ضد الزنى

في ذكرى قطع رأس يوحنا المعمدان

ضد الزنى

للقديس ديمتريوس أسقف روستوف

فكان يوحنا يقول لهيرودس: “إنه لا يحلّ لك أن تكون لك امرأة أخيك” (مرقس 18:6). إن خطيئة الزنى ثقيلة جداً لأنها تدنّس النفس والجسد وتحرم الإنسان ملكوت السماوات حسب قول الكتاب المقدس: “ليس للزاني أو النجس ميراث في ملكوت المسيح والله” (أفسس 5:5). وقد يكون هذا الإثم أثقل وأفظع إذا تدنّس به المتمتعون بالحياة الزوجية الشرعية. فالقديس الرسول بولس يقول: “أنه ليس للرجل أو للمرأة سلطة على الجسد” (1كورنثوس 4:7). وعليه فخطيئة الزنى لا تدنّس الجسد فقط بل تجدّف على واضع الشريعة الذي هو الله. من البدء، خلق الله الإنسان ذكراً وأنثى وقال: “لذلك يترك الإنسان أباه وأمه ويلزَم امرأته ويصيران كلاهما جسداً واحداً وما جمعه الله لا يفرقه إنسان” (متى 5:19). فالزاني يفرّق ما جمعه الله ويستهين بقداسة السر الذي يمثّل اتحاد المسيح بالكنيسة. يشمل الزنى أربعة أشخاص: إثنان يدنّسان نفسيهما وإثنان يحتملان الإهانة. أي الرجل الشرعي للمرأة الزانية والمرأة الشرعية للرجل الزاني. لذلك يقطع القديس باسيليوس الكبير الضالَّ عن مناولة الأسرار المقدسة لمدة سبع سنوات والزاني لمدة خمس عشر سنة.

الزنى يشبه الاختلاس. فالزاني، بموجب كلام أيوب الصديق: “يكون في الليل لصاً لأن عينه ترقب الظلام إذ يقول لا تبصرني عين فيجعل برقعاً على وجهه” (أيوب 14:24). فإثم الزاني أفظع من إثم اللص. اللص يسرق أشياء جامدة أمّا الزاني فيغتصب زوجة قريبه، يسلب الطهارة الزوجية التي هي أثمن  من ألوف الذهب والفضة. قد يبرّر اللص نفسه قائلاً: “إنه يسرق ليأكل وهو جائع، أما الزاني بامرأة قريبه فلا عذر له بل يعجز عن تبرير نفسه لأنه فاقد اللب، إنما يصنع هذا مهلكُ نفسه” (أمثال 30:6 و31). وفي الحقيقة، إن الزاني فاقد اللب لأنه قادر أن يعيش من دون إثم مع زوجته الشرعية. لكنه يرغب في التسلّط على امرأة غريبة بالخطيئة المهلكة نفسه. بموجب كلام المسيح: “السارق لا يأتي إلاّ ليسرق ويذبح ويهلك” (يوحنا 10:10). أمّا الزاني الذي يسرق زواج الغير فهو مستعد للقتل إذا فوجئ بعمله الأثيم لأنه يهلك نفسه ونفس مَن يشاركه في فعل الإثم، فالإثنان يسيران إلى الهلاك الأبدي. والقديس يوحنا الذهبي الفم يقول: “إن الزنى أردأ من السرقة لأن المرء لا يحزن لفقده المقتنيات كحزنه لفقده شرفه الزوجي”. وكما يقول القديس يعقوب الرسول: “إن الزنى عداوة للرب نفسه: أيها الفجّار أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله” (يعقوب 4:4). ما محبة العالم هذه؟ إن محبة الجسد هي عداوة لله. فهي ضد شريعة الله وتتجاوز الحدود الموضوعة من الله وتجعل الخالق كأنه لا شيء لأنه تعالى قد حدّد الحياة الزوجية للبشر. أترون ثقل خطيئة الزنى؟ الزاني لا يستحق الرحمة. فكما أن الربّان الذي يتعمّد إغراق سفينته لا يستحق الرحمة، كذلك الإنسان المرتبط بالزواج هو يدنّس مضجع غيره. إن كل مَن ينظر إلى امرأة غريبة ويشتهيها يكون مسؤولاً أمام الله والناس. لذلك لم يرحم الله الفجّار في العهد القديم ولم يغفر لهم، فقد قيل في شريعة موسى: “وأي رجل زنى بامرأة قريبه فليُقتَل الزاني والزانية” (أحبار 20:10). وإن كنّا نرى أن اللعنة الكنسيّة قد عُيِّنَت للزاني في العهد الجدد، فهذا لأن الله طويل الأناة ورحمته لا تُوصَف ولا تُقهَر من خطايا البشر المتنوّعة. خطيئة الزنى تسبّب رزايا كثيرة. يظن الزاني أن الجميع مطّلعون على إثمه ويهمّون به ويدينونه. وإن لم يوجد مَن يوبّخ الزاني فهو يوبّخ نفسه بنفسه. فإن رقد في سريره أو جلس على المائدة أو كان في السوق ليلاً ونهاراً، في اليقظة في النوم، فحياته تكون “كحياة قايين الذي كان تائهاً شارداً في الأرض” (تكوين 12:4).

لقد ارتكب داود الإثم سراً ووبخه النبي ناثان على انفراد. لكن داود خجل من جميع سكان أورشليم وقال: “خزيي أمامي النهار كله وخجل وجهي قد شملني” (مزمور 16:43). كم يكون مقدار خزي الإنسان إذا وبّخه أحد لأجل الزنى! الأفضل لمثل هذا ألاّ يولد في العالم من أن يحتمل هذا العار! وكم يكون فظيعاً غضب الرجل غضب غيرة “فلا يشفق على الزاني يوم الانتقام” (أمثال 32:6) وقد يكون الزاني أتعس من اللص المقبوض عليه لأنه قيل: وهو إن أخذ أدّى سبعة أضعاف كل ما يقتنيه. “أمّا الزاني فلا يقدر أن يسكّن غضب الزوج المُهان لأنه قيل لا يقنع وإن أُكثِرَت الرشوة” (أمثال 31:6 و35). أيقدر أن يؤدّي الزاني شيئاً للرجل بدل إغواء زوجته؟ ماذا يحلَ بالزوجة الشرعية عندما تعلم أن زوجها خانها؟ إنها تبكي وتكاد تتمزق من الغيرة. وكثيراً ما تقترف إثم الزنى هي نفسها أو تقتل زوجها. لذلك قيل: “أيأخذ إنسان ناراً في حجره ولا تحترق ثيابه؟ أم يمشي على الجمر ولا تكتوي قدماه؟ هكذا الداخل على امرأة قريبه كل مَن مسّها لا يكون زكياً” (أمثال 27:6-29). وفي القديم كانوا يرجمون الزناة بالحجارة أو يحرقونهم أو يجبرونهم على شنق أنفسهم وإذا تركوهم أحياء كانوا يقطعون أنوفهم وآذانهم ويجلدونهم ألف جلدة ويبيعونهم عبيداً. وقد يوجد بيننا نحن المسيحيين كثير من هؤلاء الخطأة لا يُعاقَبون بالموت لكن الديّان العادل سيعاقبهم في الحياة الآتية. ألا يعاقب السيد مثل هؤلاء في الحياة الحاضرة مرسلاً لهم مصائب مختلفة؟ أمّا الخطأة فلا يريدون أن يعترفوا بإثمهم! فكل مَن لا يقدر أن يحارب شهوة الجسد فليتزوّج كما قال الرسول بولس: “ولكن بسبب الزنى فلتكن لكل واحد امرأته وليكن لكل واحدة رجلها” (1كورنثوس 2:7). آمين.

الروح القدس قائدنا إلى الخلاص

أحد الروح القدس – العنصرة

الروح القدس قائدنا إلى الخلاص

القديس ديمتريوس الذي من روستوف

عن كتاب “منهج الواعظ” للمطران أبيفانيوس زائد

الروح القدس يدعى روح النعمة لأنه ينبوع كل خير وصلاح. فهو روح الحكمة في سليمان، والمعرفة في بصلائيل، والمشورة في موسى، والقوة في يشوع بن نون، والتقوى في طوبيا، والفهم في دانيال، وخوف الله في سمعان. الروح القدس يسير بنا في طريق الحياة الأبدية معلّماً إيانا النزاهة وقائداً إيانا الى إستحقاقنا القديم “وعاضداً ضعفنا” (رومية ٨:٢٦)

فإذا كنا في حالة حسنى فالروح القدس يحفظنا حتى لا نحرم من نعمة الله. وإذا تركنا الخطيئة يقوينا ويرفعنا بالفضائل من قوة إلى أعلى حتى نرى الله في صهيون السماوية، وإذا كنا خاطئين يساعدنا على التخلّص من الخطيئة ولا نهلك كما قيل: “لولا أن الرب ناصري لأوشكت نفسي أن تحل في الجحيم” (مز ٩٣:۱٧)

الروح القدس هو المعزي في الأحزان، والنور في الظلام، والناصر في الضيق، والمنقذ في المصائب، والمشير في الارتياب، والحلاوة في المرارة، والقوة في الضعف، والهادي في الضلال، والمرشد في الجهل. هذه هي هبات الروح القدس التي لا يزال يسكبها على المؤمنين إذا أرادوا أن يغسلوا آنية نفوسهم من أدران الخطيئة بدموع التوبة. إننا نقدر أن نرى قوة تأثير الروح القدس في الرسل القدسين فقد كانوا بسطاء غير متعلّمين فكمّلهم الروح القدس بالفهم والحكمة. كانوا خجولين فبث روح السيد فيهم الشجاعة على المصائب والمصاعب. كانوا أُناساً فقراء فمجّدهم الروح المحيي وأغناهم بقوة عجائبه. كانوا ضعفاء فقواهم الروح الإلهي حتى أخضعوا المسكونة كلها للمسيح المخلص.

قد أرشد روح السيد الشهداء الى دنيا الحق وقادهم الى تلك الأرض، حيث تسود الحقيقة وحدها، وحيث لا تمرّد ولا تجربة ولا خطيئة ولا مرض ولا حزن ولا تنهد، بل الفرح الدائم والصحة والرفاه والبركة والمجد. فكما كان العمود الناري يتقدم الإسرائليين ليلاً الى أرض الميعاد والسحابة تظلّلهم نهاراً، كذلك نعمة الروح القدس نار تنير السبل وسحابة تظللنا. وكما أن السفينة الشراعية لا تقدر أن تتمم رحلتها براحة في المياه، إذا لم توافقها الريح، ولو كان لديها كل معدّات السفر، كذلك لا بد لنا من نعمة الروح القدس حتى نجتاز بحر الحياة الحاضرة ونصل الى الحياة الابدية.

فلنصلِّ الى الآب السماوي بحرارة حتى يرشدنا الى الأرض الحقّة بواسطة روح القدس. أيها السيد إلهنا أرسل لنا روحك فتحيا نفوسنا، ويتجدد وجه الأرض. هذه الأرض هي أجسادنا التي سمعت حكمك عليها في القديم: “إنك تراب والى التراب تعود”. جددنا بنعمتك لتصير أجسادنا مسكناً لك لا لروح الشر! أيها الملك السماوي المعزي روح الحق الحاضر في كل مكان وصقع هلمَّ واسكن فينا وطهّرنا من كل دنس، وخلّص أيها الصالح نفوسنا. ايها الروح المعطي الحياة، أنت نار هيوليّة روحية تخمد لهيب الخطيئة وتنير نفوسنا، وتطرد ببرودة عدم الشريعة، وتجري حرارة المحبة في عروقنا. أشعل نفوسنا وأجسادنا في الحياة الحاضرة حتى نهرب من نار الجحيم الأبدية. أحرق بحرارتك الهيولية كل خطايانا حتى لا تحترق بالنار الدائمة.

أيها الثالوث المحيي الإلهي! أيها الآب الأزلي، يا من خلقنا! أيها الإبن الذي هو مع الآب قبل الدهور، يا من أنقذتنا! ايها الروح القدس الذي هو مع الآب والإبن، يا من أنرتنا، وسّع الإيمان الأرثوذكسي، حرر الكنيسة من الهرطقة، شدد الملوك الحسني العبادة، كثّر شعبك، وهب الأرض ثماراً كثيرة، ووطّد السلام المرغوب، وازرع القوة في كل مكان، شدد الرجاء في قلوبنا، أشعل حرارة المحبة فينا وهبنا بعد حياتنا الحاضرة حياة أبدية لأنك وحدك محب للبشر آمين.

مدخل إلى كتاب المزامير

مدخل إلى كتاب المزامير

المقدمة

لأبينا الجليل في القديسين أثناسيوس الكبير

باسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد

+ فردوس المزامير

نعم إنَّ كلَّ مُلهج به من الله نافعٌ للتعليم كما قالَ بولسُ الرسولِ، ولكن على الخصوص كتاب المزاميرِ الشريفِ، لأنَّ كلَّ مصحفٍ تفرَّدَ بأمر ٍ يختصُّ به في عهده. أعني بقولي أنَّ التوراة قد تَفَرَّدَتْ بتكوينِ ِ العالم ِ وأعمال رؤساء الآباء وخروج بني اسرائيل من مصر وفرض الشريعة وترتيبِ المظلَّةِ والكهنوت.ثلاثة كُتُب منها تحتوي على قسم الميراثِ وأعمالِ القضاة ونسبةِ داوود، والكُتُب الباقية تحتوي على أعمالِِ الملوك وكتاب عزرا الذي يخبّر عن عتاقةِ السبي وإياب الشعب وبناء الهيكل والمدينة. وأمّا الأنبياء فتخبّر عن حضور المخلصِ وتذكّر بالوصايا وتذمّ مخالفيها وتتنبَّأ للأممِ. وأما كتاب المزامير فهو بمنزلةِ كتاب فردوس يحتوي على جميعِ ما في الكُتُبِ مُرَتلاً ويُنشد ظاهراً ما يختص بها.

+ التوراة في المزامير

أما مسائِلُ التكوينِ فيترنّم بها في المزمور الثامن عَشَر بقولِهِ: ” السمَوات تُذيعُ مجدَ الله، والجَلَدُ يُخبّرُ بأعمالِ يديه “. وفي المزمور الثالثِ والعشرين يقولُ: ” للربِّ الأرضُ بكمالها، الدنيا وكُلُّ الساكنينَ فيها. هو على البحار أسَّسها وعلى الأنهار هيأها ” . وأما أخبارُ كتاب الخروج ِ والعددِ وتثنية الإشتراع فقد أحسن ارتجازَهُ في المزمور السابع والسبعين بقولِهِ : ” في خروجِ إسرائيل من مصر، وبيت يعقوب من شعب البربرِ، كانَ يهوذا مقدسة وإسرائيل سلطانة ” . وفي المزمور الماية وألأربعة يقول: ” أرسَلَ موسى عبدّهُ وهارونَ الذي انتخبَهُ لنفسِهِ، جعلَ فيهم كلامَ علاماتِهِ وآياتِهِ في أرض حام ” . ونقول بعامة إنَّ هذا المزمور مع الذي يليه بجملتها يخبّران بهذه القصص. وأما أمور الكهنوت والمِظلّة فيخبِّر بها في المزمور الثامن والعشرين بقولِهِ: ” قَدِموا للرب يا أبناءَ الله، قدِّموا للرب مجداً وكرامةً ” . وأمّا قصَّة يشوع بن نون فيشرحُها في المزمور الماية والستة حيث يقول: ” أقاموا مُدناً للسًكنى، وزرعوا حُقولاً، وغَرسوا كروماً ” . لأنَّ في عهدِ بن نون أُعطِيَت لهُم أرضُ الميعادِ. وفي المزمور عَينِهِ قيل: ” صَرَخوا إلى الربِّ في حُزنهم ومن شدائدهم خلَّصهُم ” . وهذا أورده أيضاً كتابُ القضاةِ أنَّ وقتَ صراخهم كانَ يقيمُ لهم قضاة بحسب الزمانِ ويخلّصهم من محزنيهم.

+ أخبار الملوك

أما أخبار الملوكِ فينشدها في المزمور التاسع عَشَر قائلاً: هؤلاء بالمراكب وهؤلاء بالخيل ” . وقصّة عزرا يرتّلها المزمور الماية والخمسة والعشرون من مزامير الدرجات قائلاً : ” اذا ما ردَّ الربُّ سبيَ صهيون مثل المتعزّين “. وأيضاً في المزمور الماية والواحد والعشرين يقول: ” فَرِحْتُ بالقائِلين لي إلى بيتِ الربِّ نذهب…- وصولاً إلى – شهادة لإسرائيل “.

+ الأنبياء في المزامير

أمَّا أخبار الأنبياء كُلّها التي تشيرُ إلى حضورِ المخلّص إلهاً فيخبّر عنها المزمور التاسع وألأربعون بقوله: ” هكذا الله يأتي جهراً. الهنا لا يصمت”. وفي المزمور الماية والسابع عَشَر يقول: ” مبارك الآتي باسمِ الربّ، باركناكم من بيت الرب. الله الرب ظهر لنا “. وكلمة الآب، من جهة أخرى، يرتلها المزمور الماية والستّة قائلاً : ” أرسَلَ كلمتهُ فشفاهم ونجّاهم من فسادِهِم”، لأن الإله الاتي هو نفسُهُ الكلمة المرسَل. فلعلمه بالكلمة انَّهُ ابن الله رتَّل، كمن صوتِ الله الآب، في المزمور الرابع وألأربعين قائلاً: ” فاضَ قلبي كلمةً صالحةً “، وأيضاً في المزمور الماية والتسعة: “من البطنِ قبل كوكبِ الصبحِ ولدتك”. لأنه أي شيء آخر يقال عن مولود الله سوى كونه كلمتَه وحكمتَه. واذا كان صاحب المزامير يعلم أن الآب هو القائل: “ليكن نور فكان” ليكن نور فكان “أشهره في الكتاب بقوله: ” بكلمةِ الربِّ تشدّدتِ السموات وبروح فمه جميع قواتها”. كذلك لم يغب عنه أنَّ الكلمة سيأتي مسيحاً، لأجل ذلك قال في المزمور الرابع وألأربعين: “كرسيك يا الله إلى أبد الأبد … أفضل من شركائك”. ولئلا يظنّ أحد ٌ أنَّهُ يأتي تخيّلاً يُعلنُ أنَّهُ يصير إنساناً الذي به كل شيء قد كُوّن، فيقول في المزمور السادس والثمانين: ” الأمّ صهيون تقول انسان وانسان ولد فيها وهو العليّ الذي اسَّسها”. فهذا القول يساوي قولنا: “والله هو الكلمة كلّ به كان”. وأما عن ولادته من البتول فقد علَّمَ به وما سَكَتَ عنه بل أوضَحهُ في المزمور الرابع والأربعين قائلاً: “اسمعي يا ابنة وانظري…لأَنَّهُ هو ربُّكِ وله تسجدين” وهذا يماثل ما قيل من قِبَل جبرائيل: ” إفرحي يا ممتلئة نعمة. الربُّ معكِ”. لأنه لما قالَهُ مسيحاُ للوقت أوضَحَ اتلادّهُ البشري من البتول منادياً: إسمعي يا ابنة”. فأما جبرائيل فيدعوها مريم باسمها لأنه غريب عنها بحسب النسب، واما داود فيدعوها بايجابٍ إبنة لأنها من نسلِهِ. وبعدما قالَ عن الكلمة إنه يكون إنساناً أوضَحَ أنَّه يقبل الالآم بجسده أيضاً. واذ لاحَظَ التسليم المزمع أن يكون من اليهود رتَّلَ في المزمور الثاني قائلاً: ” لماذا ارتّجت الأمَمُ والشعوبُ هذَّت بالباطلِ…على مسيحِهِ”. وأمّا عن موتِهِ  فيخبر في المزمور الحادي والعشرين كمن فم المخلص بالذات: “والى تُرابِ الموتِ أحدرتني…وعلى لباسي اقترعوا”. أما قوله: ” ثقبوا يديَّ ورجليَّ” فأي شيء يعني سوى صلبِِهِ؟ وفيما يعلّم بهذه كُلّها يضيف إلى تعليمِهِ أنَّ ربَّنا قد كابَدََ هذه الآلام لا من أجل ذاتِهِ بل من أجلنا نحن البشر. ويقول على لسانه في المزمور السابع والثمانين: ” عليَّ اشتدَّ غضبكَ وجميع أهوالك جازَت عَليَّ “، وفي المزمور الثامن والستين: ” كنتُ أرد حينئذٍ ما لم آخذ “. فلقد قَبِلَ الموتَ لا مستوجباً لهُ بل من أجلنا، وقد أخذ على عاتِقِهِ السخط الواجب عَلَينا بسبب المعصية. وفي المزمور الماية والسابع والثلاثين يقول بالنيابة عنّا: ” الربُّ يكافئ عنّي “، وفي المزمور الحادي والسبعين: ” يقضي لمساكين ِ الشعبِ ويخلّص بني البائسين ويُذِلُّ الباغي لأنه نجّى المسكين من يدِ القوي والفقير الذي لم يوجد له معين”.

وأيضاً سَبَقَ وخَبَّرَ عن صعودِهِ إلى السموات بالجسَدِ في المزمور الثالثِوالعشرين بقولِهِ: ” ارفعوا أيُّها الرؤساءُ أبوابكم وارتفعي أيتها الأبواب الدهريّة ليدخل ملك المجد” وفي السادس وألأربعين يقول: ” صَعِدَ الله بتهليلٍ الربُّ بصوتِ البوق”. وأما في المزمور الماية والتاسع فيخبر بجلوسِهِ عن يمينِ الآبِ بقولِهِ: ” قال الربُ لربّي اجلس عن يميني حتّى أضعَ أعداءك موطئاً لقدميك”، فيما يشير في المزمور التاسع إلى هلاك الشيطان هاتفاً: ” جَلَستَ على المنبرِ يا ديّان العدلِ. انتهرتَ الأمم وهلك المنافق “. حتى عن أخذ الكلمة الحكُمَ كُلَّهُ من الآبِ لم يخفه داود بل أخبر به قائلاً إنهُ يأتي ليدين الكل. وكذلك في المزمور الحادي والسبعين: ” اللهُمَّ أعطِ حكمك للملك وعدلك لابنِ الملك لشعبك بالعدلِ ولفقرائك بالانصاف “. وفي المزمور التاسع وألأربعين يقول: ” يدعو السماء من فوق وألأرض لمحاكمة شعيهِ وتخبّر السموات بعدلِهِ لأن الله هو الديّان ” . أمّا في المزمور الحادي والثمانين فيقول: ” الله قام في مجمع الآلهة وفي وسط الآلهة يحكم “. أيضاً دعوته الأمم يعبّر عنها في هذا الكتاب في مواضع كثيرة لا سيّما المزمور السادس وألأربعين حيث يقول: ” يا جميع الأمم صفقوا بألأيادي، هللوا لله بصوتِ الإبتهاج”، وفي المزمور الحادي والسبعين حيث أورد أنَّ: ” أمَامَهُ تجثو الحبشة…”

+ كثافة الروح في المزامير:

كل هذه ترتّل في المزامير، وفي الكتب الأخرى سبق إلإخبار بها، وليس غائباً عني(1)  أنّهُ في كُل من الكتب يشعر المرء أن ما قيل يختص بالمخلص، وما هو مشترك فيها مَرَدُّهُ اتفاق الروح الواحد. فموسى وإشعياء قد حرَّرا ترنّما، وصلاة حبقوق كانت بالترنّم أيضاً، وفي كُلّ كتابٍ نرى نبؤاتٍ وشرائعَ وقصصاً لكون الروح نفسه حالاًّ على الجميع موزَّعاً على كُلِّ واحدٍ خدمة للمواهبة المعطاة له وإكملاً لها، نبوءة كانت أو اشتراعاً او قصةً أو ذكْراً أو موهبة ترنّم. ولكن حيث إنَّ الروح الموزّع هو واحدٌ، فلا انقسام فيه لأنّه كائن بجملتِهِ في ذاته، وأمّا بحسب الذهن فتصير الأقسام لكلِّ واحدٍ على قدر الحاجة الحاضرة. على هذا نرى موسى، واضعَ الشريعة وقتاً ما، متنبئاً ومرتلاً، وألأنبياءَ المفروضة عليهم النبوءة نراهم أحياناً يوصون وصايا كمثل موسى: “اغتسلوا وصيروا أنقياء طاهرين”، أو يسردون قصصاً كما دانيال في خبر “سوسانة” واشعياء في خبر  “ربصاكي” وحكاية “سنحاريب”. الأمر نفسه نلقاه في كتاب المزامير فانه يبدأ بالترنيم ثم يشرع بالقول أنْ: “كفَّ عن الرجزِ وارفُضِِِ ِ الغضب. حِدْ عن الشّرِ واصنع الخير.أُطلب السلامة واسعَ في ابتغائها”. وأحياناً أخرى يقصُّ أخباراً مثل قولِهِ: “في خروج إسرائيلَ من مصر…” وأيضاً سبق فخبَّرَ بحضورِ المخلّص ِ. فمثل هذه الموهبة الروحية المحكي عنها من الكًلّ هي واحدة بحسب الضرورة وارادة الروح، ولا يُجَد خلافٌ في كونها تكثرُ أو تقلُّ بحسب هذه الحاجة. اذ كل أحدٍ يتمّم ما يختصُّ به من الخدمة بلا تهاون ٍ وعلى التمام.

+ فرادة كتاب المزامير:

أما كتاب المزامير فله موهبة ٌ خاصة وملاحظة فريدة، لأنه مع تعلّقِهِِ واشتراكِهِ في ما هو موجود في الكتب الأخرى فقد احتوى أيضاً أمراً مختصاً وبديعاً، وهو امتلاكُه حركات كُلِّ نفس وتغييراتها وتفاعلاتها موسومةً ومطبوعة ً فيه، حَتىّ إن كُلّ مَن يريد أن يقتبس منه يكون لهُ مثل صورةٍ وروايةٍ مقارناً ذاتَه على ما وجد فيه.

في الكتب الأخرى نجد الناموس آمراً ما يجب فعله وناهياً عما لا يجب فعلُهُ، أو نجد نبوءةً تخبّر فقط بمجيء المخلّصِ، أو قصصاً تخبر عنها أعمال الملوك والقديسيين. واما كتاب المزامير، فانَّ سامعه يُخبِّر بما سبق زكُتب ويكتشف حركات نفسِهِ ليتعلّمها. وعندما يكون أحد الناس في ضيق ما فبامكانه ان يختار من هذه الاقوال ما يطلق حاله ويداويه بما يليق به من القول والفعل ويتعلّم منها. ولا نغفلَنَّ أنه يوجد في الكتب الأخرى شرائع تمنع الناس عن القبائح وتردعهم، لكن هذا الكتاب يدوّن كيف بألإمكان إجتنابها. إن الكتب الأخرى تتضمّن وصيّة التوبة والكفّ عن الخطايا، أما هذا الكتاب فيشرح كيف يجب أن تكون التوبة وكيف يُعبرعنها، فإنَّ سامعه يُخبِّر بما سبق وكُتِبَ ويرتشف حركات نفسه ليتعلمها. يقول بولس الرسول: “إنَّ الحزن يصنع صبراً والصبر اختباراً والاختبار رجاء والرجاء لا يُخزي :. أما كتاب المزامير فيحدد لنا كيف يجب أن يكون احتمال الاحزان، وماذا يقول المحزون المزامير فيحدد لنا كيف يجب أن يكون احتمال الاحزان، وماذا يقول المحزون وقت الحزن وما بعد الحزن ِ، وماذا يقول المحزون المزامير فيحدد لنا كيف يجب أن يكون احتمال الاحزان، وماذا يقول المحزون وقت الحزن وما بعد الحزن ِ، وكيف يُجَّرب كُلُّ مخلوق ٍ. كما يورد أقوال المتكلين على الربّ، ويؤكد أنَّ الوصية فرضت علينا الشكر على حالٍ، وتعلمنا المزامير ماذا يقول الشاكر كما يورد عند آخرين: ” انَّ الذين يريدون أن يعيشوا بحسب الايمان ِ بالمسيح ِ سيطردون”. لكن نقرأ في المزامير ما رأي المطرودين وماذا يقولون لله بعد طَردهم. كما ورد في الوصية أيضاً أنه علينا أن نبارك الرب ونعترف له، لكن المزامير تصوّر لنا كيف نسَبحُ الله، وبأيَّةِ أقوالِ نعترفُ له. لذلك يمكن لكل انسان أن يجد، أن التسابيح قد وُضِعتْ لنا لنحَياها. أيضاً ، في المزامير أمر مستغرب أنَّ الأقوال التي يتفوه بها القديسون في الكتب الأخرى، إذا عرفها السامعون يُسّون أنَّ المكتوبَ عنهم هم أناسٌ آخرون وليس هم ذاتهم. لكن الذي يتلو كتاب المزامير فيتعاطاه بمثابة قول شريف يتخشع له وكأنه معنيٌّ به شخصيّاً، ويَقيس نفسه على أقوال التسابيح وكأنها خاصة به. فلا نكسلن، ابتغاء للايضاح، أن نعود فنقول نظير المغبوط بولس الرسول إن ثمة كلمات كثيرة هي خاصة برؤساء الآباء، وهم تلفظوا بها. فموسى هو الذي كان يتكلّم والله يُجيبُ. والنبي ايليا وأليشع بجلوسهما على جبل الكرمل، كانا يستدعيان الربّ ويقولان: ” حيٌّ هو الربُّ الذي أقمنا اليومَ لديه”. كذلك سائر أقوال الأنبياء القديسين الآخرين التي كان البعض منها مقولا ً عن المخلص. وبعدها وردت كلمات كثيرة عن الأمم واسرائيل. لكن لا احد قط ادعى أنها خاصة به، حتّى ولا أقوال رؤساء الآباء. ولا يتجاسر أحد ان يقول متباهيا ً بأن أقوال موسى هي عنه هو، ولا الذي تكلمّ به ابراهيم عن ضرورية فلا يتجاسر أن يتكلّم بها كخاصةٍ لهُ، ولو ساوى أحدٌ النبيين في الولوع والشوق إلى الأفضل، لا يمكنه ان يقول كما قال موسى: ” أظهر لي ذاتك” ولا ينتحل أقوال الأنبياء ويجعلها كأقوال خاصةٍ به في مدح أو ذمِّ أحدٍ من الناس قائلا ً مثلها لمن مَدَحوا أو ذمّوا. ولا يتجاسر أحدٌ أن يقول مناضلا ً كمن ذاتِهِ: “حيٌّ هو الربُّ الذي مثلتُ بحضرتِهِ أنا اليوم”، لأن الامر واضحٌ أنَّ مقتبل الكتب لا يتخذ الأقوال كأنها لذاتِهِ بل كأقوال القديسين وأقوال الذين يعبّر عنهم. واما الذي يتلو المزامير فيحدث له غير ذلك، لأن كل ما قيل في المخلص وفي الامم يتكلم به المرء كأقوالِ نفسِهِ ويرتِلها وكأنها محَّرَرةً من أجلِهِ ولا يتعاطاها وكأنها معبرة عن شخص آخر ولا محرّرة من قِبَلِ غيره، ولكنه ينظر إلى الكتكلم بها كعن ذاته وكأنه هو العامل ما قد قيل فيها، ويقربها إلى اله ناطقاً بها من نفسه هو غير عازل نفسه عنها من حيث هي أقوال رؤساء القبائل وموسى وألأنبياء. والسبب هو أن الذي يحفظ الوصية أو يخالفها، كلاهما مشمول بالمزامير.وهذا شيء لازم وضروري أن ينحو كل انسان بهذين الأمرين فيتلو الأقوال المكتوبة بشأن كليهما معاً إما كحافظ الوصية أو كمخالفها. وفي ظني أنها تكون لمرتّلها بمنزلة مرآة يرى فيها حركات نفسه ويحسُّ بها، فان إقتبلها فهو يتوبّخ من ضميره ويتخشّع بتوبة، أو يبتهج لسماعه بالرجاء إلى الله ويشكر على المساعدة التي تصير منه للمؤمنين. هكذا عندما ينشد المزمور الثالث ويرى أحزان ذاتِهِ، يستخص ما فيه من الأقوال. وكذلك في المزمور العاشر مع السادس عَشَر فكأنه يخبّر عن اتكاله على الله وصلاته إليه. وإن رنّم المزمور الخمسين فكانه هو القائل أقوال التوبة. ومتى رتَّل المزمور الثالث والخمسين، والسادس والخمسين، والماية والحادي وألأربعين، يظن نفسه أنّه هو المطرود والمتأذّي وليس غيره، كما يرتّل هذه الأقوال إلى الله وكأنها له هو. وبألإجمال إن كلّ مزمور منبثق من الروح كما ذكرنا، فيه نرى حركات نفوسنا وكأنها أقوالنا تذكراً لما فينا من الحركاتِ وتثقيفاً لسيرتنا. هذه كلها تفوَّه بها المرتلون ولعلها لنا رسمٌ ومثال. هذه هي نعمة المخلّص الذي صار إنساناً من أجلنا قرَّبَ جسدّهُ للموت فداءً لنا. أمّا تصرّفه السماوي وألأرضي فقد رَسَمهُ في ذاتِهِ ليكون للمؤمنيننموذجاً للغلبة على المحال، فلا ينخدع أحدٌ من شر العدوِّ. من أجل ذلك بما أنَّ السيدَ علّم لا بالقولِ بل بالعمل ِأيضا ً، فليسمع منه كلُّ واحد وينظر اليه كإلى صورة ويتخذه قدوة في العمل لأنه قال: “تعلّموا مني فاني وديعٌ ومتواضعُ القلب”. هذا ولا يمكن لأحد من الناس أن يجد تعليما ً للفضيلة أكملَ من الذي رسَمَهُ ربُّنا في ذاته، سواء بالنسبة لعدم الشرِّ أو محبّة البشر ِ أو الرجوليّة أو الرحمة أو العدالة. كُلُّ هذه يجدها صائرة فيه. ولا ينقص أحداَ شيءٌ من الفضيلة إن اعتبر عيشة ربّنا البشرية التي كان يعلّم بها بولس الرسول فيقول: “صيروا مقتدين بي، كما أنا بالمسيح”. وهذا لم يحدث لحكماء اليونانيينالذين كانت بهجتهم على قدر سلامهم. أما الرب فبما أنَّهُ إلهُ الجميع بالحقيقة والمعتني بما صنع لا يشترع فقط بل يدفع ذاتهُ مثالا ً للذين يريدون أن يعرفوا قدرة العمل، لذا وقبل حضوره بالجسد، جعل هذا الأمر للمرتّلين أنَّهُ كما أظهر في ذاتِهِ رسمَ الانسان السماوي الكامل كذلك يقدر كل من اراد أن يتأمل ويختبر من المزامير حركات وأطباع النفوس، كما يلقى فيه دواءَ كُلّ حركة وتقويمها. وان كانت ثمة حاجة إلى برهان أقوى نقول إن كلّ كتاب الهيّ يعلّم الفضيلة والايمان الحقيقي، فيما يحتوي مصحف المزامير على صورة الاستسارة(1) والنفوس. وكما أنَّ الذي يدخل إلى ملك يتزيّا بصفةٍ وأقوالٍ لئلا يُعَّيرُ بأنه عديمُ الأدبِ اذا تكلم بخلافِ ذلك، كذلك المصحف أيضا. فكلّ من كان ساعياً إلى الفضيلة ومريدا أن يعتبر سيرة المخلّص وتصرّفهُ بالجسدِ يتذكره أولاً بتلاوته شريعة النفس ثم يعمل ويعلّم بمثل هذه الأقوال.

+ كتاب المزامير مصنّفا ً

ليتأمل كلًّ واحدٍ من البشر أولا ً ما هو لهذا المصحف أن بعضا ً من المزامير مقولة على سبيل الحكاية، وبعضها على سبيل النصيحة، وبعضها على سبيل الاعتراف. فالتي على سبيل الحكاية هي العاشر ، والثالث، والاربعون، والثامن والاربعون، والتاسع والاربعون، والخمسون، والسادس والثمانون، والثامن والثمانون، والماية والتسعة، والماية والثالث عَشَرَ، والماية والسادس والعشرون، والماية والسادس والثلاثون. وأمّا التي على سبيل الضراعة فهي المزمور السادس عَشَرَ، والسابع والستون، والتاسع والثمانون، والماية والواحد، والماية والواحد والثلاثون، والماية والواحد وألأربعون. وأمّا التي في سعادةٍ وضراعةٍ وتوسّلٍ فهي الخامس، والسادس، والسابع، والحادي عَشَرَ، والثاني عَشَرَ، والخامس عَشَرَ، والرابع والعشرون، والسابع والعشرون، والثلاثون، والرابع والثلاثون، والسابع والثلاثون، والثاني وألأربعون، والثالث والخمسون، والرابع والخمسون، والخامس والخمسون، والسادس والخمسون، والثامن والخمسون، والستون، والثالث والستون، والثاني والثمانون، والخامس والثمانون، والسابع والثمانون، والماية والسابع والثلاثون، والماية وألأربعون. وأما ذو الاعتراف فهو الخمسون، والستون، وذو التهليل والقيامة فهو الخامس والستون. وهناك مزمور واحد للتهليل وهو التاسع والتسعون. وأما ذو الاعتراف فهو الخمسون، والستون، وذو التهليل والقيامة فهو الخامس والستون. وهناك مزمور واحد للتهليل وهو التاسع والتسعون.

+ المزامير مرآة النفس

إذا كان ترتيب المزامير على هذا النحو، فمن المستطاع للمطّلعين عليها أن يجد كلّ منهم فيها صورة لحركاتِ نفسِهِ وحالِهِ زكُلَّ شيء في مكانه لتعليمهِ. كما ويلقى فيها ما يمكنه أن يقوله ليرضي الله وبأية أقوالٍ يقدر أن يصلح نفسه ويشكر الربّ، خاصة وأنه يتوجب علينا أن نعطي جواباً للديّان لا عن الافعال فقط بل عن كلّ كلمةٍ بّطالةٍ أيضاً. فإن شئْتَ أن تطوّب أحداً يدلُّكَ كتاب المزامير على كيفية التطويب وأي مزمور يكون مناسباً لذلك، هنا عندك المزمور: الأول، والواحد والثلاثون، وألأربعون، والواحد وألأربعون، والماية والثامن عشر، والماية والسابع والعشرون. وإن شئت ثَلْبَ اليهود لاغتيالهم المسيح فلك أن تقول التسْبِِحَة الثانية. وان كنت مطرودا ًمنهم وكَثًرَ محاربوك فإقرأ المزمور الثالث. وان استغثت بالربّ واستجاب لك وأردت أن تشكُرهُ فرتّل المزمور الرابع، والماية والرابع عَشَرَ. وان نظرت أشراراً راموا أن يكمنوا لك فصلِّ صباحاً المزمور الخامس.  وإن أحسست بتهديد الربَّ ورأيت ذاتك مضطرباً فاقرأ المزمور السادس، والسابع والثلاثين. وإن تآمر عليك أُناسٌ كما تآمرَ أشيطوفال على داود وأخبرك أحدٌ بذلك فرتّل المزمور السابع وثق بالله في شأن خلاصك. ومتى رأيت نعمةَ المخلّص شاملة كلَّ صقع ورمت تحية ربك فدونك المزمور الخمسين، والثمانين. وإن شئت أن ترتل تسبحة العصر لتشكر الرب فعليك بالمزمور الخمسين نفسه. ولا تحسبنَّ ذاتك قادراً على تعطيل العدوّ وتخليص الخليقة، فإن علمت بأن هذه من مناقب ابن الله فقل المزمور التاسع. وان سعى أحدٌ إلى إقلاقِكَ فاتكل على الرب ورتِّلْ المزمور العاشر. ومتى عانيت استكبار كثيرين من الناس وإفراط شرّهم وعدم البِرِّ فيهم فالتجئ إلى الربّ وقُل المزمور الحادي عَشَرَ. وان تمادى أعداؤك في مكرهم فلا تيأس ولا تظن أنك منسيٌّ عند الربّ بل تضرّع اليه ورتّل المزمور السادس والعشرين. وعندما تسمع أُناساً يجدّفون على الله بشأن رعايته وعنايته فلا تشاركهم في كفرهم بل اتجّه إلى ربّك وأقرأ المزمور الثالث عَشَرَ، والثاني والخمسين. ولو رغبت أن تعرف من هو المستعد لملكوت السماوات، فاقرأ المزمور الرابع عَشَرَ. وان احتجْتَ إلى الصلاة دفعاً لمقاومتك ومحاصري نفسك فسبّح بالمزمور السادس عَشَرَ، والثامن والثمانين، والماية وألأربعين. وإن شئت أن تعلم كيف صلّى موسى فعليك بالمزمور التاسع والثمانين. وان خلصت من أعدائك ونجوت من مضطهديك فرتّل المزمور السابع عَشَرَ. ومتى أذهلك نظام الخليقة ونعمة عناية الله فرتّل المزمور الثامن عَشَرَ، والثالث والعشرين. أما إذا رأيت أُناساً منحصرين متضايقين فادعُ لهم مردداً أقوال المزمور التاسع عشر. ومتى رأيت ذاتك والرب يرعاك وأنت تسلك حسناً فرتّل المزمور الثاني والعشرين. وان نَهَضَ الأعداء عليك فارفع نفسك إلى الله وأقرأ المزمور الرابع والعشرين، فتراهم يأثمون عبثاًِ. وإن ألحَّ أعداؤك وكانت أيديهم مفعمة دماً وراموا إهلاكك فلا تسلّم الحكم للناس، لأن أمور البشر مريبة، بل التمس قَضاءَ الله الذي هو وحده الديان، واتْلُ المزمور الخامس والعشرين، والرابع والثلاثين، والثاني وألأربعين. وان أشتدت صَوْلَتُهم عليك وازدروا بك فلا تفزع بل رتّل المزمور السادس والعشرين. وبما أنَّ الطبيعةَ البشريّة ضعيفة، فإن كان أعداؤك وقحين فلا تلتهِ بهم، بل اضرع إلى الله قائلاً ما في المزمور السابع والعشرين. وإن شئت أن تشكر بالذهن فرتّل المزمور الثامن والعشرين. ولو رغبت في تجديد بيت ذاتك ونفسك القابلة للربّ وكذلك بيتك الحسّي الذي تسكن فيه بالجَسَدِ فاقرأ المزمور التاسع والعشرين، والماية والسادس والعشرين الذي هو من مزامير الدرجات. ومتى رأيت ذاتك مضطَهَداً من جميع الأقارب والأصحابِ لتمسك بالحقِّ فلا تَخُرْ ولا تفزع من بغض معارفك بل كن للمستقبلات متأملاً ورتّل المزمور الخمسين. وحين تبصر المصطبغين القادمين من السيرة الفاسدة، وتعجب من وداد الله ومحبّته للبشر فرنم لهم المزمور الحادي والثلاثين. وإن أردت أن تصلّي وجماعة الرجال العادلين المستقيمين فرتّل المزمور الثاني والثلاثين. ولو رغبت في الشكران إثر وقوعِك بين أعدائك وخلاصك منهم بالحكمة ونجاتك، فادعُ الودعاء ورتّل في حضرتهم المزمور الثالث والثلاثين. وان رأيت مماحكة المنافقين ومناضلتهم في الشرّ، فاقرأ المزمور الخامس والثلاثين فتبصر أنهم كانوا هم أنفسهم سبباً لخطاياهم. وان نظرت مخالفي الشريعة يتشامخون على الوضعاء وأردت أن تنصح بعضاً من الناس أن لا يصغي إليهم ولا يغايرهم لكونهم يخمدون سريعاً فاقرأ لذاتك ولأصحابك المزمور السادس والثلاثين. وأيضاً إن شئت أن تحترس من العدو المتسلّط وأردت تحريك نفسك عليه فرتّل المزمور الثامن والثلاثين. وإن صبرت على الضيق لدى تكاثر الأعداء واردت أن تعرف النفع الصائر من الصبر، فرتّل المزمور التاسع والثلاتين. وإن رأيت جماعة من الفقرآء والمساكين وأردت أن تصنع لهم رحمةً فاقرأ المزمور الأربعين. وان ازددت شوقاً إلى الله وسمعت الأعداء يثلبونك فلا تضطرب بل تيقن من الثمر الباقي الحاصل من شوقك هذا وعَزِّ نفسَكَ برجائك بالله مخففاً عنك بقراءة المزمور الحادي والاربعين. وفيما تريد أن تتذكّر على التوالي إحسان الله الصائر إلى آبائنا، وأمر خروجهم من مِصر وترددهم في البرّية، وصلاح الله وأن الإنسان عديم الشكر فاقرأ المزمور الثالث وألأربعين، والسابع والسبعين، والثامن والثمانين، والماية والأربعة، والماية والخمسة، والماية والستة، والماية والثالث عَشَرَ. وإن التجأت إلى الله ونجوت من الأحزان الصائرة عليك وشئت أن تشكر الله فلك أن تقرأ المزمور الخامس وألأربعين. وإن أخطأت وندمت بتوبة وقبلت التوبيخ، فلك أن تقرأ أقوال الإعتراف والتوبة الموجودة في المزمور الخمسين. وان وشي بك وتفاخر عليك النمّام فامضِ في سبيلك وقل المزمور الحادي والخمسين. وإن طردك الغرباء وأرادوا تسليمك فلا تتهاون بل ثق بربّك مسبّحاً واقرأ ما في المزمورين الثالث، والخامس والخمسين. ولو تواريت في مغارةٍ هرباً من اضطهادٍ فلا شكّ ولا تخشى، لأن لك الأقوال المناسبة، التي تُسليك في الضيق، من المزمور السادس والخمسين، والحادي وألأربعين. وإن رامَ عدوّك ضرب حصارٍ عليك وهربْتَ منهُ فاستودع الله النعمة واكتب أحرفها في نفسك وارفعها نُصباً لتكون تذكاراً لعدم واقرأ ما في المزمور الثامن والخمسين. وإن كان الاعداءُ يحزنونك ويتظاهرون بمحبتك فيما يتآمرون عليك فبإمكانك أن تعزّي نفسك من الغم إنْ سبحت ربّك بقراءة المزمور الرابع والخمسين.وإن شئت تخجيل المرائين المغيّرين وجوهم فاقرأ المزمور السابع والخمسين. أما الذين يهجمون عليك طالبين نفسك فقابلهم بالخضوع لربّك واثقاً به واقرأ ما في المزمور الحادي والستين. وإن كنت مطروداً وفررت إلى مغارة فلا تفزع من الوحدة بل كمصاحب الله هناك إبتكر اليه، ورتِّل المزمور الثاني والستين. واذ يهدّدك الأعداء ويترصدونك ويبالغون في الاستقصاء عليك فلا تجبُن منهم ولو كانوا جمهوراً لأنَّ رشقهم كنبل الأطفال يكون عند ترتيلك المزمور الثالث والستين، والسابع والستين، والتاسع والستين، والسبعين. وإذ رغبت في أن تسبّح الله، فرتّل المزمور الرابع والستين. وإن شئت أن تعظ أُناساً في أمرِ القيامة فرتِّل ما في المزمور التاسع والستين. ولو وعظتهم من قبل الرب مذيعاً رآفاته عليهم فسبحّهُ مرتلاً المزمور السادس والستين. وحين ترى الكُفّار متنعمين ولهم سلامة، لا تشك ولا تتزعزع  بل إقرأ ما في المزمور الثاني والسبعين. وإن سخط الله على الشعب، فلك ما يعزّيك في المزمور الثالث والسبعين. وإن احتجت إلى الاعتراف، فرتّل المزمور الرابع والسبعين، والحادي والتسعين، والماية وألأربعة، والماية والخمسة، والماية والستة، والماية والسبعة، والماية والخامس والثلاثين، والماية والسابع والثلاثين. وإن عيّرك اليونانيين والهراطقة بشأن معتقداتك التي يجهلونها وهي الكنيسة وحسب، فإنك قادر أن تفهم ذلك لو قرأت ورنّمت ما في المزمور الخامس والسبعين. وإن حصرك أعداؤك فلا تيأس ولو اضطربت بل أقم مصلّياً، فإن استجاب الله دُعاك فاشكره وفق المزمور السادس والسبعين. وإن نَجَّس الأعداء بيت الرب وقتلوا القديسين وطرحوا أجسادهم لطيور السماء، فئلا تتراخى وتفزع منهم، وَجِّه طرْفك صوب ربّك وقل المزمور الثامن السبعين. وإن شئت في عيد أن تسبّح فاجمع عبيد الله ورتِّل المزمور السادس والثمانون، والرابع والتسعين. وإن تقاطر الأعداء من كل جهةٍ على بيت الله وراموا الإضرار بالإيمان القويم فلا تخشهم ولتكن لك رجاء كلمات المزمور الثاني والثمانين. وإن رأيت ربك ومساكنه الابديّة وكان لك اشتياق اليها كما كان للرسول فاقرأ المزمور الثالث والثمانين. ومتى كفَّ عنك السخط وأردت أن تشكر فلك أن تقرأ المزمور الرابع الثمانين، والماية والخامس والعشرين. وإن شئت أن تبرز الفرق بيت الكنيسة الجامعة والمنشقّين فقل لهم ما هو محرَّرٌ في المزمور السادس والثمانين. ولو أردت أن تدعو إلى عبادة الله وتُثبِتَ أنَّ المتَّكل عليه لا يحزن ولا يخاف فلك أن تسبِّح على نحو ما جاء في المزمور السادس. وإن شئت أن تصلّي في السبت فلك المزمور الحادي والتسعين. وإن شئت أن تشكر يوم الأحد فلك المزمور الثالث والعشرين. ولو أردت أن تصلّي في الثاني من السبوت فاقراء ما في المزمور الرابع وألأربعين. وإن شئت أن تسبِّح في يوم الجمعة فلك المزمور الثاني والتسعين لأنه قد وضع لما ابتُني البيت، مع أن الأعداء حاولوا محاصرته، لذلك سبّح المؤمنون الله تسبحة الظفر. وإن وقع سَبْيٌ وانذكَّ الهيكل وابتُني ثانيةً فرتّل المزمور الخامس والسبعين. وإن سَكَنتِ الأرض من المحاربين وشئت أن تسبّح الله فلك المزمور السادس والتسعون. وإن شئت أن ترتل في الرابع من الاسبوع فلك المزمور الثالث والتسعون لأن الرب في ذلك الوقت لما رُفع ابتدأ ينتقم من غلبة الموت ويشهرها جهاراً. وإن قرأت الانجيل ورأيت أنَّ اليهود ضربوا مشورةً على الربّ في اليوم الرابع من الاسبوع الذي هو بدءُ مجاهرةِ العدو، فعند ذلك رتّل المزمور الثالث والتسعين. ومتى رأيت عناية الرب بالكلَ وربوبيّته وأردت أن تَحُثَّ أُناساً على الايمان والطاعة لتقنعهم فرتّل المزمور التاسع والتسعين. وإن عرفت قدرة حكومة العلي وعلمت أنَّّّ الله سبحانهُ يمزج الحكم بالرحمة وشئت أت تتقدم إليه فلك الأقوال الواردة في المزمور الماية. وبما أن طبيعتنا ضعيفة فإن إفتقرتَ بسبب ضيقات العمر وأردت أن تتعزّى فلك المزمور الماية والواحد. وحيث أنّهُ واجبٌ علينا أن نشكر الله على كل شيء وفي كل شيء فكلما أردت أن تبارك، فردِّد المزمور الماية والاثنين، والماية والثلاثة. وإن شئت أن تسبح الله وتعرف بأيِّ حالٍ وعلى أيِّ شيءٍ ينبغي التسبيح وماذا يجب أن يقول المسبِّح فلك المزمور الماية والاثنان، والماية والستة، والماية والرابع والثلاثون، والماية والخامس وألأربعون، والماية والسادس وألأربعون، والماية والسابع وألأربعون، والماية والثامن وألأربعون، والماية والخمسون. وإن كان لك إيمانٌ، كما قالَ الربُّ وتركن إليه فيما تقول مصلّياً فاتْلُ المزمور الماية والخامس عَشَرَ. وإن شعرت بذاتك أنَّك تتقدم بألأعمال الصالحة، فعلى قدر ما تقول “أنسى ما وراء وأمتدُ إلى أمام “، فلك على كُلّ نجاحٍ أن تقرأ تسابيح الدرجات الخمس عَشَرَة. وإن سَبَتْكَ الأفكار الغريبة وشَغَلَتْكَ بذاتك وقيّدتك فكُفَّ عن الأشياء التي أدركت ذاتك مخطئاَ بها، وابكِ عن الخطيئة التي وقعْتَ فيها نظير الشعب في ذلك الزمان، وقُل ما في المزمور الماية والسادس والثلاثين. وإن احتسبت المحن تجربةً لك وشئت بعد ذلك أن تشكر فلك المزمور الماية والثامن والثلاثون. وإن كنت محاصَراً من الأعداء وأردت الخلاص فقل ما في المزمور الماية والتاسع والثلاثين. وإن أردت أن تصلّي وتتضرّع فرتّل المزمور الماية وألأربعين، والماية والثاني وألأربعين، والماية والخامس وألأربعين. وإن تسلّط عليك وعلى الشعب عدوّ جببّار مثلما تسلط جليات على داود فلا تخشَ بل ثِق أيضاً، نظير داود، واتلُ المزمور الماية والثالث وألأربعين. وإن عجِبت لإحسان الله وذكرت جودَهُ فقل الكلمات التي قالها داود في المزمور الماية وألأربعة. وإن شئت أن تسبّح الربّ فلك المزمور الخامس والتسعون، والسابع والتسعون. وإن كنتَ صغيراً وانتدُبتَ لقضاء حاجةٍ إخوتك فلا تتشامخ عليهم، بل أعطِ مجداً للربّ الذي انتخبك ورتّل المزمور الذي بعد الماية والخمسين الخاص بداود. وإن أردت ترتيل مزامير هلِّل فلك المزمور الماية وألأربعة، والماية والخمسة، والماية والستة، والماية والعشرة، والماية والحادي عَشَرَ، والماية والسابع عَشَرَ، والماية والثامن عَشَرَ، والماية والرابع والثلاثون، والماية والخامس وألأربعون، والماية والسادس وألأربعون، والماية والسابع وألأربعون، والماية والثامن وألأربعون، والماية والتاسع وألأربعون، والماية والخمسون. وان أردت أن ترتّل ما هو في أمر المخلّص وحده فإنك تجد ذلك في كل مزمور وعلى الخصوص في المزمورين الرابع وألأربعين، والماية والتسعة اللذين يخبران باتّلادِهِ الخاص من الآب وحضوره بالجسد. وأما المزموران الحادي والعشرون، والثامن والستون فينبآن بصلبه الإلهي والتسليم الذي احتمله من أجلنا والآلام التي كابدها. أمّا المزموران الثاني، والثامن فيشيران إلى خيانة اليهود وشرّهم ووشاية يهوذا الاسخريوطي. وأما المزامير العشرون، والتاسع وألأربعون، والحادي والسبعون، فيخبرون بملكِهِ وبقوةِ قضائِهِ وبإِعادة حضوره الينا بالجَسَدِ. والمزمور الخامس عَشَرَ يرينا قيامة جسدِهِ. والمزموران الثالث والعشرون، والسادس وألأربعون يخبّران بصعوده إلى السماوات. وأما المزامير الثاني والتسعون، والخامس والتسعون، والسابع والتسعون، والثامن والتسعون متى تلوناها علمنا بجود المخلّص الصائر إلينا من آلامه.

+ لماذا ترتَّل المزامير بألحانِ وترنَّم؟

هذا أيضاً  أمر يحتاج إلى توضيحٍ، لأنه يوجد قوم يرتجلون القول ولو كانوا متيقنين من ان المزامير مُلهَجٌ بها من الله، لكنّهم يتوَّهمون أنَّها تؤدّي ملحنَّة لغاية حسن النغمة والطرب. لكن الأمر ليس كذلك لأن الكتاب لا يروم التلذّذ وزخرفة الكلام، بل هذا قد ارتسم لأجل نفع النفس ولأنه واجبٌ أن تكون تلاوة الكتاب الإلهي لا دَرجاً وحسب بل سبحاً لله أيضاً على نحوٍ مُنَّسق وتمادٍ في الصوت. وبهذا النوع تصان محبّة البشر وشوقهم إلى الله من كُلِّ قلبهم وقوّتهم، لأنه كما أن النظمَ يؤلف ما بين الألفاظ كذلك توجد في النفس شرعة مختلفة وهي التفكّر وقوّة الشهوة وقوّة الغضب، ومن هذه الحركة ينتشي فعلُ الجسَدِ. المراد بهذا المعنى، أن الإنسان عديمُ الإتفاق لأنه كثيراً ما يقول الشيء ويعمل عكسه، كما جرى لبيلاطس الذي قال عن المسيح أنّه لم يجد فيه علّةً تستوجب الموت ومع ذلك أسلمه لليهود. كذلك يشتهي الانسان فعل المساوئ لكنّه لا يقدر على إتمامها، كما جرى للشيوخ الذين حكموا على سوسانة. وليس الانسان أيضاً بريئاً من الفسقِ، ولا سارقاً وبريئاً من السرقة في آن، ولا قاتلاً وبريئاً من القتل معاً، او متكلماً بالتجديف. فلئلا يوجد فينا اختلال مثلُ هذا يحسن أن تكون النفس مالكه عقلاً جيداً، كما قال الرسول، وأن تسلّم لصاحبها قيادها وتضبط به أدوات انفعالها وتترأس على أعضاء الجَسَدِ لتخضع للنطق. وكمثل الضرب في نظم المعازِفِ كذلك يجب أن يكون الانسان معزفة وينقاد بجملته للروح ويخضع بكلّ أعضائِهِ وحركاتِهِ كخادمٍ لما يطلبه منه. فاذاً تلاوة المزامير ترنيماً تكون مثالاً ورسماً لهدؤ النفس وسكونها. لأنّه كما نعرف هواجس النفس ومعقولاتها ونوضحها بألأقوال التي نتلفظ بها، كذلك أراد الربُّ أن يكون انتظام النفس الروحي عمارة له بترتيل الكلام والتلحين، فأمر أن تُقرأ المزامير بترنّمٍ. وهذه شهوة كان قد وضعها حسناً لأنه في وقت الترتيل كُلّ من كان فيه قلق واضطراب صار ممهّداً. وكلّ من كان محزوناً يتداوى عند ترتيله: ” لماذا أنتِ حزينةٌ يا نفسي، ولماذا تقلقيني؟”. والنفس تعرف خطأها وتقول: “أمَا أنا فعمّا قليل كادت خطواتي أن تزلّ”. وبالرجاء تُقوّي خوفها عندما تقول: “الربّ عوني فلا أخشى ماذا يصنع بي الانسان”. وأما الذين لا يتلون التسابيح الإلهية بهذا المعنى فصلواتهم لا تكون بفهمٍ بل يُطربون أنفسهم، وعليهم مذمّة لأن السُّبْح لا يجمل في فم الخاطئ. أما الذين ينشدون المزامير بالمعنى المشار اليه أعلاه، الذين يبرزون نَغَمية الكلام من نَظْمَ النفسِ ومن الاتفاقِ بالروح، فهؤلاء يرتلون باللسان والعقل معاً ويسدون نفعاً عظيماً لا لأنفسهم فقط بل أيضاً للذين يرغبون في سماعه. فهكذا داود المغبوط عندما كان يرتّل لشاول كان يرضي الله ويطرد من شاول طرف جنونِهِ مسكِّناً نفسَهُ ومهدِّئاً لها. ومثل ذلك الكهنة عندما كانوا يرتّلون، كانوا يُهذِّئون نفوس الشعب ويستدعونها إلى موافقة المصاف السماوية. اذلً قراءة المزامير بالتلحين ليست للطرب بل هي علامة انتظام الأفكار في النفس. والتلاوة المنَغَّمة المرتَّبَة تشير إلى وضع الذهن وانتظامه. قديماً كانوا يسبّحون الله بصنوجٍ حسنة التلحين وقيثارةٍ ومعزفةٍ ذات عشرة أوتارٍ. هذا كان دليلاٍ على ائتلاف أعضاء الجسد بانتظام شرعي كأوثارٍ، وعلى أفكار النفس كصنوجٍ، وأنها تتحرك وتحيا بصوت ونَفَس الفم وتميت أعمال الجسد. فالذي يكون ترتيلُه حسناً على هذا النحو نفسه ويقدمها لتكون مستقرة فيما يخصّ طبيعتها ولا تجزع من أحدٍ بل تكون حسنة المجاهرة وتشتاق بالأكثر إلى الخيرات العتيدة لأنها تتهيأ لترتيل الكلمات وتنسى الأذيّة وتحدِث تجديقاً ذهنياً في المسيح. ومتى فكّر قارئ هذا المصحف كان عليه أن يصغي بتأملٍ خاصٍ إلى الأقوال الملهم بها من الله ليستطيع أن يفتكر بطريقة فضلى ويجني الأثمار الإلهية من فردوس الاله المعطاة لمنفعتنا. وإني أرى أن أقوال هذا المصحف تحتوي على كل سيرةٍ للبشرِ وأوضاع نفوسِهِم، وحركات أفكارهم وليس شيء غير هذا إن كان الانسان بحلجة إلى توبةٍ أو إلى اعترافٍ أو أصابهُ ضيقٌ أو محنةٌ أو طُرِدَ أو بُغِيَ عليه ونَجا أو حزن أو انزعج أو ابتُلي بشيء مما سبق ذكره أو ابصر نفسه ناجحا وعدوّه مقهوراً أو أن يحمد ويشكر ويبارك الرب كل ذلك يمكن أن يتعلمه الانسان من المزامير فيقرّب الأقوال المحرَرَة فيهِ إلى الله كأنها قيلت من أجلِهِِ.لكن حذارِ أن يغلِّفَ أحدٌ الأقوال الإلهية بالحكمة البشرية أو يغّير الألفاظ أو يبدِّلها بنوع ما، بل ليرتّلْها كما هي بلا تصنُّعٍ ناقلاً إياها، كما سبق فقيلت، إلتماساً لعضد الروح الذي نطق بالقديسين الذين تزيد أقوالهم فضلاً عما نألفه بمقدار كون سيرتهم أفضل من سيره غيرهم. وأنَّه لحق واجب أن نحسب أقوالهم أكثر قوة من أقوالِ سواهم لأنهم بها أرضوا الله وصنعوا مناقب على أحدِّ قول الرسول: “قهزوا الممالك وعملوا البر ونالوا المواعد وسَدّوا أفواهَ الأُسُدِ وأخمدوا قوّة النار ونَجوا من حدِّ السيف وتأيّدوا من بعدِ ضُعفِ وصاروا أقوياء في الحروب وهزموا جيوشَ الغرباء، وأخذت النساء أمواتهنَّ بالقيامة”. فهذه الأقوال إذاً، عندما يقولها أحدٌ فليكن واثقاً أنَّ الله يستجيب للذين يتضرعون بها إليهِ. لأنَّهُ إن كان قائلها في ضنكٍ يلقى فيها تعزيةً عظيمةً وإن كان في محنة ورتّل على هذا المنوال يكتشف بالهبرة أن الرب الاله يستره كما ستر الذي تفوه بها في قبله، وعلى هذا النحو يَخْسأ الشيطان وتُطرد الأبالسة. وإن رددها المرء وكان خاطئاً يرى نفسه أنه قد انْسرَّ مبتهجاً بامتداده إلى قدّام. وإن كان مجاهداً يتقوى ويتأيد ويثبت في الحقّ إلى الابد ويوبِّخ المقبلين اليه الطالبين ضلال نفسه. وليس في كل ذلك من ضامن الاّ الكتاب الالهي نفسه. لأن الله أوصى موسى أن يكتب التسبحة الكبرى ويلقنها للشعب. كما أمر بتحرير سفر تثنية الاشتراع لكل من تقلّد رئاسة، آمراً أن يكون حامله على يديه ويدرس فيه الأقوال كأنها كافية لايقاد الفضيلة فيه، ومساعدة الذين يقبلون النُّصح. وعندما دخل يشوع بن نون أرض الميعاد وأبصرَ مصافَ الأمم وملوك الأموريين، فعوض الأسلحةِ والسيوفِ كان يقرأ على مسمعِ الجميعِ مصحفَ تثنية الاشتراعِ مفطِّناً إياهم بما في الشريعة، وعلى هذا النحو سَلَّحَ الشعب وقهر المحاربين. كذلك لما وجَدَ يوشيّا الملك المصحف وقرأ على مسامع الجميع لم يعد خائفاُمن أعدائه. وعندما كان الشعب يتعرض للحرب كان يتقدمهم التابوت الذي فيه مصاحف الناموس وهذا كان يغنيهم عن كل موكب ينصرهم. ويتضمَّن ذلك أن يكون حاملوه أو الشعب أبرياء من الخطيئة، لأنَّالشريعة لا تفعل فيهم الا على اساس الايمان والنية الصالحة. وأنا قد سمعت من أناس فهماء أنَّه لما كانت تُتلى الكتب في إسرائيل في الزمان القديم كانت تُطرد الشياطين ويُفتضَحُ مكرهم الصائر بين الناس. فالذين يستهينون بالنقاوة ويؤلفون من خارج كلمات مزخرفة يستوجبون تحقيراً كلياً، وهم يكفرون بما أن فعلهم هذا لعب وتسلية وشأنهم السُخرية بالناس، كما جرى لبني “سكاوا ” الوارد خبرهم في أخبار الرسل( 19: 13-16 )، لأنهم راموا أن يطلبوا الكفر بمثل هذا التصرف. وهؤلاء متى سمع بهم الشياطين يهزأون بهم، وأما أقوال القديسين فيرهبونها ولا يستطيعون احتمالها لأن الرب موجود في أقوال القديسين. ولعدم قدرة الشيطان على احتمال أقوال الرب كان يصرخ: ” أسألك ألاّ تعذبني قبل الزمان ” لأنّه كان يحترق لرؤية ربنا حاضراً فقط. كذلك كان ينتهر الأرواح النجسة، والأبالسة كانت تخضع للتلاميذ أيضاً. وأليشع النبيّ عندما كان يرتّل حلّت عليه يدُ الرب وتنبأ لاجل المياه لثلاثة ملوكٍ. كذلك الآن كُلُّ من اعتراه روح خبيث فليقل هذه الأقوال لينتفع وليثبت إيمانه الحقيقيّ أيضاً، والرب الاله يمنح الشفاء كاملاً للسائلين. وداود لعلمه بذلك كان يقول في المزمور الماية والثامن عَشَرَ: ” أهذُّ بأحكامك ولا أنسى كلامك “، “مرتَّلَةً كانت عندي حقوقك في موضع غربتي “. وبهذه أيضاً يخلُص القائلون: ” لو لم تكن شريعتك تلاوتي لكنت قد هلكت في مذلتي “. كذلك كان بولس يستوثق تلميذه قائلاً: “إياها ادرس. وفيها كن. ليكن نجاحك ظاهراً “. فإن لازمتها دارساً واطّلعت على المزامير على هذا النحو، قدرت أن تفهم المعنى الذي تتضمنه ويرشدك الروح وتساير الرجال القديسين الملهمين من الله الذي له المجد، إلى الأبد، آمين.

_____________________________________________________________

(1) القديس اثناسيوس يحدث عن نفسه

(2) طريقة السير مع الله

مديح الأربعين شهيداً

خطاب

لأبينا النبيل في القديسين باسيليوس الكبير

رئيس أساقفة قيصرية الكبادوك

مدح به موكب المسيح الحسن الظفر الأربعين شهيداً يُقرأُ في نهار تذكارهم الموافق لليوم التاسع من شهر آذار

ألا أنه لا شبع لمحبّ الشهداءِ من ذكرهم. لا سيما إذا كان إكرام الأخيار ممن يشاركهم في العبودية دليلاً على اعتقاد الولاءِ للسيد الذي هم شركاءُ في طاعته. ولامرٌ معلوم أن من يقتبل الإجلال من الرجال بحبّ وحسن قبول لا يتأخر في الأوقات الموافقة لأوقات جهادهم عن التشبه بهم. فبالغ يا صاحِ في إعطاءِ الطوبى لمن قد استشهد حتى تصير بالنية شهيداً وتفوز بذلك من غير نارٍ ولا سياط. وتؤهَّل لما قد نالهُ الشهداءُ. ونحن الآن ما حضرنا لنتعجب من واحدٍ ولا من اثنين وليس عدد الذين نغبطهم يقف عند العشرة بل هم أربعون رجلاً نفس واحدة في جسوم متعددة. نفسٌ واحدة في اتفاق الرأي. نفسٌ واحدة في الإيمان كان صبرهم على المصائب والشدائد واحداً وكانت مقاوتهم عن الحق أيضاً واحدة. وكان جميعهم يقرب بعضهم من بعضٍ في اختيارٍ واحدٍ. وهمتهم واحدة. وجهادهم واحداً. فوصلوا من ثمَّ الى أكلَّة من المجد متساوية في الكرامة فأي كلامٍ يصل الى وصفهم بما يستحقونهُ. ولو كان لمادحهم أربعون لساناً لما كفتهُ لمديح فضيلة هؤلاءِ الرجال وتعظيمها. على أننا نحن لو كان الذي يعجب بهِ واحداً لكفى في مصارعة قوة كلامنا فضلاً عن أن تكون الجملة على هذه الصورة من الكثرة ويكونون مصفّاً من الصناديد كاملاً وجمعاً من المجاهدين لا يرام ولا يرتدُّ. فحالهم في بعد الوصول الى مقدارهم من الأوصاف شبيهٌ ببعدهم من الاستيلاءِ عليهم في الحروب سالفاً. فهلموا لنورد من التذكر بهم منفعة عامَّة كافية لجميع من حضر من حيث أننا نبين فضل هؤلاءِ الرجال ومبالغتهم في الجهاد ونجعلهم كصورة صحيفة. لأن الشجاعة في الحروب قد اعتنى بها وبذويها من يؤَلّف الكتب ويصوّر الصوَر. فالأول من الفريقين يبالغون في ترتيبهم بالوصف والكلام. والثاني يستفرغون جهدهم وقوَّة صناعتهم في تحسين صورة أفعالهم على الدفوف. وقد دفع كلُّ فريقٍ من هذين جماعة الى الشجاعة في الدخول الى الجهاد. لأن المصور إذا أخذ جملة الخبر في مسامعهِ أخرج تصوير شبههِ بالحكاية وهو صامت. فعلى هذه الصفة يجب علينا أن نذكر من حضر بفضل هؤلاءِ الرجال ونجعل أفعالهم كأنها نصب أعيننا فنحرك الأجلاد الذين يحضُّهم ثباتهم على التشبُّه بهم وذلك هو أجلُّ الأوصاف والمدائح أعني تحريك المجتمعين واستدعاءَهم الى الفضيلة. ومع ذلك فلا يقتضي وصف القديسين أن نستخدم أساليب المادحين لأن هؤلاءِ إنما يأخذون الوسيلة ومبدأ الوصف من أحوال العالم وأما الذين قد انصلب عنهم العالم فكيف يمكن أن شيئاً من أشيائهِ يزيدهم فضلاً. ومع ذلك فلم يكن لهؤلاءِ القديسين وطنٌ واحد بل كلٌّ منهم كان من موضع غير موضع الآخر فماذا ينبغي أن نقول أنهُ لم تكن لهم مدينة أم نقول أنهم كانت المسكونة كلها كمدينة لهم. وما أشبه حالهم في هذا الباب بالذين يتشاركون ويجمعون فيما بينهم شيئاً فتكون الجماعة مشتركة فيهِ. فهذه صفة حال هؤلاءِ المغبوطين فإن وطن كل واحدٍ منهم كان وطناً للجماعة. كلهم من مواضع مختلفة يخص كل واحدٍ منهم صاحبهُ بوطنهِ. بل ما لي أطنبت في بابهم وأنا أذكر أوطاناً أرضية فلاتينَّ وأبيّن مدينتهم أيّة هي. إن مدينة الشهداء بالحقسقة هي مدينة الله التي هو خالفها وصانعها أورشليم الحرَّة والدة بولس ومن يقارنهُ. وأما الجنس فكلٌّ منهم كان لهُ جنس يخالف جنس صاحبهِ. وأما الجنس الروحاني فهو لجماعتهم واجدٌ ووالدهم فيهِ الذي يشتركون في أُبوَّتهِ هو الله. وهم كلهم غير مولودين من والد واحد وأمٍّ واحدة بالجسد بل من بنوَّة الروح باتفاق المودَّة ينتظم أحدهم مع الآخر فيصيرون صفّاً واحداً معدّاً ممن يسبّح للرب منذ الدهر زائداً زيادة عظيمة جدّاً. وانقضاءُ حياتهم لم يكن واحداً بعد واحدٍ بل كان انتقالهم كلهم معاً. وأما حال انتقالهم فهي أن هؤلاءِ لموضع أجسامهم وحداثة سنّهم وعنفوان شبابهم كانوا يزيدون على غيرهم ممن كان في زمانهم فرتبوا بحسب ذلك في مراتب الجندية. ولموضع نظرهم في الحروب وشجاعة نفوسهم كانت لهم من الملك الكرامات الأولى وكانوا لأجل فضيلتهم معروفين عند كل أحدٍ. إلا أنه لما خرج النداءُ الكافر البعيد من الله ونودي بهِ في كل مكان: أَلاّ يعترف أحد بالمسيح إلاّ ويذوق الوصب وينتظر العطب ووقوع التهويل في ذلك بأنواع العقوبات وأصناف التعذيبات. وكان غضب قضاة الباطل على من حسُنت عبادتهُ غضباً وحشيّاً. وكانت الاغتيالات والدغل قد أُهتمَّ بتحصيلها وتنضيدها وكانت أنواع العقوبات قد استعدت وجرى أحكامها والذين يعاقبون بها لا يندفعون والنار مستعدة والسيف مصقول والصليب منصوب والبئر محفور والبكَر جارية والسياط مضفورة. حينئذٍ كان قوم يهربون وقوم مضطربين وقوم قبل ممارسة هذه الأشياءِ منزعجين من الوعيد وحدهُ. وآخرون لما قربوا منها اعتراهم الدَوار. وقوم بعد دخولهم في الجهاد لم يطيقوا الصبر الى منتهى الجهاد ففي منتصف جهادهم انحلُّوا كالذين تلحقهم الشدَّة في نفس اللجة. عطبوا وعطب ما كان معهم من أحمال الصبر وتجارتهِ. في ذلك الحين حضر هؤلاءِ الأجلاد جند المسيح الذين لا ينحلون ولا يخورون فرموا بأنفسهم في وسط الجمهور. فأبرز الرئيس منشوراً من الملك وطالب بطاعتهِ فيما رسمهُ فأطلق الشهداءُ من أفواههم نغمة واحدة مطلقة. وبيَّنوا من قلوبهم جراءَةً وشجاعة صادقة ولم يرُعهم ما أبصروهُ ولا ذهلوا من الوعيد الذي سمعوهُ بل لما صاروا في الوسط قالوا: يا قومُ نحن مسيحيون. فيا لها من السنٍ مغبوطة وافواه سعيدة ابدت هذه النغمة وصرخت هذا الصوت الذي لما قبلهُ الهواءُ تقدَّس وسمعتهُ الملائكة ففرحت وأحسَّ بهِ إبليس المحال وشياطينهُ فتجرحوا. وعرفهُ الربُّ في سمائهِ فكتبهُ وأثبتهُ. قال كل واحدٍ وهو منفرد في الوسط: إني مسيحيٌّ. فأشبه هؤلاءِ المذكورون الذين يدخلون في مقامات الجهاد فيذكرون في أول أمرهم أسماءَهم ثم يتقدمون فيما بعد الى جهادهم وصراعهم. لأن هؤلاء في ذلك الوقت أطرحوا اسماءّهم التي سموا بها من بلادهم ودعا كلٌّ منهم ذاتهُ باسم المخلص الذي يشاركهُ فيهِ غيرهُ فكان الواحد منهم يفعل ذلك والآخر يتلوهُ فصار الاسم لجماعتهم واحداً ليس فلان وفلان بل نادوا عن أنفسهم أنهم “مسيحيُّون”.

فماذا صنع حينئذٍ المتقلد في ذلك الوقت أمرهم وقد كان شديد الحيلة داهية في الحكمة ليدخل بنوع من المداراة وبنوع آخر من التهويل ألا أنه ابتدأَ في الأول بمحاولة إرخاءِ قوة حسن عبادتهم فقال: “يا قوم لا تهلكوا شبابكم. لا تبيعوا أنفسكم. لا تعتاضوا من هذه الحياة اللذيذة بموتٍ مرٍّ في غير وقتهِ. وأنهُ لأمرٌ شنع بمن كانت آثارهُ في الحروب معروفة مفضَّلة أن يموت موت الأشرار”. ومع هذا وعد بأموال وأحضر بعضها وضمن عن الملك مراتب وكراماتٍ. واستعمل من هذا النوع حَيلاً كثيرةً في التدبير عليهم.

فلما لم ينسجوا الى هذا النوع من سياستهِ. انتقل الى النوع الآخر من حيلتهِ. فذكر الضرب والموت وأنواع العقوبات. هذا ما ذكرهُ هذا من وعيدهِ.

وأما جواب الشهداءِ فكان: لِمَ تروم أن تخدعنا يا محارب الله وتطلب أن تبعدنا من اله الحيّ وتجعلنا في خدمة شياطين مهلكين. وتقدم في قولك ما ذكرتهُ من الخيرات. واي شيءٍ تعطينا يكون عديلاً على السواءِ لما تريد أن تأخذهُ منا. فإني أنا واحد من هؤلاءِ. أبغض هبةً تفيدني خسارةً. ولست أقبل كرامةً هي للهوان والدة. ألعلَّك تعطي مالاً؟ إلا أنهُ لا يكون باقياً. وتبذل شرفاً زاهراً؟ إلا أنهُ يكون الى الزوال عن قريب صائراً. وتجعلني عند الملك معروفاً؟ إلا أنك تصيرني من الملك الصادق بعيداً. فما بالك تفعل فعل شحيح في بذل القليل من أحوال العالم؟ إنك لو بذلت العالم كلهُ لكان عندنا حقيراً. وكل ما يبصر فيهِ ليس ما نشتهيهِ ونرجوهُ كفوءاً وعدلاً. إلا أنهُ ليس شيءٌ من هذه الأشياءَ كلها يساوي غبطة الصديقين إذ كانت هذه الأشياءُ كلها زائلة. والتي ننتظرها نحن باقية. وشوقي أنا إنما هو الى نوال إكليل واحد وهو إكليل العدل. ولقد وُلهتُ بحبّ مجدٍ واحدٍ وهو الذي أجدهُ في ملك السماوات. وإني لشديد التباهي لكن بما في العلو من الكرامات. وإني أحذر عقوبة واحدة وهي عقوبة جهنم تلك التي نارها محرقة وأما النار التي تهولون أنتم بها فهي شريكة لي في العبودية وربما خَجِلَت إذا رأَتْ من استهان بالأصنام. وضرباتكم إنما هي عندي مثل سهم يرشقهُ أحد الصبيان. وأنت إنما تضرب جسماً إذا أمكنهُ الزيادة في الصبر زاد إكليلهُ في البهاءِ. وإذا سبق فتولَّى وسارع الى الانحلال فأنما ينصرف خائباً وقد كفى أذى قضاةٍ حصاب مثلكم قد دُفع إليهم السلطان على الأجسام وهم يرومون السيادة على النفوس. ومتى لم تقدروا على إبعادنا من إلهنا صار عندكم ذلك أصعب الاشياء. والغاية في المساءّة أنكم قدَّمتم لنا هذه العقوبات المفزعة وليس لكم حجة علينا سوى حسن عبادتنا غير أنكم ستجدون منَّا رجالاً لا يعتريهم جُبنٌ ولا حبُّ الحياة ولا تذهلهم كثرة الأموال. بل يستصغرونها في جانب حبّ الله فها نحن قوم قد استعدَّينا للدوران على البكَر. وللكيّ وللعصر. والشدّ الى الأوتاد. والحريق بالنار والصبر على كل صنفٍ من أصناف العذاب.

فلما سمع البربري المتجبّر هذا الكلام لم يصبر على دالَّة هؤلاءِ الرجال بل احتدم غيظاً وفكر في حيلةٍ طويلة يجدها يريد بها أن يبلغ مرادهُ منهم في مرارة موتهم فوجد لَعمري حيلةً وانظروا كيف هي صعبة.

إنهُ نظر الى طبيعة الليل أنها باردة والى ذلك الأوان من السنة أنهُ شتاءٌ ورصد لياً يطلب بهِ أن يشتدَّ عليهم فيهِ الضرُّ وكانت قد هبَّت رياح شمالية فأمر يتعذيبهم معرضين للهواءِ في وسط البحيرة التي في المدينة حتى يكون موتهم من الصقيع والتجمد. والذين ذاقوا لوعة البرد وشدة قارسهِ، يعلمون شدة هذا الصنف من العقوبة. ومن الممتنع أن يشعر بهِ إلاّ من سبق فذاق ألمهُ. فإنهُ يعرف صحة ما يقال – وذلك أن الجسم إذا تعرض للبرد صار لونهُ في أول الأمر مكمدّاً لموضع تجمد الدم. ثم تلحقهُ الرعدة ويختبط منهُ الإنسان وتتقلص منهُ الأعصاب ويتجمِع سطحهُ كلهُ بغير اختيارهِ فيعرض من هذا وجع شديد وألمٌ لا يستطاع وصفهُ. ثم يصل الى المخاخ فيحسُّ من بُلي بهِ بضيق التنفّس الى أن تتقطع أطرافهُ كما تتقطع من حريق النار. ولعمري أن الحرارة الغريزية إذا انطردت من أقطار الجسم وهربت الى جوفهِ ودواخلهِ لا تزال تكدُّه الى الموت وتسعى في جسمهِ قليلاً قليلاً بالتجميد – ففي ذلك حُكم على هؤلاءِ القديسين أن يبيتوا تحت السماءِ وكانت هناك بحيرة والمدينة حولها ففيها كان جهادهم وكانت قد صارت كبقعة تجري عليها الخيل لأن الصقيع جلَّد الماء على وجهها وصارت كأرضٍ توطيءُ ظهرها لمن يريد أن يمشي عليها وكانت الأنهار الجارية وطبيعة المياه السائلة قد تحولت الى صلابة الصخور وكانت الريح الهابة من الشمال قارسة تورد بكل حيوان ترد عليهِ مورد الموت والهلاك.

فلما سمع الشهداءُ في ذلك الوقت هذا الأمر (أنظر ههنا شدَّة بأس هؤلاءِ الرجال التي لا تغلب) طرح كل واحد منهم ثوبهُ الأخير (قميصهُ) بفرح وسرور وتسابقوا الى الموت بالبرد كأنهم قد أُمروا بغنيمة يقتسمونها. وقالوا: هل تظنون أننا ننزع عنّا ثياباً لا بل نطرح الإنسان العتيق الفاسد بشهوات الخديعة – نشكر لك يا رب عندما نطرح مع هذا الثوب الخطيئة أيضاً إذ كنا لبسناهُ من أجل الحيَّة قديماً. فعلينا أن ننزعهُ من أجل المسيح. ولا ينبغي لنا منذ الآن أن نتمسك بثياب وأطمار بل نستهين بها من أجل الفردوس الذي نريد أن نرثهُ. وبماذا نقابل ربّنا وقد كان تعرّى لأجلنا؟ وأي قَدْر كبير يكون لعبدٍ في صبرٍ صبرَ على مثلهِ مولاهُ؟ وأكثر من ذلك لعمري. إننا نحن الذين عرَّوهُ. لأن تلك الجسارة كانت من جندٍ مثلنا وهم الذين عرَّوهُ واقتسموا ثيابهُ بينهم وجعلوا علينا علامةً مكتوبة فينبغي أن نمحوها بأنفسنا: الشتاءُ قاسٍ. إلاّ أن الفردوس حلوٌ ولذيذٌ. التجمُّد أليمٌ. إلا أن الراحة في الجنان نعيم. تصبروا قليلاً. فسنحصِّل الدفاءَ في حضن ابراهيم. وينبغي لنا أن نشتري بليلةٍ واحدةٍ الدهر كلهُ وهو الذي يدوم. فلنستهن بلذع الأرجل. لنتخطر مع الملائكة بغير فتور. وتنفصل الأيدي حتى يصير لها دالَّة أن ترفع فيما بعد الى السيد. فكم جنديّ من أصحابنا سقط من المصاف في حفظهم الأمانة لملك فاسد. أَفَتَرَون لنا نحن ألاّ نسلم حياتنا عن الإيمان بالملك الحق. وكم من عمال شرورٍ صبروا على الموت وقد نالوهُ على باطلٍ وفسادٍ قد ارتكبوهُ. أفلا نصبر على موتٍ من أجل الحقّ. فإياكم أن ينثني عزمنا يا شركائي في الجندية أو نولِّي الادبار من وجه إبليس. لحماتنا لا ينبغي أن نشفق عليها. وإذ كان لا بدّ من الموت فما أولانا أن نموت موتاً يورثنا الحياة فلتكن ذبيحتنا اليوم مقبولة قدامك يا رب. ولتحسَب لنا ضحية حية مرضية لك في هذا البرد وقرباناً جيداً يحرق كلهُ وحريقهُ جديدٌ أي ليس بنار بل إنما أُحرق كلهُ من البرد.

فلم يزالوا يتعزون بمثل هذه الأقوال ويحرض أحدهم الآخر الى أن صرفوا ليلهم كلهُ كخفراء يحرسون وهم متجلدون على جميع ما أدركهم. ومسرورون بما يؤَملونه. وضاحكون على عدوهم. وكأن دعاؤُهم جميعهم واحداً وهو قولهم: ربّنا إننا دخلنا الى هذه الفرضة أربعين فاجعل تيجاننا أربعين لا تنقص من العدد أحداً. لأن هذه الكمية من العدد بأربعين يوماً من الصوم بمثلها دخل الناموس الى العالم. وبمثلها طلب إيليا الربُّ فوصل إليهِ.

ولعمري أن هذه كانت صلاتهم إلا أن واحداً منهم خار عزمهُ من الشدّة فنكص ونقص وانكفأ وارتدَّ الى الوراءِ. فخلّف لأصحابهِ القدّيسين حزناً تعزُّ فيهِ التعزية. إلاّ أن الربّ لم يخالف دعواتهم ولا ترك عددهم ينقص عن التمام. وذلك أن الذي إيتمنهُ الأشرار على حراسة الشهداءِ الأبرار كان بالقرب على مشهدٍ واقفاً يصطلي وينظر الى ما هو يكون وهو مستعدٌّ لقبول الذين يلتجئون. وكان قد احتيل بحمامٍ بالقرب معدٍّ للملتجئين بمعونة سريعة عاجلة إلا أن هذا الذي احتال بهِ الأضداد في موضع مثل هذا بقرب مشهد جهاد الأخيار ليكون قرب العزاءِ منهُ طريقاً الى انحلال صلابة المجاهدين أن هذا بعينهِ صار سبباً لزيادة بهاءِ صبر المستشهدين لأنهُ ليس على الصبور بعسير أن يجد الضروري من المطلوب بل الثابت على الصعوبة وقد تيسرت لهُ الراحة ذاك هو الفاضل الموصوف.

إلا أنهُ عندما كان الشهداءُ يجاهدون وذلك احارس يتأمّل ما يكون رأى منظراً عجيباً رأى أكلَّة قد انحدرت من السماءِ كأنها توزَّع من قِبَل ملك على الجند مع المواهب جليلة فوزعت على الشهداءِ الثابتين كلهم وترِك واحدٌ وحدهُ لم يعطَ شيئاً من الكرامات إذ لم يكن أهلاً لِمِنَح السماوات وهو الذي جَبن من الوجع فهرب الى الأضداد وصار منظراً مرحوماً عند الأبرار جنديّاً هارباً صنديداً أسيراً خروفاً من قطيع المسيح فريسة للوحوش الضارية. إن هذا تنزل عن ملكوت السموات ولم يتمتع بحياة الأرض لأن لحمهُ لما قابلتهُ السخونة انحلَّ في الحال وكان سقوطهُ بغير منفعة إلا أن الحارس لما رآهُ قد مال. والى الحمام قد سار طرح نفسهُ في موضعهِ وملاَ مكانهُ الذي كان نقص ورمى بما كان لابسهُ. وصار يصيح مع العراة بصوت القديسين نفسهِ قائلاً: “أنا مسيحي” فبسرعة انتقالهِ بغتةً أذهل جماعة الحضور. وتمّّ العدد. وأزال ما كان اعترى الشهداءَ القديسين من الغمّ والإنزعاج على المنحل بالزيادة التي منهُ بنفسهِ. ويشبَّه هذا بذوي الصفوف التي إذا أخلَّ واحدٌ منهم نصبوا للوقت بدلهُ. فإن هذا قد صنع كذلك إذ أبصر المناظر السماوية وعرف الحقَّ فلجأَ الى السيد وحصل في عدد الشهداءِ. وجدد حال التلاميذ انصرف يهوذا ودخل متياس وصار شبيهاً بولس الذي كان بالأمس مضطهداً فصار اليوم مبشراً وقد جاءَتهُ الدعوة من فوق لا من الناس وآمن باسم ربّنا يسوع المسيح وتعمد لهُ وليس من قبل غيرهِ بل من إيمان ذاتهِ وليس بالماءِ بل بدمهِ. ولما كان في صبيحة ذلك اليوم سُلّم الشهداءُ الى النار وفيهم شيءٌ من الروح والذي تبقى من بقايا أجسامهم طرح في النهر. فيما أنهم جاهدوا على الأرض وصبروا على الهواءِ وسلّموا الى النار وطُرحوا في الماءِ. صحَّ فيهم قول القائل “جزنا في النار والماءِ. وأخرجتنا الى الراحة” والأربعون هم مجتمعون كافةً وهم كلهم عند كل واحد منهم فهم كلهم الإحسان الذي لا يعتريهِ بخلٌ والنعمة التي لا تنقص والمعونة المعدَّة للمسيحيين التي لا تتأخر. جماعة من الشهداءِ. وجيش يحمل الظفر. وصفٌّ من المسيحيين.

كم كنت تتعب لتصل الى واحدٍ يشفع فيك عند الرب وهؤلاءِ هم أربعون رجلاً. والصلاة التي يوردونها عنك نطقهم بها واحد. وقد قال ربُّنا “أين ما كان اثنان أو ثلاثة باسمي فأنا أكون هناك بينهم” وحيث ما كان أربعون فمن يشك بحضور الله بينهم. فالمغموم الى أربعين يلتجئُ والمجبور إياهم يقصد. أحدهما ليجد ما يحلُّ عنهُ العقوبات. والآخر لينال ما يحفظ عليهِ الصالحات.

إلا أنهُ يوجد ههنا (أي في محفل الشهداءِ) امرأة مؤمنة بسبب ولدها داعية. عودة رجل لها غائبٍ متوسلة. وبعليل لها طالبة خلاصاُ وعافية. فلتكن مع الشهداءِ طلباتك. وذلك إن أمَّ واحدِ من أولئك المغبوطين رأت جماعتهم قد توفّوا وقضوا آجالهم من البرد ورأت في ولدها بعدُ روحاُ وهو يتنفس وقد تركهُ الأشرار بعد قوَّتهِ وصبرهِ على الجهاد بحسب قدرتهِ وفي ظنهم أنهُ ينثني عزمهُ. فهذه الإمرأة أخذت ابنها بيدها وتركتهُ على العجلة التي كان الباقون مرصوفين عليها مرسلين الى النار. فهذه على الحقيقة والدة وشهيدة إذ لم تسكب دمعة ركيكة ولا لفظت ذليلة غير جديرة بذلك الوقت. بل قالت امض يا بني بسلام. تمسَّك بالطريق الصالحة مع أقرانك مع مساكينك مع أندادك لا تتخلف عن مرافقتهم ولا تظهر لدى السيد بعدهم وتكون ثابتاً في الوقوف أمامهُ.

ولعمري أن الأصل صالح وفرعهُ صالح أيضاً ولقد بيَّنت هذه الأمُّ الشجاعة أنها كانت تغذي ولدها بالإيمان الصحيح أكثر من تغذيتها لهُ بللبن فالذي كانت قد ربتهُ هذه التربية مضى على هذه الصفة مرسلاً من جهة أمٍّ صالحة. وأما الشيطان فانصرف خازياً إذ كان قد حرَّك عليهم الخليقة كلها فخارت قوتهُ دونهم ونقصت عن فضيلة شجاعتهم. وقد كانت تلك الليلة ليلة عبوسة بصعوبة الرياح والبلد باردة والشتاءُ شديداً والفصل صعباُ وأجسام الشهداءِ عارية وقد لاقت كل صعب شديد.

فيا مصفّاً مقدساً ويا سلكاً طاهراً ويا سلسلة متصلة ويا حفَظَة لجنس البشر. أنتم المشتركون في المهمات الصالحة. أنتم المساعدون على الطلبات للحاضرين. أنتم الشفعاءُ الأقوياءُ أنتم كواكب العالم. أنتم زُهْر الكنائس. فالأرض لم تحجبكم بل السماءُ اقتبلتكم. وقد فُتحت لكم أبواب الفردوس وصرتم مشهداً للملائكة مستحقاً لرؤَساءُ الآباءِ والأنبياءِ والصديقين. وإذ كنتم رجالاً في عنفوان الشباب استهنتم بالدنيا وأحببتم الرب أكثر من الوالدين وكانت سنكم في الزمان السنَّ الذي يليق بها الحياة فاحتقرتم هذه الحاضرة لتمجّدوا الله في أعضائكم وصرتم شهيرين في العالم وعند الملائكة وعموم البشر فيقال فيكم بواجب: أنهم قد أنهضوا المنحطمين وثبتوا المرتابين وضاعفوا شوق المؤمنين وأقاموا ظفراً واحداً عن حسن العبادة فزُينوا بتاجٍ واحدٍ من البرّ بيسوع المسيح ربنا لهُ المجد إلى الأبد آمين والسبح لله دائماً سرمداً. رحم الله من كتب ومن قرأ ومن سمع ومن قال

آمين

الطّلاق

الطّلاق

للقدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم

عن مجلة النّور لعام 1950

“المرأة مرتبطة بالنّاموس ما دام رجلها حيّاً، ولكن إن رقد رجلها فهي حرّة لكي تتزوّج بمن تريد في الرّبّ فقط. ولكنّها أكثر غبطة إن لبثت هكذا”. (1كو39:7-40)

هلمّ نتبع بولس الرّسول متحدّثين عن قانون الزّواج هذا فإنّنا بسيرنا في إثره نتبع المسيح، لأنّ الرّسول لم يعبّر في كتاباته عن آراء شخصيّة له بل كان مطابقاً دوماً لما شاءه المسيح.

ما هو هذا القانون الذي يقيمه بولس الرّسول؟ يقول: “المرأة مرتبطة بالنّاموس” فهي إذن لا تستطيع أن تترك زوجها طالما زوجها على قيد الحياة، كما أنّه لا يجوز لها أن تأخذ لنفسها زوجاً آخر ولا أن تتزوّج ثانياً بينما زوجها الأوّل لا يزال حيّاً. أرغب إليكم أن تنتبهوا جيّداً إلى دقّة التّعابير التي يستعملها بولس الرّسول، لم يقل “تقيم المرأة مع رجلها طالما رجلها حيّ” بل قال “المرأة مرتبطة بالنّاموس ما دام رجلها حيّاً”. ليكن لديها كتاب طلاق، لتكن منفصلة عن زوجها جسداً وأموالاً، ولكنّها رغم ذلك لا تزال مرتبطة برجلها بالنّاموس، وإن أقامت مع رجل آخر فهي في حالة زنى. فإن كان رجل يريد أن يطلّق زوجته أو امرأة تودّ أن تطلّق زوجها، فليذكر كلّ منهما كلمات النّاموس، وليعلم الاثنان أنّ بولس الرّسول واقف لهما يردّد هذه الكلمات: “المرأة مرتبطة بالنّاموس”.

متى تستطيع المرأة أن تعقد زواجاً جديداً؟.. إنّها لا يحقّ لها ذلك إلا حين يكون رباطها السّابق قد انفكّ عقده، حين يكون رجلها قد فارق الحياة. ولنلاحظ هنا عبارة بولس الرّسول، فإنّه لا يقول “حين يكون زوجها قد مات” بل “حين يكون زوجها قد رقد” كأنّما يريد أن يعزّي المرأة وأن يحثّها على البقاء على ما هي، ولاء لزوجها، دون أن تفتّش عن زواج ثان. وعلى كلّ حال فهي “حرّة لكي تتزوّج بمن تريد”.

لم يقل “لتتزوّج من تريد” فإنّ الزّواج ثانية ليس ضرورة ولا أمر به النّاموس، بل كلّ ما يذكره النّاموس هو حريّة المرأة في حالة وفاة زوجها في أن تتزوّج ثانية أو أن لا تتزوّج مطلقاً. إلا أنّه لا تزال المرأة قبل هذه الوفاة مرتبطة بالنّاموس، بمعنى أنّها لا تصبح حرّة إلا بموت زوجها. وقبل ذلك، مهما كان لديها من وثائق الطّلاق فإنّها إن تزوّجت ثانية يكون عملها في حكم الزّنى. يستطيع الخدم أن يستبدلوا ساداتهم أثناء حياتهم، أمّا النّساء فلا تستطعن ترك رجالهنّ إلى غيرهم إلا بعد وفاتهم.

ولا تعترضوا عليّ متمسّكين بالقوانين المدنيّة التي تمنحكم أحكام الطّلاق، فالله لن يحاكمكم في اليوم العظيم بموجب القوانين المدنيّة بل وفق النّاموس الذي أقامه هو.

* * * * *

والنبيّ موسى؟.. قد تقولون لي إنّ موسى أجاز الطّلاق، أمّا أنا فأجيبكم مع المسيح: “إن لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السّموات” (متى 20:5) وأقول لكم معه أيضاً: “إنّ من طلّق امرأته إلا لعلّة الزّنى يجعلها تزني ومن يتزوّج مطلَّقة فإنّه يزني”.

إن كان ابن الله الوحيد قد نزل إلى الأرض آخذاً صورة عبد، وإن كان قد أراق دمه الكريم غالباً الموت وماحياً الخطيئة، وإن كان قد أفاض على البشريّة نعماً أغزر منها تحت النّاموس القديم، فإنّه لم يفعل ذلك إلا ليصعد بنا إلى كمال أعظم. ومن جهة أخرى، لم يكن موسى ليدخل الطّلاق على الشّريعة خلافاً لأحكام النّاموس، إلا تساهلاً دعته إليه ضعفات الشّعب اليهوديّ. وما من أحد يجهل سرعة إقدام اليهود في ذلك العصر على القتل، والسّهولة التي كانوا يريقون بها دماء أقربائهم أيضاً. فأفضل من أن يعمدوا إلى قتل نسائهم في بيوتهم حين يضيقون بهم ذرعاً، أتاح لهم موسى الطّلاق مقيماً إيّاه بدل القتل. وحين سأل اليهود المسيح: “لماذا أوصى موسى أن يعطي كتاب طلاق”، أراد أن يؤكّد لهم أن ليس في هذا ما يخلّ بالنّاموس فأجابهم: “إنّ موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلّقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا” (متى 7:19-8)، وقال لهم قبل ذلك: “إنّ الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى”. فلو كان الله يجيز الطّلاق والزّواج ثانية لكان خلق لآدم امرأتين، إحداهما زوجة والأخرى لتحلّ مكانها في حالة طلاقها. إلا أنّ مبدأ الخليقة صريح واضح، وهو بذاته النّاموس الذي أقامه المسيح وكمّله، والذي أسمعكم إيّاه اليوم.

* * * * *

ألا فنتّبع ناموس المسيح ولنمتنع عن ترك نسائنا وعن الزّواج بالمطلَّقات… كيف يقدم المرء على زواج ممنوع في الوقت الذي يرى فيه أمامه إمكانيّات زواج لا غبار عليه، يستطيع أن يعيش به حياة هادئة بنقاوة ضمير وراحة؟… بأيّ قول يجيب على حكم الله الأخير حين يضع العليّ أمامه أوامره الإلهيّة؟… لن يجد في تلك السّاعة قوانين مدنيّة يستند إليها، فيسير إلى النّار المؤبّدة مكبّل اليدين ليلتحق بمصاف الزّناة والذين لم يراعوا عند الآخرين حقوق الزّواج.

إن كان بولس الرّسول لا يكاد يمنح إذناً للمرأة بالزّواج بعد وفاة زوجها إلا بصعوبة جمّة وأسف شديد، فعلى أيّ شيء يستند من يُقدم على الزّواج بامرأة لا يزال رجلها حيّاً يرزق؟..

مكافأتي

مكافأتي

القديس يوحنّا الذهبي الفم

تعريب الأخت ماريّا قبارة

من المفترض أنّ القدّيسين أنهم لا يخدمون اللّه من أجل مكافأة أرضية، فالعديد من الذين عاشوا حياة فسق، يُلامون ويُدعون للقيام بأعمال الفضيلة، ويُنصحون بوصايا القدّيسين من أجل سعادتهم. فعندما كان أيوب محاطاً بثروة كبيرة ويتمتع بثراء وفير، كان بالوقت نفسه رجلاً كاملاً مستقيماً يتقي الرب[1]. وقد وبَّخ اللّه الشيطان لأنه طعن بفضيلة هذا الرجل المستقيم الذي كان متمسكاً بإدعائه ومحاوراً اللّه[2]، ولكن ماذا فعل اللّه ليبرهن بأنّ القدّيسين لا يخدمونه من أجل المكافأة، وإنما هم تواقين لرؤيته؟ سلبَ أيوب ما كان يتمتع به من ثروة، وجعله يعاني من فقرٍ شديد، وسمحَ بوقوعه بكوارثَ متتالية[3]، ولكنّ أيوب بقي متمسكاً باستقامته. يكفي القدّيسين أن يخدموا اللّه، فللمحبّ مكافأة كافية وهي أن يُحبَّ مصدرَ حبِّه، وهو لا يُنشد شيئاً آخر ولا يعتبر أيّ أمر أعظم منها. فكما أنّ المقاتلين الأشداءّ المتدربين جيداً يكونون مستغرقين في لباس منقوع بالزيت وهم غير مرئيين للجماهير، ولكن عندما يطرحونها جانباً في ميدان القتال ويُصبحون عُراةً يسْلبُونَ دهشةَ المتفرجين لتناسِق أوصالهم، فلا يكون شيءٌ مخفي عن الجماهير. وهكذا كانت الحال مع أيوب الذي قال: “عرياناً خرجت من بطن أمي وعرياناً أعود إلى هناك، الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاًُ”[4]، العديد من الناس لم يعرفوا أيّ نوع من الرجال كان أيوب وقت كان محاطاً بثروة، ولكن عندما تعرَّى منها أخذ دهشة كلّ من حوله، كالمصارع الذي رمى رداءه جانباً وأصبح عارياً في جهاده. فحشدُ الملائكةِ هتفَ لدى مشاهدة ثباته وجَلَدهِ، وصفقَ له عندما ربح إكليلَ المجدِ، وأُعجبَ لشجاعة روحه، ليس من أجل ثروته فقط التي سُلبت، ولكن لجهاده وصبره في احترام استقامته. أعطى اللّه الشيطان فرصة ليمسك قدّيسه من وسطه، ولكن بعد أن تغلّب قدّيسنا على الشيطان بعد ضرباتٍ متتالية ألقى عدوه أرضاً وحصلَ على إكليلِ المجدِ مظفراً.

إنّه ذهبٌ ممحص! امتحنْه كما تريد فلنْ تجد فيه أي شائبة، إن هذا لا يُظهر فقط استقامة الآخرين بل يجلبَ لهم تعزيةً كبيرة، كما قال السيد المسيح “طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين، افرحوا وابتهجوا فإن أجركم عظيم في السموات”[5]، ويقول بولس الرسول: أننا نعاني من شرور عديدة في هذه الحياة[6]، فحياتنا ليست مرتبطة بحدود هذه الدنيا وهذا ما يبدو واضحاً من خلال تجاربنا، لأنّ اللّه لا يمكن أن يعذب الذين تحمّلوا الشرور وقضوا حياتهم في التجارب والمخاطر التي لا تحدّ، بدون أن يعوضهم بعطايا عظيمة.

عندما ترى رجلاً تقيّاً معذباً حزيناً، وفي حالة مرضٍ وفقر ومصائبَ لا تحصى إلى نهاية حياته، قلْ لنفسك: إن لم يكن هناك قيامة ودينونة، فإن اللّه لن يسمح لشخص كهذا تحمّل الكثير من الشرور من أجل اسمه، أن يرحل بدون أن يحظى بشيء جيد. ومن هنا فإنّه من الواضح أنّه من أجل رجلٍ كهذا أُعدّت حياة ثانية أزلية أكثرَ حلاوة واحتمالاً. فالقدّيسون ليس هم الذين يتمتعون بالهدوء والسكينة، ولكن أيضاً الذين يتحمّلون المشاق والمحن من أجل اسم الرب[7]، ومن الممكن القول أنّ هذه المحن تجعل الذين يتعرضون لها أكثر استحساناً[i]، فالصبر والثبات في التجارب يجعلنا نمتلك رجاءً بالمستقبل.

إنّ هذه المحن ترسم لنا خطوطَ الأملِ للرجاء بالقيامة، وتجعل المجرّبون بحالٍ أفضل لأنّه “كما يُمحص الذهب بالنار كذلك الرجل المرضي لله يُمتحن بالهوان والذل”، ويقول الرسول بولس “أرى أنّ آلام الزمن الحاضر لا تعادل المجد الذي سيتجلّى فينا “[8]

فيا أيّها المحبوب إن رأيت رجلاً يسلك في سُبل الفضيلة متمسكاً بالحكمة الإلهية ومتضرعاً إلى اللّه، يعاني ويتألم من مِحن لا تحصى فإياك أن تتعثر!

-[1]  انظر 1 أيو 9:8.

-[2]  انظر أيو 1: 9- 11.

[3]- انظر أيو 1: 13.

[4]- أيو 21:1.

[5]- مت 11:5-12.

[6] – ا كور19:15.

[7] – انظر 1 كور 11:4-12.

[8]- رو 18:8.

غياب اللّه يسبب الخوف من الموت

غياب اللّه يسبب الخوف من الموت

القديس يوحنا الذهبي الفم

نقلتها إلى العربية الأخت ماريا قبّارة

علينا أن لا نخاف من الموت العنيف ولا من الموت الجائر، بل علينا أن نخاف من الموت في الخطيئة، فالعديد من الذين أرضوا اللّه تعرضوا لنهاية جائرة ظالمة، وأولهم هابيلَ الذي لم يخطئ تجاه أخيه ولم يؤذِه بشيء. لقد كان يُبجِّل اللّه، ولكنه مع ذلك، قد ذُبح واللّه هو الذي سمح بذلك.

هل تعتقد أن ذلك حدثَ لأن اللّه يحبّه، أو لأن اللّه يكرهه؟ إنّه من الواضح جليّا أن اللّه قد أحبَّ هابيل وأراد أن يجعلَ إكليله أكثر إشراقا بتلك الجريمة غير العادلة بشرياً، بينما عاشَ أخوه قايين خائفاً ومرعوباً، فمن كان من الاثنين مبَارَكاً؟ هل الذي انتقلَ ليرتاح في مجدِ السماء، أم الذي عاش في بُؤر الخطيئة؟ هل الذي مات موتاً ظالماً، أم الذي عُوقب من اللّه؟ إنّ محبة الملكوت ومجده لم تنفذ إلينا بعد، ولا الرغبة بالأمور الأزلية قد تأجّجت فينا، لذلك علينا أن نحتقر الأمور الدنيوية كما فعل القدّيس بولس الرسول.

أضف إلى ذلك، من جهة أخرى، أننا لا نرهب الجحيم. فالموت مرعبٌ بالنسبة إلينا، فيما نحن لا نعي معنى العقاب الذي لا يمكن تحمله، ولهذا نخاف من الموت بدلاً من أن نخاف من الخطيئة.

وهناك سبب آخر للخوف من الموت. نحن لا نعيش حياة صارمة، ولا حتى لدينا ضمير حيّ. فإنْ كانت هذه حالنا فلا شيء يمكن أن يُنبهّنا في حياتنا، لا الموت ولا المجاعة ولا فقدان الثروة والأولاد ولا حتى أيّ شيء آخر مماثل.

بينما الشخص الذي يسلك في حياة الفضيلة فلا يتأذى بأيّ شيء من هذا القبيل، ولا يُحرَم من السعادة الداخلية، بل هو يكون مدعوماً بآمال واعدة فلا يُرمى في حالة الاكتئاب، حتى ولو جُرّد من ثروته، فهو يُخزّن ثروة له في السموات.

إن أُبعد عن وطنه فسيرحل إلى المملكة السماوية، وإن أُميت جسده فسيقوم مع ذلك مجدداً، والذي يدخل في حربٍ مع مثل هذا الإنسان سيكون كمَن يُصارع خيالاً، وسيضيّع وقته كمَن يُحارب الهواء فلا يضرّه ولا يُؤثر به. فلا داعي للنوح خوفاً من الموت، بل ابكِ على خطاياك لتتحرّر منها.

للحزن وجوده، لكن لا ينبغي أن نحزن لفقدان ثروة ولا أن نحزن لأجل الموت، بل أن نُسَّخر هذا الحزن للتخلّص من الخطايا التي ارتكبناها، فالأدويةُ الشافية صُنعت للأمراض التي يُمكن التخلص منها. الدواء الخاص بعلاج مرض العيون لا يُستعمل لعلاج المعدة أو أي عضوٍ آخر في الجسم. والحزن لا ينفع للأمور الحاصلة معنا في كلّ يوم، بل هو فقط لنصحّح أخطاءنا.

دعنا لا نخاف من الموت بل من الخطيئة، وأيضاً أن نحزن بسببها. وننتبه إلى تكميل ناموس المسيح بكلّ عمل فهو الذي قال “من لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستحقني” (متى 38:10)، وهو لا يعني بهذا القول أنْ تحملَ الخشبَ على ظهركَ فقط، ولكن أن تضعْ الموتَ دوماً نُصب عينيك. فقد كان القدّيس بولس الرسول يحتقر الموت، مائتاً كلّ يوم ومزدرياً بالأمور الحاضرة.

إن كنت جندياً تقف في صفوف الجيش فمن صفاتك أنّك لا تخاف الموت، وإن كنت تخاف الموت فلن تستطيع أن تعمل عملاً نبيلاً، كذلك الحال مع الجندي المسيحي فإن خاف من التجارب والأخطار فلن يستطيع أن يُنجز عملاً عظيماً. إنّ الفتية الثلاثة الذين كانوا في أتون النار لم يخافوا من النار لأنّهم نجوا منها، ولكنّهم خافوا من الخطيئة.

فإذا غيّرنا أنفسنا واعتنينا بأرواحنا وتخلّصنا من الشرور فلا شيء سيؤلمنا، أنا أعرف ذلك من محبة اللّه للإنسان، كمثل ما صنع لأجل الأمم والمدن والشعوب، أو كما فعل مع مدينة نينوى عندما هدّدها قائلاً “بقي هناك ثلاث أيامٍ وستدمر نينوى”، فهل دُمرت نينوى؟

لا بل على العكس نهضت وأصبحت أكثر ازدهاراً ومن تلك الأيام التي انقضت لم تفقد مجدَها، ونحن نُعجب بها إلى اليوم، فبكلّ ما فعَلَت حصلت على عطف اللّه وشجّعت الناس لأن لا ييأسوا، ووضعَتْ نُصب أعينهم رجاءً كبيراً للحصول على حياة أفضل وذلك بفضل محبة اللّه، وصارت هذه المدينة سماءً بالتوبة.

مسالك التوبة الخمس

مسالك التوبة الخمس

عظة للقدِّيس يوحنا الذهبيّ الفم رئيس أساقفة القسطنطينية

إعداد الأب سمعان أبو حيدر

هل تريد أن أُعدِّد لك مسالك التوبة؟ إنها كثيرة ومنوَّعة، و تقود كلّها إلى الجنَّة.

1.  المسار الأول يبدأ بإدانة خطاياك الخاصَّة: “كنْ البادئ بالإقرار بخطاياك وسوف تُبرَّر منها.” من أجل هذا السبب كتب النبيّ: “أنا قلت، سوف أعرض خطاياي أمام الرب، وأنت غفرت شرور قلبي” لذلك عليك، أنت أيضًا، أن تدين خطاياك، هذا سيكون كافيًا أمام الله حتى يغفر لك، لأن الإنسان الذي يدين خطاياه الخاصة سيكون أبطأ بالعودة إلى الخطأ ثانية. حِثْ ضميرك على اتهام نفسك داخل منـزلك، حتى لا يتهمك أمام عرش دينونة الربّ.

2.  هذا إذًا مسار جيِّد للتوبة. ومسار آخر، لا يقلّ قيمة عن الأول، وهو تناسي الأذى الذي يلحقه بنا أعداؤنا، من أجل أن نسود على غضبنا ونغفر لأترابنا (العبيد) خطاياهم التي اقترفوها بحقِّنا. هكذا سوف ينفتح أمامك مسار جديد للتغلُّب على الخطيئة: “فإنه إن غفرتم للناس زلاَّتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي.”

3.    هل تريد أن تتعلّم مسارًا ثالثًا؟ إنها الصلاة الحارَّة والمتيقِّظة والنابعة من القلب.

4.    أما إذا أردت أن تسمع عن مسار رابع، أنصحك بالصدقة التي تفيض قوتها وتطال بعيدًا.

5.  بالإضافة إلى ذلك، إذا عاش الإنسان حياة بسيطة ومتواضعة وحفظ المسارات التي سردتها عليك، سوف تُنـزع عنه خطيئته. برهانًا على ذلك العشَّار الذي لم يكن لديه أية أعمال حسنة ليخبر عنها، ولكن تواضعه الصادق أراحه من حمل خطاياه الثقيل.

وهكذا أكون قد أرشدتك على خمس مسالك إلى التوبة: إدانة خطاياك، ومغفرة ذنوب قريبك، والصلاة، والصدقة، والتواضع.

لا تكنْ عديم الحركة وخاملاً، بل سِرْ كل يوم في هذه المسالك. إنها سهلة ولا يمكنك التحجُّج بعدم قدرتك على تحقيقها. لأنك، حتى ولو كنت تعيش في عوز كبير، يمكنك دائمًا وضع غضبك جانبًا، وأن تتضع، وأن تتحلى بالمثابرة، وأن تدين خطاياك. فقرك لا يقدِّم إليك عذرًا للتملُّص من ذلك. فالفقر ليس عائقًا أمام تحقيق وصايا الربّ ويمكنك أن تتصدَّق إلى الفقراء وأن تحسن إليهم دائمًا. لقد برهنت الأرملة على هذا بعد أن وضعت فلسيها في الصندوق [مرقس 12: 42].

الآن وقد تعلَّمنا كيف نشفي جراحنا، دعنا نستعمل هذه الأدوية. حتى إذا تعافينا وأصبحنا بصحة أصيلة، يمكننا أن نقترب من المائدة المقدَّسة بثقة ونلتقي بعظمة المسيح، ملك المجد، ونحصل على البركات الأبديَّة من خلال النعمة والرحمة ومحبَّة يسوع المسيح ربِّنا ومخلِّصنا.

+ بشفاعات رئيس كهنتك يوحنا، أيها المسيح إلهنا، ارحمنا وخلصنا. آمين.

صلاة القديسين من أجلنا

أحد جميع القديسين

صلاة القديسين من أجلنا

القديس يوحنا الذهبي الفم

عن كتاب “منهج الواعظ” للمطران أبيفانيوس زائد

يحسن بنا الإعتماد على صلاة قديسي الله ولو كنا نشيطين بتتميم الواجب، وربما تقول: ما الحاجة الى صلاة الآخرين، إذا كنت أتمم واجباتي بنشاط؟ فأنا لست بحاجة إليها! لم يقل القديس بولس الرسول: لا حاجة الى صلاة الآخرين. مع أن الذين صلّوا لأجله لا يُضاهونه بشيء. فكيف تقول انت ما حاجتي الى صلاة الآخرين عني؟ والقديس بطرس الرسول لم يقل ما الحاجة الى هذه الصلاة، بل قيل: “وكانت الكنيسة تصلي الى الله من أجله بلا انقطاع” (أعمال ٢:٥) وأنت تقول ما الحاجة الى صلاة الآخرين؟

إنها تلزم، وخاصة لأنك لا تعترف بالحاجة إليها. إنك في حاجة الى صلاة الآخرين، ولو كنت معادلاً للرسل المتقدمين على غيرهم.

إنني أكرر القول أن صلاة الغير من أجلنا نافعة لنا إذا كنا نتعب بتأدية واجباتنا. أما شهد رسول المسيح بقوله :”لأني أعلم أن هذا يؤول الى خلاصي بصلاتكم وبإعانة روح يسوع المسيح” (فيلبي ۱:۱٩) “والذي ينقذنا الآن بمعونة دعائكم لنا حتى أن كثيرين يودون الشكر على الموهبة” (٢كور ۱:۱٠و۱۱) ولكن لا أحد يستطيع أن يساعدنا بصلواته إذا كنا متهاملين. فما الفائدة التي حصل عليها النبي إرميا لليهود؟ ألم يصرخ الى الله ثلاثاً ويسمع ثلاثاً: “وأنت فلا تصلي عن هذا الشعب ولا ترفع صراخاً ولا صلاة لأجلهم ولا تشفع إليّ فإني لا أسمع لك” (إرميا ٧:۱٦) وما المنفعة التي قدّمها النبي صموئيل للإسرائليين؟ ألم يهلكوا جميعاً غير ناظرين إلى نبي الله الذي شهد عن نفسه: “وأما أنا فحاشا لي أن أخطئ الى الرب وأترك الصلاة من أجلكم” (ملوك الأول ۱٢:٢٣) لذلك يجب أن نعلم أن صلاة الآخرين من أجلنا تعود علينا بالنفع العظيم إذا قمنا بواجبات الصلاة نحن أيضاً. إن الصلاة تعمل وتساعد من يتمم واجباته، أما إذا كان متكاسلاً فلا تعود عليه بفائدة. ألم يصلِّ القديس بولس الرسول من أجل العالم بأسره؟ ألم نصلِّ نحن من أجل خلاص الجميع؟ فلماذا لا يصير الأشرار أبراراً؟ لأنهم لا يهتمون لنفوسهم! فالصلاة من أجلنا تفيدنا إذا أتممنا ما يجب علينا.

أتريد أن تعرف أيها المسيحي كيف تكون الصلاة نافعة لنا؟ اسمع ما يقول يعقوب للابان: “ولولا أن إله أبي ابراهيم ومهابة اسحق معي لكنت سرحتني فارغاً” (تك ٣۱:٤٢) واسمع أيضاً ما قال الرب الإله: “فأحمي هذه المدينة وأخلّصها من أجلي ومن أجل داود عبدي” (الملوك الرابع ۱٩:٣٤) لكن متى يكون هذا؟ كان بواسطة حزقيا الذي كان صديقاً. ولكن إذا كان للصلاة قوة أثناء الشدائد العظيمة فلماذا أسلم الرب المدينة الى نبوخذنصر عند هجوم البابليين؟ لان الفساد ازداد في تلك الأيام، وهكذا النبي صموئيل من أجل الإسرائليين، نجح لما أرضى الإسرائلييون العلي. وربما تقول ما الحاجة الى صلاة الآخرين من أجلك إذا كنت عائشاً في طاعة الله؟ فهذا لا يجوز لك أن تقوله مطلقاً بل اسمع ما قاله السيد الرب عن أصحاب أيوب: “إن عبدي أيوب يصلي من أجلكم فتترك لكم خطاياكم” (أيوب ٤٢:٨) لأنهم قد خطئوا ولكن خطيئتهم لم تكن عظيمة، وهذا الصديق نفسه الذي خلّص اصدقاءه لم يقدر أن ينقذ اليهود من الهلاك لأن “إثمهم كان عظيماً” (حزقيال ۱٤:۱٤).

وقد قال السيد الرب بواسطة أنبيائه: “ولو كان فيها هؤلاء الرجال الثلاثة نوح ودانيال وأيوب إنهم لا ينقذون لها بنين ولا بنات والأرض تصير مستوحشة” (حزقيال ۱٤:۱٥) “لو أن موسى وصموئيل وقفا أمامي لما توجهت نفسي الى هذا الشعب” (إرميا ۱٥:۱) وعندما صرخ النبي حزقيال: “آه أيها السيد أتهلك جميع بقية إسرائيل”. عرَّفَه الرب أن عدم مساعدته للاسرائليين لم تكن لأنه توسط لهم بل “لأن إثم اسرائيل ويهوذا عظيم جداً” (حزقيال ٩:٨ و٩).

فبتذكرنا أيها الاحباء كل هذا يجب ألا نحتقر صلاة القديسين أو نعتمد عليها وحدها، بل لنحافظْ على الشرط الثاني أي ألاّ نتكاسل، ونصرف حيلتنا في البطالة، حتى لا نُحرَم من الخيرات العظيمة. لنسألْ سكان السماء القديسين أن يساعدونا بصلواتهم لنقضي حياتنا في الصلاح حتى نحصل على الملكوت الأبدي.

صلاة القديسين من أجلنا

أحد جميع القديسين

صلاة القديسين من أجلنا

القديس يوحنا الذهبي الفم

عن كتاب “منهج الواعظ” للمطران أبيفانيوس زائد

يحسن بنا الإعتماد على صلاة قديسي الله ولو كنا نشيطين بتتميم الواجب، وربما تقول: ما الحاجة الى صلاة الآخرين، إذا كنت أتمم واجباتي بنشاط؟ فأنا لست بحاجة إليها! لم يقل القديس بولس الرسول: لا حاجة الى صلاة الآخرين. مع أن الذين صلّوا لأجله لا يُضاهونه بشيء. فكيف تقول انت ما حاجتي الى صلاة الآخرين عني؟ والقديس بطرس الرسول لم يقل ما الحاجة الى هذه الصلاة، بل قيل: “وكانت الكنيسة تصلي الى الله من أجله بلا انقطاع” (أعمال ٢:٥) وأنت تقول ما الحاجة الى صلاة الآخرين؟

إنها تلزم، وخاصة لأنك لا تعترف بالحاجة إليها. إنك في حاجة الى صلاة الآخرين، ولو كنت معادلاً للرسل المتقدمين على غيرهم.

إنني أكرر القول أن صلاة الغير من أجلنا نافعة لنا إذا كنا نتعب بتأدية واجباتنا. أما شهد رسول المسيح بقوله :”لأني أعلم أن هذا يؤول الى خلاصي بصلاتكم وبإعانة روح يسوع المسيح” (فيلبي ۱:۱٩) “والذي ينقذنا الآن بمعونة دعائكم لنا حتى أن كثيرين يودون الشكر على الموهبة” (٢كور ۱:۱٠و۱۱) ولكن لا أحد يستطيع أن يساعدنا بصلواته إذا كنا متهاملين. فما الفائدة التي حصل عليها النبي إرميا لليهود؟ ألم يصرخ الى الله ثلاثاً ويسمع ثلاثاً: “وأنت فلا تصلي عن هذا الشعب ولا ترفع صراخاً ولا صلاة لأجلهم ولا تشفع إليّ فإني لا أسمع لك” (إرميا ٧:۱٦) وما المنفعة التي قدّمها النبي صموئيل للإسرائليين؟ ألم يهلكوا جميعاً غير ناظرين إلى نبي الله الذي شهد عن نفسه: “وأما أنا فحاشا لي أن أخطئ الى الرب وأترك الصلاة من أجلكم” (ملوك الأول ۱٢:٢٣) لذلك يجب أن نعلم أن صلاة الآخرين من أجلنا تعود علينا بالنفع العظيم إذا قمنا بواجبات الصلاة نحن أيضاً. إن الصلاة تعمل وتساعد من يتمم واجباته، أما إذا كان متكاسلاً فلا تعود عليه بفائدة. ألم يصلِّ القديس بولس الرسول من أجل العالم بأسره؟ ألم نصلِّ نحن من أجل خلاص الجميع؟ فلماذا لا يصير الأشرار أبراراً؟ لأنهم لا يهتمون لنفوسهم! فالصلاة من أجلنا تفيدنا إذا أتممنا ما يجب علينا.

أتريد أن تعرف أيها المسيحي كيف تكون الصلاة نافعة لنا؟ اسمع ما يقول يعقوب للابان: “ولولا أن إله أبي ابراهيم ومهابة اسحق معي لكنت سرحتني فارغاً” (تك ٣۱:٤٢) واسمع أيضاً ما قال الرب الإله: “فأحمي هذه المدينة وأخلّصها من أجلي ومن أجل داود عبدي” (الملوك الرابع ۱٩:٣٤) لكن متى يكون هذا؟ كان بواسطة حزقيا الذي كان صديقاً. ولكن إذا كان للصلاة قوة أثناء الشدائد العظيمة فلماذا أسلم الرب المدينة الى نبوخذنصر عند هجوم البابليين؟ لان الفساد ازداد في تلك الأيام، وهكذا النبي صموئيل من أجل الإسرائليين، نجح لما أرضى الإسرائلييون العلي. وربما تقول ما الحاجة الى صلاة الآخرين من أجلك إذا كنت عائشاً في طاعة الله؟ فهذا لا يجوز لك أن تقوله مطلقاً بل اسمع ما قاله السيد الرب عن أصحاب أيوب: “إن عبدي أيوب يصلي من أجلكم فتترك لكم خطاياكم” (أيوب ٤٢:٨) لأنهم قد خطئوا ولكن خطيئتهم لم تكن عظيمة، وهذا الصديق نفسه الذي خلّص اصدقاءه لم يقدر أن ينقذ اليهود من الهلاك لأن “إثمهم كان عظيماً” (حزقيال ۱٤:۱٤).

وقد قال السيد الرب بواسطة أنبيائه: “ولو كان فيها هؤلاء الرجال الثلاثة نوح ودانيال وأيوب إنهم لا ينقذون لها بنين ولا بنات والأرض تصير مستوحشة” (حزقيال ۱٤:۱٥) “لو أن موسى وصموئيل وقفا أمامي لما توجهت نفسي الى هذا الشعب” (إرميا ۱٥:۱) وعندما صرخ النبي حزقيال: “آه أيها السيد أتهلك جميع بقية إسرائيل”. عرَّفَه الرب أن عدم مساعدته للاسرائليين لم تكن لأنه توسط لهم بل “لأن إثم اسرائيل ويهوذا عظيم جداً” (حزقيال ٩:٨ و٩).

فبتذكرنا أيها الاحباء كل هذا يجب ألا نحتقر صلاة القديسين أو نعتمد عليها وحدها، بل لنحافظْ على الشرط الثاني أي ألاّ نتكاسل، ونصرف حيلتنا في البطالة، حتى لا نُحرَم من الخيرات العظيمة. لنسألْ سكان السماء القديسين أن يساعدونا بصلواتهم لنقضي حياتنا في الصلاح حتى نحصل على الملكوت الأبدي.