الإلهي ضروري وليس له صفة سلبية فالظلام القائم بين الله والإنسان هو مثل الغمام الذي دخل فيه موسى وهذا الظلام يحميه من نار الالوهة مثلما يحمي الظلّ الإنسانَ من نار الشمس.

الإنسان مدعو للدخول في هذا الغمام الإلهي لكن هذا الأمر يتطلّب استعداداً خاصاً.

– في المعمودية:
إن خدمة تقديس المياه وصلوات طرد الشياطين (الإستقسامات)، لاغنى عنها في حياة الكنيسة فهي إلى جانب فعاليتها كصلاة تحوي أيضاً تعاليم أساسية تساعد المقبل إلى المعمودية (الموعوظ) على فهم بعض الحقائق اللاهوتية الضرورية وتعكس رغبة وصبر هذا الأخير يقول غريغوريوس ” لا تحتقروا دواء طرد الشياطين ولا تتعبوا من طول الصلوات لأن كل هذه هي إمتحان لصدق النفوس وإخلاصها وطلبها المعمودية باشتياق”[20].

لكن هذه الخدم والأسرار الكنسية لا تكشف إلا في حينها ولمن هو أهل لسماعها، يقول واعظاً للشعب: “لقد سمعت كثيراً عن السر حسبما هو مسموح لنا أن نتحدّث علناً وأمام الكل أما باقي الحديث فسوف تسمعونه في السرّ لكي يبقى هذا الكلام خاصاً بكم”[21]. وفي أيامه، ومع أنه وصديق العمر باسيليوس الكبير تأخرا في نيل سرّ المعمودية، كما شاع بعصرهم، إلا أن غريغوريوس يرفض أن تتأجّل مهما كانت الأسباب، يقول في ذلك:
“المسيح هو الله لذلك لم يكن محتاجاً للمعمودية ولكنه إعتمد لأجلنا نحن البشر، وحتى إذا أجّل معموديته لم يكن هذا خطراً عليه. كان للمسيح أسباب جعلته يعتمد في سنّ الثلاثين وليس أي من هذه الأسباب تخص البشر. وقد فعل الرب أموراً كثيرة لا يمكن لأيّ منا أن يقلّدها أو يتخذها مقياساً فليس كلما فعله الرب يمكن تقليده [22] ..البعض يقول إنه سوف ينتظر عيد الظهور الإلهي، أي اليوم الذي إعتمد فيه المسيح وظهر للعالم، والآخر يقول أنه يهتم بالفصح أكثر من غيره من الأعياد والثالث إنه سوف ينتظر العنصرة[23]. لا يجب أن يؤخر أحد المعمودية طالما هو مستعد لها لئلا يفاجئهم الموت في يوم لم يستعدّوا له وفي ساعة لا يعرفونها.المعمودية تسمى عطية لأنها أعطيت لنا دون أن ندفع فيها ثمناً، وتدعى ختماً لأنها ختم يؤكد ملكيتنا والسلطان الذي يملكنا ولأنها عربون الحياة الأبدية[24]. ولأننا من طبيعتين أعني الجسد والنفس، الأول منظور والثاني غير منظور لذلك التطهير، ليطال الكل، هو أيضاً مركّب من الماء والروح، التطهير المنظور من الماء للجسد والثاني المصاحب له غير منظور ولا يخص الجسد، الأول ظاهر والثاني حقيقي ويطهر الأعماق[25]“.

 

الحواشي[1]- انتقلت وهي راكعة تتناول الأسرار المقدسة. تعيّد لها الكنيسة في 5آب. راجع السنكسار الأرثوذكسي. الجزء الثاني ، ص 613 _ 627.
[2]- تعيّد له الكنيسة في 1 كانون الثاني.المرجع السابق.
[3]- لم يصلنا عنهم سوى ما ذكره غريغوريوس في عظاته ورسائله وما كتبه أيضاّ غريغوريوس النيصصي: أعضاء الجماعة يعبدون إلهاً واحداً ولكنهم يرفضون عقيدة الثالوث، يدعون الله “العلي”، “القوي”، “النار”، “النور”. رفضوا الذبائح اليهودية وكل طقس آخر إذ أن العبادة عندهم أمر داخلي روحي، لكنه رغم ذلك يحفظون السبت ويتمسكون بعدد من العادات اليهودية في ما يتعلّق بالأكل . كانوا قلّة ولعلهم حُصروا في كبادوكية. …راجع: الرسالة سنة 1985 عدد 2و3 ص39.
[4]- أمسكه الشعب وحمله إلى الكنيسة حملاً وألزموه أن يصير كاهناً، لم يكن بإمكانه لا أن يهرب ولا أن يرفض فسلّم أمره لله ورضخ للأمر الواقع الذي أسماه، فيما بعد، “عمل إستبداد روحي”. راجع السنكسار الأرثوذكسي ، الجزء الثاني، ص 618.
[5]- أمسكه الشعب وحمله إلى الكنيسة حملاً وألزموه أن يصير كاهناً، لم يكن بإمكانه لا أن يهرب ولا أن يرفض فسلّم أمره لله ورضخ للأمر الواقع الذي أسماه، فيما بعد، “عمل إستبداد روحي”. راجع السنكسار الأرثوذكسي، الجزء الثاني، ص 618.
[6]- كان البطريرك الأنطاكي ملاتيوس هو الداعي عبر مجمع عُقد سنة 379 م إلى إرسال غريغوريوس إلى هناك.
[7]- زاد عدد أتباعه زيادة كبيرة حتى أصبحوا أكثر من المصلّين في الكنائس الرسمية(الآريوسية). راجع قصة الحضارة جزء 12 ص 128.
[8]- كلمة لاهوت تقابله في اليونانية “Qewlwgia” وتعني حديث في الله لكن آباؤنا لم يأخذوها بهذا المعنى، لكنهم اخذوها بمعنى العيش للسيد، للإله. وأطلقوا لفظة لاهوتي على:
1.يوحنا الإنجيلي – 2.غريغوريوس اللاهوتي – 3.سمعان اللاهوتي الحديث…راجع: العقيدة والاباء، المطران جورج خضر، البلمند.

[9]- عقد المجمع لدحض الأبولينارية (المسيح أخذ مكان النفس العاقلة) وأعداء الروح القدس (الروح القدس هو ضمن الأرواح العليا الخادمة للإبن)، ترأسه في البدء ملاتيوس الأنطاكي لكن بسبب وفاته تولى بعده غريغوريوس اللاهوتي.. راجع : موجز تاريخ الكنيسة، الأب جورج عطية، منشورات البلمند ص 66.
[10]- راجع تاريخ الكنيسة المسيحية، افغراف سميرنوف، سنة 1964، مطرانية حمص، ص 302.
[11]- راجع :Encyclopaedia Britanica 1998 (CD).
[12]- القديس أثناسيوس الرسولي، الأب متى المسكين، دير القديس أنبا مقار، ص 256.
[13]- لسبب صعوبتها لم تحتل مكانة كبيرة لدى الشعب.
[14]- الرسالة، سنة 1985، عدد 1و2، ص 46-49.
[15]- هذا ما يسمى بالإتجاه السلبي في الحديث عن الله (apophatic) وهناك الإتجاه الإيجابي ( Cataphatic)، الثاني يسمح بالحديث عن الله والأول يصحح وينزع عن الإنسان الصوَر والخيالات التي تترسب في عقله عن الله… راجع المدخل إلى اللاهوت الأرثوذكسي، د. جورج بباوي، ص149-153.
[16]- مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي، سلسلة آباء الكنيسة (8)، منشورات النور ص 108-110.
[17]- القديس يوحنا الدمشقي: مئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، البولسية، ص 168.
[18]- المرجع السابق ص 169.
[19]- القديس يوحنا الدمشقي ، مئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ص 92.
[20]- عظة على المعمودية: 15…راجع: المعمودية، الجزء الأول، د. جورج بباوي ص 54.
[21]- المرجع السابق ص 82.
[22]- المرجع السابق ص 92.
[23]- مقالة 40 عن المعمودية…المرجع السابق ص 88.
[24]- مقالة 40… المرجع السابق ص 97.
[25]- المقالة 41… المرجع السابق ص 124.

القدّيس مكسيموس المعترف

القدّيس مكسيموس المعترف

 

إعداد الأب باسيليوس الدبس

 

 

حياته

إن القرن السابع هو أيضاً قرن اضطرابات وحروب ومشاكل دينية، فبعد أوطيخا جاءت بدعة الطبيعة أو المشيئة الواحدة في فترة كان الفرس والعرب على أبواب تحطيم الإمبراطورية الرومانية فأتت الحلول السياسية على حساب الحلول الدينية فجاءت أولاً بدعة المشيئة الواحدة التي هي في الواقع بدعة الطبيعة الواحدة ولكنها تحت شكل آخر لذلك سُمّيت هذه البدعة ببدعة “الحرباء”، فقام الإمبراطور هيرقل واتفق مع بطريرك القسطنطينية على القول بالمشيئة الواحدة والفعل الواحد بدلاً من الطبيعة الواحدة على أساس أن المونوفيسيت سيوافقون على الانضمام إلى الكنيسة فتُحل المشـكلة داخلياً في الإمبراطورية. لكن المعارضة بدأت من بطـريرك أورشليم صفرونيوس الذي قال  أن هذه البدعة هي في جوهرها مونوفيسيتية وبعده جاء قديسنا المعترف:

ولد القديس مكسيموس في مدينة القسطنطينية[1] سنة 580 م. من أسرة شريفة، وفيرة الغنى، وذات مركز رفيع، هذا مما ساعده في تعلّم علوم عصره، فبرع في الفلسفة والخطابة .ذاع صيته في العاصمة الرومانية الشرقية ( أي القسطنطينية) فاختاره الملك هيرقل رئيسـاً لديوانه ووزيراً من وزرائه وكاتماً  لأسـراره ومن ثم لحفيد هيرقل  كنستس [2].  فصار صاحب الرأي الكبير والكلمة النافذة يسوس الدولة بحكمته ودرايته. لكن مع كل هذا المجد والشهرة فضّل أن يترك كل شيء، المركز، الشـهرة، والغنى، ليعيش راهباً في دير قريب من القسطنطينية يدعى ” خريسـوبولي ” ( أي مدينة الذهب ) وبدأ فيه العبادة والصوم والصلاة وكتابة مقالاته ضدّ المنادين بالمشيئة الواحدة للمسيح .

بعد فترة، أُختير ليكون رئيساً للدير، لكنه اضطر أن يترك القسطنطينية  إلى أفريقيا مع اثنين من تلاميذه بسبب هجوم الجيوش الفارسية على المدينة .

في هذا الوقت كانت بدعة المشيئة الواحدة قد تسربت إلى الشرق وكان صفرونيوس بطريرك أورشـليم يحاربها فاندفع مكسيموس من جهته يهاجمها أيضاً مدافعاً عن الإيمان الصحيح الذي يقول:” إن في المسيح يسوع طبيعتين كاملتين وفعلين كاملين وإرادتين كاملتين … الطبيعة البشرية والإرادة البشرية والطبيعة الإلهية وإرادة الإلهية  “.

مات صفرونيوس،  فبقي  مكسيموس وحده في الشرق يدافع ضد المشيئة الواحدة فهدده الملك وبطاركة القسطنطينية والإسكندرية.

في سنة 645م. أفحم مكسيموس البطريرك بيروس  الهرطوقي في أفريقيا، في جدال علني أمام عددٍ من الأساقفة دعا إليه غريغوريوس البطريق حاكم البلاد، فأسكته بعلمه الغزير ومنطقه القوي، مُظهراً سموّ التعليم القويم ببراهين قاطعة مما دفع بيروس إلى الإعتراف بخطئه والعودة عن ضلاله.

عُقدت في أفريقيا عدّة مجامع بحضور مكسيموس وفيها أُبسلت هذه الهرطقة، كما ذهب القديس إلى روما حيث استقبله البابا مرتينوس الذي دعا إلى مجمع وحرم تلك البدعة والقائلين بها. فلما وصل الخبر إلى الملك كونستانس أمر باعتقال مكسيموس فكان كذلك. فأتى مكسيموس، وكان في السبعين من عمره ،مع أثنين من تلاميذه إلى القسطنطينية سنة 653م، وما إن وصل حتى هجم عليه الجند وعرّوه من ثيابه الرهبانية وجرّوه جرّاً في شوارع المدينة فوصل سجنه على آخـر رمق. فيما بعد حاول الملك استمالته ولكنه رفض فنفاه وتلميذَيه معذِّبين إياهم أشدَّ تعذيب .

سنة 656 أرسل إليه الملك كنستس اسقفاً من قيصرية مع وفدٍ من البلاط ليقنعوه بالعدول عن رأيه ولكن الوفد عاد وهو مقتنع بما قاله لهم مكسيموس فأرسل الملك وفداً ثانياً ليتملّقوه ويغروه علّه يقبل المساومة لكنه رفض [3]،فما كان منهم إلا أن هجموا عليه وأوسعوه ضرباً، وبعد أيام استدعاه الملك وأمره بأن يحرم البابا مرتينوس والبطريرك صفرونيوس لكنه أبى كعادته الرضوخ إلى ما ليس له قناعةً فيه. فكانت نتيجة تمسكه بالحق والحقيقة أن قُطعت يده اليمنى ولسانه كما لتلميذَيه أيضاً .

بحسب سيرته يقال أن الرب منحه النطق بطريقة عجائبية وأنه بقي وتلميذَيه يعلّم الشعب الإيمان المستقيم الرأي. رقد قديسنا في المنفى سنة 662 م. وقد استحق لقب المعترف نظراً لجهاداته واعترافه بالإيمان المستقيم الرأي. تعيّد له كنيستنا في 21 كانون الثاني(ذكرى رقاده )  وفي 13 من شهر آب (ذكرى قطع لسانه ويده ).

مؤلفاته

بدأ  القديس مكسيموس بالكتابة في سن متأخرة، فقد جاء أسلوبه على نمط فلسفي، إذ إنه تمثّل منطق ارسطو على نحو لا يخفى مُطالع كتاباته، فبراعته في استخدام المصطلحات الأرسطوطاليسية وكل المفاهيم الفلسفية الإغريقية القديمة جعلت من كتاباته، مع صعوبة فهمها وغموضها كأسلوب أغلب المثقفين، منارةً للباحثين عن حقيقة المسيح،وهذا مما حدا القديس يوحنا الدمشقي على تسميته بـ ” فيلسوف الإلهيات” . أما كتاباته فيمكن تصنيفها كالآتي:

التفسيرية

  1. كتب 79 جواب على أسئلة مختلفة طُرحت عليه وكانت تتناول مشكلات رعائية وعامة، دوّنت حوالي سنة 626 م.
  2. تفسير ثلاث آيات كتابية مدوّنة في الفيلوكاليا وقد عنونها بـ ” رسالة إلى ثيوبمبتس ” .
  3. أجوبة على تساؤلات كتابية وجهها إليه رئيس دير في ليبيا يدعى ثالاسيوس .
  4. تفسير لأعمال آباء قديسين، مثل: ديونيسيوس الأريوباغي، غريغوريوس اللاهوتي وغيرهم .

الدفاعية والعقدية

  1. ضد المونوفيزيتين والمونوثيليين، وهي عبارة عن سلسلة من المجلدات الضخمة موجهة لتفنيد أقوال هاتين البدعتين .
  2. كتاباته إلى مارينوس الكاهن في قبرص:

أ ) كتاب يتعرّض فيه إلى مسألة قوى النفس وأيضاً لمسألة مشيئتَي المسيح.

ب )كتاب آخر: يتناول فيه مسألتَي القوى والمشيئة في طبيعتي المسيح الجسدية والإلهية .

ج )كتاب ثالث: يتناول فيه عقائدياً مسألة الفعلَين والمشيئتَين في المسيح يسوع.

د )رسالة حول إنبثاق الروح القدس وتنزيه يسوع عن كل خطيئة .

هـ ) مجلّد عقائدي يبحث فيه عقائد الكنيسة .

و ) أجوبة على تساؤلات الشماس ثيودور المونوثيليتي كتبها بناءً على طلب مارينوس.

3. مقالة بعثها إلى الراهب ثيودور وهي بمثابة جواب فلسفي ولاهوتي يتعلّق بتحديدات عقائدية خريستولوجية .

4.   مقالة إلى ثيودور الكاهن في صقلية حول الصفات والجوهر في المسيح .

  1. 5.         مجلّد روحي وعقائدي بعث به إلى الاسقف استفانوس الفلسطيني .
  2. 6.         مقالة حول طبيعتَي المسيح تعتبر من أقدم أعماله الكتابية .
  3. 7.         كتاباً وجهه إلى جاورجيوس الكـاهن ورئيس الدير تناول فيه مسألة ” سرّ التجسّد الإلهي “.
  4. 8.         أجوبة موجزة على مسائل ثلاث تتناول عقيدة المشيئة الواحدة .
  5. 9.         رسالة إلى نيكانذروس الأسقف يتكلّم فيها عن الفعلين في المسيح .
  6. 10.      رسالة ضد القائلين بثلاث مشيئات في المسيح مع ثلاث أفعال .
  7. 11.      مقالة يحدد فيها عبارة مهمة تتعلق بعلم الثالوث وعلم الخريستولوجيا .
  8. 12.      مقالة في استحالة أن يكون للمسيح طبيعة واحدة .
  9. 13.      مقالة من عشرة فصول حول مشيئة الرب بعث بها إلى بعض الارثوذكسيين .
  10. 14.      حوار مع بيرن يعرض فيها مكسيموس موقفه من المونوثيليتيين .
  11. 15.      مقاطع من رسائل عقائدية كُتبت لذات الغرض .

ليتورجية

  1. شروحات حول الفصح .
  2. تفسير للصلاة الربانية بعث بها إلى شخص يدعى فيلو خريستوس .
  3. الميستاغوجيا الشهيرة التي ترجمت إلى التركية أيضاً وفيها تفسير رائع للصلوات .

نسكية

  1. المئويات الأربع في المحبة: من أروع ما كُتب يتناول فيها الفاظاً أرثوذكسية كالمحبة واللاهوى والمعرفة النظرية والتطبيقية، وضعها بعد وقت قليل من مغادرته لكيزيكوس بين سنوات 628و630 .
  2. فصول في اللاهوت والتدبير: ويقع في مئويات إثنين وهو عبارة عن محاولة توفيق بين تعليم أوريجنس وأفاغريوس وبين الروحانية الأرثوذكسية .
  3. المقالة النسكية وفيها شرح عن التجسد الإلهي بطريقة جميلة ورائعة وبطريقة السؤال والجواب[4].
  4. فصول مختلفة في اللاهوت والتدبير والخلاق وتقع في مئويات خمس …

تعليمه

شخصانية المسيح يسوع

نادى مكسيموس أن الناسوت في المسيح ليس ناسوتاً متقبلاً سلبياً وإنما هو ناسوت حيٌّ فاعل. فخصص صفحات عديدة من كتاباته للدفاع عن احتفاظ كل طبيعة بخصائصها الموجودة فيها، فطبيعتا المسيح تظلان مختلفتين وغير ممتزجتين لكن في نفس الوقت هناك اتحاد اقنومي دون أن تتحول الواحدة إلى الأخرى، فالفعل ينتج عن الطبيعة وليس عن الأقنوم، فبما أن المسيح اتخذ الطبيعة الإنسانية فقد أخذ أيضاً الفعل الإنساني، وفي الثالوث الأقدس هناك طبيعة واحدة بثلاثة أقانيم لذلك هناك فعل واحد. أما في التجسّد فهناك طبيعتان لذلك هناك قوتان  متميزتان، فالمشيئة الإلهية لا تبطل المشيئة الإنسانية، فالإيمان بالمشيئة الواحدة يرفض القوة الإنسانية الموجودة عند يسوع.

من هذا المنطلق رأى مكسيموس أن يدافع عن القوة الإنسانية وعن الحركة المنطلقة من الإرادة الإنسانية والمتجهة إلى الله، ولكن رغم إيمانه بهذا فقد قال  بوجود مشيئة إعتقادية واحدة لأن أعمال يسوع كانت إلهية إنسانية .

 

يقول المعترف أن الإرادة الطبيعية المتجهة نحو الخير موجودة بشكل طبيعي عند الجميع، لكنها تألّهت في المسيح بسبب الإتحاد الأقنومي، أما الإرادة الإعتقادية فتأتي بعد فعل العقل وهي من خاصة الأقنوم .يقول قديسنا، أن إرادة المسيح الطبيعية قد خضعت لإرادته الفعلية، فكل طبيعة عقلية تملك إرادة طبيعية ولكن تملك أيضاً إرادة إعتقادية فالإنسان عنده إرادة طبيعية فمثلاً، كلام يقوله لكنه لا يتكلّم دائماً، حتى يتكلّم هذا يعود إلى إرادته الإعتقادية التي هي قوة من قوى الأقنوم وليس من قوى الطبيعة. وبما أن المسيح يملك طبيعيتين فإنه يملك إرادتين طبيعيتين لكن بما أنه يملك أقنوماً واحداً فإنه يملك بالتالي قوة إختيارية واحدة .في هذه الإرادة الواحدة يسيطر العنصر الإلهي. لكن هذا العنصر يعطي الطبيعة الإنسانية الإمكانية بأن تفعل الأمور التي تنتمي إليها، وبذلك تحررت الطبيعة الإنسانية من الخطيئة التي سببتها الإرادة الإعتقادية، فصارت الحركة الطبيعية للطبيعة الإنسانية تتجه نحو الله .

أما قول أتباع المشيئة الواحدة أن المسيح يملك طبيعة إنسانية وإنه لا يملك إرادة إنسانية هو قول لا معنى له لأن هذه الطبيعة لا تملك أي ظهور حقيقي وإنما هي فكرة مجرّدة. فطبيعتا المسيح ليستا فكرتان مجردتان لأنهما إندمجتا في ألوهة الكلمة وهكذا فكل تملك وجودها الخاص بها وإن كانت مندمجة في شخص الكلمة .

إن مكسيموس يؤمن بأن كل أقنوم لا يستطيع أن ينتقل إلى أقنوم آخر، وهذا مبدأ في المسيحية، ويقول أن الإتحاد بين النفس والجسد ينتج عنه أقنوم واحد وبين الكلمة وناسوته لا يوجد إتحاد طبيعي فقط إنما إتحاد إقنومي وهذا يعني أن ناسوت المسيح لم يكن موجوداً قبل التجسد فالأقنوم الذي كان قبل التجسّد هو نفسه أقنوم التجسّد .

أسباب الكائنات

العالم هو ثمرة المحبة الإلهية أما اللوغوس للكائنات فكانت موجودة منذ الأزل في فكر الله دون أن تملك وجوداً خاصاً بها وإلا كانت كالمُثُل الأفلاطونية التي كانت موجودةً معالله كيانياً. فاللوغوس هي المخطط الإلهي الأزلي عن الخلق الذي تحقق في الزمن. ويقول مكسيموس إن أهمّ الصفات الإيجابية لهذه اللوغوس هي أن لها صلة باللوغوس الشخصي أو ” اللوغوس الأعلى ” .

 


[1] يرى بعض العلماء أن بلدة خسفين السورية، منطقة الجولان، هي مسقط رأسه …راجع: المقالة النسكية للقديس مكسيموس المعترف، ترجمة الأب منيف حمصي، 1995، ص 21.

[2] راجع: رعيتي، 1985، عدد 3، ص 4 .

[3] الدعوة في الواقع كان إلى حضور مجمع الذي دعي باللصوصي الذي عقده المونوثيليون، أي القائلين بالمشيئة الواحدة … راجع: رعيتي، 1987، عدد 3، ص 3 .

[4] المقالة النسكية، المئويات الأربع في المحبة، ترجمها قدس الأب منيف حمصي إلى العربية وفيها أغنى مكتبتنا العربية وأفاد الباحثين والمعلمين .

القديس أمبروسيوس الذي من دير أوبتينو

القديس أمبروسيوس الذي من دير أوبتينو

عن كتاب “الستارتز أمبروسيوس الذي من أوبتينو” للكاتب جون دانلوب

 

تُرجمته عن الفرنسية راهبات دير مار يعقوب – دده

 

أبصر ألكسندر ميخايلوفيش غرينكوف (أي القدّيس أمبروسيوس) النّور في منطقة تامبوف الرّوسيّة، في /23/ تشرين الثّاني من عام /1812/ أي يوم عيد القدّيس ألكسندر نيفسكي فدُعي باسمه. كان السّادس بين ثمانية إخوة. ترعرع في عائلة متوسّطة الحال كثيرة الأولاد، تنتمي إلى الطّبقة الكهنوتيّة القرويّة المتميّزة بتقواها الصّادقة وبتربيتها الحازمة. فجدُّه ألكسندر كان كاهناً، ووالده ميخائيل قندلفتاً، وأمّا أمّه مرتا، فقد كانت ” امرأة قدّيسة تحيا حياة التّقوى ” كما وصفها هو نفسه فيما بعد. تلقّى الأولاد دراستهم الابتدائيّة في المنزل، حيث تعلّموا أصول اللّغة وقواعدها في كتب الصّلوات الطّقسيّة، وقد اعتادوا أن يرافقوا والدهم إلى الكنيسة ليشاركوا في التّرتيل والتّسبيح. في الثّانية عشرة من عمره أدخله والده في مدرسة القرية التي كانت تفتقر إلى الوسائل العلميّة. عام /1830/ انتُخب ألكسندر كأحد أفضل وأبرز تلامذة المدرسة ليدخل مدرسة اللاهوت في تامبوف.

 

برزت لدى ألكسندر طبيعة مرحة فوضويّة تتناقض مع الجوّ العائلي الرّزين. لكنه، مع ذلك، أبدى تفوّقاً في علومه، وهو الفتى ذو الثّالثة والعشرين عاماً، إذ حلّ في المراتب الأولى عند تخرّجه من معهد تامبوف اللاهوتي عام /1836/. كان طبعه المرح وسرعة البديهة التي تحلّى بهما يشدّان الآخرين إليه.

قبيل نهاية دراسته، وقبل دخوله الدّير، عرف ألكسندر أوقاتاً صعبة حرجة، عانى خلالها الكثير من التّخبط والصّراع الدّاخلي (1836-1839)، فهو لم ينوِ أبداً التزام الحياة الرّهبانيّة. ولكنّه عندما مرض مرّة مرضاً خطيراً، صلّى بحرارة واعداً الله أن يصبح راهباً إن شُفي من مرضه. ولمّا تمّ له ما أراد، أخذ يتلكّأ بتنفيذ وعده محاولاً تركه طيّ النّسيان. ولكن أين المفرّ وضميره كان له بالمرصاد؟

 

وقف ألكسندر أمام خيارين بعد انتهائه من دراسته اللاهوتيّة: إمّا أن يتابع دراسته الأكاديميّة أو أن يتزوّج ليصبح كاهن الرّعيّة. لم يلتزم ألكسندر أحد الطّريقين بل اكتفى بالعمل في إحدى المدارس. ولكنّ أستاذنا الشّاب لم يكن ليرضى عن نفسه وعن طريقة حياته. فثمّة شيء خفيّ كان يدفعه إلى التّغيير. كم مرّة حاول تبديل طباعه مقرّراً التزام الصّمت والهدوء، ولكنّه سرعان ما كان يخفق سيّما عندما يتلقّى من الرّفاق دعوة للخروج، إذ كان يلبّي مندفعاً في أحاديث وتسالٍ ما أن تنتهي حتى كان يحسّ بالفراغ والمرارة في أعماقه، فيقرّر مجدّداً أن يعيد الكرّة. هكذا استمرّ أربع سنوات في عذاب، لم يستسلم خلالها إلى اليأس بل لجأ إلى الصّلاة. فكان ينتظر خلود رفاقه إلى النوم، ليقف هو متضرّعاً أمام إيقونة والدة الإله، طالباً منها العون في تحقيق رغبة قلبه.

 

لم يطل الوقت بزملائه ليكتشفوا أمره، فأخذوا يسخرون منه ومن تقواه متّهمين إيّاه بفقدان الرّشد. عندها هرب إلى الطّبيعة، إلى الغابات الممتدّة على طول نهر فورونيج Voronièje  حيث اعتاد أن يتنزّه مناجياً خالقه بحريّة. وفي إحدى المرّات، وفيما هو يتأمّل حركة الأمواج الهادرة، سمع صوتاً وكأنّه صادر من النّهر ينشد ويقول: ” أعطِ مجداً لله. احفظْ ذكراه دائما في قلبك “. اعترى ألكسندر ذهول كبير لهذا ” الظّهور” كما عبّر هو فيما بعد قائلاً: ” لقد بقيت هناك طويلاً أصغي إلى الصّوت الإلهي السرّي مبهوتاً “. نعم إن أصل كلّ الوجود والكائنات بدأ يجذب الأستاذ الشّاب إليه.

 

حان صيف /1839/ فاختار ألكسندر أن يمضي عطلته في أملاك صديقه وزميله في الدّراسة بول ستيبانوفيش بوكروفسكي pokrovsky. قرّر الصّديقان الذّهاب إلى أحد النّساك المدعو إيلاريون ليطلبا نصحه حول تحديد مستقبليهما. فعند سؤال ألكسندر النّاسك: ” ماذا أفعل في حياتي؟ “. أجابه القدّيس وبصوت قوي: ” اذهب إلى أوبتينو “. ثم أضاف ” إنّهم بحاجة إليك هناك “. لم يتبع ألكسندر إرشاد النّاسك توّاً، بل عاد إلى حياته اليوميّة وإلى الخروج ثانية مع الرّفاق، وكان ذلك قبيل ابتداء السّنة الدّراسيّة الجديدة. غير أنه سرعان ما شعر بالاشمئزاز من نفسه سيّما وأن جرس ضميره لم يتوقّف لحظة عن تأنيبه. فقرّر السّير إلى أوبتينو، رغم تحذيرات صديقه بأن المدرسة ستطاله قانونيّاً لتركه إيّاها في ذلك الوقت الغير المناسب، ولكنّه لم يعبأ بهذا. فما هي إلاّ أيّام قليلة حتى كان في طريقه إلى أوبتينو.

 

يقع دير أوبتينو على بعد /3/ كم من مدينة كوزيلسك Kozelsk  القريبة من موسكو. أُسّس في منتصف القرن السّادس عشر وبقي مهملاً مقفراً حتى نهاية القرن الثّامن عشر، إذ لم يكن يقيم فيه سوى ثلاثة رهبان، أحدهم كان كفيفاً. وبينما كان متروبوليت موسكو – أفلاطون- يتنزّه يوماً وقع على دير أوبتينو، فساءه أن يراه على هذه الحالة من الخراب، لذا راح، بكلّ ما أوتي من عزم، يجاهد لإعادة بناء الدّير ماديّاً وروحيّاً. لجأ إلى الأب مكاريوس، وهو أحد تلامذة القدّيس الكبير باييسيوس فيلتشوفسكي§، طالباً مساعدته. فأرسل الأب مكاريوس راهباً يدعى إبراهيم ليعيد تشييد الدّير. في عام /1821/ أُنشئ الإسقيط تحت اسم القدّيس يوحنّا المعمدان. في هذا الإسقيط بالذّات سوف يمضي كلّ آباء وشيوخ أوبتينو حياتهم، ومنه سوف يضوع عبير فضائلهم إلى كلّ روسيا.

فيلاريت، المتروبوليت الذي سوف يغدو فيما بعد الأكثر شهرة كمطران لكييف، كُرِّس ليكون أيضاً أسقفاً على الأبرشيّة الجديدة التي يتبع لها دير أوبتينو. فاختار الأخوين موسى وأنطونيوس ليكونا المسؤولين الأوّليْن لأوبتينو، بما أنّهما كانا قد أمضيا عشرة سنوات في إسقيط تحت إرشاد أحد تلامذة باييسيوس. وبعد فترة أضحى الأب موسى الأب المسؤول عن كلّ الإسقيط.

 

وصل ألكسندر إلى دير أوبتينو في /8/ تشرين الأوّل عام /1839/ . وعندما طلب إرشاد أحد الشّيوخ، قيد إلى الشّيخ ليونيد وكان رجلاً ضخماً حازماً وبسيطاً في الوقت نفسه، يعيش حياة قشفة، إذ لم يكن يهتمّ بالزوّار، ليتفرّغ تماماً إلى حياة العزلة والصّلاة. كتب ألكسندر يصف أيّامه الأولى في الدّير قائلاً: ” بعد يومين من وصولي إلى الدّير كان كلّ شيء بالنّسبة لي غريباً ومبهماً. كانت مقابلتي الأولى للستارتز ليونيد قصيرة لم أستطع خلالها أن أتعرّف إليه تماماً. وأمّا في الزّيارة الثّانية، عندما رأيته يؤكّد لأحد الرّهبان ضرورة التّخلي عن الإرادة الشّخصيّة، أحببته والتصقت به منذ تلك اللّحظة “.

قَبِلَ الأب ليونيد ألكسندر كراهب في الدّير، بعد أن حلّ مشكلته مع المدرسة، ولكنّه لم يلبسه فوراً الثّياب الرّهبانيّة، بل تركه يقيم في المضافة التّابعة للدّير. المهمّة الأولى التي أوكلت إليه كانت نسخ مخطوطة تحت عنوان ” سلام الخطأة ” التي توضح الجهاد ضدّ الأهواء. كان لهذا العمل هدفان: أن يقتني أولاً الصّبر والطّاعة، وأن يتعلّم نهج الحرب ضدّ أهوائه الشّخصيّة.

 

في نيسان من عام /1840/ ، وبعد مشاورة الأب موسى، قُبل ألكسندر  في الدّير نهائيّاً. وبعد فترة وجيزة أُعطي الثّياب الرّهبانيّة وأوكل إليه الاعتناء بقلاية ومكتبة الأب ليونيد. ثم عمل في مخبز الدّير. وفي تشرين الأوّل من العام نفسه، انتقل من الدّير حيث الحياة المشتركة إلى الإسقيط حيث حياة العزلة والصّمت والهدوء والتّوحد أكثر تحقيقاً، فعمل كمساعد طبّاخ. في هذه الفترة كان ألكسندر خاضعاً لإرشاد الأبوين ليونيد ومكاريوس، فكان انفتاحه لهما كاملاً وطاعته فوريّة، مطبّقاً نصائحهما وإرشادهما بكلّ دقّة وأمانة ممّا ساعده على تقدّمه الرّوحي.

 

في عام /1841/ زار بوكروفسكي صديقَه القديم ألكسندر الذي كان قد أصبح راهباً مبتدئاً، يقطن قلاية عارية مجرَّدة من كلّ شيء. لقد شهد بوكروفسكي كيف كان ألكسندر يطبّق الطّاعة الفوريّة بدقّة تحت إرشاد أبويه الرّوحيّين. فقد كان مرّة برفقة الشّيخ ليونيد وألكسندر عندما شرع الستارتز فجأة ينشد قائلاً: ” ليكن الله مباركاً كلّ حين الآن وكل أوان والى دهر الداهرين آمين. لك ينبغي المجد أيّها الرّب يا ملك السّموات…”. فأخذ أيضاً ألكسندر ينشد مثله، ظنّاً منه بأنّ الشّيخ يريد الشّروع بقانون الليل. فقاطعه الشّيخ بحدّة قائلاً: “من منحك البركة لتقرأ؟” فوقع ألكسندر للحال على قدمي الشّيخ طالباً الصّفح. ولكنّ الشّيخ تابع قائلاً: “كيف تجرؤ على القيام بهذا؟” بينما لم يكفّ ألكسندر عن ضرب المطّانيّات طالباً المغفرة قائلاً: “من أجل محبّة الله اغفر لي يا أبي”. كانت طاعته الكاملة للأب مكاريوس مميّزة.  لقد كتب أحد الرّهبان الذي أصبح فيما بعد رئيساً لدير آخر قائلاً: “لقد كان يبدو أن الأب أمبروسيوس قد تحرّر من كلّ إرادة ذاتيّة حتى في استعمال أغراضه الشّخصيّة. كان يفضّل إرادة الشّيخ مكاريوس على إرادته ولو في أصغر الأمور.” وهكذا وبمثل هذه الأفعال استطاع المبتدئ ألكسندر شيئاً فشيئاً إماتة إنسانه القديم ليلبس الجديد.

 

بعد مرور ثلاث سنين فقط على دخوله الدّير، توشّح بالإسكيم الصّغير ودُعي أمبروسيوس تيمّناً باسم القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان، وكان له من العمر آنذاك ثلاثون سنة. سيم شمّاساً ثم كاهناً في نهاية عام /1845/، ومنذئذ بدأت صحّته تعتلّ فغدت خدمة المذبح صعبة عليه كما عبّر هو نفسه قائلاً: ” كنت أكهن ذات يوم، وعند تناول القرابين المقدّسة كنت أمسك الكأس بيدي، وإذا بي أشعر بأنّ قواي تنحلّ وكأن يدي قد خدرت خدرت تماماً، فاستدرت نحو المائدة المقدّسة ووضعت الكأس ريثما أستعيد قواي….” لقد لطّف المرض طبيعة أمبروسيوس الجامحة، إذ اضطّره للدّخول إلى عمق نفسه والانعكاف على ممارسة الصّلاة الدّاخليّة المستمرّة.

 

في شهر آب من عام /1846/، أوكل إليه نيقولا مطران كالوغا مهمّة مساعدة الأب مكاريوس، خلف الأب ليونيد، في الإرشاد الرّوحي. وهكذا وفي سن الرّابعة والثّلاثين عُرف الأب أمبروسيوس كأحد شيوخ أوبتينو. ولكنّه لم يستطع أيضاً القيام بمهمّته هذه، إذ مرض مرضاً عضالاً في معدته وأمعائه حتى شارف على الموت، فمُسح بسرّ الزّيت المقدّس واقتبل الأسرار الإلهيّة كزاد أخير له. استمرّ مرضه مدّة سنتين لم يسمعه خلالها الأخوة متذمّراً، بل كان دائماً يردّد إن الله وهبه هذا المرض لتقدّمه الرّوحي.

 

بعد مرور السّنتين، أي في عام /1848/، بدأت صحّته تتحسّن بشكل ملحوظ، إذ أصبح يستطيع التّحرك والتّنقل من مكان لآخر. فعاود نسكه وصومه القاسي رغم هزاله، ولكنّه كان ينزعج من الجلوس على مائدة الإخوة بعد أن فقد أسنانه أثناء المرض، لذا كان يتناول طعامه على حدة. لقد كانت الحرب الطّويلة مع المرض سبباً كشف عن عمق روحيّة الأب أمبروسيوس وتوقّد محبّته لله، وبرهن أن للصّلاة المستمرّة  فعل عجيب في تحسّن صحّته.

 

لقد ذكرنا أن طاعته لرئيسه كانت مميّزة حتى يُخيّل إليك أنّه لم يكن يمتلك أيّة إرادة شخصيّة، بل كان يؤثر إرادة أبيه في كلّ شيء حتى في استعمال أغراضه الخاصّة. أما رئيسه فلثقته الكبيرة به أوكل إليه سماع اعتراف بعض الأشخاص مردّداً بفرح: ” إن أمبروسيوس يأخذ اللّقمة من فمي “. بعد موت الأب مكاريوس انتقلت السّلطة الرّوحيّة إلى الأب أمبروسيوس وكان قد بلغ/48/  سنة فقط.

 

من المعروف أنّ الأب مكاريوس كان يهيّء الأب أمبروسيوس للقيادة الرّوحيّة، فعندما كان يتغيّب الأب مكاريوس عن الدّير، كان ينصح الإخوة باستشارة الأب أمبروسيوس. وفي عام /1848/ منح الأب مكاريوس بركته إلى الأب يرونديوس، أحد آباء الدّير، ليسترشد الأب أمبروسيوس في أموره الرّوحيّة. ولقد كتب هذا الأخير قائلاً: “حسبما كنت ألحظ، كان الأب أمبروسيوس يعيش الصّمت الكامل. وبما أنّي كنت كلّ يوم أذهب إليه لكشف أفكاري، كنت أراه دوماً إمّا يقرأ أو يترجم بعض أقوال وكتابات الآباء، أو يساعد الأب مكاريوس في الردّ على رسائل من يطلبون مشورته الرّوحيّة. لقد كان يبدو لي بأنّ الستارتز أمبروسيوس كان يسير دوماً نحو الله، أو لنَقُل إنّه يعيش دوماً في حضرة الله.” في كلّ نصائحه الرّوحيّة، كان الأب أمبروسيوس يلتقي مع فكر الآباء، إذ كان يعلّم من يقرّ له بخطاياه من خبرته الحياتيّة. في /7/ ايلول من عام/1860/ رقد بالرّب الأب مكاريوس، فكان من الطّبيعي أن يُدعى عندئذ الأب أمبروسيوس أب الدّير. وما هي إلاّ أيّام حتى عُرف الأب أمبروسيوس كستارتز لدير أوبتينو في كلّ روسيّا.

 

” احمل صليبك واتبعني”. هكذا دعا السّيد أحبّاءه، وكان أمبروسيوس في طليعتهم إذ كان أبداً مسمَّراً على الصّليب، وذلك بسبب صحّته العليلة وتدفّق الزوّار الذي لا ينقطع. فالمئات منهم كانوا يقصدونه إمّا للتّبرك أو طلباً للمشورة.

 

كان الشّيخ ينهض في الرّابعة فجراً ليبدأ مع معاونيه، في قلايته، صلاة السّحر مع المزامير المختارة والسّاعة الأولى. وبعد استراحة قصيرة، كان يقوم بخدمة السّاعات الثّالثة والسّادسة مع التّيبيكات، بالإضافة إلى بعض القوانين كقانون يسوع أو قانون العذراء. ولكن، ولضعف صحّته، لم يكن باستطاعته متابعة الصّلوات دون توقّف، لذلك كان يطلب من معاونيه أن يرتاح قليلاً ليتابع وإيّاهم بعد ذلك الخدم الإلهيّة مجدّداً. وبعد هذا كان يحتسي الشّاي وهو يردّ على بعض الرّسائل الواردة إليه. في هذه الأثناء، كان الكثيرون يقرعون الباب بلجاجة لكي يحظوا برؤية الستارتز، ومنهم من كان يطول انتظاره مدّة أسبوع أو أسبوعين ممّا كان يثير تذمّرهم ودمدمتهم. وبعد لأْيٍ كان الشّيخ يخرج لمقابلتهم ليمنحهم البركة الجماعيّة، أو ليقول لأحدهم كلمة معزيّة، وينصح آخر أن يقرأ كتاباً يسمّيه له ليجد الجواب الشّافي لمعضلته، وليمزح مع شخص آخر… ثم يشقّ طريقه بين الجموع الصّارخة: ” أيّها الشّيخ قل لنا كلمة تنفعنا “. ولكنّ الستارتز لم يكن ليردّ جواباً بعد أن أُنهكت قواه، بل كان يسرع للوصول الى قلايته ملتمساً الرّاحة. كان يومه ينتهي عند الحادية عشرة ليلاً، بين الردّ على الرّسائل أو استقبال الزوّار إن كانت قواه تساعده على ذلك.

 

كانت حياة الشّيخ ترتكز بشكل أساسي على المحبّة، لا المحبّة العاطفيّة، بل المستندة على الكتاب المقدّس وعلى التّضحية في سبيل الآخر. هذه المحبّة التي كانت عنوان قداسة الأب أمبروسيوس، وهذا واضح جدّاً في كتاباته: “… إنّي أحسّ بالإنهاك في هذه الأيّام، ومع ذلك يجب أن أستمع إلى حديث الزوّار ولمدّة طويلة أحياناً …”. كان الشّيخ يكرّس معظم ساعاته لزائريه. وأحياناً، ومن أجلهم، كان يتنازل حتى عن تلاوة صلواته. لقد مارس الستارتز الطّاعة ونكران الذّات بشكل أساسي في حياته. اللّحظات الوحيدة التي يكون فيها منفرداً، كانت تلك التي يجلس فيها في قلايته مع الكتب الطّقسيّة أو كتب الآباء، أمثال القدّيس مكسيموس المعترف واسحق السرياني والفيلوكاليا وغيرهم.. ولكنّ تعزيته الكبرى كانت اتّحاده بالله، محاولاً الاحتفاظ بذكره دوماً، كما كانت كلمات الأب مكاريوس مصدر تعزية له أيضاً، إذ كما كان يقول هو نفسه: ” لقد ظهر مرّة الأب مكاريوس لأحد الإخوة (وكان يتكلّم عن نفسه) قائلاً له: “تحمّل. جاهد، تغصّب على سلوك الطّريق الضّيقة”. هذه كلمات قليلة ولكنّها غنيّة جدّاً، عميقة ومشجّعة.

لقد منح الله خادمه نعمة الدّهش الرّوحي كما حدّث أحدهم عنه قائلاً: “ذات مساء كان الشّيخ على موعد مع أشخاص في ساعة لم يكن عادة يستقبل فيها أحداً. عندما دخل الزوّار القلاية، كان الشّيخ جالساً على السّرير، يرتدي المعطف الأبيض الخاص بالرّهبان وفي يده مسبحة. كان وجهه، متجلّياً منيراً، حتى أن القلاية نفسها كانت مفعمة بجوّ خاص. لم يشعر الزوّار للوهلة الأولى بالرّاحة التّامة، ولكنّ فرحاً غريباً كان يشملهم، لدرجة أنّهم بقوا مدّة طويلة وهم يتأمّلون وجه الشّيخ المشع. كان كلّ شيء حولهم هادئاً والشّيخ يلتزم الصّمت. ثم اقتربوا منه لنوال البركة. وبدون أيّ كلمة رسم كلاً منهم بإشارة الصّليب وهو غارق في تأمّلاته، وهكذا ابتعد الزوّار وهم يتأمّلون الشّيخ وهو في حالة التّجلّي.”

 

كتب مرّة الشّيخ أمبروسيوس في ردّ له على إحدى الرّسائل: “من الصّعب الخلاص خارج الدّير إن لم يتعرّض الإنسان للصّعوبات الكثيرة”. إنّ هذا القول لا مغالاة فيه ولا هو من باب تحذير السّائل، بل هو ناتج من خبرته وقناعته الشّخصيّة، بأنّه ليس من السّهل على العائش في العالم أن يرتدي اللباس الذي يؤهّله لدخول ملكوت السّموات. لهذا السّبب بالذّات نستطيع أن نفهم اعتناء الشّيخ بالعلمانيين الذي كانوا يأتون بغية استرشاده. ولهذا السّبب أيضاً، نستطيع أن نفهم لماذا اعتنق هو نفسه الحياة الدّيريّة. كان همّ الشيخ دوماً أن يضع زائريه في خط السّلام، ولعلّ هذا المثل يؤكّد ما نقول: أتت إليه مرّة عدّة نساء بدافع الفضول فقط، وهنّ متأكّدات بأنّ الشّيخ لا يفقه ولا يفهم شيئاً من أمورهنّ، وهكذا بدأن، وهنّ منتظرات رؤية الشّيخ، يستهزئن به. وفجأة فُتح باب قلاية الستارتز، وبرز هو منها بابتسامته اللّطيفة المعهودة، وأخذ يتسامر مع السّيدات عن جمال المظلات اللواتي كن يحملنها وعن الرّيش اللواتي زينَّ به قبعاتهنّ وعن الموضة السّائدة في تلك الأيّام. وهكذا بدأت السّيدات يشعرن بسخافة حديثهنّ مع شيخ روحي، وانقلب شعورهنّ نحوه من استهزاء إلى احترام وتقدير كبير كيف نزل هو إلى مستواهنّ.

 

كثيرون كانوا يقصدون الشّيخ بخوف مصحوب بثقة كبيرة، وكثيرون أيضاً، وبدون إرادتهم، كنت تراهم راكعين على أقدامه، متأثّرين بقداسته المشعّة وببعد نظره الثّاقب. لم يكن الشّيخ يساعد فقط من كان بعيداً عن الكنيسة بتهاون وكسل منه، بل أيضاً من كان قد فقد إيمانه لانغماسه بالأمور الماديّة، هؤلاء كانت حالتهم أصعب من الأولين: تقدّم أحدهم إلى الشّيخ بعد أن فقد كلّ معنى للحياة، فلجأ إلى الكاتب تولستوي عساه يجد لديه ما يفتّش عنه ولكن دون جدوى. فذهب إلى الأب أمبروسيوس قائلاً: ” إنني آت لأرى فقط “. فقال له الشّيخ: ” حسناً انظر ما تريد “. ثم أخذ الشّيخ ينظر إلى زائره بنظرة صافية شفّافة أثّرت في نفس الزّائر كثيراً، واخترقت أعماقه. وبعد محادثة قصيرة خرج الرجل وهو يقول لقد عدت إلى الإيمان.

 

لقد عرفت بريّة أوبتينو العديد من المشاهير كالأديب قسطنطين ليونتيف، الذي كان لفترة زمنيّة معيّنة خاضعاً لإرشاد الأب كليمان زاديرغولم، ثم وبعد وفاة هذا الأخير لجأ إلى الأب أمبروسيوس. كان طبع ليونتيف الصّعب جدّاً امتحاناً عسيراً لصبر الأب أمبروسيوس. ولكنّ محاولات الشّيخ تكلّلت أخيراً بالنّجاح إذ أصبح ليونتيف من أخلص أصدقائه. كان ليونتيف يعاني من مرض عضال يؤلمه كثيراً، ويعتقد كلّ الإعتقاد بأنّه سوف يكون سبب موته. ولكنّ الشّيخ كان يؤكّد له بأنّه لن يموت بهذا المرض بل بمرض آخر. وفعلاً مات ليونتيف بمرض احتقان الرّئتين، المرض الذي كان ألمه أخفّ وطأة من المرض السّابق.

 

عام /1878/ توجّهت إلى أوبتينو منارتان من الأدب في روسيّا: فيودور دوستيوفسكي وفلاديمير سولوفيف لمقابلة الأب أمبروسيوس. وهاكم ما دوّنته امرأة دوستويفسكي قائلة: ” في /16/ أيّار من عام /1878/ أصابت العائلة نائبة كبرى. لقد مات ولدنا الشّاب ألوشا. لقد فُجع فيودور ميخايلوفيتش (دوستويفسكي) بموته إذ كان يحبّه حبّاً جمّاً، حتى إنّي مرّات عديدة خلت أنّ هذا الحبّ مرضيّ. لهذا طلبتُ من صديقه فلاديمير سولوفيف أن يصحب زوجي في رحلة إلى بريّة أوبتينو. لقد كان يحلم زوجي منذ زمن طويل أن يذهب إلى هناك وها الآن قد أصبح الحلم حقيقة. لقد كان موت ابني صعباً جدّاً عليّ، إذ كنتُ دائمة البكاء لا أجد سبيلاً إلى أيّة تعزية. لقد أصبحتُ غير مبالية بكلّ الأمور، وفقدت شهيّتي لكلّ عمل، وأهملت كلّ واجباتي المنزليّة، حتى أولادي لم أعد أهتمّ بهم كعادتي. لقد أصبحت أعيش فقط في ذكرى ابني وحياته. لقد دوّن فيودور في قصّة الإخوة كارامازوف كلّ مشاعري وكلّ أفكاري وأقوالي في فصل دعاه “قرويّة مؤمنة ” أو امرأة وثقت بالأب زوسيماس، فباحت له بكلّ آلامها لفقدان ولدها. كان فيودور يعاني الكثير عندما يراني على هذه الحال، ويتوسّل إليّ أن أقبل إرادة الله في حياتنا، وأن أقبل بتواضع المصاب الذي هزّنا رأفة به وبأولادنا، في حين لم أكن أشعر وقتها إلاّ باللامبالاة تجاه الجميع. وعندما عاد فيودور من زيارته لأوبتينو كان هادئاً وساكناً، وأخذ يسرد لي مطوّلاً عادات الدّير الذي قضى فيه يومين. لقد رأى الأبَ أمبروسيوس ثلاث مرّات: مرّة بين الجموع، ومرّتين في محادثة انفراديّة. لقد قصّ على الشّيخ الحدث الذي أصابنا، كما حدّثه عن حزني الشّديد، فسأل الشّيخ: ” هل زوجتك مؤمنة “؟ وعندما أجاب فيودور بالإيجاب، حمّله الشّيخ بركاته إليّ، كما أرسل لي كلمات سوف تُكتب لاحقاً في الرّواية، حيث يتوجّه الستارتز زوسيما إلى الأمّ الحزينة. لقد أكّد لي فيودور بأنّ هذا الشّيخ يعرف مكنونات القلوب بما يتمتّع من صفاء الذّهن. وهكذا استقى دوستويفسكي روايته الإخوة كرامازوف من إسقيط أوبتينو ومن نسّاك الإسقيط وآبائه.

 

عام /1877/ ذهب ليون تولستوي للقاء الأب أمبروسيوس وكلّه ثقة بحكمته الشّخصيّة. ثم وفي عام /1881/ عاد ثانية إلى أوبتينو مرتدياً هذه المرّة ثياب فلاّح. وعندما خرج من محادثة الشّيخ صرخ بقوة: ” بالحقيقة إن الأب أمبروسيوس قدّيس حقيقي. لقد تحادثت معه وامتلأت نفسي فرحاً وغبطة. نعم، لدى محادثتي معه شعرت بأنّ الله قريب منّا. “وفي عام /1890/ عاد تولستوي لزيارة الشّيخ، ولكن لم تكن المحادثة وديّة هذه المرّة، لإنهما اختلفا في مواضيع متعدّدة، حتى صرّح تولستوي قائلاً :” إنّي مضطّرب”. لقد عانى الأب أمبروسيوس من كبرياء تولستوي كثيراً، وأتعبته محادثته فقال: “إنّ كبرياء تولستوي وضعته في اختبار قاس. إنّي أقدّر جسامة الخطيئة التي غرقت فيها نفس تولستوي ضدّ الكنيسة “.

هذان مثلان من مشاهير الشّخصيّات العالميّة التي قصدت الشّيخ المستنير أمبروسيوس. ولكن الشّيخ لم يستقبل فقط المشاهير، بل تنوّعت مراتب زوّاره: فمنهم الرّاهب والعلماني، الغني والفقير، المثقّف والجاهل، المغمور والذّائع الصّيت، وكان يستقبل الجميع على حدّ سواء. لذا لم تقتصر المواضيع التي كان يعالجها على الرّوحيّة فقط بل تعدّتها إلى الأمور العالميّة. فكان يعزّي قلب المحزون، ويردّ الملحد إلى إيمانه، كما كان يسدي مشورته في عقد زواج موفّق، ويهتمّ حتى بصغائر الأمور كشراء حقل أو   إيجاد عمل…

 

هذا بالإضافة إلى أنّ الكثير من الأمّهات كنّ يأتين إليه لاسترشاده في كيفية تربية أولادهنّ، فكان يجيب قائلاً: ” أنا لا أنصح بتربية الأولاد وفقاً لمتطلّبات العصر الحاضر، بل لتزوّد الأمّ أبناءها بالتّربية الرّوحيّة التي هي الغنى الحقيقي للنّفس.. الرّاحة والرّخاء يفسدان الأطفال “. كما انتقد الشّيخ أيضاً الأمّهات اللواتي يعتمدن على ذواتهنّ قائلاً لإحداهنّ: ” أنا أعلم بأنك تحبّين أولادك، ولكن دعي العناية الإلهيّة تعتني بهم أيضاً “. وقال لأخرى: “لقد كتبت لي عن مرض ابنتك فانتبهي إذن لما سأقول: هل تستطيع أمّ ألاّهل تستطيع أمّ ألاّ تحزن أو تغتمّ لمرض ابنتها ؟ إنّ لها شعوراً إنسانيّا،ً وبحسب شعورها هذا فهي تُعذر، ولكن يجب أن تتذكّري أيضاً بأنك امرأة مسيحيّة تؤمن بالحياة الأخرى، وبالمكافأة التي سننالها لتحمّلنا كلّ المحزنات العارضة لنا إمّا بإرادتنا أو بغير إرادتنا. إذن لا تدعي اليأس يلفّك، ولا الحزن يغلّك كالفرّيسيين أو غير المؤمنين، فمهما كانت آلام ابنتك فإنّها لا تقاس بآلام الشّهداء، وإن كانت كذلك، فثقي بأنّها سوف ترث معهم الفردوس. ويجب ألاّ تنسي بأنّ الآلام الجسديّة تنقّي النّفس، كما يجب أن نعي أيضاً بأنّ الفردوس لا نحصل عليه بدون آلام وأحزان. أنا لا أقول هذا متمنّياً الموت لابنتك، ولكن لكي تعلمي بأنّك مهما أحببتها، فإنّ الله الكليّ الرأفة والرّحمة يحبّها أكثر منك وهو القائل ولو نسيت المرأة رضيعها لا أنساك أنا… من ناحية أخرى أقترح بأن تعترف الفتاة وتتناول القرابين الإلهيّة “.

 

لقد تعرّض الشّيخ حتى لمواضيع الإيمان بين الطّوائف، فقد وردته أكثر من رسالة من البروتستانت والكاثوليك يستوضحون عن المعتقد الصّحيح، فكان الشّيخ يجيبهم بحسب الإنجيل وأقوال الآباء.

 

 

الأسرار التي تخفى عن الشّيخ لم يكن لها وجود، إذ كان يقرأ مكنونات النّفس كما في كتاب مفتوح. مهما تسلّح الزّائر بالصّمت وانزوى في ناحية ما، وراء ظهر الآخرين، فحياته وحالة روحه والدّافع الذي أتى به الى أوبتينو، لم تكن لتغفل عنها عينا الشّيخ الدّاخليتان. أراد الستارتز إبقاء موهبة البصيرة عنده محجوبة عن الأنظار، لذا كان يلجأ إلى سلسلة من الأسئلة يطرحها على من يريد مقابلته، غير أن نهج أسئلته كان يفضح أمر معرفته السّابقة للأمور. وقد يحدث أن يدفعه الحماس فتخونه شفتاه ويكشف ما يعرف دون إرادته. ففي أحد الأيّام أجاب أحد الحرفيين الذي كان يشكو من ألم في يده: “نعم ستؤلمك يدك.. لماذا ضربت أمك؟ ” ثم استدرك منزعجاً وبدأ بأسئلته: ” هل كان تصرّفك حسناً دائماً؟ هل أنت ابن بار؟ ألم تهن يوماً أهلك؟ ” غالباً ما كان الشّيخ يستعمل تلمحيات سرّية وأكثر الأحيان بطريقة فكاهيّة، ليوحي للنّاس بأنّ سيئاتهم المخفيّة معلومة عنده. والشّخص الذي ينظر إليه الشّيخ كان وحده يفهم ما يعني. سيّدة اهتمّت أن تخفي ما عندها من هوى المقامرة الذي تسلّط عليها، سألته مرّة صورة فتوغرافيّة له فأجابها مبتسماً: ” وهل نحن نتسلّى بورق اللعب في الدّير؟ ” إذ ذاك اعترفت له بضعفها على الفور. كما أتته مرّة فتاة شابة، كانت تبدي نحوه كرهاً شديداً وتدعوه “المنافق الهرم”، أتته هذه بدافع الفضول ووقفت قرب الباب وراء الزوّار المنتظرين. خرج إليهم الستارتز وبعد صلاة قصيرة، حدّق جيّداً في الحشد وتوجّه نحو الشّابة قائلاً: “هذه هي فيرا التي أتت لترى المنافق الهرم”. وبعد محادثة طويلة حميمة بدّلت الفتاة رأيها وأصبحت فيما بعد راهبة في دير شاموردينو الذي أسّسه الشّيخ.

 

إنّ نصائح الشّيخ لم تكن تبدو عاديّة أوّل الأمر، ولكنّها كانت تتحقّق بحرفيّتها رغم غرابتها. فقد قصدته مرّة أختان، كانت الصّغيرة منهما حيويّة مرحة، أتت تطلب بركة القدّيس قبل زواجها. أمّا الكبرى فكانت صامتة متأمّلة، أتت أيضاً طلباً للبركة ولكن لدخول الدّير. أمّا الشّيخ فأعطى الصّغرى سبحة رهبانيّة، وأنبأ الكبرى بأنّها سوف تتزوّج في مقاطعة لم تكن قد زارتها من قبل. وهكذا حصل. فعلى إثر خيانة خطيبها، أدركت الصّغرى بطلان الدّنيا وتفاهتها فزهدت بالعالم ودخلت الدّير. أمّا الكبرى فقد تزوّجت بإنسان تعرّفت عليه عندما زارت إحدى قريباتها في المقاطعة التي كان قد حدّدها الشّيخ.

 

وهذه قصّة أخرى تظهر مدى قدرته على معرفة المستقبل: اعتادت أرملة من أسرة عريقة أن تتردّد عليه برفقة ابنتها، التي كانت في سنّ الزّواج، تطلب رأيه فيمن يتقدّمون لخطبة الفتاة. فكان الشّيخ دائماً ينصحهما بالتّريث ريثما يأتي العريس المناسب. أخيراً تقدّم شخص نال إعجاب الفتاة والأم معاً، فقامتا إلى الشّيخ لتسألاه البركة. ولكنّه أوعز إليهما أن ترفضاه قائلاً:” ستحظى بعريس رائع جدّاً، حتى أنّ كلّ معارفها سوف يحسدونها على هنائها، ولكن دعونا نحتفل بعيد الفصح أوّلاً، ففي هذا النّهار ستكون الشّمس مشعّة ومشرقة جدّاً. فلا تنسيا أن تتمتّعا بمنظرها. انتبها وحدّقا جيّداً.  ولما حلّ عيد الفصح ذكّرت الفتاة أمّها بكلام الأب، وفيما هما تحدّقان في الشّمس صرخت الفتاة بأمّها:”أمّي، أمّي إنّي أرى السّيد مرتفعاً بالمجد، سوف أموت قبل عيد الصّعود”. استغربت الأمّ كلام ابنتها إذ كانت تتمتّع بصحّة جيّدة لا تشكو من أيّ مرض. وبالفعل، وقبل عيد الصّعود بأسبوع، أُصيبت الفتاة بألم في أسنانها، انتقلت على إثره إلى الحياة الخالدة لتحظى بالسّيد عروس كلّ نفس عروساً خاصّاً لها.

 

على مدى عصور طويلة، نال موهبة صنع العجائب وشفاء المرضى كلُّ من اتّبع المعلم بطاعة غير مشروطة. في القرن التّاسع عشر نعمت روسيّا بالعديد من القدّيسين الموهوبين بشفاء المرضى، منهم القدّيس سيرافيم ساروفسكي، والقدّيس يوحنّا كرونستادت وغيرهم. وكذا الستارتز أمبروسيوس، فقد منحه الرّب موهبة صنع العجائب بما أنّه كان يعمل جاهداً لتطبيق وصايا الرّب، ولقد اخترنا البعض منها :

 

فها هي إحدى الأمّهات تصف كيف استطاع الستارتز أن ينجّي ابنها من موت مريع قائلة: ” إنّي بفرح كبير وبعميق الاعتراف بالجميل للأب أمبروسيوس رجل الصّلاة، أقر بما يلي: في /27/ من شهر أيّار من عام /1878/ وقع ابننا دمتري البالغ الرّابعة عشرة من عمره فريسة مرض مجهول، إذ كان يعاني آلاماً في الأذنين والرأس والفكّ. وصلت درجة الحرارة حتى الأربعين درجة وأصبح أصمّاً. لقد قضى ليال بكاملها دون أن ينام. ولقد قال لنا الطّبيب المختصّ بأنّ الشّاب يعاني من مرض لا شفاء منه، وإن حصل الشّفاء فسيكون بعد سنين طويلة وما علينا إلاّ بالصّبر. ولكنّ حالة ابننا ازدادت سوءاً حتى كاد يفقد قواه، وكانت آلامه التي لا تطاق تزداد يوماً بعد يوم. فارتأى زوجي أن نذهب إلى بريّة أوبتينو للصّلاة والصّوم وطلب بركة الستارتز أمبروسيوس، عسى الله يمنّ على الشّاب بالشّفاء.

 

وهكذا في /26/ حزيران قصدنا أوبتينو بعد أن تركنا ابننا في عهدة مربّية له. توجّهنا لدى وصولنا إلى الشّيخ وتحدّثنا عن مرض ابننا وعن آلامه المبرّحة طالبين صلواته، فابتسم الستارتز وأجابنا بلهجة لطيفة : “لا تقلقوا، لا تقلقوا كلّ شيء سيكون على ما يرام، إنّما يجب أن نصلّي إلى الرّب، لأنّ صلاة الوالدين تسرّه، فثقوا برحمته وعنايته فتنالوا تعزية من لدنه. وهكذا بقينا في أوبتينو حيث اعترفنا واستعددنا لمناولة القرابين الإلهيّة بحسب إرشاده، وكان دائماً يكرّر لنا القول “لا تقلقوا”، مع أنّ أخبار الولد الصّحيّة كانت في تدهور مستمرّ. وفي الأوّل من تموز بلغنا بأنّ ابننا يحتضر. فأسرعنا بالعودة، وذهبنا نطلب بركة الأب الأخيرة، وعندها أعطاني صليبين، واحداً لي وواحداً لابني قائلاً: ” إنّي أبارك ابنك فصلّي إلى الرّب”. وعند وصولنا وجدنا ابننا فعلاً في حالة يصعب وصفها. ولكنّه وبالتّحديد في /2/ تموز وبعد نوبة مؤلمة، أخلد ابننا إلى نوم عميق، استفاق بعده في كامل قواه وصحّته وعافيته. كيف هذا ؟ لا أعلم. ما أعلمه هو بأنّ دموع الفرح والشّكر لله كانت تنهمر من أعيننا. لقد أخذ ديمتري يتماثل إلى الشّفاء شيئاً فشيئاً. وفي /25/ من شهر آب ذهبنا سويّة مع ديمتري لزيارة أوبتنيو والستارتز أمبروسيوس للشّكر والتّبرك. لقد أكد الطّبيب عافية ديمتري بعد فحص دقيق أجراه له.

 

“فأحضروا إليه جميع السّقماء والمصابين بأمراض وأوجاع مختلفة فشفاهم” ألم يَعِد السّيد تلاميذه بأنّهم سوف يعملون كلّ ما كان يعمله هو؟ حقاً لقد كان قدّيسنا من أخصّاء السّيد، إذ كان يسمع كلمة الله ويعمل بها، لذا شفى الكثيرين ممن أتوا إليه وحتى ممن لم يأتوا إليه أو يسمعوا به أو عرفوه.

 

لقد كان الأب أمبروسيوس يتمتّع بموهبة شفاء الأمراض، ولكنّه كان يرجع فضل الشّفاء لله لا له، كما حصل في هذه القصّة: دخلت إحدى السّيدات إلى قلاية الشّيخ وهي تصرخ قائلة: ” اشفني أيّها الأب أرجوك “. فصاح بها قائلاً :” ليس أنا من يشفي بل الله وسيدة السّماء، فاذهبي وصلّي إليها لتنالي البرء.”

 

لم يشفِ الستارتز من الأمـراض الجسديّة فقط بـل حتى مـن العادات

السّيئة كعادة السّكر مثلاً. فلقد شفى أحد القرويين المعتادين على السّكر، الذي كان يسرق أحياناً المال ليشتري المسكر. لكنّه عندما لجأ إلى الأب أمبروسيوس انحلّ من هذه العلّة السّيئة.

 

كثيرون أيضاً شفوا دون أن يعرفوا الأب شخصيّاً، ولا حتى سمعوا به كما حدث في هذه القصّة: ” كنت متمدّدة على مقعد في غرفتي عندما تولاّني نعاس خفيف، كنت لا أزال معه أشعر بآلام جسدي عندما رأيت وكأنّ باب غرفتي قد فُتح ودخل منه راهب شاب، فسألني: ” ممّ تشكين ؟” فقلت: “آلام في يدي وقدمي وكذلك في الرأس “. فأمسك يدي وقدمي بيديه وضربني ضرباً خفيفاً على رأسي في موضع الألم، فاستدرت نحوه وسألته عن الرّاهب الواقف خلفه فقال لي إنّه الستارتز أمبروسيوس ستارتز أوبتينو، وعندها استفقت على صوت خادمتي تعلن لي موعد الذّهاب إلى الكنيسة.”

 

قبل سبع سنوات من رقاد الستارتز، وضع أساساً لأهمّ أعماله أي تأسيس دير نسائي في شاموردينو التي لا تبعد كثيراً عن بريّة أوبتينو. لقد رأينا كيف أنّ الشّيخ أمبروسيوس كان يعتقد بأن السّلام الحقيقي لا يوجد خارج الأديار، لذلك شجّع كثيراً اعتناق الرّهبنة، وأسّس هو نفسه عدّة أديار في مناطق متعدّدة، كان أهمّها بالنّسبة إليه دير شاموردينو. في الأوّل من تشرين الأوّل من عام /1884/ بارك أسقف كالوغا فلاديمير الدّير الجديد. لقد اختار الأب أمبروسيوس صوفيا ميكايلوفنا رئيسة أولى للدّير، وهي امرأة أرملة لها نحو الخمسين من العمر. ولكنّها كانت تعاني من صحّة سيّئة لذلك رقدت في كانون الأوّل من عام /1888/، وكان الأب أمبروسيوس يقول عنها ” بأنّها قد وجدت دالّة قرب الرّب لصلاحها “. اختار الشّيخ بعدها الأمّ افروسيني وكانت ابنة روحيّة له منذ عام /1860/ . لقد أخذت راهبات الدّير على عاتقهنّ تدوين أقوال الشّيخ وجمع رسائله، وتحت إرشاده كنّ يقمن ببعض الأعمال الاجتماعيّة: كالاعتناء ببعض الفتيات اليتيمات، وتثقيف وتوجيه عدد من الفتيان. كما كنّ يعتنين بالمرضى والمهملين من المساكين. في الصّيف، كان الأب يزور الدّير، وهو المكان المفضّل لديه، ليرى زرعه  قد أنبت إلى أضعاف قبل أن تأتي عليه الثّورة الشّيوعيّة سنة / 1917/.

لقد أصبحت حالة دير شاموردينو تعسة بعد موت الأمّ صوفيا. صحيح أنّ الأمّ افروسيني، خليفتها، كانت امرأة مميّزة، ولكنّها كانت قليلة الخبرة في الأمور العمليّة. وللأسف، لم تكن باقي الأخوات أحسن حالاً منها.  سبّب هذا الأمر حزناً عميقاً للأب أمبروسيوس، فتوجّه إلى الدّير في حزيران سنة /1890/ عساه يريح الرّاهبات قليلاً. هذه هي المرّة الأخيرة التي سيغادر فيها أوبتينو وإلى غير رجعة، إذ ساءت حالته جدّاً ولم يستطع العودة فاضطّر لتمضية الشّتاء في شاموردينو. وكان قد خلّف وراءه كمدبّر لأوبتينو مساعدَه الأب يوسف.

 

كان عام /1891/ العام الأخير في حياة الستارتز، فراح بكلّ ما أوتي من عزم يسعى لكي يؤسّس الدّير على قواعد راسخة. ولكنّه، مع انهماكه بأمور الدّير، لم يكن ليمتنع عن استقبال الزوّار من علمانيين وإكليريكيين رغم تردّي صحّته المستمرّ. ومن الآلام التي كانت تحزّ في نفسه، تهجّم الآخرين عليه وشكوكهم تجاهه لإقامته في دير نسائي، تاركاً ديره أوبتينو. ولمّا تعرّض لسؤال مطران كالوغا عن هذا الموضوع أجابه: “إنّ العناية الإلهيّة هي التي قادتني إلى شاموردينو”. وعندما عرضوا عليه العودة ثانية إلى أوبتينو أجاب: “لن أصل بل سأموت في الطّريق”. ثم أضاف متوجّهاً بقوله إلى أحد الآباء المدعو ثيودوسيوس: ” لن نجد الرّاحة إلاّ عندما سيرتّلون لنا أرح يا ربّ نفس عبدك في راحتك “.

 

في هذا العام بالذّات ساءت صحّته كثيراً، ومع ذلك استمرّ في استقبال الزوّار، وتحسين وضع الدّير الأحبّ إلى قلبه. وهذا كان يتطلّب منه مجهوداً كبيراً، لذا قال ذات يوم: “إنّه لجيّد أن نقف أمام صليب السّيد، ولكنّ الأفضل أن نكون نحن على الصّليب من أجله”. وأيضاً نستطيع أن نلحظ من خلال رسائل الأب أمبروسيوس كيف أنّه كان يعيش جسمانية مستمرّة خاصّة به. ففي رسالة له مؤرّخة في /18/ ايلول /1873/ يقول: ” يا لصحّتي التّعسة، إنّي أعاني من أمراض في المعدة مصحوبة بحرارة ممّا يجعل الأكل صعباً. كما أعاني من ألم في الحنجرة، وكذا من زكام مزمن، ومن روماتيزم في اليد اليمنى التي كثيراً ما تحرمني النّوم، وتجعلني أرسم إشارة الصّليب باليد اليسرى. إنّي أحمل يدي اليمنى بمنديل، لأنّ أدنى حركة منها تؤلمني كثيراً…حالة معدتي اليائسة تمنعني من تناول الكثير من أنواع الطّعام، وكذا أمعائي الضّعيفة بالإضافة إلى آلام الرّأس المصحوبة بالغثيان”. وفي رسالة أخرى مؤرّخة بتاريخ /10/ شباط من عام /1889/ : ماذا أقول عن صحّتي المسكينة؟. إنّي في تأخّر مستمرّ ولم يعد لي قوّة. الجسد كلّه يعاني من الرّوماتيزم مع ألم مستمرّ في المعدة والأمعاء. إنّي أتشجّع عندما أتذكّر القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم، النّور المشع للكنيسة الأرثوذكسيّة، الذي كان دائماً مريضاً ولكنّ هذا لم يمنعه مطلقاً من الاهتمام بأعمال الكنيسة، ومن كتابة مقالاته حول الإنجيل وأعمال الرّسل. كان يشفي الآخرين، وأما هو فقد مات تحت وطأة الحرارة المرتفعة. من المفيد جدّاً أن نتذكّر في ضيقاتنا القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم، الذي رغم أمراضه، لم يكفّ عن الاعتناء بالكنيسة “. كما كان دائم التّأمل في شجاعة القدّيس إغناطيوس الإنطاكي الذي قضى مأكلاً للوحوش، ويستمدّ من مثَله القوّة والصّبر.

 

كان القدّيس يعتبر نفسه خاطئاً كبيراً وأنّه يتألّم بسبب خطاياه. كان يتناول القرابين المقدّسة كلّ أسبوعين أو ثلاثة، فيلجأ قبل المناولة إلى الاعتراف، وها هو الأب – أفلاطون – الذي كان يعرّفه يقول عنه: “إنّه كان يعترف بخطاياه بتواضع ودموع وكأنّه واقف فعلاً أمام منبر المسيح يُحاكم”.

 

لم يقتصر عذاب القدّيس أمبروسيوس على آلام جسده، بل طالته الشّائعات فزادت من عذابه، إذ إنّ صغار النّفوس ممن لم يحظوا بمقابلته، زادوا على تذمّرهم عليه أنّهم نالوا من سمعته مستهجنين إقامته في دير للرّاهبات. وصلت هذه الشّائعات إلى مسامع مطران كالوغا الجديد، فثارت ثائرته، وقرّر أن يأتي هو بنفسه لنقل الشّيخ إلى أوبتينو. ولكنّ هذا الأخير عرف بروح النّبوءة أنّ ذلك لن يتمّ، وبأنّ مجيء المطران سيكون لتجنيزه وليس لنقله حيّاً إلى أوبتينو. وعندما سأله البعض كيف يجب أن نستقبل الأسقف أجاب : “إنّنا لن نستقبله بل هو سيستقبلنا”. وعندما استفسر الآخرون ماذا يجب أن يُرتّل له أجاب: “هللويا”. وطبعاً كان هذا نبوءة عن مراسيم موته ودفنه. وعندما اقترب شهر أيلول من نهايته، أدرك الكلّ أنّ نهاية الستارتز أيضاً باتت وشيكة. فلم يبق من جسده الشّبه المائت سوى عينان صغيرتان تبرقان ببريق الوداعة واللّطف، بينما كانت تعلو وجهه صفرة الموت. أخذت صحّة الشّيخ تتردّى يوماً بعد يوم، حتى كان يوم العاشر من شهر تشرين الأوّل، وهو موعد زيارة أسقف كالوغا، الذي تملّكته دهشة كبيرة عندما علم فور دخوله الدّير بنبأ موت الستارتز، فأردف: “الآن فهمت، لقد دعاني الستارتز إلى إقامة جنازه “. لقد وصل الأسقف تماماً في اللّحظة التي كان فيها الجوق ينشد “هلّلويا”، وعندها تذكّر الجميع كلمات الستارتز بأنّهم سوف يستقبلون الأسقف بترتيلة هلّلويا.

وفي اليوم التّالي قرّر المجمع المقدّس أن يُنقل جسد القدّيس إلى دير أوبتينو ليدفن هناك. وكان ذلك في الرّابع عشر من شهر تشرين الأوّل. كم كان حزن الرّاهبات عميقاً بموت أبيهنّ، ولكنّ حزنهنّ كان أشدّ عندما علمن بأنّ جسده سوف يفارقهنّ. لقد بقي الجسد مسجّى في دير شاموردينو حتى يوم الأحد، وهكذا بدأت أرتال من الزوّار تؤمّ الدّير لتتبرّك، وللمرّة الأخيرة، من الستارتز القدّيس ذي الوجه المضيء. لقد كان الزوّار يتهافتون على أخذ البركة إمّا بمناديل يمسحون بها رفات القدّيس، أو بأخذ نتف من ثيابه، أو حتى بمجرد لمس جسده، كما كانت الأمّهات تحملن أطفالهنّ ليتباركوا من الجسد المسجّى. أُودع الجسد هيكل الكاتدرائيّة، وفي اليوم التّالي، أي يوم الثّلاثاء، في الخامس عشر من شهر تشرين الثّاني، نُقل الجسد إلى كاتدرائيّة سيّدة قازان، حيث احتفل بالذّبيحة الإلهيّة. بعد ثلاثة أيّام، ورغم الجوّ الخانق بسبب الجماهير المحيطة به، لم يفسد الجسد بل أخذت تضوع منه رائحة طيّبة كتلك التي تفوح عادة من أجساد القدّيسين. اشترك في الجنّاز ما لا يحصى ولا يُعدّ من المؤمنين، فكان تشييعه أشبه ما يكون باحتفال كبير سارت فيه الجموع من دير شاموردينو إلى دير أوبتينو حيث استراح القدّيس أمبروسيوس نهائيّاً إلى جانب الأب مكاريوس.

 

لم يتوقّف سيل العجائب بموت القدّيس، فالكثير ممن شربوا من ماء البئر المختص به برئوا من أمراضهم، وظهر هو نفسه لآخرين في الحلم فشفاهم من أمراضهم أو عزاهم في ضيقاتهم.

 

وهذه راهبة ارتدت حديثاً ثوب الرّهبنة تخبر قائلة:” بعد أربعة أيّام من موت الشّيخ، وكان جسده لم يزل في دير شاموردينو، شعرت بكآبة غريبة سيطرت عليّ حتى قادتني إلى اليأس. فقلت: لماذا ياربّ تركني هكذا الستارتز وأنا مازلت في بداية طريقي الرّهبانيّة؟. ثم ما لبثت أن شعرت بنعاس خفيف استحوذ عليّ فنمت، فإذا بي أشاهد الستارتز متوجّهاً نحوي  قائلاً بصوت حازم :” لن أتركك أبداً “. مازلت حتى الآن أسمع صوته وكأنّه حيّ، بينما غرقت نفسي في سلام وهدوء عظيمين “.

 

وهنا رسالة من نيقولا جاكوفليفيتش بعد مرور خمسة أعوام على رقاده: ” كنت مريضاً مرضاً خطيراً وأعاني من آلام مبرّحة في الرّأس والقدمين. وفي /26-11-1896/ أحضر لي والدي نشرة صادرة عن كاهن قريتنا، قرأت فيها موضوعاً قيّماً عن الأب أمبروسيوس فرحت أرجوه أن يشفيني من أوجاعي. وبعد أن صلّيت نمت، وفجأة رأيت نوراً ساطعاً برق أمامي، وسمعت وقع أقدام تتّجه صوبي، وإذا بي أمام رجل ذي شعر رمادي اللون يرتدي منتية رهبانيّة مع صليب على صدره. وإن أردت وصف هذا الرّجل أقول بأنّه كان قصير القامة ذا وجه ناحل من الأصوام، وشعر رمادي اللون مع صوت رنّان. يحمل في يده اليمنى عصا. اقترب من سريري وقال لي: “ياولدي نيقولا قم واذهب سريعاً إلى الكنيسة، وتضرّع إلى القدّيس أمبرسيوس الذي من ميلان وسوف تنال البرء سريعاً “. ثم أخذ يدي وباركني ولمس بعصاه قدميّ فشعرت للحال بالتّحسن يسري فيهما. ثم ناولني شيئاً يشبه الخبز المقدّس، وفجأة شعرت وكأنّ رأسي يُطرق بالمطارق حتى أني خلته قد فارق كتفي، ثم باركني الستارتز من جديد، فقبّلت أنا يده المنيرة سائلاً إيّاه عن اسمه فقال لي: ” إنّي أحمل نفس اسم القدّيس الذي طلبت منك أن تصلّي إليه. إنّي الرّاهب أمبروسيوس من بريّة أوبتينو”. قال هذه الكلمات ثم اختفى. وعندما استيقظت شعرت بفرح غريب، فرحت أخبر أهلي عن أمر شفائي. ولكنّ رؤيته لم تتوقّف عند هذا الحدّ، بل ظهر لي ثانية مؤنّباً وقائلاً: ” كيف يحصل هذا أيّها العزيز نيقولا يا خادم الرّب أن تخفي أعمال الله ورحمته لك؟ لماذا  لم تخبر آباء أوبتينو بأمر شفائك “. وما إن سمعت هذا، حتى توجّهت فوراً إلى أوبتنيو مخبراً الأب يوسف، خلف القدّيس أمبروسيوس، بكلّ ما حصل لي “.

 

وهذه شهادة أخيرة من سيّدة اعترفت قائلة: ” في كلّ مرّة أتناول فيها القرابين المقدّسة كنت أتعرّض إلى نوبات شيطانيّة، أتألّم من جرّائها كثيراً. وعندما شرع أحد الرّهبان في قراءة الإنجيل المقدّس على رأسي، لم أتحمّل ذلك فكسرت المقعد الذي كنت جالسة عليه، وانتزعت بقوّةٍ الصّليب الذي كان يحمله الرّاهب بيده. ولكني عندما وجدت أن الصّلاة لم تنفعني شيئاً، أصبحت غير مبالية بالأمور الدّينيّة، لا بل انحرفت نحو الإلحاد. ثم لجأت إلى طبيب فنصحني باللّجوء إلى أحد المستشفيات النّفسيّة. كنت أتعرّض إلى /80/ نوبة شهريّاً، ممّا أدّى إلى نحولي وفقدان قوّتي، لدرجة أنّي لم أعد معها أستطيع السير. لقد أصبحت النّوبات أكثر تواتراً شهراً بعد شهر، تترك وراءها أثرا نفسانيّاً سيّئاً من الحزن واليأس. إنّي أعاني منذ ثماني عشرة سنة. وعندما تعرّضت لنوبة الحزن الأخيرة، طلبت من أختي أن تصحبني إلى مكان ما في الجبل حيث الطّبيعة الهادئة علّي أستريح. فقادتني إلى أوبتينو. تضايقت عندما وصلت سيّما وأنّي لا أعرف أحداً هناك. ولكن مرّت الأيّام، وأخذت أحياناً أتردّد إلى الكنيسة، غير أنّي لم أستطع البقاء فيها مدّة طويلة. وفي /10-7-1905/ ألهبتني رغبة غريبة في مطالعة سيرة الأب أمبروسيوس، فطلبتها من المسؤول عن دار الضّيافة، وأخذت اقرأها حتى ساعة متأخّرة من الليل. وعندما كنت أقرأ كنت أحسّ بعذوبة غريبة تتغلغل في أعماقي. إنّه شعور لم أعرفه أبداً من قبل، فصمّمت أثناء القراءة على الذّهاب إلى مثوى الأب أمبروسيوس لأتضرّع إليه هناك.

 

وفي الغد طلبت من أحد الرّهبان أن يصلّي معي على القبر وبينما كنت أنتظره أخذت أجهش في البكاء. كنت أبكي بمرارة وكأنّ عينيّ غدتا ينبوع مياه لا يتوقّف. لقد بقيت أبكي طيلة النّهار دون توقّف، ثم لجأت بعدها إلى سرّ الاعتراف حيث اعترفت بكلّ ضعفات نفسي، كما أخبرت الراهب عن مرضي، وطلبت منه أن يصلّي من أجلي. وعندما منحني صلاة الحلّ شعرت بضعف هائل في جسدي ولكنّ نفسي هدأت وكففت عن البكاء. وفي اليوم التّالي تناولت القرابين المقدّسة بكلّ هدوء. وهكذا، وبعد عام من هذه الأحداث، ها أنذا وكأنّي قد وُلدت من جديد، ولم أعد أتعرّض لأيّة نوبة حزن أو يأس، ولم أعد نزقة في تصرّفاتي مطلقاً. لقد ملأني الإيمان بالله وذكر الحياة الأبديّة. نعم إنّي أؤمن أنّ صلوات الأب أمبروسيوس جعلت الرّب يترّأف بي ويعتقني من الحالة الشّيطانيّة التي عانيت منها طيلة ثماني عشرة سنة.

 

وهذه راهبة، من دير شاموردينو، تقصّ علينا حلمين يتعلّقان بالستارتز القدّيس فقالت: ” قبل رقاد الأب أمبروسيوس بوقت قليل، رأيت حلماً وكأنّي في بستان صغير حيث كانت توجد أشجار كبيرة، كانت أوراقها تهتزّ وكلّ ورقة تصلّي بدون انقطاع صلاة يسوع (ربّي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ). كان يوجد في البستان هيكل جميل يشعّ لمعاناً، فدخلته

لأجد بأنّ قبّته لم تكتمل بعد، فسمعت صوتاً يقول:”هذا المسكن يُهيّأ للستارتز أمبروسيوس وقريباً سوف يكتمل”. وبعد موت الستارتز، رأيت دفنه في الحلم إذ شاهدت أربعة ملائكة متمنطقين بالأبيض اللامع، حاملين في أيديهم الشّمع والبخّور. فسألتهم: “لماذا يجب أن تقيم هذه الكائنات المنيرة قرب تابوت الستارتز ؟” فأجابوني: ” بسبب نقاوته “. ثم رأيت أربعة ملائكة أُخر ينزلون وهم لابسون ثيابا حمراء، وكانت ثيابهم تفوق  ثياب الأوّلين لمعاناً، فطرحت عليهم أيضاً سؤالي نفسه فقالوا: “هذا بسبب شفقته ورحمته لأنّه أحبّ كثيراً “. ثم رأيت أيضاً أربعة ملائكة ينزلون مرتدين الأزرق بجمال لا يوصف. فسألتهم للمرّة الثّالثة فقالو لي: “لأنّه تحمّل الكثير في حياته وحمل صليبه بصبر كبير.”

لقد كان الأب أمبروسيوس مربّياً، وباتّباعه المسيح اعتبر أنّ التّعليم بالمَثل هو الطّريقة المثلى للتّعليم والوعظ وهذه بعض من أقواله وتعاليمه:

 

* يجب أن نعيش على الأرض كمثل دولاب دائم الدّوران، فكلّما كان التصاق الدّولاب بالأرض خفيفاً، كلّما كانت سرعة جريه وتقدّمه أكبر. أمّا نحن، فعلى العكس، نودّ أن نبقى ملتصقين بالأرض بطريقة يصعب معها رفعنا عنها.

 

* أن تعيش ببساطة يعني ألاّ تدين أحداً وألاّ تحكم على أحد. مثلاً: إن مرّ أمامنا شخص فلننظر إليه ببساطة على أنّه شخص مارّ أمامنا فقط. أمّا إن أخذنا نتفحّصه ونصف شخصيّته ونقول عنه إنّه كذا وكذا فهذا يعني أنّنا لسنا بسطاء.

 

* للمجد الباطل والكبرياء نبع واحد إلاّ أنّهما يختلفان في بعض النّقاط. كلاهما شَرِهٌ تجاه المديح. من أصابه المجد الباطل يتنازل أمام الآخرين بغية إرضائهم وبالتّالي نيل مديحهم. يفتخر بجماله وجاذبيته فينتفخ رغم ضعفه، ولكن إن لم يكن له ما يفتخر به، فهو يتملّق النّاس موافقاً آراءهم بقوله: “صحيح، صحيح” ولو لم يكن مقتنعاً بما يقوله تمام الاقتناع.

 

أمّا من كانت الكبرياء شيمته، فتفوح منه رائحة احتقار الآخر. فإن كان رأيه مسموعاً في محيطه وله بعض التّأثير، يرفع صوته ويصرخ ويجادل ويعترض ويُصرّ على رأيه الخاص. أمّا إذا لم يكـن من أصحاب المشورة،

فإنّه يسخر من الآخرين وينتقدهم في ثورة من الغضب، ولو استطاع نهشهم

لفعل.

إن بحثت جيّداً، وجدت أنّه حيثما كان هناك انقسام وعدم اتّفاق، يكون المجد الباطل والكبرياء هما السّبب، لأنّ الحسد والكره والغيرة إنّما هم من ثمار هذين الألمين.

 

* إنّ الأنانية هي جذر كلّ الشّرور.

 

* عندما تكون مضطّرباً، إلجأ إلى قراءة الإنجيل. إقرأ بصوت منخفض.

إقرأ ولو لم تفهم، فإنّ كلمات الرّوح القدس تطرد الحزن بعيداً.

 

* (كتب ردّا على إحدى الرّسائل): بما أنّ أفكار اليأس توحي إليك بأن لا خلاص لك، إذ إنّ توبتك سطحيّة جدّاً إذا ما قورنت بثقل خطايك، وعليك بالتّالي أن تقدّم كفّارة توازي آثامك لتنال الغفران. اسمع ما سوف أقوله لك. إنّ كلمة كفّارة لا توجد في قاموس الكنيسة الأرثوذكسيّة، بل قد تسرّبت إليها من الكنيسة الغربيّة. أمّا إيماننا القويم الصرف فهو التّالي: إن أخطأ إنسان مسيحي، عليه أن يحتمل ألماً وقتيّاً لينجو من العذاب الأبدي. ويكون هذا الألم خفيفاً إذا ما قورن بخطاياه، سواءً أكان مرضاً أو حزناً أو ذلاً، لأنّ رحمة الله هي التي تخلّصه إذ تسدّد ما تبقّى من دينه. لقد كان اللّص الشّكور لصّاً لمدّة ثلاثين سنة، وكان عليه بالمقابل أن يحتمل التّعليق على الصّليب مع كسر الرّجلين مدّة ثلاث ساعات فقط. إنّ هذا الألم قاسٍ جدّاً ولكن هل هو كفّارة كافية عن ثلاثين سنة من الإجرام؟ بالطّبع لا، أحكم أنت بنفسك.

 

* كلّ خاطئ تائب مات ولم يتسنَّ له أن يقدّم توبة إختياريّة، إن كان بالصّوم

أو الصّلاة والمطّانيّات أو بتحمّل مرض طويل الأمد أو أحزان أخرى، علينا أن نذكره في الذبيحة الإلهية لينجو من  العذاب المؤبّد.

 

صلاة في بداية النهار

(لآباء برية أوبتينو )

 

*ساعدني يارب، أن أواجه كل ما سيحمله لي هذا اليوم الحاضر بسلام.*

* أعنّي أن أستسلم بكلّيتي لمشيئتك القدوسة.*

* في كل ساعة من ساعات هذا النهار أنرني وقوّني في كل أمر.*

* علمّني أن أتلقى كل جديد يأتيني به هذا اليوم بهدوء وقناعة راسخة أن لا شيء يحدث إلا بسماح منك.*

* قوّم أفكاري وأحاسيسي في كل ما أعمله وأقوله.*

* وإن صادفني في هذا النهار أمر غير مرتقب

لا تدعني أنسى أنه آت من لدنك.*

* علمّني كيف أتصرف بصدق وحكمة مع المحيطين بي

حتى لا أحزن أو أضايق أحدا.*

* أعطني يا رب القوة لأحتمل عناء هذا النهار مع كل ما سيحمله لي.*

* وجّه أنت إرادتي وعلمّني أن أصلي واؤمن وأصبر وأسامح وأحب.*

آمـيـن

 

 

 


  • § من مجددي الرهبنة في البلاد السلافية وحتى الروسية. أعلنت الكنيسة الروسية قداسته عام 1988.