هوّذا العريس مقبل

هوّذا العريس مقبل

اختارته وأعدته للطباعة راهبات دير مار يعقوب، دده، الكورة.

من مجلة النّور عام 1951

يا إخوة لا أريد أن تجهلوا … (1تسا13:4) هذه هي الكلمات الأولى التي يستعملها الرّوح القدس بواسطة بولس الرّسول في الرّسالة التي تقرأ عادة في خدمة الجنازة في الكنيسة الأرثوذكسيّة لكي يعرّف الكنيسة بحقيقة كادت تنسى في هذه الأيّام. وهي أنّ المسيح وعد أصدقاءه قائلاً: “سآتي أيضاً وآخذكم إليّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً” (يو 3:14).

هل فكّرت مليّاً في معنى تلك الرّسالة التي تنتهي بقول الرّسول “عزّوا بعضكم بعضاً بهذا الكلام” فإذا كنت لم تتأمّل في هذه الكلمات ولم تدرسها فكيف يمكن أن تكون مصدر راحة وتعزية لك وبواسطتك للآخرين؟ هل شعرت بالأمل والغبطة يغمران قلبك عند قراءتك عن مجيء الرّبّ! هل تهتزّ طرباً لمجرّد التّفكير بلقياه أخيراً وجهاً لوجه، هل يشتاق إليه قلبك كما يشتاق الأيّل إلى مجاري المياه؟ إذا كان الأمر كذلك فسيوضع لك إكليل البرّ الذي ينتظر جميع الذين يحبّون ظهوره (2تيمو 8:4). أم إنّك غارق في شؤون هذا العالم حتى أنّ مجيئه الآن يخيفك ويرعبك ويجدك غير مستعدّ بتاتاً فتكون حينئذ كالعذارى الخمس الجاهلات (متى 25) اللواتي يسعين بعد فوات الأوان وراء الفرص الضّائعة؟ فتسمع مثلهنّ تلك الكلمات الرّهيبة “لقد أُغلق الباب”.

“ففي نصف الليل” عندما يكون النّاس غير مستعدّين “صار صراخ هوّذا العريس مقبل فاخرجن للقائه… وأغلق الباب” (متى 6:25-10) وضاعت الفرصة إلى الأبد. وصرخت الجاهلات بحرارة وتعلّق وجنون: “يا سيّد افتح لنا ولكنّه أجاب: الحقّ أقول لكنّ إنّي لا أعرفكنّ” نعم هذا هو نفسه الذي يقف الآن خارج بابك قائلاً بحنان ها أنا ذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل وأتعشّى معه وهو معي (رؤيا 20:3). فكيف يجدك مجيء العريس يسوع؟ أمثل العذارى العاقلات أم مثل الجاهلات؟ لقد كان مع جميع العذارى مصابيح. ولكنّ نصفهنّ لم يكن في مصابيحهنّ زيت والزّيت في الكتاب المقدّس يرمز عادة إلى الرّوح القدس. هكذا المسيحيّون أيضاً فإنهم يعتمدون ويتناولون القربان المقدّس ويذهبون إلى الكنيسة ويتلون الصّلوات، ولكن بالرّغم من كلّ هذا قد لا يعرف المسيح معرفة قلبيّة شخصيّة إلا بعضهم فقط، لأنّ كلّ الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله (رومية 14:8) فهل أنت تحيا بالرّوح أو تقوم بواجباتك الدّينيّة بقوّة الجسد “جرّبوا أنفسكم هل أنتم على الإيمان. امتحنوا أنفسكم”.

إذا جاء المسيح اليوم فبأيّ حال يجدك يا ترى، هل يجدك منشغلاً في طلب الغنى؟ “والذي سقط بين الشّوك هم الذين يسمعون ثم يذهبون فيختنقون من هموم الدّنيا وغناها ولذّاتها ولا ينضجون ثمراً” (لو 14:8) “لأنّ محبّة المال أصل لكلّ الشّرور الذي إذ ابتغاه قوم ضلّوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة” (1تيمو 10:6) – فهل نسيت ما يقوله لنا يسوع “بل اكنزوا لكم كنوزاً في السّماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون” (متى 20:6).

أو هل يجدك المسيح منغمساً في ملذّات هذا العالم وشهواته؟ ولكنّ رجال الإيمان يكونون مثل موسى “مفضّلين بالأحرى أن يذلّوا مع شعب الله على أن يكون لهم تمتّع وقتيّ بالخطيئة” (عبر 25:11). أفلا تعلم أنّ محبّة العالم هي عداوة لله (يعقوب 4:4).

أو هل يجدك مهتمّاً في شؤون هذا العالم الضّروريّة كالذين يقول عنهم يسوع شغلهم أن “يأكلوا ويشربوا ويتزوّجوا ويزوّجوا” . ألا تعلم أنّ الوقت منذ الآن مقصّر لكي يكون الذين لهم نساء كأنّ ليس لهم والذين يفرحون كأنّهم لا يفرحون والذين يستعملون هذا العالم كأنّهم لا يستعملونه (1كو 29:7-31). ألا فانظر إلى الحياة بمنظار الله يرجع كلّ شيء إلى مكانه الشّرعي “اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه وهذه كلّها تزاد لكم” (متى 33:6).

قد تظنّ أنّ المساومة ممكنة وأنّ بإمكانك التّوفيق بين الإثنين – الله والعالم، أن تكون بين بين – ولكنّ المسيح يقول من ليس معي فهو عليّ ومن لا يجمع معي فهو يفرّق (متى 30:12). إذا لم تكن في حقل حصاد هذا العالم الواسع تجمع بالفعل وبالحقيقة مع المسيح فإنّك فعلاً وحقيقة تفرّق، وإن لم تكن معه قلباً وقالباً فأنت ضدّه قلباً وقالباً. لا توجد طريق وسط، إن كنت لم تكن في هذه الجهة فأنت حتماً في الجهة الأخرى. لا يمكنك أن تتأرجح بين الجهتين. كفّ عن خداع نفسك. إذا كانت كلمة الله المقدّسة لا تسرّك أكثر من أيّة كلمة أخرى وإذا لم تكن صحبة الأبرار تلذّ لك أكثر من صحبة أيّة جماعة فكيف يمكنك أن تفرح في السّماء حيث لا يوجد شيء سوى القداسة؟ لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسّوا نجساً فأقبلكم وأكون لكم أباً وأنتم تكونون لي بنين وبنات يقول الرّبّ القادر على كلّ شيء (2كو 17:6-18).

والآن أنت يا أخي الذي تركت الطّريق السّهلة الواسعة وتبعت الطّريق الضّيقة الوعرة التي تقود إلى الحياة هل يجدك المسيح عند مجيئه حاضراً لكي يأخذك معه؟ “حينئذ يكون اثنان في الحقل. يؤخذ الواحد ويترك الآخر. اثنتان تطحنان على الرّحى تؤخذ الواحدة وتترك الأخرى (متى 40:24-41). هل أنت في المكان الذي يريد المسيح أن تكون فيه متاجراً بالوزنات حتى مجيئه عندئذ سوف يقول لك: “نعمّا أيّها العبد الصّالح ادخل إلى فرح سيّدك”..

أو لربّما يكون الشّيطان قد خدعك فكرّست وقتك ونشاطك للأشياء الثّانويّة ناسياً أنّ المسيح سوف يأتي قريباً ويطلب منك بياناً عن أفعالك. هل يعطي حقلك ثلاثين أو ستّين أو مائة ضعف.

سأل واعظ شهير بعض المجتمعين حوله: هل تظنّون أنّ المسيح سوف يأتي هذه الليلة؟ فأجاب جميعهم بأنّهم لا يظنّون ذلك. عندئذ قال لهم بخشوع مقتبساً (لوقا 40:12): فكونوا أنتم إذاً مستعدّين لأنّه في ساعة لا تظنّون يأتي ابن الإنسان.

وسئل بعض الرّهبان ماذا يفعلون لو عرفوا أنّه لم يبق لهم في الحياة سوى يوم واحد. فأجاب واحد بأنّه يقضي ذلك النّهار الأخير كلّه بالصّلاة. وأجاب كلّ واحد منهم جواباً شبيهاً بهذا إلا واحد كان خادماً حقيقيّاً للرّبّ أجاب إنّه يعيش ذلك اليوم كما كان يعيش الأيّام السّابقة… ومن الجليّ أنّ هذا الأخير كان يحيا من يوم إلى يوم لمجد الله حسب الآية “وكلّ ما عملتم بقول أو فعل فاعملوا الكلّ باسم الرّبّ يسوع شاكرين الله الآب به” (كولوسي 17:3).

توطيد العادات الحسنة

توطيد العادات الحسنة

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

“العادة هي أمر عسير، ومن الصعب كسرها أو تلافيها… لهذا، بقدر ما يزداد فهمك لقوة العادة، عليك أن تزيد من سعيك إلى التخلّص من العادة السيئة وتغيّر نفسك لتتبنى عادة أخرى حسنة”. (القدس يوحنا الذهبي الفم).

يشدد العزم أن نعرف أن علماء القرن الحادي والعشرين يكتشفون بالطرق العلمية ما طالما الكنيسة عرفته وممارسته. من هذه الاكتشافات الحديثة هو أن تحويل ممارسة ما إلى عادة يستغرق حوالي الستة أسابيع أو أربعين يوماً. ففترة الأربعين يوماً كانت منذ العهد القديم المدة المطلوبة لتهيئة أمر مهم ما أو للتخلّص من شائبة ما. اليوم، الكنيسة تدعونا مرتين سنوياً إلى مدة مماثلة: قبل ميلاد السيد وقبل آلامه وقيامته.

فلنبقِ في فكرنا أن الحديث عن العادات قد يعني أموراً إيجابية أو أموراً سلبية. في حالة الحياة المسيحية، نتكلّم عن استبدال العادات السيئة بالعادات الحسنة. تُسمّى هذه العملية توبة، لأنّ العادات السيئة الخاطئة تقود إلى الموت بعيداً عن الله، بينما العادات الحسنة أو الفضائل تقود إلى الله وإلى الحياة الأبدية. غالباً ما نركّز على استبدال طرقنا عند بداية السنة أو بداية إحدى فترات الصوم، لكن كل الأوقات مناسبة لتشكيل عادة حسنة. في الحقيقة، أفضل الأوقات للخروج من عادة سيئة ما وتأسيس عادة حسنة هو في اللحظة الحاضرة: “هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ.” (2كورنثوس 2:6).

الحماسة هي عنصر أساسي للنجاح في تأسيس العادة الجديدة الفاضلة. علينا أن نفهم أنّ ليس كل ما في حياتنا صحيح؛ بل أن شيئاً ما بحاجة للتغيير. عندما ندرك هذا نزداد حساسية نحو هذا الشيء، إلى أن نبلغ درجة من الحماسة كافية لأن نقوم بشيء إيجابي من ناحيته. إنها اللحظة التي نكون فيها في أعلى درجات النضج للتغيير. مثلاً، الابن الشاطر كان يبذّر حياته في أرض غريبة بمال أبيه، ظانّاً أنّ كلّ شيء كان عظيماً. عندما صارت الحياة بشعة ومزعجة بدأ هذا الابن الضائع يدرك أنّ شيئاً ما ليس على ما يرام. تطلّع حوله فرأى الوحول والقشور والخنازير فراح يتذكّر حياته السابقة مع عائلته. مقارنة عريه وجوعه ووحدته بالبركة والامتلاء في حياته السابقة أعادته إلى وعيه. وصل إلى لحظة أدرك فيها أّنه بحاجة للتغيير، لأن ينهض من الوحل ويعود إلى أبيه بقلب متواضع نادم تائب. هذه هي الخطوة الأولى نحو تنمية عادة جيدة.

الخطوة الثانية هي إدراك أنّ التغيير لا يتمّ من دون جهاد وكفاح. أحياناً هذا الجهاد هو تعديل برنامجنا أو طريقة عيشنا لتضمينه العادة التي نسعى لتأسيسها. علينا أن ندرك أيضاً أن هناك قوى تحارب جهادنا للخير والفضيلة. لقد أورد آباء الكنيسة بشكل مميز ثلاث قوى سلبية علينا مجابهتها. الأولى، علينا أن نجاهد ضد أهواءنا وميولنا الخاطئة، ضعفات جسدنا وقابليتنا للموت. الثانية، علينا أن ندرك أن الشرير وشياطينه الذين لا يتوقفون عن إثارة الحروب الروحية علينا وعلى أهدافنا النبيلة. وأخيراً، علينا أن نتذكّر أننا نحيا في عالم ساقط قِيَمه عكس قِيَم الله. أن ننسى أيّاً من أوجه هذه الحرب الروحية وألاّ نكون مستعدّين للجهاد ضدها بمعونة الله يعني أننا لسنا جدِّيين في تأسيس العادة الحسنة.

إن حفظنا لحماستنا طرية في فكرنا بشكل مستمر يساعدنا على تخطي القوى التي تحاربنا. مثلاً، إذا كانت العادة التي نحاول تشكيلها هي أن نكون أكثر اجتهاداً في حفظ صلواتنا اليومية، قد يكون مساعداً أن نتذكّر مدى منفعة هذه الصلوات في حفظنا على اتصال بالله. الشيخ باييسيوس الأثوسي يعبّر عن هذا الأمر بالقول بأنّه من الحيوي للمجاهد الروحي أن يبقى في اتصال مع “قاعدته”. إذا وضعنا هذا الهدف أمامنا بشكل دائم، سوف يساعدنا على الاستمرار في التزامنا بهدفنا.

مبدأ ثالث هو ألاّ ننسى أن لتأسيس عادة حسنة فاضلة، مطلوب الكثير من المجهود والقوة، خاصة في البداية. هذه البداية الحسنة ضرورية لتثبيت جهدنا. يعلّم القديس يوحنا السينائي كاتب سلّم الفضائل أنّه لأمر سيئ ومكروه أن نتلكأ في المعركة في مستهلّ الحرب وبالتالي أن نجهّز نموذجاً لذبحنا الآتي. إن البداية الثابتة تكون أكثر نفعاً لنا عندما نتوانى لاحقاً. النفس التي تبدأ قوية ومن ثمّ تتراخى، يحفزها تذكار حماستها السابقة وبهذا غالباً ما تعود فتكتسب أجنحة جديدة. مهمّ أن نتذكّر أننا إمّا أن نحارب زخم ما في الاتجاه الخاطئ أو أن نواجَه بغياب الزخم أو الجمود. في كلا الحالتين، تقدّم الفيزياء المبدأ الذي يعلّمنا بأنّه مطلوب الكثير من القوة والطاقة لتحريك قلوبنا وأفكارنا وأجسادنا في الاتجاه الصحيح.

ختاماً، الخطوة الأخيرة هي أن نضع نوايانا الحسنة قيد التنفيذ. هذا ينبغي أن يتمّ بدون أن نذكره لكن، للأسف، هذا ما نقصّر عنه. نحن بحاجة لأن نبدأ فعلياً عملية التوبة وجعل الفضيلة أو الممارسة الحسنة التي نحن في صددها عادةً. أغلب الناس أصحاب نوايا حسنة لكن ليس الجميع أصحاب حياة صلاة أو أجساد صحيحة أو مصاريف منظمة أو بيوت نظيفة. ضروري فهم الخطوات الثلاث الأولى وحفظها خلال الصراع، ولكن في النهاية كلّه يكون عدماً إن لم ننتقل من التأمّل إلى العمل. إلى هذا، من الحيوي أن نتذكر أن العمل الذي لا يستمر لا يفيدنا بشيء. كم واحد من أندية الصحة يغتني من الأشخاص الذين يبادرون فينضمون إليه لكنهم لا يستمرون في الاستفادة من عضويتهم لأكثر من أسبوعين.

ليس من بديل للنظام الذاتي عندما يتعلّق الأمر في تشكيل العادات الحسنة. التوقع الصحيح للمقاومة التي سوف تواجهنا يساعدنا على وضع الروتين الصحيح والالتزام به. إذا قطعنا السباق الذي أمامنا بصبر يمنحنا الله القوة والنعمة لكي نتابع. أيضاً يكتب القديس يوحنا السلمي “كل الذين يدخلون السباق الحسن الصعب والمغلَق، والسهل أيضاً، ينبغي أن يدركوا أن عليهم أن يقفزوا في النار، إذا كانوا يتوقعون أن تسكن النار السماوية في داخلهم”.

التوبة والاعتراف

التوبة والاعتراف

عن مجلة ينبوع الحياة باليونانية، العدد 95، 3 تموز 2005.

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

من بين المواهب التي لا تقدّر التي منحنا إياها ربنا ومخلصنا هي سر التوبة المخلص النفس، أو كما نسمّيه سر الاعتراف. من خلال هذا السر تُفَر خطايانا وتُرمى بعيداً. من دون الاعتراف، لا يمكن لأي إنسان أن يخلص، بغض النظر عن فضائله، إذ يستحيل إيجاد ولو إنسان واحد بلا خطيئة. إن الإدراك المتواضع لخطايانا والاعتراف بها يسرّان ربنا. لو أن آدم، بعد عصيانه وسقوطه، اعترف تائباً بخطيئته لكان بالتأكيد حصل على الغفران من ربنا الفائق الكَرَم. حتّى قايين الذي ارتكب العمل الأثيم، أي قتل أخيه الطوعي البغيض، لكان ممكناً أن يُغفَر له من خلال التوبة والاعتراف. هذا ما فعله الملك داود؛ مع كونه مذنباً في خطيئتين مميتتين، القتل والزنى، فقد استحق الغفران والرحمة من الله بسبب توبته الحقيقية. “أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: «أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي» وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي.” (مزمور 5:32).

لكي يكون اعترافنا صحيحاً ويطهّر كل الوسخ والقذارة من ضميرنا ويلمّع نفسنا ويجعلها “أبيض من الثلج”، علينا ألاّ نرتجل هذا السر وألاّ نقاربه من دون تهيئة لائقة. أمر مؤسف كيف يقارب أغلب إخوتنا الأرثوذكسيين هذا السر. إن سراً كسر الاعتراف يتطلّب الاستعداد المناسب ويجب مقاربته بالحالة القلبية التي تناسب.

أولاً، علينا أن نستعد ليومين أو ثلاثة قبل أن نتقدّم من الاعتراف. خلال فترة الاستعداد هذه، علينا أن نجعل احتكاكنا بالآخرين في الحد الأدنى الممكن عملياً، فيما في الوقت نفسه نجمّع أفكارنا ونوسنا. نتأمّل في فترة ما بعد اعترافنا الأخير، أيمكن أن نتذكّّر متى اعترفنا لآخر مرة أم هذا اعترافنا الأول؟ بهذه الطريقة، نحاول أن نتذكّر نوع وعدد الخطايا التي ارتكبناها منذ ذلك الحين، بالقول أو بالفعل أو بالفكر، وما إذا كنا نوينا أو تصرّفنا بهذه الطريقة عن إهمال أو قلة اهتمام.

ثانياً، عندما نذهب إلى عند الأب الروحي، نخبره بكل خطايانا وكيف تمت بالضبط. يجب ألا نخفي أي شيء إطلاقاً، أو نغيّر شيئاً أو نلقي اللوم والخطأ في أخطائنا على الآخرين. إلى هذا، يجب ألاّ نكتفي بتعداد ناشف بياني لخطايانا، بل بالأحرى يجب أن نصف بشكل عام حالة نفسنا وأهوائنا وميولنا ورغباتنا وعيوبنا وأخطاءنا وضعفاتنا. بهذه الطريقة، يُعطى الأب الروحي، كطبيب للنفوس، الفرصة لتشخيص مرضنا وتكوين صورة كاملة عنه وبالتالي لتحديد العلاج الصحيح بشكل قاطع وفعّال.

ثالثاً، يجب أن نختار الطريقة التي بها نصف خطايانا بتأنٍ كي تدمج الدقة واللياقة. بتعبير آخر، علينا من جهة أن نحدد بكلمات قليلة ظروف وعناصر كل خطيئة، ماهيتها وكيفية حصولها وزمانه إلخ، حتى يتمكّن الأب الروحي من تقدير “وزنها” الصحيح. من جهة أخرى، علينا أن نتلافى التوصيفات المفصّلة الكثيرة الكلام التي تتعِب وتكون أحياناً مخزية. فهذه الأخيرة لا تقدّم أيّ منفعة لنا ولا للأب الروحي. يجب أن نلاحظ بشكل خاص أنّه إذا ارتُكِبَت الخطيئة مع شخص أو أكثر (مثلاً اشتركنا بالسرقة مع بعض أصدقائنا أو صار زنى مع شخص محدد)، فالأفضل عدم كشف هويتهم. فلنتُبْ فعلياً عن خطيئتنا ونترك الآخرين لحكم ربنا ورحمته.

رابعاً، من بين كل العوامل المتعددة، الأكثر أهمية هو أن نجد أباً روحياً مختَبراً، ذا تمييز، حكيماً، متعقلاً، حساساً، وقادراً على علاج قروح وجراح أنفسنا بتعاوننا ونعمة الله. كما نبحث فيها عن طبيب قادر على شفاء أمراضنا الجسدية، على المنوال عينه، لا بل بتصميم أشد، علينا أن نبحث ونجد أباً روحياً قادر على المساهمة في معونتنا الروحية. هذا لأنه “إِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ” (متى 14:15). من جهة أخرى، عندما نجد أباً روحياً فلنبقَ معه مدى الحياة ولا نغيّره. أولئك الذين يتنقلون من أب روحي إلى آخر لا ينتفعون ولا يستفيدون مع أي منهم، سواء قاموا بذلك عن جهل أو عن أنانية. فقط عندما يتابعنا أب روحي بشكل منهجي ويتوصّل إلى معرفتنا جيداً يستطيع أن يساعدنا بشكل فعلي في جهاداتنا الروحية لتطهير نفوسنا والطريق التي تقود إلى خلاصنا.

يتميّز الاعتراف السليم بالصفات التالية:

1) إنه مختصر ولكن حقيقي. بتعبير آخر، إنه يتمّ بدون أي إغفالات، بدون كلام زائد فارغ، بدون تكرار غير نافع، بدون تقديمات ملتوية تعوزها الأمانة، وحتى بدون قصص ورايات.

2) إنه متواضع. أي أنه يتمّ بإدراك كامل لخطيئتنا وذنبنا، إدراكاً يظهر في كلماتنا كما في حالتنا النفسية كمسيحيين.

3) إنه صادق. وعليه لا يحوي أكثر أو أقل من الحقيقة النقية، ولا يوجد فيه أي ادّعاء أو تبرير. إلى هذا لا يعزو أي لوم إلى أي شخص آخر حتى إلى الأبالسة والشيطان نفسه!

4) إنّه فوري أي أنه يتمّ من دون أي تأجيل أو تأخير. لحظة يوبخنا ضميرنا ويقرّعنا، علينا أن نجري إلى أبينا الروحي للاعتراف لأننا لا نعرف متى يزورنا الموت من دون إنذار.

5) إنّه عاقل. أي أنه يتميّز بالتقييم الحسن والعقلانية والتدبير. كما أنّه مُصاغ بوضوح وجلاء وصراحة وتأنٍ وترتيب.

6) إنه كامل وبالتالي يتضمّن كل خطايانا ولا يهمل أياً منها بنيّة الاعتراف بها لأب روحي آخر.

7) إنه مثل العشّار؛ أي أنّه يتمّ بورع فائق وتقوى وندامة قلب. لا يختلف عمّا نقرأ في الإنجيل :”وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ.” (لوقا 13:18).

8) إنه شخصي. وهكذا، لا ينبغي أن يعرف أحدٌ محتوى الاعتراف غير الأب الروحي والمؤمن المسيحي المعترِف. إذا اضطر أحد أن يسمع اعتراف الآخر، وهو أمر نادر الحصول، عليه ألا يكشف لأي كان ما سمع مهما كانت الظروف بل أن يحمل ما سمع معه إلى القبر. هذا ينطبق بالأحرى على الكاهن نفسه الذي لا يسمح له تحت أي ظرف كان أن يكشف خطيئة تمّ الاعتراف بها إليه، حتى ولو كانت حياته في خطر.

9) إنه بداية حياة جديدة. يترافق مع اعترافنا هذا قرارٌ ثابت نتّخذه بوعي كامل بالانخراط في صراعنا وحربنا الروحيين الشخصيين. وعليه نخن نقرر ليس فقط ألا نكرر الخطايا التي اعترفنا بها بل أيضاً أن نصنع خيراً من هذه الخطايا. وعليه نحن نعوّض لشخص قد أخطأنا إليه، نعيد ما سرقنا، نطلب المغفرة ممن أسأنا إليه، إلخ. إن لم نقم بهذا فتوبتنا ليست حقيقية.

10) إنه يترافق مع قبولنا بأي كفارة أو قانون يحدده أبونا الروحي (كالصوم وعمل الرحمة أو أي شيء آخر يراه مناسباً). علينا أن نفهم بشكل كامل ونقبل أن هذه الكفارات لا تشكّل حكماً أو عقاباً، بل هي عنصر علاجي وتربوي لشفائنا الروحي ووسيلة بها نزداد روحياً.

فليقدنا السيد جميعاً بالطريقة الأكثر ملاءمة لكل منا لنتقبّل سرّ الاعتراف.

المؤمن والسلطات

المؤمن والسلطات

الخورية سميرة عوض ملكي

إنّ التعامل مع السلطات المدنية واقع لا بدّ منه لأي فرد في المجتمع، أكان مؤمناً أو غير مؤمن. لأنه منذ فجر التاريخ، ثمّة أشخاص يَحكمون والبعض الآخر يُحكَمون، البعض يقودون والبعض الآخر يُقادون، حتى لا يفعل كلّ واحد ما يريد ولكي لا يصبح مجتمعنا كبحر هائج. هذا هو عمل حكمة الله، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم. إذا طُرد القبطان من قيادة السفينة فستبتلعها الأمواج، أو القائد من قيادة جيش ما فسيهزمه الأعداء. وكما تثبّت الدعامات الخشبيّة البيت، هكذا هم الحكّام لحسن سير المجتمع والدولة المنظّمة.

يقول الكتاب المقدس بأنّ كل مَن يخضع للحكّام يطيع الله في الحقيقة: “أيها العبيد أطيعوا في كل شيء سادتكم حسب الجسد لا بخدمة العين كمن يرضي الناس بل ببساطة القلب خائفين الرب. وكل ما فعلتم فاعملوا من القلب كما للرب ليس للناس” (كولوسي 22:3-23). وهذا الخضوع هو واجب من واجبات الضمير: “لتخضع كلُّ نفسٍ للسلاطين… إذ هم خدّام الله منتقمون للغضب من الذي يفعل الشر. لذلك يلزم أن يخضع لهم ليس بسبب الغضب فقط بل أيضاً بسبب الضمير” (رومية 1:13-6).

إذاً، المؤمن هكذا يطيع السلطة المدنية ليس خوفاً من الغضب، بل مراعاة للضمير، ولأن فعل الصلاح ليس فقط لتجنّب عقاب السلطة بل لأنّ ذلك يفرضه الضمير أيضاً. فالضمير من ناموس الله وعندما يوصف بالطاهر أو الصالح فلأنه يستضئ أساساً بنور الإيمان الحقيقي. وإذا كانت النية مستقيمة والإيمان يوفّر اقتناعاً راسخاً، فعندئذ يكون الضمير مرتاحاً، وينسكب الروح القدس داخل القلب. فالقلب والإيمان والضمير، تكون بصور متنوعة، مصدراً لفعل المحبة التي لا يمكن بدونها أن يتحقق حق ولا عدل لأنّ الحب وحده في النهاية هو الركيزة لكليهما. إنّ ضمير المؤمن يجعله حراً، أي ينبغي ألا تتقيد حريته بضمير غيره. وهذه الحرية تدعوه إلى قول كل شيء وهي التي تملؤه شجاعة وفخراً وثقة. فالمؤمن الحر لا يختلف موقفه من السلطات السياسية عن موقف السيّد الذي يتميّز بالمرونة حيناً وبالصرامة حيناً آخر. فهو يعترف باختصاص قيصر “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (متى 21:22). إلاّ أنّه من جهة أخرى، لا يتغاضى عن الظلم الواقع من ممثلي السلطة. فعندما مثل أمام بيلاطس، لم يشكك في سلطته التي يعرف أصلها الإلهي، وإنما فضح ظلمها الذي ذهب هو ضحيته. والجدير بالذكر أنّه كثيراً ما يطلب منا ضميرنا أن نتنازل عن حقوق لنا في سبيل مصلحة الإخوة والمجتمع، إلا أنّ هذا لا يعتبر بلا شك حداً لحريتنا، بل سبيلاً لممارستها بشكل أسمى.

إن هذا الخضوع وهذه الطاعة النابعة من الحب يدعوان إلى المعاملة بالمثل. أي أنّه ينبغي على السادة أيضاً أن يذكروا أنَّ لهم ربّاً في السماوات: “وأنتم أيها السادة قدّموا للعبيد العدل والمساواة عالمين أنَّ لكم أنتم أيضاً سيّداً في السماوات” (كولوسي 1:4).وأن يدركوا بأنّ كل سلطان آت من الله الذي يوليه إياهم من أجل الخير العام (رومية 1:13). وهذه السلطة التي عهِد الله إليهم بها ليست مطلقة، فهي محدودة بالتزامات أخلاقية. ففي المجال السياسي، يتعرض الإنسان إلى تجاوز حدود حقوقه. وإذ تسكِره قدرته، ينسب إلى نفسه كل فضيلة. وهو بالتالي يؤلّه نفسه وتجذبه سلطته إلى أعمال مخالفة لناموس الله، ويعميه الكبرياء الذي يولّده حب المجد عن ممارسة أية إدارة صالحة. فالرئيس الذي لا يضع العقل ضابطاً لأهواء نفسه، ويكون عبداً لشهواته لا يمكن له أن يحكم الناس وفقاً لنواميس الله ببرّ وعدل وإنسانية وتضحية بالنفس. إذ كيف يستطيع أن يحكم الآخرين، بشكل صحيح، مَن لا يقدر أن يحكم نفسه؟

يجب على صاحب السلطة المؤمن أن يتّخذ موقف السيّد المسيح منها. فهو كان صاحب سلطان على كل شيء (المرض، الشياطين، الطبيعة، وحتى على الأمور السياسية)، إلا أنه لم يتباهَ بهذا السلطان أمام الناس. وبينما يستغل رؤساء هذ العالم ما لهم من سلطة للسيطرة على الآخرين، يقف هو بين خاصته موقف مَن يخدم. هو ربٌّ ومعلم، لكنه أتى ليخدم وليبذل نفسه. “من أراد أن يصير فيكم أولاً يكون للجميع عبداً. لأن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدُم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين”. (مرقس 44:10-45). ولعلّ أجمل استعارة استعملها الكتاب المقدس لتعبّر بشكل رائع عن ناحيتين من السلطة، يتعارضان في ظاهرهما، وقلّما يجتمعان معاً، هي استعارة الراعي. فالراعي هو قائد، وفي الوقت نفسه، رفيق. هو رجل قوي، قادر أن يدافع عن قطيعه. وهو أيضاً يعامل نعاجه برقة، فيعرف حاجاتها، ويحملها على ذراعيه، ويعزّ الواحدة أو الاخرى كابنته (2صموئيل3:12). فالراعي لا جدال في سلطته، لأنها مؤسسة على البذل والمحبة. واقتداءً بالرب، يجب على الرؤساء أو الرعاة أن يطلبوا النعجة الضالة ويكونوا على يقظة من الذئاب الخاطفة ممن لن يشفقوا على القطيع، لكي يمنحهم “رئيس الرعاة اكليلاً من المجد لا يذوى” (1بطرس 3:5-4). وبقدر ما يكون الرئيس مستقيماً وباراً ومحباً، بقدر ما يصبح قوياً حقاً وسيحبه الشعب. إذ لا شيء يميّز الحاكم بقدر المحبة التي يظهرها تجاهه الشعب الذي يحكمه.

هذه هي النظرة العميقة للنظام الذي يريد الله فرضه على خليقته ويعطي للعدل معنىً واسعاً، وقيمة دينية قوية. فليست الإستقامة البشرية سوى انعكاس وثمرة لبر الله أو للعدل الإلهي. وهذا ما يفرض خضوع السلطات المدنية لشريعة الله التي أعطاها للبشر لتنظيم سلوكهم. لكن ليست تلك الشريعة المرسومة على لوحي الحجر فقط وإنما تلك الشريعة المكتوبة في أعماق القلوب، أي شريعة الملكوت. لأن الثانية لا تلغي الأولى وإنما تتممها. وشريعة الملكوت تلخّص في الوصية المزدوجة، التي سبق وحددت قبلاً، والتي تلزم الإنسان بأن يحب الله، وأن يحب قريبه كنفسه (مرقس 30:12-32)، فكل الأمور تنتظم من حول ذلك وكلها تشتق منه. وفي علاقات البشر بعضهم ببعض، هذه القاعدة الذهبية في المحبة الإيجابية تحوي كل الشريعة والأنبياء. “فكلّ ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم. لأنَّ هذا هو الناموس والأنبياء” (متى7: 12). لأنه إلى حين مجيء الرب تشكل المحبة المطلب الأساسي الذي بموجبه تتم دينونة البشر. نحن كلنا مدعوون، رؤساء ومرؤوسين، إلى تحقيق السلام في هذا الوطن وفي العالم أجمع، لا على أساس أحلاف سياسية تخلو من الإيمان، بل كثمر للبرِّ الإلهي، ولأنّ هدف مخطط الله هو السلام الذي لا يمكن الفوز به إلا بعد كفاح ضد الحرب التي هي في أساسها شر، وهي كنتيجة بغض بين البشر، تبلغ حد قتل الإنسان لأخيه في الإنسانية، وهي لن تختفي من العالم، إلاّ حينما يكون الشر نفسه قد انتهى. لأنه خلف القتال السياسي تختبئ معالم القتال الروحي الذي يشنه الشيطان، من خلالنا نحن البشر، ضد الله نفسه. فالإنسان اعتبر السلام أولاً سعادة أرضية، وفيما بعد بدا له خيراً يزداد روحانية أكثر فأكثر، بحكم مصدره السماوي. لأنه لن يتحقق إلا بمدى ارتباطه بعبد الرب المتألم، الذي سوف يعلن بذبيحته مقدار ثمن السلام (اشعيا53: 5).

أخيراً، إنَّ المؤمن، الثابت في الرجاء، والذي يتطلّع إلى أورشليم السماوية، سوف يواصل جهاده نحو السلام، وهو يصغي إلى قول السيّد المسيح المانح الوحيد للسلام، “طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون” (متى 9:5)، وليبقى صدى قول النبي أشعياء “ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام” (اشعيا 7:52) محفوراً في أذهاننا. لأنَّ المبشر بالسلام يتخطّى كل الفروقات القائمة على الإختلافات من حيث العنصر والطبقة والجنس والدين.

الخصومات

الخصومات

الخورية سميرة عوض ملكي


إن الخصومة هي جدال علني، في أوسع إطار وأبعد مدى. وهي تفترض قيام نزاع وخصام بين الأفراد، إلا أنّها تفترض أيضاً حداً أدنى من التفاهم حول بعض المبادئ الأساسية. فما دامت الخصومة قائمة، لم يُفصَل فيها بعد، يبقى الأمل في الصلح.

أكثر ما يؤلِم هو أن ظاهرة الخصومة هذه باتت تتفشّى حتى بين جماعة المؤمنين. لو أمكن لأحد منّا أن يجري إحصاءً في رعايانا، لوجد أن كثيرين من المتهافتين على الكنيسة، وللأسف، هم في خصومة ما مع بعض الآخرين. وقد يكون هذا الآخر أخاً أو أمّاً أو قريباً.

إن الخصومة بين المؤمنين هي أذى متعدد الوجوه. الوجه الأول هو أنها عثرة كبيرة للأخ الأصغر، إذ كيف يمكن لهذا الأخ أن لا يعثر وهو يرى المتخاصم يسرع نحو الحمل الذبيح الذي افتدى القطيع وافتتح بدمه العهد الجديد وأتمّ المصالحة بين الله والناس. وهذه الذبيحة التي هي بجوهرها الروحاني، فعل محبة لامتناهٍ، وبها يحصل المؤمنون لا على طهارة الجسد فقط إنّما على طهارة الضمائر أيضاً. فأين طهارة الضمير في الخصومة؟ هل يفكّر هذا المخاصم بقول الرب: “إِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ” (متى 23:5-24)؟

الوجه الثاني هو أنّ الخصومة تتعارض مع سر التدبير الإلهي لأن الله دعا الإنسان، منذ الأزمنة الأولى، إلى أن يعيش في جماعة ولأن يتكاثر. وقد أراد أن يجعل آدم رئيساً لشعب متآلف يعيش مع الله، وأن يصبح أباً للبشرية جمعاء، إلا أن البغض فرّق فيما بينها فتشتت من الكبرياء. فكان لا بدّ من آدم جديد يؤسّس خليقة جديدة تُستعاد فيها حياة الصداقة مع الله وجمع البشرية ثانية في الوحدة، وتتمّ المصالحة بين أعضائها. أوَ تأتي أنت أيها المخاصم لتفسد مخطط الله؟

الوجه الثالث: “الله محبة”. وهذا الإله المحبّ يدعونا لأن نحب بعضنا بعضاً. بل أكثر من ذلك، هو يدعونا لأن تمتدّ محبتنا نحو الأعداء، “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. 44وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ” (متى 43:5-44). وأهم ما يميّز المحبة هو الصفح بدون حدود، “حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ:«يَارَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ»” (متى 21:18-22)، وبالمبادرة الطيبة نحو الخصم، وبمقابلة الشر بالخير: “بَارِكُوا الَّذِينَ يَضْطَهِدُونَكُمْ. بَارِكُوا وَلاَ تَلْعَنُوا… لاَ تُجَازُوا أَحَدًا عَنْ شَرّ بِشَرّ… لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ… لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ” (رومية 14:12-21).

من أول صفحات العهد الجديد إلى آخرها، تظهر محبة القريب غير قابلة للانفصال عن الحب الإلهي، “لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟” (1يوحنا 20:4). لا يوجد تعبير أكثر وضوحاً من هذا، ليؤكّد أنّ ليس في جوهر الأمر إلاّ محبة واحدة. “إِذَا عَسِرَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ أُمُورِ الْخُصُومَاتِ… اذْهَبْ إِلَى الْكَهَنَةِ وَإِلَى الْقَاضِي الَّذِي يَكُونُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، وَاسْأَلْ فَيُخْبِرُوكَ بِأَمْرِ الْقَضَاءِ. فَتَعْمَلُ حَسَبَ الأَمْرِ الَّذِي يُخْبِرُونَكَ بِهِ وَتَحْرِصُ أَنْ تَعْمَلَ حَسَبَ كُلِّ مَا يُعَلِّمُونَكَ” (تثنية 8:17-10). فهل يقوم الكهنة اليوم بهذا الدور فيبادرون إلى العمل على فضّ النزاعات بين الإخوة؟ لم يعد الشعب يذكر من وظائف الكاهن إلا الطقوسية منها، أليس ضرورياً أن يستعيد الرعاة دورهم في المصالحة؟

وأخيراً، يؤكّد الرسول بولس، في نشيده للمحبة أنّ لا قيمة لأي شيء من دون محبة الغير. وهذه المحبة يجب أن تكون مضحِيّة وواقعيّة وخاضعة لقانون إنكار الذات والموت. وبواسطة هذه المحبة، يبقى المؤمن في شركة دائمة مع الله.

التقمّص

التقمّص

الخورية سميرة عوض ملكي

يلحظ المرء اليومَ تضاعفاً في عدد العروض التلفزيونية والسينمائية والكتب والقصص التي تتناول موضوع التقمّص بشكل أو بآخر. يظهر وكأنّ وراء هذا الكمّ من الكلام عن التقمّص نيةً للترويج له ونشر الاعتقاد به بين الناس، بالرغم من رفض الأديان السماوية له. وأخطر ما في الأمر أنّ عدداً لا يُستهان به من برامج الأطفال، خاصةً التي تتحدّث عن أبطال من الشرق الأقصى، لا تخلو من حمل هذا الفكر بقوة. وقد بتنا نلحَظ أنّ عدد أبنائنا الذين يعتقدون بالتقمّص، عن جهل أو عن معرفة، في تزايد.

تذهب عقيدة التقمّص أو تناسخ الأرواح إلى أنّ الروح التي تفارق الجسد لا تبقى في مكان، كالسماء أو الجحيم مثلاً، بل تنتقل من حالٍ إلى حال ومن جسد إلى جسد في ولادات لا نهاية لها. ويمكن أن تحلّ روح الإنسان في حيوان أو نبات، في وضع أرفع أو أدنى مما كانت عليه، ذلك بحسب أفعال الإنسان التي تشمل أفكاره وكلامه وتصرّفه.

إن انتظار المسيح كديّان للأحياء والأموات هو جزء لا يتجزأ من قانون الإيمان المسيحي. وكثيراً ما تشير كرازة المسيح إلى دينونة اليوم الأخير، فكلّ البشر لا بدّ وأن يؤدّوا الحساب (متى 14:25-30). فإذا كان التقمّص ممكناً، على أساس أعمال أيِ من الحيوات سوف يُحاسَبون؟ والكتاب المقدّس يرى الإنسان كائناً متشعّب النواحي، فهو جسد ونفس وروح معاً (1تسالونيكي 23:5)، ويرى في الروح قوّة لا تنفصل عن النفس (النسمة) وعن الحياة. ففي كل حيّ نسمة من الحياة (تكوين 22:7) بدونها يهلك. يعيره الله هذه النسمة طوال حياته الفانية لتعود إليه عند الموت (أيوب 14:34-15). لكنْ نجد في حالات كثيرة، وبخاصة عند الرسول بولس، أنّه يستحيل التمييز بطريقة قطعية ما إذا كانت كلمة “روح” تعني روح الإنسان أو روح الله. وهذا الالتباس هو نور للإيمان: فهو الدليل على أنّ روح الله، حتّى عندما يستولي على روح الإنسان ويحوّله، يحافظ على شخصيته كاملةً. فروح الله يسكن روح الإنسان وجددها ويقترن بها ويصير وإياها روحاً واحدة (1كورنثوس 17:6). فهل يُعقَل أم تنتقل هذه الروح إلى حيوان أو نبات؟ كما أن الكتاب المقدس لا يظهر الإنسان وكأنّه مركّب من عنصرين متميزين: المادة “الجسد” والصورة “الروح” التي تحيي الجسد. بل ينظر الكتاب إلى الإنسان في وحدة كيانه الشخصي. فالجسد ليس سجناً للروح ينبغي التخلّص منه، كما في بعض المعتقدات. أجسادنا، نحن المسيحيين، طُعِّمَت في المسيح فأصبحت أعضاءه وهياكل الروح القدس، وصارت مدعوةً لدخول هذا العالم الجديد: إنها سوف تقوم مع المسيح الذي يبدّل أجسادنا الحقيرة فيجعلها على صورة جسده المجيد (فيليبي 20:3-21). بهذا يكتمل دور جسد المسيح في عمل فدائنا. فيسوع قد اتّخذ فعلاً جسماً بشرياً. ولذلك فكلّ مؤمن متّحد بالمسيح يستطيع من الآن أن ينتصر على القوى التي كان يخضع لها من قبل، وهي الشريعة والخطيئة والموت، من خلال جسم المسيح. فإن كرامة الجسد لا تصل إلى ذروتها في هذه الدنيا: إن جسم الحقارة الأرضية سيحوَّل إلى جسم مجد. فالإنسان بكامله سوف يصبح مرةً أخرى نفساً حيّة، كما يقول الرسول بولس “جسماً روحانياً” أي أنّه سوف يُبعَث بكليّته إذ أنّ الله سوف ينفخ بروحه على هذه العظام فتحيا (1كورنثوس 45:15) لأنّه لا يرتضي بموت مَن يموت (حزقيال 32:18) فهو لم يخلق الإنسان لا للموت ولا لحياة في ولادات متكررة قد تكون أحياناً في أجساد بشرية واحياناً في أجساد حيوانية أو نباتية. الله خلقنا لنشترك معه في حياته. فروح المؤمن تتّحد بروح الله بواسطة المسيح، ونحن على هذا الرجاء نحيا، ورجاء الكنيسة هو رجاءٌ محقَّق لأن هبة الروح قد أنجزَت إتمام الوعود. إنّ كل قوةِ رجائها تتركّز على انتظار عودة المسيح. فما معنى هذا الرجاء إذا كان التقمّص ممكناً؟

في ختام كتاب الرؤيا يَعِد العريس بقوله “إنّ عودتي قريبة” وتردّ عليه العروس (الكنيسة) “تعالَ أيّها الرب يسوع” (رؤيا 20:22). لن يجد الرجاء المسيحي أبداً تعبيراً أفضل من ذلك، لأنّه تعبير عن رغبة حادّة منشؤها محبة متلهفة إلى حضور الرب.

*    عن نشرة الكرمة

أوراق النعوة

أوراق النعوة

الخورية سميرة عوض ملكي

عن نشرة الكرمة


كانت الشعائر الجنائزية ولم تزل ظاهرة عامة لدى الشعوب. منذ القدَم يتمسك الإنسان بتكريم موتاه ويحاول الاتصال بهم. وثمة مظاهر حداد كثيرة نجدها في العهد القديم تعبّر عن حزن الأحياء العميق لموت أعزائهم (مثلاً صموئيل 19). إذاً الموت كان سائداً على العالم منذ السقوط والكتاب المقدس لا يحاول أن يحوّل أنظارنا عنه بإغراقنا في أحلام خادعة، بل يوضح جلياً بأن الموت هو قدر مشترك لجميع الناس كما عبّر عنه داود النبي “طريق الأرض كلها” (1ملوك2:2).

أما ما يعطي الموت هذا السلطان فهو الخطيئة لأنها “شوكة الموت” كما وصفها الرسول بولس في الرسالة إلى أهل كورنثوس (56:15). فالموت هو ثمرة الخطيئة وعاقبتها وأجرتها (رومية 16:6). وهكذا يظهر التاريخ كدراما هائلة للحياة والموت.

لكن المسيح أتى وانتصر على الموت نفسه. ومنذ تلك اللحظة تغيّر معنى الموت بالنسبة للبشرية التي تريد حقاً أن تموت مع المسيح لتحيا معه إلى الأبد. لكن أين هي هذه البشرية وإلى متى ستدوم هذه الدراما التي بدأت بمعصية الإنسان التي دخلت بها الخطيئة التي أدخلت الموت (رومية 12:5)؟ طبعاً هذه الدراما تستمر ما دام الناس لا يرون في الموت إلا فناءً وتراباً ودوداً. نحن نقول في ترانيمنا أن الموت هو انتقال من الموت إلى الحياة، لكننا لا نمارس هذا فعلاً ودائماً. فلو كنا نرى الموت انتقالاً إلى الحياة ولو كنا نؤمن فعلاً بأن الموت يتقهقر أمام مَن هو “القيامة والحياة”، لكان انتفى الكثير من مظاهر الحداد المألوفة وغير المألوفة لدينا. على سبيل المثال نذكر هنا صورة غربية مقتطعة من أحد الأفلام تصوّر المسيح واضعاً على رأسه إكليلاً من شوك. مضمون هذه الصورة، بغض النظر عن مصدرها، منافٍ تماماً للآية “مَن آمن بي وإن مات فسيحيا”. من آمن بهذه الآية لا يضع هذه الصورة. فالقيامة هي موضوع إيماننا الأول وهي أيضاً أساس رجائنا “إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضاً إيمانكم” (1كورنثوس14:15). وإن كان المسيح هو شخصياً القيامة والحياة فنحن سنقوم كلنا لأنه هو قام “فالذي أقام يسوع من بين الأموات يحيي أيضاً أجسادكم الفانية بروحه الحال فيكم” (رومية 11:8). فهل هناك تعزية أكبر من تلك التي تحملها عبارة “المسيح قام حقاً قام”؟ فما تحمله هو هذا الطابع الفصحي الذي يميّز الحياة المسيحية. فإنجيل الفصح هو شهادة عن حادث أن يسوع صُلب ومات إلا أنه قد قام وبه يقدَّم للناس الخلاص. ماذا لو كتبنا هذه الآية على أوراق “النعوة”؟ أم ماذا لو كتبنا “يا لعازر هلمّ خارجاً”؟ فلعازر الخارج من القبر يرمز إيجابياً إلى المؤمنين الذين ينتزعهم صوت يسوع من براثن الموت (يو25:11-26). ماذا لو كتبنا “الصِدّيق كالنخلة يزهر”؟ فالصِدّيقون والأبرار آمنوا وعرفوا أن القدرة الإلهية أقوى من الموت والجحيم لأنهم منذ البدء كان رجاؤهم مملؤً خلوداً؟ (حكمة4:3).

مما يلفت النظر أيضاً في أوراق “النعوة” ويثير الدهشة هو وضع صورة والدة الإله على هذه الأوراق. فبغض النظر عن نوعية الصورة وشكلها ومصدرها، لا بد من التساؤل حول معنى وضعها. فهل هي مَن افتدانا ومات وقام من أجلنا؟ إن مَن يحترم فعلاً صور السيد والسيدة لا يضعها على أوراق النعوة خاصةً إذا افتكر في أي سلال تنتهي هذه الأوراق.

ولا بد من التوقف عند عبارة “متمماً واجباته الدينية”، فهل هي لإكرام أمواتنا؟ إن لم تكن كذلك، فمن حيث المعنى هي تحمل حكماً نصدره يغنينا عن انتظار عودة المسيح كديّان للأحياء والأموات، مع أن هذا الانتظار هو جزء لا يتجزأ من إيماننا ومن دستور هذا الإيمان.

وأخيراً تلك البطاقات الباهظة الثمن التي توزع مع الذكرانيات وما يُكتب عليها (مثلاً “إن مضى الزمان ولم تروني.. فهذه صورتي فاذكروني”). فهل هذه البطاقات هي ما يريده منا فقيدنا؟ أهو يريد منا صورة نضعها أمامنا ننوح ونبكي عليها لنتذكر أم أنه يريد منا صلوات وقداديس وصدقات؟ آباؤنا الإلهيون رأوا وسلمونا أن حاجة موتانا هي أن نذكرهم بالصلوات والذكرانيات والصدقات. لا يكفي أن نرسل بدل “قداس قربان” إلى الكنيسة، دون أن نشارك في الصلاة، حتى تنسكب الرحمة على أعزائنا الموتى.

محبتنا الحقيقية للمنتقلين عنا تكون بالصلاة، وبالصلاة فقط كما تعلمنا الكنيسة. وبها أيضاً يكون اتصالنا بأمواتنا واتصالنا بمَن يأتي بعدنا حين نكون نحن أنفسنا بين الأموات.

الشيطان

الشيطان

الخورية سميرة عوض ملكي

عن نشرة الكرمة

يرفض الكثيرون من الناس وجود كائن اسمه إبايس أو الشيطان، وحجتهم في ذلك أنه لا يمكن إثبات ذلك علمياً. لكننا مؤمن بذلك على ضوء الكتاب المقدس الذي يوضح لنا طبيعة الشيطان وصفاته وحالته وعمله ومقاصده.

طبيعة الشيطان روحية إذ إنه بالأصل أحد القوات الملائكية وقد خصّه الله بحراسة نظام ما حول الأرض والأرض نفسها. وهو لم يكن شريراً بطبيعته بل صالحاً ومخلوقاً على الصلاح إذ إن الله لم يخلق إلاّ ما هو حسن: “ورأى الله جميع ما صنع فإذا هو حسن جداً” (تكوين31:1). إذاً، شأن غيره من المخلوقات، لم يضع الخالق في تكوين الشيطان أي أثر للشر، لكنه لم يحفظ نفسه في الانارة والكرامة التي خصّه الله بها، فحاد بمطلق حريته عن طبيعته إلى خارجها وانتصب مريداً أن يقاوم الله وبهذا صار أول منتقل من الخير إلى الشر الذي هو فقدان الخير. وقد تبعه عدد كبير من الملائكة الذين كانوا في إمرته فحادوا عن الخير بمطلق إرادتهم.

إذاً الشيطان هو ملاك سقط بالكبرياء لكن بقيت له امتيازات الملائكة كاإدراك والذاكرة والتمييز والعواطف والشهوات والإختيار (أفسس12:6). لكنه خبيث وقائد العصاة على الله ويعمل ضد البِّر ةالقداسة ومملوء بالكبرياء والمكر والقساوة. حالته تنطبق على صفاته، فلكونه عدواً لله، هو مطرود من وجهه ومحبوس مع رفاقه في موضع العذاب حيث يُعاقب على عواطفه النجسة وما ينتج عنها من الأعمال الخبيثة (2بطرس4:2، يهوذا 6).

لكن طرده إلى عالم الظلمة لم يمنع اشتغاله في الأرض كإله هذا العالم. فهو عدو الإنسان اللدود (1بطرس8:5 و2كورنثوس1:2) وفكره مشغول دائماً بالمقاصد والأعمال التي تهدف إلى قلب مقاصد الله وأعماله. وهو في هذا جسور ومغامر. أما عمله بين الناس فهو الغدر والمخاصمة والظلم والقساوة. وهو، بشخصه أو بواسطة ملائكته، يجرّ الناس إلى الخطيئة أو يمنعهم عن القداسة، ويشتكي عليهم بالخطيئة والضعف وعدم الثبات نحو بعضهم ونحو الله. ويعرّضهم للشقاوة الحالية والمستقبلية (أيوب 2،1، متى 1:4-11، أفسس11:6، 1تسالونيكس 5:3 ورؤيا 10:12). من أعظم محاربي الشيطان هو القديس أنطونيوس الذي يقول استناداً غلى خبرته: “ينبغي أولاً أن تعرف أن الشياطين لم يُخلَقوا هكذا لأن الله لم يخلق أي شر. فلقد خلقوا صالحين لكنهم سقطوا مبتعدين عن الحكمة الإلهية. ثم خدعوا عبدة الأوثان بالخيالات التي يخلقونها والآن يحاولون خداعنا بحسدهم حتى يعيقونا عن الوصول إلى السماوات. فهم لا يتوقفون عن الهجوم بل يقتربون من جديد بغش وخبث. فالشياطين شريرة جداً وقادرة على أن تأخذ الشكل الذي تريده. فكثيراً ما تتظاهر بأنها مستشهدة بالكتاب المقدس وتارةً تنهضنا للصلاة كي لا ننام وطوراً تتخذ شكل الرهبان متظاهرة أنها تتكلم بتقوى وذلك كي تخدعنا”.

إن الشيطان، في إخضاعه آدم وحواء في جنة عدن، أخضع كل جنسنا تحت سلطته الظالمة لأنه خدع الجميع (أفسس1:2-3، رؤيا9:12). وقد جرّب الجميع بالخطيئة، حتى المسيح في البرية ولكنّ المسيح قهره وانتصر عليه (متى11:4). وهنا تجدر الإشارة إلى أن الشياطين لا تستطيع إكراه الإنسان. فالشرور والتأثيرات الدنسة تصل إلى فكرنا من قِبَل الشيطان. فهم يجربوننا لكنهم لا يقوون على إكراهنا لأن فينا قوة إسم يسوع حتى نرفض التجربة. لهذا نحن نطرد الشياطين بإسم يسوع (متى 22:7، مرقس 38:9-39) والمسيح عندما أرسل تلاميذه إلى الكرازة أعطاهم السلطان على الأرواح الشريرة (مرقس7:6). ولهذا فنهاية الشيطان هي مقبوضاً عليه ومقيداً مطروحاً في الهاوية معذباً إلى الأبد (رؤيا1:20). وكما يعلمنا القديس يوحنا الدمشقي أنه ليس هناك توبة للشيطان لأن سقطة الملاك هي كالموت للإنسان لا يوجد توبة بعده.

إذاً على المؤمن أن يفهم أنه أقوى من الشيطان بقوة يسوع المسيح ولهذا عليه أن يقاومه ولا يخضع له (أفسس27:4 ويعقوب7:4). فالشيطان يحاول دائماً أن يسرق كلمة الله (لوقا12:8) وأن يزرع مكانها الزؤان (متى38:13) وكل قصده هو التسلط على الناس (أعمال38:10).

الأمومة

الأمومة

الخورية سميرة عوض ملكي

عن نشرة الكرمة

ارتبطت الأمومة في العهد القديم بالإنجاب ونعرف عدداً من الأمهات اللواتي ساهمن في مسيرة الخلاص. لكن مفهوم الأمومة كمفهوم الزواج بقيا غير مكتملين كمثل عدم اكتمال العهد القديم. سارة احتالت حتى يكون لها ولد، راحيل قالت ليعقوب أنها تموت أو يعطيها ولد وكان جوابه أن الله مَن يعطي. الزواج ارتبط أيضاً بالإنجاب من أجل استمرار النسل فاعتُبر العقر عاراً، من هنا أن الأمومة كانت تمحو العار. أيضاً في العهد القديم آيات كثيرة، خاصةً في كتاب الأمثال، هي بمثابة وصايا تدعو إلى احترام الأم كمثل احترام الأب، وإلى إكرامها والاهتمام بها.

في العهد الجديد تغيّر الوضع بتغيّر النظرة إلى الزواج الذي لم يعد الإنجاب هدفه الأوحد. صورة الزواج هي علاقة المسيح بالكنيسة وهذا ما تقوله الرسالة التي نقرأها في العرس. أما الإنجاب فلم تعد حدوده الجسد، المسيح كلّم عن الولادة من فوق. العقر لم يعد عاراً، وحتى البتولية صارت طريقاً واسعاً للخلاص. الكلام صار عن الملكوت ولم يعد العالم الحالي يحد حياة الإنسان، وفي الملكوت لا يتزوجون ولا يزوجون. كتابات الرسول يوحنا مملوءة بالكلام عن الولادة من فوق. الأمومة صار منشؤها هذه العلاقة التي توصل إلى الله، وهدفها هو هذا الوصول. وقد أكد السيد هذا الكلام عندما قال لوالدته “يا امرأة هذا ابنك” مشيراً إلى الرسول يوحنا، وقال ليوحنا “هي ذي أمك”. في هذا الكلام نقل إلى كل البشرية أمومة والدة الإله التي صارت أم البشرية روحياً.

هذا لا يعني أن أمومة الجسد تفقد اعتبارها. نعرف في سير القديسين أمثالاً كثيرة عن أمهات حملن أبناءهن إلى القداسة وكرمتهن الكنيسة لاحقاً. ماذا نقول عن أثناسيا وصوفيا ويوليطة (جولييت) وهيلانة وثيودورا الملكة وغيرهن؟ ماذا نقول عن أمهات اليونان اللواتي لولاهن لم حُفظ الإيمان أيام الحكم التركي؟ لقد كنّ يحملن أبناءهن بالسر إلى الأديار وكان يعلمنهن الصلاة ليلاً من دون أن يجرأن على إضاءة الشموع خوفاً من الأتراك. وماذا نقول عن أمهات روسيا اللواتي لولاهن لما عاشت الكنيسة أيام الحكم الشيوعي؟ لقد كن يدفعن أبناءهن إلى الأديار التي حفظت تراث الكنيسة وتقليدها.

بعض الآباء علّم عن الأمومة. وتعليم الآباء يقول أن الأمومة صليب. والصليب لا يُحتمَل إلاّ بالصلاة. والصليب يؤدي إلى الشهادة. أمهات اليوم شهيدات إن هن صبون إلى حمل المسيح لأولادهن. اليوم نسأل عن الأم حتى نعرف إن كان البيت مؤمناً أم لا.

مع أن عيد الأم ليس عيداً كنسياً إنما لا بد من التوقف لديه لرفع الصلاة من أجل كل الأمهات حتى تتقدسن فتقدسن بيوتهن وتصبح البيوت كنائس.

شجرة العيد والبابا نويل

شجرة العيد والبابا نويل

الخورية سميرة عوض ملكي

عن نشرة الكرمة

تعود الاحتفالات بعيد ميلاد السيد إلى العام 335 ميلادية حين اختار المسيحيون استبدال عيد ميلاد إله الشمس (ميثرا)، الواقع في الخامس والعشرين من كانون الأول، بعيد ميلاد السيد المسيح. أما شجرة عيد الميلاد الخضراء والبابا نويل فهما مثلان عن التقاليد التي يعود أصلها إلى أوروبا الغربية والتي صارت تشكل اليوم جزءً من تقاليدنا. يجب الأخذ بعين الاعتبار أن كل الأمم تقتبس عادات مختلفة وتتبناها في تقاليدها. وفي كل البلدان، تعود أصول أغلب العادات إلى عبادة الطبيعة وإلى طقوس بدائية أغلبها وثني، وقد تغيرت بحسب ديانة كل بلد ولكن ببطء. إلى هذا، فالعاملان الاجتماعي والاقتصادي في فترات التاريخ المختلفة ساهما في تشكّل هذه العادات.

تقليد شجرة الميلاد دخل إلى بلادنا مع الإرساليات الغربية أيام الحكم العثماني وهو قريب جداً لتقليد يوناني يقوم بإحضار غصن أخضر إلى البيت لجلب الصحة والحظ. عادةً يكون الغصن غصن زيتون رمزاً إلى السلام. وفي أماكن أخرى كانت تزين الأشجار في ساحات المدن. أما بابا نويل فهو في الغرب سانتا كلوز أو سانت نيكلوس أي القديس نيقولاوس. يُعتَقَد أن ذلك يعود إلى أن شهر كانون الأول هو أصعب الأشهر على البحارة والقديس نيقولاوس هو شفيعهم. كما يعيد البعض هذا الاختيار إلى أن القديس كان يفتقد المحتاجين في أبرشيته ليلاً تاركاً لهم هداياه وأعمال رحمته دون أن يروه. أما بابا نويل في اليونان فهو القديس باسيليوس بحسب رواية تقول أنه كان بالأصل فلاحاً ثم صار عابر سبيل ثم لاجئاً إلى أن راح يجول في العالم يوزع الهدايا على الصغار والكبار.

هذه العادات ليست ثابتة وليست نفسها في كل البلدان. بعض اليونانيين يفضل تزيين سفينة خشبية صغيرة على تزيين شجرة الميلاد. هذا التقليد بدأ في المناطق الساحلية والجزر. ويعتقد البعض أنه نتيجة التأثُر بالبحارة الذين يزينون سفنهم بالأضواء. أما البعض الآخر فيعتقد أن أصل هذا التقليد هو في أن الأولاد كانوا يتجمعون فرقاً ليلة الميلاد، كما يفعل أولادنا ليلة عيد البربارة، ويتنقلون بين البيوت منشدين أناشيد ميلادية حاملين سفناً ورقية يملؤها الأهالي بالكعك والحلوى. وقد عاد الناس اليوم إلى عادة تزيين السفن الخشبية بدل الأشجار حفاظاً على البيئة.

إن هذه العادات التي لم تكن أصيلة وثابتة قد اكتسبت مع الوقت مكانة لها وتداخلت مع اعتبارات مختلفة منها تجاري ودعائي حتى تجذرت وصار من الصعب التخلي عنها. ليس الخطأ ولا الخطر في تزيين الشجرة وانتظار هدية البابا نويل إنما هما في أن لا يقوم العيد بدون الشجرة والبابا نويل. إن هذه الممارسة تشوبها أخطاء عديدة اليوم في ديارنا ولسنا في مجال تعدادها. لكن لا بد من لفت النظر إلى أن يسوع المولود في مزود لا يرضيه البذخ في تزيين الأشجار حتى تفوق كلفة تزيين شجرة واحدة على مصروف عائلة في أسبوع. إلى هذا فنحن نكون أكثر أمانة لتعليم الآباء الذين أوصونا بتوقير الأيقونات إن نحن وضعنا أيقونة الميلاد تحت الشجرة بدل ما يُعرَض علينا من التماثيل والأصنام. وأخيراً لا بد من التنبه إلى خطر ترك وسائل الإعلام والإعلان والتجارة تشوّه صورة العيد في أذهان أطفالنا فينسوا الطفل الذي انتظرته الخليقة كلها وما زالت تنتظره كل عام.