القديس غريغوريوس النـزينـزي (اللاهوتي)

القديس غريغوريوس النـزينـزي (اللاهوتي)
إعداد الأب باسيليوس الدبس

– حياته:
تنتمي عائلة غريغوريوس إلى العائـلات الملاّكة الكبيرة والغنية وكانت تسـكن في بلدة تسـمّى “ARIANDOS – Ariandos” بالقرب من البلدة الصغيرة نزينـز .
والدته (نونـا[1]) كانت مسيحية، أما والده غريغوريوس[2]، حاكم المدينة الأول ، فكان ينتمي في بدء حياته إلى فـرقة تسمى”YPSISTARION – Uyistarion”[3] وهذه الفرقة كانت تمزج العناصر اليهودية والوثنية، إلا أن الزوجة جذبت الزوج إلى المسيحية فاعتمد ولعله اخذ أيضاً اسم غريغوريوس في المعمودية وسقّف فيما بعد على نزينـز، وإلى غريغوريوس أنجب الزوجان الفاضلان بنتاً وصبياً وكلاهما قديس : غورغونيا (يعيّد لها في 23 شباط) و قيصر ( يعيّد له في 25 شباط).
هناك اختلاف في تحديد سنة ولادة غريغوريوس الإبن لكن العلماء يرجحون انه وُلد في الوقت الذي كان فيه أبوه اسقفاً ولذلك قد تكون ولادته عام 328م.

أحب غريغوريوس منذ صباه العلم وتلقى علومه الأولى على يد أقربائه المتعلمين ثم انتقل إلى قيصرية كبادوكية حيث تولى تنشئته كارتيريوس الناسك، الذي ترأس فيما بعد أديرة إنطاكية ، ومن ثم إلى قيصرية فلسطين وكان دائماً يدرس مع أخيه قيصر الذي اصبح طبيباً.
ثم ذهب إلى الإسكندرية وتعرّف إلى القديس اثناسيوس وانطونيوس ولعله سمع محاضرات ديدموس الأعمى وفي الإسكندرية ترك أخاه قيصر وانطلق إلى أثينا وفي البحر ثارت عاصفة هوجاء وهددت حياة الركاب فقرّر في ذاته أن ينفِّذ الوعد بأن يدخل في سلك الكهنوت مقدماً ذاته هبة لصانع الأرض والبحر.
ولما وصل إلى أثينا التقى من جديد بصاحبه باسيليوس ومع أنهما لم يتلقيا المعمودية في ذلك الوقت فإنهما انصرفا إلى الحياة الروحية والحياة العلمية وما عرفا إلا طريقَين ،واحدة تقود إلى الكنيسة وواحدة إلى الجامعة وهناك ألّفا أول رابطة طلابية مسيحية في العالم. يصف غريغوريوس علاقته بباسيليوس فيقول شعراً:
“فكل الأشياء مشتركة والنفس واحدة تنقصها (لا يفصلها إلا) بُعد الأجساد للإثنين”
“ta panta men di koina kai yhch mia duoin deousa swmatwn diasta_sin”

في أثينا تابع دراسة الخطابة والفيلولوجيا ،ولمهارته في هاتين المادتين أُختير ليكون أستاذاً فيما بعد في أثينا ، مما لم يسمح له بأن يغادر مع باسيليوس كما اتفقا وهما على مقاعد الدراسة. وقبل أن ينهي سنتين من التعليم أحسّ بالحنين إلى الوطن فترك عائداً إلى وطنه وهذا يعتبر الهروب الأول في سلسلة الهروب الذي مارسه.
وعند وصوله إلى نزينـز بدأ عمله هناك أيضاً كأستاذ للخطابة .ولكن ضجّة الحياة في هذه المدينة لم تناسب شخصيته المُحبَّة للهدوء والسكينة. ففضّل العيش بعيداً عن العالم وهذا كان هروبه الثاني.
فتنازعت في داخله أمور عديدة ، لكن الميل الأكبر كان للتوحّد أكثر من الخدمة في المجتمع أو في كنيسة العالم.

حاول كلٌ من غريغوريوس وباسيليوس أن يجذب الآخر إلى مملكته وأرضه، فوافق في بادئ الأمر باسيليوس على البقاء مع غريغوريوس لكن في النهاية جذب باسيليوس صديقه إلى ممتلكه الخاص قرب نهر ايريس في البنط، وهناك درسا اللاهوت معاً على أساس مؤلفات أوريجنس فوضعا الفيلوكاليا والقوانين الرهبانية، لكنهما اختلفا في نقاط معينة، فباسيليوس كان مؤيداً للعمل “Praxis” وغريغوريوس للنظر “Qewria” .فترك غريغوريوس البنط عائداً إلى وطنه.

عند عودته وجد أن أباه وبسبب شيخوخته ، واهتدائه المتأخر إلى المسيحية، وقّع دستوراً نصف آريوسياً عن جهل ، فقرر الإبن أن يساعد أبيه ، فأقنعه أن يوقّع دستوراً آخر أرثوذكسياً.

الأب لم يرضى بعد هذا الحدث أن يكون أبنه مجرّد مساعد بل أراده كاهناً لله العليّ فرسمه في أواخر سنة 361م[4]. لكنه أيضاً هرب ولجأ إلى رفيق الدرب وهناك دوَّن كتابه الشهير “في الهرب”. وبقي عنده بضعة أشهر (لعيد الفصح)، بعدها أقنعه باسيليوس بالعودة، فعاد لتقع مسؤولية العمل في نزينـز عليه.
بقي هناك عشر سنوات استطاع أن يعيد أبناء الرعية الذين تركوا الكنيسة بسبب توقيع أبيه الدستور الآريوسي.وعندما أبعد الإمبراطور يوليان المسيحيين عن التعليم المسيحي وفرض التعليم الوثني في المدارس، حينها وضع غريغوريوس عدّة مؤلفات وكتب الشعر لينشر التعليم المستقيم الرأي.

بعد موت افسافيوس انتخب باسيليوس اسقفاً على قيصرية بمساعدة والد غريغوريوس، فبدأت مرحلة جديدة في حياة غريغوريوس اللاهوتي عندما رسمه باسيليوس اسقفاً عن طريق الضغط سنة 372م. وهذه المرحلة كانت صعبة في حياته لأن باسيليوس كان يعمل على أساس مخطط لمقاومة تقسيم كبادوكية لذلك اختار غريغوريوس اسقفاً على ساسيما “Sasima” وهذه المنطقة كانت تقع تحت دائرة السلطة[5].

عارض غريغوريوس الإنتخاب لأنه:
أولاً: لا يريد أن يكون أداة للصراع الناشب بين باسيليوس والإمبراطور لتقسيم المنطقة.
وثانياً: لأنه لا يحب لأن يقيم في منطقة صاخبة وثالثاً لأن المسؤولية الإدارية غريبة عن صفاته.

رغم كل معارضته رُسم أسقفا وأعلن في العظة عن قبوله لتسلّم المسؤولية رغم التعبير عن حزنه وأسفه لهذا الإنتخاب. زار ساسيما دون أن يبقى فيها وفشلت كل المحاولات لإقناعه بالعودة اليها. عندما رقد والده البالغ المئة من العمر(سنة 374م) ووالدته بعد بضعة أشهر من ذلك، أدار أبرشية أبيه، وعندما أدرك أنه سينصّب عليها اسقفاً ترك المكان إلى دير القديسة تقلا حيث بقي سنوات.

في عام 378م قتل الإمبراطور الآريوسي فالنس في معركة أدريانوبوليس فدُعي غريغوريوس إلى القسطنطينية لمقاومة الآريوسية[6] المستفحلة في البلاط والجيش.

في القسطنطينة كان المؤمنون المستقيمو الرأي يجتمعون في كنيسة صغيرة ، بسبب استفحال الآريوسية وسيطرتها على أغلب الكنائس، هناك بدأ غريغوريوس يلقي عظاته فتزايد عدد المؤمنين شيئاً فشيئاً[7].
وهناك ألقى غريغوريوس كلماته اللاهوتية الخمسة “في الثالوث” والتي لاقت استحساناً من الشعب لدرجة أنهم كانوا يصفقون له في الكنيسة عندما كان يلقيها والتي بسببها سُمِّيَ بـ”اللاهوتي”، وبما أن هذه الكنيسة أقامت الكلمة الإلهية دُعيت بـ “كنيسة القيامة – Anastasia”.

كل هذا لا يلغي أن صعوبات عديدة واجهت قديسنا الكبادوكي في القسطنطينية منها أن صديقه الفيلسوف مكسيموس الكلبي قد جاء إلى القسطنطينية واعتمد فرسمه غريغوريوس كاهناً لكن مكسيموس كان يعمل بالخفاء لأجل أن ينصّب نفسه بطريركا، وقد ساعده في ذلك تيموثاوس بطريرك الإسكندرية.
في عشية عيد الفصح، عام 379م، هجم جماعة من الآريوسيين على كنيسة “القيامة” ورجموها بالحجارة.
في عام 380م دخل الإمبراطور ثيودوسيوس الشرق فخلع الأسقف الآريوسي ديموفيلوس وأعلن الإيمان الأرثوذكسي في الإمبراطورية وسلّم غريغوريوس الكنيسة الرئيسة في القسطنطينة. وأراد الإمبراطور أن يجعل من غريغوريوس بطريركاً على المدينة لكن هذا الأخير رفض معتبراً نفسه غير مستحق لهذا المنصب. لكن في 27 تشرين الثاني من السنة نفسها أُدخل غريغوريوس إلى كنيسة الرسل القديسين كبطريرك القسطنطينية.

بعد عام واحد (أيار 381م) التأم المجمع المسكوني الثاني[9] وأعلن غريغوريوس بطريركاً للقسطنطينية وسُلِّم رئاسة المجمع المقدس الذي ضمَّ 150 من الآباء الشرقيين (الغرب لم يمثّل لكن وافق على مسكونية المجمع فيما بعد).
لاحظ غريغوريوس ردّة فعل أساقفة مكدونية والإسكندرية تجاه تنصيبه بطريركاً على القسطنطينية “الذي حدث دون الأخذ برأيهم” لأن موافقة آباء المجمع على تنصيبه حدثت قبل وصولهم، لذلك وقبل انسحابه من المجمع ألقى خطاباً مهماً يعتبر من أمهات الأدب الخطابي، دافع فيه عن وجوده في القسطنطينية كأسقف عليها، ومن ثم ترك رئاسة المجمع لخلفه في الأسقفية نيكتاريوس.

بعد تركه المجمع انتقل إلى قيصرية ومن هناك إلى نزينـز ليدير شؤون الكنيسة التي بلا راعي إلى أن انتخب إبن عمه إفلاليوس اسقفاً عليها سنة 383م.
بعدها عاد لينشد الهدوء والسكينة، فسكن في مكان قرب الدير الذي أنشأه في منطقة أرينـز وبعد ذلك انسحب إلى كهف جبلي مساكناً الوحوش والضواري.هناك الّف قسماً من شعره وكتاباته لمواجهة الهرطقات إلى حين رقاده سنة 390م. بعدما أوصى بكل ما يملك لفقراء كنيسة نـزينـز[10].
تعيّد له كنيستنا في 25 و30 (مع الأقمار الثلاثة) كانون الثاني. الكنيسة القبطية في 4 تشرين الأول وتنسب إليه القداس الغريغوري المستعمل لديها، والكنيسة الغربية تعيّد له في الثاني من كانون الثاني.

– مؤلفاته:
أمضى غريغوريوس حياته يتحدث ويكتب وكانت مصنفاته عميقة وقلبية، وكتاباته تميّزت بالسمو والقوة والحرارة والخيال الخصب، ومعرفته بالخطابة والبلاغة جعلته خطيباً من الدرجة الأولى من حيث الصور والأمثال والاستعارة، حتى أنه كذّب المثل الشائع في عصره والقائل : “إنه يستحيل على المرء أن يجد خطيباً أو غراباً أبيضاً في كبادوكية”.
.وبعد رقـاد القديس باسيليوس الكبير في 1/ك2/ 379م أصبح غريغوريوس الناطق الرسمي[11]، البارز، في آسيا الصغرى من أنصار مجمع نيقية ودُعي آنذاك بـ “معلّم المسكونة”.

يمكن تقسيم مؤلفاته إلى ثماني فئات:
1. تجاربه المثيرة (الدفاع عن إعتزاله في البنط ، حيث يصوّر ببراعة مثال الإكليركي. “من هنا نهل الذهبي الفم ليكتب عن الكهنوت”).
2. إدارة الكنيسة.
3. مقاومة الآريوسيين: -يصف الآريوسيين فيقول:

“طُعم محلّى للبسطاء يخفي شصّ التجديف
وجه جذّاب يتلفت يميناً ويساراً ليوقع بالعابرين!،
حذاء لائق لكل قدم!، بذور تبذر في كل ريح!،
كتابات اكتسبت قوتها من دناءتها وتحايلها ضدّ الحق،
كانوا حكماء في صنع الشرّ، ولكن في الصالح لم يكن لهم معرفة أو نصيب”[12]
4. كلمات أُلقيت في الأعياد: (في الفصح، الظهور الإلهي، العنصرة، أحد توما).
5. كلمات اجتماعية وخلقية.
6. مدائح.
7. تأبينية : (أخيه قيصر، أخته غريغوريا، أبيه غريغوريوس، باسيليوس الكبير).
8. الكلمات اللاهوتية.

في الكلمات اللاهوتية الخمس يقاوم اعتقادات القائلين بعدم التشابه بين الآب والإبن. في الأولى، يتحدث عن حدود التكلم باللاهوت بطريقة سليمة، فيشدد على الإيمان والطهارة وعجز الجدالة (dialctique). في الثانية، يشدد على أن في العالم نشاهد عظائم الله فقط. في الثالثة، والرابعة يحارب مخلوقية الإبن عند آريوس. وفي الكلمة الخيرة يؤكد أن الروح القدس سرمدي كالإبن والآب.

– رسائله:
كتب غريغوريوس رسائل عديدة وصلنا منها 245 رسالة أكثرها شخصية، وقد تبادل الرسائل ليعبّر في الدرجة الأولى عن أفكاره ومواقفه وليجيب أيضاً عن حاجات كنسية واجتماعية. هذه الرسائل صورة صادقة عن إنسان شريف لا يتردد في قول الحقيقة. تتحلى رسائله بالإيجاز والتماسك والجمال.

– شِعره:
تنسب إليه أكثر من 400 قصيدة، كتب الشعر ليعبّر عن إحساسه وخبرته وليقدم للشباب ومحبي العلم والقراءة وليظهر أن المسيحيين لا ينقصون بشيء عن الوثنيين، وليقاوم قرار يوليان ويواجه شعر أبوليناريوس وتعاليمه.
قصائده تعبّر عن نفس دقيقة تطلب الراحة في أحضان الله. قصائده كلاسيكية في لغتها أيّ أنه يستعمل لغة يونانية قديمة جداً (لغة هوميروس)[13]، وشعره مصدر مهم عن حياته.
كتب غريغوريوس اللاهوتي معظم أبياته في أرينـز في سنواته الأخيرة حفظ منها 18000 بيت ذات فحوى عقدي، أخلاقي، تاريخي.

– مسرحيته:
ترك لنا القديس مسرحية بعنوان “صبر المسيح” وهي اقدم مسرحية مسيحية وصلتنا. أشخاص المسرحية البارزون هم يسوع والعذراء مريم ويوسف ومريم المجدلية ونيقوديموس وبيلاطس البنطي.

– “في الهرب”:
يبدأ غريغوريوس كتابه في الهرب بقوله أن افضل مثال للراعي هي سيرة يسوع الناصري الذي بذل نفسـه من أجل الآخرين وهذا يتطلب جهاداً في الصلاة والإغتذاء من الكلمة الإلهية. ينكب الكاهن على الكتب المقدسة فتفيض منه ينبوع حياة فيشفي ويعزّي ويخلّص.
يقول: “أنا لم أتوار في برية البنط، سوى لأنني غير مؤهَّل لسيرة قداسة مثل هذه وخوفاً من أن أُعثر الرعية إن قبلت كرسي الرعاية وأنا بعد لم أسلّم نفسي كلياً للمسيح، تواريت لأُسلِّم ذاتي للذي أَحَبَني، ليقدسني هو بنعمته، يعلمني كيف أصمت في الكنيسة وأكلّم نفسي والله (1كو 28:14) إلى أن أُمنح موهبة النبوة. أُصمت فيَّ كل اهتمام دنيوي، أُغلق أبواب حواسي وشهواتي لأنمو في النعمة فأستحق أن أكون مرآة صافية تعكس وجه السيد للآخرين.

ثم أنني خشيت إن تقبّلت المسؤولية قبل أن أدع السيد نفسه يؤهلني لها، خشيت أن أسير في خطى البعض الذين يُقبلون إلى خدمة المذبح بلا استحقاق كأن هذه الخدمة باب للارتزاق، وكأنها سلطان عوض أن تكون مثالاً للفضيلة يجتذب الآخرين بالمحبة (1بط 2 : 5) … إن أقبل أحد إلى الكهنوت، عليه أولاً أن ينقَّى بالنار مثل المعدن الثمين (1كو12:3). حياة الفضيلة أمر شاق ولكن مَن أقدم على خدمة القدسات من دون أن يقدِّس ذاته فهو لا يجلب فقط دينونةً لذاته بل دينونةً للآخرين أيضاً.

كيف نطبب الآخرين من دون أن نشفى نحن أولاً؟ ثم ماذا نقدّم للآخرين إن لم نُعط من عند الآب أن نتقدّم بالفضيلة؟ لا يكفي أن نبتعد عن الشرّ، علينا أيضاً كما يوصي الكتاب أن نسعى لفعل الخير.

العمل الرعائي يشبه عمل الطبيب ولكن النفوس تقاوم شفاءها لأن المرض الروحي خفي على خلاف الأمراض الجسدية ولأن الكاهن يستهدف ليس فقط حفظ الصحة واستعادتها ولكنه يسعى ليؤلِّه كل من يأتي إلى المضيف الإلهي. ثم أن الكاهن الطبيب يعالج نماذج مختلفة من البشر، من هنا عليه أن يغيّر اسلوبه وفقاً للزمن والظروف. البعض يعالجون ببسط العقيدة لهم وآخرون بحاجة إلى مثال حيّ يتبعونه، البعض بحاجة إلى رأفة وآخرون بحاجة إلى صرامة، البعض بطيئون في الفهم وآخرون يلتهمون التعليم التهاماً، البعض يبنون بالمديح وآخرون بالتأنيب، البعض بحاجة إلى احتضان وآخرون ليسوا بحاجة إليه، للبعض نضع لهم حدوداً ولآخرين نترك ملء الحرية. كل حسب شخصيته وظروفه ومجتمعه.

الراعي هو أمام آلة موسيقية لها عدّة أوتار ، عليه أن يضبط الأوتار فتتناغم معاً وتتوافق في لحن شجيّ.

الكاهن لا يُصنع بيوم واحد لما يقولب الخزاف إناء الخزف ، الكاهن يكتسب مهارة في الرعاية بفضل الممارسة والخبرة.

لا يجوز للكاهن أن يكون جاهلاً ولكنه أيضاً لا يتعلّم بحشو المعلومات وبنظريات لاهوتية فقط، فالرجاء بالجاهل أكثر من المحشو علماً (مع كبرياء)، الكاهن معلّم وشارح للكلمة وعليه أن يكتسب مهارة التعليم أي أن يحرر الناس من أفكارهم المسبقة ، عليه أن يهدم ما في النفوس ومن ثم يبني النفس ليقودها إلى صورة المسيح . فشفتاه تذرّان بالمعرفة الإلهية لأن الرب يضيء سراجه وبه يقتحم جيوشاً وأعضاؤه تصبح أداة بيد الله…”[14].

تعليمه
– الإيمان والعرفان:
يوصف الآباء الكبادوكيون بأنهم أفلطونيو المذهب لكن إذا درسنا فكر غريغوريوس فإننا نكتشف في النهاية أنه ليس أفلاطونياً ولا أرسطياً ولا رواقياً، أخذ من الأفلاطونية “العقاب” كوسيلة تربوية، وأخذ مبدأ التطهير ووجود عالمين مادي وروحي واعتبار الإنسان بأنه “عالم صغير – Mikrokosmos” واستعمل ألفاظاً رواقية مثل الفضيلة والرذيلة والألم والإمساك وأخذ من أرسطو بأن الله هو المسبب الأخير للكون.

لا يواجه غريغوريوس العرفان وكأنه قائم بذاته إنما يواجهه مواجهة اختيارية لأن العرفان لا يمكن أن يكون خالياً من التناقض والأخطاء. هناك عناصر إيجابية في العرفان لكنها لا تكتمل إلاّ بالكشف أي بالإعلان الإلهي. المشكلة ليست مشكلة العرفان بحدّ ذاتها إنما مشكلة الاختيار الموفّق له، واستخدامه الاستخدام الصحيح.
بناءً عليه، لا يعتبر غريغوريوس أن الفلسفة ضرورية بشكل مطلق فأحياناً الإنسان البسيط يكون مغتبطاً في حياته أكثر من الفيلسوف.

المسيحي البسيط هو فيلسوف، لأن العرفان الذي بحسب العالم يقاوم صليب المسيح،ولذلك فالفلسفة الحقيقية هي الفلسفة بحسب المسيح. بالتعليم المسيحي لا يكتمل العرفان المسيحي فقط إنما تكتمل أيضا حكمة العهد القديم التي كانت تستند إلى الخوف، بالإعلان المسيحي تتجاوز الحكمة الخوف وترفعه إلى المحبّة، تجعلنا أصدقاء الله وابناءه بدل أن نكون عبيداً: “الحكمة التي بالمسيح يسوع أعظم من حكمة أهل هذا الدهر، حكمة المسيح نتشربها من خلال العيش في التقليد الشريف الذي يكشف لنا الحقيقة الأزلية المعلنة في الكتاب المقدس”.

المقياس الأخير ليس الإستدلال المنطقي إنما الوجود بحد ذاته، فالإنسان الذي يقوده المنطق فقط هو إنسان ارضي لأن العقل لا يحرر الإنسان ولا يقدّم له الحقيقة كاملة. الإيمان وحده يكمّل الإنسان ويجعله قادراً على رؤية الواقع الساقط. عندما يستنير العقل بقوة الإيمان يعي ما هو فوق العقل ويدرك جهله لذلك قال: “ليقِدْنا الإيمان أكثر من العقل”.

– معرفة الله: “معرفة الله ممكنة لكنها محصورة بأنقياء القلوب”
تتميز معرفة الله بشَكلَيْن : معرفة طبيعية ومعرفة فوق الطبيعية. مصادر الكشف الطبيعي هي الطبيعة والتاريخ ووعي الإنسان. والعرفان الذي يجيء من الكشف الطبيعي هو عرفان ناقص لأن الله البسيط واللامحدود يبقى غير مدرك، فعقل الإنسان يحاول أن يدرك الله بالجمال وبالتنظيم الذي يراه في الخليقة. لذلك تتعلّق معرفة الله الطبيعية بخصائص عمل الله، أما العرفان فوق الطبيعي فهو أسمى لأن الإيمان يدعمه.

اللاهوت ليس منهجاً عقلياً ولا يمكن أن يُحدّ ضمن الجسم العقلي ولذلك على الإنسان أن يُعيد صياغة فكره وأحاسيسه من خلال علاقته بالله، ومع ذلك فهو لا يتكلّم باللاهوت في شؤونٍ تخصُّ جوهرَ الله إنما فيما يدور حول الله أي أعمال الله وقواه.

الله لا يدرك بالعقل فما هو مدرك فيه هو لامحدوديته، يمكن أن يقول الإنسان عن الله أنه غير مدرك، لا بدء له، لا مولود، أي أن يظهر ما هو ليس الله[15].

عمل اللاهوتي محدود بطبيعة بحثه وبقناعته بأن معرفته لا تكتمل، حتى بولس الرسول أكّد على عدم الإدراك الكامل لله، يقول غريغوريوس: “إيليا كما نعرف من التاريخ لم يرَ طبيعة الله بل ظلالها، وبولس الرسول إذا كان يستطيع أن يعبّر عما رأى وسمع في السماء الثالثة، وبالصعود حتى ذلك المكان يمكننا أن نعرف شيئا أكثر عن الله، فلماذا لم يخبرنا عما هنالك إذا كان يعرف شيئاً من غاية الاختطاف؟
ذلك لأن بولس نفسه لم يدرك شيئاً. بل ترك لنا أن نكرّم بصمت ما عاينه وذكره، أي انه سمع كلمات سرية لا ينطق بها … إننا كمن يحاول أن يغرف ماء البحر بالوعاء … بكلامي حاولتُ أن أُبرهن أن العقل لا يستطيع أن يدرك طبيعة الملائكة فكم بالأحرى طبيعة الله التي تفوق كل شيء؟ له المجد والإكرام إلى أبد الدهور آمين”[16].

تكلّم غريغوريوس كثيراً عن الثالوث وقال أن الله واحد في ثلاثة أقانيم وإن هذه الأقانيم تتميز عن بعضها، فالآب مساوٍ للإبن دون أن يعني ذلك أن الابن هو الآب. الآب هو علّة الوجود، علة وجود الإبن وهو علّة انبثاق الروح القدس، وإن ما للآب هو للإبن والروح القدس : “لنا ربٌ واحدٌ الآب، الذي منه كل شيء، وربّ واحدٌ يسوع المسيح الذي به كل شيء، وروح قدوس واحد فيه كل شيء”[17].

ويشهد غريغوريوس كما باسيليوس وأثناسيوس (والدمشقي فيما بعد)، أن النشيد المثلث التقديس لا يقال في الإبن فقط بل في الثالوث الأقدس، فإن السارافيم القديسين في تقديسهم يظهرون لنا الأقانيم الثلاثة للاهوت الفائق الجوهر وعليه يقول غريغوريوس: “… وهكذا إذاً، فإن أقداس الأقداس التي هي محجوبة عن السارافيم أيضاً وتتلقى التمجيد بتقديسات مثلّثة تجتمع في سيادة واحدة ولاهوت واحد”[18].

القدرة الإدراكية للعقل محدودة والكائنات التي تقع تحت تأثير الحسّ لا تستطيع أن تدخل إلى أعماق العقليات ، يقول غريغوريوس: “قل لي ما هي عدم الولادة وأنا سأعلّمك عن ولادة الإبن وانبثاق الروح القدس، الإنسان تتكاثر أسئلته مع كثرة معرفته، وهو يشبه من استنار لحظة واحدة ولكنه بقي في الظلام”. إلى جانب محدودية العقل وعدم قدرته على الدخول إلى سرّ الله، هناك الجسد الإنساني الذي يعيق القوّة النسبية الموجودة في العقل. فالجسد بعد السقوط صار أكثر كثافة والعقل نفسه صار كثيفاً ومادياً لكن هذه المحدودية في الجسد ليست عقاباً لإنسان بل تربية له.

– الخليقة والخالق:
يقسم غريغوريوس الخليقة إلى ثلاثة أقسام، فيقول أولاً، أقرب إلى الله الطبائع العقلية وأبعد منه الطبائع الحسّية، وابعد شيء هو الوجود الذي لا نفس لهولا حسّ، وأما أول الخلائق بالنسبة له فكانت الملائكة الذين وُجدوا قبل الخليقة كلها “لأن الله فكّر بالقوات الملائكية والسماوية فكان تفكيره عملاً”[19].

الإنسان مخلوق على صورة الله، ولا يقول رأي أوريجنس بان النفوس مخلوقة قبل الأجساد وإنما هو يؤمن أن النفس تأتي إلى الإنسان عند الحبل به، وإن هذه النفس لا تموت لحظة الموت وإنما ترتفع وتعود إلى خالقها. بسبب السقوط صار الإنسان يموت .الخطيئة أدخلت الموت، والموت بدأ يجعل الخطيئة عذبة وحلوة.

كل شيء في الكون يتغير من ساعة إلى أخرى، وكل شيء يجري ويفنى، فالحياة والموت اللذان يعتبران فكرتان متناقضتان هما يتواجدان ويتبادلان الدور. فالحياة تبدأ بالفساد والإنسان ينتقل من فساد إلى فساد حتى تنقضي حياته الأرضية، فالفساد هو انتصار الزمان لأن الحياة تمر عبر الولادة في اتجاه معيّن لا يمكن إعادته.
لكن الموت في حدّ ذاته يحمل عناصر إيجابية لأن الموت الحقيقي ليس انفصال النفس عن الجسد وإنما هو دمار النفس والمشكلة الأساسية عند الإنسان هو مشكلة التمييز بين الواقع والظاهر أي انه يخاف مما هو ليس مخيفاً.

المؤمنون في مسيرتهم نحو السيد الصالح يمكن أن يتحرروا من سيطرة الزمن الدائري لأنهم يتجهون نحو واقع ثابت متحرر من كل تشوّش أي نحو تجاوز العالم الحاضر. هذا لا يعني أن غريغوريوس يقلل من أهمية العالم وقيمته فالعالم الحاضر ليس عائقاً يحول دون اقتناء ما هو قائم وثابت، فما يجري ويتبدّل يمكن أن يكون وسيلة لاكتساب الحياة الجديدة.
أما المأساة الحقيقية فهي أن يصبح الإنسان محصوراً ضمن دائرة الولادة والموت، أي انه يصبح حلماً غير موجود في الواقع. لذلك يقول غريغوريوس على الإنسان أن يترك الأحلام والظلال وينعم بالحياة على أكمل وجه.

الفرق بين الإنسان والملائكة هو أن الكائنات اللاجسدانية لا تخضع للزمن الذي يحدّ الإنسان، فالزمن غير موجود بالنسبة للكائنات الروحية، لأن في الزمن يتحوّل الحاضر إلى ماضٍ ميْت.

– أسباب التربية:
إن المنطلق الأساسي للاهوت التنـزيهي هو ردّ على المسعى الهرطوقي الذي يهدف إلى تغيير الكشف المسيحي إلى تعليم فلسفي. فمعظم الهراطقة كآريوس، افنوميوس، صابيليوس، حاولوا أن يدرسوا الإعلان الإلهي ويبرهنوا بمقولات عقلانية البحتة، لكن هذا التطوير العقلي للأمور يُنزل الإعلان إلى المستوى الإنساني، فوجود الظلام الإلهي ضروري وليس له صفة سلبية فالظلام القائم بين الله والإنسان هو مثل الغمام الذي دخل فيه موسى وهذا الظلام يحميه من نار الالوهة مثلما يحمي الظلّ الإنسانَ من نار الشمس.

الإنسان مدعو للدخول في هذا الغمام الإلهي لكن هذا الأمر يتطلّب استعداداً خاصاً.

– في المعمودية:
إن خدمة تقديس المياه وصلوات طرد الشياطين (الإستقسامات)، لاغنى عنها في حياة الكنيسة فهي إلى جانب فعاليتها كصلاة تحوي أيضاً تعاليم أساسية تساعد المقبل إلى المعمودية (الموعوظ) على فهم بعض الحقائق اللاهوتية الضرورية وتعكس رغبة وصبر هذا الأخير يقول غريغوريوس ” لا تحتقروا دواء طرد الشياطين ولا تتعبوا من طول الصلوات لأن كل هذه هي إمتحان لصدق النفوس وإخلاصها وطلبها المعمودية باشتياق”[20].

لكن هذه الخدم والأسرار الكنسية لا تكشف إلا في حينها ولمن هو أهل لسماعها، يقول واعظاً للشعب: “لقد سمعت كثيراً عن السر حسبما هو مسموح لنا أن نتحدّث علناً وأمام الكل أما باقي الحديث فسوف تسمعونه في السرّ لكي يبقى هذا الكلام خاصاً بكم”[21]. وفي أيامه، ومع أنه وصديق العمر باسيليوس الكبير تأخرا في نيل سرّ المعمودية، كما شاع بعصرهم، إلا أن غريغوريوس يرفض أن تتأجّل مهما كانت الأسباب، يقول في ذلك:
“المسيح هو الله لذلك لم يكن محتاجاً للمعمودية ولكنه إعتمد لأجلنا نحن البشر، وحتى إذا أجّل معموديته لم يكن هذا خطراً عليه. كان للمسيح أسباب جعلته يعتمد في سنّ الثلاثين وليس أي من هذه الأسباب تخص البشر. وقد فعل الرب أموراً كثيرة لا يمكن لأيّ منا أن يقلّدها أو يتخذها مقياساً فليس كلما فعله الرب يمكن تقليده [22] ..البعض يقول إنه سوف ينتظر عيد الظهور الإلهي، أي اليوم الذي إعتمد فيه المسيح وظهر للعالم، والآخر يقول أنه يهتم بالفصح أكثر من غيره من الأعياد والثالث إنه سوف ينتظر العنصرة[23]. لا يجب أن يؤخر أحد المعمودية طالما هو مستعد لها لئلا يفاجئهم الموت في يوم لم يستعدّوا له وفي ساعة لا يعرفونها.المعمودية تسمى عطية لأنها أعطيت لنا دون أن ندفع فيها ثمناً، وتدعى ختماً لأنها ختم يؤكد ملكيتنا والسلطان الذي يملكنا ولأنها عربون الحياة الأبدية[24]. ولأننا من طبيعتين أعني الجسد والنفس، الأول منظور والثاني غير منظور لذلك التطهير، ليطال الكل، هو أيضاً مركّب من الماء والروح، التطهير المنظور من الماء للجسد والثاني المصاحب له غير منظور ولا يخص الجسد، الأول ظاهر والثاني حقيقي ويطهر الأعماق[25]“.

 

الحواشي[1]- انتقلت وهي راكعة تتناول الأسرار المقدسة. تعيّد لها الكنيسة في 5آب. راجع السنكسار الأرثوذكسي. الجزء الثاني ، ص 613 _ 627.
[2]- تعيّد له الكنيسة في 1 كانون الثاني.المرجع السابق.
[3]- لم يصلنا عنهم سوى ما ذكره غريغوريوس في عظاته ورسائله وما كتبه أيضاّ غريغوريوس النيصصي: أعضاء الجماعة يعبدون إلهاً واحداً ولكنهم يرفضون عقيدة الثالوث، يدعون الله “العلي”، “القوي”، “النار”، “النور”. رفضوا الذبائح اليهودية وكل طقس آخر إذ أن العبادة عندهم أمر داخلي روحي، لكنه رغم ذلك يحفظون السبت ويتمسكون بعدد من العادات اليهودية في ما يتعلّق بالأكل . كانوا قلّة ولعلهم حُصروا في كبادوكية. …راجع: الرسالة سنة 1985 عدد 2و3 ص39.
[4]- أمسكه الشعب وحمله إلى الكنيسة حملاً وألزموه أن يصير كاهناً، لم يكن بإمكانه لا أن يهرب ولا أن يرفض فسلّم أمره لله ورضخ للأمر الواقع الذي أسماه، فيما بعد، “عمل إستبداد روحي”. راجع السنكسار الأرثوذكسي ، الجزء الثاني، ص 618.
[5]- أمسكه الشعب وحمله إلى الكنيسة حملاً وألزموه أن يصير كاهناً، لم يكن بإمكانه لا أن يهرب ولا أن يرفض فسلّم أمره لله ورضخ للأمر الواقع الذي أسماه، فيما بعد، “عمل إستبداد روحي”. راجع السنكسار الأرثوذكسي، الجزء الثاني، ص 618.
[6]- كان البطريرك الأنطاكي ملاتيوس هو الداعي عبر مجمع عُقد سنة 379 م إلى إرسال غريغوريوس إلى هناك.
[7]- زاد عدد أتباعه زيادة كبيرة حتى أصبحوا أكثر من المصلّين في الكنائس الرسمية(الآريوسية). راجع قصة الحضارة جزء 12 ص 128.
[8]- كلمة لاهوت تقابله في اليونانية “Qewlwgia” وتعني حديث في الله لكن آباؤنا لم يأخذوها بهذا المعنى، لكنهم اخذوها بمعنى العيش للسيد، للإله. وأطلقوا لفظة لاهوتي على:
1.يوحنا الإنجيلي – 2.غريغوريوس اللاهوتي – 3.سمعان اللاهوتي الحديث…راجع: العقيدة والاباء، المطران جورج خضر، البلمند.

[9]- عقد المجمع لدحض الأبولينارية (المسيح أخذ مكان النفس العاقلة) وأعداء الروح القدس (الروح القدس هو ضمن الأرواح العليا الخادمة للإبن)، ترأسه في البدء ملاتيوس الأنطاكي لكن بسبب وفاته تولى بعده غريغوريوس اللاهوتي.. راجع : موجز تاريخ الكنيسة، الأب جورج عطية، منشورات البلمند ص 66.
[10]- راجع تاريخ الكنيسة المسيحية، افغراف سميرنوف، سنة 1964، مطرانية حمص، ص 302.
[11]- راجع :Encyclopaedia Britanica 1998 (CD).
[12]- القديس أثناسيوس الرسولي، الأب متى المسكين، دير القديس أنبا مقار، ص 256.
[13]- لسبب صعوبتها لم تحتل مكانة كبيرة لدى الشعب.
[14]- الرسالة، سنة 1985، عدد 1و2، ص 46-49.
[15]- هذا ما يسمى بالإتجاه السلبي في الحديث عن الله (apophatic) وهناك الإتجاه الإيجابي ( Cataphatic)، الثاني يسمح بالحديث عن الله والأول يصحح وينزع عن الإنسان الصوَر والخيالات التي تترسب في عقله عن الله… راجع المدخل إلى اللاهوت الأرثوذكسي، د. جورج بباوي، ص149-153.
[16]- مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي، سلسلة آباء الكنيسة (8)، منشورات النور ص 108-110.
[17]- القديس يوحنا الدمشقي: مئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، البولسية، ص 168.
[18]- المرجع السابق ص 169.
[19]- القديس يوحنا الدمشقي ، مئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ص 92.
[20]- عظة على المعمودية: 15…راجع: المعمودية، الجزء الأول، د. جورج بباوي ص 54.
[21]- المرجع السابق ص 82.
[22]- المرجع السابق ص 92.
[23]- مقالة 40 عن المعمودية…المرجع السابق ص 88.
[24]- مقالة 40… المرجع السابق ص 97.
[25]- المقالة 41… المرجع السابق ص 124.

القدّيس مكسيموس المعترف

القدّيس مكسيموس المعترف

 

إعداد الأب باسيليوس الدبس

 

 

حياته

إن القرن السابع هو أيضاً قرن اضطرابات وحروب ومشاكل دينية، فبعد أوطيخا جاءت بدعة الطبيعة أو المشيئة الواحدة في فترة كان الفرس والعرب على أبواب تحطيم الإمبراطورية الرومانية فأتت الحلول السياسية على حساب الحلول الدينية فجاءت أولاً بدعة المشيئة الواحدة التي هي في الواقع بدعة الطبيعة الواحدة ولكنها تحت شكل آخر لذلك سُمّيت هذه البدعة ببدعة “الحرباء”، فقام الإمبراطور هيرقل واتفق مع بطريرك القسطنطينية على القول بالمشيئة الواحدة والفعل الواحد بدلاً من الطبيعة الواحدة على أساس أن المونوفيسيت سيوافقون على الانضمام إلى الكنيسة فتُحل المشـكلة داخلياً في الإمبراطورية. لكن المعارضة بدأت من بطـريرك أورشليم صفرونيوس الذي قال  أن هذه البدعة هي في جوهرها مونوفيسيتية وبعده جاء قديسنا المعترف:

ولد القديس مكسيموس في مدينة القسطنطينية[1] سنة 580 م. من أسرة شريفة، وفيرة الغنى، وذات مركز رفيع، هذا مما ساعده في تعلّم علوم عصره، فبرع في الفلسفة والخطابة .ذاع صيته في العاصمة الرومانية الشرقية ( أي القسطنطينية) فاختاره الملك هيرقل رئيسـاً لديوانه ووزيراً من وزرائه وكاتماً  لأسـراره ومن ثم لحفيد هيرقل  كنستس [2].  فصار صاحب الرأي الكبير والكلمة النافذة يسوس الدولة بحكمته ودرايته. لكن مع كل هذا المجد والشهرة فضّل أن يترك كل شيء، المركز، الشـهرة، والغنى، ليعيش راهباً في دير قريب من القسطنطينية يدعى ” خريسـوبولي ” ( أي مدينة الذهب ) وبدأ فيه العبادة والصوم والصلاة وكتابة مقالاته ضدّ المنادين بالمشيئة الواحدة للمسيح .

بعد فترة، أُختير ليكون رئيساً للدير، لكنه اضطر أن يترك القسطنطينية  إلى أفريقيا مع اثنين من تلاميذه بسبب هجوم الجيوش الفارسية على المدينة .

في هذا الوقت كانت بدعة المشيئة الواحدة قد تسربت إلى الشرق وكان صفرونيوس بطريرك أورشـليم يحاربها فاندفع مكسيموس من جهته يهاجمها أيضاً مدافعاً عن الإيمان الصحيح الذي يقول:” إن في المسيح يسوع طبيعتين كاملتين وفعلين كاملين وإرادتين كاملتين … الطبيعة البشرية والإرادة البشرية والطبيعة الإلهية وإرادة الإلهية  “.

مات صفرونيوس،  فبقي  مكسيموس وحده في الشرق يدافع ضد المشيئة الواحدة فهدده الملك وبطاركة القسطنطينية والإسكندرية.

في سنة 645م. أفحم مكسيموس البطريرك بيروس  الهرطوقي في أفريقيا، في جدال علني أمام عددٍ من الأساقفة دعا إليه غريغوريوس البطريق حاكم البلاد، فأسكته بعلمه الغزير ومنطقه القوي، مُظهراً سموّ التعليم القويم ببراهين قاطعة مما دفع بيروس إلى الإعتراف بخطئه والعودة عن ضلاله.

عُقدت في أفريقيا عدّة مجامع بحضور مكسيموس وفيها أُبسلت هذه الهرطقة، كما ذهب القديس إلى روما حيث استقبله البابا مرتينوس الذي دعا إلى مجمع وحرم تلك البدعة والقائلين بها. فلما وصل الخبر إلى الملك كونستانس أمر باعتقال مكسيموس فكان كذلك. فأتى مكسيموس، وكان في السبعين من عمره ،مع أثنين من تلاميذه إلى القسطنطينية سنة 653م، وما إن وصل حتى هجم عليه الجند وعرّوه من ثيابه الرهبانية وجرّوه جرّاً في شوارع المدينة فوصل سجنه على آخـر رمق. فيما بعد حاول الملك استمالته ولكنه رفض فنفاه وتلميذَيه معذِّبين إياهم أشدَّ تعذيب .

سنة 656 أرسل إليه الملك كنستس اسقفاً من قيصرية مع وفدٍ من البلاط ليقنعوه بالعدول عن رأيه ولكن الوفد عاد وهو مقتنع بما قاله لهم مكسيموس فأرسل الملك وفداً ثانياً ليتملّقوه ويغروه علّه يقبل المساومة لكنه رفض [3]،فما كان منهم إلا أن هجموا عليه وأوسعوه ضرباً، وبعد أيام استدعاه الملك وأمره بأن يحرم البابا مرتينوس والبطريرك صفرونيوس لكنه أبى كعادته الرضوخ إلى ما ليس له قناعةً فيه. فكانت نتيجة تمسكه بالحق والحقيقة أن قُطعت يده اليمنى ولسانه كما لتلميذَيه أيضاً .

بحسب سيرته يقال أن الرب منحه النطق بطريقة عجائبية وأنه بقي وتلميذَيه يعلّم الشعب الإيمان المستقيم الرأي. رقد قديسنا في المنفى سنة 662 م. وقد استحق لقب المعترف نظراً لجهاداته واعترافه بالإيمان المستقيم الرأي. تعيّد له كنيستنا في 21 كانون الثاني(ذكرى رقاده )  وفي 13 من شهر آب (ذكرى قطع لسانه ويده ).

مؤلفاته

بدأ  القديس مكسيموس بالكتابة في سن متأخرة، فقد جاء أسلوبه على نمط فلسفي، إذ إنه تمثّل منطق ارسطو على نحو لا يخفى مُطالع كتاباته، فبراعته في استخدام المصطلحات الأرسطوطاليسية وكل المفاهيم الفلسفية الإغريقية القديمة جعلت من كتاباته، مع صعوبة فهمها وغموضها كأسلوب أغلب المثقفين، منارةً للباحثين عن حقيقة المسيح،وهذا مما حدا القديس يوحنا الدمشقي على تسميته بـ ” فيلسوف الإلهيات” . أما كتاباته فيمكن تصنيفها كالآتي:

التفسيرية

  1. كتب 79 جواب على أسئلة مختلفة طُرحت عليه وكانت تتناول مشكلات رعائية وعامة، دوّنت حوالي سنة 626 م.
  2. تفسير ثلاث آيات كتابية مدوّنة في الفيلوكاليا وقد عنونها بـ ” رسالة إلى ثيوبمبتس ” .
  3. أجوبة على تساؤلات كتابية وجهها إليه رئيس دير في ليبيا يدعى ثالاسيوس .
  4. تفسير لأعمال آباء قديسين، مثل: ديونيسيوس الأريوباغي، غريغوريوس اللاهوتي وغيرهم .

الدفاعية والعقدية

  1. ضد المونوفيزيتين والمونوثيليين، وهي عبارة عن سلسلة من المجلدات الضخمة موجهة لتفنيد أقوال هاتين البدعتين .
  2. كتاباته إلى مارينوس الكاهن في قبرص:

أ ) كتاب يتعرّض فيه إلى مسألة قوى النفس وأيضاً لمسألة مشيئتَي المسيح.

ب )كتاب آخر: يتناول فيه مسألتَي القوى والمشيئة في طبيعتي المسيح الجسدية والإلهية .

ج )كتاب ثالث: يتناول فيه عقائدياً مسألة الفعلَين والمشيئتَين في المسيح يسوع.

د )رسالة حول إنبثاق الروح القدس وتنزيه يسوع عن كل خطيئة .

هـ ) مجلّد عقائدي يبحث فيه عقائد الكنيسة .

و ) أجوبة على تساؤلات الشماس ثيودور المونوثيليتي كتبها بناءً على طلب مارينوس.

3. مقالة بعثها إلى الراهب ثيودور وهي بمثابة جواب فلسفي ولاهوتي يتعلّق بتحديدات عقائدية خريستولوجية .

4.   مقالة إلى ثيودور الكاهن في صقلية حول الصفات والجوهر في المسيح .

  1. 5.         مجلّد روحي وعقائدي بعث به إلى الاسقف استفانوس الفلسطيني .
  2. 6.         مقالة حول طبيعتَي المسيح تعتبر من أقدم أعماله الكتابية .
  3. 7.         كتاباً وجهه إلى جاورجيوس الكـاهن ورئيس الدير تناول فيه مسألة ” سرّ التجسّد الإلهي “.
  4. 8.         أجوبة موجزة على مسائل ثلاث تتناول عقيدة المشيئة الواحدة .
  5. 9.         رسالة إلى نيكانذروس الأسقف يتكلّم فيها عن الفعلين في المسيح .
  6. 10.      رسالة ضد القائلين بثلاث مشيئات في المسيح مع ثلاث أفعال .
  7. 11.      مقالة يحدد فيها عبارة مهمة تتعلق بعلم الثالوث وعلم الخريستولوجيا .
  8. 12.      مقالة في استحالة أن يكون للمسيح طبيعة واحدة .
  9. 13.      مقالة من عشرة فصول حول مشيئة الرب بعث بها إلى بعض الارثوذكسيين .
  10. 14.      حوار مع بيرن يعرض فيها مكسيموس موقفه من المونوثيليتيين .
  11. 15.      مقاطع من رسائل عقائدية كُتبت لذات الغرض .

ليتورجية

  1. شروحات حول الفصح .
  2. تفسير للصلاة الربانية بعث بها إلى شخص يدعى فيلو خريستوس .
  3. الميستاغوجيا الشهيرة التي ترجمت إلى التركية أيضاً وفيها تفسير رائع للصلوات .

نسكية

  1. المئويات الأربع في المحبة: من أروع ما كُتب يتناول فيها الفاظاً أرثوذكسية كالمحبة واللاهوى والمعرفة النظرية والتطبيقية، وضعها بعد وقت قليل من مغادرته لكيزيكوس بين سنوات 628و630 .
  2. فصول في اللاهوت والتدبير: ويقع في مئويات إثنين وهو عبارة عن محاولة توفيق بين تعليم أوريجنس وأفاغريوس وبين الروحانية الأرثوذكسية .
  3. المقالة النسكية وفيها شرح عن التجسد الإلهي بطريقة جميلة ورائعة وبطريقة السؤال والجواب[4].
  4. فصول مختلفة في اللاهوت والتدبير والخلاق وتقع في مئويات خمس …

تعليمه

شخصانية المسيح يسوع

نادى مكسيموس أن الناسوت في المسيح ليس ناسوتاً متقبلاً سلبياً وإنما هو ناسوت حيٌّ فاعل. فخصص صفحات عديدة من كتاباته للدفاع عن احتفاظ كل طبيعة بخصائصها الموجودة فيها، فطبيعتا المسيح تظلان مختلفتين وغير ممتزجتين لكن في نفس الوقت هناك اتحاد اقنومي دون أن تتحول الواحدة إلى الأخرى، فالفعل ينتج عن الطبيعة وليس عن الأقنوم، فبما أن المسيح اتخذ الطبيعة الإنسانية فقد أخذ أيضاً الفعل الإنساني، وفي الثالوث الأقدس هناك طبيعة واحدة بثلاثة أقانيم لذلك هناك فعل واحد. أما في التجسّد فهناك طبيعتان لذلك هناك قوتان  متميزتان، فالمشيئة الإلهية لا تبطل المشيئة الإنسانية، فالإيمان بالمشيئة الواحدة يرفض القوة الإنسانية الموجودة عند يسوع.

من هذا المنطلق رأى مكسيموس أن يدافع عن القوة الإنسانية وعن الحركة المنطلقة من الإرادة الإنسانية والمتجهة إلى الله، ولكن رغم إيمانه بهذا فقد قال  بوجود مشيئة إعتقادية واحدة لأن أعمال يسوع كانت إلهية إنسانية .

 

يقول المعترف أن الإرادة الطبيعية المتجهة نحو الخير موجودة بشكل طبيعي عند الجميع، لكنها تألّهت في المسيح بسبب الإتحاد الأقنومي، أما الإرادة الإعتقادية فتأتي بعد فعل العقل وهي من خاصة الأقنوم .يقول قديسنا، أن إرادة المسيح الطبيعية قد خضعت لإرادته الفعلية، فكل طبيعة عقلية تملك إرادة طبيعية ولكن تملك أيضاً إرادة إعتقادية فالإنسان عنده إرادة طبيعية فمثلاً، كلام يقوله لكنه لا يتكلّم دائماً، حتى يتكلّم هذا يعود إلى إرادته الإعتقادية التي هي قوة من قوى الأقنوم وليس من قوى الطبيعة. وبما أن المسيح يملك طبيعيتين فإنه يملك إرادتين طبيعيتين لكن بما أنه يملك أقنوماً واحداً فإنه يملك بالتالي قوة إختيارية واحدة .في هذه الإرادة الواحدة يسيطر العنصر الإلهي. لكن هذا العنصر يعطي الطبيعة الإنسانية الإمكانية بأن تفعل الأمور التي تنتمي إليها، وبذلك تحررت الطبيعة الإنسانية من الخطيئة التي سببتها الإرادة الإعتقادية، فصارت الحركة الطبيعية للطبيعة الإنسانية تتجه نحو الله .

أما قول أتباع المشيئة الواحدة أن المسيح يملك طبيعة إنسانية وإنه لا يملك إرادة إنسانية هو قول لا معنى له لأن هذه الطبيعة لا تملك أي ظهور حقيقي وإنما هي فكرة مجرّدة. فطبيعتا المسيح ليستا فكرتان مجردتان لأنهما إندمجتا في ألوهة الكلمة وهكذا فكل تملك وجودها الخاص بها وإن كانت مندمجة في شخص الكلمة .

إن مكسيموس يؤمن بأن كل أقنوم لا يستطيع أن ينتقل إلى أقنوم آخر، وهذا مبدأ في المسيحية، ويقول أن الإتحاد بين النفس والجسد ينتج عنه أقنوم واحد وبين الكلمة وناسوته لا يوجد إتحاد طبيعي فقط إنما إتحاد إقنومي وهذا يعني أن ناسوت المسيح لم يكن موجوداً قبل التجسد فالأقنوم الذي كان قبل التجسّد هو نفسه أقنوم التجسّد .

أسباب الكائنات

العالم هو ثمرة المحبة الإلهية أما اللوغوس للكائنات فكانت موجودة منذ الأزل في فكر الله دون أن تملك وجوداً خاصاً بها وإلا كانت كالمُثُل الأفلاطونية التي كانت موجودةً معالله كيانياً. فاللوغوس هي المخطط الإلهي الأزلي عن الخلق الذي تحقق في الزمن. ويقول مكسيموس إن أهمّ الصفات الإيجابية لهذه اللوغوس هي أن لها صلة باللوغوس الشخصي أو ” اللوغوس الأعلى ” .

 


[1] يرى بعض العلماء أن بلدة خسفين السورية، منطقة الجولان، هي مسقط رأسه …راجع: المقالة النسكية للقديس مكسيموس المعترف، ترجمة الأب منيف حمصي، 1995، ص 21.

[2] راجع: رعيتي، 1985، عدد 3، ص 4 .

[3] الدعوة في الواقع كان إلى حضور مجمع الذي دعي باللصوصي الذي عقده المونوثيليون، أي القائلين بالمشيئة الواحدة … راجع: رعيتي، 1987، عدد 3، ص 3 .

[4] المقالة النسكية، المئويات الأربع في المحبة، ترجمها قدس الأب منيف حمصي إلى العربية وفيها أغنى مكتبتنا العربية وأفاد الباحثين والمعلمين .

القديس أمبروسيوس الذي من دير أوبتينو

القديس أمبروسيوس الذي من دير أوبتينو

عن كتاب “الستارتز أمبروسيوس الذي من أوبتينو” للكاتب جون دانلوب

 

تُرجمته عن الفرنسية راهبات دير مار يعقوب – دده

 

أبصر ألكسندر ميخايلوفيش غرينكوف (أي القدّيس أمبروسيوس) النّور في منطقة تامبوف الرّوسيّة، في /23/ تشرين الثّاني من عام /1812/ أي يوم عيد القدّيس ألكسندر نيفسكي فدُعي باسمه. كان السّادس بين ثمانية إخوة. ترعرع في عائلة متوسّطة الحال كثيرة الأولاد، تنتمي إلى الطّبقة الكهنوتيّة القرويّة المتميّزة بتقواها الصّادقة وبتربيتها الحازمة. فجدُّه ألكسندر كان كاهناً، ووالده ميخائيل قندلفتاً، وأمّا أمّه مرتا، فقد كانت ” امرأة قدّيسة تحيا حياة التّقوى ” كما وصفها هو نفسه فيما بعد. تلقّى الأولاد دراستهم الابتدائيّة في المنزل، حيث تعلّموا أصول اللّغة وقواعدها في كتب الصّلوات الطّقسيّة، وقد اعتادوا أن يرافقوا والدهم إلى الكنيسة ليشاركوا في التّرتيل والتّسبيح. في الثّانية عشرة من عمره أدخله والده في مدرسة القرية التي كانت تفتقر إلى الوسائل العلميّة. عام /1830/ انتُخب ألكسندر كأحد أفضل وأبرز تلامذة المدرسة ليدخل مدرسة اللاهوت في تامبوف.

 

برزت لدى ألكسندر طبيعة مرحة فوضويّة تتناقض مع الجوّ العائلي الرّزين. لكنه، مع ذلك، أبدى تفوّقاً في علومه، وهو الفتى ذو الثّالثة والعشرين عاماً، إذ حلّ في المراتب الأولى عند تخرّجه من معهد تامبوف اللاهوتي عام /1836/. كان طبعه المرح وسرعة البديهة التي تحلّى بهما يشدّان الآخرين إليه.

قبيل نهاية دراسته، وقبل دخوله الدّير، عرف ألكسندر أوقاتاً صعبة حرجة، عانى خلالها الكثير من التّخبط والصّراع الدّاخلي (1836-1839)، فهو لم ينوِ أبداً التزام الحياة الرّهبانيّة. ولكنّه عندما مرض مرّة مرضاً خطيراً، صلّى بحرارة واعداً الله أن يصبح راهباً إن شُفي من مرضه. ولمّا تمّ له ما أراد، أخذ يتلكّأ بتنفيذ وعده محاولاً تركه طيّ النّسيان. ولكن أين المفرّ وضميره كان له بالمرصاد؟

 

وقف ألكسندر أمام خيارين بعد انتهائه من دراسته اللاهوتيّة: إمّا أن يتابع دراسته الأكاديميّة أو أن يتزوّج ليصبح كاهن الرّعيّة. لم يلتزم ألكسندر أحد الطّريقين بل اكتفى بالعمل في إحدى المدارس. ولكنّ أستاذنا الشّاب لم يكن ليرضى عن نفسه وعن طريقة حياته. فثمّة شيء خفيّ كان يدفعه إلى التّغيير. كم مرّة حاول تبديل طباعه مقرّراً التزام الصّمت والهدوء، ولكنّه سرعان ما كان يخفق سيّما عندما يتلقّى من الرّفاق دعوة للخروج، إذ كان يلبّي مندفعاً في أحاديث وتسالٍ ما أن تنتهي حتى كان يحسّ بالفراغ والمرارة في أعماقه، فيقرّر مجدّداً أن يعيد الكرّة. هكذا استمرّ أربع سنوات في عذاب، لم يستسلم خلالها إلى اليأس بل لجأ إلى الصّلاة. فكان ينتظر خلود رفاقه إلى النوم، ليقف هو متضرّعاً أمام إيقونة والدة الإله، طالباً منها العون في تحقيق رغبة قلبه.

 

لم يطل الوقت بزملائه ليكتشفوا أمره، فأخذوا يسخرون منه ومن تقواه متّهمين إيّاه بفقدان الرّشد. عندها هرب إلى الطّبيعة، إلى الغابات الممتدّة على طول نهر فورونيج Voronièje  حيث اعتاد أن يتنزّه مناجياً خالقه بحريّة. وفي إحدى المرّات، وفيما هو يتأمّل حركة الأمواج الهادرة، سمع صوتاً وكأنّه صادر من النّهر ينشد ويقول: ” أعطِ مجداً لله. احفظْ ذكراه دائما في قلبك “. اعترى ألكسندر ذهول كبير لهذا ” الظّهور” كما عبّر هو فيما بعد قائلاً: ” لقد بقيت هناك طويلاً أصغي إلى الصّوت الإلهي السرّي مبهوتاً “. نعم إن أصل كلّ الوجود والكائنات بدأ يجذب الأستاذ الشّاب إليه.

 

حان صيف /1839/ فاختار ألكسندر أن يمضي عطلته في أملاك صديقه وزميله في الدّراسة بول ستيبانوفيش بوكروفسكي pokrovsky. قرّر الصّديقان الذّهاب إلى أحد النّساك المدعو إيلاريون ليطلبا نصحه حول تحديد مستقبليهما. فعند سؤال ألكسندر النّاسك: ” ماذا أفعل في حياتي؟ “. أجابه القدّيس وبصوت قوي: ” اذهب إلى أوبتينو “. ثم أضاف ” إنّهم بحاجة إليك هناك “. لم يتبع ألكسندر إرشاد النّاسك توّاً، بل عاد إلى حياته اليوميّة وإلى الخروج ثانية مع الرّفاق، وكان ذلك قبيل ابتداء السّنة الدّراسيّة الجديدة. غير أنه سرعان ما شعر بالاشمئزاز من نفسه سيّما وأن جرس ضميره لم يتوقّف لحظة عن تأنيبه. فقرّر السّير إلى أوبتينو، رغم تحذيرات صديقه بأن المدرسة ستطاله قانونيّاً لتركه إيّاها في ذلك الوقت الغير المناسب، ولكنّه لم يعبأ بهذا. فما هي إلاّ أيّام قليلة حتى كان في طريقه إلى أوبتينو.

 

يقع دير أوبتينو على بعد /3/ كم من مدينة كوزيلسك Kozelsk  القريبة من موسكو. أُسّس في منتصف القرن السّادس عشر وبقي مهملاً مقفراً حتى نهاية القرن الثّامن عشر، إذ لم يكن يقيم فيه سوى ثلاثة رهبان، أحدهم كان كفيفاً. وبينما كان متروبوليت موسكو – أفلاطون- يتنزّه يوماً وقع على دير أوبتينو، فساءه أن يراه على هذه الحالة من الخراب، لذا راح، بكلّ ما أوتي من عزم، يجاهد لإعادة بناء الدّير ماديّاً وروحيّاً. لجأ إلى الأب مكاريوس، وهو أحد تلامذة القدّيس الكبير باييسيوس فيلتشوفسكي§، طالباً مساعدته. فأرسل الأب مكاريوس راهباً يدعى إبراهيم ليعيد تشييد الدّير. في عام /1821/ أُنشئ الإسقيط تحت اسم القدّيس يوحنّا المعمدان. في هذا الإسقيط بالذّات سوف يمضي كلّ آباء وشيوخ أوبتينو حياتهم، ومنه سوف يضوع عبير فضائلهم إلى كلّ روسيا.

فيلاريت، المتروبوليت الذي سوف يغدو فيما بعد الأكثر شهرة كمطران لكييف، كُرِّس ليكون أيضاً أسقفاً على الأبرشيّة الجديدة التي يتبع لها دير أوبتينو. فاختار الأخوين موسى وأنطونيوس ليكونا المسؤولين الأوّليْن لأوبتينو، بما أنّهما كانا قد أمضيا عشرة سنوات في إسقيط تحت إرشاد أحد تلامذة باييسيوس. وبعد فترة أضحى الأب موسى الأب المسؤول عن كلّ الإسقيط.

 

وصل ألكسندر إلى دير أوبتينو في /8/ تشرين الأوّل عام /1839/ . وعندما طلب إرشاد أحد الشّيوخ، قيد إلى الشّيخ ليونيد وكان رجلاً ضخماً حازماً وبسيطاً في الوقت نفسه، يعيش حياة قشفة، إذ لم يكن يهتمّ بالزوّار، ليتفرّغ تماماً إلى حياة العزلة والصّلاة. كتب ألكسندر يصف أيّامه الأولى في الدّير قائلاً: ” بعد يومين من وصولي إلى الدّير كان كلّ شيء بالنّسبة لي غريباً ومبهماً. كانت مقابلتي الأولى للستارتز ليونيد قصيرة لم أستطع خلالها أن أتعرّف إليه تماماً. وأمّا في الزّيارة الثّانية، عندما رأيته يؤكّد لأحد الرّهبان ضرورة التّخلي عن الإرادة الشّخصيّة، أحببته والتصقت به منذ تلك اللّحظة “.

قَبِلَ الأب ليونيد ألكسندر كراهب في الدّير، بعد أن حلّ مشكلته مع المدرسة، ولكنّه لم يلبسه فوراً الثّياب الرّهبانيّة، بل تركه يقيم في المضافة التّابعة للدّير. المهمّة الأولى التي أوكلت إليه كانت نسخ مخطوطة تحت عنوان ” سلام الخطأة ” التي توضح الجهاد ضدّ الأهواء. كان لهذا العمل هدفان: أن يقتني أولاً الصّبر والطّاعة، وأن يتعلّم نهج الحرب ضدّ أهوائه الشّخصيّة.

 

في نيسان من عام /1840/ ، وبعد مشاورة الأب موسى، قُبل ألكسندر  في الدّير نهائيّاً. وبعد فترة وجيزة أُعطي الثّياب الرّهبانيّة وأوكل إليه الاعتناء بقلاية ومكتبة الأب ليونيد. ثم عمل في مخبز الدّير. وفي تشرين الأوّل من العام نفسه، انتقل من الدّير حيث الحياة المشتركة إلى الإسقيط حيث حياة العزلة والصّمت والهدوء والتّوحد أكثر تحقيقاً، فعمل كمساعد طبّاخ. في هذه الفترة كان ألكسندر خاضعاً لإرشاد الأبوين ليونيد ومكاريوس، فكان انفتاحه لهما كاملاً وطاعته فوريّة، مطبّقاً نصائحهما وإرشادهما بكلّ دقّة وأمانة ممّا ساعده على تقدّمه الرّوحي.

 

في عام /1841/ زار بوكروفسكي صديقَه القديم ألكسندر الذي كان قد أصبح راهباً مبتدئاً، يقطن قلاية عارية مجرَّدة من كلّ شيء. لقد شهد بوكروفسكي كيف كان ألكسندر يطبّق الطّاعة الفوريّة بدقّة تحت إرشاد أبويه الرّوحيّين. فقد كان مرّة برفقة الشّيخ ليونيد وألكسندر عندما شرع الستارتز فجأة ينشد قائلاً: ” ليكن الله مباركاً كلّ حين الآن وكل أوان والى دهر الداهرين آمين. لك ينبغي المجد أيّها الرّب يا ملك السّموات…”. فأخذ أيضاً ألكسندر ينشد مثله، ظنّاً منه بأنّ الشّيخ يريد الشّروع بقانون الليل. فقاطعه الشّيخ بحدّة قائلاً: “من منحك البركة لتقرأ؟” فوقع ألكسندر للحال على قدمي الشّيخ طالباً الصّفح. ولكنّ الشّيخ تابع قائلاً: “كيف تجرؤ على القيام بهذا؟” بينما لم يكفّ ألكسندر عن ضرب المطّانيّات طالباً المغفرة قائلاً: “من أجل محبّة الله اغفر لي يا أبي”. كانت طاعته الكاملة للأب مكاريوس مميّزة.  لقد كتب أحد الرّهبان الذي أصبح فيما بعد رئيساً لدير آخر قائلاً: “لقد كان يبدو أن الأب أمبروسيوس قد تحرّر من كلّ إرادة ذاتيّة حتى في استعمال أغراضه الشّخصيّة. كان يفضّل إرادة الشّيخ مكاريوس على إرادته ولو في أصغر الأمور.” وهكذا وبمثل هذه الأفعال استطاع المبتدئ ألكسندر شيئاً فشيئاً إماتة إنسانه القديم ليلبس الجديد.

 

بعد مرور ثلاث سنين فقط على دخوله الدّير، توشّح بالإسكيم الصّغير ودُعي أمبروسيوس تيمّناً باسم القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان، وكان له من العمر آنذاك ثلاثون سنة. سيم شمّاساً ثم كاهناً في نهاية عام /1845/، ومنذئذ بدأت صحّته تعتلّ فغدت خدمة المذبح صعبة عليه كما عبّر هو نفسه قائلاً: ” كنت أكهن ذات يوم، وعند تناول القرابين المقدّسة كنت أمسك الكأس بيدي، وإذا بي أشعر بأنّ قواي تنحلّ وكأن يدي قد خدرت خدرت تماماً، فاستدرت نحو المائدة المقدّسة ووضعت الكأس ريثما أستعيد قواي….” لقد لطّف المرض طبيعة أمبروسيوس الجامحة، إذ اضطّره للدّخول إلى عمق نفسه والانعكاف على ممارسة الصّلاة الدّاخليّة المستمرّة.

 

في شهر آب من عام /1846/، أوكل إليه نيقولا مطران كالوغا مهمّة مساعدة الأب مكاريوس، خلف الأب ليونيد، في الإرشاد الرّوحي. وهكذا وفي سن الرّابعة والثّلاثين عُرف الأب أمبروسيوس كأحد شيوخ أوبتينو. ولكنّه لم يستطع أيضاً القيام بمهمّته هذه، إذ مرض مرضاً عضالاً في معدته وأمعائه حتى شارف على الموت، فمُسح بسرّ الزّيت المقدّس واقتبل الأسرار الإلهيّة كزاد أخير له. استمرّ مرضه مدّة سنتين لم يسمعه خلالها الأخوة متذمّراً، بل كان دائماً يردّد إن الله وهبه هذا المرض لتقدّمه الرّوحي.

 

بعد مرور السّنتين، أي في عام /1848/، بدأت صحّته تتحسّن بشكل ملحوظ، إذ أصبح يستطيع التّحرك والتّنقل من مكان لآخر. فعاود نسكه وصومه القاسي رغم هزاله، ولكنّه كان ينزعج من الجلوس على مائدة الإخوة بعد أن فقد أسنانه أثناء المرض، لذا كان يتناول طعامه على حدة. لقد كانت الحرب الطّويلة مع المرض سبباً كشف عن عمق روحيّة الأب أمبروسيوس وتوقّد محبّته لله، وبرهن أن للصّلاة المستمرّة  فعل عجيب في تحسّن صحّته.

 

لقد ذكرنا أن طاعته لرئيسه كانت مميّزة حتى يُخيّل إليك أنّه لم يكن يمتلك أيّة إرادة شخصيّة، بل كان يؤثر إرادة أبيه في كلّ شيء حتى في استعمال أغراضه الخاصّة. أما رئيسه فلثقته الكبيرة به أوكل إليه سماع اعتراف بعض الأشخاص مردّداً بفرح: ” إن أمبروسيوس يأخذ اللّقمة من فمي “. بعد موت الأب مكاريوس انتقلت السّلطة الرّوحيّة إلى الأب أمبروسيوس وكان قد بلغ/48/  سنة فقط.

 

من المعروف أنّ الأب مكاريوس كان يهيّء الأب أمبروسيوس للقيادة الرّوحيّة، فعندما كان يتغيّب الأب مكاريوس عن الدّير، كان ينصح الإخوة باستشارة الأب أمبروسيوس. وفي عام /1848/ منح الأب مكاريوس بركته إلى الأب يرونديوس، أحد آباء الدّير، ليسترشد الأب أمبروسيوس في أموره الرّوحيّة. ولقد كتب هذا الأخير قائلاً: “حسبما كنت ألحظ، كان الأب أمبروسيوس يعيش الصّمت الكامل. وبما أنّي كنت كلّ يوم أذهب إليه لكشف أفكاري، كنت أراه دوماً إمّا يقرأ أو يترجم بعض أقوال وكتابات الآباء، أو يساعد الأب مكاريوس في الردّ على رسائل من يطلبون مشورته الرّوحيّة. لقد كان يبدو لي بأنّ الستارتز أمبروسيوس كان يسير دوماً نحو الله، أو لنَقُل إنّه يعيش دوماً في حضرة الله.” في كلّ نصائحه الرّوحيّة، كان الأب أمبروسيوس يلتقي مع فكر الآباء، إذ كان يعلّم من يقرّ له بخطاياه من خبرته الحياتيّة. في /7/ ايلول من عام/1860/ رقد بالرّب الأب مكاريوس، فكان من الطّبيعي أن يُدعى عندئذ الأب أمبروسيوس أب الدّير. وما هي إلاّ أيّام حتى عُرف الأب أمبروسيوس كستارتز لدير أوبتينو في كلّ روسيّا.

 

” احمل صليبك واتبعني”. هكذا دعا السّيد أحبّاءه، وكان أمبروسيوس في طليعتهم إذ كان أبداً مسمَّراً على الصّليب، وذلك بسبب صحّته العليلة وتدفّق الزوّار الذي لا ينقطع. فالمئات منهم كانوا يقصدونه إمّا للتّبرك أو طلباً للمشورة.

 

كان الشّيخ ينهض في الرّابعة فجراً ليبدأ مع معاونيه، في قلايته، صلاة السّحر مع المزامير المختارة والسّاعة الأولى. وبعد استراحة قصيرة، كان يقوم بخدمة السّاعات الثّالثة والسّادسة مع التّيبيكات، بالإضافة إلى بعض القوانين كقانون يسوع أو قانون العذراء. ولكن، ولضعف صحّته، لم يكن باستطاعته متابعة الصّلوات دون توقّف، لذلك كان يطلب من معاونيه أن يرتاح قليلاً ليتابع وإيّاهم بعد ذلك الخدم الإلهيّة مجدّداً. وبعد هذا كان يحتسي الشّاي وهو يردّ على بعض الرّسائل الواردة إليه. في هذه الأثناء، كان الكثيرون يقرعون الباب بلجاجة لكي يحظوا برؤية الستارتز، ومنهم من كان يطول انتظاره مدّة أسبوع أو أسبوعين ممّا كان يثير تذمّرهم ودمدمتهم. وبعد لأْيٍ كان الشّيخ يخرج لمقابلتهم ليمنحهم البركة الجماعيّة، أو ليقول لأحدهم كلمة معزيّة، وينصح آخر أن يقرأ كتاباً يسمّيه له ليجد الجواب الشّافي لمعضلته، وليمزح مع شخص آخر… ثم يشقّ طريقه بين الجموع الصّارخة: ” أيّها الشّيخ قل لنا كلمة تنفعنا “. ولكنّ الستارتز لم يكن ليردّ جواباً بعد أن أُنهكت قواه، بل كان يسرع للوصول الى قلايته ملتمساً الرّاحة. كان يومه ينتهي عند الحادية عشرة ليلاً، بين الردّ على الرّسائل أو استقبال الزوّار إن كانت قواه تساعده على ذلك.

 

كانت حياة الشّيخ ترتكز بشكل أساسي على المحبّة، لا المحبّة العاطفيّة، بل المستندة على الكتاب المقدّس وعلى التّضحية في سبيل الآخر. هذه المحبّة التي كانت عنوان قداسة الأب أمبروسيوس، وهذا واضح جدّاً في كتاباته: “… إنّي أحسّ بالإنهاك في هذه الأيّام، ومع ذلك يجب أن أستمع إلى حديث الزوّار ولمدّة طويلة أحياناً …”. كان الشّيخ يكرّس معظم ساعاته لزائريه. وأحياناً، ومن أجلهم، كان يتنازل حتى عن تلاوة صلواته. لقد مارس الستارتز الطّاعة ونكران الذّات بشكل أساسي في حياته. اللّحظات الوحيدة التي يكون فيها منفرداً، كانت تلك التي يجلس فيها في قلايته مع الكتب الطّقسيّة أو كتب الآباء، أمثال القدّيس مكسيموس المعترف واسحق السرياني والفيلوكاليا وغيرهم.. ولكنّ تعزيته الكبرى كانت اتّحاده بالله، محاولاً الاحتفاظ بذكره دوماً، كما كانت كلمات الأب مكاريوس مصدر تعزية له أيضاً، إذ كما كان يقول هو نفسه: ” لقد ظهر مرّة الأب مكاريوس لأحد الإخوة (وكان يتكلّم عن نفسه) قائلاً له: “تحمّل. جاهد، تغصّب على سلوك الطّريق الضّيقة”. هذه كلمات قليلة ولكنّها غنيّة جدّاً، عميقة ومشجّعة.

لقد منح الله خادمه نعمة الدّهش الرّوحي كما حدّث أحدهم عنه قائلاً: “ذات مساء كان الشّيخ على موعد مع أشخاص في ساعة لم يكن عادة يستقبل فيها أحداً. عندما دخل الزوّار القلاية، كان الشّيخ جالساً على السّرير، يرتدي المعطف الأبيض الخاص بالرّهبان وفي يده مسبحة. كان وجهه، متجلّياً منيراً، حتى أن القلاية نفسها كانت مفعمة بجوّ خاص. لم يشعر الزوّار للوهلة الأولى بالرّاحة التّامة، ولكنّ فرحاً غريباً كان يشملهم، لدرجة أنّهم بقوا مدّة طويلة وهم يتأمّلون وجه الشّيخ المشع. كان كلّ شيء حولهم هادئاً والشّيخ يلتزم الصّمت. ثم اقتربوا منه لنوال البركة. وبدون أيّ كلمة رسم كلاً منهم بإشارة الصّليب وهو غارق في تأمّلاته، وهكذا ابتعد الزوّار وهم يتأمّلون الشّيخ وهو في حالة التّجلّي.”

 

كتب مرّة الشّيخ أمبروسيوس في ردّ له على إحدى الرّسائل: “من الصّعب الخلاص خارج الدّير إن لم يتعرّض الإنسان للصّعوبات الكثيرة”. إنّ هذا القول لا مغالاة فيه ولا هو من باب تحذير السّائل، بل هو ناتج من خبرته وقناعته الشّخصيّة، بأنّه ليس من السّهل على العائش في العالم أن يرتدي اللباس الذي يؤهّله لدخول ملكوت السّموات. لهذا السّبب بالذّات نستطيع أن نفهم اعتناء الشّيخ بالعلمانيين الذي كانوا يأتون بغية استرشاده. ولهذا السّبب أيضاً، نستطيع أن نفهم لماذا اعتنق هو نفسه الحياة الدّيريّة. كان همّ الشيخ دوماً أن يضع زائريه في خط السّلام، ولعلّ هذا المثل يؤكّد ما نقول: أتت إليه مرّة عدّة نساء بدافع الفضول فقط، وهنّ متأكّدات بأنّ الشّيخ لا يفقه ولا يفهم شيئاً من أمورهنّ، وهكذا بدأن، وهنّ منتظرات رؤية الشّيخ، يستهزئن به. وفجأة فُتح باب قلاية الستارتز، وبرز هو منها بابتسامته اللّطيفة المعهودة، وأخذ يتسامر مع السّيدات عن جمال المظلات اللواتي كن يحملنها وعن الرّيش اللواتي زينَّ به قبعاتهنّ وعن الموضة السّائدة في تلك الأيّام. وهكذا بدأت السّيدات يشعرن بسخافة حديثهنّ مع شيخ روحي، وانقلب شعورهنّ نحوه من استهزاء إلى احترام وتقدير كبير كيف نزل هو إلى مستواهنّ.

 

كثيرون كانوا يقصدون الشّيخ بخوف مصحوب بثقة كبيرة، وكثيرون أيضاً، وبدون إرادتهم، كنت تراهم راكعين على أقدامه، متأثّرين بقداسته المشعّة وببعد نظره الثّاقب. لم يكن الشّيخ يساعد فقط من كان بعيداً عن الكنيسة بتهاون وكسل منه، بل أيضاً من كان قد فقد إيمانه لانغماسه بالأمور الماديّة، هؤلاء كانت حالتهم أصعب من الأولين: تقدّم أحدهم إلى الشّيخ بعد أن فقد كلّ معنى للحياة، فلجأ إلى الكاتب تولستوي عساه يجد لديه ما يفتّش عنه ولكن دون جدوى. فذهب إلى الأب أمبروسيوس قائلاً: ” إنني آت لأرى فقط “. فقال له الشّيخ: ” حسناً انظر ما تريد “. ثم أخذ الشّيخ ينظر إلى زائره بنظرة صافية شفّافة أثّرت في نفس الزّائر كثيراً، واخترقت أعماقه. وبعد محادثة قصيرة خرج الرجل وهو يقول لقد عدت إلى الإيمان.

 

لقد عرفت بريّة أوبتينو العديد من المشاهير كالأديب قسطنطين ليونتيف، الذي كان لفترة زمنيّة معيّنة خاضعاً لإرشاد الأب كليمان زاديرغولم، ثم وبعد وفاة هذا الأخير لجأ إلى الأب أمبروسيوس. كان طبع ليونتيف الصّعب جدّاً امتحاناً عسيراً لصبر الأب أمبروسيوس. ولكنّ محاولات الشّيخ تكلّلت أخيراً بالنّجاح إذ أصبح ليونتيف من أخلص أصدقائه. كان ليونتيف يعاني من مرض عضال يؤلمه كثيراً، ويعتقد كلّ الإعتقاد بأنّه سوف يكون سبب موته. ولكنّ الشّيخ كان يؤكّد له بأنّه لن يموت بهذا المرض بل بمرض آخر. وفعلاً مات ليونتيف بمرض احتقان الرّئتين، المرض الذي كان ألمه أخفّ وطأة من المرض السّابق.

 

عام /1878/ توجّهت إلى أوبتينو منارتان من الأدب في روسيّا: فيودور دوستيوفسكي وفلاديمير سولوفيف لمقابلة الأب أمبروسيوس. وهاكم ما دوّنته امرأة دوستويفسكي قائلة: ” في /16/ أيّار من عام /1878/ أصابت العائلة نائبة كبرى. لقد مات ولدنا الشّاب ألوشا. لقد فُجع فيودور ميخايلوفيتش (دوستويفسكي) بموته إذ كان يحبّه حبّاً جمّاً، حتى إنّي مرّات عديدة خلت أنّ هذا الحبّ مرضيّ. لهذا طلبتُ من صديقه فلاديمير سولوفيف أن يصحب زوجي في رحلة إلى بريّة أوبتينو. لقد كان يحلم زوجي منذ زمن طويل أن يذهب إلى هناك وها الآن قد أصبح الحلم حقيقة. لقد كان موت ابني صعباً جدّاً عليّ، إذ كنتُ دائمة البكاء لا أجد سبيلاً إلى أيّة تعزية. لقد أصبحتُ غير مبالية بكلّ الأمور، وفقدت شهيّتي لكلّ عمل، وأهملت كلّ واجباتي المنزليّة، حتى أولادي لم أعد أهتمّ بهم كعادتي. لقد أصبحت أعيش فقط في ذكرى ابني وحياته. لقد دوّن فيودور في قصّة الإخوة كارامازوف كلّ مشاعري وكلّ أفكاري وأقوالي في فصل دعاه “قرويّة مؤمنة ” أو امرأة وثقت بالأب زوسيماس، فباحت له بكلّ آلامها لفقدان ولدها. كان فيودور يعاني الكثير عندما يراني على هذه الحال، ويتوسّل إليّ أن أقبل إرادة الله في حياتنا، وأن أقبل بتواضع المصاب الذي هزّنا رأفة به وبأولادنا، في حين لم أكن أشعر وقتها إلاّ باللامبالاة تجاه الجميع. وعندما عاد فيودور من زيارته لأوبتينو كان هادئاً وساكناً، وأخذ يسرد لي مطوّلاً عادات الدّير الذي قضى فيه يومين. لقد رأى الأبَ أمبروسيوس ثلاث مرّات: مرّة بين الجموع، ومرّتين في محادثة انفراديّة. لقد قصّ على الشّيخ الحدث الذي أصابنا، كما حدّثه عن حزني الشّديد، فسأل الشّيخ: ” هل زوجتك مؤمنة “؟ وعندما أجاب فيودور بالإيجاب، حمّله الشّيخ بركاته إليّ، كما أرسل لي كلمات سوف تُكتب لاحقاً في الرّواية، حيث يتوجّه الستارتز زوسيما إلى الأمّ الحزينة. لقد أكّد لي فيودور بأنّ هذا الشّيخ يعرف مكنونات القلوب بما يتمتّع من صفاء الذّهن. وهكذا استقى دوستويفسكي روايته الإخوة كرامازوف من إسقيط أوبتينو ومن نسّاك الإسقيط وآبائه.

 

عام /1877/ ذهب ليون تولستوي للقاء الأب أمبروسيوس وكلّه ثقة بحكمته الشّخصيّة. ثم وفي عام /1881/ عاد ثانية إلى أوبتينو مرتدياً هذه المرّة ثياب فلاّح. وعندما خرج من محادثة الشّيخ صرخ بقوة: ” بالحقيقة إن الأب أمبروسيوس قدّيس حقيقي. لقد تحادثت معه وامتلأت نفسي فرحاً وغبطة. نعم، لدى محادثتي معه شعرت بأنّ الله قريب منّا. “وفي عام /1890/ عاد تولستوي لزيارة الشّيخ، ولكن لم تكن المحادثة وديّة هذه المرّة، لإنهما اختلفا في مواضيع متعدّدة، حتى صرّح تولستوي قائلاً :” إنّي مضطّرب”. لقد عانى الأب أمبروسيوس من كبرياء تولستوي كثيراً، وأتعبته محادثته فقال: “إنّ كبرياء تولستوي وضعته في اختبار قاس. إنّي أقدّر جسامة الخطيئة التي غرقت فيها نفس تولستوي ضدّ الكنيسة “.

هذان مثلان من مشاهير الشّخصيّات العالميّة التي قصدت الشّيخ المستنير أمبروسيوس. ولكن الشّيخ لم يستقبل فقط المشاهير، بل تنوّعت مراتب زوّاره: فمنهم الرّاهب والعلماني، الغني والفقير، المثقّف والجاهل، المغمور والذّائع الصّيت، وكان يستقبل الجميع على حدّ سواء. لذا لم تقتصر المواضيع التي كان يعالجها على الرّوحيّة فقط بل تعدّتها إلى الأمور العالميّة. فكان يعزّي قلب المحزون، ويردّ الملحد إلى إيمانه، كما كان يسدي مشورته في عقد زواج موفّق، ويهتمّ حتى بصغائر الأمور كشراء حقل أو   إيجاد عمل…

 

هذا بالإضافة إلى أنّ الكثير من الأمّهات كنّ يأتين إليه لاسترشاده في كيفية تربية أولادهنّ، فكان يجيب قائلاً: ” أنا لا أنصح بتربية الأولاد وفقاً لمتطلّبات العصر الحاضر، بل لتزوّد الأمّ أبناءها بالتّربية الرّوحيّة التي هي الغنى الحقيقي للنّفس.. الرّاحة والرّخاء يفسدان الأطفال “. كما انتقد الشّيخ أيضاً الأمّهات اللواتي يعتمدن على ذواتهنّ قائلاً لإحداهنّ: ” أنا أعلم بأنك تحبّين أولادك، ولكن دعي العناية الإلهيّة تعتني بهم أيضاً “. وقال لأخرى: “لقد كتبت لي عن مرض ابنتك فانتبهي إذن لما سأقول: هل تستطيع أمّ ألاّهل تستطيع أمّ ألاّ تحزن أو تغتمّ لمرض ابنتها ؟ إنّ لها شعوراً إنسانيّا،ً وبحسب شعورها هذا فهي تُعذر، ولكن يجب أن تتذكّري أيضاً بأنك امرأة مسيحيّة تؤمن بالحياة الأخرى، وبالمكافأة التي سننالها لتحمّلنا كلّ المحزنات العارضة لنا إمّا بإرادتنا أو بغير إرادتنا. إذن لا تدعي اليأس يلفّك، ولا الحزن يغلّك كالفرّيسيين أو غير المؤمنين، فمهما كانت آلام ابنتك فإنّها لا تقاس بآلام الشّهداء، وإن كانت كذلك، فثقي بأنّها سوف ترث معهم الفردوس. ويجب ألاّ تنسي بأنّ الآلام الجسديّة تنقّي النّفس، كما يجب أن نعي أيضاً بأنّ الفردوس لا نحصل عليه بدون آلام وأحزان. أنا لا أقول هذا متمنّياً الموت لابنتك، ولكن لكي تعلمي بأنّك مهما أحببتها، فإنّ الله الكليّ الرأفة والرّحمة يحبّها أكثر منك وهو القائل ولو نسيت المرأة رضيعها لا أنساك أنا… من ناحية أخرى أقترح بأن تعترف الفتاة وتتناول القرابين الإلهيّة “.

 

لقد تعرّض الشّيخ حتى لمواضيع الإيمان بين الطّوائف، فقد وردته أكثر من رسالة من البروتستانت والكاثوليك يستوضحون عن المعتقد الصّحيح، فكان الشّيخ يجيبهم بحسب الإنجيل وأقوال الآباء.

 

 

الأسرار التي تخفى عن الشّيخ لم يكن لها وجود، إذ كان يقرأ مكنونات النّفس كما في كتاب مفتوح. مهما تسلّح الزّائر بالصّمت وانزوى في ناحية ما، وراء ظهر الآخرين، فحياته وحالة روحه والدّافع الذي أتى به الى أوبتينو، لم تكن لتغفل عنها عينا الشّيخ الدّاخليتان. أراد الستارتز إبقاء موهبة البصيرة عنده محجوبة عن الأنظار، لذا كان يلجأ إلى سلسلة من الأسئلة يطرحها على من يريد مقابلته، غير أن نهج أسئلته كان يفضح أمر معرفته السّابقة للأمور. وقد يحدث أن يدفعه الحماس فتخونه شفتاه ويكشف ما يعرف دون إرادته. ففي أحد الأيّام أجاب أحد الحرفيين الذي كان يشكو من ألم في يده: “نعم ستؤلمك يدك.. لماذا ضربت أمك؟ ” ثم استدرك منزعجاً وبدأ بأسئلته: ” هل كان تصرّفك حسناً دائماً؟ هل أنت ابن بار؟ ألم تهن يوماً أهلك؟ ” غالباً ما كان الشّيخ يستعمل تلمحيات سرّية وأكثر الأحيان بطريقة فكاهيّة، ليوحي للنّاس بأنّ سيئاتهم المخفيّة معلومة عنده. والشّخص الذي ينظر إليه الشّيخ كان وحده يفهم ما يعني. سيّدة اهتمّت أن تخفي ما عندها من هوى المقامرة الذي تسلّط عليها، سألته مرّة صورة فتوغرافيّة له فأجابها مبتسماً: ” وهل نحن نتسلّى بورق اللعب في الدّير؟ ” إذ ذاك اعترفت له بضعفها على الفور. كما أتته مرّة فتاة شابة، كانت تبدي نحوه كرهاً شديداً وتدعوه “المنافق الهرم”، أتته هذه بدافع الفضول ووقفت قرب الباب وراء الزوّار المنتظرين. خرج إليهم الستارتز وبعد صلاة قصيرة، حدّق جيّداً في الحشد وتوجّه نحو الشّابة قائلاً: “هذه هي فيرا التي أتت لترى المنافق الهرم”. وبعد محادثة طويلة حميمة بدّلت الفتاة رأيها وأصبحت فيما بعد راهبة في دير شاموردينو الذي أسّسه الشّيخ.

 

إنّ نصائح الشّيخ لم تكن تبدو عاديّة أوّل الأمر، ولكنّها كانت تتحقّق بحرفيّتها رغم غرابتها. فقد قصدته مرّة أختان، كانت الصّغيرة منهما حيويّة مرحة، أتت تطلب بركة القدّيس قبل زواجها. أمّا الكبرى فكانت صامتة متأمّلة، أتت أيضاً طلباً للبركة ولكن لدخول الدّير. أمّا الشّيخ فأعطى الصّغرى سبحة رهبانيّة، وأنبأ الكبرى بأنّها سوف تتزوّج في مقاطعة لم تكن قد زارتها من قبل. وهكذا حصل. فعلى إثر خيانة خطيبها، أدركت الصّغرى بطلان الدّنيا وتفاهتها فزهدت بالعالم ودخلت الدّير. أمّا الكبرى فقد تزوّجت بإنسان تعرّفت عليه عندما زارت إحدى قريباتها في المقاطعة التي كان قد حدّدها الشّيخ.

 

وهذه قصّة أخرى تظهر مدى قدرته على معرفة المستقبل: اعتادت أرملة من أسرة عريقة أن تتردّد عليه برفقة ابنتها، التي كانت في سنّ الزّواج، تطلب رأيه فيمن يتقدّمون لخطبة الفتاة. فكان الشّيخ دائماً ينصحهما بالتّريث ريثما يأتي العريس المناسب. أخيراً تقدّم شخص نال إعجاب الفتاة والأم معاً، فقامتا إلى الشّيخ لتسألاه البركة. ولكنّه أوعز إليهما أن ترفضاه قائلاً:” ستحظى بعريس رائع جدّاً، حتى أنّ كلّ معارفها سوف يحسدونها على هنائها، ولكن دعونا نحتفل بعيد الفصح أوّلاً، ففي هذا النّهار ستكون الشّمس مشعّة ومشرقة جدّاً. فلا تنسيا أن تتمتّعا بمنظرها. انتبها وحدّقا جيّداً.  ولما حلّ عيد الفصح ذكّرت الفتاة أمّها بكلام الأب، وفيما هما تحدّقان في الشّمس صرخت الفتاة بأمّها:”أمّي، أمّي إنّي أرى السّيد مرتفعاً بالمجد، سوف أموت قبل عيد الصّعود”. استغربت الأمّ كلام ابنتها إذ كانت تتمتّع بصحّة جيّدة لا تشكو من أيّ مرض. وبالفعل، وقبل عيد الصّعود بأسبوع، أُصيبت الفتاة بألم في أسنانها، انتقلت على إثره إلى الحياة الخالدة لتحظى بالسّيد عروس كلّ نفس عروساً خاصّاً لها.

 

على مدى عصور طويلة، نال موهبة صنع العجائب وشفاء المرضى كلُّ من اتّبع المعلم بطاعة غير مشروطة. في القرن التّاسع عشر نعمت روسيّا بالعديد من القدّيسين الموهوبين بشفاء المرضى، منهم القدّيس سيرافيم ساروفسكي، والقدّيس يوحنّا كرونستادت وغيرهم. وكذا الستارتز أمبروسيوس، فقد منحه الرّب موهبة صنع العجائب بما أنّه كان يعمل جاهداً لتطبيق وصايا الرّب، ولقد اخترنا البعض منها :

 

فها هي إحدى الأمّهات تصف كيف استطاع الستارتز أن ينجّي ابنها من موت مريع قائلة: ” إنّي بفرح كبير وبعميق الاعتراف بالجميل للأب أمبروسيوس رجل الصّلاة، أقر بما يلي: في /27/ من شهر أيّار من عام /1878/ وقع ابننا دمتري البالغ الرّابعة عشرة من عمره فريسة مرض مجهول، إذ كان يعاني آلاماً في الأذنين والرأس والفكّ. وصلت درجة الحرارة حتى الأربعين درجة وأصبح أصمّاً. لقد قضى ليال بكاملها دون أن ينام. ولقد قال لنا الطّبيب المختصّ بأنّ الشّاب يعاني من مرض لا شفاء منه، وإن حصل الشّفاء فسيكون بعد سنين طويلة وما علينا إلاّ بالصّبر. ولكنّ حالة ابننا ازدادت سوءاً حتى كاد يفقد قواه، وكانت آلامه التي لا تطاق تزداد يوماً بعد يوم. فارتأى زوجي أن نذهب إلى بريّة أوبتينو للصّلاة والصّوم وطلب بركة الستارتز أمبروسيوس، عسى الله يمنّ على الشّاب بالشّفاء.

 

وهكذا في /26/ حزيران قصدنا أوبتينو بعد أن تركنا ابننا في عهدة مربّية له. توجّهنا لدى وصولنا إلى الشّيخ وتحدّثنا عن مرض ابننا وعن آلامه المبرّحة طالبين صلواته، فابتسم الستارتز وأجابنا بلهجة لطيفة : “لا تقلقوا، لا تقلقوا كلّ شيء سيكون على ما يرام، إنّما يجب أن نصلّي إلى الرّب، لأنّ صلاة الوالدين تسرّه، فثقوا برحمته وعنايته فتنالوا تعزية من لدنه. وهكذا بقينا في أوبتينو حيث اعترفنا واستعددنا لمناولة القرابين الإلهيّة بحسب إرشاده، وكان دائماً يكرّر لنا القول “لا تقلقوا”، مع أنّ أخبار الولد الصّحيّة كانت في تدهور مستمرّ. وفي الأوّل من تموز بلغنا بأنّ ابننا يحتضر. فأسرعنا بالعودة، وذهبنا نطلب بركة الأب الأخيرة، وعندها أعطاني صليبين، واحداً لي وواحداً لابني قائلاً: ” إنّي أبارك ابنك فصلّي إلى الرّب”. وعند وصولنا وجدنا ابننا فعلاً في حالة يصعب وصفها. ولكنّه وبالتّحديد في /2/ تموز وبعد نوبة مؤلمة، أخلد ابننا إلى نوم عميق، استفاق بعده في كامل قواه وصحّته وعافيته. كيف هذا ؟ لا أعلم. ما أعلمه هو بأنّ دموع الفرح والشّكر لله كانت تنهمر من أعيننا. لقد أخذ ديمتري يتماثل إلى الشّفاء شيئاً فشيئاً. وفي /25/ من شهر آب ذهبنا سويّة مع ديمتري لزيارة أوبتنيو والستارتز أمبروسيوس للشّكر والتّبرك. لقد أكد الطّبيب عافية ديمتري بعد فحص دقيق أجراه له.

 

“فأحضروا إليه جميع السّقماء والمصابين بأمراض وأوجاع مختلفة فشفاهم” ألم يَعِد السّيد تلاميذه بأنّهم سوف يعملون كلّ ما كان يعمله هو؟ حقاً لقد كان قدّيسنا من أخصّاء السّيد، إذ كان يسمع كلمة الله ويعمل بها، لذا شفى الكثيرين ممن أتوا إليه وحتى ممن لم يأتوا إليه أو يسمعوا به أو عرفوه.

 

لقد كان الأب أمبروسيوس يتمتّع بموهبة شفاء الأمراض، ولكنّه كان يرجع فضل الشّفاء لله لا له، كما حصل في هذه القصّة: دخلت إحدى السّيدات إلى قلاية الشّيخ وهي تصرخ قائلة: ” اشفني أيّها الأب أرجوك “. فصاح بها قائلاً :” ليس أنا من يشفي بل الله وسيدة السّماء، فاذهبي وصلّي إليها لتنالي البرء.”

 

لم يشفِ الستارتز من الأمـراض الجسديّة فقط بـل حتى مـن العادات

السّيئة كعادة السّكر مثلاً. فلقد شفى أحد القرويين المعتادين على السّكر، الذي كان يسرق أحياناً المال ليشتري المسكر. لكنّه عندما لجأ إلى الأب أمبروسيوس انحلّ من هذه العلّة السّيئة.

 

كثيرون أيضاً شفوا دون أن يعرفوا الأب شخصيّاً، ولا حتى سمعوا به كما حدث في هذه القصّة: ” كنت متمدّدة على مقعد في غرفتي عندما تولاّني نعاس خفيف، كنت لا أزال معه أشعر بآلام جسدي عندما رأيت وكأنّ باب غرفتي قد فُتح ودخل منه راهب شاب، فسألني: ” ممّ تشكين ؟” فقلت: “آلام في يدي وقدمي وكذلك في الرأس “. فأمسك يدي وقدمي بيديه وضربني ضرباً خفيفاً على رأسي في موضع الألم، فاستدرت نحوه وسألته عن الرّاهب الواقف خلفه فقال لي إنّه الستارتز أمبروسيوس ستارتز أوبتينو، وعندها استفقت على صوت خادمتي تعلن لي موعد الذّهاب إلى الكنيسة.”

 

قبل سبع سنوات من رقاد الستارتز، وضع أساساً لأهمّ أعماله أي تأسيس دير نسائي في شاموردينو التي لا تبعد كثيراً عن بريّة أوبتينو. لقد رأينا كيف أنّ الشّيخ أمبروسيوس كان يعتقد بأن السّلام الحقيقي لا يوجد خارج الأديار، لذلك شجّع كثيراً اعتناق الرّهبنة، وأسّس هو نفسه عدّة أديار في مناطق متعدّدة، كان أهمّها بالنّسبة إليه دير شاموردينو. في الأوّل من تشرين الأوّل من عام /1884/ بارك أسقف كالوغا فلاديمير الدّير الجديد. لقد اختار الأب أمبروسيوس صوفيا ميكايلوفنا رئيسة أولى للدّير، وهي امرأة أرملة لها نحو الخمسين من العمر. ولكنّها كانت تعاني من صحّة سيّئة لذلك رقدت في كانون الأوّل من عام /1888/، وكان الأب أمبروسيوس يقول عنها ” بأنّها قد وجدت دالّة قرب الرّب لصلاحها “. اختار الشّيخ بعدها الأمّ افروسيني وكانت ابنة روحيّة له منذ عام /1860/ . لقد أخذت راهبات الدّير على عاتقهنّ تدوين أقوال الشّيخ وجمع رسائله، وتحت إرشاده كنّ يقمن ببعض الأعمال الاجتماعيّة: كالاعتناء ببعض الفتيات اليتيمات، وتثقيف وتوجيه عدد من الفتيان. كما كنّ يعتنين بالمرضى والمهملين من المساكين. في الصّيف، كان الأب يزور الدّير، وهو المكان المفضّل لديه، ليرى زرعه  قد أنبت إلى أضعاف قبل أن تأتي عليه الثّورة الشّيوعيّة سنة / 1917/.

لقد أصبحت حالة دير شاموردينو تعسة بعد موت الأمّ صوفيا. صحيح أنّ الأمّ افروسيني، خليفتها، كانت امرأة مميّزة، ولكنّها كانت قليلة الخبرة في الأمور العمليّة. وللأسف، لم تكن باقي الأخوات أحسن حالاً منها.  سبّب هذا الأمر حزناً عميقاً للأب أمبروسيوس، فتوجّه إلى الدّير في حزيران سنة /1890/ عساه يريح الرّاهبات قليلاً. هذه هي المرّة الأخيرة التي سيغادر فيها أوبتينو وإلى غير رجعة، إذ ساءت حالته جدّاً ولم يستطع العودة فاضطّر لتمضية الشّتاء في شاموردينو. وكان قد خلّف وراءه كمدبّر لأوبتينو مساعدَه الأب يوسف.

 

كان عام /1891/ العام الأخير في حياة الستارتز، فراح بكلّ ما أوتي من عزم يسعى لكي يؤسّس الدّير على قواعد راسخة. ولكنّه، مع انهماكه بأمور الدّير، لم يكن ليمتنع عن استقبال الزوّار من علمانيين وإكليريكيين رغم تردّي صحّته المستمرّ. ومن الآلام التي كانت تحزّ في نفسه، تهجّم الآخرين عليه وشكوكهم تجاهه لإقامته في دير نسائي، تاركاً ديره أوبتينو. ولمّا تعرّض لسؤال مطران كالوغا عن هذا الموضوع أجابه: “إنّ العناية الإلهيّة هي التي قادتني إلى شاموردينو”. وعندما عرضوا عليه العودة ثانية إلى أوبتينو أجاب: “لن أصل بل سأموت في الطّريق”. ثم أضاف متوجّهاً بقوله إلى أحد الآباء المدعو ثيودوسيوس: ” لن نجد الرّاحة إلاّ عندما سيرتّلون لنا أرح يا ربّ نفس عبدك في راحتك “.

 

في هذا العام بالذّات ساءت صحّته كثيراً، ومع ذلك استمرّ في استقبال الزوّار، وتحسين وضع الدّير الأحبّ إلى قلبه. وهذا كان يتطلّب منه مجهوداً كبيراً، لذا قال ذات يوم: “إنّه لجيّد أن نقف أمام صليب السّيد، ولكنّ الأفضل أن نكون نحن على الصّليب من أجله”. وأيضاً نستطيع أن نلحظ من خلال رسائل الأب أمبروسيوس كيف أنّه كان يعيش جسمانية مستمرّة خاصّة به. ففي رسالة له مؤرّخة في /18/ ايلول /1873/ يقول: ” يا لصحّتي التّعسة، إنّي أعاني من أمراض في المعدة مصحوبة بحرارة ممّا يجعل الأكل صعباً. كما أعاني من ألم في الحنجرة، وكذا من زكام مزمن، ومن روماتيزم في اليد اليمنى التي كثيراً ما تحرمني النّوم، وتجعلني أرسم إشارة الصّليب باليد اليسرى. إنّي أحمل يدي اليمنى بمنديل، لأنّ أدنى حركة منها تؤلمني كثيراً…حالة معدتي اليائسة تمنعني من تناول الكثير من أنواع الطّعام، وكذا أمعائي الضّعيفة بالإضافة إلى آلام الرّأس المصحوبة بالغثيان”. وفي رسالة أخرى مؤرّخة بتاريخ /10/ شباط من عام /1889/ : ماذا أقول عن صحّتي المسكينة؟. إنّي في تأخّر مستمرّ ولم يعد لي قوّة. الجسد كلّه يعاني من الرّوماتيزم مع ألم مستمرّ في المعدة والأمعاء. إنّي أتشجّع عندما أتذكّر القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم، النّور المشع للكنيسة الأرثوذكسيّة، الذي كان دائماً مريضاً ولكنّ هذا لم يمنعه مطلقاً من الاهتمام بأعمال الكنيسة، ومن كتابة مقالاته حول الإنجيل وأعمال الرّسل. كان يشفي الآخرين، وأما هو فقد مات تحت وطأة الحرارة المرتفعة. من المفيد جدّاً أن نتذكّر في ضيقاتنا القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم، الذي رغم أمراضه، لم يكفّ عن الاعتناء بالكنيسة “. كما كان دائم التّأمل في شجاعة القدّيس إغناطيوس الإنطاكي الذي قضى مأكلاً للوحوش، ويستمدّ من مثَله القوّة والصّبر.

 

كان القدّيس يعتبر نفسه خاطئاً كبيراً وأنّه يتألّم بسبب خطاياه. كان يتناول القرابين المقدّسة كلّ أسبوعين أو ثلاثة، فيلجأ قبل المناولة إلى الاعتراف، وها هو الأب – أفلاطون – الذي كان يعرّفه يقول عنه: “إنّه كان يعترف بخطاياه بتواضع ودموع وكأنّه واقف فعلاً أمام منبر المسيح يُحاكم”.

 

لم يقتصر عذاب القدّيس أمبروسيوس على آلام جسده، بل طالته الشّائعات فزادت من عذابه، إذ إنّ صغار النّفوس ممن لم يحظوا بمقابلته، زادوا على تذمّرهم عليه أنّهم نالوا من سمعته مستهجنين إقامته في دير للرّاهبات. وصلت هذه الشّائعات إلى مسامع مطران كالوغا الجديد، فثارت ثائرته، وقرّر أن يأتي هو بنفسه لنقل الشّيخ إلى أوبتينو. ولكنّ هذا الأخير عرف بروح النّبوءة أنّ ذلك لن يتمّ، وبأنّ مجيء المطران سيكون لتجنيزه وليس لنقله حيّاً إلى أوبتينو. وعندما سأله البعض كيف يجب أن نستقبل الأسقف أجاب : “إنّنا لن نستقبله بل هو سيستقبلنا”. وعندما استفسر الآخرون ماذا يجب أن يُرتّل له أجاب: “هللويا”. وطبعاً كان هذا نبوءة عن مراسيم موته ودفنه. وعندما اقترب شهر أيلول من نهايته، أدرك الكلّ أنّ نهاية الستارتز أيضاً باتت وشيكة. فلم يبق من جسده الشّبه المائت سوى عينان صغيرتان تبرقان ببريق الوداعة واللّطف، بينما كانت تعلو وجهه صفرة الموت. أخذت صحّة الشّيخ تتردّى يوماً بعد يوم، حتى كان يوم العاشر من شهر تشرين الأوّل، وهو موعد زيارة أسقف كالوغا، الذي تملّكته دهشة كبيرة عندما علم فور دخوله الدّير بنبأ موت الستارتز، فأردف: “الآن فهمت، لقد دعاني الستارتز إلى إقامة جنازه “. لقد وصل الأسقف تماماً في اللّحظة التي كان فيها الجوق ينشد “هلّلويا”، وعندها تذكّر الجميع كلمات الستارتز بأنّهم سوف يستقبلون الأسقف بترتيلة هلّلويا.

وفي اليوم التّالي قرّر المجمع المقدّس أن يُنقل جسد القدّيس إلى دير أوبتينو ليدفن هناك. وكان ذلك في الرّابع عشر من شهر تشرين الأوّل. كم كان حزن الرّاهبات عميقاً بموت أبيهنّ، ولكنّ حزنهنّ كان أشدّ عندما علمن بأنّ جسده سوف يفارقهنّ. لقد بقي الجسد مسجّى في دير شاموردينو حتى يوم الأحد، وهكذا بدأت أرتال من الزوّار تؤمّ الدّير لتتبرّك، وللمرّة الأخيرة، من الستارتز القدّيس ذي الوجه المضيء. لقد كان الزوّار يتهافتون على أخذ البركة إمّا بمناديل يمسحون بها رفات القدّيس، أو بأخذ نتف من ثيابه، أو حتى بمجرد لمس جسده، كما كانت الأمّهات تحملن أطفالهنّ ليتباركوا من الجسد المسجّى. أُودع الجسد هيكل الكاتدرائيّة، وفي اليوم التّالي، أي يوم الثّلاثاء، في الخامس عشر من شهر تشرين الثّاني، نُقل الجسد إلى كاتدرائيّة سيّدة قازان، حيث احتفل بالذّبيحة الإلهيّة. بعد ثلاثة أيّام، ورغم الجوّ الخانق بسبب الجماهير المحيطة به، لم يفسد الجسد بل أخذت تضوع منه رائحة طيّبة كتلك التي تفوح عادة من أجساد القدّيسين. اشترك في الجنّاز ما لا يحصى ولا يُعدّ من المؤمنين، فكان تشييعه أشبه ما يكون باحتفال كبير سارت فيه الجموع من دير شاموردينو إلى دير أوبتينو حيث استراح القدّيس أمبروسيوس نهائيّاً إلى جانب الأب مكاريوس.

 

لم يتوقّف سيل العجائب بموت القدّيس، فالكثير ممن شربوا من ماء البئر المختص به برئوا من أمراضهم، وظهر هو نفسه لآخرين في الحلم فشفاهم من أمراضهم أو عزاهم في ضيقاتهم.

 

وهذه راهبة ارتدت حديثاً ثوب الرّهبنة تخبر قائلة:” بعد أربعة أيّام من موت الشّيخ، وكان جسده لم يزل في دير شاموردينو، شعرت بكآبة غريبة سيطرت عليّ حتى قادتني إلى اليأس. فقلت: لماذا ياربّ تركني هكذا الستارتز وأنا مازلت في بداية طريقي الرّهبانيّة؟. ثم ما لبثت أن شعرت بنعاس خفيف استحوذ عليّ فنمت، فإذا بي أشاهد الستارتز متوجّهاً نحوي  قائلاً بصوت حازم :” لن أتركك أبداً “. مازلت حتى الآن أسمع صوته وكأنّه حيّ، بينما غرقت نفسي في سلام وهدوء عظيمين “.

 

وهنا رسالة من نيقولا جاكوفليفيتش بعد مرور خمسة أعوام على رقاده: ” كنت مريضاً مرضاً خطيراً وأعاني من آلام مبرّحة في الرّأس والقدمين. وفي /26-11-1896/ أحضر لي والدي نشرة صادرة عن كاهن قريتنا، قرأت فيها موضوعاً قيّماً عن الأب أمبروسيوس فرحت أرجوه أن يشفيني من أوجاعي. وبعد أن صلّيت نمت، وفجأة رأيت نوراً ساطعاً برق أمامي، وسمعت وقع أقدام تتّجه صوبي، وإذا بي أمام رجل ذي شعر رمادي اللون يرتدي منتية رهبانيّة مع صليب على صدره. وإن أردت وصف هذا الرّجل أقول بأنّه كان قصير القامة ذا وجه ناحل من الأصوام، وشعر رمادي اللون مع صوت رنّان. يحمل في يده اليمنى عصا. اقترب من سريري وقال لي: “ياولدي نيقولا قم واذهب سريعاً إلى الكنيسة، وتضرّع إلى القدّيس أمبرسيوس الذي من ميلان وسوف تنال البرء سريعاً “. ثم أخذ يدي وباركني ولمس بعصاه قدميّ فشعرت للحال بالتّحسن يسري فيهما. ثم ناولني شيئاً يشبه الخبز المقدّس، وفجأة شعرت وكأنّ رأسي يُطرق بالمطارق حتى أني خلته قد فارق كتفي، ثم باركني الستارتز من جديد، فقبّلت أنا يده المنيرة سائلاً إيّاه عن اسمه فقال لي: ” إنّي أحمل نفس اسم القدّيس الذي طلبت منك أن تصلّي إليه. إنّي الرّاهب أمبروسيوس من بريّة أوبتينو”. قال هذه الكلمات ثم اختفى. وعندما استيقظت شعرت بفرح غريب، فرحت أخبر أهلي عن أمر شفائي. ولكنّ رؤيته لم تتوقّف عند هذا الحدّ، بل ظهر لي ثانية مؤنّباً وقائلاً: ” كيف يحصل هذا أيّها العزيز نيقولا يا خادم الرّب أن تخفي أعمال الله ورحمته لك؟ لماذا  لم تخبر آباء أوبتينو بأمر شفائك “. وما إن سمعت هذا، حتى توجّهت فوراً إلى أوبتنيو مخبراً الأب يوسف، خلف القدّيس أمبروسيوس، بكلّ ما حصل لي “.

 

وهذه شهادة أخيرة من سيّدة اعترفت قائلة: ” في كلّ مرّة أتناول فيها القرابين المقدّسة كنت أتعرّض إلى نوبات شيطانيّة، أتألّم من جرّائها كثيراً. وعندما شرع أحد الرّهبان في قراءة الإنجيل المقدّس على رأسي، لم أتحمّل ذلك فكسرت المقعد الذي كنت جالسة عليه، وانتزعت بقوّةٍ الصّليب الذي كان يحمله الرّاهب بيده. ولكني عندما وجدت أن الصّلاة لم تنفعني شيئاً، أصبحت غير مبالية بالأمور الدّينيّة، لا بل انحرفت نحو الإلحاد. ثم لجأت إلى طبيب فنصحني باللّجوء إلى أحد المستشفيات النّفسيّة. كنت أتعرّض إلى /80/ نوبة شهريّاً، ممّا أدّى إلى نحولي وفقدان قوّتي، لدرجة أنّي لم أعد معها أستطيع السير. لقد أصبحت النّوبات أكثر تواتراً شهراً بعد شهر، تترك وراءها أثرا نفسانيّاً سيّئاً من الحزن واليأس. إنّي أعاني منذ ثماني عشرة سنة. وعندما تعرّضت لنوبة الحزن الأخيرة، طلبت من أختي أن تصحبني إلى مكان ما في الجبل حيث الطّبيعة الهادئة علّي أستريح. فقادتني إلى أوبتينو. تضايقت عندما وصلت سيّما وأنّي لا أعرف أحداً هناك. ولكن مرّت الأيّام، وأخذت أحياناً أتردّد إلى الكنيسة، غير أنّي لم أستطع البقاء فيها مدّة طويلة. وفي /10-7-1905/ ألهبتني رغبة غريبة في مطالعة سيرة الأب أمبروسيوس، فطلبتها من المسؤول عن دار الضّيافة، وأخذت اقرأها حتى ساعة متأخّرة من الليل. وعندما كنت أقرأ كنت أحسّ بعذوبة غريبة تتغلغل في أعماقي. إنّه شعور لم أعرفه أبداً من قبل، فصمّمت أثناء القراءة على الذّهاب إلى مثوى الأب أمبروسيوس لأتضرّع إليه هناك.

 

وفي الغد طلبت من أحد الرّهبان أن يصلّي معي على القبر وبينما كنت أنتظره أخذت أجهش في البكاء. كنت أبكي بمرارة وكأنّ عينيّ غدتا ينبوع مياه لا يتوقّف. لقد بقيت أبكي طيلة النّهار دون توقّف، ثم لجأت بعدها إلى سرّ الاعتراف حيث اعترفت بكلّ ضعفات نفسي، كما أخبرت الراهب عن مرضي، وطلبت منه أن يصلّي من أجلي. وعندما منحني صلاة الحلّ شعرت بضعف هائل في جسدي ولكنّ نفسي هدأت وكففت عن البكاء. وفي اليوم التّالي تناولت القرابين المقدّسة بكلّ هدوء. وهكذا، وبعد عام من هذه الأحداث، ها أنذا وكأنّي قد وُلدت من جديد، ولم أعد أتعرّض لأيّة نوبة حزن أو يأس، ولم أعد نزقة في تصرّفاتي مطلقاً. لقد ملأني الإيمان بالله وذكر الحياة الأبديّة. نعم إنّي أؤمن أنّ صلوات الأب أمبروسيوس جعلت الرّب يترّأف بي ويعتقني من الحالة الشّيطانيّة التي عانيت منها طيلة ثماني عشرة سنة.

 

وهذه راهبة، من دير شاموردينو، تقصّ علينا حلمين يتعلّقان بالستارتز القدّيس فقالت: ” قبل رقاد الأب أمبروسيوس بوقت قليل، رأيت حلماً وكأنّي في بستان صغير حيث كانت توجد أشجار كبيرة، كانت أوراقها تهتزّ وكلّ ورقة تصلّي بدون انقطاع صلاة يسوع (ربّي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ). كان يوجد في البستان هيكل جميل يشعّ لمعاناً، فدخلته

لأجد بأنّ قبّته لم تكتمل بعد، فسمعت صوتاً يقول:”هذا المسكن يُهيّأ للستارتز أمبروسيوس وقريباً سوف يكتمل”. وبعد موت الستارتز، رأيت دفنه في الحلم إذ شاهدت أربعة ملائكة متمنطقين بالأبيض اللامع، حاملين في أيديهم الشّمع والبخّور. فسألتهم: “لماذا يجب أن تقيم هذه الكائنات المنيرة قرب تابوت الستارتز ؟” فأجابوني: ” بسبب نقاوته “. ثم رأيت أربعة ملائكة أُخر ينزلون وهم لابسون ثيابا حمراء، وكانت ثيابهم تفوق  ثياب الأوّلين لمعاناً، فطرحت عليهم أيضاً سؤالي نفسه فقالوا: “هذا بسبب شفقته ورحمته لأنّه أحبّ كثيراً “. ثم رأيت أيضاً أربعة ملائكة ينزلون مرتدين الأزرق بجمال لا يوصف. فسألتهم للمرّة الثّالثة فقالو لي: “لأنّه تحمّل الكثير في حياته وحمل صليبه بصبر كبير.”

لقد كان الأب أمبروسيوس مربّياً، وباتّباعه المسيح اعتبر أنّ التّعليم بالمَثل هو الطّريقة المثلى للتّعليم والوعظ وهذه بعض من أقواله وتعاليمه:

 

* يجب أن نعيش على الأرض كمثل دولاب دائم الدّوران، فكلّما كان التصاق الدّولاب بالأرض خفيفاً، كلّما كانت سرعة جريه وتقدّمه أكبر. أمّا نحن، فعلى العكس، نودّ أن نبقى ملتصقين بالأرض بطريقة يصعب معها رفعنا عنها.

 

* أن تعيش ببساطة يعني ألاّ تدين أحداً وألاّ تحكم على أحد. مثلاً: إن مرّ أمامنا شخص فلننظر إليه ببساطة على أنّه شخص مارّ أمامنا فقط. أمّا إن أخذنا نتفحّصه ونصف شخصيّته ونقول عنه إنّه كذا وكذا فهذا يعني أنّنا لسنا بسطاء.

 

* للمجد الباطل والكبرياء نبع واحد إلاّ أنّهما يختلفان في بعض النّقاط. كلاهما شَرِهٌ تجاه المديح. من أصابه المجد الباطل يتنازل أمام الآخرين بغية إرضائهم وبالتّالي نيل مديحهم. يفتخر بجماله وجاذبيته فينتفخ رغم ضعفه، ولكن إن لم يكن له ما يفتخر به، فهو يتملّق النّاس موافقاً آراءهم بقوله: “صحيح، صحيح” ولو لم يكن مقتنعاً بما يقوله تمام الاقتناع.

 

أمّا من كانت الكبرياء شيمته، فتفوح منه رائحة احتقار الآخر. فإن كان رأيه مسموعاً في محيطه وله بعض التّأثير، يرفع صوته ويصرخ ويجادل ويعترض ويُصرّ على رأيه الخاص. أمّا إذا لم يكـن من أصحاب المشورة،

فإنّه يسخر من الآخرين وينتقدهم في ثورة من الغضب، ولو استطاع نهشهم

لفعل.

إن بحثت جيّداً، وجدت أنّه حيثما كان هناك انقسام وعدم اتّفاق، يكون المجد الباطل والكبرياء هما السّبب، لأنّ الحسد والكره والغيرة إنّما هم من ثمار هذين الألمين.

 

* إنّ الأنانية هي جذر كلّ الشّرور.

 

* عندما تكون مضطّرباً، إلجأ إلى قراءة الإنجيل. إقرأ بصوت منخفض.

إقرأ ولو لم تفهم، فإنّ كلمات الرّوح القدس تطرد الحزن بعيداً.

 

* (كتب ردّا على إحدى الرّسائل): بما أنّ أفكار اليأس توحي إليك بأن لا خلاص لك، إذ إنّ توبتك سطحيّة جدّاً إذا ما قورنت بثقل خطايك، وعليك بالتّالي أن تقدّم كفّارة توازي آثامك لتنال الغفران. اسمع ما سوف أقوله لك. إنّ كلمة كفّارة لا توجد في قاموس الكنيسة الأرثوذكسيّة، بل قد تسرّبت إليها من الكنيسة الغربيّة. أمّا إيماننا القويم الصرف فهو التّالي: إن أخطأ إنسان مسيحي، عليه أن يحتمل ألماً وقتيّاً لينجو من العذاب الأبدي. ويكون هذا الألم خفيفاً إذا ما قورن بخطاياه، سواءً أكان مرضاً أو حزناً أو ذلاً، لأنّ رحمة الله هي التي تخلّصه إذ تسدّد ما تبقّى من دينه. لقد كان اللّص الشّكور لصّاً لمدّة ثلاثين سنة، وكان عليه بالمقابل أن يحتمل التّعليق على الصّليب مع كسر الرّجلين مدّة ثلاث ساعات فقط. إنّ هذا الألم قاسٍ جدّاً ولكن هل هو كفّارة كافية عن ثلاثين سنة من الإجرام؟ بالطّبع لا، أحكم أنت بنفسك.

 

* كلّ خاطئ تائب مات ولم يتسنَّ له أن يقدّم توبة إختياريّة، إن كان بالصّوم

أو الصّلاة والمطّانيّات أو بتحمّل مرض طويل الأمد أو أحزان أخرى، علينا أن نذكره في الذبيحة الإلهية لينجو من  العذاب المؤبّد.

 

صلاة في بداية النهار

(لآباء برية أوبتينو )

 

*ساعدني يارب، أن أواجه كل ما سيحمله لي هذا اليوم الحاضر بسلام.*

* أعنّي أن أستسلم بكلّيتي لمشيئتك القدوسة.*

* في كل ساعة من ساعات هذا النهار أنرني وقوّني في كل أمر.*

* علمّني أن أتلقى كل جديد يأتيني به هذا اليوم بهدوء وقناعة راسخة أن لا شيء يحدث إلا بسماح منك.*

* قوّم أفكاري وأحاسيسي في كل ما أعمله وأقوله.*

* وإن صادفني في هذا النهار أمر غير مرتقب

لا تدعني أنسى أنه آت من لدنك.*

* علمّني كيف أتصرف بصدق وحكمة مع المحيطين بي

حتى لا أحزن أو أضايق أحدا.*

* أعطني يا رب القوة لأحتمل عناء هذا النهار مع كل ما سيحمله لي.*

* وجّه أنت إرادتي وعلمّني أن أصلي واؤمن وأصبر وأسامح وأحب.*

آمـيـن

 

 

 


  • § من مجددي الرهبنة في البلاد السلافية وحتى الروسية. أعلنت الكنيسة الروسية قداسته عام 1988.

سيرة القديسة إيريني التي من خريسوفلاندو (القرن التاسع)

سيرة القديسة إيريني التي من خريسوفلاندو

(القرن التاسع)

 

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

إن القديسة إيريني (سلام) التي سوف نسرد سيرتها الآن هي غير القديسة إيريني العظيمة في الشهيدات، التي ولدت في القرن الأول الميلادي، والتي تعيّد لها الكنيسة في الخامس من شهر أيار. أما هذه القديسة، فقد ولدت في القرن التاسع حوالي العام 830 م، من أسرة شريفة تعود في نسبها إلى سلسلة الأباطرة التي تبوأت عرش القسطنطينة بالتتابع.

 

كان والدها فيلارييت قائداً مغواراً في جيش الإمبراطورة ثاوذورة التقية، التي انتهت في أيامها حرب الإيقونات، والتي استعانت بفيلاريت، والد إيريني، في إحلال السلام التام في المملكة والكنيسة. أما والدتها، فلم يذكر التاريخ عنها شيئاً، سوى أنها توفيت تاركة وراءها زوجاً شاباً وطفلتين صغيرتين: إيريني (ثلاث سنوات) وكالينيكي (ست سنوات).

 

احتضنت العمة صوفيا الطفلتين بعد غياب أمهما، جاهدة في تعويض الحنان والعطف لهما سيّما وأن عمل والدهما كان يفترض غيابه عنهما، وأحياناً لمدة طويلة.

 

كان للعمة صوفيا التأثير الكبير في تهذيب نفسي هاتين الطفلتين، فغرست فيهما منذ نعومة أظفارهما محبة التقى والفضيلة، وأذكت في قلبيهما، وخاصة في قلب إيريني الناعمة، محبة الله.

كانت كالينيكي فتاة حيوية جداً فائقة الجمال والذكاء، فأعجب بها أخو الإمبراطورة ثاوذورة وتزوجها، وهكذا انتقلت إلى القسطنطينية لتعيش في البلاط الحياة التي طالما أحبتها وتاقت إليها. أما إيريني الصغيرة، فكان هادئة ذات نفس حساسة شفافة، تميل إلى السكينة والوحدة، مزينة نفسها بالفضائل الروحية، ومضرمة نار الحب الإلهي في قلبها رغم صغر سنها، غير عابئة ولا مبالية البتة بما كانت تهتم به فتيات عصرها من زينة خارجية. بل كان تحصر كل اهتمامها بالعناية بالمساكين والبؤساء، مادة لهم يد العون دوماً، ومثابرة مع عمتها على زيارتهم وتفقد حاجاتهم. كما كانت دائمة التردد على أديار منطقتها، وخاصة على الدير النسائي، دير الأربعين شهيداً، حيث كانت تسترشد بالأب سيسينيوس، صاحب الفضل الكبير بتقدمها الروحي.

 

بلغ مسامع الإمبراطورة ما لإيريني من المحامد والجمال، فرغبت بها زوجة لابنها الملك ميخائيل، وأرسلت لها العربات الملكية لتنقلها إلى البلاط. فقامت إيريني متوجعة القلب تودع منطقتها وأصدقاءها المساكين والبؤساء، وزارت الأب سيسينيوس سائلة بركته وأدعيته. فطلب منها حينئذ أن تزور الأب البار إيوانيكيوس، الذي كان ينسك في جبل الأوليمبوس، الجبل الذي لا بد من اجتيازه لمن يقصد القسطنطينية.

 

تركت إيريني منطقتها، وكلها تطلع إلى رؤية الأب إيوانيكيوس، يخالج الشوق نفسها لما سيقوله لها. وقبل وصولها إليه، حطت رحالها في أحد الأديار، طالبة من رئيسه أن يرشدها إلى حيث يقيم هذا الناسك الجليل. وعند وصولهم إلى صومعته، فاجأها الأب بقوله: أهلاً وسهلاً بأمة الله إيريني التي لن تصبح زوجة للملك كما يريدون لها، بل رئيسة لدير خريسوفلاندو الذي ينتظرها.

 

دهشت إيريني لهذا الكلام، وانذهلت كل الانذهال، كيف تأتى لهذا الأب أن يعرف اسمها وهي التي وضعت برقعاً على وجهها بغية التخفي؟! بل كيف عرف قصتها ولماذا أتت إليه؟! لا بد أنه رجل الله الذي ألهمه هذا الكلام. لم تنبت إيريني ببنت شفة ولكنها لبثت متفكرة بهذا الناسك الذي عرف أحوالها دون كلام.

 

واصلت إيريني سفرها بعد ذلك، قاطعة القيافي لتصل إلى القسطنطينة التي ما إن وطئتها حتى علمت بزواج الملك ميخائيل من فتاة أخرى ، قبل أيام معدودة لوصولها.

 

جرى لإيريني استقبال حافل في القسطنطينية، حتى أن الإمبراطورة أرسلت ابنتها الأميرة تقلا مع اثنتين من سيدات الشرف في البلاط لاستقبالها والتأهل بها. أما لقاؤها مع الإمبراطورة فكان مهيباً، إذ كانت إيريني بالنسبة إليها كملاك ذي طلعة منيرة سماوية هابط عليها. وأما إيريني فعندما رأت عرش الملكة الفخيم تمثّلت عرش الديّان الضابط الكل. ولكن مع كل هذا كان اللقاء أيضاً حميماً، تبادلتا فيه مختلف الأحاديث الوديّة، إلى أن أفصحت إيريني للملكة عن رغبتها في الترهب، وطلبت مساعدتها إن مانع أبوها في ذلك. وعدتها الملكة خيراً وأهدتها صليباً ثميناً مرصعّاً يحوي داخله ذخيرة من عود الصليب عربون محبتها لها.

أقامت إيريني في البلاط نزولاً عند رغبة الإمبراطورة وابنتها تقلا التي أحبتها حبّاً جمّاً، والتي كانت لها نعم الرفيق في زيارة أديار وكنائس القسطنطينية. ومن بين الأديار التي زارتها وأعجبت بها، دير رؤساء الملائكة في منطقة خريسوفلاندو، التي أقامت فيه يومين اطّلعت خلالهما على نظامه وطريقة حياة الراهبات فيه، وتعرفت على رئيسته وفاتحتها برغبتها في التوحد . فطلبت الرئيسة منها حينئذ أن تحصل على موافقة أبيها في ذلك، نظراً لصغر سنها إذ كانت تبلغ آنذاك خمسة عشر سنة فقط.

 

عندها قررت إيريني مكاشفة والدها بعزمها فور عودته من سفره. ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن. كان أباها قد قرر تزويجها من شاب يتمتع، حسب رأيه، بكل الصفات الحسنة التي تجعل كل فتاة تتمناه شريكاً لحياتها. لذا فاتح ابنته بالأمر فور عودته. غير أنه فوجئ برفض إيريني المطلق لهذا الشاب وإعلان رغبتها بكل ثبات في الترهب. فثار ثائره واشتد غضبه وأمهلها مزمجراً مدة أربع وعشرين ساعة لتفكر خلالها باختيار أحد الأمرين: إمّا الرضوخ لإرادته، أو بقضاء بقية حياتها داخل سجن يعدّه لها بنفسه. لم تستطع إيريني الصغيرة الناعمة تحمّل هذا الموقف، فوقعت فريسة حرارة عالية جداً، وخارت قواها وأصيبت بضغف شديد ألزمها الفراش. عجز أطباء البلاط الذين أرسلتهم الإمبراطورة عن شفائها وقرروا سرعة موتها المحتّم. حينئذ ثاب ذلك الأب العاتي إلى رشده وجاء ذات يوم نادماً باكياً، وركع عند سرير ابنته متضرعاً إلى الله وطالباً من العذراء شفاء ملاكه واعداً بأخذها بيده إلى الدير.

يا للفرح، ويا للدهشة معاً، لأن صحة إيريني بدأت بالتحسن فجأة، وكأن يد الله وشفاعة العذراء تدخلا! فها قد انخفضت درجة الحرارة، وأخذ الضعف في التلاشي. وبدأت إيريني تتماثل للشفاء، حتى إن أولئك الأطباء الذين كانوا قد قرروا موتها السريع، نصحوها وهم منذهلون بتمضية فترة نقاهة خارج القسطنطينية ريثما تتمالك صحتها وتعود عافيتها.

 

عندها أسرعت الامبراطورة بتقديم قصرها الكائن في منطقة خريسوفلاندو قرب دير رؤساء الملاشكة، لتقيم فيه إيريني. وهكذا ، وبتدبير إلهي، أتاحت لها فرصة التردد والتعرف أكثر فأكثر على هذا الدير، والتحدث مع رئيسته حول موعد التزامها الحياة الرهبانية. فحددت لها الرئيسة موعد قدومها بعد ارتفاع عيد الصليب الكريم.

 

وفي الموعد المحدد، رافقها ابوها وسلمها إلى الرئيسة، التي أمسكتها بيدها وقادتها إلى الكنيسة، حيث ألبستها أمام والدها ثوب الابتداء الأسود، معلنة بذلك انصمام إيريني إلى صفوف المجاهدين الذين ملأ الحب الإلهي قلوبهم.

 

عاشت إيريني في الدير ممارسة أسمى أنواع الفضائل، فبرزت طاعتها المثالية والعميقة للرئيسة ولكافة الأخوات، وحتى للجرس الذي ما إن كانت تسمع رنينه، حتى تكون الأولى  في الكنيسة أو على المائدة أو في أية خدمة يدعو إليها. وظهر أيضا تواضعها في كل تصرفاتها منذ الأيام الأولى، فكانت حريصة مثلاً على عدم التفوه بكل ما يخص شرف أسرتها، أو عظمة أو بطولات أو انتصارات والدها، غير متذمرة البتة من القيام بكل الأعمال حتى الصعبة منها، كتقطيع الحطب أو إشعال النار أو غسل الثيات، إلى ما هنالك من أعمال لم تكن تمارسها قبلاً، بل لم تكن تعرفها أيضاً. كما أوكلت اليها الرئيسة العناية براهبتين عجوزتين مريضتين، فقامت بتلك المهمة الشاقة بكل صبر وتفان ومحبة، حتى إن الرئيسة شاهدت ذات يوم فوق رأسها هالة من نور فيما كانت تصحب إحدى الراهبتين إلى الكنيسة.

 

ملأت إيريني قلبها وعقلها بالصلاة الدائمة خلال يومها ملازمة الصمت التام. فكانت الراهبات تنذهل لصمتها وتواضعها أمام الانتهارات والتوبيخات، متعلمات منها طلب السماح بوداعة وانسحاق. أما هي فكانت تسارع كل ليلة لتركع عند قدمي رئيستها معترفة بما كانت تسميه خطايا النهار مما أثار عليها حسد الشيطان، عدو كل خير، فأصلاها نار التجارب، إذ بدأ بتزيين حياة العالم في عينيها، بكل ما فيها من مغريات وشهرة وأمجاد فانية كي تعود إلى حياتها الأولى. ولقد كانت تشتد عليها هذه التجربة عندما كانت تقوم بأعمال شاقة مذكراً إياها بعظمة ماضيها وشرف أسرتها، أو كان يشعل قلبها بحنان قوي جارف كاد يخنقها تجاه والدها الذي تركته وحيداً. أما هي فكانت تردد دوماً في سرها: “من أحب أباً أو أمّاً أكثر مني فلن يستحقني.” ثم أصلاها بنار تجارب الجسد وشهواته، ملوثاً أفكارها بكل ما يدنسها، فكانت إيريني تسارع إلى تطبيق إرشادات رئيستها، بالصلوات المتواصلة، أو بسهر الليالي في الصلاة والدموع وطلب عون الله، أو بالسجدات للعذراء مريم طالبة غوثها، وهي مرشدة المؤمنين إلى العفة والمربية الصالحة للعذارى، أو بالرقاد جالسة على مقعد دون أن تسمح لجسدها بالتمدد والراحة. فبهذا وغيره، استطاعت كبح جماح هذا الجسد وتطويعه لإرادة الروح.

 

وبعد فترة ارتأت الرئيسة أن تمنحها الاسكيم الرهباني الملائكي، بحضور جميع الراهبات وحضور الإمبراطورة وابنتها تقلا ووالد القديسة وأختها الذين استمعوا إلى أجوبتها وهي نتذر وفاء العيش للفقر والعفة والطاعة، النذور الرهبانية الثلاث.

 

وبدأ جهاد إيريني المغبوطة يزداد خاصة بعد قراءتها سيرة القديس أرسانيوس الكبير، فطلبت بركة رئيستها، إذ لم تكن تعمل أي شيء دون بركة خوفاً من حبائل الشيطان، لتتشبه بطريقة صلاته رافعة يديها منذ غروب الشمس حتى شروقها. كانت تمضي بادئ الأمر الساعات الطوال في السجود للصليب المقدس رافعة يديها إلى العلاء تاركة ذهنها في صلاة قلبية عميقة. ثم أصبحت تمضي يوماً كاملاً أي أربعاً وعشرين ساعة  كاملة وهي على هذه الحال مما أثار دهش الرئيسة، وخافت عليها من وقوعها في الكبرياء، أو في أية تجربة أخرى وهي لم يمض عليها سوى عام واحد في الدير فقط.

 

وفعلا فقد أثار الشيطان حسد بعض الراهبات، فبدأن يزعجنها بتصرفاتهن. ولكن إيريني أحست بفخه، واستطاعت أن تربح قلوبهن بتواضعها أمامهن، وبإظهار محبتها لهن بشتى الطرق وفي مختلف المناسبات. إلى أن ظهر لها الشيطان ذات ليلة، بينما كانت تصلي، مزمجراً في وجهها وقائلاً: “لن أدعك تنتصرين علي، سوف أحاربك وأذيقك مرّ العذاب لتري وتعلمي مدى قوتي وسلطتي.” لكن إيريني لم تعره اهتماماً، بل رشمته بإشارة الصليب، فاختفى تاركاً وراءه أصواتاً مزعجة.

 

ومن يومها، تعرضت إيريني لقتال شديد وتجارب كبيرة، وتراكمت الأفكار تزعجها وتقض مضجعها. فكانت ترمي بنفسها أمام الرب بصلاة حارة ونفس منسحقة، متوسلة إلى العذراء مريم وإلى رئيسي الملائكة أن يساعدوها ويعضدوا ضعفها.

 

كما عانت في هذه الفترة الزمنية القصيرة من آلام وأحزان جمة، أولها كان موت والدها وحيداً في قيصرية بعد أن تركته عمتها لتلتزم الحياة الرهبانية في أحد الأديار، ثم آلام أختها ومشاكلها الزوجية التي كانت تعانيها من زوجها المستبد القاسي، وبعدها مرض صديقتها تقلا ابنة الإمبراطورة وعذابها الشديد وهي على فراش الموت، وأخيراً مرض رئيستها الذي أودى بها إلى القبر مملوءة من الأجور والخيرات السماوية.

 

وقد جمعت الرئيسة راهباتها قبيل وفاتها بقليل لتسدى إليهن نصائحها الأخيرة التي ركزت فيها على الطاعة الكاملة لمن ستكون خليفتها قائلة لهن بأن بركتها ستشملهن دوماً طالما هن مطيعات لهذا الأمر وطلبت منهن أن تنتخبن إيريني خليفة لها مطلعة إياهن على عظم فضائلها ونقاوة سيرتها، وأطلقت عليها اسم ابنة النور وإناء الروح القدس.

 

وبعد وفاة الرئيسة، انتخبت الراهبات بالإجماع إيريني رئيسة عليهن بحضور  البطريرك القديس مثوديوس المعترف رغم ممانعة إيريني نفسها.

أحست إيريني بصعوبة وثقل هذا الصليب الملقى على عاتقها، لهذا كانت تسارع عند كل صعوبة إلى السجود أمام إيقونة السيد قائلة بدموع غزيرة: “أيها الرب يسوع المسيح، أنت هو الراعي الصالح وأنت باب الخراف، فقدسّنا وعلمنا طرقك. ساعدني أنا أمتك مع قطيعك هذا الصغير، إذ دون عونك وعضدك لا أستطيع أن أعمل أي صلاح. فارحمني أنا الخاطئة وأعنّي.” ثم كانت تتوجه إلى نفسها قائلة: “ويحك يا إيريني المسكينة، إن ابن الله قدّم دمه الطاهر من أجل خلاصنا ، فأي اهتمام يجب عليك تجاه النفوس التي اقتناها بدمه لئلا تهلك. صلي وصومي واسهري حتى يساعدك الرب لئلا تأتي عثرة ما، لأن الرب قال: ” أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة.”  ثم كانت تحني رأسها بتواضع وتسليم لمشيئة الرب متعلمة من فتاة الناصرة القديسة التي قالت يوماً ما: “ها أنا أمة للرب.” وهكذا كانت أيضاً تمارس الطاعة وهي رئيسة مَحبةً بالرب والأخوات.

 

مضى على إيريني ست سنوات في الدير كانت خلالها تعمل على تقديس نفسها ونفوس الآخرين، مرشدة إياهم بكل حكمة وصبر. أما اهتمامها الأكبر فكان مساعدة الراهبات على كشف أفكارهن لها، وقد منحها الله بناء على طلبها، موهبة معرفة خفايا القلوب، حيث خاطبها ذات يوم ملاك قائلاً: “سلام لك يا إيريني، لقد أرسلني الله لأكون قربك، وأكشف لك المكتومات والخفايا. وهكذا رافقها هذا الملاك طيلة حياتها. وبفضل هذه الموهبة استطاعت أن تساعد وتصلح نفوس الراهبات والعلمانيين الملتجئين إليها على السواء. فشاع صيتها وملأ الآفاق واعتبرها الكثيرون قديسة رغم صغر سنها. وأرادت الكثيرات أن يقلدنها فتركن العالم وانضممن إلى الدير حيث أصبح عدد راهباته مئة راهبة، بعد أن كان حين تسلمت رئاسته ثلاثين راهبة.

 

لكن الشيطان لم يهنأ له بال وهو يرى عظم المواهب التي أسبغها الله على أمته، فقام عليها من جديد، وظهر لها مرة ثانية وهي تصلّي، لكنها لم تلتفت إليه فثار ثائره وأخذ ناراً من القنديل الذي كان يضيء قلايتها وأشعل المنديل الذي على رأسها. وهكذا أخذت النار تلتهم ملابسها، وكادت تصل إلى جسمها. ولكن القديسة لم تحس بشيء من هذا، إذ كانت مختطفة بالروح. إلا أن إحد الراهبات اشتمت رائحة الحريق، فهرولت إلى قلاية القديسة فشاهدتها تحترق دون أن تترك صلاتها. فأسرعت في إطفاء ملابسها، وعندها عادت البارة إلى وعيها راسمة إشارة الصليب وأما الراهبة فقد استمرت في نزع الثياب مع بعض من لحم جسمها، الذي كان قد التصق بالثياب المحترقة، والممزوج برائحة طيب عطرة بقيت تفوح من جسد القديسة لعدة أيام. وهكذا لم يجسر الشيطان، بعد هذا الحادث، أن يظهر لها مواجهة بل عمد إلى إزعاجها بطريقة أخرى.إذ إن إحدى الفتيات الشريفات حضرت ذات يوم إلى الدير لتعتنق الرهبنة. ففرحت بها القديسة، إذ كانت الفتاة الأولى التي تأتي الدير من بلدها. وكانت هذه الفتاة يتيمة الأبوين، تعيش تحت كنف أحد أقاربها الذي لم تخبره بدخولها الدير.

 

وما إن علم قريبها باختفائها، حتى استعان بساحر شرير يتعامل مع الشياطين، باذلاً في سبيل إيجادها الأموال الطائلة. وفجأة بدأت هذه الفتاة تأتي حركات وأقوالاً غريبة تدل على جنون صريح، وتحدث أصواتاً وتمزق ثيابها مريدة الهرب من الدير. فدعت الرئيسة الراهبات إلى الصوم والصلاة أسبوعاً كاملاً، عسى الله يمنّ على أختهن بالشفاء ويحلها من رباط الشيطان الذي يعذبها.

 

وفي اليوم الثالث من الصوم، ظهر القديس باسيليوس لإيريني، وطلب منها أن تأخذ الأخت الممسوسة إلى مزار للعذارء الكفيلة بشفائها. وهكذا كان. فلقد أخذت الرئيسة ابنتها المريضة متوسلة إلى العذراء أن تعتقها من هذا الرباط الثقيل الذي عذبها سنوات طوال. فاستجابت العذراء لطلبها وحررت الابنة من رباط العدو، وعادت إلى الدير تمجد الله وتشكر أمه العذراء.

 

كانت إيريني تمضي الصوم الكبير صائمة تأكل مرة واحدة في الأسبوع قليلاً من الخضار منتصبة الأسبوع بكامله رافعة يديها تصلي. ولقد شاهدتها إحدى الراهبات ذات ليلة وهي مرتفعة عن الأرض مسافة متر تقريبا تنحني أمامها شجرتا سرو باسقتان. ثم رأت القديسة تلتفت وترسم الشجرتين بإشارة الصليب، فعادتا إلى وضعهما الأول. وفي اليوم التالي، ربطت الراهبة رأس الشجرتين بمنديل لتبرهن للراهبات صحة الخبر الذي روته لهن. وفعلاً شاهدت الراهبات المنديل مربوطاً في أعلى الشجرتين، فتعجبن جداً، لأنه من المستحيل الوصول إلى رأس الشجرتين لربطهما، خاصة بسبب علوهما الشاهق، وتأكدن من صحة قول أختهن، من أن الشجرتين كانتا تنحنيان يومياً عندما كانت القديسة تبدأ صلاتها.

وذات يوم استقبلت إيريني أحد الزوار الذي قال لها: “كنت منطلقاً في سفينتي من جزيرتنا بطمس، متوجهاً مع البحارة إلى القسطنطينية. وفجأة بعد أن بعدنا عن البر، إذا بشيخ جليل ينادينا بملء صوته، ملوحاً لنا بيديه طالباً منا التوقف. وبما أنه لم يكن بمقدورنا ذلك تجاهلناه وأكملنا السير. ولكن ويا للعجب! إذ توقفت السفينة من تلقاء ذاتها، وإذا بي أرى الشيخ ماشياً فوق الأمواج متجهاً نحونا. وعند وصوله قال لي: “لا تخف، إني رسول المسيح وحبيبه يوحنا، لقد أرسلني لأعطيك هذه التفاحات الثلاث لتوصلها إلى بطريرك القسطنطينية، وأعطاني إياها. ثم أخرج ثلاثاً أخر وقال لي: أعطها لأمة الله إيريني في خريسوفلاندو وقل لها: الرب يقول: “كلي من هذه الثمار الجنية التي طالما حنّت نفسك العفيفة إلى تذوقها”، ثم باركني واختفى عني. أخذت القديسة التفاحات وخبأتها دون أن تُعلم أحداً بأمرها. وعند بدء الصوم الكبير، أخذت التفاحة الأولى، وقطعتها إلى قطع صغيرة جداً، وأخذت تأكل منها كل يوم قطعة لا غير دون أن تذوق طعاماً آخر مما أثار عجب الراهبات لصوم رئيستهن، كما انذهلن من الرائحة الذكية التي كانت تفوح من فمها جاهلات أمر التفاحة. يوم الخميس العظيم ، أخذت التفاحة الثانية وقطعتها إلى قطع صغيرة، موزعة إياها على الراهبات ساردة لهن قصة التفاحات. فتناولت الراهبات منها بفرح وخشوع معاً، مرتلات المجد لك يا مظهر النور. أما التفاحة الثالثة، فقد أبقتها القديسة إلى يوم وفاتها.

 

ويوم الجمعة العظيم، ينما كانت القديسة تستمع راكعة إلى تراتيل جناز المسيح، إذ بها تبصر أمامها ملاكاً هابطاً من السماء بمجد ونور بهيين يقترب منها ويقول: “استعدي، لقد أزفّت الساعة.” وعندها علمت إيريني بقرب رحيلها عن هذا العالم، فلم تجزع من كلام الملاك، ولكنها أحست بخشية ورهبة من ملاقاة الله، ومن صدور الحكم عليها. فالموت قاس حتى للقديسين أيضاً. ولكنها بدأت تستعد لهذة الملاقاة بالمناولة المتواصلة والصلاة الدائمة، ثم أخذت تأكل من التفاحة التي احتفظت بها إلى هذه الساعة.

 

ويوم وفاتها، اشتركت بالقداس الإلهي لآخر مرة، وفي نهايته، استدعت راهباتها مباركة إياهن واحدة فواحدة، ثم توجهت نحو الباب الملوكي وركعت أمامه قائلة: “أيها الرب يسوع المسيح، يا ابن الله الحي، يا من هو وحده الصالح، ووحده الذي حررنا بدمه الكريم من رباطات خطايانا، استمع إلى طلبة أمتك هذه الأخيرة ، صن بيدك العزيزة هذا القطيع الصغير، حوطه بعنايتك الإلهية، واحرسه من كل الأعداء المنظورين والغير المنظورين، لأنك أنت مخلصنا ومقدسنا وإياك نمجد إلى الأبد آمين.

 

وبعدها توجهت القديسة بصمت نحو قلايتها، واستلقت على سريرها، محاطة بكل راهباتها اللواتي رأينها تبتسم ابتسامة عريضة مشرقة مغمضة عينيها عن هذه الأرض الفانية الزائلة مع مجدها الباطل لتفتحهما على الأرض السماوية الجديدة ومجدها السرمدي الذي لا يفنى.

 

لقد هزّ موتها المدينة بأسرها، فتراكض الألوف من الناس من كل الجهات ليتبركوا من جثمانها الطاهر الذي كانت تفوح منه رائحة عطرة جداً، رائحة القداسة والجهاد. ولقد شارك البطريرك نفسه في نقلها إلى مثواها الأخير الذي أضحى بعد قليل من موتها مزاراً شرفه الله بصنع العجائب لشفاء أمراض كثيرة. ولا يزال مزار هذه الفديسة مع ديرها قائمين حتى الآن يؤمهما يومياً الآلاف من الحجاج الطالبين بركتها وشفاعتها.

 

صلواتها وشفاعاتها فلتحفظنا كل حين. آمين

الطريق الأقصر إلى قلب الله

الطريق الأقصر إلى قلب الله

 

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

 

أن نفتح أعيننا على بؤس البشر فنحاول تخفيفه بدلا من أن نغسل منه أيدينا، أن نجد  فرحنا في بلسمة ألمٍ،  أن نشترك في عناء الغير،أن نحمل للحظة على كتفنا صليب الآخر، أن نمسح دمعة ما، أن نرسم ابتسامة على شفاه محزون، أن نساعد طفلا على الحياة، أن نؤاسي شيخا أضنته السنون،  باسم الرب ومن أجل مجد اسمه.

هذا هو نبع الحقيقة والحياة والفرح. إنه أمر لا يخضع لبرهان أو تفسير بل هو شيء نحياه ولا يمكن معرفته إلا بأن نتحمل العبء ونعيشه.

القديس بطرس الرحيم

 

عاش بطرس في القرن السادس للميلاد، أيام الإمبراطور يوستينيانوس. كان قيّما على الجباية في بلاد إفريقيا، وكان غنياً جداً وقاسياً جداً لا يرحم. وقد اعتاد الشحاذّون أن يخبروا، كلما اجتمعوا، كيف أنه لم يسبق لأحد أن حصّل منه شيئاً. فقام واحد منهم، مرة، وشارطهم أنه بإمكانه حمل بطرس على إعطائه حسنة ولو كان بخيلاً. ثم ذهب يبحث عنه، فإذا به يلقاه عائداً إلى بيته ومعه على دابته خبز كثير. فتقدم الشحاذ وأخذ يسأله صدقة، فانتهره بطرس وشتمه. فأعاد الكرة وألّح  إلى أن عيل صبر بطرس واشتعل غضباً. وإذ أراد أن يرميه بشيء ما ليصرفه عنه، قبض سهواً، على رغيف وقذفه به، فاخذ الشحاذ الرغيف فرحاً ولاذ بالفرار.

 

ثم، وبعد أيام قليلة، مرض بطرس واشتّد مرضه. فرأى، ذات ليلة، في الحلم أنه مات وسيق إلى مكان الدينونة. وهناك شاهد ميزان العدالة وأعماله مشهرة أمام عينيه. وكانت الشياطين واقفة قرب الكفة اليسرى والملائكة قرب الكفة اليمنى. أولئك يكدّسون شرور بطرس في كفتهم، فيما الملائكة واقفون حزانى إذ لم يجدوا حسنة واحدة يلقونها في كفّتهم. ولما طال انتظار الملائكة وأوشك الحكم أن يصدر، إذا بملاك يقول: “ليس لنا ما نضعه سوى هذا الرغيف الذي رمى به بطرس أحد الشحّاذين منذ يومين، ربما ينفع”. ثم أسرع فألقى بالرغيف اليتيم في الكفة اليمنى، فارتفعت اليسرى وتساوت الكفتان  رغم  ذنوب

بطرس الكثيرة.

فاستفاق بطرس مرتعداً منذهلاً يتصبب عرقاً وقال لنفسه: “لقد أراني الرب خطاياي التي اقترفتها منذ صباي. ولكن إذا كان رغيف واحد قد تساوى وذنوبي كلها، مع أني ألقيته للشحّاذ رغماً عني، فكم من الخير سأجني إذا ما أكثرت من أعمال الرحمة بإرادتي؟!”

 

ومنذ ذلك اليوم تحول بطرس إلى أكثر الناس رأفة بالمساكين. فوزّع خيراته كلها عليهم، ثم باع نفسه عبداً بثلاثين من الفضة وأعطاها للمعوزين، باسم يسوع، فصار يُعرف منذ ذلك الحين ببطرس الرحيم.

( نقلا عن السنسكسار)

 

“الإحسان ذبيحة نقدمها على مذبح قلوب الفقراء، علينا أن نحسن إلى المحتاجين ونحن ساجدون في قلوبنا لأننا نقدم ذبيحة ليسوع بواسطتهم”

( القديس يوحنا الذهبي الفم)

 

من أخبار القديس يوحنا الرحيم

(بطريرك الاسكندرية)

 

في إحدى الليالي ظهرت لي فتاة في الحلم، وكانت غاية في الجمال والطهر ومكللة بإكليل من أغصان الزيتون. (في اليونانية عبارة زيتون أو زيت تعني رحمة) فدنت مني ووخزتني في جنبي. فاستيقظت مرتعداً، وإذا بي أشاهد الفتاة عينها لا في حلم بل في اليقظة. فسألتها: “من أين أنت ومن أين جئت، وكيف تجرأت على الدنو مني وأنا نائم؟!”

فتطلعت إليّ بهدوء وبشاشة وقالت لي: “أنا أولى بنات الملك العظيم، إذا اتخذتني صديقة لك جعلتُك من أخصائه، إذ ليس لأحد دالة مثلي عنده، وأنا التي حملته على النزول من السماء إلى الأرض ليتخذ جسداً آدمياً “. وما إن انتهت من كلامها حتى اختفت عن الأنظار. وبعد تفكير طويل استنتجتُ أن هذه الفتاة إنما هي فضيلة الإحسان التي دفعت الله كي يأتي إلى الأرض متجسداً.

فقمت للحال منطلقاً إلى الكنيسة وقد بزغ الفجر. وفيما أنا ماضٍٍ التقيتُ بفقير يرتجف من شدّة البرد، فخلعت عني المعطف وأعطيته إياه وتابعت السير مفكراً وقائلاً: “سأتأكد إن كانت الرؤيا حقيقية أم هي خدعة من الشيطان”.

 

وقبل أن أصل إلى الكنيسة دنا مني رجل يرتدي لباساً أبيض، وسلّمني كيساً يحتوى على مئة ليرة ذهبية قائلاً: “خذ هذا الكيس يا صاحب “. ومع إني قبلته بفرح، ندمت بعدها حالاً وبادرت إلى ردّه إذ لست بجاجة إلى المال. أما صاحبه فقد اختفى. عندئذ أدركت أن الرؤيا لم تكن خيالية بل حقيقية برمّتها.

وهكذا كلما أحسنت إلى فقير، كنت أقول لفكري، سأرى إن كان المسيح سيرد لي مئة أضعاف ما أعطيه حسب وعده (متى 29:19). وبعد أن تأكدت فعلاً مئات المرات من هذه الحقيقة، قلت لنفسي: “كفى، إلى متى ستجرِّب من لا يُجرَّب؟ “

“تأمل من تعطي وارتجف، لقد كساك الرب برداء الخلاص أفلا تكسوه بواسطة قريبك”

( القديس يوحناالذهبي الفم )

إن أحد الأجانب المقيمين في الاسكندرية فكّر أن يمتحن صلاح القديس الذي لا يُمتحن. فارتدى ثياباً رثة وانتظره عند المستوصف حيث اعتاد البار أن يزوره مرتين أو ثلاثاً كل أسبوع. ولما أقبل القديس صرخ نحوه بصوت يثير الشفقة: “إرحمني يا سيّد أنا الشقي”. فأشار إلى خادمه ليعطيه ستة نقود. فأخذها وانطلق بسرعة إلى مكان آخر وغيّر زيّه وانتظر القديس ولدى اجتيازه من هناك أمر بإعطائه ثانية.

أما تلميذه فدنا منه وأسرّ إليه: “إنه هو الذي أعطيناه ستة نقود منذ قليل”. ولما ظهر لهما المرائي لثالث مرّة، حثه تلميذه قائلاً: “هو نفسه، هو نفسه”. فأجابه: “أعطه إثني عشر نقداً “. ثم نطق تلك العبارة المأثورة: “لعلَّ ربي نفسه يجربني.”

 

ومرة أخرى فيما كان القديس ذاهباً إلى الكنيسة، دنا منه رجل من الشرفاء قد نهب اللصوص بيته وجعلوه على الحضيض. فلما رآه القديس تحنن عليه وأمر أن يعطوه خمس عشرة ليرة ذهبية. أما المسؤول عن التوزيع فلم ينفذ الأمر بحرفيته بحجة قلة المال، لأن القديس لم يتعوّد تكديسه. فبدل الخمس عشرة أعطاه خمس ليرات فقط.

وفيما كان البار خارجاً من الكنيسة دنت منه امرأة أرملة من الأغنياء، وسلمتّه صكاً بخمسمئة ليرة ذهبية موقعاً بيدها. ولدى استلامه شعر في داخله، بفعل النعمة الساكنة فيه، أن ما أمر به لم ينفَّّذ بحرفيته. فدعى المسؤولين وسألهم إن كانوا قد أعطوا خمس عشرة ليرة لذلك الإنسان المنكوب.

فأجابوه، كذباً، بأنهم أعطوه خمس عشرة ليرة. فاستدعى القديس الرجل المعني وبعد أن سأله عرف أنه أخذ خمس ليرات فقط. عندئذ أراهم الصك الذي أعطته إياه المرأة وقال لهم: “سيطالبكم الرب بالألف الباقي. فلو أعطيتم الرجل خمس عشرة كما أوصيتكم، لقدّمت المرأة ألفاً وخمسمئة ليرة. ولكي تصدقوا كلامي ادعو المرأة التقية للحضور الى هنا “.

فحضرت المرأة ومعها الذهب المنذور. فسألها البطريرك: “قولي لي، هل هذه هي الكمية التي نذرتها لله منذ البداية؟” وإذ شعرت أن القديس قد اكتشف أمرها، اشتملها خوف شديد وعزمت على الإقرار بالسر قائلة: “أيها السيد، كنت قد كتبت على الصك الذي أعطيتك ألف وخمسمئة، وقبل أيام فتحته فوجدت الكتابة ممحوة، لا أعلم كيف، فاعتبرت أن الله لم يشأ أن أقدّم أكثر من خمسمئة، هذه هي الحقيقة كلها “.

ولدى سماعهم هذا اشتملهم الرعب، فخرّوا عند قدميْ القديس ملتمسين مغفرة عصيانهم. وأما المرأة المحبّة المسيح فزوّدها بالدعاء والبركة وأطلقها بسلام.

كان كثير من مسيحيّي كنيسة الإسكندرية يرغبون بشدّة أن يطبقوا تقاليد الرسل. فكانوا يبيعون ممتلكاتهم ويضعون ثمنها بين يدي القديس يوحنا الرحيم، طالبين منه أن يوزّعها على الفقراء.

ومن بين أولئك المسيحيين رجل قدّم إلى القديس يوحنا سبعة مثاقيل ونصفاً من الذهب مؤكداً له أنه لم يبقِ منها شيئا لنفسه، وطلب إليه أن يصلّي من أجل خلاص ابنه وتوفيق سفينته المسافرة إلى إفريقيا وعودتها بالسلامة.

وبعد مرور ثلاثين يوماً من زيارته للقدّيس توفيّ ابنه، ثم في اليوم الثالث من وفاته، وبينما كانت السفينة عائدة من رحلتها تعرّضت لزوبعة بحريّة هائلة قرب منارة الإسكندرية، وبالكاد استطاعت أن تنجو مع ركابها، أمّا البضاعة فقد غرقت كلّها في البحر.

لم يمض على وفاة الابن فترة قصيرة، والحزن مازال يعصر قلب الوالـد، حتى فاجأته أخبار السفينة وما لحقها من أضرار جسيمة، فغرقت نفسه في لجة الحزن والكآبة.

إن خبر الكارثة الفادحة لم يدع البطريرك أقلّ أسىً من ذاك. لذا راح يتضرع إلى الله لكي يلطّف حزن المنكوب ويهدئ نفسه من عاصفة الكآبة المحيقة بها ويمنحها السلام والهدوء.

وفي تلك الليلة بالذات ظهر للمحسن في الحلم رجل يشبه البطريرك بشكله وقال له: “لماذا كل هذا الحزن والكآبة؟ ألستَ أنتَ الذي طلبت مني أن أصلّي من أجل خلاص ابنك؟ فها هوذا قد خلص بنعمة الله ناجياً من شرور العالم. فإنه لو طالت حياته على الأرض لغدا إنساناً شريراً غير مستحق لمحبة خالقه ومبدعه.

أما بالنسبة للسفينة فلا تغتمّ البتة. لأنه لو لم يستجب الله لطلبتي لغرقت السفينة وركابها كلهم مع أخيك أيضاً. فلا تكتئب بل بالأحرى واجه الأحداث بصبر وشكر، عالماً أنه لا يحصل شيء بدون إرادة الله”.

فلما استيقظ الرجل شعر بتعزية كبيرة تغمر قلبه، وأسرع إلى القديس المغبوط، وخرّ عند قدميه شاكراً ومعترفاً له بالجميل ومخبراً إياه ما رأى في الحلم. فلما سمع البطريرك ذلك قال له: “أدِ الشكر لله لا لي، لأنه يدبّر كل الأشياء بما يوافق منفعة النفس وخلاصها “.

 

وقد اعتاد المغبوط يوحنا الإطّلاع على حياة الآباء القديسين الذين اشتهروا في عمل الإحسان راغباً في اقتفاء خطواتهم، ومن بينهم سيرة القديس سيرابيون السيدوني الذي صادف يوماً فقيراً عرياناً في السوق فوقف يحدّث نفسه قائلاً: “كيف وأنا الذي يُقال عني أني راهب صبور مجاهد، أكون لابساً ثوباً وهذا المسكين عريان، حقا إن هذا هو المسيح والبرد يؤلمه.” فخلع معطفه وأعطاه إياه. وبعد أن سار مسافة صادف فقيراً آخر فخلع عنه القميص وأعطاه إياه، ثم جلس متقوقعاً ماسكاً الإنجيل الذي بقي له.

فسأله أحدهم: “من الذي عرّاك يا أبانا؟ ” فأشار إلى الإنجيل وقال: “هذا قد عرّاني “. وبعد أن باع الإنجيل أيضاً ووزع ثمنه للفقراء سأله تلميذه:

–        أين الإنجيل الصغير يا أبت؟

–         ثق يا بني، لقد أطعت كلام السيد القائل: “بع كل ما لك ووزعه على الفقراء (متى 21:19) وفكرت بأنه ينبغي ألا أعفّ حتى عن الكتاب الذي دوّنت فيه هذه الوصية “.

 

“لقد جعلك الرب مجيداً في السموات أفلا تخلّص أخاك من الارتجاف والعري والخزي”

( القديس يوحنا الذهبي الفم )

 

شاهد أخ الأب نيسثروس مرتدياً معطفين فقال له:

– إذا أتاك فقير وطلب منك رداء أياً من الإثنين تعطيه؟

–        الأحسن.

–         وإذا أتاك آخر ماذا تعطيه؟

–         أعطيه المعطف الآخر، وأنزوي في مكان ما إلى أن يفتقدني الله ويسترني.

“إذا أحسنت إلى فقير لا تطلب أن يساعك في عملك، كي لا تخسر أجر ما صنعته معه”.

إن الأعمال التي غايتها الإحسان كثيرة ومتنوعة، فمنهم من يفعل إحساناً من أجل سفينته فيسهّل الله أمر سفينته. وآخر من أجل أولاده فيحفظ الله أولاده. وآخر لكي يتمجد فيمجده الله.

إن الله لا يرفض طلبة أحد بل يمنح كل واحد ما يشاء إذا لم يكن في الأمر ضرر لنفسه. فهؤلاء جميعهم لن ينالوا أجرة فيما بعد لأن الله قد أعطى كلاّ منهم بحسب بغيته في فعل الإحسان، وهو بذلك ليس مديوناً لهم بشيء في الحياة الأخرى. أما أنت فإذا أردت أن تفعل إحساناً فافعله من أجل خلاص نفسك ومحبة بالله فقط،، والذي ترغبه سيعطيك الله إياه لأنه مكتوب” ليعطِِك الرب حسب قلبك” (مز5:19)

 

أخبر الأب دانيال كاهن الإسقيط قال: لما كنت شاباً ذهبت إلى طيبة لبيع أشغالي اليدوية، ونزلت في بيت منفرد يسكنه رجل يعمل في مقلع حجارة اسمه افلوجيوس (مبارك). هذا كان قد تمرس في مهنته منذ حداثتة  ويعمل صائماً طوال النهار حتى المساء.

 

وبعد أن ينتهي من العمل، كان يخرج من بيته مفتشاً عن أناس عابري السبيل ويأتي بهم إلى البيت فيستضيفهم ويغسل أرجلهم بيديه.

 

وقد استضافني هذا الرجل مراراً مع  أخوة كثيرين. فأذهلتني جداً

فضيلته، وأدهشني مزاجه المفعم بالعطف والتواضع والوداعة والإنسانية. هذا ما جعلني، بعد ما عدت إلى الاسقيط، أحبس نفسي في القلاية ثلاثة أسابيع صائماً ومبتهلاً إلى الله كي يزيده مالاً حتى يتمكن من عمل الخير لعدد أكبر من الناس.

 

فانهارت قواي من الصوم وانطرحت بين حي وميت. وفيما أنا على هذه الحال تملّكني النعاس، فشاهدت رجلاً جليلاً يقف أمامي قائلاً:

–        ما بالك يادانيال؟

–         لقد تعهدت للمسيح ألا أذوق خبزاً قبل أن يرزق إفلوجيوس قاطع الحجارة مالاً لكي يشمل خيره عدداً أوفر من الناس.

–        كلا. إن هذا مضر لنفسه، وخير له أن يبقى كما هو الآن. وإذا شئت أن أزيده مالاً فتعهد أنت خلاص نفسه.

–         أعطه يا سيدي وأنا أتكفل به حتى يمجّد الجميع اسمك القدوس.

–         قلت لك خيراً له أن يبقى كما هو الآن.

–         لا بل أعطه، وأنت ما عليك إلا أن تطالبني بنفسه.

 

وفجأة إذا بي داخل كنيسة القيامة أشاهد صبياً جالساً على القبر المقدس ومن عن يمينه إفلوجيوس. ولما رآني الصبي نظر إلى الحاضرين وقال لهم:

–        أهذا هو كفيل إفلوجيوس؟

–         نعم يا سيدي.

–         إني مطالبك بالكفالة.

–        نعم يا سيدي إني مستعدّ.

 

وفي الحال شاهدتهم يفرغون مالاً في حضن إفلوجيوس، وبمقدار ما كانوا يفرغون كان حضنه يزداد اتساعاً. وهنا استيقظت متيقناً أن طلبي قد استجيب فمجّدت الله.

 

وفي الصباح خرج إفلوجيوس للعمل. وفيما هو يضرب إحدى الصخور طن صوت صدى في مسمعيه إذ كان تحت الصخرة فراغ فاستمرّ في الضرب حتى كسرها. وإذا به أمام كومة من النقود الذهبية. فانذهل متحيراً من الأمر وبدأ يفكر ماذا سيفعل بهذا المال. فقال في نفسه: “إن أخذت المال إلى بيتي سيعلم به الوالي فيستحوذ عليه، وأتعرض أنا للخطر. فالأفضل أن أرحل من هنا وأذهب إلى حيث لا يعرفني أحد “.

 

وهكذا استأجر حيوانات وتظاهر بأنه ينقل عليها حجارة وانطلق قاصداً بيزنطية. وكان يملك عليها آنذاك يوستينوس الشيخ. وإذ بلغ إليها ذهب إلى الملك وقدم له ولكبار القصر ذهباً كثيراً. ولم تنقض فترة قصيرة حتى صار هو رئيساً للقصر الملكي، فاشترى بيتاً كبيراً لا يزال معروفاً حتى الآن ببيت المصري.

 

مضت سنتان دون أن أعرف شيئاً عن هذه الأحداث. إلى أن كان يوماً شاهدت نفسي، في الحلم، أنّي في كنيسة القيامة حيث كان الصبّي جالساً على القبر المقدس. فتذكرت إفلوجيوس وقلت في نفسي: أين هو يا ترى؟ وإذا بي أشاهد شيطاناً يجرّه إلى الخارج مقصياً إياه من أمام الصبي. فاستيقظت للحال. وإذ علمت مغزى الحلم صرخت: ويلي أنا الخاطئ لقد خسرت نفسي.

 

فقمت ماضياً إلى بيت إفلوجيوس راجياً ملاقاته. حل المساء وخيّم الظلام ولم أجد من يدعوني إلى الاستضافة. فبادرت إلى امرأة عجوز وطلبت منها شيئاً آكله، فأتتني بثلاث كعكات، ثم جلست قربي تحادثني بأقوال مفيدة قائلة:

–        إنك شاب وينبغي ألاّ تدخل القرية، أوَلا تعلم أن السيرة الرهبانية تتطلب هدوءاً؟

–        وماذا تنصحيني أن أعمل، فقد جئت إلى هنا لبيع أشغالي اليدوية؟”

–        إنك وإن جئت لبيع أشغالك يجب ألا تتأخر، بل عد إلى الإسقيط بسرعة إذا كنت ترغب أن تصير راهباً كاملاً “.

–        ألا يوجد إنسان يخاف الله في هذه القرية يستضيف الغرباء؟

–        آه أيها الأب، لقد كان يقطن هنا حجّار يعمل حسنات كثيرة للغرباء. وإذ رأى الله فضله وهبه نعمة فصار، كما أسمع، من أشراف القسطنطينية اليوم.

 

ولما سمعت هذا الكلام، قلت في نفسي: “أنا الذي سببت الهلاك لهذا الرجل”. وللحال ركبت السفينة متوجهاً إلى بيزنطية. وبعد أن استهديت إلى مقرّ سكناه جلست عند بابه منتظراً عودته إلى بيته. وما إن شاهدته آتياً بمجد عظيم، حتى دنوت منه بوجل وقلت له: “عطفاً يا سيد، أريد مقابلتك ولو قليلاً”.

فلبثت أربعة أسابيع محاولاً ذلك، لكن محاولاتي باءت بالفشل، ولما عيل صبري بدأت أصرخ بصوت عال، فبادرني أحد خدامه وانهال عليّ ضرباً حتى أثخنني بالجراح. فقلت في نفسي: “هيا بنا يا دانيال نعود إلى الإسقيط”.  وهكذا أقلع بنا المركب إلى الإسكندرية. ومن شدّة الألم والحزن غطست في نوم عميق.

 

وفي هذه الأثناء شاهدت نفسي مرة أخرى داخل كنيسة القيامة ورأيت الصبي جالساً كعادته على القبر المقدس يحدّق فيّ بنظرة تهديدية قائلاً لي: “لماذا لا تذهب لتوفي دينك؟” وإذ اشتملني الخوف لبثت مسمراً في مكاني غير قادر حتى على فتح فمي. فأمر اثنين من المحتفّين به أن يربطا يديّ إلى الوراء ويعلقاني رأساً على عقب. وبعد ما أتّما الأمر قالا لي: “لا تتكفلّ فوق ما تستطيع ولا تعارض إرادة الله”. أما أنا فلم أستطع من شدة الحزن والألم أن أجيب بكلمة.

 

وفيما أنا معلق بهذا الشكل سُمع صوت يقول: “السيدة آتية “. فتشجعت فور مشاهدتي إياها وصرخت: “ارحميني يا سيدة العالم “. فالتفتت إليّ وقالت لي: “ماذا تريد؟ ” فقلت: “أنا معلق بسبب كفالتي لإفلوجيوس “. فقالت: “سأتوسل من أجلك “. وإذ قالت هذا توجهت نحو الصبي وخرّت عند قدميه وقبلتهما. عندئذ كلمني الصبي قائلاً: “لا تفعل ثانية ما قد فعلته”. فأجبته برعدة: “كلا، سماحاً يا سيدي”. فأمر بحلّي وقال: “اذهب إلى قلايتك وسترى كيف سأعيد إفلوجيوس إلى ما كان عليه”.

 

فاستيقظت ممتلئاً فرحاً لانعتاقي من هذه الكفالة. ثم توجهت إلى الإسقيط وفمي يقطر شكراً لله.

 

وبعد ثلاثة أيام من وصولي إلى الإسقيط بلغني أن الملك يوستينوس توفي وملك مكانه يوستينيانوس. وبأن أربعة من الشرفاء، من بينهم إفلوجيوس، قاموا بثورة ضد الملك، فقبض على ثلاثة منهم وقطع لهم رؤوسهم. وأما الرابع، إفلوجيوس، ففر هارباً أثناء الليل. فأصدر الملك قراراً بقتله أينما وجد.

 

فبدأت عندئذ أسأل عنه، وبعد الفحص والتدقيق علمت أنه رجع إلى قريته ليزاول مهنته الأولى دون أن يفصح لأحد أنه هو الذي صار بطريقا في القسطنطينية، كما كان يؤكد لأهل القرية أنه في السنوات التي خلت كان في القدس.

 

وزيادة للتأكيد على ذلك ذهبت أنا إلى قريته، وإذا به آت لدعوة الغرباء إلى بيته. ولما شاهدته تنهدت بدموع وقلت لله: “ما أعظم أعمالك يا رب كلها بحكمة صنعت، حقاً إنك تُفقر وتُغني، تُذلل وترفع وأحكامك لا يُستقصى أثرها”.

 

فأخذني مع بقية الغرباء وأتى بنا إلى بيته، حيث أضافنا وغسل أرجلنا. وبعدما انتهينا من الأكل انفردت به وقلت له: “كيف حالك يا إفلوجيوس؟ ” فأجاب: “صلِّ من أجلي أيها الشيخ فإني ذليل فارغ اليدين”.

 

عندئذ بدأت أسرد له كل ما جرى. فقال لي باكياً: “صلِّ من أجلي كي يعطينا الله ما نحتاجه فقط وإني من الآن سأصلح نفسي”. فقلت له: “لا تطلب شيئاً من المسيح، ما دمت في هذه الحياة، سوى أجرة أتعابك اليومية”. ثم ودعته عائداً إلى الإسقيط.

 

ولبث إفلوجيوس يعمل في تقطيع الحجارة ويستضيف الغرباء حتى نهاية حياته. ورغم أنه بلغ المئة سنة لم يبرح مهنته. فقد منحه الله قوة ليعمل طيلة حياته على الأرض.

 

“من الأفضل لكم أن تكونوا صغاراً في عداد قطيع المسيح، على أن تكونوا في أسمى مراتب التقدير، ولكن مستبعدين من الأمل الذي لنا فيه”

( القديس كليمندس الرومي)

 

””’

 

على أي شيء تتوقف المحبة المسيحية

(للذهبي الفم)

 

المحبة لا تكون بالكلام فقط أو بالترحيب البسيط، بل بالمناصرة والمساعدة، كتخليص الآخرين من الفاقة وإمداد المرضى ورد الرزايا عن التعساء والبكاء مع الباكين والفرح مع الفرحين. وهذا هو دليل المحبة الحقة خلافاً للظن أن الفرح مع الفرحين أمر قليل الأهمية مع أنه عمل عظيم بحد ذاته يتطلبه القلب المدرب في الحكمة. فإن كثيرين يتممون أعمالاً صعبة جداً ولا يقدرون أن يفرحوا مع الفرحين. كثيرون يبكون مع الباكين ولكنهم لا يسرون لسرورهم بل يبكون من سوء النية والحسد. لذلك إن الفرح لسرور الآخرين خدمة لا تنكر، وهي أهم من البكاء من أجل الآخرين. فأي فضيلة أعظم من إعانة المحتاجين؟!

 

 

عن عظمة فضيلة الإحسان

( للذهبي الفم)

 

الحسنة فضل جسيم وهبة من الله تعالى. فبإعطائنا الصدقة نماثل الله تعالى. الصدقة هي العامل الأكبر الذي يجعل الإنسان إنساناً. لذا قال أحدهم في وصف الإنسان: العمل العظيم هو الإنسان، والشيء الثمين هو الإنسان المحسن، وهذه نعمة أعظم من إحياء الموتى.

إن إرواء الظمآن إلى المسيح، أعظم من إحياء الموتى باسمه. لأنك إن أتممت الأمر الأول تحسن إلى المسيح وإن أتممت الثاني يكن المسيح قد أحسن إليك. فالجائزة لمن يفعل الخير، لا لمن يتقبله من الآخرين.

بصنعك العجائب تكون مديناً لله، أما بفعلك الرحمة فيكون الله مديناً لك. وقد يتكمل عمل الرحمة عندما نعطيها بطيبة خاطر وسخاء غير متوقعين أجراً ولا شكراً. فبهذه نحصل على نعمة لأنفسنا لا خسارة. وبغير هذه الصورة لا تكون الحسنة نعمة، فعلى من يصنع الخير مع الآخرين أن يبتهج لا أن يحزن.

إن تخفيف أحزان غيرك لا ينطبق مع حزن نفسك! فإذا حزنت لا يكون عطاؤك حسنة وإذا حزنت لإنقاذك غيرك من الحزن يكون عملك هذا قاسياً جداً وعديم الإنسانية. فالأفضل لك ألا تعطي من أن يكون عطاؤك على هذه الصورة. لماذا تحزن؟ ألأن ذهبك قد نقص؟ إن كان تفكيرك هكذا فلا تعط.

 

لا يجب أن تفكر بهيئة الفقير الرديئة. لا تنظر إلى هيئة المتسول الرديئة، بل تصور أن المسيح داخل بواسطته إلى بيتك. امتنع عن قساوة القلب وعن الكلام البذيء الذي تلوم به طالبي إحسانك مسمياً إياهم منافقين كسالى وغير ذلك من الألقاب المهينة.

أعط كسرة الخبز بمحبة بشرية لا بقساوة القلب! أعط كمحسن لا كمهين! أطعمه لأنه شحاذ لا لأنه يفوه بكلام إبليس الذي يشين حياته. أطعمه لأن المسيح يتغذى بذلك! لا تنظر إلى ابتسام الشحاذ الظاهري بل افحص ضميره تجده يلعن نفسه كثيرا ويتنهد ويأسف لحالته، ولا يظهر حقيقته من أجلك فقط.

 

 

 

 

 

 

 

 

علمنا يا رب أن نتخلى عن محبة أنفسنا وأنانيتنا، ولا نكتفي بمحبة أهلنا والمحيطين بنا،

علمنا يا رب أن نفكر بالآخرين وأن نحب أولاً من حُرم من المحبة،

أعطنا أن نتألم مع المتألمين ونبكي مع الباكين، يا رب هبنا أن نتذكر على الدوام أنه في كل لحظة من لحظات حياتنا التي تحميها بعيانتك، يوجد ملايين من البشر الذين هم أخوتنا وأبناؤك يموتون جوعاً من دون ذنب اقترفوه. يموتون برداً ولم يستحقوا الموت برداً،

ارحم يا رب كل فقراء العالم، واغفر لنا أنانيتنا وجهلنا اللذين أبعدانا عنهم زماناً طويلاً،

اغرس يا رب حبك في كل قلب لكي يعرف معنى التعزية الحقيقية يا إلهنا الكلي الاقتدار أبا المراحم وإله كل تعزية.

القديس أرسانيوس بوكا الروماني

القديس أرسانيوس بوكا الروماني

(U1989)

أعدها عن الإنكليزية الأب أنطوان ملكي

وُلد القديس ارسانيوس في العام 1910 في إحدى القرى الصغيرة في رومانيا لوالدين أرثوذكسيين تقيين، يوسف وخريستينا. أمه، أثناء حملها بالطفل يوحنا (اسمه قبل الرهبنة)، كانت تحلم دائماً بأن الشمس أو القمر يشع فوق بطنها، وكانت دائماً تفكّر في ما عساه يكون هذا الطفل.

توفي الوالد عندما كان يوحنا (القديس أرسانيوس) طفلاً وأُجبرت أمه على الزواج ثانية. هذا الزواج الثاني أزعج يوحنا كثيراً فصار يبقى بعيداً عن البيت لفترات طويلة، مما هيأ له التعرف على الرهبان. في آخر الأمر، انضم يوحنا إلى أخوية دير القديس قسطنطين بينكوفونو، بإسم أرسانيوس، حيث هذّب نفسه روحياً بصبر. لقد كان مستنيراً بنعمة الروح القدس وقد مُنح موهبة معرفة المستقبل.

صار القديس أرسانيوس معروفاً كمعرّف ومرشد روحي. كان كل من يلتقيه يشعر بأن هذا الأب قادر على دخول أعماق نفسه وتفحصها، فقد كان قادراً على كشف أفكار الإنسان والكثير من الخطايا والأعمال السابقة. إلى هذا، فقد كان يعرف أسماء الأشخاص قبل لقائهم وبدون أن تكون سبقت له معرفتهم. فمنذ أن سيم وأعطي البركة بتقبل الاعترافات، كان دائماً يكشف الخطايا التي لم يُعتَرف بها كما كان يكشف الأمور التي سوف تكون.

لقد كان دائم القلق والانزعاج من الكثيرين ممن يأتون إليه فيعترفون لكنهم يرفضون تغيير حياتهم، مختارين الاستمرار بإشباع رغباتهم. لقد كان يعرف أنه في يوم الدينونة سوف يكون كفيلهم لخلاص نفوسهم. ولهذا كان يرجو الله ويلتمس منه أن يكشف له سبب امتناع هؤلاء الناس عن ترك طرقهم الخاطئة.

علم القديس أرسانيوس بيوم رقاده قبل ثلاث سنوات من موعده، وأخبر مَن حوله بأنه لم يزل أمامه ثلاثة فصول فصحية ليحتفل بها. وبالفعل، قد رقد بالرب بعد ثلاث سنوات. لقد تنبأ بسقوط المؤسسة الشيوعية وقيام الشعب الروماني ضد النظام الملحد، وسريعاً، بعد نبوءته، رقد في تشرين الثاني 1989، وقد سقط النظام الشيوعي بعد هذا بشهر أي في كانون الأول 1989. بقي القديس أرسانيوس في نفوس الكثيرين من أبنائه الروحيين، مستمراً في إرشادهم من فوق.

دُفن القديس في دير بريسلوب النسائي حيث تبلغ الحرارة درجات منخفضة جداً قد تصل إلى العشرين درجة تحت الصفر. ومع هذا، فكل الأزهار التي نمت على قبره لا تذبل ولا تتجمد ولا تموت من البرد القاسي، بل تبقى طوال السنة مفتحة بشكل كامل، ويبقى القبر مزيناً بأزهار متعددة الألوان والعطور. وتشكّل هذه الظاهرة العجائبية أحدى الأمور التي شدت وما زالت تشد الآلاف من المسيحيين إلى زيارة قبر هذا القديس.

إحدى رؤى القديس

في أحد الأيام، فيما كان يجلس في أحد كراسي الحديقة متأملاً في الجبل المقابل، رأى غيمة كبيرة سوداء تظهر فوق القمة. وقد كان هناك ضجيج واهتياج آتيان من داخل الغيمة. وفيما راح يبحلق أكثر بالغيمة رأى أنها انقسمت إلى اثنين وعلى أعلى نقطة من الجبل كان هناك تاج ملوكي محاط بالنار، وعلى التاج كان يجلس عدو الإنسان، أي إبليس، محاطاً بجيش من الشياطين. لقد كان القديس أرسانيوس قادراً على تتبع ما كان يحدث بوضوح. وهكذا سمع الشرير يقول:

“مَن منكم بارع وذكي كفاية حتى يأتي بشيء من الأفكار الشريرة الماكرة فيهمس بها في آذان الشعب حتى نتمكن من اجتذابهم وشدّهم إلى جانبنا؟ بهذه الطريقة نستطيع أن نثبّت مملكة أعظم من مملكة الله إذ لم يعد لدينا الكير من الوقت…”

فظهر شيطان وسجد لقائده إلى الأرض وقال: “أيها القائد المطلق للظلمة، أنا أرى أنه من المناسب أن نهمس في آذان الشعب بأنه لا إله”.

أجاب إبليس قائلاً: “إن شرّك ليس الأعظم لأننا نستطيع أن نكسب عدداً أكبر من النفوس بطريقة أخرى. فليأتِني أحد بفكرة أخرى”.

فأتى ثانِ وقال: “أيها القائد الممتاز، أقترح أن نهمس لهم بأن الله موجود أمّا الملكوت والجحيم فلا، وبأن حياتهم تنتهي ببساطة عند قبرهم”.

قال إبليس بعد تأمل مطوّل: “هذه الفكرة الكريهة ليست كافية أيضاً ولن تؤهلنا لكسب نفوس كثيرة. سوف يتذكر الناس أن المسيح قال عند صعوده إلى السماء: “في بيت أبي منازل كثيرة. وإلاّ فإني كنت قلت لكم. أنا أمضي لأعد لكم مكاناً. وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتي أيضاً وآخذكم إليّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً” (يوحنا 2:14-3). للأسف، إن إيمان الناس بهذه الكلمات قوي لدرجة تبطل مخططاتنا. سوف لن يكفّ الناس عن الإيمان بأنه سوف يكافئهم جميعاً بحسب أعمالهم في الحياة. فليقدّم أحد غيرك اقتراحاً آخراً”.

فتقدّم واحد ثالث وبعد أن انحنى إلى الأرض أمام قائده قال: “يا قائد الظلام الفائق الإكرام، أنا أقترح أنه من الأفضل بكثير أن نمدح الناس لإيمانهم بالله وبوجود الملكوت والجحيم، وبرجائهم الدينونة الأخيرة. ومن ناحية ثانية، في الوقت نفسه، نهمس في أذنهم: <لا تسرعوا إلى التوبة واتركوها لتكون عمل آخر أيامكم. فالموت لم يزل بعيداً. أما الآن، فاستمتعوا بحباتكم، أشبعوا كل رغباتكم الجسدية لأنه لم يزل عنكم وقت كثير>. وهكذا، فيما نحن ندير أعمالنا المغرية السحرية، سوف يشيخون بدون أن يدركوا هذا فيصلوا إلى نهاية حياتهم قبل أن يتوبوا. عندها يصل الموت فجأة ويجدهم غير مستعدين فيكونون ملكنا إلى الأبد”.

عندها حرّك إبليس رأسه معرباً عن رضاه. فزمجر وأطلق صرخة حادة طويلة بفرح شيطاني وبلهفة مستعجلة قال لهم جميعاً: “أسرعوا كلكم، امضوا وافعلوا تماماً كما أشار زميلكم”.

وقد فسّر القديس هذه الرؤية بأن هذه التجربة هي الدافع الذي بسببه يؤدي البشر واجباتهم المسيحية بطريقة باهتة. فالشياطين الماكرة تهمس في آذانهم، طوال حياتهم، بطريقة مغرية موجهة إياهم نحو أفراح هذه الحياة، والبشر يطيعون رافضين أن يغيّروا سبلهم ومستمرين بإرضاء شهواتهم وطبيعتهم الخاطئة، مهملين إرشاد الكنيسة حول التوبة الحقيقية، حتى في شيخوختهم…

 

فلتكن صلوات هذا القديس المميز وخادم الله الذي لا يتعب معنا جميعاً نحن الخطأة!

 

القدّيس البار أفلاطون رئيس دير ساكوذيون (+ 814 م)

القدّيس البار أفلاطون

رئيس دير ساكوذيون

(+ 814 م)

تيتّم إثر وفاة والدَيه بالطاعون الذي اجتاح القسطنطينية وضواحيها سنة 747 م. عمره، يومذاك، كان ثلاثة عشر عاماً. اُلحق بأحد أعمامه، وزير المالية في الأمبراطورية. تلقّى تعليماً ممتازاً وأبدى قابليات مدهشة في إدارة الشؤون العامة حتى إن العديدين من ذوي الرفعة التمسوا عشرته. أما هو فنفرت نفسه من المعاشرات الدنيوية والأوساط المترفّهة وارتحل ذهنه إلى ناحية الكنائس والأديرة أخذ يقصدها للصلاة كلّما سنحت له الفرصة. فلما بلغ به الوجد الإلهي حدّه وخبا في عينيه كل بريق العالم، أطلق خدّامه ووزّع ثروته على الفقراء، بعدما أمّن لأختَيه مهرهما، ووجّه طرْفه ناحية جبل الأوليمبوس في بيثينيا مصحوباً بأحد خدّامه. فلما بلغا مغارة جعل خادمه يقصّ له شعره ثم تبادل وإيّاه الأثواب وأطلقه وجاء إلى دير الرموز. أبدى، هناك، رئيس الدير، ثيوكتيستوس، حياله تحفّظاً بعدما استعرفه واحداً من الارستقراطية، معتاداً السيرة المخملية. لكنه ما لبث أن غيّر رأيه، لا سيما بعدما أخضعه للاختبار واستبانت لناظريه أصالة محبّته لربّه وصلابة نفسه وشدّة عزمه وكمال زهده. سنّه، يومذاك، كانت الرابعة والعشرين.

سلك أفلاطون في الطاعة الكاملة لأبيه الروحي مقتبلاً، ببركته، أشدّ الأتعاب النسكية. على هذه الدرب مشى بخطى واثقة ثابتة، مخضعاً نوازع جسده لفكر المسيح في قلبه، دائباً على الأسهار وسكب العبرات، معترشاً التواضع أساساً لكل سعي. حَفِظَه كشفه لسرائر أفكاره، كل حين، من فخاخ شيطان الكبرياء، فازداد رغبة في محاكاة تواضع المسيح. وإذ هجر مهنته المفضَّلة، وهي النسخ، جعل نفسه في خدمة إخوته يتّخذ، إثر سؤالهم، أملَّ المهام وأمقتها، كنقل الزبل وعرك العجين. وابتغاء تمحيصه كان ثيوكتيستوس، أحياناً، يتّهمه، زوراً، في محضر الغرباء، بفعلة أو بأخرى وينتهره بقسوة لارتكابه ما هو براء منه. بإزاء ذلك كان أفلاطون يطأطئ رأسه ويسأل العفو دامعاً، غير مبرِّر نفسه بكلمة لأنه كان يحسب الإهانات والتعيير كسباً ومجداً.

فضائله أفاضت عليه محبّة أبيه وسائر السالكين في مخافة الله حتى إنه قبل مرغماً أن يرأس الدير بعد رحيل ثيوكتيستوس إلى ربّه. ارتقاء سدَّة الرئاسة كان، لأفلاطون مناسبة لإحراز المزيد من التقدّم الروحي. فأقام على حدة، لا سيما وأن بعضاً من دير الرموز كان لافرا. واللافرا، في الأصل، قلال تتصل بممر. أخذ يقتات من البقول النيء طوال الأسبوع ولا يأخذ نصيباً من المائدة المشتركة إلا في الآحاد. كان على اعتدال كبير في الشراب، لا يأخذ من الماء سوى نصيب كل يومين، وأحياناً مرّتين في الأسبوع. كما كان يسوس القطيع بحكمة مبدياً، في الصلاة، أعظم الحميّة، وكان يدفع الرهبان صعداً إلى جبل المعاينة الإلهية. كل وقت كان فيه خلواً من الصلاة كان يملأه من النسخ بخط دقيق جميل لكتابات الآباء القدّيسين. هذا أكسبه معرفة فذّة بتراث الكنيسة وألهمه مبادئ الإصلاح الرهباني التي دعت إليها الحاجة إثر الفوضى التي ترافقت وفترة العداء للإيقونات.

وكان في زمن حملة الأمبراطور قسطنطين الخامس، الزبلي الإسم، عام 780م، أن أفلاطون قام بزيارة القسطنطينية فاستقبله أنسباؤه كالناهض من بين الأموات. مسحته النسكية وعذوبته ونعمة كلامه المشبع بالنسغ الإنجيلي جعلته موضع اهتمام المدينة بأسرها. يومذاك كان الكلّ للكلّ نظير رسول جديد، يصلح الساقطين في مهاوي الهرطقة ويبثّ روح العفّة في المتزوّجين ويعظ الفتية إلى العذرة ويعزّي المكروبين ويضع السلام فيما بين المتخاصمين، مقدِّماً نفسه طبيباً للنفوس وعشيراً لمَن هم في سدّة المسؤولية، باعثاً في الجميع الرغبة في الكمال. على هذا اجتذب إلى الحياة النسكية شقيقته ثيوكتيستي وزوجها فوتينوس وأولادهما الثلاثة: ثيودوروس ويوسف وأفثيميوس مع أختهم، وكذا إخوة فوتينوس وآخرين أصدقاء لهم. وبعدما اعتذر عن رئاسة أحد ديورة العاصمة وامتنع عن قبول أسقفية نيقوميذية، اعتزل وإيّاهم في ناحية ساكوذيون العائلية فحوّلوها ديراً شركوياً. قام الدير الجديد على أسس متينة تمتّ إلى تراث الآباء القدّيسين وضمّ، في فترة قصيرة، مائة راهب. وقد أضحى نموذجاً للعديد من الأديرة في زمانه.

سلك الإخوة في الشركة متّحدين، بعمق، برئيسهم، نظير أعضاء الجسد بالرأس. غيرأن قلب أفلاطون كان إلى العزلة الكاملة. فلما لحظ المزايا الفائقة التي تمتّع بها القدّيس ثيودوروس – وهو الذي صار على ستوديون فيما بعد وعُرف بالستوديتي (11 تشرين الثاني) – وبعدما أعدّه للقيادة، أسلمه دفّة الشركة متعلِّلاً بعلّة المرض واعتزل (794 م).

غير أن حبل السلام في الدير اضطرب وتعرّض الرهبان للاضطهاد إثر الموقف الذي تبنّاه أفلاطون وثيودوروس في شأن اقتران الأمبراطور قسطنطين السادس، بصورة غير شرعية، بثيودوتا، إحدى وصيفات الأم الملكة ونسيبة أفلاطون وثيودوروس. نبذ القدّيسان كل خوف من الناس وتعرّضا للأمبراطور لأنه تجاسر فتجاهل القوانين الكنسية وحرمتها. وقد استدعى الملك القدّيس أفلاطون إلى القسطنطينية وضغط عليه لحمله على الرضوخ لمشيئته، فكان جوابه، نظير معمدان جديد، أن صرخ في وجه الأمبراطور: “لا يحلّ أن تكون لك امرأة أخيك!” (مر 6: 18). للحال أُوقف وأُلقي في حبس ضيِّق وصاروا يمرِّرون له طعامه عبر نافذة صغيرة. أما رهبان ساكوذيون فتبعثروا ونُهب الدير فيما نُفي القدّيس ثيودوروس وأحد عشر معه إلى تسالونيكي.

ومرّ وقت جرى بعده تغيير في القصر أُطيح خلاله بقسطنطين السادس وقبضت الأمبراطورة إيريني على زمام الأمور فأطلقت أفلاطون وردّت ثيودوروس من المنفى، فعاد الرهبان إلى ساكوذيون عام 797 م. لكنهم ما لبثوا، تحت تهديد غزوات المسلمين العرب، أن غادروا الدير إلى القسطنطينية حيث قدّمت لهم الأمبراطورة دير ستوديون الذي كان قد حلّ به الخراب خلال الهجمة على الإيقونات. ثيودوروس، هناك، هو الذي تولّى الشركة فيما اعتزل أفلاطون في قلاّية مغطّاة بالرصاص، متجمّدة في الشتاء ومحرقة، كآتون بابل، في الصيف. هذا الكوخ المظلم أضحى لقدّيس الله مرسحاً لمعارك مضاعفة. فإنه جعل في رجله سلسلة ثقيلة فيما انطلقت روحه، بالمعاينة الإلهية، في رحاب السماء. هذا لم يحل البتّة دون اتصاله بالإخوة الذين كان يستقبلهم معزّياً في المحن ومشدِّداً في ساحات الحرب اللامنظورة، داعياً إيّاهم إلى الصبر والثبات، ومفقِّهاً في تعليم الآباء القدّيسين.

كان أفلاطون وثيودوروس لرهبان دير ستوديون نظير موسى وهرون لشعب العهد القديم. وقد أبديا حيال تقليد الكنيسة المقدّسة غيرة لا تخبو. على هذا قاوما، باسم القوانين الكنسية، ترقية القدّيس نيقيفوروس، من الحالة العامية إلى الرتبة البطريركية. من جديد أخرجهما الجند الملكي، بعنف، من الدير، وعرّضهما لاضطهادات شرسة على مدى سنة كاملة. وإنّ مجمعاً للأساقفة الخاضعين للأمبراطور أدان القدّيس أفلاطون الذي أُسلم إلى رهبان مزيّفين وأُخرج بطريقة محقِّرة إلى جزيرة أوكسيا في أرخبيل الأمراء حيث أغلقوا عليه في حبس ومنعوا عنه العناية الصحيّة الضرورية، لا سيما وأن وضعه الصحّي كان في تردٍّ.

ومرّة أخرى حدث تغيير في الحكم، بعدما قُتل الأمبراطور نيقيفوروس الأول في معركة ضد البلغار، وتبوّأ العرش ميخائيل الأول. فعاد المنفيّون إلى ديرهم، لكن أفلاطون لم يعد إلى خلوته بل اتّخذ قلاّية خضع فيها للعلاج بعدما أضنت جسده كثرة الأتعاب. هذا لم يُعق صلاته المتواصلة ولا تمتّعه بالمعاينة الإلهية، ولمّا يحل دون تواصله ورهبان الشركة يزوّدهم بنصائحه.

فلمّا كان الصوم الكبير من العام 814 م مرض مرضاً شديداً فنُقل، بناء لطلبه، ليكون بقرب مدفنه الذي أمر بإعداده سلفاً. فلمّا وقعت عليه عيناه هتف بارتياح: “هذا موضع راحتي!” وجاءه زائراً عددٌ من ذوي المعالي بينهم البطريرك نيقيفوروس الذي تصالح وإيّاه عن محبّة خالصة. وبعد أن غفر لمَن اضطهدوه أفعالهم، نظير معلّمه، وعبّر لثيودوروس ورهبانه أنه لا يحتفظ لنفسه بعد بأي شيء بل أعطاهم كل شيء، أسلم الروح لربّه يوم سبت لعازر وهو ينشد: “الموتى يرتفعون والذين في القبور يقومون والذين وُوروا الثرى يبتهجون”.

ملاحظة . كتب سيرة حياة القدّيس أفلاطون ابن أخته القدّيس ثيودوروس الستوديتي. يُعيِّد له الغربيون مثلنا اليوم.

 

عن سير القديسين – السنكسار، وسائر الاعياد في الكنيسة الارثوذكسية، الارشمندريت الراهب توما بيطار

القديس يوسف الدمشقي (U10 تموز 1860م)

القديس يوسف الدمشقي

(U10 تموز 1860م)

 

هو الأب يوسف بن جرجس موسى بن مهنا الحدّاد1 المعروف، اختصاراً، بإسم الخوري يوسف مهنا الحداد. وهو بيروتي الأصل، دمشقي الموطن، أرثوذكسي المذهب، كما كان يطيب له أن يعرّف عن نفسه أحياناً2. ترك والده بيروت في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وجاء فاستقر في دمشق حيث عمل في صناعة النسيج، وحيث تزوّج وأنجب ثلاثة أولاد ذكور هم موسى وابراهيم ويوسف. وهو من أصل عربي غسّاني حوراني، انتقل أجداده الى بلدة الفرزل البقاعية اللبنانية في القرن السادس عشر ومنها الى بسكنتا، في قضاء المتن الشمالي حالياً، فبيروت.

وقد وصفه مترجموه، وهو كاهن، بأنه كان مربوع القامة، معتدل الجسم، أبيض البشرة، مهيب الطلعة، بارز الجبهة، متوقد العينين ذكاء، كثّ اللحية على توسّط في طولها وعرضها، نشر فيها الشيب أسلاكه حتى شابهت أشعة الشمس في الضحى.

ولادته ونشأته

ولد يوسف في دمشق خلال شهر أيار من العام 1793 3 لعائلة فقيرة تقية. تلقى بعض التعليم4 فألمّ باللغة العربية وقليل من اليونانية. انقطع عن  الكتّاب5 بعد حين لأنه لم يكن في طاقة أبيه أن يكمل له تعليمه. صار يعمل في نسج الحرير. ولم يطفىء العوز وشغل اليد شوقه الى العلم والمعرفة. كان لا بدّ له أن يجد حلاً. فكان الحلّ العمل اليدوي في النهار والدرس على النفس في الليل. الحاجة جعلته عصامياً. ولعلّ ميله الى العلم زكّاه فيه أخوه البكر موسى الذي كان أديباً ملمّاً بالعلوم، لا سيما اللغة العربية، واقتنى مكتبة صغيرة6، لكنّه رقد وهو دون الخامسة والعشرين، وقيل إرهاقاً، من كثرة إقباله على المطالعة. وقد أثّر المصاب سلباً في موقف والدي يوسف من شغفه هو أيضاً بالكتب. ومع ذلك بقيت شعلة المعرفة متوقدة في نفسه.

فلما بلغ الرابعة عشرة أخذ بمطالعة كتب أخيه. لكنه شعر بالإحباط لأنه كان لا يفهم ممّا يقرأ إلاّ قليلاً. وعوض أن يثنيه الفشل عن عزمه زاده إصراراً. لسان حاله كان: “ألم يكن مؤلّف هذه الكتب إنساناً مثلي، فلماذا لا أفهم معناها؟! لا بدّ لي من أن أفهم”7.

وتسنّى له أن يدرس على علاّمة عصره الشيخ محمد العطّار الدمشقي فأخذ عنه العربية والمناظرة والمنطق والعلوم العقلية8. لكنه تراجع، من جديد، بعد حين، لأن أجور التعليم وأثمان الكتب أثقلت عليه وعلى والديه، فعاد الى سابق وتيرته: العمل نهاراً والمطالعة ليلاً.

من المهم أن نعرف أن طلب العلم في ذلك الزمان كان متداخلاً مع التقوى وطلب المعرفة الإلهية. ولا ننسى أن من أبرز الكتب الدراسية، آنذاك، كان الكتاب المقدّس.

فعلى التوراة والمزامير والعهد الجديد انكب يوسف في لياليه يقابل النسخة اليونانية على العربية والعربية على اليونانية  حتى أتقن النقل من اليونانية وإليها. ولم يقف تحصيله عند حدّ اللغة لأنه كان قد استظهر أكثر الكتاب المقدّس.

واستمر يوسف يرصد الفرص الدراسية، الواحدة تلو الأخرى، بشوق لا قرار له. فأخذ الإلهيات والتاريخ عن المرحوم جرجس شحادة الصبّاغ4. وبدأ يقبل التلامذة في بيته. ثم أخذ العبرية عن أحد تلامذته اليهود.

كل هذا النشاط الدؤوب أثار مخاوف والديه من جديد فحاولا صرفه عن المطالعة والدرس والتدريس لئلا يصيبه ما أصاب أخاه موسى، فلم يفلحا. أخيراً، بدا لهما أن الحل الوحيد الباقي هو تزويجه، فزفّاه الى فتاة دمشقية تدعى مريم الكرشة، وهو بعد في التاسعة عشرة من عمره (1812). إلاّ أن الزواج لم يكن ليصرفه عن المطالعة فثابر على القراءة بنهم حتى في ليلة عرسه، كما أورد كاتب سيرته.

 

يوسف كاهنا

وفطنت له رعية دمشق بعدما شاع ذكره بين الناس، فرغبوا الى البطريرك سيرافيم (1813 – 1823) أن يجعله راعياً لهم، وكان هو أيضاً يكنّ له اعتباراً طيّباً، فسامه شمّاساً فكاهناً، في خلال أسبوع، وهو في الرابعة والعشرين (1817). كما أعطاه البطريرك مثوديوس (1824 – 1850) لقب مدبر عظيم (ميغاس ايكونوموس) بعدما عهد فيه الغيرة والتقى والعلم والإقدام9.

إهتمّ يوسف بالوعظ في الكنيسة المعروفة بالمريمية10 سنوات طويلة، فأبدع. اعتبره البعض يوحنا ذهبي الفم ثانياً7، وتحدّث نعمان قساطلي في “الروضة الغناء…” عن كونه “واعظاً مفلقاً”11. وذكر أمين ظاهر خير الله في “الأرج الزاكي…” في نهاية القرن التاسع عشر (1899)، أي بعد رقاد يوسف بتسع وثلاثين سنة، أن الشيوخ الدماشقة كانوا ما يزالون يردّدون بعضاً من مواعظه. وقد بقي صداها يتردّد في اوائل القرن العشرين، فعرّف عنه حبيب أفندي الزيّات، الملكي الكاثوليكي، بأنه “المشهور بين أبناء العرب الأرثوذكسيين في ذلك الوقت بعلمه ووعظه”12.

امتاز يوسف، في وعظه، بقوّة الحجّة والجواب الدامغ المقنع. وكان -بكلمات عيسى اسكندر المعلوف13 -ذا صوت خفيف “يسمع من بعيد والناس يصغون الى سماع كلامه بكل لذّة وشوق ويتأثّرون منه ويأتمون14 بنصائحه… ويحفظون وصاياه…”.

وكان، الى الوعظ، دؤوباً في مؤاساة البؤساء وتسلية الحزانى ومعاضدة الفقراء وتقوية المرضى13. ولمّا تفشى الهواء الأصفر في دمشق سنة 1848، أظهر الأب يوسف غيرة كبيرة في خدمة المرضى، غير مبال بإمكان التقاط المرض، هو نفسه، متكلاً على الله في كل حال، ومهتماً بدفن الموتى وتعزية الحزانى. فعل ذلك كله وأكثر بهمّة لا تعرف الكلل فيما فقد أحد أولاده، مهنا، مضروباً بالوباء. وقد زادت غيرته وصلابته وحنانه في آن من احترام الدمشقيين له أيّما احترام، ورأوا فيه صورة القائل “…مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين، متحيّرين لكن غير يائسين… مطروحين لكن غير هالكين، حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع لكي تظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا” (2 كورنثوس 4 :8 – 10).

وسعى الخوري يوسف، فيما سعى، الى صرف الشعب المؤمن عن الكثير من العادات الشائعة، مما لا يتفق واستقامة الرأي، فأثّر كلامه في النفوس ونجح في تغيير الكثير من عادات الخطبة والعرس والمأتم15.

وكما اهتمّ ببناء النفوس اهتمّ أيضاً ببناء الهياكل الحجرية فسعى في العام 1845م الى تجديد كنيسة القديس نيقولاوس16 المتاخمة للكنيسة المريمية فجرى ترميمها بإتقان، لكنها احترقت في أحداث 1860 10.

المدرسة البطريركية

لا نعرف بالتدقيق من أنشأ ومتى نشأت المدرسة البطريركية في دمشق. الثابت أنها اقترنت في القرن التاسع عشر باسم الأب يوسف حتى صارت تعرف بمدرسته.

انتقل الخوري يوسف الى المدرسة البطريركية سنة 1836 فضم اليها التلامذة الذين كان يقوم بتعليمهم في بيته17. ولم يلبث أن طوّرها فعمد الى توسيعها وجعل عليها وكلاء، واهتم بـ”النظارة” فيها، كما عيّن للمعلمين رواتب محدّدة. وما لبث أن اجتذب طلاب العلم من أرجاء سورية ولبنان.

كان الهمّ الأول للأب يوسف تثقيف عقول الناشئة من أبناء الرعية الأرثوذكسية “وترشيحهم للكهنوت واقتبال درجاته ليخدموا الرعية خدمة نافعة”18. نفقات التعليم في المدرسة كان يغطيها المؤمنون والبطريركية19.

وكان طبيعياً، ضمن رؤية الأب يوسف للأمور، أن يتضاعف الاهتمام بدراسة اللاهوت في المدرسة. ففي العام 1852، في زمن البطريرك ايروثيوس (1850 – 1885)، بادر الخوري يوسف الى افتتاح فرع عال للعلوم اللاهوتية، وفي نيته أن يجعله في مستوى أكاديمي رفيع يضاهي المعاهد اللاهوتية في العالم الأرثوذكسي20. وقد انتظم في هذا المعهد اثنا عشر تلميذاً أصبحوا كلهم من أحبار الكنيسة الأنطاكية. لكن موت الشهادة في السنة 1860 قطع عليه إرساء الحلم على قواعد ثابتة راسخة توفر للمعهد ديمومته.

هذا وقد نفخ الخوري يوسف في تلامذته “روح سلام ونجاح لا مثيل لامتدادها – في نظر العارفين – الا لكبار القدّيسين حتى إن تلك الروح المقدسة تجاوزت تلامذته وخريجيه الى جميع المتقربين منهم والمتخرجين عليهم والمعاشرين لهم. وهؤلاء نقلوها الى من اتصل بهم حتى كانت بمثابة سلسلة مرتبطة الحلقات. فذاعت تعاليمه وأثمرت تربيته صلاحاً”21.

الى ذلك يذكر أن الأب يوسف كان أحد الذين علّموا في مدرسة البلمند الاكليريكية في وقت من الأوقات22، بين العامين 1833 و 1840 .

خصال رجل الله

أولى ميزات الخوري والمعلم يوسف أنه كان فقيراً. بعض المصادر يذهب الى حدّ القول أن خدمته للكنيسة كانت “بدون عوض”23 أحد العلماء الروس المطلعين19 قال عنه انه لم يكن له دخل البتة لانصرافه الى خدمة المدرسة، لكن نفقاته كان يحصّلها أولاده من شغل أيديهم24.

في كل حال، لم يكن المال ليغريه البتة.

من أخباره أنه بعدما ذاع صيت مدرسته رغب اليه البطريرك الأورشليمي كيرللس الثاني (1845 – 1872) أن يدرّس العربية في مدرسة المصلبة الإكليريكية غربي القدس، فاعتذر، فعرض عليه راتباً شهرياً مغرياً، خمساً وعشرين ليرة25، بالإضافة الى المسكن وايراد البطرشيل وتعويضات أخرى، فأبى رغم حاجته الى المال. قال مشيراً الى رعيته في دمشق: “إني دعيت لخدمة هذه الرعية دون سواها والذي دعاني يكفيني”26.

وكان، الى ذلك، حسن العبادة، حار الإيمان، صبوراً صبراً عظيماً19، صالحاً جداً، وديعاً، هادئاً27، متواضعاً، شفوقاً، دمثاً، يكره الكلام عن نفسه ويمجّ الافتخار حتى يخجل من مادحيه28 ولا يعرف بما يجيبهم.

وكان حكيماً حليماً في رعايته يتحدّث بلغة الحكماء والعلماء فيفحمهم ويتكلم بلغة البسطاء فيقنعهم. من أخباره أن بعض الساذجين تركوا الكنيسة مرة لأمر تافه، فأشار اليه البطريرك مثوديوس أن يذهب في إثرهم ويسترجعهم. فلما أتى اليهم لم يبد أي استياء من عملهم، بل لاطفهم وعرض عليهم بعض الأيقونات الصغيرة التي كانت بحوزته فلمس قلوبهم وعاد واياهم الى الكنيسة خجلين نادمين29.

كعلاّمة كان أستاذ المعلمين30 وكوكب الشرق والعلاّمة العامل31. وقد شهد أهل زمانه من غير كنيسته أنه من أكبر علماء النصارى البارعين في وقته32. “لم يكن أحد يقارنه في عصره، في الطائفة الأرثوذكسية، من أبناء العرب، في علمه ومعارفه إلاّ جرجي اليان”33.

وكرجل كنيسة اعتبر لاهوتياً كبيراً وفخر الأرثوذكسية والشهيد في الكهنة وأنموذج التقوى والفضيلة31.

هكذا ارتسمت ملامح الخوري يوسف الدمشقي في زمانه: واحداً من رجال الله.

مكتبته ونتاجه

لا نعرف شيئاً عن مكتبة الخوري يوسف عندما استشهد لأنها احترقت في أحداث 1860 أو نهبت وضاعت. ابن أخيه، يوسف ابراهيم الحداد، قال إن مجموع ما كان لديه من الكتب والمخطوطات، في حدود العام 1840 34، كان 1827، أو ربما 2827 مجلّداً.

أما عمله الكتابي فكان، فيما يبدو، غزيراً. قابل المزامير والسواعي والقنداق والرسائل على أصلها اليوناني فدقّق فيها وضبطها. ونقل الى العربية كتاب التعليم المسيحي لفيلاريت، مطران موسكو. نسخ الكثير من المخطوطات وقابل فيما بين النسخ فجاءت مضبوطة مصححة “كالدراهم المصكوكة جيداً لا زيوف فيها ولا بهارج”35. من ذلك تفسير أيام الخليقة الستة وما خلق فيها منذ القديم للقدّيس باسيليوس الكبير، وهو من تعريب الشمّاس عبدالله بن الفضل الأنطاكي، وثلاثون ميمراً للقدّيس غريغوريوس اللاهوتي. وقد اعتاد أن ينهي مخطوطاته بأقوال كهذه: قد نقل هذا الكتاب عن نسخة قديمة وقوبل عليها بالتمام. وكان يمهرها بختمه ويوقعها، وبذلك يجيز التي تطبع أو تنسخ منها. المطابع الأرثوذكسية، آنذاك، كمطبعة القدّيس جاورجيوس في بيروت ومطبعة القبر المقدّس في القدس والمطابع العربية في روسيا وسواها كانت كلها تعتمد عليه لتصليح مطبوعاتها ومقابلتها على الأصل. كان ختمه ختم الثقة في مجال اللاهوت والأدب والثقافة. وقد اعتاد أن يشترك في النقل من العربية الى اليونانية ومن اليونانية الى العربية مع يني بابادوبولوس. وله أيضاً مساهمته في تنقيح النسخة العربية للكتاب المقدّس، وهي المعروفة بطبعة لندن. كان فارس الشدياق يعرض عمله الذي كان يقوم به بالتعاون مع المستشرق الإنكليزي لي، على الخوري يوسف فيقابله على الأصل العبراني أو اليوناني ويبدي رأيه بشأنه.

وقد أظهر الخوري يوسف، في عمله الكتابي، جلداً فائقاً وتنقيباً واسعاً وأمانة ودقة، وقد كان يشكو دائماً من التحريف الذي كانت تتعرّض له منقّحاته في المطابع.

لا نعرف إذا كان الخوري يوسف قد ترك مؤلفات، غير بعض المقالات هنا وهناك. ربما لم يتسنّ له، أو لم يحسب نفسه مستحقاً لمجاراة الآباء في نتاجهم، بل اكتفى بنقل ما كتبوه، عاملاً عمل الفاحص المدقّق ليقدّم لأبناء الإيمان وما ادّخره لهم تراثهم سليماً، مضبوطاً، لا زيغ فيه ولا عيب ولا فساد.

الخوري يوسف والروم الكاثوليك

مشكلة التعاطي مع الروم الملكيين الكاثوليك – وهم الذين كانوا بالأمس36 من ضمن الكنيسة الأرثوذكسية – كانت احدى أصعب وآلم المشكلات التي واجهت أبناء الإيمان القويم في أيام الخوري يوسف. وقد انصبّ السعي، آنذاك، من قريب أو بعيد، على استعادة المنشقين. البعض نهج، في سبيل ذلك، نهج الإكراه والضغط السياسي والإداري، والبعض الآخر اعتمد التفاهم والإقناع.

الخوري يوسف مهنا الحدّاد كان من الفريق الثاني37.

كان يكره العنف ولا يوافق على الاتصال بالدولة العثمانية لضرب الروم الكاثوليك38 والتضييق عليهم. هذا لا يليق ولا يجدي. يكرس الفرقة ولا يعيد اللحمة.

لا نعرف مقدار نجاح الخوري يوسف في سعيه، في هذا الاتجاه. لكن ما جرى في السنة 1857 وما تبعه دلّ على أن رؤيته للأمور كانت أدقّ من رؤية غيره وأوفق وأجدى. ففي تلك السنة، حاول بطريرك الروم الكاثوليك، اقليموس أو اكليمنضوس، فرض التقويم الغربي على كنيسته فامتنع الكثيرون وشعروا بالغربة وبدأ بعضهم يشقّ طريق العودة الى الكنيسة الأرثوذكسية الأم39. وقد اجتمع من هؤلاء فريق بزعامة شبلي أيّوب الدمشقي ورفاقه أمثال جرجس العنحوري ويوحنا فريج وموسى البحري وسركيس دبّانة وبطرس الجاهل. هؤلاء اتصلوا بالخوري يوسف فاحتضنهم وشدّدهم واجتهد في تنوير اتباعهم، ثلاث سنوات متتالية. كما قدّم لكتاب وضعه شبلي وضمّنه احتجاجات هذا الفريق. اسم الكتاب كان “تنزيه الشريعة المسيحية عن الآراء الفلكية“، طبع بمطبعة القبر المقدّس سنة 1858 . وقد أخذ حجم هذا الفريق في الازدياد حتى قيل إنه لولا استشهاد الخوري يوسف، في مذبحة 1860، لنجح في استرداد البقية الباقية من الروم الكاثوليك، في دمشق، الى الإيمان القويم37.

الخوري يوسف ودعاة البروتستانتية

وكانت للخوري يوسف اكثر من مواجهة مع دعاة البروتستانتية، أبرزها في حاصبيا وراشيا، ثم في دمشق بالذات.

ففي حاصبيا لقي المرسلون البروتستانت الأميركيون40 نجاحاً من خلال مدرستهم التي أقاموها هناك. وقد انضم اليهم مئة وخمسون شخصاً. إثر ذلك حصل خلاف حاد بين هؤلاء، ومعظمهم من الروم الأرثوذكس، وبقية الروم في حاصبيا وراشيا وتوابعهما. فأوفد البطريرك مثوديوس41 الخوري يوسف الى هناك، حيث أقام بضعة أشهر، وتمكّن من رد بعض القطيع الشارد الى الحظيرة، كما أفحم المرسلين الأميركيين في أكثر من مناسبة، ونجح في ايقافهم عند حدّهم37.

أما في دمشق فقد سعى الخوري يوسف بالرعاية والوعظ والإرشاد الى توعية شعبه وتنبيهه وتحصينه ضد البدع والهرطقات الرائجة آنذاك.

ومما يروى عنه بشأن التعامل مع المرسلين الأجانب، أن مرسلاً انكليزياً، اسمه جريم، لعلّه كبيرهم، كان يلتقي الخوري يوسف ويباحثه في مسائل الكتاب المقدّس42. وفطن يوسف الى أن جريم هذا بدأ يطرح عليه أسئلة ثم يحرّف أجوبته عليها، فطلب أن تكون اسئلة المرسلين خطية. وبعدما بعثوا اليه بعدة اسئلة لم يجبهم، فظنوا انهم أفحموه. فجاؤوا اليه في الأسبوع الأول من الصوم الكبير، مرّة، فأجابهم على كل أسئلتهم، واحدة فواحدة، بتدقيق واقناع حتى عادوا متعجبين من دقة بحثه وكثرة علمه وزادت منزلته في عيونهم. ويقال إنهم أقلعوا، مذ ذاك، عن حملاتهم، وصاروا من أصدقائه، يسرّون بزيارته ويسألونه لا كمحاججين بل كمستفسرين37.

رجل النهضة الأول

لا شك أن الخوري يوسف مهنا الحدّاد كان رجل النهضة الأول في الكنيسة الانطاكية، في القرن التاسع عشر.

فأنطاكية، يومذاك، كانت في حال شقية. انشقاق الروم الملكيين الكاثوليك أدّى الى مضاعفات خطيرة على كافة الصعد، لا سيما الرعائي منها. المرسلون البروتستانت نشطوا في كل اتجاه، فيما سادت الكنيسة حالة من الوهن والضياع مقرونة بالفقر والجهل. الرعية كانت في واد والرعاة في واد آخر. البطاركة منذ السنة 1724 كانوا غرباء عن البلاد ومعاناة شعبها. وقعت انطاكية تحت الوصاية أكثر من ذي قبل بحجة إمكان سقوطها في الكثلكة. الكرسي القسطنطيني والكرسي الأورشليمي تقاسما، باسم الأرثوذكسية، تحديد مسارها وتعيين أحبارها. لا كهنة قادرين ولا رعاية تذكر. هكذا ارتسمت صورة انطاكية: سفينة تكدّها الأمواج وتهدّدها بالتفكّك والغرق…

وسط هذه الأخطار والتحديات نبت الخوري يوسف فرعاً جديداً غيوراً على ما لله وكنيسة المسيح في هذه الديار…

فانطلقت النهضة…

سيرة الخوري يوسف، غيرته، تقواه، فقره، شغفه بالمعرفة، ومن ثم عمله الرعائي الدؤوب، وعظه وارشاده، ترجماته ومقالاته، مدرسته وسهره، كل هذا وغيره خلق مناخاً نهوضياً حرّك النفوس من حوله، بعث الروح من جديد وشحذ الهمم. جيل جديد بدأ يتبرعم، فكر جديد، توجّه جديد. أخذت العظام اليابسة تتقارب، كل عظم الى عظمه، وبدأ الروح يدخل فيها (حزقيال 37).

أكثر من خمسين شخصاً من أبرز رجال الكنيسة الناهضة درسوا عليه وغاروا غيرته. البطريرك ملاتيوس الدوماني (U 1906)، أول بطريرك محلي منذ السنة 1724، كان من تلاميذه، وكذلك السيد غفرائيل شاتيلا، مطران بيروت ولبنان (U1901)، والسيد جراسيموس يارد (U 1899)، مطران زحلة وصيدنايا ومعلولا، علاّمة عصره، وما لا يقل عن عشرة مطارنة آخرين وعدد كبير من الكهنة، بينهم الإرشمندريت أثناسيوس قصير (U 1863) مؤسس مدرسة البلمند الاكليريكية والخوري اسبيريدون صرّوف (U 1858) مدير مدرسة المصلبة في القدس ومصحّح مطبوعات القبر المقدّس، والايكونوموس يوحنا الدوماني (U 1904)، منشىء المطبعة العربية في دمشق. وبين الأسماء أيضاً ديمتري شحادة الصبّاغ، أحد أبرز أركان النهضة، ومخايل كليلة، مدير المدارس البطريركية في دمشق والدكتور ميخائيل مشاقة (U1888).

إذن ما كان الخوري يوسف يرجوه تحقّق، بعضه في أيامه وبعضه بعد مماته، ولطالما ردّد “لقد زرعت في كرمة المسيح الحقيقية في دمشق، وأنا بانتظار الحصاد”.

كل هذا وغيره يفسّر قولة السيّد غفرائيل شاتيلا، مطران بيروت، أن كواكب دمشق ثلاثة: بولس الرسول ويوحنا الدمشقي ويوسف مهنا الحداد.

بقي أن يكلّل خادم المسيح حياته بخاتمة في مستوى غيرته وحبه الكبير يمجّد الله بها فكان استشهاده.

استشهاده43

بدأت مجزرة العام 1860، في دمشق، في اليوم التاسع من شهر تموز. يومها لجأ عدد كبير من المؤمنين الى الكنيسة المريمية، بعدما سدّت دونهم منافذ الهرب، وكان بينهم من قدم من قرى حاصبيا وراشيا، حيث كانت المذبحة قد وقعت وأودت بحياة الكثيرين، وكذلك من قرى الغوطة الغربية والشرقية وجبل الشيخ.

وكان الخوري يوسف يحتفظ في بيته بالذخيرة المقدّسة، كما كانت عادة كهنة دمشق، آنئذ، فأخذها في عبّه، وخرج باتجاه المريمية فوق سطوح البيوت، من بيت الى بيت، الى أن انتهى اليها. وقد أمضى بقية ذلك النهار والليل بطوله يشدّد المؤمنين ويشجعهم على مواجهة المصير اذا كان لا بدّ منه وأن لا يخافوا من الذين يقتلون الجسد لأن النفس لا يقدرون أن يقتلوها، وأن أكاليل المجد قد أعدت للذين بالإيمان بالرب يسوع المسيح أسلموا أمرهم لله. وكان يروي لهم قصص الشهداء الأبرار ويدعوهم الى التمثّل بهم.

ثم في صباح اليوم التالي، الثلاثاء، العاشر من شهر تموز، حصلت على المريمية هجمة شرسة وأخذ المهاجمون بالسلب والنهب والقتل والحرق، فسقط العديدون شهداء، وتمكّن آخرون من الخروج الى الأزقّة والطرقات. وكان من بين هؤلاء الخوري يوسف. كان متستراً بعباءة وسار بضع مئات من الأمتار الى أن وصل الى الناحية المعروفة بمأذنة الشحم. هناك عرفه أحد المهاجمين وكان من العلماء، وقد سبق ليوسف أن أفحمه في جدال فأضمر له الشر. هذا لمّا وقع نظره عليه صاح بمن كانوا معه: “هذا إمام النصارى. اذا قتلناه قتلنا معه كل النصارى!”. وإذ صاح الرجل بهذا الكلام أدرك الخوري يوسف أن ساعته قد دنت، فأخرج لتوه الذخيرة الإلهية من صدره وابتلعها. وإذا بالمهاجمين ينقضون عليه بالفؤوس والرصاص وكأنهم حطّابون حتى شوّهوه تشويهاً فظيعاً. ثم ربطوه من رجله وصاروا يطوفون به في الأزقة والحارات مسحوباً على الأرض الى أن هشّموه تهشيماً.

هكذا قضى الخوري يوسف مهنا الحدّاد شهيداً للمسيح44. شهد له بأتعابه وأسهاره، وشهد له بدمه وأوجاعه. اشترك في آلامه وتشبّه بموته (فيليبي 3 :10) فحقّ له أن يتكلّل بمجده ويحلّ في أخداره. وقد صار لنا مثالاً يحتذى وبركة تقتنى وشفيعاً حاراً لدى ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، له المجد الى الأبد آمين.

فبصلوات أبينا الشهيد في الكهنة، يوسف الدمشقي ورفقته، أيها الرب يسوع المسيح، إلهنا، ارحمنا وخلّصنا، آمين.

ــــــــــــــــــــ

الحواشي

ـــــــــــ

(1)      هكذا كتب نسبته بخط يده في خاتمة احدى مخطوطاته. انظر الحاشية (2) من مجلة النعمة – عدد حزيران 1910 – ص 16 .

(2)      أنظر مجلة النعمة – عدد تموز 1910 – ص 80 .

(3)      مصادر أخرى تجعل ولادته في نحو السنة 1780 (أنظر “الروضة الغنّاء في دمشق الفيحاء” لنعمان أفندي قساطلي 1879) أو في السنة 1791 (أنظر “الأرج الزاكي في تهانىء غبطة البطريرك الأنطاكي…” لأمين ضاهر خير الله 1899).

(4)      تلقى الأب يوسف التعليم أول ما تلقاه على المعلم جرجس بن صروف (سيرافيم) بن اليان الحموي الذي كان ضليعاً بالعربية وآدابها واليونانية والتركية والذي تولى التعليم في المدرسة البطريركية في دمشق ثم أصبح كاتباً للبطريرك أنثيموس (1792 – 1812). وقد خلفه المعلم جرجس شحاده الصبّاغ الدمشقي. “الآسية مسيرة قرن ونصف” اعداد جوزيف زيتون. أيلول 1991 . ص 52 .

(5)      موضع التعليم كما كان يعرف في الماضي، وهو عبارة عن غرفة يجتمع فيها التلامذة الى معلم يلقنهم ما تيسّر له.

(6)      النعمة 1910 – حزيران – ص 16 .

(7)      من سيرة حياته كما وضعها يوسف، إبن أخيه ابراهيم، عام 1884 .

(8)      من المفيد أن نذكر هنا أن من رفاق يوسف في التحصيل العلمي، في هذه الحقبة، الخوري نقولا السبط الدمشقي الذي صار طبيباً واستشهد، هو أيضاً، في مذبحة 1860 (النعمة 1910 – حزيران – ص 18).

(9)      النعمة 1910 – حزيران – ص 21 .

(10)    جاء في كتاب “الروضة الغنّاء في دمشق الفيحاء” لنعمان أفندي قساطلي (بيروت 1879) أن الكنيسة المريمية قديمة العهد يظن أن أسسها موضوعة منذ أيام أركاديوس قيصر (395 – 408)، وقد كانت عظيمة. فلما فتح المسلمون دمشق كانت من القسم الذي استولى عليه خالد بن الوليد بالسيف، فأخذها المسلمون وأهملوها فخربت. ولمّا تولى الخلافة الوليد بن عبد الملك الأموي (705 – 715) كانت تلاصق الجامع الأموي كنيسة على إسم القدّيس يوحنا، فأخذها من النصارى وألحقها بالجامع. ولما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز (717 – 720) استدعى النصارى اليه وعوّض عليهم، في مقابل ما أخذه الوليد منهم، بالكنيسة المريمية، فعمّروها وجعلوها عظيمة. وقد بقيت هكذا الى 27 رمضان من سنة 658 هجرية عندما قام المسلمون على النصارى وأخربوها. ثم بعد مدّة، استأذن النصارى وأعادوا بناءها من جديد كما كانت. بعد ذلك، في السنة 1400 للميلاد خربها تيمورلنك، ثم استعيدت. وكانت مبنية من حجارة كبيرة في غاية المتانة، لها أقبية كبيرة تحت الأرض قتل فيها سنة 1860م عدد وافر من الذين التجأوا اليها. وكانت تقسم الى كنيستين، الأولى على إسم السيدة وبها ايقونة جميلة يسمّونها المسكوبية والثانية كنيسة مار نقولا. وسنة 1860 احترقت الكنيسة المريمية وخربت خراباً تاماً. وسنة 1861 شرعوا في تجديدها وعملوها كنيسة واحدة يبلغ طولها نحو سبعين ذراعاً وعرضها نحو أربعين. وقد اعتنوا ببنائها فأتت من أجلّ كنائس سوريا ومصر (ص 101 – 102).

الى هذا يذكر أنه كانت في جوار الكنيسة المريمية حتى القرن التاسع عشر كنيسة صغيرة على اسم القديسين الشهيدين قبريانوس ويوستينة كانت قبل احتراقها عام 1860 خربة وهيكلها مسقوف وفيها ايقونسطاس بديع ويقام فيها القداس مرة في السنة في عيدها. هذه أيضاً ضمّت الى المريمية لمّا جرى توسيعها.

(11)    أفلق الواعظ أي أتى بالأمور العجيبة.

(12)    مجلة المشرق. السنة الخامسة. العدد 2 . أول كانون الأول 1902 . ص 1012 .

(13)    النعمة 1910 – حزيران – ص 23  .

(14)    أتم بنصائحه أي أقام فيها وأخذ بها.

(15)    نفس المصدر ص 20 .

(16)    ذكرها الدكتور أسد رستم في تاريخه “كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى” الجزء الثالث ص 57، فقال إن فيها، في السنة 1660، جرى طبخ الميرون المقدس في زمن البطريرك مكاريوس الثالث ابن الزعيم، ثم في زمن البطريرك سلفسترس الأول 1766 (ص151). وقد قال إنها كانت تحت الأرض وكان يدفن فيها البطاركة والمطارنة والكهنة (ص 160).

(17)    يفيد جوزيف زيتون في كتاب “الآسية” (انظر الحاشية4)، نقلاً عن الوثائق البطريركية، أن المدرسة، في الأساس، كانت “على شاكلة الكتّاب، وهي عبارة عن غرفة كبيرة مقسومة بساتر قماشي. فكان [الخوري يوسف] وزميله يني بابادوبولوس يقومان بالتدريس في هاتين الغرفتين، فاختص هو بتدريس العربية والرياضيات والعلوم الروحية ومبادىء اليونانية، بالإضافة الى الخط، بينما اختص يني بتدريس اليونانية وآدابها، وكان يتعلم، بنفس الوقت، من الخوري يوسف العربية” ص 54 .

(18)    النعمة 1910 – حزيران – ص 19 .

(19)    ينقل عيسى اسكندر المعلوف عن أحد العلماء الروس قوله عن الأب يوسف: “…هو الذي حرّك البطريرك مثوديوس لفتح مدرسة للشعب في دمشق، بل هو الذي كان سبب انشائها وثباتها بطوافه على بيوت المسيحيين وتحريضه إيّاهم لإرسال أبنائهم إليها. وهو ذاته الآن يدرّس نخبة من الشبان اللغة العربية والكتاب المقدّس والمنطق والبيان… أما المدرسة فقسمان أحدهما ابتدائي يدرّس القراءة والكتابة على الطريقة القديمة وفيه ثلاثة أساتذة من العرب. والثاني لغوي تدرّس فيه اللغات العربية والتركية واليونانية… وفيها الآن ثلاث مائة تلميذ. ورواتب الأساتذة يدفع بعضها المسيحيون والآخر البطريركية” (النعمة 1910 -تموز -ص 76 – 77).

(20)    كمعهد خالكي التابع للكرسي القسطنطيني وأثينا وبطرسبرج وموسكو (أنظر “الآسية” ص 55 نقلاً عن الوثائق البطريركية).

(21)    النعمة 1910 – تموز – ص 83.

(22)    “كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى” لأسد رستم. الجزء الثالث. ص 190.

(23)    النعمة – حزيران 1910 – ص 19 .

(24)    ولده فضل الله، حسب عيسى اسكندر المعلوف، كان عماد البيت في تجارته وأخلاقه23. اتجر بالبضائع الدمشقية مع شقيقه جرجي في الاسكندرية فأسسا محلاً واسعاً اشتهر بحسن ادارته ( “الخوري يوسف مهنا الحدّاد” لجوزيف زيتون، أمين الوثائق البطريركية، مقالة مخطوطة).

(25)    حسب تقرير القنصل الانكليزي بدمشق كانت أجرة المعلم ليرة واحدة في الأسبوع.

(26)    النعمة – حزيران 1910 – ص 21 .

(27)    بشهادة تلميذه المرحوم الخوري اسبيريدون صرّوف الدمشقي (النعمة 1910 – تموز – ص77).

(28)    النعمة – حزيران – ص 23 .

(29)    نفس المصدر ص 22 .

(30)    “نخبة الآداب لتنوير الفتيان والشباب“. ترجمه المعلم ايواني بابادوبولوس. 1867 . ص 2 .

(31)    النعمة – تموز 1910 – ص 75 .

(32)    نفس المصدر ص 76 .

(33)    أنظر الحاشية 26 . وبشأن جرجي إليان، راجع الحاشية 4 .

(34)    تاريخ انتقاله الى بيت جديد.

(35)      النعمة 1910 – تموز – ص 80 .

(36)    قبل السنة 1724، سنة انضوائهم تحت راية الكنيسة اللاتينية.

(37)    “الخوري يوسف مهنا الحدّاد” لجوزيف زيتون.

(38)    حادثتان يشار إليهما بصورة أخص: حادثة حلب في السنة 1819، أيام البطريرك سيرافيم (1813 – 1823)، ومشكلة القلاليس، حتى السنة 1847، أيام البطريرك مثوديوس (1823 – 1850). فأما حادثة حلب فإن جراسيموس، مطران حلب، سعى، من خلال اتصاله بالسلطة العثمانية، الى إجبار كهنة الروم الكاثوليك على ارتداء لباس العامة وتقييدهم في مسائل الجنانيز والعمادات والأكاليل. وقد أعقب ذلك جدل طويل فخصام وقتال أسفر عن إعدام اثني عشر شخصاً من الروم الكاثوليك بأمر الدولة واستقالة المطران جراسيموس وانتقاله الى صيدا (“مشهد العيان بحوادث سورية ولبنان” لمخائيل مشاقة).

أما مشكلة القلاليس ففيها أن البطريرك سيرافيم، ثم البطريرك مثوديوس، سعيا إلى منع كهنة الروم الكاثوليك من لبس حلّة كهنة الروم الأرثوذكس. وبقي الأمر سجالاً، ومرمر النفوس، الى أن صدرت ارادة سلطانية من قبل السلطان عبد المجيد، في السنة 1847، فرضت على المطارنة والكهنة والرهبان الملكيين الكاثوليك لبس “قلنسوة مسدسة الزوايا بلون البنفسج” وأوجبت أن يكون لون اللاطية فوقها البنفسجي أيضاً. (“تاريخ انطاكية” لأسد رستم. الجزء الثالث. ص 184 – 185).

(39)    جاء في المصدر عينه – ص 214 – أنه “في أوائل السنة 1857 دعا اكليمنضوس، بطريرك الروم الكاثوليك، الى الحساب الغربي فقبل البعض بذلك وامتنع البعض الآخر. وكان على رأس الممتنعين أساقفة بيروت وزحلة وبعلبك وصيدا والخوري يوحنا حبيب والخوري غبريال جباره. واشتدّ الخلاف فعقد الأساقفة مجمعاً في عين الذوق، فوق زحلة، وأمّ الآستانة الكاهنان يوحنا حبيب وغبريال جباره، فوصلاها في أيار سنة 1859 واتصلا بمجمع البطاركة المنعقد فيها آنئذ وفاوضا باسم أنصارهما في سورية ومصر وعادا الى حضن الكنيسة بقرار من مجمع البطاركة…”.

(40)    في المصدر عينه أن المرسلين الأميركيين اقتصروا في بادىء أمرهم على التعليم الابتدائي وتوزيع الانجيل. ثم بدأوا يضمّون مسيحيين شرقيين من الروم والموارنة والأرمن فتكونت بذلك نواة لطائفة انجيلية في بيروت (1827). وتابعوا أعمالهم التبشيرية فتسرّبت تعاليمهم الى القرى. وفي السنة 1832 أمر مطارنة اللاذقية وطرابلس وصور وصيدا بإحراق المطبوعات البروتستانتية فتم ذلك في احتفالات علنية في دور الكنائس (ص 192).

(41)    زار البطريرك مثوديوس ناحية حاصبيا شخصياً، لخطورة الوضع. (رستم- ص 193).

(42)    النعمة – تموز 1910 – ص 78 .

(43)    رواية استشهاد الخوري يوسف بتفاصيلها مستقاة من سيرة حياته كما وضعها يوسف، ابن أخيه ابراهيم، سنة 1884 بناء لطلب الطيّب الذكر ديمتري شحادة الصبّاغ. وهي محفوظة في المكتبة البطريركية بدمشق ويعرّف عنها بـ “الوثيقة 264”. تجدر الاشارة الى أن كاتب السيرة إنما ينقل، على حد قوله، ما سمعه من والده أو ما عرفه شخصياً عن الشهيد حيث إنه كان متتلمذاً عليه وملازماً له في أكثر الأوقات، مدّة حياته في المدرسة والى يوم الحادثة.

(44)    في الثامن من شهر تشرين الاول عام 1993 اتخذ المجمع الانطاكي المقدّس المنعقد في دير سيّدة البلمند البطريركي القرار التالي:

”           إن الكنيسة الانطاكية التي عاشت بقداسة القدّيسين وشهدت لها ترى اليوم نفسها عطشى الى ان تتجدّد بهم وهي تعي نفسها “محاطة بسحابة كثيفة من الشهود” (عب1:12).

إن كنيسة انطاكية تحسّ نفسها مشدودة الى واحد من هؤلاء الشهود الخوري يوسف مهنّا الحدّاد الذي وعظ وعلّم وأشاع نور معرفة اللاهوت وكان فقيرا، عميق الإيمان، صبورا، وديعا، متواضعا، شفوقا، دمثا وكلّل حياته بمجد الشهادة في دمشق في العاشر من تمّوز السنة 1860 فجاء بذل دمه نطق الروح فيه (راجع متى 10 :20، مرقس 13 :10). وإذ نحن تأمّلنا سيرته و “هالة مجد الله” عليه (رؤ 21 :11) “حسن لدى الروح القدس ولدينا” (أع 15 :8) ان نعلن قداسة الخوري يوسف مهنّا الحدّاد وحدّدنا تاريخ العاشر من تمّوز من كلّ سنة ذكرى “للقدّيس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي ورفقته” “.

هذا وكان قد صدر كتيّب تضمّن سيرة القديس وخدمة ليتورجية كاملة له جعلنا بعضها في متن هذا الكتاب. وقد قدّم غبطة أبينا السيّد أغناطيوس الرابع (هزيم) للسيرة بكلمة هذا نصّها:

“عجيب هو الله في قدّيسيه”

والتعداد في الكنيسة تعداد قدّيسيها. في أوساط الكنيسة المقدّسة قول كثير على قول وكلمة سخية على كلمة وغيرة أين منها غيرة ايليا النبي. لكن الكنيسة في قداستها وبالتالي في قدّيسيها، ففيهم يتمجد الله ويتمجد الرب يسوع المسيح. صفة القداسة المحبة. لأن الله محبة. ومجرد القول ليس المحبة، ومجرد الكلمة ليس المحبة. وأكثر ما يكون كلاهما تعبيرا عن المحبة لا المحبة بالذات. في المسيح فقط، في الكلمة المتجسد وحده “صار القول فعلا” وأمسى التعبير واحدا مع المعبّر عنه واللفظ صار وجوداً.

والقديس الخوري يوسف مهنا الحداد الذي نطلب شفاعاته يحصى اليوم مع القدّيسين. فقد كهن للرب لا لسواه. علّم فلم يعلّم عن ذاته. كتب فلم يقل من هو بل أخبر بالسيّد السيّد الذي تنحني امامه كل ركبة في السماء وعلى الأرض. متزوج لكن زواجه في الكنيسة ومن اجلها. كان الكاهن هو وزوجته واولاده، وكاهن الشعب أخاً وأباً ومرشداً، عاملاً دون هوادة: هو كان لله ولكنيسته ولم تكن الكنيسة له. وهبها كل شيء ولم “يستوهبها” أي شيء، لا لنفسه، ولا لامرأته، ولا لأولاده ولا لسواهم. الا انه كان في كل شيء للكنيسة الحية وللشعب الذي يرعاه.

القديس الخوري يوسف لم يخلّف على الأرض إلا جسداً مقطعاً تغذى بالقربان ليصبح هو قربانا.

يا قديس الله صلّ من اجلنا نحن الخطأة واشفع بنا.

دير مار الياس شويا 17/8/1993

U أغناطيوس الرابع

بطريرك انطاكية وسائر المشرق

)عن القديسون المنسيّون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار(

القدّيس فوتيوس المعترف بطريرك القسطنطينية (+891م)

نشأته

ولد القدّيس فوتيوس المعترف سنة 820 م لعائلة مميّزة. أبوه سرجيوس وأمه إيريني معترفان في الكنيسة. يُعيَّد لهما في السنكسار البيزنطي في 13 أيار. قاوما الأمبراطور ثيوفيلوس (829 – 842 م) لسياسته الكنسية المعادية لإكرام الإيقونات فتعرّضا للنفي. وقد ذكر فوتيوس نفسه في رسالة له، فيما بعد، ان عائلته بكاملها بمن فيها عمّه، البطريرك القدّيس تراسيوس (+ 806 م)، أبسلهم أحد المجامع المعادية للأيقونات. ويبدو ان أملاك العائلة، وهي كثيرة، قد صودرت. العائلة كانت تنتمي إلى طبقة النبلاء. وقد كان لفوتيوس أخوان، سرجيوس وتراسيوس . سرجيوس، كما ورد ، اقترن بإيريني، أخت الأمبراطورة ثيودورة، المدافعة عن الأيقونات. مصادر أخرى ذكرت ان من تزوّج من أخت الأمبراطورة كان خاله لا شقيقه. في جو مشبع بالاهتمامات الكنسية، إذن، نشأ فوتيوس. الدفاع عن الإيمان القويم كان إرثاً عائلياً درج عليه قدّيسنا طيلة حياته .

إلى ذلك تسنّى لفوتيوس ان يحصّل ثقافة واسعة في مختلف ميادين العلم الكنسي والدنيوي في آن. لم يترك مجالاً من مجالات المعرفة في زمانه الا سبر غوره حتى أضحى أكثرَ أهل زمانه علماً وأبرز وجوه النهضة الفكرية في بيزنطية بعد مرحلة اضطهاد الأيقونات .

 

المعلم والموظف الكبير

في إحدى رسائل القدّيس فوتيوس إلى البطاركة الشرقيين ذكر انه مال في شبابه إلى الحياة الرهبانية لكنه التزم التعليم، استاذاً في الجامعة الملكية في قصر مغنورة، بعدما عيّنه فيها ثيوكتيستوس ، رئيس وزراء الأمبراطورة ثيودورة ، معلماً للفلسفة الأرسطوطاليسية واللاهوت. وما لبث، بعد حين، ان جرى تعيينه مديراً للمحفوظات الملكية وعضواً في مجلس الشيوخ. في العام 855 م ترأس سفارة إلى حاضرة الخليفة العباسي، المتوكل، في بغداد. هناك، فيما يبدو، وبناء لطلب أخيه، وضع ما يُعرف بالميريوبيبلوس أو ” المكتبة ” وهو مؤلَّف ضمّنه فوتيوس خلاصات مئتين وثمانين من أعمال القدامى وتعليقات عليها. فعل ذلك بالاعتماد على ذاكرته وحسب. يذكر ان عدداً من الذين كتب فوتيوس عنهم ضاعت أعمالهم ولم يبق لنا غير “المكتبة” شاهدة لها. مثل هؤلاء ستاسياس وممنون وكونون وديودوروس سيكولوس .

 

بطريركاً رغماً عنه

كان القدّيس فوتيوس خارج مدينة القسطنطينية عندما جرت فيها أحداث سياسية غيّرت مجرى الأمور وحملت فوتيوس إلى رأس سلّم الإدارة الكنسية. فلقد نجح برداس، شقيق الأمبراطورة ثيودورة، بتشجيع من الأمبراطور الحدِث ميخائيل الثالث ، في إنهاء ولاية شقيقته بالوصاية عن ابنها بعدما فتك برئيس وزرائها ثيوكتيستوس، ونصّب نفسه وصيّاً محلها. أوساط الليبراليين والمفكّرين ساندته فيما وقف المحافظون بجانب ثيودورة. القدّيس أغناطيوس، بطريرك المدينة المتملكة الذي سبق للأمبراطورة المخلوعة ان عيّنته، كان من المحافظين، لذا فقد حظوته لدى الحكومة الجديدة. ويبدو ان أتباعه أطلقوا للسانهم العنان في إذاعة أخبار مشينة طعنت بحياة برداس الشخصية. فلما جرت محاولة فاشلة لإعادة ثيودورة إلى الحكم، أُلزمت وبناتها بأخذ النذور الرهبانية. أغناطيوس، من ناحيته، رفض ان يبارك ثوبهن الرهباني دلالة على عدم رضاه وانصياعه لتدبير برداس . وإذ بدا كأن أزمة في العلاقة بين الدولة والكنيسة على الأبواب، نصح بعض الأساقفة أغناطيوس بالاستقالة للحؤول دون ذلك فنزل عند رغبتهم وطلب من مناصريه ان يختاروا لهم بطريركاً آخر غيره. فلما التأم مجمع محلّي للنظر في الأمر، برز الصراع واضحاً وحاداً بين فريقين من الأساقفة. وإذ غلب، في نهاية المطاف، الاتجاه التوفيقي بعدم اختيار بطريرك من بين الأساقفة المتناحرين، استقر رأي الجميع على اختيار رجل من العامة هو فوتيوس، ورفعوا توصيتهم إلى الأمبراطور. حتى أكثر مناصري أغناطيوس ولاء له وافقوا على الرأي المقترح. استصوب برداس التوصية وعيّن فوتيوس بطريركاً. فوتيوس، على ما قيل، لما بلغه الخبر استفظعه وحاول التملّص بكل الطرق الممكنة. الوقت صعب والمهمة دقيقة وليس سهلاً على من التزم الدرس والتدريس، استاذاً ومفكِّراً، ان يتخلى عن عالم نعم فيه بهدوء لا شك فيه، ليخوض غمار عالم صاخب مضطرب محفوف بالمخاطر كبطريركية القسطنطينية. لذا قال في رسالة إعلان إيمانه إلى نيقولاوس، بابا رومية، بعد ذلك بزمن، انه رُفِّع إلى البطريركية بغير إرادته وهو يشعر بأنه يقيم فيها بمثابة سجين .

أنّى يكن الأمر فإنه جرى ترفيع فوتيوس في سلم الرتب الكهنوتية في خلال أسبوع لأن الوقت كان قريباً من عيد الميلاد وكانت على البطريرك مهام تجدر ممارستها في أقرب وقت ممكن. على هذا جرى تنصيبه بطريركاً يوم الخامس والعشرين من كانون الأول عام 858 م.

لم يتح لفوتيوس ان ينعم بالسلام طويلاً لأن المتطرفين من أنصار أغناطيوس ما لبثوا ان رصّوا صفوفهم وأعلنوا رفضهم للبطريرك الجديد رغم الضمانات التي سبق له ان أعطاها بشأن منـزلة البطريرك المستقيل . هكذا بدأت متاعب فوتيوس التي فرضت عليه مواقف حرجة أملت عليه قرارات صعبة فأثارت بشأنه تساؤلات جمّة وجعلت منه رجل الملمّات عنوة. والحق انه جمع، في ادائه، بين الوداعة والمواجهة والدقّة والرحابة والإحجام والإقدام والفضيلة والمسؤولية .

 

أوّل الغيث

ما ان مضى شهران على تنصيب فوتيوس بطريركاً حتى بدأت القلاقل. جماعة أغناطيوس المتطرِّفة تداعت إلى اجتماع في كنيسة القدّيسة إيريني وأعلنت رفضها للبطريرك الجديد وتمسّكها بأغناطيوس بطريركاً شرعياً. السبب المباشر للعصيان ليس واضحاً. ربما نشب خلاف بشأن الضمانات الآنف ذكرها للبطريرك المستقيل. أنّى يكن الأمر فإن واحدة من حجج الجماعة كانت عدم جواز ترفيع فوتيوس إلى الدرجة البطريركية بالسرعة التي تمّ فيها .

حاول فوتيوس اجتناب الصدام وتهدئة الخواطر وأخذ الأمور بالرويّة فلم يُفلح. فدعا إلى مجمع في كنيسة الرسل القدّيسين للبحث في الأمر واتخاذ القرار المناسب بشأنه . ولكن قبل ان يلفظ المجمع حكمه تدهور الوضع ووقعت حوادث شغب أثارها المتطرِّفون. وإذ أخذت المسألة بعداً سياسياً تصدّى العسكر الملكي للمتظاهرين وقمعهم بقوة السلاح فسالت الدماء وتفاقمت الأزمة. فوتيوس، من ناحيته، ندّد باستعمال القوة وهدّد بالاستقالة. ولكن، أمام إصرار المعارضة على موقفها، من ناحية، وعدم استعداد السلطة المدنية للرضوخ، من ناحية أخرى، طالب برداس الكنيسة بحسم الأمر، فاضطر فوتيوس إلى دعوة المجمع من جديد وإلى اتخاذ قرارات مؤلمة بحق أغناطيوس (859 م) . فبناء لطلب برداس، أعلن المجمع ان بطريركية إغناطيوس باطلة من أساسها لأن أغناطيوس لم ينتخبه المجمع بل عيّنته ثيودورة. البطريرك المستقيل كان، خلال حوادث الشغب ، قد تعرّض للسجن وبعض من أنصاره. فلما أبطل المجمع بطريركيته تمّ نفيه إلي ميتيلين ثم إلى جزيرة ترابنتوس. ولكن تبيّن، بعد حين، انه لم تكن لأغناطيوس علاقة بحوادث الشغب وهو براء مما أثاره المتطرّفون من أتباعه باسمه فسُمح له بالإقامة في قصر بوسيس في القسطنطينية.

لم تهدأ الحال، رغم التدابير المتخذة، ولا استكان المتطرِّفون. فدعا فوتيوس والأمبراطور ميخائيل الثالث إلى مجمع جديد (861 م) وطلبا من البابا نيقولاوس الأول، بابا رومية، (858 – 868)، إيفاد مبعوثين عنه. الموضوع الأساس كان دحض محاربة الإيقونات وتثبيت القرارات المتّخذة في حينه (843 م) برعاية الأمبراطورة ثيودورة . نيقولاوس، في رسالته الجوابية، اعترض على ترفيع عاميٍّ إلى درجة البطريركية، لكنه أوفد رادوالد أسقف بورتو وزخريا أسقف أناغني، لاستطلاع الوضع في القسطنطينية تاركاً لنفسه أمر البتّ في شرعية فوتيوس بطريركاً. نيقولاوس كان يتصرّف كمن له سلطان على الكنيسة في كل مكان. هذا لم يكن في حساب فوتيوس ولا كنيسة القسطنطينية . اطّلع المندوبان على الوضع القائم واستجوبا أغناطيوس. فلما بانت لهما الصورة في القسطنطينية على حقيقتها ثبّتا، باسم بابا رومية، قرارات مجمع 859 بشأن لا شرعية بطريركية أغناطيوس. ويبدو ان أغناطيوس رضخ. فظن المبعوثان أنهما، بما فعلا، أكدا سلطة البابا كحكم. لكن سير الأمور بيّن، بعد حين، ان البابا نيقولاوس لم يكن مستعداً للاكتفاء بما جرى وان صورته عن نفسه، فيما خصّ سلطته في الكنيسة، كانت غير صورة الآخرين عنه .

 

تدهور في العلاقات

في تلك الأثناء، وصل إلى رومية عدد من متطرّفي حزب البطريرك أغناطيوس وعلى رأسهم ثيوغنوسطوس الراهب. هؤلاء نقلوا صورة عن الأوضاع في القسطنطينية لم تكن مطابقة لواقع الحال، حتى إنهم ناشدوا البابا، باسم أغناطيوس زوراً، التدخل لإحقاق الحق ووضع الأمور في نصابها. وإذ بدا كأن نيقولاوس كان مهيَّئاً لقبول شهادة من النوع الذي وصل إليه لأنها تناسب رؤيته وتزكّي نزعته إلى الهيمنة، بادر إلى الطعن بالموقف الذي اتخذه مبعوثاه، كما أعلن ان قرارات مجمع 861 م باطلة. كذلك أعلن تنحيته لفوتيوس كبطريرك للمدينة المتملكة وادّعى ان لباباوات رومية سلطاناً ان يحكموا في شرعية أو لا شرعية المجامع المحلّية. وفي العام 863 جمع نيقولاوس أساقفة من الغرب في رومية أدانوا فوتيوس وأبسلوه هو والأساقفة والكهنة الذين سيموا بيده، وأعلنوا ان أغناطيوس هو البطريرك الشرعي للقسطنطينية. وقد جرى إبلاغ فوتيوس والأمبراطور ميخائيل الثالث بذلك. لم تأخذ القسطنطينية القرارات الباباوية في الاعتبار واحتجّ الأمبراطور على تدخّل رومية في الشؤون الداخلية للكنيسة في القسطنطينية، فصرّح نيقولاوس سنة 865 انه يستمدّ سلطته على الكنيسة الجامعة من المسيح نفسه وله حق التدخّل في الشؤون الداخلية للكنائس المحلية ساعة يشاء .

 

زيت على النار

على صعيد آخر، وجّه فوتيوس طرفه ناحية الشعوب السلافية راغباً في تبشيرها. وقد وقع اختياره، لهذه الغاية، على أحد أصدقائه، قسطنطين، الذي كان عالماً فذّاً. هذا نعرفه في الكنيسة باسم القدّيس كيرللس. وكذلك استدعى فوتيوس شقيق هذا الأخير، وهو ناسك في جبل الأوليمبوس، يدعى مثوديوس. هذان شرعا بمهمة رسولية لدى الخازار في روسيا الجنوبية ، ثم انتقلا إلى مورافيا بناء لطلب أميرها. هذا كان إيذاناً بالبدء بهداية الشعوب السلافية إلى المسيح. وقد جرت، بعد حين، معمودية بوريس (ميخائيل) أمير بلغاريا. هذا عمّده فوتيوس وكان الأمبراطور عرّابه. بمعمودية بوريس، أنشدّت بلغاريا إلى المسيحية. لكن بوريس ما لبث ان دخل في خلاف مع القسطنطينية. السبب انه طمح في ان يكون للبلغار بطريرك خاص بهم. فلما لم يستجب فوتيوس والأمبراطور لرغبته حوّل نظره شطر رومية. كان ذلك عام 866 م. فاغتنم البابا نيقولاوس الفرصة وبعث بمرسلين لاتين أخذوا يبثّون بين البلغار اللاهوت الغربي والعادات اللاتينية. وقد ورد ان من جملة ما أخذ يشيع، آنئذ، التعليم الخاص بانبثاق الروح القدس من الآب والابن معاً (الفيليوكوي). وكان طبيعياً ان يصطدم الروم واللاتين هناك. الروم كانوا موجودين على الأرض. الصراع بدا مكشوفاً . الروم اعتبروا الخطوة اللاتينية اقتحاماً لنطاق خاص بهم واللاتين مجالاً لتأكيد سلطة البابا  ونشر عادات الكنيسة اللاتينية وفكرها اللاهوتي في مقابل الفكر البيزنطي المشبوه والعادات البيزنطية الفاسدة. فلم يلبث فوتيوس، رداً على الهجمة اللاتينية، ان بعث برسالة إلى أساقفة الشرق بيّن فيها ضلالات اللاتين، لا سيما لجهة مسألة الإنبثاق. ثم دعا إلى مجمع كبير في القسطنطينية، عام 867، أكّد الإيمان القويم وأبسل البابا ومرسليه في بلغاريا. وعليه طلب الأمبراطور البيزنطي من الأمبراطور الجرماني لويس الثاني الإطاحة بنيقولاوس. ولكن قبل ان تصل إلى نيقولاوس قرارات مجمع القسطنطينية رقد .

 

تغيُّر الرياح السياسية

في أيلول 867 فتك باسيليوس الأول الذي سبق ان عيّنه ميخائيل الثالث امبراطوراً مشاركاً، أقول فتك بميخائيل بعدما كان ان فتك بعمّه برداس. ولكي يكسب ودّ المحافظين عمد إلى إقالة فوتيوس وإعادة أغناطيوس إلى سدّة البطريركية. وإذ دخل اكليروس القسطنطينية في صراع فيما بينهم وساد البلبال ، رأى الأمبراطور ان يستعين برومية لوضع الأمور في نصابها. فدعا البابا أدريانوس الثاني إلى مجمع انعقد في القسطنطينية عام 869 م. هذا  اعتبره اللاتين بمثابة مجمع مسكوني ثامن. في هذا المجمع الذي ضمّ مائة وعشر أساقفة وحسب جرت إدانة فوتيوس وإبطال مجمع 867 . كما جرت إقالة مائتي أسقف وتجريد العديد من الكهنة ممن سامهم فوتيوس أو كانوا من مناصريه. أما فوتيوس فأوقف أمام المجمع ليجيب عن التهم الموجهة إليه فلزم الصمت مكتفياً بالقول: ” الله يسمع صوت الصامت… تبريري ليس من هذا العالم ” . ثلاث سنوات بقي في الإقامة الجبريّة مقطوعاً عن أصحابه  ومحروماً من كتبه. لا اشتكى ولا تذمّر. ولا حمل على أحد. عانى المرض. صبر صبراً عجيباً. واكتفى بتوجيه رسائل تشجيع وتشديد للذين كانوا يتألّمون من أصدقائه .

 

رياح دافئة

لم يكن عمل أغناطيوس في الفترة الجديدة من بطريركيته سهلاً . وما لبث ان وجد نفسه في صراع مع البابا يوحنا الثامن. لكنه احتضن بوريس (ميخائيل) البلغاري بعدما ارتدّ عن رومية إلى القسطنطينية. وإذ ازدادت القناعة في المدينة المتملكة ان الدور الذي أُتيح لرومية لعبه عظّم شأنها على حساب  القسطنطينية نصح الأساقفة باسيليوس الملك، توحيداً للكنيسة فيها  ورفعاً لشأنها، بإبطال قرارات مجمع 870 وإطلاق سراح فوتيوس. فعمد الأمبراطور إلى استعادة فوتيوس بإكرام بالغ وأسماه مربّياً لأولاده. وكانت أول بادرة فوتيوس أتاها انه التقى وأغناطيوس وتصالحا  وأعلن دعمه له ووقوفه بجانبه. أغناطيوس كان مريضاً فصار فوتيوس يزوره بانتظام. فلما رقد أغناطيوس بالرب، عاد فوتيوس إلى السدّة البطريركية بمباركة الجميع. وإلى فوتيوس يعود التدبير بشأن إعلان الكنيسة لقداسة أغناطيوس في 23 تشرين الأول من كل عام. فوتيوس وأغناطيوس، كما تبيّن، كانا ضحية الخلافات التي زكّاها الآخرون باسمهما .

ثم ان مجمعاً عُقد في القسطنطينية عام 879 – 880 ضمّ 383 أسقفاً وعرف بمجمع الوحدة رأب الصدع بين رومية والقسطنطينية وأعاد الاعتبار لفوتيوس رسمياً، كما أكّد الإيمان الأرثوذكسي وكفّر الزيادة على دستور الإيمان لجهة انبثاق الروح القدس. مبعوثو البابا يوحنا الثامن كانوا موجودين. ومجمع 869 اعتُبر لاغياً. فلما بلغ بابا رومية خبر المجمع وافق على مقرّراته. وهذا ما يفسّر ان مجمع 869 ، الذي سُمّي في الغرب بالمجمع المسكوني الثامن، لم يُحسب كذلك في رومية إلى القرن الحادي عشر حين ادّت تغيرات إلى إعادة الاعتبار لمجمع 869 وإهمال مجمع الوحدة، مما ولّد الاعتقاد الشائع في الغرب الذي اتّهم فوتيوس ظلماً بأنه أبو الانشقاق وعدو الوحدة . هذه الحقيقة يُقرّ بها حتى العديد من علماء الكثلكة اليوم، أمثال الأب فرنسيس دفورنيك .

 

احتجازه ورقاده

ومرة أخرى تغيّرت الأوضاع العامة وانعكست سلباً على فوتيوس. في العام 886 خلف لاون السادس أباه باسيليوس أمبراطوراً. وإذ كان على عداء وأسقف أوخاييطا، غريغوريوس، وهو أحد أتباع فوتيوس، أقال البطريرك القدّيس وحجزه كفاعل سوء في دير الأرمن جاعلاً أخاه استفانوس بطريركاً محلّه. بقي فوتيوس في الإقامة الجبرية خمس سنوات محروماً من كل عزاء بشري. كأنما الرب الإله أراد تمحيصه كالذهب في الكور إلى المنتهى. في هذه الفترة من حياته كتب ” ميستاغوجية الروح القدس ” الذي دحض فيه مسألة انبثاق الروح القدس من الآب والابن (الفيليوكوي). رقد في الرب مكمّلاً بالفضائل في 6 شباط 891 . وقد جرت بجسده للتوّ عجائب جمّة

 

القديس البار سيرافيم ساروفسكي الحامل الإله

يجعل مترجموه تاريخ ميلاده يوم التاسع عشر من تموز سنة ۱٧٥٩م في بلدة كورسك في روسيا الوسطة. كان ابوه، إيزيدوروس، بنّاءً. رقد وقديسنا في السنة الأولى من عمره. أمه، أغاثا، كانت امرأة طيّبة قويّة النفس معروفة بحبها للمرضى والأيتام والأرامل وعنايتها بهم. محبّة أمّه للناس أثّرت في نفسه أيّما تأثير، فلما كبر أبدى من التفاني في خدمة المرضى والمضنوكين ما كان في خط أمه يزيد. سيرافيم، الذي كان اسمه يومذاك بروخوروس، هو ثالث الأولاد في الأسرة بعد أخ وإخت.

عندما بلغ بروخوروس العاشرة من عمره مرض مرضاً خطيراً. وفيما ظنّ من حوله أنه مشرف على الموت تعافى. وقد أخبر أمه، فيما بعد، إن والدة الإله أتت إليه في رؤية ووعدته بأن تشفيه. مذ ذاك نمت بين والدة الإله وبينه علاقة مميزة.

 

عندما بلغ السابعة عشرة اشتغل في التجارة مع أخيه ألكسي، لكن التجارة لم تستهوِه بحال. كان عقله في الإلهيات أبداً. وما فهم البيع والشراء ورأس المال والدين إلا إشارات ورموزاً للحقائق الروحية. وقد مالت نفسه الى الحياة الرهبانية فسافر واثنين من اصحابه الى كييف. هناك سمع من فم أحد الآباء الشيوخ كلمة إعتمدها، والكلمة كانت: “سوف تذهب إلى ساروف، يا ولدي. هناك تكون نهاية حجّك الأرضي… والروح القدس يهديك ويسكن فيك”.

مذ ذاك سلك بروخوروس طريق الساروف وكانت ساروف على بعد ثلاثمائة كيلومتر من كورسك.

راهباً مبتدئاً

انضم برخوروس الى دير ساروف الكبير هو في التاسعة عشرة من عمره. كان قوي البنية، تبدو عليه علامات الذكاء والحيوية. عيناه زرقوان. وروحه فرحة مرحة.

سلك في الطاعة والتواضع وصلاة القلب والأصول الرهبانية ككل الرهبان. عمل في الدير خبّازاً وعمل نجّاراً. جمع بين العمل وصلاة يسوع. واعتاد أن يقول فيما بعد: “كل الفن هناك! فسواء جئت أم ذهبت، كنت جالساً أم واقفاً أم في الكنيسة، لتخرج هذه الصلاة من بين شفتيك: أيها الرب يسوع المسيح، ارحمني أنا الخاطئ. فإذا استقرّت هذه الصلاة في قلبك، وجدتَ سلاماً داخليّاًَ وخفراً في النفس والجسد”. هذه الكلمات كانت نتاج الخبرة لديه.

لاحظ رؤساء بروخوروس صبره واحتماله وحميّته في الخدم الليتورجية فجعلوه قارئاً. وكان محبّاً لكتب الآباء. نُهي عنه أنه درس مؤلّف القديس باسيليوس الكبير عن الخلق في ستة أيام وكذلك مقالات القديس مكاريوس وسلّم الفضائل للقديس يوحنا السلّمي وغيرها من كتابات الآباء النسّاك، إضافة الى الكتاب المقدس الذي اعتاد أن يسمّيه “زوّادة النفس”، وكان يقرأه، لا سيما العهد الجديد منه، واقفاّ أمام الأيقونات.

كان برخوروس، أوّل الأمر، يقسو على نفسه قسوة شديدة؛ يسهر كثيراً ولا يأكل إلاّ قليلاً. وقد سبب له ذلك أوجاعاً حادّة في الرأس ومرض. لذلك أخذ نصح المبتدئين، فيما بعد، بعدم التقسّي الشديد في النسك، أن يناموا خمس أو ست ساعات ويرتاحوا قليلاً أثناء النهار إذ ليست الإماتة موجّهة للجسد بل للأهواء. الجسد يجب أن يكون عشير النفس ومساعدها غي عمل الكمال، وإلاّ فإنّ الجسد المضنى يضعف النفس. هذا ولم يستردّ برخوروس عافيته إلاّ بعد ثلاث سنوات وبعدما ظهرت له والدة الإله، من جديد، برفقة بطرس ويوحنا، وقالت لهما عنه: “هذا واحد منا!”.

لبس بروخوروس الإسكيم الرهباني وهو في السابعة والعشرين. من ذلك اليوم صار اسمه سيرافيم.

شماساً

تشمّس سيرافيم سبع سنوات عرف خلالها الإكتئاب لقصوره عن تسبيح الله كالملائكة على الدوام. وقد أُعطي أن يعاين الملائكة يشتركون في خدمة الهيكل والكهنة والشمامسة، وسمعهم يرنّمون تراتيم سماويّة لا مثيل لها بين الناس. قال “في نشوتي، التي لم يكن يعكرها شيء، كنت أنسى كل شيء. لم أكن واعياً أني على الارض. أذكر فقط أني دخلت الكنيسة وخرجت منها. أما الوقت الذي أمضيته في خدمة هيكل الربّ فكان خفيفاً رقيقاً رائعاً. ذاب قلبي كالشمع في وجه ذاك الفرح الذي لا يدانى”.

وقد عاين سيرافيم الربّ يسوع مرّة وكان يشمّس فتسمّر في موضعه الى أن خرج شمّاسان وحملاه الى الداخل حملاً.

كاهناً

سيم القديس كاهناً وهو في سن الثلاثين فصار يقيم الذبيحة الإلهية كل يوم. وقد منّ عليه الرب الإله بمواهب الشفاء وطرد الأرواح الشريرة والبشارة بكلمة الله. كما اعتاد أن يحثّ المؤمنين على المناولة المتواترة. لكنه كان يعرف أنّ للمناولة أكثر من قناة. قال، مرة، لارملة مات زوجها ولم يتسنّى له أن ينال القدسات: “لا تخافي على خلاصه، يا فرحي، لانه يحدث أحياناً أن تحول ظروف قاهرة دون مناولة إنسان ما؛ فمثل هذا يمكن أن يحظى بالقدسات، بحال غير منظورة، من يد ملاك الرب”.

بعد سنة من ذلك، سمح له رؤساؤه بمغادرة الدير والعيش ناسكاً على بعد حوالي ستة كيلومترات من الدير في الغابة.

ناسكاً

كان القديس سيرافيم قد شاخ قبل أوانه. كما كان المرض والإمساك قد أضنياه، وكانت رجلاه منتفختين متقرحتين. لهذا سمح له رؤساؤه بالعزلة.

اعتاد أن يقرأ الأناجيل كمن يطلب أن يشترك في خبرة أحداثها. لهذا السبب أطلق على عدد من الأمكنة في محيطه أسماء كتابية، وأخذ يقرأ في كل منها الفصول التي تناسبها. فهنا الناصرة وهناك بيت لحم وهناك قمّة ثابور والجسمانية.

كان لا يذهب الى الدير إلاّ في آخرالاسبوع ولا يحمل معه إلاّ القليل من الخبز عائداً. وقد كان له شركاء في طعامه: حيوانات البريّة التي صارت له عشيرة أليفة. فمن المعروف مثلاً أن دباً كان يأتيه كالحملان ليأكل من يده وقد اعتاد أن يعمل قليلاً في الأرض ويرتل أثناء العمل. وكثيراً ما كان يحدث أن يُخطف بالروح وهو يرنّم.

وفي عودة القديس الى الدير، في الآحاد والأعياد، كان الرهبان يتحلقون حوله ويصغون إليه وهو يحدثهم عن الله: “بمقدار ما تُدفئ محبة الرب قلب الإنسان، بنفس المقدار، يجد المرء في إسم الرب يسوع، حلاوة وسلاماً”.

اعتاد الرهبان انتظاره في مجيئه إليهم والبهائم في عودته الى منسكه. كانت الحيوانات والعصافير والزحّافات تجتمع أمام بابه تنتظر طعامها. مرة سأل الشماس ألكسندروس القديس سيرافيم كيف يتمكن من إطعام هذا الجمّ من الحيوانات فأجابه: “لا أعرف كيف، أعرف فقط إني كلما مددت يدي الى كيسي وجدت فيه ما ألقيه إليها”.

كان منسكه أجرد. حتى السرير لم يكن موفوراً، لأن سيرافيم كان يستلقي على كيس من الحجارة الملساء. غمبازه كان يتيماً وله حبل يربط وسطه به، لكن كان عنده للشتاء معطف سميك وقبعة رهبانية.

كثيرون أخذوا يشقّون طريقهم إليه طلباً للنصح والبركة قتضايق وسأل الله حلاّ فتشابكت الأغصان حول منسكه الى حد تعذّر معه وصول الراغبين إليه.

صراع مع إبليس

وكثيراً ما كان يبدو للقديس سيرافيم كأن حيطان منسكه على وشك التداعي والعدو يزأر ويهاجم من كل صوب والحيوانات الضارية تضرب المكان بعنف لتنقضّ على من في الداخل. أصوات الصراخ والحيوانات الهادرة ملأت أذنيه. أحياناً كان يحس كأن أحداً يحمله في الجو ثمّ يلقيه أرضاً بعنف. ولما سُئل القديس ما إذا كان قد رأى الأبالسة أجاب ببساطة: “إنها مقرفة!”.

ثم بعد حين تغيّر نوع هجمات الشرير عليه فربضت على قلبه كآبة ثقيلة واضطربت في روحه أفكار داكنة. عاين القديس نفسه مداناً، وقد تخلى الله عنه. ساعتذاك قاربت معاناته اليأس. لذا قال: “من اختار حياة النسك وُجِب عليه أن يشعر بأنه مصلوب أبداً… والناسك، متى هاجمه روح الظلمة، كان كأوراق الشجر الميتة في مهب الريح، وكالغيوم في هوجة العاصفة. شيطان البرية ينزل على الناسك قرابة نصف النهار ليزرع فيه قلقاً لا يستكين… هذه التجارب لا تُقهر بغير الصلاة”.

معركته مع الأبالسة دامت سنوات. لا نعرف الكثير عنها، نعرف فقط أنه بقي ألف يوماً راكعاً أو منتصباً على الصخر يصلّي.

ثلاثة لصوص

وجاء الى القديس ثلاثة لصوص فيما كان يقطع الحطب في الغابة وطلبوا منه مالاً. وإذ لم يكن عنده ما يعطيه لهم غضبوا أشد الغضب وضربوه بقسوة فأغمي عليه. وبالجهد، بعدما استعاد وعيه، جرّر نفسه الى الدير. كانوا قد تسببوا في إحداث كسور في جمجمته وأضلاعه علاوة على الجراح. ولم يسترد عافيته إلاّ بعد أشهر. وقد شاب شعره واحدودب ظهره وصار لازماً له أن يستعين في مشيته بعصى. فلما عاد الى منسكه دخل في صمت ولم يعد يذهب الى الدير، فاتخذ مجلس الشركة قراراً باسترداده، فعاد طائعاً. كان قد مضى على نسكه خمسة عشر عاماً.

مُقفلاً على نفسه

أقفل القديس على نفسه قرابة الخمس سنوات قليلاً ما كان فيها يكلّم أحداً، وكانو يأتونه بالقدسات إلى قلاّيته. ثم بعد ذلك انفتح وصار يقبل الزائرين المنتصحين. بعض رؤساء الأديار في الجوار كان يأتي إليه سائلاً المنفعة فكان يحثّهم على اللطف ومحبة الأخوة كمثل ما تحبّ الأم أولادها وأن يصبروا على ضعفاتهم وشتى سقطاتهم. كما اعتاد أن يقول لهم: “تعلّموا أن تكونوا في سلام وألوف النفوس من حولكم تجد الخلاص”. على هذا النحو، وبعد سبعة وثلاثين عاماً من التهيئة بانت موهبة القديس: أن يكون شيخاً روحانياً، ستاريتزا يعنى بالنفوس. وصاروا يأتون إليه من كل مكان. حتى القيصر الكسندروس الأول اعتاد المجيء إليه. وإذ زاد عدد الطالبين صلواته فوق الطاقة صار أحياناً يكتفي بإضاءة شمعة لكل منهم إقتداء بموسى الذي أشعل من أجل الشعب قديماً ناراً تكفيرية.

موهبة الرؤية

كانت للقديس سيرافيم موهبة معرفة مكنونات القلوب ورؤية الامور على بعد في المكان والزمان. وقد سأله أحدهم مرة راغباً في معرفة كيفية حدوث ذلك فأجابه: “القلب البشري مفتوح لله وحده وكلما اقترب منه أحد وجد نفسه على حافة جبّ عميق… أنا لا أفضي لأحد إلاّ بما يفضي به إليَّ الربّ الإله. وإني لمؤمن أن الكلمة الأولى التي ترد على ذهني موحاة من الروح القدس. ثم متى أخذت في الكلام لا أعرف ماذا يكمن في قلب الرجل الذي يسألني. أعرف فقط أن الله يوجّه كلماته من أجل ما فيه خيره. لكن، إذا أعطيت جواباً من بنات حكمي على الأمور دون أن آتي به الى الرب الإله أوّلاً فإني أقع في الشطط… على هذا كما الحديد بين يدي الحداد كذلك أنا بين يدي الله، لا أبدي تحرّكاً من دون مشيئته ولا أتلفّظ بكلمة غير ما يلحّ هو به عليّ…”.

أباً للراهبات

على بعد اثني عشر كيلومتراً من ساروف كانت قرية ديفيافو وفيها كان دير نسائي اهتمّ القديس سيرافيم به. ثم ما لبث أن أسس ديراً للفتيّات بين الراهبات أسماه دير الطاحونة قريباً من الدير الأول. وكان بينهنّ عدد من القدّيسات. تعاطيه معهنّ إمتاز بالسعة والمرونة. سأل إحداهنّ مرة: “هل تقيمين صلواتك حسناً؟ أجابته: كلا! عندي الكثير من المهام ولست أُصلّي كما يجب! فقال لها: ليس هذا مهماً، يا فرحي. إذا لم يكن لديك وقت كافٍ للصلاة فبإمكانك أن تصلّي وأنت تعملين أو فيما أنت ذاهبة من مكان إلى مكان أو حتى في السرير شرط ألا تنسي أن تدعي الربّ في قلبك وأن تسجدي أمامه صبحاّ ومساءً. فإذا فعلتِ ذلك فإنّ الله نفسه سوف يُعينك على بلوغ الصلاة الكاملة”.

إحدى الراهبات في دير الطاحونة كانت هيلانة منتوروف. هذه كان القديس يعتمد على أخيها ميخائيل في الكثير من أشغال البناء. وإذ أصيب ميخائيل بمرض خطير ولم يشأ القديس أن يخسره لأنه كان بعد بحاجة إليه، أرسل في طلب هيلانة وقال لها: لقد كنتِ دائماً تُطيعينني، يا فرحي، والآن عندي لك عمل طاعة، فهل أنت مستعدّة لأن تتمّميه؟ فأجابت: انا مستعدّة دائماً لطاعتك يا أبانا. فقال لها: حسناً، يا فرحي… أخوك كما تعلمين مريض بمرض خطير وقد يموت، ولككنا لا نستطيع في الوقت الحاضر أن نستغني عنه. أنت تفهمين ما أقول. هذا هو عمل طاعتك، إذاً: أن تموتي بدلاً منه! فأجابت: ببركتك با أبانا! ثم أخذ القديس يتحدث عن سر الموت وهيلانة تسمع ولا تتفوّه بكلمة. فجأة هتفت: لكني يا أبانا خائفة من الموت! فأجابها: ولكن ليس في الموت ما يخيف لأنه يحمل إلينا الفرح! فلما خرجت من عنده أصيبت بتوعّك وإغماءة ولازمت الفراش قليلاً. في أول الأمر إنتابها الخوف، ثم ما لبث أن فارقها. صار الموت لها يعني أن تعطي حياتها لأخيها وللشركة الرهبانية التي كانت تنتمي إليها. وقبل رقادها بأيام قليلة بدت وكأنها انتقلت الى عالم آخر: “إنه آتٍ مع الملائكة…”. وبعدما تناولت جسد الرب ودمه طلبت من الأخوات أن يعددن لدفنها. كان اليوم سهرانة عيد العنصرة. وكانت قد بلغت السابعة والعشرين. عندما أتت الأخوات الى القديس ليخبرنه بموتها وهنّ باكيات قال لهنّ: “يا لسخفكنّ أن تنتحبنَ على هذا النحو! آه لو كان بإمكانكنّ أن تَرينَ روحها. فإنّ الشيروبيم والسارافيم إرتدّت الى الوراء عندما شقّت هيلانة طريقها الى الثالوث القدّوس!”.

موتوفيلوف

نيقولاوس موتوفيلوف اسم بارز في سيرة القديس سيرافيم أسماه القديس “صديق الله” وقد صار مدبّراً لدير الراهبات في ديفيافو. عندما جيء به الى قديسنا كان في الثانية والعشرين، صاحب أملاك واسعة خلّفها له ابوه. وأقول جيء به لأنه كان مريضاً لا يقوى على الحركة، لا بل كان مشلولاً. فسأل قديس الله ان يشفيه فأجابه: “لكنني لست طبيباً؛ عليك أن تذهب الى أحد الأطباء!” فأخبره موتوفيلوف عن معاناته والعلاجات التي تلقّاها وكيف انه لم ينتفع شيئاً ولم يعد له رجاء إلاّ بالله. فسأله القديس: “هل تؤمن بالرب يسوع المسيح الذي خلق الإنسان وبأمّه الكليّة القداسة مريم الدائمة البتوليّة؟”. فأجاب: “أؤمن!”. فقال له: “تؤمن بأن الرب الذي اعتاد أن يُبرئ المرضى بقوة كلمته وحسب قادر في أيامنا أيضاً أن يُبرئ من يسألونه بنفس السهولة؟”. قال: “أؤمن!”. “وهل تؤمن بأن لشفاعة والدة الإله قوّة لا تقهر من لدن إبنها القادر على شفائك؟” فأجاب: “أؤمن من كل قلبي، ولولا هذا الإيمان ما طلبت أن يؤتى بي الى هذا الموضع!” حسناً، إذن!، إذا كنت تؤمن فأنت معافاً سلفاً”. “كيف ذلك وأنت وخدمي تمسكونني لكي لا اقع أرضاً”. “كلا، كلا، أنت الآن معافى تماماً!” عند ذلك سأل القديس الرجال أن يرفعوا أيديهم عن موتوفيلوف، ثم أخذه بكتفه وجعله على قدميه قائلاً له: “قف على قدميك ولا تخف!” ولما امسك بيده دفع به قليلاً إلى الأمام ودار به حول الشجرة. “أترى كيف تقدر أن تمشي حسناً!” “هذا لأنك تمسكني جيداً!” “كلا بإمكانك أن تمشي لوحدك من دون مساعدتي!” قال هذا وسحب يديه، فشعر موتوفيلوف بقوة خفيّة تسري في بدنه وأخذ يمشي لوحده من دون خوف. وقد شهد، فيما بعد أنه لم يشعر بالعافية والحيوية في حياته كما شعر في ذلك اليوم.

القديس ووالدة الإله

شهد سيرافيم نفسه ونقل عارفوه أنه كانت للقدّيس إلفة كبيرة بوالدة الإله وأنها أتت إليه لا اقل من اثنتي عشرة مرّة في حياته. وقد روت إحدى الراهبات واسمها أفدوكيا أن القديس دعاها الى قلاّيته في الدير ليلة عيد البشارة في ٢٤ آذار سنة ۱٨٣۱م قائلاً أن فرحاً عظيماً سوف يُعطى لها في ذلك اليوم. فبعدما صلّيا معاً هتف القديس فجأة: “ها نعمة الله تنزل علينا!” في تلك اللحظة سُمع صوت كهفيف نسيم عليل يتخلّل رؤوس الأشجار وانبعثت اصوات الترتيل. وإذا بجو القلاّية يعبق بالطيب أغنى وأحلى من البخور، فيسجد القدّيس هاتفاً بفرح: “يا والدة الإله الكليّة القداسة، الكليّة النقاوة، يا أيّتها الملكة الممتلئة نعمة!” ثم رأت الراهبة ملاكين يتقدمان فوالدة الإله وعن جانبيها القديسين بوحنا المعمدان ويوحنا الحبيب ومعهما انثتي عشرة عذراء، لكل منهنّ إكليل على رأسها. فامتلأت القلاّية نوراً كما من ألف شمعة. ثم أخذ النور يقوى حتى أضحى أكثر بهاء من الشمس. وقد بدت حيطان القلاّية كأنها اتّسعت والمنسك أرحب ممّا كان. ثم كلّم القدّيس والدة الإله بدالة فلم تسمع الراهبة من الحوار شيئاً سوى ما قالته والدة الإله للقديس: “قريباً، يا صاح، تكون معنا!”. ثم تقدّمت والدة الإله من الراهبة وأقامتها من وضع السجود ودعتها للتحدّث الى العذارى مقدّمة إليها كُلاًّ منهنّ بالاسم، ثم غادرت. كان قد مضى على الزيارة أربع ساعات.

إقتناء الروح القدس

في يوم من الأيام الباردة المثلجة جرى بين القديس سيرافيم ونيقولاوس موتوفيلوف حوار. هذا بعض ما جاء فيه:

+ القديس سيرافيم: لقد كشف لي الرب أنّك عندما كنت ولداً رغبت في معرفة غاية الحياة المسيحية وطرحت السؤال بشأنها على عدد من رجال الكنيسة البارزبن.

– اعترف أن هذا السؤال كان يؤرقني منذ أن كنت في سن الثانية عشر…

+ ومع ذلك لم يقل لك أحد شيئاً واضحاً محدّداً. قالوا لك أن تذهب الى الكنيسة وأن تصلّي وأن تصنع صلاحاً وأن هذه هي غاية الحياة المسيحية. حتى أن بعضهم قال لك: لا تبحث عن أمور أكبر منك. لذلك سأحاول، أنا العبد الشقي، أن اشرح لك ما هو هذا القصد. فالصلاة والصيام وأعمال الرحمة كلها صالحة لكنها أدوات للحياة المسيحية وليست القصد منها. إن الغاية الحقيقية هي إقتناء الروح القدس.

– ولكن، ماذا تعني بلفظة “إقتناء؟” لست أفهم تماماً ما تقول.

+ أن تقتني معناه أن تمتلك. أنت تعرف معنى أن يربح الإنسان مالاً، أليس كذلك؟ الشيء نفسه يُقال عن الروح القدس. يرمي بعض الناس لأن يصيروا أغنياء وأن يحظوا بكرامات وامتيازات. والروح القدس نفسه رأسمال، لكنه رأسمال أبدي. السيّد يشبّه حياتنا بالتجارة وأعمال هذه الحياة بالشراء: “أُشير عليك أن تشتري مني ذهباً… لكي تستغني” (رؤيا ٣:۱٨). أثمن الأعمال على الأرض هي الأعمال الصالحة التي نقوم بها من أجل المسيح. هذه تُكسبنا نعمة الروح القدس. ولا تأتينا الاعمال الصالحة بثمار الروح القدس إلاّ إذا كانت معمولة من أجل محبّة المسيح. لذا قال السيّد نفسه: “من لا يجمع معي يُفرّق… في مثَل العذارى، دُعي فريق منهنّ جاهلات رغم كونهنّ محافظات على عذريتهنّ. ما نقصهنّ في الحقيقة كانت نعمة الروح القدس. الأمر الأساسي ليس أن يصنع الإنسان صلاحاً بل أن يقتني نعمة الروح القدس، ثمرة كل الفضائل، الذي من دونه لا يكون خلاص… هذا الروح القدس الكلي القدرة مُعطى لنا شريطة أن نعرف نحن كيف نقتنيه. فإنه يُقيم فينا ويعدّ في نفوسنا وأجسادنا مكاناً للآب حسب كلمة الله: “إني سأسكن فيهم وأسير فيما بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً” (٢ كورنثوس ٦:۱٦)… هذا وأكثر الأعمال التي تعطينا أن تقتني الروح القدس هي الصلاة.

– لكن، يا أبي، انت تتكلم عن الصلاة وعن الصلاة وحدها. حدّثني عن الصالحات الأخرى المعمولة باسم المسيح.

+ أجل، بإمكانك أن تُحصّل نعمة الروح القدس من خلال أعمال صالحة أخرى… الصوم… الإحسان… ولكن ليس معنى الحياة أن نستزيد من عدد الصالحات بل أن نجني منها أعظم النفع، أعني المواهب الفضلى للروح القدس. وأنت عليك أن تكون موزّعاً لهذه النعمة… فإنّ بركات النعمة الإلهية تزداد في من يوزّعها…

– إنك لا تكفّ يا أبي عن ترداد أن نعمة الروح القدس هي غاية الحياة المسيحية. ولكن كيف وأين يمكنني أن أُعاين مثل هذه النعمة؟ الأعمال الصالحة منظورة ولكن هل يمكن للروح القدس أن يكون منظوراً؟ كيف يمكنني أن أعرف ما إذا كان فيّ أم لا؟

+ في أيّامنا، وبسبب فتور إيماننا ونقص إهتمامنا بتدخلّ الله في حياتنا، نجدنا غرباء بالكليّة عن الحياة في المسيح… في الكتاب المقدس مقاطع كثيرة عن ظهور الله للناس. البعض اليوم يقول أن هذه مقاطع غير مفهومة. مردّ عدم الفهم هنا هو فقدان البساطة التي تمتّع بها المسيحيّون الأوائل… إبراهيم ويعقوب عاينا الله وتحدّثا إليه، ويعقوب صارعه، وموسى تفرّس فيه، وكذلك الشعب كلّه في عمود الغمام الذي لم يكن غير نعمة الروح القدس هادياّ شعب إسرائيل في البرّية… لم يكن هذا حلماً ولا غيبوبة ولا في الخيال بل في الواقع والحق. ولكن لأننا صرنا لامبالين بشأن خلاصنا، لم نعد نُدرك معنى كلمات الله كما ينبغي. لم نعد نلتمس النعمة، ويحول كبرياؤنا دون تجذّر النعمة في نفوسنا. ولم يعد لنا نور السيّد الذي يهبه للذين يتوقون إليه بحميّة وجوع وعطش…

– ولكن كيف يمكنني أن أعرف أني داخل نعمة الروح القدس هذه؟ كيف يمكنني أن أتأكّد من أنني أحيا في روح الله؟ آه كم أتوق لأن أفهم!

إذ ذلك أمسك القديس سيرافيم موتوفيلوف بكتفه بقوة وقال له:

+ كلانا، يا صاح في هذه اللحظة، في الروح القدس، أنت وأنا. لماذا لا تنظر إليّ؟

– لا أستطيع أن أتطلّع إليك، يا أبي، لأن نوراً ينبعث من عينيك ووجهك أبهى من الشمس ضياء!

+ لا تخف، يا صديق الله، أنت نفسك مضيء مثلي تماماً. أنت أيضاً الآن في ملء نعمة الروح القدس وإلا ما أمكنك ان تراني كما أنا.

لم يحتجّ قدّيس الله حتى إلى رسم إشارة الصليب ليكون لموتوفيلوف أن يعاين النور بعين الجسد. فقط صلّى من أجله في قلبه.

+ هيا، أُنظر إليّ ولا تخف لأن السيّد معنا!

فنظر موتوفيلوف الى القدّيس مرتعداً فرآه سابحاً في نور يفوق بهاء الشمس في نصف النهار… رأى شفتيه تتحركان، ورأى تعبير عينيه وسمع صوته وشعر بيديه حول كتفيه، لكنه لم يعاين لا ذراعيه ولا جسده ولا وجهه. كما فقد الإحساس بنفسه. كان النور يملأ كلّ شيء ورقع الثلج المتساقط عليهما كأنها اشتعلت.

+ بماذا تشعر؟

– أشعر بأني في أحسن حال وأتعجّب!

+ ماذا تعني بذلك تماماً؟

– أشعر بسكون عظيم في نفسي. أشعر بسلام لا يمكن التعبير عنه بالكلام!

+ هذا هو السلام الذي يفوق كل عقل الذي تحدّث عنه الرسول (فيليبي ٤:٧). ماذا أيضاً!

– أشعر ببهجة غريبة لم آلفها من قبل!

+ عن هذه البهجة قال المرنّم في المزمور: “… يشبعون من دسم بيتك وأنت تسقيهم من نهر نعمك” (٣٥:٨). ماذا أيضاً؟

– فرح مدهش يملأ قلبي!

+ هذه أولى ثمار الفرح الذي أعدّه الله للذين يحبّونه والذي قال عنه الرسول: “ما لم ترَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعدّه الله للذين يحبّونه” (كورنثوس 2، ٢:٩). بمَ تشعر أيضاً؟

– أشعر بدفء مدهش!

+ … نحن في عمق الغابة وفي نصف الشتاء والثلج تحت أقدامنا وعلى أثوابنا!؟… إننا الآن، يا فرحي، في عداد من قال السيّد عنهم: لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت السموات قد أتى بقوّة. ها أنت قد فهمت معنى أن نكون في ملء الروح القدس… لا يهمّ أن أكون أنا راهباً وأنت علمانيّاً، المهم، في عين الله، هو الإيمان الحقيقي به وبإبنه الوحيد. من أجل هذا أُعطيت لنا نعمة الروح القدس. ملتمس السيّد قلوب تفيض بمحبته ومحبة القريب. هذا هو العرش الذي يجلس هو عليه ويظهر منه ذاته في ملء مجده. “يا بني أعطيني قلبك” (أمثال ٢٣:٢٦). في القلب يُبنى ملكوت الله.

رقاده

رقد قدّيس الله في سن السبعين. كان في أيّامه الأخيرة يتحدّث عن قرب مغادرته بفرح ووجه مشعّ. وكان بعض الإخوة يسمعونه وهو يرنّم ترانيم الفصح. تناول القدسات الإلهيّة في الأوّل من كانون الثاني سنة 01833 وقَبّل أيقونات الكنيسة مشعلاً أمام كل منها شمعة. ثم بارك الإخوة قائلاً لهم أن يصنعوا خلاصهم وأن يسهروا لأنّ الأكاليل قد أُعدّت لهم. بعد ذلك زار مدفنه، ثم أغلق على نفسه في القلاّية. وأثناء الليل رقد، وقيل كان على ركبتيه. عُرض للتبرّك ثمانية أيّام في الكاتدرائيّة وتبرّك منه الآلاف. وقد ذكر أحد الرهبان في الجوار أنّ نوراً عظيماً التمع في السماء فقال: “هذه روح الاب سيرافيم تطير الى السماء”.

في19٩ تموز سنة 1903 جرى إعلان قداسته بحضور العائلة المالكة ومئات ألوف المؤمنين.

(عن سير القديسين – السنكسار، وسائر الاعياد في الكنيسة الارثوذكسية، الارشمندريت الراهب توما بيطار)

 

من  أعمال القديس على هذا الموقع

منتخبات روحية