كيف ندرس كلمات الآباء وننقلها

كيف ندرس كلمات الآباء وننقلها

الأرشمندريت باسيليوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

ملكوت الله ليس تلموداً، ولا هو مجموعة من الاقتباسات الكتابية أو الآبائية التي تأتي من خارج حياتنا وكياننا. إن ملكوت الله هو في داخلنا كمثل خميرة تغيّر، بشكل جذري، كل حياة الإنسان نفساً وجسداً. إن المطلوب في دراسة الآباء، لكي نبقى أمناء لروح الحرية عندهم ومستحقين لنبلهم الروحي وعذوبتهم، هو أن نقارب نصوصهم المقدسة بالخوف الذي به نقارب ونكرّم أيقوناتهم وبقاياهم المقدسة. وبما إن الجو الآبائي مختلف كلياً، فإن هذا الإكرام  الليتورجي سوف يُظهر لنا بسرعة نعمة أخرى تفوق الوصف. هناك بعض المقاطع الأساسية في النصوص الآبائية التي نحسّ أنها تتطلّب منّا تغيراً غير مألوف وهي تقوم بصنعه في داخلنا. هذه يجب أن نجعلها جزءً من كياننا وحياتنا، كحقائق ورؤى لتخمير كل شيء. وفي الوقت نفسه، يجب أن ننكبّ بكليتنا على دراسة الآباء، مفتدين الوقت ومستفيدين منه. هذا الزواج، هذه المعمودية في الدراسة الآبائية تجلب لنا ما نحتاجه، ما ليس حِملاً إضافياً من المراجع الآبائية وحفظاً لآراء الآخرين، إنما اكتساب حسّ أكثر جدّةً، حسّ واضح الرؤية يؤهّل الإنسان لأن يرى الأشياء بشكل مختلف وأكثر صحة. إذا حصرنا أنفسنا في حفظ المقاطع عن ظهر قلب وتصنيفها ميكانيكياً وتعليم الناس على هذا المنوال، يكون خطؤنا جسيماً ويجعلنا، بكل بساطة، نفشل في تعليم طريقة الحياة والفلسفة الآبائيتين كما في جعلهما معروفتين. لأن ما هو مميِّز كلياً في النتاج الآبائي هو أنه يُفهَم ويُمتَلَك في آن واحد، يتكوّن وينمو، وذاك نتيجة للنعمة وقوة حرية الروح.

ما يطلبه الآباء ويقدّمونه هو التغيير الذي يأتي من الروح. إذا أردنا أن نقاربهم خارج هذه الحقيقة، سوف لن نفهمهم ككتّاب وسوف نزدريهم كأشخاص.

إن نقل الكلمة الآبائية، كلمة الآباء القديسين، ليس مسألة تطبيق أقوالهم على هذا أو ذاك من المواضيع عن طريق المؤالفة. إنه العملية التي بها تأخذ الأعضاء الحية الغذاء فتستوعبه وتحوّله إلى دم وحياة وقوة. وبالتالي، هذا يعني نقل الفرح إلى الحياة وإعلان هذه الأعجوبة فيها، بفعل جلبها إليها. إنها خبرة نفهمها بطريقة تغلب الشك والمناقشة. إذاً، عيش الكلمة الآبائية لا يُنقَل ميكانيكياً، ولا يحفَظ كالآثار، ولا يُقارَب بالتنـزه في التاريخ. إنه يُنقَل كاملاً ومليئاً بالحياة. هكذا يمر من جيل إلى جيل: من خلال الأعضاء الأحياء، مغيّراً إياهم، خالقاً “آباءً” يجعلون هذه الكلمة خاصتهم، ملكية جديدة، أعجوبة، ثروة تزداد كلما أعطيناها. هذا هو التغيُّر غير المتغيِّر المصنوع بالقوة التي تحوّل الفساد إلى عدم الفساد. إنها الحركة الدائمة الثابتة لكلمة الله وثباتها الأبدي. كل يوم تبدو هذه الكلمة مختلفة وجديدة، وهي نفسها. هذا هو سر الحياة الذي دخل إلى عمق طبيعتنا الميتة وأقامها من الداخل محطِّماً قيود الجحيم.

تقديم كلمات الآباء للآخرين يعني أنني أحيا بها وقد تغيّرت بها. وهكذا لهذه الكلمات القوة على التغيير، حتى يأكلها ويشربها مَن أعطيه إياها. إن تحوّل الكلمة في داخل الإنسان وما ينتج عنه من تغير شخصي يحفظ بغير تغيير سر الحياة الشخصية غير المتكررة التي نتعلمها ونعطيها آبائياً. إنها مثل الغذاء الذي تأكله الأم: يغذيها ويبقيها حية، وفي الوقت نفسه يصبح في حليبها الشراب لمعدة طفلها.

كم هو جميل أن يصبح الإنسان لاهوتاً. عندها مهما فعل، وخاصةً ما يفعله عفوياً (إذ أن ما هو عفوي فقط حقيقي)، يشهد لتجسد ابن الله وكلمته ويحكي عن هذه الحقيقة، وعن أنه صار إنساناً بالروح القدس ومريم الدائمة البتولية. إنه يتحدث بصمت عن الأسرار التي لا تُدرَك والتي أُظهِرَت في الأزمنة الأخيرة.

هذه الحياة اللاهوتية والشهادة التي هي بركة تحلّي حياة الإنسان. إنها الغذاء الذي يُقتطَع ويُعطى للآخرين؛ الشراب الذي يُغدَق بوفرة للإنسان حتى يستهلكه ويطفئ عطشه. في هذه الحالة لا يتكلم المرء عن الحياة بل يعطيها: يطعم الجائع ويعطي الشراب للعطشان. على العكس، اللاهوت السكولاستيكي والتركيبات الفكرية لا تشابه جسد السيد، أي الغذاء الحقيقي، ولا دمه، أي الشراب الحقيقي؛ بالأحرى إنها مثل حجر يجده المرء في طعامه. هكذا، تبدو السكولاستيكية في فم مَن اعتاد ليتورجيا الكنيسة وتذوّق طعمها كمثل كتلة غير قابلة للهضم وغير إنسانية، مرفوضة كونها غريبة وغير مقبولة.

إن كلماتنا هي غالباً مترهلة وضعيفة. لكي تنتقل الكلمة وتعطي الحياة، يجب أن تصبح جسداً. عندها، مع كلمتك، تعطي جسدك ودمك للآخرين، فقط عندها تعني كلماتك شيئاً. الكلمات التي من دون جسد، والتي لا تنبع من الحياة ولا تشارك جسدنا المهزوم ودمنا المهدور، لا تعني شيئاً. لهذا السبب، في العشاء الأخير، لخّص السيد سر تعليمه بقوله: “خذوا كلوا جسدي”، “اشربوا دمي”.

محظوظ هو الرجل المقطّع إلى أجزاء والمُوزَّع على الآخرين، المسفوح والمعطى للآخرين ليشربوه. عندما يأتي زمن حسابه لن يخاف.

From Hymn of Entry, by Archimandrite Vasileios (Crestwood, NY: St. Vladimir’s Seminary Press, 1984), pp. 34-36.

مدخل إلى الأخلاق الأرثوذكسية

مدخل إلى الأخلاق الأرثوذكسية

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

من أرشيف مجلة النور

إن الأخلاق الأرثوذكسية لموضوع عظيم الأهمية، لأنها تربط العقيدة بحياة الإنسان، وتوضح طريقة حياة المسيحي الأرثوذكسي بواسطة الأخلاق المسيحية، إذن، يتّضح أنّ العقيدة ليست فلسفة مجردة، بل تعبير عن حياة الكنيسة.

كلمة “ethics” “أخلاق” مشتّقة من العالم اليوناني القديم. يستعملها أرسطو كثيراً، وكتابه “الأخلاق” معروف جداً. إن كلمة أخلاق باليونانية، مشتقة من كلمة “ethos” وتعني عادةً رئيسية أو عرفاً. وقد عنت هذه الكلمة في الإلياذة إقامة أو سكنى الناس والحيوانات. تنسب كلمة “ethos” بقوة إلى أرسطو الذي اعتقد بأن الأخلاق تقوم على العادة والممارسة.

للأخلاق التي تُظهر طريقة معينة لحياة الإنسان علاقة مباشرة بالعادة والممارسة. لذلك نستطيع القول أن الأخلاق هي الموضوع الذي يميّز حياة المسيحي الأرثوذكسي.

هناك تمييز واضح بين الأخلاق الفلسفية والأخلاق المسيحية والأخلاق الأرثوذكسية. تحليل الفرق يجعلنا نتحقق من قيمة الاخلاق الأرثوذكسية العظيمة وفرادتها. تقوم الأخلاق الفلسفية على الفلسفة، وهي تختلف عن الأخلاق الأرثوذكسية بمقدار اختلاف الفلسفة عن اللاهوت. لنحلل أكثر نقول: لقد طُوِّرُت الفلسفة في اليونان القديم بجهود الفلاسفة من أجل إعطاء تفسير حول الله والإنسان وخلق العالم. ولكونهم غير حاصلين على الكشف الإلهي (الوحي) استعملوا مخيّلتهم من أجل ذلك. لقد اعتقد أفلاطون أن العالم الذي حولنا مشابه لعالم آخر. دعاه عالم المُثُل. توجد في عالم المثل النماذج الأولى للأشياء المدرَكَة المحسوسة. هذه النماذج أبدية، غير قابلة للتغيير، وثابتة. بينما يحدث العكس مع الاشياء المحسوسة والممكن إدراكها.

وقد طوّر أفلاطون نظريته حول المُثُل. فالفضائل المختلفة كالعدالة والحب…الخ. هي مُثُل، مفاهيم مجردة، وقد أسس أفلاطون أخلاقه على هذه المُثُل. ويقول أن نفس الإنسان أبدية لأنها مماثلة لهذه المثل. فالنفس عنده، مسجونة في الجسد، والجسد هو سجن للنفس. لذلك فإن الصراع الأساسي للإنسان هو صراعه من أجل تحرير نفسه من جسده، وفي هذا الأمر يكمن خلاصه. ويمكننا أن نرى بوضوح أن الأخلاق عند أفلاطون مجردة، لأنها مرتبطة بمُثُل مجردة، ولأن الفضائل إجمالاً غير شخصية.

لقد علَّم أرسطو الشيء نفسه، فقال بأن المُثُل الأفلاطونية، والرموز الرياضية، والمخلوقات الميثولوجية،…الخ، توجد خارج الحواس. هي ثابتة وتتحرك بدون تغيير. أعتقد أن النجوم أيضاً كائنات ثابتة، لا تتحرك. وبالموازنة هناك كائن يمنح الحركة لكل الكون. هذا الكائن هو الله، وهو “غير المتحرك الأول الذي يسبب الحركة”. هذا هو إله الميتافيزيقيا والأنطولوجيا.

لقد قدم الفلاسفة مجهوداً عظيماً في زمنهم. ولا يمكن أن يتوقّع الإنسان تفسيرات أفضل. لكن علينا أن نلاحظ أن الفلاسفة قد سلكوا نهجاً خاطئاً. فإنهم استعملوا المخيلة والتفكير البشري كثيراً في تطوير نظرياتهم. وهذا خطأ أساسي. كثير من اللاهوتيين في الغرب- متأثرين بهؤلاء الفلاسفة- اعتقدوا بوجود “النماذج الأولى” و “المُثُل” الأفلاطونية وكذلك “الأعراض” و”الجوهر” الأرسطوية. وهكذا، أسسوا اللاهوت على هذه الفلسفات، وأوجدوا أخلاقهم عليها.

تختلف الأخلاق الأرثوذكسية كثيراً عن الأخلاق الفلسفية. لأنها تنبع من اللاهوت الأرثوذكسي الذي هو ليس ثمرة ذكاء الإنسان وتفكيره، بل كشف الله نفسه للإنسان. لذلك فإن الله غير مجرد وكذلك هي وصاياه غير مجردة ولا تنبثق من خيال أو إستنتاج.

لنرَ بتركيز أكثر الفرق بين الأخلاق الفلسفية والأخلاق الأرثوذكسية. من الضروري أن نتفحص مفهوم “الخير”. تشغل الأخلاق الفلسفية نفسها كثيراً بالتساؤل حول “الخير”.

ما هو الخير بالنسبة للأخلاق الفلسفية؟ أُعطيت تعريفات مختلفة باختلاف المدارس الفلسفية. فقال البعض أن الخير هو كل ما هو حاجة. وقال آخرون كل ما هو حق. ويرد البعض بانه كل ما هو مفيد، كل ما هو مُسِرّ، وكل ما له قيمة…الخ. يظهر اختلاف التعاريف إكتفاء كل مدرسة فلسفية بتوافق الأخلاق مع تيارها. وبناء على ذلك يقسم علماء الأخلاق إلى فئات مختلفة. ويبقى الله نفسه هو الخير بحسب الأخلاق الأرثوذكسية. وهذا أمر غير مجرد. والسيد المسيح قال: “لا أحد صالح سوى الله وحده” (مر118).

يؤكد الآباء القديسون أيضاً بأنّ الله وحده هو الخير. فالقديس مكسيموس المعترف يعلّم بأنّ “الله وحده هو الخير بحسب الطبيعة، والخير بحسب المشيئة هو فقط الذي يتمثّل بالله”. هذا يعني أنّ الإنسان يصبح خيّراً (صالحاً) عندما يتّحد بالله الذي هو الخير بالطبيعة. تحوّل الإنسان هذا من الشر إلى الخير –باتحاده وشركته فعلياً مع الله- يتمّ بقوّة الروح القدس وبحياة النسك في الوقت ذاته. يقول القديس مرقس الناسك في كتاباته بأنّه من المستحيل بالنسبة لنا أن نحصل على تأثّر بالصلاح ما لم نتلقَّ نعمة الروح القدس حقيقةً في داخلنا. والقديس مرقس نفسه يقول، مشيراً إلى الصلاح: أن الله بداية ووسط ونهاية كل خير.

تختلف الأخلاق الأرثوذكسية أيضاً عمّا يسمّى بالأخلاق المسيحية. إننا نفرّق بين التعريفين لأننا نعرف بأنه كما أنّ الأرثوذكسية تختلف عن الفئات المسيحية الأخرى، كذلك الأخلاق الأرثوذكسية تختلف عن الأخلاق المسيحية. لأن الأخلاق مرتبطة بقوة السلوك “ethos”، والعقيدة مرتبطة جداً بالسلوك “ethos”. فبالتالي، أيّ تبديل عقيدي يؤثّر مباشرة على سلوك الإنسان. وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ الأخلاق المسيحية، في الغرب، المؤسَّسَة على الفلسفة قد تطوّرت كثيراً. هكذا يمكن الكلام، في الأخلاق المسيحية، عن فضائل: الحب – العدالة – سلوك الإنسان في العائلة والمجتمع… ونشدّد على السلوك الخارجي، منتجين أخلاقاً خارجية، يمكن تسميتها أخلاقاً فريسية. في الأرثوذكسية الأمور مختلفة كلياً.

عندما نتكلّم أرثوذكسياً عن الأخلاق لا نعني شكليّة خارجية بل تجديد الإنسان. ولأن هذا التجديد هو ثمرة السيرة بحسب المسيح فإن الأخلاق الأرثوذكسية مرتبطة ومتماهية بهذه السيرة. مصطلح “أخلاق” في العهد الجديد، يرد بتعابير أخرى مثل “سيروا في النور”، “سيروا بحسب الروح”، “عيشوا في الله”، “عيشوا في المسيح”، “عيشوا بحسب الروح”. وهذا يرينا تمايزها الكبير عن الأخلاق المسيحية التي تطفو على السطح.

أبعد من ذلك، أن الأخلاق الأرثوذكسية تتماهى مع النسك. إن الأخلاق والنسك كلمتين تعنيان الشيء نفسه في سياق التقليد الآبائي. حتى أننا نستطيع القول، أن الأخلاق هي عيش ثمار حياة النسك التي هي الحياة بحسب المسيح.

حينما يسمع العديد من الناس كلمة (النسك) يظنون أنها مصطلح يختص بالرهبان الذين ينعزلون في الأديرة، ويعيشون حياة خاصة، ومختلفة جداً عن حياة الناس في العالم. هذا خطأ، فالنسك، في التقليد الأرثوذكسي، ليس أكثر من حفظ وصايا السيد المسيح. والرهبان هم، بحسب أفاغريوس، أولئك الذين يعيشون بحسب الإنجيل. إذن الحياة النسكية هي حياة بحسب الإنجيل. بالموازاة يمكننا القول أنّ النسك هو حفظ ناموس الله، وتحقيق وصاياه، والجهاد من أجل إخضاع مشيئتنا لمشيئة الله. كما أننا نعلم جيداً من تعليم آبائنا القديسين أنّ الإنجيل كلّه ليس أكثر من “وصايا الخلاص”. ما يحويه الكتاب المقدس إنما هو وصايا الله التي يجب أن يحفظها البشر الذين يطلبون خلاصهم. هذا واضح في التطويبات.

“طوبى للفقراء بالروح” هي وصية الرب لنعيش فقرنا الروحي، أي لنختبر بؤسنا. “طوبى للحزانى” وصية الرب لنبكي على الأهواء التي فينا، للبكاء على أسانا. “طوبى للجياع والعطاش إلى البر” هي وصية الرب كي نجوع ونعطش إلى الشركة معه. “طوبى لأنقياء القلوب” هي وصية الرب لننقي قلبنا. بقوله “طوبى”، يقول الرب: كن فقيراً، حزيناً، جائعاً إلى البر…

وهكذا، الصلاة المستمرة، مداومة القداس الإلهي، السهر الذي يحفظ الذهن يقظاً، نقاء القلب… هذه كلها وصايا المسيح. “الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة” (رو712). القديس يوحنا الإنجيلي تلميذ المحبة يقول للمسيحيين “بهذا نعرف أننا عرفناه إن حفظنا وصاياه، من قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب وليس الحق فيه، وأما من حفظ كلمته فحقاً في هذا قد تكمّلت محبة الله. بهذا نعرف بأننا فيه” (1يو23-5). وهو نفسه يقول بحق “فإن هذه هي محبة الله أن نحفظ وصاياه”.

“هدفنا” بحسب ديونيسيوس الأريوباغي “أن نتمثّل بالله، وأن نشترك معه، بقدر ما هو ممكن. وأننا نبلغ هذا، كما تعلّم الكلمات المقدسة، بواسطة حبّ الوصايا الفائقة الإكرام”.

ويعلم القديس غريغوريوس بالاماس أنّ             ممارسة الفضائل تجلب معرفة الموجودات. ويجيب عن سؤال عن غاية ممارسة الفضائل قائلاً أنّ هذه الغاية هي: الاشتراك مع الله والتمثّل به. ممارسة الفضائل متعلّقة بممارسة الوصايا. قديس الهدوئية يشير أيضاً إلى أن حبّ الله “ينمو بعمل الوصايا فقط”.

أود فيما يلي، عرض عدة أقوال آبائية تكشف قيمة وصايا الله: “إنّ غاية وصايا المخلص هي تجريد النوس (الذهن) من الكراهية وعدم العنف” (القديس مكسيموس المعترف).

“وصايا الله أثمن من كل كنوز العالم. والذي يحوزها يجد الله في داخل نفسه” (القديس إسحق السرياني).

“حفظ وصايا الله يولّد عدم الهوى، وعدم هوى النفس يصون المعرفة. طاعة وصايا الله هي القيامة من الاموات”.

يعتبر القديس غريغوريوس السينائي أنّ عمل الوصايا هو أحد الطريقين الذين بهما توجد قوة الروح المعطاة سرياً بالمعمودية المقدسة. كلّ هذا يُظهر ضرورة النسك من أجل الشفاء وقيامة النفس. وكما ذكرنا سابقاً، النسك أساساً هو حفظ وصايا المسيح المخلص.

إنّ حقيقة ارتباط وتماهي الأخلاق بالنسك تظهر بالأمثلة الثلاثة التالية:

الأول، مأخوذ من تعليم القديس أنطونيوس. بدراسة نصوصه المائة والسبعين المعنونة بـ “حثّ حول أخلاق الناس والحياة الفاضلة”، يتأكّد المرء أنّ القديس يتكلّم عن تطبيق وصايا المسيح، عن صراع الإنسان من أجل تحويل أهوائه، عن توجيه قواه بإتجاه الله، عن عيش حياة فاضلة شبيهة بالله، عن تنقية قلبه لكي يحرز معرفة الله. هذه توضح أنّ أخلاق الإنسان ليست أكثر من تحويله وتجديده في نطاق النسك الذي في المسيح.

الثاني، مأخوذ من القديس سمعان اللاهوتي الحديث. يوجد بين كتاباته ما يُدعى “الكتاب المقدس والأخلاق” ويتكلّم فيه عن معصية آدم، عن تجسّد المسيح، عن تجديد الإنسان، عن الأهواء واكتساب النضج الروحي في المسيح، عن مجيء الروح القدس إلى قلب الإنسان وكيف نتعرف إلى حضوره، عن اتّحاد النفس والجسد في الله، عمّن هو التائب والممارس لحياة النسك، عن الاستنارة ومعاينة النور غير المخلوق، عن الحديث السري مع الروح القدس، عن معرفة الله التي تُقْتَنى لا بالتعليم بل بنعمة الله النعطاة للمتنقّي، عن مجيء المسيح الثاني الذي يتم بداخلنا قبل الموت، وكيفية التحقق من أن المسيح في قلوبنا، عن موت الإنسان العتيق بواسطة قوة ونعمة المسيح، عن كيفية شراء ذمتنا… إلخ. هذا التعداد الكثير يظهر أنّ القديس سمعان يربط الأخلاق بالولادة الثانية في المسيح، والتي تمرّ في النسك.

الثالث، مأخوذ من القديس غريغوريوس بالاماس. لقد كتب 150 مقالاً مقسّمة إلى فصول: طبيعية، لاهوتية، أخلاقية، وعملية. وترى أن المصطلحَين: أخلاقي وعملي يشيران إلى استنارة النوس. أما المصطلح اللاهوتي فيشير إلى معاينة الله. لأن المعاينة مرتبطة جداً باللاهوت في تعليم القديس غريغوريوس بالاماس. نتأكّد من أنّ القديس، بعد تحليل هذه الأمور، تابع ليتكلم عن: خلق العالم، مجيء المسيح، سقوط الإنسان وإعادة ولادته التي تتمّ عندما يحيا في الكنيسة ويمارس الحياة الأسرارية والنسكية.

الأخلاق الأرثوذكسية هي إذن متماهية مع الحياة النسكية وبالتالي مع ثمارها.

على كلٍ وكما ذكرنا سابقاً، أنّ حياة النسك هي عبور الإنسان في مراحل الحياة الروحية الثلاث: تنقية القلب، استنارة الذهن، تألّه الإنسان. إذا درسنا أعمال الآباء سوف نجد هذه المراحل الثلاث في كلّ مكان. يعرّف أفاغريوس البنطي المسيحية بأنّها “عقيدة يسوع المسيح المخلّص المؤلّفة من العملي والتطبيقي واللاهوتي”.

القديس ديونيسيوس الأريوباغي يتحدّث عن المراحل الثلاث مسمياً إياها: التنقية والإستنارة والكمال. القديس مكسيموس المعترف، يتكلّم أيضاً عن الفلسفة العملية (التنقية) والمعاينة الطبيعية (الاستنارة) واللاهوت السرّي (التألّه). القديس سمعان اللاهوتي الحديث يقسّم عدداً من فصوله إلى: عملية ومعرفية ولاهوتية. يميّز القديس غريغوريوس بالاماس أيضاً في نصوصه بين الأخلاقي والطبيعي واللاهوتي. التقليد الأرثوذكسي بكامله يتكلّم عن مراحل الكمال الثلاث هذه، لأن مراحل الكمال الروحي، المتعلّقة بالحياة النسكية تشفي الإنسان. فإن النسك بالتالي متعلّق بالشفاء. هكذا أيضاً تهدف الأخلاق إلى شفاء النفس. لذلك فإنّ تطبيق الأخلاق المسيحية هو تحقيق الشفاء باتّباع النهج الأرثوذكسي. تبعاً لذلك نقول أنّ الأخلاق في التقليد الأرثوذكسي غير منفصلة عن النسك. والنسك مرتبط ومتعلّق بمعالجة الكنيسة الشفائية. لهذا فإننا لا نفهم الأخلاق منفصلة عن الشفاء، ولا الشفاء منفصلاً عن الأخلاق. إذن، باستعمال مصطلح الأخلاق لا نعني أشياء خارجية وأفكار مجرّدة خارجية ومبادئ ولا حتّى فضائل.

سر الموت

سر الموت

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

مقابلة أجراها البروفسور بافل كيريلا من مستشفى القديسة إيريني في بوخارست

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

1. سؤال: أرجو أن تخبرنا أول شيء يخطر في بالك عن الموت، شيئاً تعتبره فائق الأهمية.

جواب: ما يأتي عفوياً في فكري هو أنّ الموت سرّ رهيب، بحسب ما ننشد في خدمة الجنّاز من نظم القديس يوحنا الدمشقي. إنّ هذا الأمر مرتبط بحقيقة أن النفس تُفصَل بالقوة عن الانسجام الناجم عن اتحادها بالجسد. إنّه أيضاً حادث حزين لأنه مرتبط بقابلية الإنسان للفناء والموت الظاهرة في كل حياة. إلى هذا، إنّه يذكّرني بخدمة الجناز البهية كما نحتفل بها نحن الأرثوذكس إذ نحمل شموعاً مضاءة وننشد انتصارياً “المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور”. هذه الصورة الجميلة تظهر موقفنا من الحياة والموت. نحن قابلون للفساد والموت لكننا نملك “دواء عدم الموت” الذي هو المسيح القائم من بين الأموات. يمكننا القول، باستعمال المصطلحات الحديثة، أنّ بتجسّد الابن واتّحاد الطبيعتين البشرية والإلهية في شخص الكلمة، حصل “استنساخ روحي”، واتّحدت طبيعتنا المائتة بحياة الله. لهذا غيّر الموت اسمه وهو الآن يُسمّى رقاداً، وأماكن دفن الراقدين تُسمّى مراقد (مدافن) وليست قبوراً.

إذاً، عندما أرى الناس حاملين شموعاً مضاءة منشدين “المسيح قام” عند قيامة المسيح، أفهم بشكل أفضل أنّ علينا أن ننظر إلى الموت كعملية عبور بالمسيح من “أرض مصر” إلى “أرض الميعاد”، من الموت إلى الحياة، وكرجاء بقيامتنا التي تتم أيضاً بالمسيح. إن الأمر ليكون سعيداً جداً أن نتوقّع الموت في هذه الوضعية، حاملين شمعة القيامة منشدين “المسيح قام”. في النهاية، نحن “غرباء وحجاج” في هذه الحياة وموطننا الحقيقي ليس هنا. أنا أتأثّر دائماً بكلمات القديس نيكولا كاباسيلاس (القرن الرابع عشر) بأننا فيما نحيا هنا على الأرض إلا أننا مثل جنين في رحم أمه، نولَد لحظة موتنا ونخرج من ذلك الرحم. لهذا السبب، في الكنيسة الأرثوذكسية يُعَيَّد للقديسين في يوم رقادهم أو استشهادهم وليس في يوم مولدهم.

2. سؤال: نفهم من الكتاب المقدس وجود نوعين من الخوف: خوف مقدّس، وهو رأس الحكمة بحسب كاتب المزامير، وخوف آخر يوحي به الشياطين، وهو خوف مَرَضي. في أي من الفئتين يأتي الخوف من الموت؟

جواب: بالواقع، هناك خوف من الله هو قوة لنعمة الله وبداية للخلاص، أي أنّ الإنسان يخاف أو يحترم الله ويبدأ بإطاعة وصاياه، وهناك خوف توحي به الشياطين يسبّب القلق والكرب. في أي حال، إلى جانب هذين الخوفين هناك الخوف النفساني المرتبط بشعور الإنسان بعدم الأمان وعجزه العاطفي.

معنى الخوف من الموت يختلف من شخص إلى آخر. بالنسبة للأشخاص العالميين والملحدين يرتبط بمسلك “العدمية” أي أنّهم يفكرون بأنّهم يتركون العالم الوحيد في الوجود وينتهون إلى العدم واللاوجود. هذا ليس موجوداً عند الأرثوذكسيين. فخوف الموت عند المسيحيين يرتبط برحيل الروح من العالم الذي يعرفونه، بترك الأصدقاء والأقرباء، والدخول إلى عالم آخر لا يعرفونه بعد. إنّهم لا يعرفون كيف سوف تكون حياتهم وما الذي سوف يكون مع حكم الله بعد موتهم. من هنا ضرورة الرجاء والاستعداد الملائم.

بالطبع، إن المسيحيين الذين بلغوا استنارة النوس والتألّه قد اتّحدوا مع المسيح ويتخطّون خوف الموت، كما نرى في حياة الرسل والشهداء وقديسي الكنيسة بشكل عام. في قراءة السنكسار نجد جملاً مثل “في مثل هذا اليوم، القديس (فلان) تكمّل في سلام” أو “تكمّل بالسيف”، وغيرها. يجب الإشارة هنا إلى أنّ في اليونانية، الفعل “teleioutai” يعني “تكمّل” أي اقتيد إلى الكمال، وهو يختلف عن الفعل “teleionei” الذي يعني “انتهى” (لم يعد موجوداً). كما يمكننا أن نقول بأن حياة الحواس “vios” تنتهي بالموت بينما الحياة “zoe” تتكمّل ولا تنتهي. المهمّ هو أننا بالحياة الروحية التي نعيشها علينا أن نغلب الخوف من الموت ونشعر بالموت كطريق نحو اللقاء مع المسيح والعذراء الكلية القداسة والقديسين.

3. سؤال: نعرف من التقليد المقدّس أنّ عند موت إنسان ما تحضر الملائكة والقديسون والشياطين أيضاً. ماذا تقول لنا عن ذلك؟

جواب: نعرف من تعليم المسيح وكامل تقليد الكنيسة أنّ كلا الملائكة والشياطين موجودون، وليسوا تشخيصات للخير والشر، بل كائنات فردية خلقها الله. الشياطين كانوا ملائكة فقدوا شركتهم مع الله. كثيرون من القديسين استحقّوا أن يروا، في هذه الحياة، الملائكة وشياطين التجارب أيضاً. بحسب تعليم آبائنا، الملائكة والقديسون وحتّى المسيح والعذراء الكلية القداسة، غالباً ما يظهرون إلى المشرِفين على الموت ليساندوهم ويقووهم على تخطّي الخوف الذي يثيره الموت. الشياطين أيضاً يظهرون، خاصةً عندما يكونون قادرين على التأثير في بعض الأشخاص بسبب أهوائهم، ويطالبون بالسلطة على أرواحهم. هذا ما تذكّرنا به صلاة النوم الصغرى في أفشين لوالدة الإله “عند خروج نفسي الشقية، تداركيني من حولي، ولقتام مناظر الجن الأشرار أقصي عنّي بعيداً”.

بحسب تعليم الكنيسة، نعرف أنّ لكل إنسان “ملاكاً حارساً” يحميه، ولهذا يوجد صلاة خاصة بالملاك الحارس في صلاة النوم. كان الأب باييسيوس الراهب من الجبل المقدس يقول أنّه كثيراً ما رأى ملاكه الحارس وعانقه. كان يقول بأن علينا أن نجاهد للوصول إلى الخلاص حتى أن ملاكنا، الذي احتمل آلاماً كثيرة ليحمينا ويساعدنا في حياتنا، لا يتقدّم من الله فارغ اليدين، إذا لم نخلص بسبب إهمالنا. أذكر بتأثّر أن أبي كان عند دخوله الكنيسة يذهب مباشرة إلى باب الهيكل الشمالي ويقبّل أيقونة رئيس الملائكة ميخائيل ويسأله أن يتقبّل نفسه في الوقت المناسب بعد أن يتوب ويحميه من الشياطين الشريرة ويقودها إلى الله. ربما هذه الصلاة، من بين غيرها، ساعدته على الحصول على رقاد حَسَن ووجه مبتسم في الكفن.

4. سؤال: نقرأ في الكتاب المقدّس أنّ الرحمة تفوقت على الحكم. هل هذا يعني أن أعمال الإحسان تغفر كثرة الخطايا؟

جواب: يجب أن نرى ما هو معنى الرحمة. بالحقيقة، الرحمة هي الشعور بالنعمة الإلهية ومحبة الله. عندما نصلّي “يا رب ارحم”، نطلب رحمة الله ونعمته. مَن اختبر النعمة الإلهية يكون كريماً مع إخوته في كل أنواع الصدقات المعبّر عنها بالصلوات والأقوال اللاهوتية والمساهمات المادية، وبهذا يمارس التطويبة “طوبى للرحماء فإنهم سيُرحَمون” (متى 7:5). بهذا المعنى يمكن القول بأن الإحساس بنعمة الله والإحسان يتخطيان الحكم. إنّ مَن تحوّل روحياً واتّحد بالله لا يخشى الحكم، لأن قول المسيح ينطبق عليه: “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ.” (يوحنا 24:5).

بحسب تعليم آباء الكنيسة، هناك ثلاث أحكام. الأول يتمّ في حياتنا، عندما يواجهنا مأزق اتّباع إرادة الله أو رفضها، عندما علينا أن نختار بين فكر الخير أو الشر. الحكم الثاني يتمّ عند خروج النفس من الجسد، بحسب القديس بولس: “وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ” (عبرانيين 27:9). الحكم الثالث والأخير سوف يكون عند المجيء الثاني للمسيح. الحكم الأول مهم. يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث أنّه عندما يتّحد إنسان ما بالمسيح في هذه الحياة ويرى النور غير المخلوق، يكون الحكم قد تمّ ولا ينتظره عند المجيء الثاني. هذا يذكّرنا بقول المسيح المذكور سابقاً. هنا أريد أن أكرر قول القديس باسيليوس الكبير وغيره من آباء الكنيسة بأنّ هناك ثلاث فئات من المخلَّصين، العبيد الذين يتبعون إرادة الله ليتجنّبوا الجحيم، الأجراء الذين يجاهدون ليستأهلوا النعيم كمكافأة، والأبناء الذين يطيعون مشيئة الله بسبب محبتهم له. إذاً، في حياتنا علينا أن نتقدّم روحياً ونعبر من مرحلة العبيد إلى مرحلة الأجراء ومن هناك إلى عقلية الأبناء. هذا يعني العبور من الخوف والمكافأة في المحبة، أي أن نحب المسيح لأنّه أبونا وأمنا وصديقنا وأخونا وعريسنا وعروسنا. هكذا نتخطّى الحكم.

5. سؤال: أخبرنا شيئاً عن الموت المفاجئ.

جواب: إنّ تقييم الموت الفجائي يتوقّف على نظرة الإنسان. فبالنسبة للدهريين، الموت المفاجئ حسن ومقبول ومرغوب لأنهم لا يتعذّبون ولا يتألّمون بالأمراض والشيخوخة. عند المؤمنين المسيحيين، الموت الفجائي سيء لأنّهم يُحرَمون إمكانية التهيؤ بشكل أفضل للقائهم بالمسيح والكنيسة السماوية. عندما يزور الإنسان مسئولاً كبيراً يتهيّأ كما يليق، والأمر نفسه ينبغي عمله عند لقاء المسيح. الاستعداد بالتوبة أساسي. لهذا كان الأب باييسيوس ذو الذكر المؤبّد يقول بأنّ السرطان هو مرض طاهر لأنّه ملأ الفردوس بالقديسين، ما يعني أن المرض لفترة طويلة يهيئ الناس بالصلاة والتوبة. بحسب تعليم القديس مكسيموس المعترف، الألم يشفي اللذة.

في كل الأحوال، الموت هو الحدث الأكثر يقيناً. نحن نراه حولنا، كل شيء يموت، كل المخلوقات الحية، أصدقاؤنا، أقرباؤنا. ما ليس مؤكّداً ومعروفاً عندنا هو ساعة الموت، أي ساعة مجيئه. فقد تتمّ خلال النوم، المشي، السفر، العمل، التسلية، أو غيرها. لهذا علينا أن نصلّي يومياً كما تفعل الكنيسة: “من أجل أن نتمم حياتنا بسلام وتوبة، إلى الرب نطلب”، و”من أجل أن تكون أواخر حياتنا مسيحية سلامية بلا حزن ولا خزي وجواباً حسناً لدى منبر المسيح المرهوب نسأل”.

في تعليم الآباء القديسين، نواجه حقيقة أنّ أعظم المواهب التي يمكن أن يمتلكها الإنسان هي “ذكر الموت” اليومي. عندما يُصان هذا بنعمة الله، يقود الإنسان لا إلى اليأس وعدم الرجاء والخوف النفساني، بل إلى الروح والصلاة والإبداع حتّى في الأمور البشرية، لأنّه يحاول أن ينهي أعماله ويستعدّ كما يليق. عندما نحيا كلّ يوم وكأنّه الأخير في حياتنا، يجدنا الموت المفاجئ مستعدين.

6. سؤال: أيٌ هي العبارة الأصحّ: ساعة الموت أو لحظة الموت؟

جواب: هذا يتوقّف على كيفية تفسير كلمتي “ساعة” و”لحظة”. في الحديث، غالباً ما نستعمل كلمة “ساعة” لنعني “لحظة”، لكني أفهم أن سؤالنا هو حول ما إذا كان الموت عملية تمتد أو تنتهي بلحظة. ما يمكن قوله هو أنّه قد يكون هناك عملية موت أي الأمراض المزمنة التي تقود الإنسان إلى الموت لكن انفصال النفس عن الجسد يتمّ في لحظة محددة بمشيئة الله. هذه اللحظة مهمة لأنّ شكل وجود الإنسان يتغيّر ولا يمكننا أن نعرف كيف يكون من بعدها. نحن نعرف حالة ارتباط النفس بالجسد حيث يتمّ الاتّصال بالخليقة عبر الحواس. لكننا لا نعرف عن خبرة ما سوف يصير بعدئذ ولا كيف نصير. في الحاضر نحن نرى العالم المخلوق من الله والناسَ والأصحابَ وجمال الأرض، لكننا لا نرى الملائكة والشياطين. بعد الموت، رؤية النفس لن تكون عبر حواس الجسد بل سوف ترى ما ليس منظوراً حالياً. لهذا السبب، يسعى القديسون للحفاظ على وعيهم بالصلاة خلال عملية الموت، حتى يتركوا هذا العالم مرافَقين بقوة الله ونعمته.

علينا أن نذكر أن القدرة على الصلاة خلال هذه الساعات وتقبّل مناولة جسد المسيح ودمه لكي نُحاط بنعمة الله عند مفارقة النفس للجسد هي امتياز قد حذفته آلات دعم الحياة في غرف العناية الفائقة. من وجهة نظر مسيحية، تتطلب ساعة الموت تهيئة مناسبة، أي اعتراف ومناولة ومسح بالزيت المقدس وصلوات من العائلة والأصدقاء وصلاة شخصية. إلا أنّ في غرف العناية الفائقة يستحيل وجود هذه الخدمة الرعائية الكنسية. وهكذا، بسبب ما يُمارس من التقنيات الحديثة والأدوية يزداد في أيامنا عدد الأشخاص الذين يموتون غير واعين لما يحدث عند تلك اللحظة. هذه مشكلة مهمة. تطرح الطرق الطبية الحديثة إشكالية “إطالة الحياة أو إعاقة الموت”. مع كل ما يقدمه الطب الحديث، السؤال هو: هل تُطوَّل حياتنا لنتوب ونكرسها لله أو أن الموت يُعوَّق ما يخلق المزيد من الألم الجسدي والوجودي؟

في مطلق الأحوال، إنها لنعمة عظيمة من الله أن يموت الإنسان مُحاطاً بأحبائه وهم يصلّون له وفوق كل شيء أن يموت في الكنيسة مع المناولة والصلاة وبركة أبيه الروحي ونعمة الله وصلوات القديسين. ما ينبغي أن نتمنّاه هو ميتة كتلك المصوَّرة في أيقونة رقاد العذراء حيث نراها مُحاطة بمحبة المسيح والرسل ورؤساء الكهنة.

7. سؤال: بعض الناس يموتون فجأة. أصحيح أن الله يأخذ الإنسان عندما تكون إمكانية خلاصه في أقصاها؟

جواب: نحن المسيحيون نؤمن بشكل مطلَق بأننا خُلِقنا بمحبة الله وبأنّ الله يوجّه حياتنا ويعطينا الحياة ويأخذها عندما يجد أن اللحظة مناسبة. نحن نعرف أيضاً أن الله يحب الإنسان الذي خلقه ويريد خلاصه. لهذا، من الأكيد أن الله يسمح بموت الإنسان عند أفضل اللحظات. بالطبع، محبة الله لا تلغي حرية الإنسان. الإنسان قادر على التصرّف إيجابياً أو سلبياً، للتجاوب مع الله أو رفضه. بما أنك ذكرت أن بعض الأشخاص يتوفون فجأة، أريد أن أذكّرك أنّه علينا أن نتذكّر الموت باستمرار. لا ينبغي أن نشعر بأننا سوف نحيا لانهائياً على الأرض لأن هذا مرض روحي. هناك تعاقب بين الحياة والموت، مشابه لتعاقب الليل والنهار. يشدد علم جزئيات الحياة على أنّ الموت مرتبط بالحياة بشكل لا ينفصم، لأن بين الجينات جينات للتعمير موجودة في خلايانا. إذاً، من لحظة تكوّننا، يوجد الموت في الحمض النووي، ونرى الموت في جسدنا بموت الخلايا، وبشكل عام، مع التقدم في العمر ومرور السنين والتغضّن والأمراض وكلّ ما نسمّيه في اللاهوت فساداً وقابلية للموت. علينا ألاّ نكون قصيري النظر ونتصرّف مثل النعامة.

في هذه العملية يجب أن نعرف أن الله لم يخلقنا لنموت وأن الموت هو نتيجة خطيئة آدم وحواء وأن الله يحبنا ويهتمّ بنا. إنه أب محب. من غير الصحيح أن نصلّي الصلاة الربية وأن نناديه أباً من جهة، ومن جهة أخرى أن نسلك كالأيتام.

8. سؤال: يعلّق الإيمان الأرثوذكسي أهمية كبيرة على التوبة، والشكر لله على أنّه أعطانا التوبة. أيمكن أن تبلغ عظمة التوبة عند ساعة الموت لأن يخلص الإنسان حتى ولو كان محمّلاً بالخطايا؟

جواب: في تقليدنا الأرثوذكسي معروف أن الخطايا ليست أمراً أخلاقياً بل هي شيء وجودي، أي أنه يأتي من الحياة طبيعياً بعكس الطبيعة. وهكذا، التوبة هي عودة الإنسان من الحياة ضد الطبيعة إلى الحياة بحسب الطبيعة. بالخطيئة خسر الإنسان شركته مع الله ومع أخيه ومع الخليقة. بالتوبة يستعيد هذه الشركة مجدداً. إذاً، ترتبط التوبة بتقدم تحرر الإنسان من كل ما يستعبده. يصف الآباء هذه التقدم بثلاث كلمات: التطهر، الاستنارة والتألّه وهذا ما يسمّونه علاجاً. هذا يتمّ خلال كل الحياة. لهذا، الخلاص مرتبط بالشفاء. طبيب الجسد يفحصنا ويشخّص ما بنا ويعطينا طريقة الشفاء التي علينا تطبيقها. نفس الشيء يصحّ في مرض النفس. الاعتراف عند ساعة الموت يفتح للإنسان طريق الخلاص. إن لم يكن عند الإنسان ما يكفي من القوة للشفاء روحياً، فالكنيسة بصلواتها تساعده على الخلاص، أخذاً بعين الاعتبار أن الكمال غير متناهٍ، ذو طاقة طبيعية وليس حالة من الثبات.

خلال حياتنا علينا أن نكتسب روح التوبة هذه. علينا أن نتأمّل في كيف خُلِقنا من الله والنقطة التي بلغناها بسبب الخطيئة. إذا قرأنا كتاب التكوين بتأنٍ وبحسب تعاليم آباء الكنيسة ورأينا كيف عاش آدم وحواء وما صارا عليه لاحقاً، تنمو التوبة في داخلنا. إذاً، مَن كان صاحب “روح” توبة في حياته، يحس بهذه التوبة عند ساعة موته، وبالفعل إلى درجة كبيرة. وبالعكس، مَن يقضي حياته بلا توبة يصعب أن يظهر توبة عند اللحظة الأخيرة. أبي الروحي الطيب الذكر، كالينيكوس ميتروبوليت إديسا، عاش باستمرار مع ذكر الموت. عندما أخبره الأطباء أن عنده ورم في دماغه، اعترف وكتب وصيّته وصلّى وكان واثقاً من الله مردداً: “لربما الله يقول لي توقّفْ. أنا لا أحتاجك بعد”. وكان يصلّي دائماً مردداً: “لتكن مشيئتك”. لقد سلّم نفسه لله فكانت آخرته سلامية مقدسة مشابهة لمجمل حياته.

إذاً، بالرغم من إمكانية التوبة عند اللحظة الأخيرة لمَن كانت عنده شعلة محبة الله، إلا أنّه ينبغي أن نتوب فيما نحن أصحاء لكي نشفى، أي لنتقدّم من محبة الذات إلى محبة البشر، أي للخروج من المحبة الأنانية إلى المحبة التي تنكر الذات.

9. سؤال: بعد موت الإنسان، ما هي ارتباطات النفس وهذا العالم؟

جواب: بالرغم من انفصال النفس عن الجسد، يبقى شخص الإنسان موجوداً. كما نرى في قصة الرجل الغني ولعازر، فالغني كان مدركاً لحالته، واعياً لأقربائه الذين ما زالوا أحياء ومهتماً بهم. إذاً، بعد الموت، يهتمّ البشر بأحبائهم ويسألون خلاصهم من الله. كل صلواتنا للقديسين تقوم على هذه الحقيقة. بالطبع، هذا الارتباط بين النفس والأحياء هو رباط روحي وليس مادياً. في كتاب رؤيا يوحنا الذي يصف الليتورجيا السماوية، نرى علاقة القديسين بنا وصلواتهم من أجل كل الأحياء على الأرض. لهذا السبب، يصوّر آباؤنا في القداس الإلهي هذه الليتورجية غير المخلوقة التي تتم في السموات، في الهيكل غير المخلوق. في القداس، نحن نعيش مسبقاً جو الليتورجيا السماوية.

نحن غالباً ما نحسّ بمحبة القديسين وحمايتهم، كما بمحبة وحماية المنتقلين من المقرّبين منا، ونتمنى أن نلاقيهم. أحدى بناتي الروحيات كانت سعيدة جداً عند ساعة موتها لأنّها، بحسب ما قالت، سوف تلتقي بهذه الكنيسة السماوية. إذاً، تستمر النفس بالحياة بعد خروجها من الجسد ولا تمضي إلى العدم. إذا عاش إنسان ما بالتوبة خلال حياته، فنفسه بعد الخروج من الجسد، تدخل هذه الليتورجيا الإلهية وتصلّي، ككاهن روحي، من أجل كل العالم وتنتظر قيامة الأجساد حين تدخل النفس الجسد لكي يشترك الجسد بدوره في الاحتفال بالفصح السماوي.

10. سؤال: ما هي النصيحة التي علينا إسداؤها لمَن هم حولنا بخصوص موقفنا من شخص مقبل على الموت عند يوم أو ساعة أو لحظة موته؟

جواب: عملية الموت ضرورية لكل إنسان إذ إن أمامه إما طريق الخلاص أو طريق الهلاك الأبدي. للأسف، في هذه الحالات، كثيرون لا يهتمّون إلا بالصحة الجسدية لأقربائهم أو أحبائهم، من دون أي اعتبار لما هو أبدي. لهذا علينا أن نهتمّ بأن الشخص المقبل على الموت يعترف ويتناول ويتلقّى نعمة الله من خلال سر المسحة بالزيت المقدس ويقوم بكل ما توفره كنيستنا. بوجه خاص علينا أن نقضي آخر لحظات أحبائنا في الصلاة. علينا أن نتأمّل ليس فقط في أننا نخسر قريبنا أو صديقنا بل بأنه ينتقل من طريقة وجود (بجسد وحواس) إلى طريقة أخرى من غير جسد. فعند ذلك الوقت تكون الحاجة للصلاة الحارة. أذكر لحظات أبي الروحي الأخيرة، كنت بجانب سريره ولم يكن بإمكاني تقديم أي شيء آخر، كنت أصلّي فقط لكي تتقبل الملائكة نفسه. إحدى قريباتي التي كانت موجودة ظنّت أني كنت حزيناً لأني كنت مركزاً على الصلاة. بينما أنا كنت أصلّي ليس إلا، لأنّ تلك اللحظة كانت مقدسة وحاسمة.

عموماً، علينا أن نختبر يومياً، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم، أن الحياة الحاضرة هي “نزل”. نحن ندخل هذا النزل، نحيا، لكن علينا أن نهتمّ بالخروج في رجاء حسن من دون أن نترك هنا أي شيء حتى لا نخسر ما هو هناك. إلى هذا، ينبغي أن يدرك كل المسيحيين أنّ الموت قد انغلب بصليب المسيح وقيامته، وأن الشركة مع المسيح هي تجاوزٌ مستمر للموت والخوف منه، وأن خروج النفس من الجسد هو مسيرة نحو الكنيسة العلوية واللقاء مع المسيح والعذراء الكلية القداسة والقديسين، وأنّ النفس سوف تعود إلى الجسد وأنّ الجسد سوف يُقام ويحيا إلى الأبد، بحسب ما عاش هنا على الأرض. يكتب القديس مكسيموس المعترف أنّ من لحظة الموت، وخاصة بعد الحكم الأخير، هناك إمكانيتان: الذين في شركة مع المسيح سوف يحيون في “وجود أبدي سعيد” والباقون في “وجود أبدي بائس”. إذاً، الكل سوف يتمتّعون بالوجود الأبدي. الفرق هو بين السعيد والبائس. لهذا، نصيحتنا لأقربائنا وأصدقائنا المشرفين على الموت هو بأن يؤمنوا بالمسيح ويثقوا بأننا لسنا مجرّد مواطنين في هذا العالم، بل نحن مسافرون متوجهون إلى بلدنا الحقيقي الذي هو السماوات. نحن مواطنون فوق في السماوات وينبغي أن تكون رغبتنا في الأرض السماوية غامرة.

المشكلات الوجودية في الكنيسة التاريخية – الجديدة

المشكلات الوجودية في الكنيسة التاريخية – الجديدة

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

في مقابلة مع مجلة “Sobornost”

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

صاحب السيادة، يواجه العالم اليوم تحدّي العولمة الظاهر. كيف ترى أن على الكنيسة الأرثوذكسية أن تتجاوب مع هذه النزعات؟ هل العولمة مناسبة لبشارة الكنيسة أم هي تهديدٌ لها؟

إن مجمل بنية الكنيسة الأرثوذكسية، بطريركيات وكنائس مستقلّة وأسقفيات ورعايا وأديار، توحّد البشر فيما تحفظ تمايزهم. لطالما واجهت الكنيسة التحديات وسوف تواجه دائماً. “تستجيب” الكنيسة لهذا التحدي بالتعبير عن الحقيقة المعلَنة واختبارها، بالكلام عن الحرية والمحبة والسلام، بالصلاة من أجل أن تعمّ هذه الأمور في المجتمع وفي الانهماك برعاية أبنائها. إذاً، هي تتفاعل مع هذه التحديات لا بطريقة مصحوبة بالتشنّج بل بطريقة رعائية، محاوِلَة أن تساعد أعضاءها ليختبروا الحقيقة عملياً. في الأساس، أؤمن بأنّ علينا أن نكفّ عن رؤية أعداءٍ حولنا. الكنيسة كجسد المسيح لا تخشى شيئاً. بالمقابل، علينا أن نتطلع إلى الناس ذوي النظرة المجزّأة لحقيقة الله والعالم.

سؤال يشغل عدداً من الكنائس الأرثوذكسية المحلية هو العلاقة بين الكنيسة والدولة. من جهة، نرى جهوداً وحماساً عند كثير من الرؤساء الأرثوذكسيين الذين يحاولون بأي ثمن أن يحفظوا الرباطات الدستورية بين الدولة والكنيسة، ولكن من جهة أخرى تُطرَح معضلة حول ما إذا كان من مصلحة الكنيسة الأرثوذكسية نفسها أن تكون في هذه العلاقة الدستورية مع الدولة التي في نظامها القانوني ترفض الأسس الرئيسية للأخلاق المسيحية (كما نرى مثلاً في تشريع الإجهاض، الموت الرحيم، زواج المثليين….). كيف تعلّقون على هذه النظرات المتضاربة؟

أولاً، عليّ أن أشدد أنه كما نشير اليوم إلى العلاقة بين الكنيسة والدولة، كذلك في الماضي كان هناك جدل حول العلاقة بين الكهنوت والمُلْكية، ما يعني الفرق بين الإدارة الكنسية والسياسية. الكلمات هنا أرثوذكسية. في كل حالة من الحالات، العلاقات بين الكنيسة والدولة تقوم على الذاكرة التاريخية والتقليد الثقافي لكل شعب. هذا يعني أنه قد يختلف التقليد السائد في هذا الموضوع بين دولة وأخرى. مع هذا، القاعدة هي أنّه ينبغي على كل كنيسة محلية أن تعلّم كل الحقيقة المعلنة وتعبّر عنها، وتعيش كما عاشت الكنائس الرسولية، أي كما هو موصوف في أعمال الرسل ورسائلهم. لقد كان في هذه الكنائس رسل، أنبياء، شهداء، أي أعضاء أحسّوا في أعماقهم بعطية الروح القدس وكانت لهم خبرات في التألّه. من الضروري ألاّ تدخل الإدارة السياسية على حياة الكنيسة الداخلية ولا أن تنظّمها بقوانينها. بالإجمال علينا أن نكون حذرين حتى لا تتسرّب روح الدهرية إلى اللاهوت والعمل الرعائي وإدارة الكنيسة. من جهة أخرى، لا يمكن لأي دولة أن تكون مسيحية بالكامل، لأنها سوف تُرغَم على تمرير قوانين معادية للمسيحية، لكن أقل ما في الأمر هو أن تحترم الكنيسة ولا تتدخل في شؤونها الداخلية.

عند الكلام عن مواضيع أخلاقيات علم الحياة، الموقف الاعتيادي للمؤسسات الدنيوية هو أن هذه قضايا علمية “محايدة” أخلاقياً، وبالتالي، ما من مكان للدين أو للأخلاق فيها. كيف ينبغي أن يكون رد الكنيسة الأرثوذكسية وكيف تكون قادرة على التأثير في هذه القضايا؟

أخلاقيات علم الحياة هي بالواقع ردة فعل العلم على التطبيقات السلبية الممكنة للهندسة الوراثية وعلم الحياة الجزئي (molecular biology). فالهندسة الوراثية وعلم الحياة الجزئي تقدما إلى اكتشافات قد تمارس نوعاً من الإمبريالية على الجنس البشري، ما يُعرَف بالإمبريالية الوراثية. فمن جهة تدمّر الإنسان ومن جهة أخرى تخلق تلوثاً وراثياً في المناخ. لهذا السبب، حاول عدد من العلماء أن يضعوا بعض الحدود لهذه الكارثة المحتملة، وهكذا نشأت أخلاقيات علم الحياة التي تربط الهندسة الوراثية بالإنسانيات.

بعض علماء أخلاقيات علم الحياة يدّعون أن المسائل المطروحة علمية وعلى الأديان أن تبقى بعيدة عنها. مع هذا، الحقيقة أن علماء الوراثة وأخلاق الحياة واللاهوتيين يعالجون الإنسان، وعليه، هدفهم واحد والإنسان هو كلّ مشكّل من نفس وجسد. إذا حصرنا انتباهنا بالجسد فقط، فمن الممكن أن نرى الإنسان وكأنّه آلة حيّة ونترك مشاكله الوجودية بدون حلّ. معروف أن في الماضي، حين كان الطب ميكانيكياً إلى درجة كبيرة، تطوّر التحليل النفسي ليوازن الأمور. لهذا السبب، رسالة الكنائس الأرثوذكسية بعد مؤتمر القسطنطينية في أيلول 2000، برعاية البطريركية المسكونية، أشارت إلى أنه ينبغي معالجة مشاكل أخلاقيات علم الحياة من خلال لاهوت الحياة (biotheology) أيضاً. ولهذا السبب، في السنوات الأخيرة، اهتمّ الكثيرون من الإكليروس والمجامع المحلية بالمسائل اللاهوتية التي تدور حول بداية الحياة البيولوجية، إطالتها ونهايتها، كما بتلك المتعلّقة بحماية البيئة.

بالطبع، لا يتعارض اللاهوت الأرثوذكسي مع العلم، طالما يبقى الأخير ضمن حدوده. إن علم أخلاقيات الحياة هو مَن يضع حدود العلم، واللاهوت الأرثوذكسي يعالج رعاية الإنسان ويقود من حيث ينتهي العلم إلى التألّه.

إن مسألة اشتراك الكنيسة الأرثوذكسية في ما يُعرف “بالحوار المسكوني”مع الطوائف غير الأرثوذكسية، تثير قلقاً عظيماً وخلافات ضمن الجماعة الكنسية. فهناك الافتتان المغالي بالحماس الذي يبيّض، نوعاً ما، الحدود التي تفصل الكنيسة عن العالم، وهناك أيضاً الصدمة المتكررة الناتجة عن حركات يُشتَبَه بأنها تساوم، ولو قليلاً، على هوية الكنيسة الأرثوذكسية الواحدة المقدسة، وقد أدّت هذه الصدمة في بعض الأحيان إلى انقسام. ما هو السلوك المناسب في التعاطي مع هذا الأمر؟ أتعتبرون أن هذا “الحوار المسكوني” مفيد بشكل أو بآخر للكنيسة؟

إن الميلين المذكورين منتشران في أيامنا. في بعض الأحيان هناك تفاؤل مفرِط يؤدّي إلى الدهرية والتبسيطية العقائدية، فيما في أحيان أخرى هناك ردة فعل تؤدي إلى الأصولية والتعصب. النقطة ليست الحوار بحدّ ذاته. الرسل والآباء انشغلوا بالحوار. المشكلة هي في حوار يرفض كون اللاهوت إعلاناً للحق، وكون الكنيسة جسد المسيح الوحيد، وكون الرعاية عمل الكنيسة الذي يوصل إلى التألّه. تكمن مشكلة ما يُعرَف بالمسكونية في هذه النقاط. الكنيسة الأرثوذكسية مسكونية (Ecumenical)، أي أنها جامعة مستقيمة الرأي، لأنّها تمتلك ملء اللاهوت وملء الحياة، لكنها لا تستطيع أن تكون من أتباع المسكونية (ecumenistic)، أي أن تعيش في التبسيطية العقائدية والضلال الإكليسيولوجي.

النقطة الجوهرية هي أنه في هكذا حوار بين الكنيسة الأرثوذكسية والطوائف الأخرى، يجب تحديد أساس أكليسيولوجي ويجب أن يكون المشاركون أشخاصاً من الذين يختبرون حقيقة الكنيسة، ومن أصحاب الفكر الآبائي الذين يدرسون العقائد بطريقة داخلية وليس خارجياً أو على أساس أنها مجرّد مفاهيم. هذا يعني أنهم يرون كيفية إجابة العقيدة على تساؤلات الإنسان الوجودية، أي بتعبير آخر، يرون كيفية إجابة العقيدة على السؤال حول ما هي الحياة، ما هو الإنسان، وكيف يتّحد مع الله. لهذا السبب، نحن نشير في القداس الإلهي إلى الاتحاد في الإيمان وشركة الروح القدس وليس إلى “وحدة الكنائس” أو اتحاد الشركات والمؤسسات، حتى “المسيحية” منها، ولا إلى أعمال العلاقات العامة.

يذكر الشيخ المبارك باييسيوس الأثوسي مراراً أن الانتشار السريع للأمراض العقلية هو الأكثر خطورة بين المشاكل التي تعاني منها الإنسانية المعاصرة. أمِنَ الصحيح التفكير بأن لهذه الاعتلالات النفسية خلفية روحية، وبالتالي، العلاج النفسي الصحيح الوحيد لهذه الاعتلالات هو ما تقدمه الكنيسة الأرثوذكسية؟

الأمراض العقلية والروحية، وحتى أمراض الجسد، ترتبط بمشاكل الإنسان الوجودية، أي بُعده عن الله ودخول الموت إلى وجودنا. الخطيئة هي مرض روحي. موت الجسد، الذي نرثه من أهلنا ويكمن في خلايانا مع مورثات العمر، هو نتيجة لبعد الإنسان عن الله. تحفظ الكنيسة الأرثوذكسية هذه الطريقة العلاجية، أي التقليد الهدوئي، الذي نسمّيه الطب النفسي الأرثوذكسي. بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، الكنيسة هي جسد المسيح وشركة التألّه. عبارة “شركة التألّه” تظهِر الطريقة التي بها يختبر الإنسان التألّهَ في حياته بالنعمة.

للأمراض العقلية مضاعفات على الجسد، كما أن أمراض الجسد تؤثّر على النفس. أبعد من هذا، لا يوجد أي مرض عصبي (neurological) مرده الإرهاق الجسدي، هناك تأثيرات شيطانية، أو في بعض الأحيان يسمح الله بمرض من أجل المنفعة الروحية للإنسان. لهذا السبب، في بعض الحالات، تساعد أمراض الجسد حياة الإنسان الروحية أكثر مما تساعدها الصحّة. أنا أؤمن أنه ينبغي على الآباء الروحيين الذين يعملون على علاج الإنسان أن يفرّقوا بين الأمراض الجسدية، الروحية،النفسانية، والشيطانية. التفريق هو هدف اللاهوت الأرثوذكسي. يكون اللاهوتي أرثوذكسياً إذا كان قادراً على التمييز بين المخلوق وغير المخلوق، بين الشيطاني والإلهي، بين النفساني والروحي، بين الجسدي والروحي.

بما أنكم أشرتم إلى الأب باييسيوس، عندي ملاحظة هي أنه كان في حالات الأمراض المختلفة يحيل المرضى إلى آباء روحيين في بعض الأحيان، وإلى أطباء في أحيان أخرى أو إلى قديسين. غالباً ما كان يقول: “هذا الولد بحاجة إلى قديس”، ويرسله إلى القديس نكتاريوس، القديس جراسيموس وغيرهما… بينما في أوقات أخرى كان يحيله إلى أطباء كان يعرفهم.

تواجه الكنيسة في البلاد التي كانت شيوعية في أوروبا الشرقية، مشكلة رئيسية وهي بالطبع ما يُعرَف بالمسيحيين الإسميين. أعني، قسم كبير من أهالي هذه البلدان سبق وأعلنوا أنهم أرثوذكسيين، وبالرغم من هذا، فهم لا يعترفون بالإيمان الأرثوذكسي، بالمقابل هم إما لاأدريون أو ملحدون، وبالتالي، لا يشتركون في صلوات الكنيسة وحياتها الليتورجية، وكل ما يرونه في الأرثوذكسية هم مجرد فولكلور وعلامة إثنية. ما الموقف الواجب اتخاذه نحو هؤلا الناس، خاصةً إذا أُخذ بالاعتبار أنّهم غالباً ما يتوقون إلى التأثير على الكنيسة والسيطرة عليها؟ أخيراً، بأي طريقة ينبغي أن تقارب الكنيسة هؤلاء الإسميين لكي تضمهم إلى حضنها؟

“المسيحيون الإسميون” أو “الإكليروس الإسميون” هم مشكلة أساسية عند الكنيسة، لأنهم يسببون الانشقاقات بأهوائهم المختلفة. إنهم يعتبرون الكنيسة مؤسسة اجتماعية، منظمة اجتماعية، ديانة، أو حتى في أفضل الأحوال مؤسسة دينية أو وطنية. لقد صار واضحاً، كما ذكرت سابقاً، أن الكنيسة هي “جسد المسيح وشركة تألّه”، بحسب تعليم القديس غريغوريوس بالاماس. إنها جسد المسيح، لأن رأسها المسيح يقيم صلة مُحكَمة بأعضائها من خلال الأسرار والعقائد. إنها أيضاً شركة تألّه، لأن أعضاءها يشتركون، بدرجات مختلفة، في التطهر والاستنارة والتألّه.

أعضاء الكنيسة أولئك الذين لا يعيشون بحسب وجهة النظر هذه، يقادون تدريجياً إلى اللاأدرية والإلحاد ويصيرون دهريين، أعضاء مرضى في الكنيسة، بغض النظر عمّا إذا ادّعوا الانتماء إلى الكنيسة أو لا. علينا أن ندرك أن الكنيسة هي مستشفى روحي وليست حقل تنافس تسوده الأهواء. القديسون هم الأطباء، والمسيح هو الطبيب بامتياز، والرعاة العاملون باسم المسيح ضمن بنية نظام القديسين يقومون بوظيفة علاجية. ينبغي أن يكون كل المسيحيين على درب الشفاء.

في هذه البيئة، لا يمكن للكنيسة أن تتحوّل إلى الفولكلورية أو الوطنية. يحدد القديس بولس مهمّة المسيحيين بوضوح فيكتب: “هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ” (2كورنثوس 5:10). في النهاية، في أي حال، الكنيسة تعالج المسيحيين بعملها الرعائي، بغض النظر عن عمرهم الروحي. المطلوب هو أن يعرف الكهنة طريقة العلاج.

علاوة على هذا، إذ نتذكر أن الإنجيل يبدأ برسالة التوبة، يمكن أن نتساءل عمّا إذا كانت التوبة خبرة شخصية فقط أم أن هناك شيء مثل التوبة الجماعية حيث قد يجري تحوّل لشعوب بكاملها؟ أمِن الممكن إيجاد أمثلة عن هذا في تاريخ الكنيسة؟

التوبة هي الشرط اللازم لاختبار إنجيل الملكوت. بدأ المسيح تعليمه بالتوبة، لأنه يتابع الحوار الذي انقطع في الملكوت مع الإنسان. هناك، آدم بخطيئته قطع حواره مع الله والآن المسيح بالتوبة يبدأ الحوار بهدف إعادة توطيد علاقة الإنسان مع الله. في اليونانية، كلمة توبة (مطانية) تعني تغيير النوس. بحسب التعليم الأرثوذكسي، النوس هو عين النفس ولا يحدَّد بالعقل. يختلف النوس عن العقل. بالخطيئة يظلِم نوس الإنسان، وبالتوبة تبدأ استنارته. لهذا السبب، يشدد تعليم الكنيسة الأرثوذكسية الهدوئي على أن معالم الطريق إلى الله هي هذه الكلمات الثلاثة: التطهّر، الاستنارة والتألّه. يتنقّى القلب من الأهواء بالتطهّر، يستنير النوس ويبدأ بالصلاة بلا انقطاع بالاستنارة، وبالتألّه يعاين الإنسان مجد الله.

إذاً بالمبدأ، التوبة هي خبرة شخصية. لكنها أيضاً خبرة جماعية، إذ عندما تفقد كنائس محلية بأكملها الحقَّ ورسالتها الرعائية عليها أن تتوب. لهذا السبب نحكي عن خطايا لاهوتية وكنائسية. هكذا ينبغي أن نفسّر رسائل الله إلى ملائكة الكنيسة، كما ترِد في الفصول الأولى من رؤيا يوحنا. ولهذا السبب نهتمّ كثيراً بالهرطقة والانشقاق إذ من خلال الهرطقة ننقطع عن الحق المعلَن بالمسيح وبالانشقاق نقطّع أوصال كنيسة المسيح، بما لذلك من عواقب وخيمة على حياتنا، إذ كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم، ولا حتى شهادة الدم تقدر أن تخلّص مَن يغتصب كنيسة المسيح. لهذا، التوبة الجماعية هي العودة إلى حقيقة الكنيسة العقائدية وإعادة تكاملنا في وحدة الكنائس المحلية.

نريد الآن أن نعالج موضوعاً حساساً هو العلاقة بين الخبرة الرهبانية وجامعية الكنيسة. بتعبير آخر، نحن نشهد حالات حيث، في بعض الحلقات (خاصةً في بلادنا)، ترِد آراء تؤكّد علوِيّة “النسك” و”صلاة القلب والعقل” حتى فيما يتعلّق بالترتيب القانوني للكنيسة وليتورجيتها الواحدة؛ ويصل الأمر لغاية استعمال هذه الادّعاءات غالباً كتبرير للانسحاب من الكنيسة والإصرار على الانشقاق. باختصار، نريد أن نسمع موقفكم في ما يتعلّق بهذه الظاهرة، خاصةً ما إذا كان هناك أي معنى للنسك ولصلاة القلب والعقل خارج الوحدة الليتورجية والقانونية لكامل الكنيسة الأرثوذكسية.

منذ أيام القديس إيريناوس، علّمنا آباء الكنيسة أن الكنيسة مرتبطة بشدّة بالأرثوذكسية والقداس الإلهي. الكنيسة هي “جسد المسيح وشركة تألّه”، الأرثوذكسية هي التعليم الصحيح وحياة الكنيسة، والقداس الإلهي هو ممارسة الكنيسة. الثلاثة مرتبطون ببعضهم الآخر، ولا يوجد بينهم واحد أرفع أو أدنى من الآخرَين. كنيسة من دون الأرثوذكسية والقداس الإلهي هي مكان اجتماع. الأرثوذكسية من دون الكنيسة والقداس الإلهي هي مدرسة هرطوقية، والقداس الإلهي من دون الأرثوذكسية والكنيسة هو مجرّد اجتماع ديني.

علينا أن ننظر إلى العلاقة بين النسك، صلاة القلب النوسية والقداس الإلهي ضمن هذا الإطار. القداس الإلهي هو مركز حياة الكنيسة، لأن بالقداس الإلهي نتناول جسد المسيح ودمه، لكن القداس الإلهي يفترض مسبَقاُ النسك وصلاة القلب النوسية. كلا النسك وصلاة القلب النوسية يشيران إلى القداس الإلهي. لا يُقام القداس الإلهي من دون شروط مسبقة ولا هي صلاة القلب النوسية مفصولة عن القداس. كلا الوضعان المتطرفان المستقلان يثير مشاكل كنائسية. إن الذي يعيش نسكياً ويمتلك صلاة القلب النوسية من دون القداس الإلهي يكون متأثّراً بظروف غير شرعية وآثمة. إن الذي يعيش القداس الإلهي من دون إستيفاء شروط النسك يكون سالكاً بطريقة آلية في حياته في الكنيسة.

إلى هذا، لا يمكن للمواهب الروحية أن تبطِل ترتيب الكنيسة القانوني، الذي وضعه الروح القدس، لأن الروح القدس “يشكّل كامل قانون الكنيسة” من خلال المجامع المحلية والمسكونية. في الوقت عينه، لا ينبغي بنا أن نستخفّ بالمواهب الروحية بإسم الترتيب القانوني. بالإجمال، مطلوب انتباه كبير في ما يتعلّق بالتحركات المستقلّة وحالات المغالاة في التشديد على بعض الأوجه الخاصة في حياة الكنيسة.

خلال العقود الأخيرة، وقعت المجتمعات، التي اعتبرت نفسها في الماضي مسيحية، ضحية تدفّق شيَع الأديان الزائفة (المتمثلة في عدد من أنظمة اليوغا والتأمّل، هستيريا الأجسام الغريبة، الوثنية الجديدة…)، وكلها تحت مظلّة ما يُعرَف بتيار العصر الجديد (New Age). ماذا ترون سبب شعبية هذه التيارات وكيف ينبغي أن تتصرّف الكنيسة الأرثوذكسية بوجود “روحانية” العصر الجديد المذكورة آنفاً؟

سبب انتشار بدع الأديان الزائفة المختلفة وما يُعرَف بالشيع الدينية أو الوثنية الجديدة، والتي يسقط عدد كبير من أعضاء الكنيسة ضحايا لها، هو أن كثير من الناس ابتعدوا عن تقليد كنيستنا النسكي. كما هو معروف، التقليد النسكيالهدوئي في الكنيسة، الذي يشكّل روح النبوّة والرسولية والشهادة في الكنيسة قديماً، هو المعيار الذي به يمكن تمييز ما إذا كانت بعض الأعمال تأتي من الله أو من الشيطان. يعلّم القديس غريغوريوس النيصّي أن البدع تزدهر عندما يغيب الأنبياء. والأمر هو على هذا المنوال لأن الأنبياء والرسل يعرفون كيف يميزون الكذب من الحق.

إلى هذا، في أيامنا، لا يرتاح الناس، وخاصةً الشباب منهم، بالطرق التقليدية، أو في حياة أخلاقية ظاهرياً. بالمقابل هم يبحثون عن أجوبة لأسئلة وجودية، ويتطلّعون إلى السلام الداخلي والحرية الكيانية. لهذا، ما هو ضروري أكثر من أي شيء آخر في أيامنا هو التقليد الهدوئي، الذي يشكّل أساس الإنجيل، إطار القداس الإلهي، وجوهر الخطاب الرسولي والآبائي. هذه الروح موجودة بوفرة في الفيلوكاليا وأقوال الآباء. عندما تُقرأ هذه النصوص ضمن البنية القانونية للكنيسة الأرثوذكسية، تساعدنا على تجنّب المظاهر الخادعة وكل ما هو مرتبط بها.

تقول الإحصائيات أن في بعض دول الاتحاد الأوروبي تنتهي أكثر الزيجات بالطلاق. أتظنون أنّه إلى جانب المشاكل الاجتماعية تكمن أيضاً أسباب روحية للانحلال العائلي الذي يثير الرعب في المجتمعات الحديثة، وبالتالي، ما هي المواقف والسبل المحددة التي ينبغي على الجماعة الأرثوذكسية أن تتخذها لكي تقاوم هذه النزعة؟

أسباب الطلاق هي الأهواء المختلفة التي تنمو في الإنسان، كمثل محبة الذات ومحبة اللذة والأنانية. عندما يقرأ الإنسان خدمة سر الزواج بتأنٍ، يجد أن حياة الرجل والمرأة المشتركة، التي ينبغي أن تكون في المسيح، تُعاش ضمن إطار محدد. عندما ينتهك أحد ما هذا الإطار، يختبر أولاً ما يُعرَف بالطلاق العاطفي ومن ثم ينتهي بالطلاق الكامل. الطريقة التي نرمز بها إلى رقصة إشعياء في الإكليل ذات دلالة: الكاهن يقود العروسين، حاملاً الإنجيل ومرتلاً “أيها الشهداء القديسون الذين جاهدتم حسناً وتكللتم”. هذا يعني أن خطوات العروسين الجديدين سوف تشبه الشهادة ولهذا ينبغي أن يكون الكاهن دوماً أمامهما ليقودهما على أساس الإنجيل. هذا يعني أن هناك نسك ضمن الزواج، إنه نسك الكنيسة. عندما لا يُحتَرَم هذا، يصبح الزواج دهرياً.

على الجماعات الأرثوذكسية أن تساعد الناس منذ نشأتهم على أن يتعلّموا بوضوح مغزى وجود الإنسان، وهدف الزواج ونتيجته. فهدف الزواج ليس مجرد المساكنة الاجتماعية بل اختبار الملكوت على الأرض وهو طريق إلى الملكوت.

نصل الآن إلى الرهبنة الأرثوذكسية، ما الذي تعتبرونه دورها الأول في الظروف الحاضرة مقارنةً بالماضي؟ أتقولون أن كل عصر يطرح تحديات مختلفة على الجماعة الرهبانية، وإذا كان الأمر كذلك، ما هي مهمتها الخاصة في زماننا هذا؟

في الكنيسة الأرثوذكسية، الرهبنة الأصيلة هي تلك التي تعيش التقليد الهدوئي الذي ذكرناه سابقاً بالكامل، وينبغي أن يكون الرهبان، بحسب قول قديم، “يحيون بحسب الإنجيل”. ما يثير الاهتمام هو أن التوحّد تطور كردّة فعل على “الروح” الدهرية، إذ بعد أن توقف اضطهاد الكنيسة في القرن الرابع تسرّبت “الروح” الدهرية إلى الكنيسة. لهذا السبب، الرهبنة الأرثوذكسية، على عكس الرهبنة الغربية، هي اختبار حياة النبوة والرسولية والشهادة، بخلاف الغرب حيث الرهبان لا يخلِّصون الكنيسة بل هم يخلُصون ببقائهم ضمن الكنيسة.

بالتالي، تعمل الأديرة، وعليها أن تعمل، كمدارس طبية في الكنيسة. يتعلّم الأطباء في المدارس الطبية ماهيّة المرض الجسدي، ماهيّة الكائن الحي السليم، وكيف يُشفى المريض. على المنوال نفسه، يتعلّم الرهبان في هذه المدارس الروحية طريقة العلاج الروحي للإنسان. إذا فقدت الرهبنة هذا الهدف تصير دهرية وتسبب خيبة كبرى للمسيحيين. إذ في هذه الحالات، تصير الرهبنة منظمة دهرية، مكاناً يُعنى بكل الأهواء والعدوانية والتعصّب.

في الختام، يا صاحب السيادة، ما هي رسالتك ونصيحتك إلى الأرثوذكسيين في بلادنا في لحظات هذه المحنة القائمة؟

أرى أن ما قلتُه إلى الآن رداً على أسئلتكم يمكن اعتباره جواباً لهذا السؤال الأخير. بشكل عام، في الوقت الحاضر هناك حاجة كبيرة للوحدة في حياة الكنيسة، حتى تتوحّد المواهب الروحية مع البنية القانونية للكنيسة، الحياة النسكية مع القداس الإلهي، شفاء الإنسان مع تعليم الكنيسة العقائدي.

في ما يتعلّق ببلادكم بشكل خاص، أرى أنه يجب إيجاد الطريقة المناسبة لإحراز الوحدة القانونية مع الكنائس الأرثوذكسية الأخرى يتقدمّها البطريرك المسكوني. لا يبارك الله الانقسامات والشقاقات، ولا يمكن أن تنمو أي حياة روحية أرثوذكسية صحيحة ضمن هذه الانشقاقات. وفوق كل شيء، علينا أن ندرك أن وجود الكنيسة الأرثوذكسية يتخطّى الأمم والبلدان، ولهذا السبب لا يمكن اعتبار الكنائس وطنية أو معاقل للوطنية. يأمر القديس الرسول بولس بوضوح: “فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ” (فيليبي 20:3). مركز انتباهنا، رؤيتنا، أملنا، ورجاؤنا هو دولة السماوات، حيث يرتع القديسون الآن، متحدين مع المسيح. عندما نفكّر بهذه الطريقة، ينطبق قول آخر للرسول القديس بولس: “إِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ. 2اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْضِ” (كولوسي 1:3-2)، ومن ثمّ تنحلّ كل المشاكل الشخصية والاجتماعية.

التهيئة للرعاية في القرن الحادي والعشرين

التهيئة للرعاية في القرن الحادي والعشرين

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

تعريب الأب أنطوان ملكي

… إن هذا الموضوع المطلوب مني الكلام عنه معاصر لنا ومهم فعلاً، كما أن له أوجه كثيرة ومن الممكن التركيز من خلاله على نقاط عديدة. قد يكون ممكناً معالجته من منظار علم المستقبل الذي يدرس ويحاول أن يخمّن، على أساس معلومات علمية، الظروف التي يسوف تسيطر بعد سنوات من الآن في العالم أو في بلد ما. هناك الكثير من التحليلات التي تقول بأن الظروف والعلاقات الاجتماعية سوف تتشوّش وسوف تزداد عزلة الناس، وتتضخم المشاكل البيئيئة، وتهيمن الجبرية[1] والعبادة الشيطانية. بالإجمال، سوف تتكاثر الأزمات وبخاصة تلك المرتبطة بالفراغ والقلق الوجوديين، “العائلة النووية”، “الطلاق العاطفي بين الأزواج”، “الضمور البيئي”، وغيرها. بالطبع، السؤال هو: ما هو موقف الكنيسة من كل هذا؟ سوف أترك جانباً معالجة هذا الأمر من خلال المنظار المذكور سابقاً لأركّز على عوامل أخرى هي بنظري، بحسب خبرتي الرعائية، أكثر أهمية.

1. التحضير للقرن المقبل

بالطبع، على الكنيسة أن تستعد لمواجهة الألفية الآتية والقرن الحادي والعشرين. يجب ألاّ نغفل عن حقيقة أن دورها الأساسي هو تحضير الإنسان، ليس فقط لقرن آتٍ، الحادي والعشرين أو غيره، بل أيضاً للزمن المقبل أو الجيل الآتي. القرون تحدد الحياةَ بالجسد، بينما الزمن المقبل فيحدد ما هو مرتبط ببعد آخر. إذا لم تكن الكنيسة مهتمة بمشاركة الإنسان في الحياة الآتية، أي في ملكوت الله، بل إذا كانت تتركه يتبع أحداثاً آنية ومحلية، فعندها تكون كنيسة دهرية عاجزة عن إشباع جوعه وعطشه الوجوديين العميقين.

في الكتاب المقدس، وخاصةً في العهد الجديد، يسيطر انتظار قوي ليوم الرب العظيم اللامع. سوف أذكر فقط بعض المقاطع المناسبة: “متى أُظهر المسيح حياتنا فحينئذ تظهرون أنتم أيضاً معه في المجد” (كولوسي 4:3). “الرب قريب. لا تهتموا بشيء” (فيليبي 5:4-6). “في اليوم الذي فيه يدين اللهُ سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح” (روما 16:2). “إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم. فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنّا” (روما 12:13). “الذي سيثبتكم أيضاً إلى النهاية بلا لوم في يوم ربنا يسوع المسيح” (1كورنثوس 8:1). “أننا فخركم كما أنكم أيضاً فخرنا في يوم الرب يسوع” (2كورنثوس 14:1). “… لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع” (1كورنثوس 5:5). “حتى تميزوا الأمور المتخالفة لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة إلى يوم المسيح” (فيليبي 10:1). “لأنكم أنتم تعلمون بالتحقيق أن يوم الرب كلصّ في الليل هكذا يجيء” (1تسالونيكي 2:5). “تعالَ أيها الرب يسوع” (رؤيا 20:22). كل نص رؤيا يوحنا مُشبَع بهذا الحنين القوي. السماء الجديدة والأرض الجديدة، مدينة الله، تمجيد الكنيسة الظافرة في السماوات، مجد حمل الرؤيا الذي يغلب الوحش، وغيرها الكثير من الأمثلة تثبت هذا التوقع المترجّي وصول ملكوت الله. بهذا المنظار أرشد الرسل الإلهيون المسيحيين الأوائل: “أيها الأولاد إنها الساعة الأخيرة” (1يوحنا 18:2). “والعالم يمضي وشهوته وأمّا الذي يصنع مشيئة الرب فيثبت إلى الأبد” (1يوحنا 17:2). في هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى مقاطع كثيرة مشابهة في الإنجيل. بأي حال، الاستعداد للزمن الآتي ومجيء يوم الرب المجيد واللامع مرتبط بعدد من الحقائق التي أود أن أذكّر بها فيما يلي.

أولاً، الاستعداد للزمن الآتي مرتبط بوجود الإنسان الأساسي، أي كيف خُلق ولماذا، وكيف يحيا في زمن ما بعد سقوطه. بتحديد أكثر: خُلق الإنسان على صورة الله ومثاله. الصورة هي حقيقة مرتبطة بمَلَكات النوس وحرية الإرادة، بينما المثال هو قوة. فبحسب تعليم القديس باسيليوس الكبير، “الصورة هي المثال بالإمكانية والمثال هو قانون الصورة”[2]. بالطبع، مع السقوط، خسر الإنسان المثال ولكن ليس الصورة. لهذا، بما أن الصورة هي المثال بالإمكانية، ففي داخل الإنسان حافز إلى لقاء الله والدخول في شركة معه. هذا يظهر حتى في هذه الحياة بعد السقوط، وليس فقط في ديانة العهد القديم، وأيضاً في الديانات الأخرى. الإنسان مدعو إلى أن يكون إلهاً وهذه هي الوجودية الأكثر عمقاً. وبتعبير معاصر، عليه أن يحقق معايير عالية.

يرد في عظات القديس غريغوريوس اللاهوتي مقطع مدهش في تصوير هذه الحقيقة. ففي تحديده الإنسان يقول أنه “خليقة حية، تقيم هنا ومن ثم تنتقل إلى مكان آخر، ولإتمام السر، يتأله بميله إلى الله”[3]. يعيش الإنسان ويسكن هنا بين الأشياء المادية والتربية ولكن هدفه وبغيته هي الانتقال إلى مكان آخر. بالطبع، عبارة “مكان آخر” لا تعني الانتقال من القرن العشرين إلى الحادي والعشرين، إنما الانتقال من هذه الحياة الحاضرة بالجسد إلى الأخرى المرتبطة بسر وحدة الإنسان مع الله حيث يصبح الإنسان متألهاً.

إذاً، في أعماق وجود الإنسان إمكانية عظيمة وميل أعطاه إياه الله يوم خلقه، وقدرة إلهية لا يشبعها كل ما هو محض بشري ومادي. إنه يشخص إلى ما هو عالٍ وأبدي وإلهي. إن جوعه وعطشه روحيان. إذا صحّت العبارة، هناك وحش مختبئ في أعماق وجود الإنسان وهو يطلب إشباعاً وجودياً. هذا هو حقيقته الداخلية، مثل حبة الجوز التي تحمل في داخلها إمكانية أن تصبح شجرة جوز، وكمثل الجنين الذي عنده كل الإمكانية والقدرة لأن يصبح إنساناً كاملاً، وكمثل الحمض النووي DNA، المادة الجينية الكاملة التي تحدد تطور جهاز الإنسان الجسدي. بطريقة مشابهة، في أعماق وجود الإنسان هناك حمض نووي روحي يجهد إلى توجيه الإنسان إلى تألهه، لحمله إلى نقطة كونه إلهاً بالنعمة.

وفي الوقت نفسه، إلى جانب هذا التوق الإلهي الكبير، هناك ميل عظيم في داخل الإنسان وهو حالته الساقطة. يرى الإنسان سلطة الموت في داخله كقوة تقوده أكثر إلى ما هو هنا، ما هو مكاني، ولا تسمح له بإشباع جوعه وعطشه الداخليين. في فصل آخر، سوف نعالج قوة الموت هذه التي في داخل كياننا. ما أريد أن أشير إليه هنا هو أن الإنسان بعد السقوط عنده قدرتان قويتان في داخل كيانه، قدرة أن يكون إلهاً بالنعمة أي أن يتألّه، والقدرة على بتر هذه المسيرة وحصر نفسه فقط في ما هو هنا في هذا العالم.

ثانياً، الاستعداد للقرن الآتي مرتبط أيضاً بوصول هذا الزمن القادم، أي الزمن الآتي ملكوت الله، حتى هنا في هذا القرن أو الزمن الحاضر. بالنسبة لنا نحن المسيحيين، ملكوت الله ليس فقط توقعاً أخروياً أي حدثاً نختبره في الزمن الآتي، بل هو حقيقة حاضرة نختبرها كالخطوبة منتظرين إتمامها في ذلك الزمن.

يعلن الإنجيل أن ملكوت الله آتٍ: “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات” (متى 2:3). أو أنه أتى: “ولا يقولون هوذا ههنا أو هوذا هناك لأن ها ملكوت الله داخلكم” (لوقا 21:17)، أو أنه سوف يأتي: “ومتى جاء ابن الإنسان في مجده…” (متى 31:25). المشاركة في ملكوت الله هي رؤية نور الله غير المخلوق، أي التأله. إذاً، هكذا يختبر الإنسان المتأله بركات الزمن الآتي في هذه الحياة كما في الخطوبة. عند هذه النقطة نستذكر القديس سمعان اللاهوتي الحديث الذي يصف بشكل رائع هذه الخبرة كما يعيشها القديسون المتألهون.

نحن نستنتج بأن البشر حتّى لو عاشوا في قرن محدد أو زمن أو فترة، قد يعيشون في فترة أخرى، أي في قرون أو أزمنة أخرى. هذا يعني أنه، مع أننا نستعد للقرن الحادي والعشرين بعد المسيح، فقد يحيا البعض هنا وكأن المسيح لم يتجسّد بعد، أي في زمن ما قبل المسيح، زمن الوثنية وزمن العهد القديم. أمّا آخرون، في الوقت نفسه، خاصةً أولئك الذين يختبرون التأله، قد تخطوا الحياة بالجسد، وتخطوا الألفية الثالثة لأنهم يرون نور المسيح غير المخلوق وبالتالي يختبرون روحياً زمناً لا حركة للوقت فيه. واضح إذاً، أن الكنيسة تحضّر الإنسان، من خلال مجمل الحياة الأسرارية ومتطلبات المشاركة فيها، لدخول الزمن الذي ليس فيه وقت مع أنه ما يزال يحيا بالجسد حيث يقيس الأحداث بالوقت المتموضع.***

ثالثاً، ما سبق يبرهن أن الكنيسة لا تقف في القرن الحاضر، لكنها تتطلّع إلى الزمن الآتي، طبعاً بدون أن تهمل الزمن والعالم الحاضرين. واضح أن هناك علاقة وارتباط بين الحاضر والمستقبل، لكن بركات المستقبل هي بالتأكيد مفضّلة، بينما الحياة الحاضرة هي، ببساطة، تحضير واختبار للأمور الآتية. وهكذا، فإن طريقة عيش الناس تظهر مدى إشباعهم لتوقعاتهم الوجودية العميقة.

يرد هذا القول المميز عند الرسول بولس: “لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة” (عبرانيين 14:13). يعيش المسيحيون هنا فيما المواطنية السماوية والمدينة السماوية نصب أعينهم. إنهم لا يحصرون وجودهم بالمدينة الحاضرة بل بالأحرى يمدّونه إلى الآتية: “فإن سيرتنا نحن في السماوات التي منها أيضاً ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح” (فيليبي 20:3).

كل الذين بلغوا التأله وعاشوا ملكوت الله أو اختبروه، تحركوا ضمن هذا المنظار، فيما هم لا يزالون في هذه الحياة. يمكن أن نلتفت إلى بعض كتاباتهم لنتأكد من طريقة تفكيرهم وكيف كانوا ليواجهوا الألفية الثالثة والقرن الحادي والعشرين لو أنهم عاشوا إلى اليوم.

يكتب القديس باسيليوس: “هذا (الزمن الحاضر) هو زمن التوبة، وذاك (الزمن الآتي) سوف يكون زمن المكافأة. هذا هو زمن الصبر وذاك سوف يكون زمن الراحة”[4]. لا يرى المسيحي أن هذا الزمن الحاضر كامل، فهو لا يعتبر المتع التي يقدمها انتماؤه هنا مكافأة لأنه لا يتوقع مكافأة ولا راحة. زمن الفساد والموت هذا يتطلب صبراً وتوبة، فيما الزمن الآتي يجلب راحة دائمة وسعادة.

يندرج تحرّك القديس غريغوريوس اللاهوتي وتعبيره ضمن هذه النظرة نفسها ومن خلال الإطار نفسه، لأن حياته مشابهة لحياة القديس باسيليوس وغيره من القديسين: “الحاضر هو للعمل، المستقبل هو للمكافأة”. هذا العمل مرتبط بمحاولتنا لأن نكون متوجّهين في حياتنا نحو الزمن الآتي ولتخطي ملذات الزمن الحاضر، لتوجيه كينونتنا نحو تركيبتنا الحقيقية الوجودية والتي بحسب الصورة. فهو يوصي: “لنبتعد عن الملذات الأرضية، لنهرب من العالم المضلّل وحاكمه، لنجعل انتماءنا للخالق فقط، ممجدين صورته، موقرين الدعوة وساعين إلى الحياة”[5]. العالم وحاكمه الشيطان يشيران إلى هذا الزمن، سواء أكان القرن الرابع أو الحادي والعشرين، فهما يوصَفان كمثيرَين للتجربة لأنهما يقودان الإنسان نحو الضياع ويحدّانه بالأمور المدركة فقط بالحواس والشهوات العالمية. على المسيحي أن يوقر الصورة التي أخذها من الله، ويحترم الدعوة التي مُنحت له ويصبح إلهاً بالنعمة وينقل حياته بالجسد إلى الحياة الأخرى التي خُلق لها.

في مكان آخر يشهد القديس نفسه: “قريباً سوف يمضي هذا العالم ويتلف المعبد. نحن نمضي وقتنا هنا مع الأمور التي لا تدوم، ولكن حري بنا أن نشتري ما يبقى”[6]. يعيش القديسون هنا في حالة مستمرة من التشرد، من الحلّ من الأمور الحاضرة واقتناء الأمور الآتية التي تدوم. إنهم يتفلسفون بحكمة، من داخل حالة الفساد والفناء، حول العالم ووجودهم بالجسد. الزمن الحاضر صالح فقط لاقتناء المستقبل والأمور الثابتة. أمور الحاضر ليس لها ثبات ولا ديمومة.

يعتبر القديس يوحنا الذهبي الفم أمور الحاضر أحلاماً: “إذ إن الأمور الحاضرة ليست أفضل من الأحلام، سواء أكانت نافعة أو مسببة للحزن”[7]. ليس فقط الأمور الحزينة، بل الأمور النافعة والممتعة منها كلها تمضي. كل الحياة على المستويين البشري والكوني قصيرة جداً.

ليس القديس سمعان اللاهوتي الحديث مختلفاً في توقعه للأمور المستقبلة والقيمة الحقيقية لأمور هذه الحياة. إنه يشدد أولاً على أن الزمن الحاضر هو زمان العمل بينما الآتي هو زمن التتويج وأن المسيح السيد يمنح في هذا الزمن الخطوبة وختم الحياة الأبدية. ثم يتابع مع هذا الطلب: “أشعِل هنا شمعةَ نفسِك، قبل أن يحلّ الظلام وتُغلق أبواب العمل”[8]. هذه الشمعة هي وصول نعمة الله إلى النوس المتأله حيث يصبح هذا النوس شفانياً[9]. هذا الوصول هو خبرة مرتبطة بالصلاة القلبية أو النوسية وتشترط التذكر غير المنقطع لله. صلاة النوس هي أساس الحياة الروحية، لأنها تقتضي ضمناً تطهير القلب من الأهواء ودخوله في معاينة الله في مجده. هذه المعاينة هي الاختبار الحي للزمان الآتي.

مثل كل القديسين، القديس سمعان لا يتحدث عاطفياً ولا فكرياً، كما أنه لا يقدّم هذه الأمور مستعملاً مفاهيم رمزية، لكنه بالأحرى يتحدث من فيض خبرته الشخصية. في إحدى عظاته، يشرح كيف يجب على المسيحي أن يشترك في الأسرار الطاهرة ويتناول منها. من ثم يقول أنه عندما تمارَس هذه الأمور بشكل صحيح تكون حياة الإنسان بأكملها “كمثل عيد، وليس فقط مجرد عيد، ولكن سبباً للتعييد وفصحاً”. نحن نفصل أعياد الرب ونوزعها على أيام مختلفة من السنة حتى نستطيع أن نختبرها بشكل أفضل، وهذا بسبب فسادنا. في حالة الثيوريا، أي معاينة الله في مجده والمشاركة في نعمته، يتوحد كل شيء. فيختبر الإنسان في يوم عيد ميلاد الرب بركة القيامة أيضاً. إلى هذا، في كل مرة يُقام القداس الإلهي، يختبر الإنسان أحداث التجسد الإلهي بطريقة موحّدة. بالواقع، سوف نحتفل بمحطة الألفي عام لميلاد المسيح، لكن هذا الأمر نسبي جداً، لأن هذا التاريخ قد مرّ (بسبب خطأ في حساب سنة الميلاد)، ولأننا في الأمور الروحية نحسب الأشياء بشكل مختلف. نحن نقول هذا لأن عيد الميلاد والفصح وحتى الحياة الأبدية كلها، يختبرها المتألهون بطريقة موحدة في القداس الإلهي. في نقطة مهمة، وأيضاً بحسب القديس سمعان اللاهوتي الحديث، الفصح هو “التحوّل والعبور من المرئي إلى العقلي”. يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث بوضوح أنه “بالمقارنة مع الفصح الأبدي، كل الأعياد، حتى تلك الأرضية منها، هي ظلال ورموز منقاة بالضحية الأكثر صفاءً، في الله الآب الواحد مع الروح بالجوهر، في نظرنا المسيح إلى الأبد وكوننا منظورين منه، من كوننا في المسيح، حاكمين معه، وهو ما ليس أعظم منه في ملكوت السماوات”[10].

يدعو القديس يوحنا السينائي الرهبان بشدة إلى النضال للدخول إلى خدر العريس. طبعاً هنا، كلمة “خدر العريس” تعني حالة المشاركة في النور غير المخلوق، أي الاختبار الحي للمسيح: “فلنسعَ إذاً يا إخوتي ولنجرِ مسرعين لكي نحظى بالدخول إلى الخدر الملوكي.” فمَن لم يدخل هذا الخدر قبل مماته  “سوف يقيم في وحشة القفر حيث الشياطين والأهواء”[11].

يتحدث القديس ثالاسيوس عن تعلق الإنسان بالبركات المتوقعة، إذ عندها فقط يستطيع أن ينسى البركات الحاضرة. “توقع البركات المخبأة يربط النوس بما يتوقعه”. وإذا تعوّد النوس عليها “ينسى هذا العالم”[12].

يرفض الشخص الذي تذوق البركات الأبدية كل الأمور الحاضرة و”كل توقه سوف يكون لما يرجوه”[13]. بالواقع، عندما ينسى الإنسان كل الأمور الحاضرة ويوسّع معرفته بالأمور الآتية، هذا يكون علامة “بأن نوسه يسلك بين الخيرات التي يرجوها”[14]. هذه نقطة مهمة بحسب القديس اسحق السرياني الذي يقول بأن “الرجل الذي يعتبر الحياة الحاضرة مشتهاة يُظهِر بأنه يحيا حياة غير نقية”[15].

يقدّم القديس غريغوريوس بالاماس بعض الملاحظات والتعليقات الملهمة من الله في تعليقه على المقطع التالي من رسالة القديس بولس الأولى إلى كورنثوس (29:7-31): “فأقول هذا أيها الإخوة الوقت منذ الآن مقصّر لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم. والذين يبكون كأنهم لا يبكون والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون والذين يشترون كأنهم لا يملكون. والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه لأن هيئة هذا العالم تزول”. يجب أن نتفحص هذا الكلام بدقة.

يقول القديس غريغوريوس في شرحه عبارة “الوقت قصير” بأن “الحياة قصيرة والموت قريب وأن هذا العالم فاسد وبأن طول الأناة الأبدية هي كل شيء”. زمن فاسد والآخر بلا فساد، زمن قصير والآخر أبدي. إذاً، ازدراء العالم الحاضر والاستعداد للعالم الآتي، والعيش بقدر الإمكان بحسب الانتماء للحياة الآتية، والابتعاد عن الأمور المؤذية في هذه الحياة الحاضرة، كل هذا “يقودنا إلى الأمان”. بالواقع، يستعمل القديس كمثال هجمات العدو المتكررة على المدن في أيامه. في تلك الظروف، يتلافى سكان المدن مغادرتها لا بل يلازمونها للعيش بأمان وكأن لا حقول لهم. بينما عندما ينسحب العدو لفترة فهم يخرجون لنزهة قصيرة ولكن يبقون متنبهين. هذا هو بالضبط ما على المسيحي فعله مع خيرات الحياة الحاضرة.

وفي شرحه لعبارة الرسول بولس ” لأن هيئة هذا العالم تزول”، يقول القديس غريغوريوس بالاماس أن أمور هذه الحياة ليست موجودة بالجوهر بل هي مجرد شكل. كل أمور الحاضر هي مثل ظلال لغيمة فارغة تمر سريعاً مع الريح. إذا اشتهى امرؤ ما أمور الحاضر وأراد امتلاكها، فسوف يكتشف “بأنها لا تستحق”. بكلام آخر، هو لا يستطيع امتلاكها لسببين: لأن هذا العالم ماضٍ ولأن كل واحد من الذين يستعملون هذا العالم سوف يمضي قبل أن تمضي الأشياء الموضوعة في خدمته أيضاً. هناك، بعبارات أخرى، نهاية لهذا العالم الموجود وأيضاً نهاية لكل واحد منا نحن الذين قد نأتي قبل نهاية العالم. هنا يستعمل القديس غريغوريوس مثالاً لتصوير هذه النقطة. وكأن رجلاً يعبر في شارع فيما يتحرك الشارع أيضاً ويعبر عنه. إذاً شيئان ممكن أن يحدثا: إما أن يلحقه الشارع وبالتالي لن يعود مالكاً لما كان يملكه سابقاً، وإما أن يركض أسرع من الشارع وبالتالي لن يكون قادراً على امتلاك أي شيء. هذا يحدث لأن الإنسان في كونه فانياً فهو مربوط بالأمور المتغيرة في الحياة الحاضرة وغير قادر على التمتع بها. بالواقع، هذا يحدث لأن الإنسان مربوط بأمور الحياة الحاضرة المتغيرة كمثل لمعان الثروة والفرح وغيرها، أو لأن هذه الأمور تغيره فيخسرها. أيضاً هذا يحدث لأن الإنسان بموته يجلب سقوطه ويمضي من هذا العالم الحاضر عارياً فارغاً من كل الخيرات الأرضية والآمال التي وضعها فيها. لهذا “سوف يكون هناك دائماً زوال لهذا العالم عند اقتراب نهاية الإنسان حيث يخرج تاركاً وراءه كل اهتماماته”[16].

واضح من كل ما ذكرنا في هذا الجزء أن الكنيسة تحضر أعضاءها لاختبار الزمن الآتي أي ملكوت الله كخطوبة في الحياة الحاضرة وزواج في الحياة الآتية. إنها لا تعتبر هذا العالم كاملاً كما أنها لا تسحب الإنسان من وجوده الأرضي. إنها تنظر إلى العالم الحاضر من منظار الجهاد للتمتع بالحياة الآتية. بحسب العبارة المعروفة جداً من الرسالة إلى ديوغنيتوس، المسيحيون “مع كونهم سكان بلادهم، فإن طرق حياتهم هي مثل أناس عابرين. إنهم يشاركون بشكل كامل كمواطنين، لكنهم يخضعون أيضاً لكل شيء وأي شيء كما لو أنهم غرباء. إنهم يقضون ايامهم على الأرض لكن انتماءهم هو للسماوات”[17]. إنهم يعيشون على الأرض وليس في عالم خيالي، لكن في الحقيقة هم يتصرفون بحسب الحياة في انتمائهم السماوي. إنهم لا يعالجون مرورهم في الأرض بطريقة مختلفة وحسب، بل في حياتهم هذه، يوجّهون أنفسهم نحو اشتهاء ملكوت السماوات.

2. مشكلات العالم الحاضر: الخديعة

لا ينبغي بنا أن نستنتج مما سبق أن المسيحي يحيا هذه الحياة “بطريقة ذات طبيعة واحدة” وبازدراء لها. ما يحدث هو أنه لا يعتبرها كاملة ولا مستقلة. إنه يحب هذا العالم الذي هو خليقة الله ويحب كل الجنس البشري. القديسون هم بشكل خاص حساسون فعلاً نحو كل الخليقة: الحيوانات، الطيور، الحقول الخضراء… لكنهم ينظرون إليها من منظار آخر. فهم يدركون من خلال كل الخليقة أسباب وجود الكائنات الموجودة، أعني قوى الله غير المخلوقة التي تعطي الجوهر والحياة والحكمة. كما أنه لا ينبغي بنا أن نستنتج أنه ليس على المسيحي ن يواجه المشاكل في حياته، إنما يتخطاها كلها من خلال ترقب الأبدية. يكتب الرسول بولس: “مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين. متحيرين لكن غير يائسين. مضطَهَدين لكن غير متروكين. مطروحين لكن غير هالكين” (2كورنثوس 8:4-9). نحن نرى هذا في حياة كل المتقدسين من أنبياء ورسل وشهداء ومعترفين وآباء وقديسين ونساك. كما نرى هذا في تاريخ الكنيسة، أي بالرغم من أنها جسد المسيح فقد واجهت مشاكل كثيرة واحتملت تجارب مختلفة، أحياناً من الفلسفة واللاأدرية، وأحياناً أخرى من الاضطهاد أو الهرطقة أو الدهرية أو غيرها.

ونحن سوف نواجه مشاكل كثيرة عند دخولنا الألفية الجديدة والقرن الحادي والعشرين. بالطبع، نحن لسنا أنبياء لنخبر مسبقاً بما سوف يجري، ولكن في مراقبتنا للظروف الحالية، نستطيع أن نتصوّر بعض المشكلات التي سوف تنشأ. أشير في ما يلي، بشكل مختصر، إلى أربع مجموعات من المشكلات التي سوف تنمو في الألفية الجديدة.

أولاً، سوف يكون هنلك ازدياد في مشاكل الإنسان الوجودية. فيما يزداد التعلق بالزمن الحالي، أي فيما يتزايد تأليه العلم والفن والمعرفة الأرضية على حساب حاجات الإنسان الروحية الداخلية، سوف يزداد فراغ الإنسان الوجودي كما سوف ينمو كربه الداخلي الوجودي. أرى أن هذه المشكلة سوف تظهر بشكل خاص في العلاقة بين اللذة والألم. اختبار اللذة، سواء منها حسية أو نفسية أو فكرية أو خيالية، سوف يزيد من الألم. بعدها، لن يكون الإنسان قادراً على مواجهة الألم بشكل فعال، كما هو مذكور في التقليد الأرثوذكسي، بل سوف يتحوّل إلى ملذات حسية جديدة بدورها سوف تؤدي إلى ألم أكبر. وهكذا تكون النتيجة تَكَوّنُ حلقة مفرغة.

ثانياً، سوف يكون هناك مجموعة من المشاكل المتعلقة بالعائلة والأمور الاجتماعية. هذا ما ينبغي توقعه لأن أكبر مشاكل العائلة والمجتمع سوف تكون مرتبطة بأشخاص لديهم مشاكل وجودية داخلية غير محلولة. والواقع، إن رجلاً مريضاً ينشر المرض في كل المجتمع. كيف يمكن لإنسان غير مكتفٍ أن يتواجد مع الآخرين؟ كيف له أن يحب؟ فهو يسعى إلى إشباع فراغه الداخلي في محبته للآخرين. وهذا لن يشبعه لأن الشبع يأتي من بعد آخر. لهذا يعيش في القلق وعدم الاكتفاء فتُسحَق محبته وتتحوّل إلى لذة حسية أو إلى حقد. إن وجود شخص آخر يسبب الرعب والخوف والهستيريا لغير المكتفي، لأنه يرى في وجود الآخر تهديداً لوجوده هو.

ثالثاً، سوف يكون هناك مشاكل متعلقة بالكنيسة ومرتبطة باستقلال العلم والفن والتكنولوجيا المتزايد. معروف أن هذه الأمور مرتبطة بما يسمى “الأقمصة الجلدية” التي هي من جهة نتيجة سقوط آدم وحواء، ومن جهة أخرى هي بركة الله حتى يستطيع البشر أن يحيوا زمن فسادهم وحياتهم الفانية بطريقة محمولة. يستعمل القديسون العلمَ والفنَ دون أن يصلوا إلى نقطة اعتبارهما كاملين. إن رجاءهم المطلق وتوقعهم هو ملكوت الله. إذا افتقد الإنسان لهذا التوجه يقع في القنوط ويشغل نفسه بالعلم والفن بدون حدود. كنتيجة لهذا الواقع، يصبح استقلال العلم المتزايد تجربة للإنسان مشابهة لتجربة آدم وحواء.

نجد في تعليم آباء الكنيسة القديسين أنه من غير الممكن للعلم واللاهوت أن يتضاربا بسبب اختلافهما في الدور والهدف. يهتم العلم بهذا العالم بينما يهتم اللاهوت بالله. يدرس العلم الحقيقة المخلوقة ويساعد الناس على تحسين شروط حياتهم في الجسد، بنما اللاهوت يهيئهم لخبرة الله الحي. العلم يشفي الجسد الفاني بينما اللاهوت يشفي مرض النفس، وهكذا يقود الإنسان عبر التطهر واستنارة النوس والتأله، ليس فقط إلى حالة ما قبل السقوط، إنما يعطيه أيضاً فيضاً من الحياة موحداً إياه مع الله في شخص يسوع المسيح. بالطبع، سوف تواجه الكنيسة مشاكل مختلفة بسبب تطور التكنولوجيا، وسوف تتعاطى معها بالجدية والمسؤولية من ضمن موقف تقليدها وإمكانيته.

رابعاً، سوف يكون هناك مجموعة من المشكلات المتعلقة بالأمور الإكليسيولوجية. نحن أصلاً عندنا هذه الأمور اليوم ولكنها سوف تصبح أعظم. من الممكن رؤية الفخاخ الإكليسيولوجية من خلال الأمور الأربعة التالية:

الأمر الأول هو قوننة الحياة الروحية، أي تحويلها إلى مجموعة من القوانين. الناموس أُعطي لشفاء الإنسان وقيادته إلى حياة لا حاجة فيها للناموس بل فقط للتخاطب مع الله. عندما يصبح الناموس مطلقاً تصبح الحياة الروحية حرفية.

الأمر الثاني هو علمانية الحياة الكنسية أو دهرنتها، أي عندما تشابه الكنيسة نفسها بالظروف العالمية أو ترهق نفسها بالحاضر وتفقد توجهها، كما ذكرنا سابقاً. فبدل أن تكون مكاناً للشفاء تصبح نوعاً من محكمة أو مؤسسة دنيوية، وبدل أن تكون مكاناً عائلياً تصبح مؤسسة دينية بلا وجه. إن تحول الكنيسة إلى دين يشكل دهرنتها.

الأمر التالي المثير للمشاكل هو التوفيقية syncretism. هذه تكون عندما يفقد أعضاء الكنيسة وعيهم الذاتي ويؤمنون بأن أعضاء كل الأديان والعقائد يعبدون الإله ذاته، وعندهم الإيمان نفسه، وينتهون إلى النتيجة نفسها. كما أن هذا يكون عندما تفقَد القدرة على التمييز بين الحقيقة والبهتان وبين الصحة والمرض. يصل الإنسان إلى هذه النقطة عندما يفقد سبل التعرف إلى الله خالطاً الطريقة الأرثوذكسية بغيرها، أي عندما يستبدل التطهر والاستنارة والتمجيد بالنزعات العاطفية والأفكار العقلية.

خامساً وأخيراً، سوف يكون هناك مجموعة من المشاكل المتعلقة بالوطنيات في داخل جسم الكنيسة. تفقد الكنيسة دورها عندما تماهي نفسها مع الانتماء الوطني وتفقد دورها الذي يتخطى الوطنيات. لقد أعلن مجمع البطريركية المسكونية في العام 1872 أن العرقية (phyletism) هي هرطقة إكليسيولوجية. هنا نحن بحاجة لأن نشير إلى أن اتحاد الهلينية بالأرثوذكسية لا يمكن اعتباره تمييزاً عرقياً لأن كلا الهلينية والأرثوذكسية، كمفهومين وممارستين، عالميان. الإمبراطورية البيزنطية الرومانية كانت دولة متعددة الإثنيات بإيمان واحد وتقليد حضاري واحد. هذا مستمر اليوم مع خليفة بيزنطية، أي البطريركية المسكونية، التي تعبّر عن هذه الروح الكنسية الأرثوذكسية العالمية (universal).

إذاً، كل هذه المشاكل الوجودية، العائلية – الاجتماعية، العلمية – التكنولوجية والإكليسيولوجية تصبح أكبر عند مسيحيي القرن الحادي والعشرين. إن السبيل لتخطيها، على أي حال، موجود في حياة الكنيسة الأصيلة ومرتبط بها. لكل قرن مشاكله، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، الثامن، الرابع عشر، وغيرها. الآباء القديسون الذين عاشوا في هذه القرون يستطيعون مساعدتنا لإيجاد الطريقة التي ينبغي بنا استعمالها اليوم لتخطي كل هذه الصعوبات. هذا يعني عيش طريقة الشفاء الأرثوذكسية، أي التطهر والاستنارة والتمجيد، وهي الطريقة الأصيلة لعيش معرفة الله. عندما يميز الإنسان بين نوسه وعقله ينتفي الخلط بين المخلوق وغير المخلوق، وبين الله والعالم، عندها سوف يواجه كل المشاكل التي تنشأ بسهولة. بالتالي، إن تحضيرنا للقرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يكون معزولاً عن الحياة النسكية والأسرارية، وعن الجهاد لتخطي الموت الذي هو في كياننا، وعن عيش إعادة ولادة كياننا بالنعمة.

3. الأزمة الأنثروبولوجية الكبرى وكيفية مواجهتها

من المفترض أنه قد أصبح واضحاً أن مشاكل البشرية الأساسية ليست مجرد اجتماعية مؤقتة، لكنها أولاً وقبل كل شيء أنثروبولوجية. الأزمة الكبرى هي الإنسان نفسه. عند الحديث عن الأزمة الأنثروبولوجية نعني أنها بالأغلب أزمة لاهوتية، أي أن فقدان العلاقة الحقيقية العميقة بين الإنسان والله خلقت ألماً لا يوصف، وهو يتضخم بوجود الموت. لا ينبغي النظر إلى سقوط الإنسان على أسس قانونية، إنما كفقدان علاقة. وهكذا، قيامة الإنسان ينبغي ارتباطها بإعادة هذه العلاقة بين الإنسان والله، ومع الإنسان الآخر ومع كل الخليقة. في ما يلي نعالج باقتضاب أزمة الموت الأنثروبولوجية الكبرى وتخطيها كما يصفها الرسول بولس.

في الإصحاحات 5 إلى 8 من رسالة روما، يناقش الرسول بولس العلاقة بين الناموس والموت كثيراً، كما العلاقة بين الناموس ونعمة الله. إنه يظهر بشكل حي حالة الإنسان بدون نعمة الله في سجن الموت الأسود، ولكنه يظهر أيضاً قيامة الإنسان بيسوع المسيح. ليس سهلاً علينا تفحّص كل الأمور التي يضعها الرسول في هذه الرسالة المهمة بشكل كامل، لكننا سوف نقدم بعض الملاحظات الأساسية هنا كي نظهر أن الموت ليس الحدث الأخير في حياتنا الأرضية ولا هو مجرد لحظة انفصال النفس عن الجسد، إنما هو حالة شديدة الارتباط بالفساد والفناء المكتَسَين منذ الولادة. إلى هذا، سوف نحاول أن نظهر أن إعادة الولادة هي بالواقع تخطي الموت الظاهر أصلاً في هذه الحياة بالجسد.

في تحليله اللاهوتي الرائع لهذا الموضوع، يصف الرسول بولس الحالة البائسة التي كان يعيشها قبل ظهور المسيح له، كما يصف تحررَه من حالة الموت الذي تمّ في إعادة ولادته أو تجدده في يسوع المسيح. هذا يظهر في أنه في وصفه لحالة الموت والخضوع له يستعمل صيغة الماضي، بينما في وصفه لإعادة ولادته فيستعمل صيغة الحاضر. فهو يقول: “لم أعرف الخطيئة إلا بالناموس” (روما 7:7)، “فوجدت الوصية للحياة هي نفسها لي للموت” (10:7). ويتحدث أيضاً في صيغة الماضي عن تحرره في المسيح، مع أنه يشير إلى أنه ما يزال يختبر حالة ما: “لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطيئة والموت” (2:8). لكن لننظر بتأنٍ أكثر إلى كيف يصف الرسول هذه الحالات في هذه الرسالة البالغة الأهمية. وأشدد مجدداً على أن هدفنا ليس القيام بتحليل شامل وكامل للموقف اللاهوتي الذي يقدمه الرسول بولس، بل تقديم مبادئه الأساسية في إطار تعاليم آباء الكنيسة.

أول موقف أساسي للرسول بولس هو أن الإنسان بفقدانه النعمة يصبح لحمياً ويسمّى كذلك (14:7). هذا ما أحسّه الرسول نفسه قبل أن يظهر المسيح له. لقد أحسّ أن الخطيئة كانت تسكن فيه (14:7-24). لقد سمّى الخطيئة الساكنة فيه ناموساً، وبالواقع هي الناموس الآخر الذي يحارب ناموس الروح (23:7). فالناموس الأخير هو ناموس النوس أي صورة النوس واستنارته، بينما الأول هو ناموس الموت (22:7-24). نحن نرث فناء ناموس الموت وفساده منذ مولدنا. هذا هو بالضبط ما ورثناه عن آدم الأول: الفساد والفناء وليس الذنب، كما يعتقد البعض مخطئين. بينما بالمسيح تخطينا سلطان الموت (12:5-14). خطيئة آدم صارت سبب دخول الإنسان إلى الموت وبالتالي وجود الموت. وبوجه خاص، وجود موت الجسد صار سبباً لخطايا كثيرة. وهكذا، فالموت عند الإنسان الساقط هو نتيجة الخطيئة وسببها في آن معاً.

إن الفساد والفناء اللذان ورثناهما يتحققان منذ لحظة تكوننا الأول وخاصةً منذ ولادتنا. إن الأمر مرتبط بشدة بالتغيّر الجسدي، المرض، الألم، نمو الأطراف وقوة الجسد، وأيضاً بالإحساس بالموت. نحن نرى الموت عبر العالم الطبيعي. نراه في أحبائنا الذين يرحلون عن هذه الحياة ويجعلوننا نواجه ألم الفراق. نحن نراه أيضاً في حدود وجودنا بواسطة الذاكرة، وأحياناً بالاختبار المباشر لمجيئه المصلَت فوق رؤوسنا أيضاً.

إن حقيقة الموت وقوة الشعور به تظهران، كما أشرنا، في الألم والمرض وغيرها. إنها تسبب قلقاً وشكّاً عظيمين. يصبح الإنسان أنانياً في هذه الحالة. أمّا الأهواء الأخرى، كمثل محبة اللذة الحسية والطمع والجشع وغيرها، فتولد وتنمو من محبة الذات التي هي أساس كل خطيئة. وإذ يرى الإنسان اقتراب الموت الذي يختبره أيضاً في حضور المرض، يكدّس الإنسان الكثير من الخيرات الأرضية بهدف الاحتياط لهذه اللحظات غير المألوفة في حياته. الجشع أيضاً هو نتيجة الخوف من الموت الموجود فينا. والشيء نفسه يصح عن الشهوانية والطمع اللذين بهما يحاول الإنسان أن يتخطى الأزمة التي يواجهها، أي الموت. من هنا، هذا الناموس الآخر، جسد الموت، ناموس الموت، يصبح مصدراً لاضطراب داخلي واجتماعي عظيمين. في الواقع، ليست الخطيئة مجرد حدث فردي، بل هي حدث اجتماعي لأن لها نتائج اجتماعية مروعة. لهذا السبب، يكرر الإنسان، بمعاني مختلفة، قول الرسول بولس: “إني لست أفعل الصالح الذي أريده بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل” (19:7). وهو يصرخ: “ويحي أنا الإنسان الشقي. مَن ينقذني من جسد هذا الموت” (24:7).

الموقف اللاهوتي الثاني للرسول بولس هو أن ناموس العهد القديم كان عاجزاً عن تحرير الإنسان من ناموس الخطيئة، وذاك بالتحديد لأن الخطيئة ليس لها معنى أخلاقي، إنما هي مترافقة مع الفنائية والفساد الذي يخلق أوضاعاً رهيبة، على أساس أنه يصبح سبباً للخطيئة. وليس فقط أن الناموس عاجز عن تحرير الإنسان من الخطيئة والموت إنما هو يجعله أكثر فعالية. ويعالج الرسول بولس هذا الموقف بإسهاب.

يصف الرسول هذه المأساة بالتحديد، حيث أن الإنسان مجبَر على فعل ما لا يحب ولا يريد (19:7-24). وحدهم الأبرار، أنبياء العهد القديم، كانوا قادرين على التحرر من الخطيئة، لكنهم حققوا ذلك من خلال القداسة وقوة سر الصليب. بالرغم من تألههم، على أي حال، لم يتحرروا من الموت. الفنائية والفساد بقيا في داخلهم، لكن حالة القداسة التي اختبروها لم تسمح لهذه الفنائية لأن تصبح سبباً للخطيئة، ولم تسمح للناموس الآخر أي محبة الذات والطمع واللذة والجشع لأن يعمل.

مع أن الناموس عرض ما هو ضد الطبيعة وما هو بحسبها، لم يستطع أن يحرر الإنسان من الفنائية والفساد ولا من الموت نفسه، وهذه كلها قد تجذّرت في جسد الإنسان وصارت سبباً لأهواء كثيرة في النفس والجسد. لقد بَتَر الناموس بعض الأعمال الخارجية، أي أنه عمل بطريقة أخلاقية، لكنه لم يقدر أن يساعد الإنسان وجودياً، أي في أزمة وجوده الرئيسية. وهكذا، عاش الإنسان في الحالة المأساوية التي يصفها الرسول بولس ببلاغة. لتحرير الإنسان من حكم الموت، كان لا بد من شيء آخر. هذا تم في شخص المسيح. كلمة الله اتخذ جسداً فانياً وسريع التأثر، وغلب الخطيئة والموت بجسده، وهكذا أعطى الإنسان إمكانية قهر الناموس الآخر، جسد الموت، بقدرته هو، أي المسيح.

وهكذا نأتي إلى الموقف اللاهوتي الثالث للرسول بولس وهو المختص باستعادة الإنسان وإعادة ولادته التي تتم في يسوع المسيح. خبرة حياة المسيح تعطينا ناموساً آخراً، ناموس الروح، الذي يحررنا من ناموس الخطيئة والموت. لقد أنجز ناموس الروح ما عجز عن إنجازه ناموس العهد القديم (2:8). إذاً، مَن ينضم إلى المسيح، يعيش بالروح وليس بالجسد (9:8). وعليه، يعيش الإنسان إعادة ولادته في يسوع المسيح، ويرتفع فقط إلى درجة أعلى من حالة البشرية قبل سقوط آدم لأنه يُتحد نفسه بالمسيح ويحيا حالة التأله السعيدة والمباركة.

أول اختبار لإعادة الولادة هو في سر المعمودية الذي من خلاله ندخل إلى حياة المسيح وصليبه وقيامته. من خلال المعمودية في الجرن، أي الاشتراك في صليب المسيح وقيامته، يكون “إنساننا العتيق قد صُلب معه {المسيح} ليبطل جسد الخطيئة كي لا نعود نُستعبَد أيضاً للخطية” (6:6). إذاً، بقوة النعمة الإلهية وتكافلنا (synergy) أي من خلال المعمودية والاتحاد بالمسيح، ممكن لنا الآن ألاّ نترك الخطيئة تحكم جسدنا الفاني.

وكما وصف حالة البشرية في العهد القديم تحت ناموس الموت والخطيئة بشكل رائع جداً ودقيق، فهو يصف أيضاً حالة قيامة الإنسان وإعادة ولادته في يسوع المسيح، بوضوح فكر وأسلوب روحيين إلهيين. هنا سوف نورد نصاً هو بمثابة مفتاح ومن ثم نحاول تقديم تحليل مقتضب: “لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله. إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا ابا الآب. الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً ورثة الله ووارثون مع المسيح. إن كنا نتألم معه لكي نتمجد معه أيضاً” (14:8-17).

بشكل مغاير لروح العبودية، يأخذ المسيحيون روح التبني ويصبحون أبناءً لله بمعموديتهم وحياتهم المسيحية بشكل عام. وهكذا فإن ناموس الموت والخطيئة يُقهَر وتحكم حياة الله فيهم. التبني هو وجه مميِّز لأبناء الله المتجددين. هذا التبني لا تثبته شهادات بشرية أو تأكيدات مكتوبة خارجية، إنما هو بشهادة من روحنا أي ناموس نوسنا الموجود في أعماق كياننا. ناموس النوس، أي النوس نفسه، يتحرر من ناموس الموت والخطيئة، وفي كونه في حالة من الاستنارة، يصلّي بلا انقطاع إلى الله الآب، وأيضاً إلى المسيح الذي يعتبره أباً بسبب إعادة الولادة: “إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا ابا الآب” (15:8). وهذه الصرخة الداخلية تحمل شهادة التبني (16:8) ومن بعدها بالتأكيد يصبح الإنسان وارثاً لله ومشاركاً للمسيح في الميراث.

إن صلاة القلب الداخلية هي إشارة واضحة للتبني بالمسيح. لهذا السبب، واضحة هي عبارة الرسول بولس: “وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكناً فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له” (9:8). مَن ليس روح المسيح في داخله ولا يصلّي بلا انقطاع إلى الله، ليس ابناً له. إنه لا ينتمي إلى المسيح وذاك بالضبط لأنه إن لم يعش الحياة في المسيح، لا يكون قد تحرر من ناموس الموت وبالتالي هو يعيش في زمن العهد القديم. أن لا يكون روح الله في داخله هو حقيقة تؤدي إلى أن يحكم فيه ناموس الموت والخطيئة مع كل النتائج التي رأيناها سابقاً.

يشير موقف الرسول بولس اللاهوتي الرابع إلى نتائج إعادة ولادة الإنسان وتحرره من الناموس الآخر أي ناموس الموت، من خلال العيش بحسب ناموس الروح. كما ذكرنا سابقاً، لم تعد الخطيئة تحكم في جسد الإنسان الفاني (12:6). يتم تخطي الموت في داخل حياتنا الشخصية. رباط الإنسان بالمسيح قوي لدرجة أن شيئاً لا يستطيع أن يفصلهما، لا شدة ولا ضيق ولا اضطهاد ولا جوع ولا عري ولا خطر ولا سيف (أنظر 35:8). في هذا الإطار، ليس فقط أن الموت لا يحكم في كيان الإنسان، بل أيضاً ليس هناك خوف من الموت أيضاً. بعد ذلك، تبعاً لنموذج المسيح، يريد الإنسان أن يتألم من أجل الآخرين أيضاً. فهو يفقد الخوف من الموت، ليس فقط في تفاصيل حياته بل أيضاً في فحوى عيشه مع الآخرين حيث يقدم نفسه ضحية من أجلهم لأن الموت لم يعد يحكم فيه.

إن لِمأساة الإنسان نتائج على كل الخليقة لأن من خلاله انتشر ناموس الموت فيها كلها. لهذا السبب، فالخليقة “تئن وتتمخض معاً إلى الآن” (22:8). تنتظر الخليقة تحررها من حالتها المتحسرة. هذا التحرر سوف يأتي بظهور أبناء الله (19:8). لهذا السبب يؤكد الرسول: “أن الخليقة نفسها ستعتَق من عبودية الفساد إلى حرية أولاد الله” (21:8). مع هذا، وبالرغم من تخطي الموت بالحياة الأسرارية وإعلان الله، ما يزال الموت موجوداً. أي أن الفنائية تبقى إلى موت الخطيئة وتجلّي كل قوى النفس. ما تم في المسيح ومُنح لنا في سر المعمودية يجب أن يكتمل بجهادنا الشخصي.

آخر نقطة في قهر الموت هي الرجاء بقيامة الأجساد أيضاً (11:8). في المجيء الثاني، روح الله التي تسكن في جسدنا هي مَن سوف يفعم بالحياة أجسادنا التي ماتت بسبب الخطيئة في الحياة الحاضرة والموت. لم يستطع ناموس موسى أن يحرر الإنسان من ناموس الخطيئة، لكنه هيأه لمجيء المسيح، ولهذا يُدعى “مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان” (غلاطية 24:3). وحده  تجسد المسيح والمشاركة في بركات التجسد حررا الإنسان من الموت وقاداه إلى حرية أبناء الله.

خاتمة

لقد قاربنا موضوعنا، خدمة الإنسان الرعائية في القرن الحادي والعشرين، عن طريق شرح أن هذه الخدمة ليست مستقلة عن تحرر الإنسان من الموت، ولا هي مختلفة عن الخدمة التي كانت تُمارَس في القرون السابقة. بالطبع هناك بعض الاختلافات في طريقة التعبير عن الموت في كل فترة، لكن حقيقة وجوده هي حدث كياني لا يمكن تلافيه. لقد عالج الفلاسفة هذا السر منذ القديم واهتم الناس من جيل إلى جيل بهذه المسألة.

يعبر الإنسان بسلسلة من الأزمات المميتة من يوم مولده. فهو يختبر الموت عندما يكون مريضاً وعندما يشيخ. الوليد الذي يبكي عند انفصاله عن الرحم، الطفل الذي يحس بالألم في جسده النامي، الولد الذي يُصدَم عندما يكتشف أن الموت حدث غير عَكوس، المراهقون بأسئلتهم الوجودية حول الموت ومعنى الحياة، متوسطو العمر الذين يحسون بأن الحياة تمر بسرعة، المسنون الذين يحسون أنهم في غرفة انتظار الموت: كل هذه حالات تظهر أزمة البشرية العظيمة، على المستويين الشخصي والاجتماعي. إلى هذا، فالشعور بالوحدة، الجري وراء الملذات كمحاولةٍ لمد الوجود بأسباب الحياة، السعي إلى المخدرات لتلافي اليتم الوجودي الداخلي، وغيرها الكثير من الأمور، هي نتائج لوجود الموت في داخلنا. يُضاف إلى هذا، عدم التوازن والهزات في داخل العائلات، كلها شؤون مرتبطة أيضاً بمسألة الموت غير المحلولة.

إذاً، كنيسة المسيح في تهيئها لمواجهة المشاكل التي سوف تنشأ في القرن الحادي والعشرين، لا تستطيع أن تغض النظر عن هذه الحقيقة. الموت وحش جائع في داخل كيان الإنسان. لا يهم لكَم من الوقت يبحث الإنسان عن لحظات خارجية سعيدة ليخفف ألمه، إن لم يمت هذا الوحش، سوف يبقى دائماً بائساً. قد يسافر ويتمتع ويطور العلم ويكسب أصدقاء، لكن هذا الوحش سوف يحتاج لغذاء وسوف يعوي في داخله. إذا حاول الإنسان أن يروّضه بأعمال بشرية، فسوف يبقى هذا الموت في أحشائه، ومن ثم سوف تنشأ المشاكل العصبية والنفسية التي هي بجوهرها وجودية.

قد تتوجه الكنيسة إلى مشاكل الإنسان الاجتماعية والاقتصادية التي هي عمل كل جيل، لكنها لا تستطيع أن تنسى الأزمة الأعمق أي الموت. لهذا ينبغي بالعمل الرعائي أن يكون في هذا الاتجاه ويعمل ضمن الإطار الذي قدّمه الرسول بولس، وغيره من الرسل والآباء القديسين، الذين أراحوا الإنسان فعلاً لأنهم تعاطوا مع مشكلته الحقيقية أي الموت. إن مشكلة الإنسان الأعمق هي أنثروبولوجية ولاهوتية. كل عمل رعائي آخر هو دهري وقد يخلق أوهاماً للخلاص، لكن في النهاية سوف يترك الإنسان في الوحدة واليأس.

إن عبثية الحياة الحاضرة وتخطي الموت فيها والرجاء في تحرير هذه الخليقة من الفساد والتهيئة للحياة الأبدية، هي ما يمكن أن يساعدنا للوصول ليس فقط إلى القرن الحادي والعشرين بل ايضاً إلى كل القرون التي سوف تتبعه. سواء بدأ هذا القرن أو انتهى بسبب مجيء يوم الرب العظيم، فالشخص الذي يعيش قيامته بالمسيح يسوع يتخطى الموت وبالتالي ليس لديه شيء للخوف لأنه منذ الآن مواطن في ملكوت الله.

[1] الإيمان بالقضاء والقدر

[2] Olympia Papdopoulou-Tsanana, The Anthropology of Basil the Great (Antrpologia tou Megalou Basileoiou), Patriarchal Foundation for Ptristic Studies, Thessaloniki, 1970, pp. 40.

[3] St. Gregory the Theologian, Second Homily on Pascha, pG 36.234, 632

[4] St. Basil the Great, Works, Prologue to the Great Ascetic Rule, PG 31.892

[5] St. Gregory the Theologian, Ad Julianum Tributorum Exquaetorum, PG 35.1049

[6] ibid., Homily 17, To the Citizens of Nazianzus, PG 35.977

[7] St. John Chrysostom, 10th Homily on the Gospel pf Matthew, PG 57.190

[8] St. Symeon the New theologian. Sources Chretiennes 174, p. 68.

[9]  الشفاني translucent أو نصف شفاف، وتشير هنا إلى صفة الذهن النقي الذي يؤهل صاحبه للتمييز (المترجم).

[10] ibid., 129, p. 422.

[11] يوحنا السلمي. السلم إلى الله. طبعة ثانية. سلسلة آباء الكنيسة. منشورات النور. بيروت. 1985. ص. 270.

[12] The Philokalia: The Complete Text, Trans. Palmer, Sherrard, Ware, 1984. vo. II, p. 329(66)

[13] ibid., p. 67.

[14] Ibid., p. 69.

[15] اسحق السرياني. نسكيات. منشورات النور. بيروت. 1982. ص. 7-10.

[16] St. Gregory Palamas, Works, Asketika, Rigopoulos Publications, pp. 7-9.

[17] Found in Early Christian Writings, trans. M. Staniforth, edit. Andrew Louth, Penguin publications 1987, pp. 144-5.

صورة العالم المعاصر

صورة العالم المعاصر

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

ترجمة الأب أنطوان ملكي

 

عبر العصور، حاول كثيرون فهم حالة العالم الذي يعيشون فيه من أجل مواجهة المشاكل التي تطرأ. إن لم يدرس المرء حالة العالم لا يكون قادراً على إيجاد مخارج من المأزق. اليوم نلاحظ أن عديدين يحاولون تحديد صورة العالم المعاصر، بينهم فلاسفة وعلماء اجتماع وعلماء نفس وسياسيون وإعلاميون وغيرهم. في كل الأحوال، يجب أن نلتفت إلى آراء اللاهوتيين وفوق الكل آراء أباء الكنيسة الخالدين.

معروف أن آباء الكنيسة يؤمنون بأن الطبيعة البشرية في حالة سقوط، ما يعني أنها محكومة باللذة الحسية والألم وهذا ما يشكل الخطيئة الأصلية (الجدية). إذاً، كما أظن، علينا أن نرى حالة العالم المعاصر من خلال العلاقة بين اللذة والألم ومن خلال تجاوزهما.

بعد بعض الملاحظات التمهيدية سوف أحاول التركيز على قديس عظيم من كنيستنا يستطيع فعلياً مساعدتنا في ما نواجه في أيامنا، لأنه معروف بعظم نفاذ بصيرته وقدرته الفكرية، إضافةً إلى خبرته الواسعة في الشؤون الإلهية. إنه القديس مكسيموس المعترف، الذي يمكن اعتباره بحق أباً معاصراً لأنه يجمع مواهب كثيرة: المعرفة العميقة للأمور البشرية والتيارات الفلسفية في عصره، وخبرة الله، وأسلوب رائع في الكتابة. وبالإجمال نستطيع القول، انه يجمع المعارف اللاهوتية والفلسفية والاجتماعية والنفسية والوجودية.

مواجهة الألفية الثالثة

إني أومن أننا نقف عند نقطة تحول مميزة في التاريخ. الكل يحكي عن الألفية الثالثة التي سوف يدخلها الجنس البشري بكثير من الآمال. على كلٍ نحن نستطيع أن نفهم الحاضر ونقدّر المستقبل إذا امتحنّا ما جرى في الماضي بتأنٍ. مع خوفي من تعميم الخاص، أود أن أؤكد بعض السمات المميِّزة للألفيتين السابقتين، أقلّه بالنسبة للكنيسة. فمن جهة، تتميز الألفية الأولى بالاضطهادات والهرطقات التي حدثت في الكنيسة وبالطبع أثرت في المجتمع. ومن جهة أخرى تتميز بشهادة الكنيسة وتحديد الإيمان في المجامع المسكونية حيث كان الآباء العظماء في الواجهة. إذاً في الألفية الأولى كان هناك نمو واضح لروح الشهادة، فقد ظهر في الكنيسة الشهداء الذي أعطوا شهادة حسنة عن الإيمان، كما تمت صياغة التعليم الأرثوذكسي عن المسيح الإله الحقيقي وعن الكنيسة. المجامع المسكونية حددت أرثوذكسياً كل ما يتعلق بالمسيح (الخريستولوجيا) والروح القدس والثالوث والإنسان والكنيسة. أيضاً في هذه الفترة ظهرت الرهبنة الأرثوذكسية كردة فعل على دهرنة حياة الكنيسة. معروف بالطبع أن الرهبنة هي خبرة الحياة النبوية الرسولية المشابهة الشهداء تُحيا في الكنيسة الأرثوذكسية.

الألفية الثانية تتسم بالتطور اللاهوتي للهدوئية الأرثوذكسية التي وُجدت قبلها. إذ بعد مواجهة الاضطهادات والهرطقات ورسم خطوط الإيمان الأرثوذكسي الموحى، حاربت الكنيسة الدهرية التي تمثلت بالابتعاد عن المواصفات اللاهوتية الأرثوذكسية، وبخسارة المتطلبات الأساسية للاهوت الأرثوذكسي. من الثابت أن الدهرية مرتبطة بتحول الانسان نحو البعد الأفقي من الحياة وإهماله البعد العامودي نحو الله، إضافة إلى السكولاستيكية(Note) والأخلاقية اللتين نمتا في الغرب. الحقيقة هي أن الكنيسة في الألف الثاني حددت، بشكا أكثر دقة ومنهجية، العقيدة الأرثوذكسية والحياة الروحية الصحيحة التي هي الهدوئية بكل ما تعني هذه الكلمة أرثوذكسياً. وقد فعلت الكنيسة هذا من خلال آبائها العظماء. فالصحيح هو اننا إن لم نعطِ الهدوئية الأرثوذكسية حقها من الأهمية، مشكوك في أننا نستطيع فهم تعليم الآباء عن المسيح (الخريستولوجيا) واللاهوت والتدبير الإلهي والخلاص.

في الألف الأول كان الدور المهم للآباء الرسوليين وبعدَهم الكبادوكيين ثم القديس مكسيموس المعترف فالقديس يوحنا الدمشقي والقديس فوتيوس الكبير. في الألف الثاني كان الدور المهم للقديس سمعان اللاهوتي الحديث فالقديس غريغوريوس بالاماس وكل الهدوئيين إلى نيقوديموس الآثوسي وغيره من الآباء النساك اللاحقين.

قد نحدد في الألف الثاني بعض المحطات الهدوئية التي كان لها دور في تحديد مناخ الكنيسة الأرثوذكسية وإثبات اختلافها عن التقليد الغربي. أحد هذه المحطات هي القديس سمعان اللاهوتي الحديث الذي عاش في أوائل الألف الثاني. محطة أخرى هي التيار الهدوئي الذي ظهر حوالي منتصف الألف الثاني وعبّر عنه القديس غريغوريوس بالاماس وضمّ آباء هدوئيين سابقين مثل غريغوريوس السينائي إضافة إلى غيرهم من اللاحقين. المحطة الثالثة هي تيار آباء الفيلوكاليا المسمين كوليفاد، أولهم القديس نيقوديموس الآثوسي. هذا التيار يمتد إلى أيامنا. فإذا لاحظنا أن الألف الثاني بدأ بحضور القديس سمعان اللاهوتي الحديث وينتهي بالبحث عن الحياة بحسب الفيلوكاليا، وهي مناسِبة جداً لعالمنا اليوم، نستنتج أن الهدوئية، أو ما يسمى بالحياة النسكية، هي ما يشكل السمة المميزة للألف الثاني عند اقترابه من نهايته.

في مواجهة الألف الثالث، نلفت النظر إلى أن السائد هو نزعتان. الأولى هي قوة السلطة المستندة إلى الجزء العقلاني من النفس الذي هو سريع التأثر. تتميز هذه النـزعة بالحياة الدهرية والاهتمام بالأمور العالمية والانصراف عن الأشياء الأخروية والإثارة باللذة والألم الحسيين. النـزعة الثانية هي نزعة الشهيد-الهدوئي الموجودة في الذين إما لديهم عطش كبير إلى الله أو هم خائبون من حياة سهلة ويبحثون عن شيء داخلي وجودي وكياني.

حتى ولو لاحظنا هذا البحث في أيامنا عن الهدوئية والفيلوكاليا، ينبغي التشديد على أن جو هذا الزمن يشير في جهة مختلفة. في نطاق الكنيسة، النـزعة المسيطرة هي إجمالاً تلك التي رسمها استفانوس النيقوميدي الذي اختلف مع القديس سمعان اللاهوتي الحديث. حتى في اللاهوت نلاحظ تحولاً جذرياً، فالجو المسيطر هو الذي رسمه برلعام السكولاستيكي الذي قاوم هدوئية القديس غريغوريوس بالاماس. في الرهبنة، النـزعة المسيطرة شكّلها أعداء الكوليفاد الذين قاوموا روح فيلوكاليا القديس نيقوديموس الآثوسي وغيره من أصحاب الفكر نفسه. إن روح جورج ياميستوس بليثون وبيساريون النيقاوي تطغى على روح القديس مرقس الأفسسي وجناديوس ساكولاريوس في العلاقات الاجتماعية والكنسية.

السعي وراء اللذة والمتعة يسيطر على زماننا في كل مستويات الحياة ولهذا هناك ألم عميق وأسى. ما نراه اليوم هو حكم اللذة الحسية والألم. إذاً المساهمة الرئيسية للكنيسة تكمن في مساعدة الناس على تخطي سلسلة ازدواجية اللذة الحسية والألم داخل حدود حياتهم الشخصية. ما يُسمّى بالمشاكل الاجتماعية سوف يُحل من خلال شفاء هذه المشكلة الأنثروبولوجية الأساسية.

التحليل التالي هو محاولة لدراسة مذهب المتعة المعاصر من خلال مقاربة التقليد الأرثوذكسي لازدواجية اللذة والألم.

أنا أؤمن أن لهذا الأمر نتائج مهمة على الحياة العصرية، إنه بالحقيقة أمر وجودي له أصداء جدية على المستويين الاجتماعي والفردي. إنه ما يحدد كل طريقة الإنسان المعاصر في الحياة.

مذهب المتعة (Hedonism)

إذا قمنا بامتحان دقيق للمجتمعات المعاصرة نرى أنه يخيم عليها مذهب منحرف يدعو إلى المتعة. الإنسان العصري يشجع هذا التيار بقوة ويختبره في حياته الشخصية، وبالطبع كل وسائل الإعلام الحديثة متورطة في خدمته وإطرائه: محطات التلفزيون، المجلات، الكتب، محطات الراديو، السينما، المسرح، الأغاني، الأدب، إلخ… كل الوسائل السمعية-البصرية تغذي نهم الإنسان وتعطشه إلى التمتع باللذة الحسية.

مذهب المتعة موجود منذ القديم وفلسفته معروفة جيداً. بحسب هذه المدرسة من التفكير، اللذة حسنة أما الحزن والألم فلا. مؤسس هذه المدرسة كان أريستيبس القوريني(435-355 ق.م.) . بسبب أصله سميت هذه المدرسة بالقورينية (Cyrenaic). بحسب أريستيبس، الماضي والحاضر ليسا في قبضة الإنسان وبالتالي الشيء الوحيد الذي تحت سيطرته هو اللذة الحاضرة. في الواقع هذا تجريبية غنوصية لأنه يعلّم أن فكر الإنسان لا يستطيع التوصل إلى اختبار القيم الروحية وهكذا هذه القيم لا تستطيع تنظيم الحياة البشرية. يقول أريستيبس أن اللذة بحد ذاتها مُفضلة وجيدة بغض النظر عن الأدوات والمصادر التي ولدتها. في كل الأحوال، على الإنسان أن يتمتع باللذة من دون أن تحكمه. أيضاً يقول: “أنا أملك، أنا لست مملوكاً”. اللذة تتقدم على القوانين الأخلاقية وعلى الأخيرة أن تتنحى إذا اعترضت الأولى.

تطور مذهب اللذة إلى نظام مع الأبيقورية التي اختبرته. أخلاقيات أبيقوروس تبدأ باللذة التي هي “بداية ونهاية العيش بسعادة… هي الخير الأول والطبيعي… لأن كل لذة هي حسنة… كما أن كل ألم مرذول”. طبعاً لم يعطِ أبيقوروس التقدمية للذات المادية والحسية لأنه وضع اللذة الروحية أولاً. مع أن اللذات الحسية تعطي المتعة إلى إنها مرتبطة بالألم. القيمة الكبرى هي للذات النفس. وفوق كل هذا فنظرية أبيقوروس حول المعرفة تجريبية ومادية.

بالتأكيد لقد وضع الإثنان، أريستيبس وأبيقوروس، مذهب المتعة داخل نظامهما الغنوصي المادي. فنظريتهما فلسفية مرتكزة إلى مبادئ غنوصية. هذا يُلاحظ لدى الفلاسفة اللاحقين الذين شكّل مذهب المتعة جزءً من نظامهم الفلسفي.

الاختلاف مع الحقيقة الراهنة لخبرة مذهب اللذة هو أولاً أن اللذة مفصولة عن الروحيات وهي فقط في مجال الحواس الجسدية. ثانياً ليس هذا المذهب اليوم نتيجة لأي نظرية غنوصية أو نظام فلسفي بل على العكس إنه ثمرة انغماس ذاتي بدون تفكير أو رؤى. إنه حالة ثانوية. فيما مذهب المتعة قضية وجودية، يعتبر الانسان العصري اللذة مجرد تدليل ذاتي وليست جزءً من المشاكل الوجودية. ولكن بالتأكيد، على مستوى أعمق، حتى التمتع المعاصر باللذة يشكّل بحثاً وجودياً، لكن الإنسان لا يحسّ به بهذا الشكل ولا يختبر اللذة على هذا الأساس.

يسيطر على المجتمعات المعاصرة مذهب المتعة والجري وراء اللذة بشكل متطرف وغير فلسفي. هنا نستعمل عبارة “مذهب المتعة” ليس بمعناها الفلسفي الأصيل إنما بمعناها المعاصر الشائع. يوجد اليوم مطاردة للمسرات. لهذا، في المجتمعات المعاصرة، يتلافى الناس الألم والنسك والتجرد بينما يطاردون الملذات بأي ثمن. أيضاً في هذه المجتمعات، تسيطر الحقوق الفردية. أؤمن أن الفرق بين الحياة الأرثوذكسية ونقيضها يكمن في هذه النقطة. الكنيسة الأرثوذكسية تتكلم دائماً عن الصليب والصلب وهذا شيء غير ممكن فهمه للعقلية البشرية.

في ما يلي سوف نقدم تعليم القديس مكسيموس المعترف عن اللذة والألم. سوف يظهر أن الآباء، في كل عملهم اللاهوتي، يتابعون تفكير الفلاسفة القدماء، كما يفعل القديس مكسيموس المعترف، مجيبيبن على أسئلة الفلاسفة على ضوء الوحي الإلهي ومن خلال اختباره.

اللذة والألم بحسب القديس مكسيموس المعترف

في مئوياته في اللاهوت، يشير القديس مكسيموس المعترف إلى رابطة ثنائية بين اللذة والألم، وهي موضوع مهم بحسب كل المعايير. هذا يعني أننا لا نستطيع مناقشة اللاهوت الأرثوذكسي إن فشلنا في مواجهة هذه النقطة الحاسمة. لأن السمو على اللذة والألم هو متطلب أساسي للاهوت الأرثوذكسي الصحيح. كما يقول القديس مكسيموس المعترف: “الارتفاع فوق اللذة والألم يثبت أن قلب الإنسان قد تنقى من الأهواء”.

كما أشرنا سابقاً، كل الحياة العصرية يحكمها اللذة والألم إذ يسيطر في عصرنا التمتع والابتهاج، بينما في الوقت نفسه يسود الأسى العميق والألم الداخلي. في الحقيقة، يحاول الإنسان المعاصر أن يهرب من الألم عن طريق إشباع اللذة الحسية. كل المشاكل المعاصرة، كالإيدز والمخدرات، على ارتباط هذا الأمر. لهذا أرى من الضرورة القصوى أن نرى هذا الرابط بين اللذة والألم كما فصّله القديس مكسيموس المعترف.

أ. أصل اللذة والألم

الله بالثالوث خلق العالم. أكثر المخلوقات كمالاً هو الإنسان لأنه قمة الخليقة. إنه العالم الصغير (microcosm) في العالم الكبير (macrocosm). في تحليله لموضوع خلق الإنسان وعلاقة هذا الخلق بولادة وأصل اللذة والألم، يقول القديس مكسيموس أن الله الكلمة الذي خلق طبيعة الإنسان، خلقه بدون لذة وألم. “لم يصنع الحواس عرضةً للذة والألم”. يشدد على هذه النقطة بقوله “اللذة والألم لم يُخلقا بنفس الوقت مع الجسد”.

في حين لم يكن في الإنسان لذة وألم قبل السقوط، فقد كان لديه في النوس مَلَكة ميل طبيعي نحو اللذة، ومن خلال هذا الاستعداد يستطيع التمتع بالله بشكل يفوق الوصف. لكن الإنسان أساء استعمال هذه الملكة الطبيعية ووجّه “التوق الطبيعي للنوس نحو الله” إلى الأشياء المحسوسة وبالتالي “بالحركة الأولى نحو الأشياء المحسوسة، حوّل الإنسان الأول هذا الشوق إلى حواسه، ومن خلالها راح يختبر هذه اللذة بعكس الطبيعة”. عبارات “بحسب الطبيعة” و”بعكس الطبيعة” تظهر بشكل كامل التغيّر الوجودي (ontological) الذي حدث في الإنسان، وتصوّر بوضوح حالته الساقطة.

هذا الأسلوب لعمل مَلَكات النفس لم يخترعه الإنسان من عنده إنما بتوجيه من الشيطان الذي كان مُحركاً بالحسد من الإنسان الذي أظهر الله نحوه اهتماماً وعطفاً خاصين. من المثير أن الشيطان لم يحسد الإنسان فقط بل الله أيضاً: “لأن الشيطان يحسدنا كما يحسد الله، أقنع الإنسان بالنفاق بأن الله يحسده (أي الإنسان) وهكذا جعله يخالف الوصية”.

بعد التحرك غير الطبيعي لقدرة النفس النوسية نحو الأشياء المحسوسة وولادة اللذة، الله “زرع الألم كنوع من القوة المؤدبة للنفس” وذلك حرصاً منه على خلاص الإنسان. هذا الألم هو كل عقدة الجسد المائت والسريع التأثر وقد ربطه الله، في محبته للإنسان، باللذة الحسية. إنه قانون الموت المرتبط بالطبيعة البشرية منذ وُجد. بهذه الطريقة كُبح “شوق النوس الجنوني” الذي يحرّض الميل غير الطبيعي للنفس نحو الأشياء المحسوسة.

هناك تعليم أفلاطوني يتكلّم عن حركة النفس الخالدة في عالم الأفكار الذي لم يُولد بعد، وعن ولادتها في جسد مائت هو بمثابة سجن لها. لا يوجد أي علاقة بين تحليل القديس مكسيموس المعترف بأكمله وهذا التعليم. هذا ببساطة لأن القديس مكسيموس المعترف، كونه عضواً كاملاً في التعليم الأرثوذكسي، لا يفرّق بين نفس خالدة بطبيعتها وجسد مائت بطبيعته، ولا يؤمن بعالم الأفكار الخالد الذي لم يُولَد بعد، وبشكل طبيعي لا يتبنّى النظرة الإثنينية إلى الإنسان التي بحسبها يكون الخلاص بتحرير الإنسان من سجن الروح الذي هو الجسد. في تعليم القديس مكسيموس إشارة واضحة إلى الحركة غير الطبيعية لمَلَكات النفس وإلى “شوق النوس المهووس” الذي يقود إلى حالات وأعمال ضد الطبيعة.

واضح إذاً أن الخطيئة الجديّة تتكوّن من “حركة النفس الأولى” نحو الأشياء المحسوسة وفي قانون الموت الذي وضعته محبة الله. إذاً اللذة والألم يكوّنان ما يسمّى بالخطيئة الأصلية. اللذة هي حركة النفس الأولية نحو الأشياء المحسوسة، بينما الألم هو كامل ناموس الموت المتجذّر في كيان الإنسان والذي يشكّل ناموس الجسد المائت.

يقدّم القديس مكسيموس المعترف بعض الملاحظات الرائعة. إنه يقول أن انتهاك الوصايا ابتكر اللذة لتعطيل الإرادة أي حرية الإنسان، وفرض الألم لتسبيب انحلال طبيعته. هذا يعني أن اللذة تسبب الخطيئة التي هي موت طوعي للنفس، بينما الألم عن طريق فصل الجسد عن النفس يسبب انحلال الجسد. بالواقع هذا كان عمل وهدف الشيطان، لكن الله سمح بالارتباط بين اللذة والألم، أي انه سمح للموت بالدخول إلى وجود الإنسان، من باب المحبة والإحسان، إذ أن الألم هو ضحد اللذة.إذاً “الله تدبيرياً أعطى الإنسان الألم الذي لم يختره مع الموت الناتج عنه، لكي يؤدبه على اللذة التي اختارها”.

في مواقع عديدة يشير القديس مكسيموس المعترف إلى “اللذة الطوعية” و”اللذة غير الواعية”، كما يشير إلى الألم “غير الطوعي” و”الإحساسي”. الألم يوازي نتائج اللذة، أي ينقص الألم، لكنه لا يبطله.

إذاً اللذة تسبق الألم، لأن كل ألم سببه اللذة ولهذا يسمّى ألماَ طبيعياً. بالنسبة لآدم وحواء، اللذة كانت بلا سبب أي لم يسبقها ألم، في حين أن الألم وهو نتيجة طبيعية للذة هو واجب ودين يدفعه كل البشر الذين لهم الطبيعة البشرية نفسها. هذا ما جرى لآدم وحواء. أما للمتحدرين منهما فالأمر يختلف قليلاً، خبرة الألم تقودهم إلى التمتع باللذة. بعد السقوط ودخول ناموس الخطيئة والموت إلى طبيعة الإنسان، صار هذا الأخير في حالة مأساوية. فبالرغم من أن الألم يبطل اللذة ويلغي حركتها الفاعلة، لا يستطيع الإنسان أن يبطل أو يبعد ناموس الموت الموجود في داخل كيانه، وهذا الناموس يجلب خبرة جديدة للذة. “الفلسفة من أجل الفضيلة” أي كل جهاد الإنسان النسكي يجلب الهدوء في إرادته وليس في طبيعته، لأن النسك لا يستطيع غلبة الموت الموجود كقانون قوي في كيان الإنسان. هنا تكمن مأساة الإنسان الذي قد يشفي اللذة ويكتسب انزاناً داخلياً عن طريق اللم الطوعي -أي النسك- وأحداث غير طوعية –حزن خارجي، موت…) لكنه غير قادر على تحرير نفسه من الألم الذي يحتمه ناموس الموت.

ب. هدف تجسد المسيح

حتى الآن، وضعنا كيف نشأ الارتباط بين اللذة والألم بعد السقوط. اللذة كانت نتيجة للحركة غير الواعية لمَلَكة النفس، ونتيجتها الطبيعية كانت مجيء الألم مع كل ناموس الموت. تركيبة اللذة والألم هذه أصبحت ناموساً للطبيعة البشرية. واضح أن الإنسان لا يستطيع التحرر من هذه الحالة التي أصبحت طبيعية في وقت يسلك حياة معاكسة للطبيعة. تجسد المسيح ساهم في تحرير الإنسان من هذا الارتباط بين اللذة والألم. يضع القديس مكسيموس المعترف بعض الملاحظات الرائعة على هذه النقطة أيضاً.

لقد كان مستحيلاً بالمطلق للطبيعة البشرية التي سقطت في اللذة الطوعية والألم غير الطوعي أن تعود إلى الحالة السابقة “لو لم يصبح الخالق إنساناً”. سر التجسد يكمن في حقيقة أن المسيح وُلد بشرياً، لكن بداية وسبب ولادته لم اللذة الحسية لأنه وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء، خارجاً عن طريقة البشر بالتوليد، وقبل طوعاً الألم والموت باختياره الحر. بالنسبة للإنسان، الألم أتى كنتيجة للخطيئة، لم يكن إرادياً. أما بالنسبة للمسيح فقد وُلد من غير لذة حسية وتقبّل الألم باختياره.

كل البشر المولودين بعد الخطيئة مولودون باللذة الحسية التي تسبق مولدهم، لأن الإنسان هو نتاج لذة أهله وبالطبع ليس من أحد حر بالطبيعة من الولادة المشبوبة التي تسببها اللذة. وهكذا أصل ولادة الإنسان “في الفساد المتأتي من اللذة” وسوف ينهي حياته “في الفساد الذي يأتي من الموت”. عليه إنه كان مستعبداً بشكل كلي للذة والألم “ولم يستطع أن يجد الطريق إلى الحرية”. “البشر معذبون باللذة غير العادلة والألم العادل، وبالطبع بنتيجتهما التي هي الموت”.

ولكي يعود الإنسان إلى حالته السابقة ويتأله، يجب اختراع ألم غير عادل وموت من دون سبب. يجب أن يكون الموت بلا سبب أي غير مسبب من اللذة، وغير عادل أي لا يأتي بعد حياة شهوانية. بهذه الطريقة يشفي الموت غير العادل اللذة غير العادلة التي سببت الموت العادل والألم العادل. بهذه الطريقة يتمتع الجنس البشري بالحرية مجدداً متحرراً من اللذة والألم. المسيح أصبح إنساناً كاملاً ذا نفس نوسية وجسد مائت، مثل جسدنا، ولكن بدون خطيئة. وُلد كإنسان من حبل بلا دنس وهكذا لم يكن لديه أي لذة حسية في كل الأحوال ولكنه طوعياً ارتضى الألم والموت وتألم بطريقة غير عادلة لمحبته للإنسان من أجل أن يبطل المبدأ الذي يسيطر على الطبيعة البشرية، مبدأ الولادة البشرية من لذة غير عادلة، ومن أجل إلغاء الموت كنهاية عادلة للطبيعة. وهكذا ولادة المسيح من حبل بلا دنس كإنسان وأخذه الطوعي لمواتية الطبيعة البشرية كما موته غير العادل، حررت الجنس البشري من اللذة الحسية والألم والموت.

ولادة المسيح كإنسان تمت بطريقة مغايرة لولادة البشر. بعد السقوط، صار مبدأ الولادة في الطبيعة البشرية في “تحرك اللذة بالبذرة من الوالد”. النتيجة المباشرة لهذه الولادة الحسية هي النهاية، أي ما يسمى “الموت المؤلم من خلال الفساد”. لكن المسيح لم يكن ممكناً أن يتسلط عليه الموت، لأنه لم يُولد بهذه الطريقة القائمة على الإثارة المتأتية من اللذة. بتجسده، منح المسيح للإنسان مبدأ مختلفاً للولادة، لذة الحياة الآتية عن طريق الألم. آدم بمخالفته أدخل طريقة مختلفة للولادة، أي ولادة أصلها من اللذة الحسية ونهايتها في الألم والحزن والموت. إذاً كل مَن يتحدر من آدم بحسب الجسد سيخضع لنهاية الموت العادل ولكن بألم. المسيح أعطى طريقة أخرى للولادة لأنه من خلال ولادته بدون زرع وموته الطوعي غير العادل، ألغى مبدأ الولادة بحسب آدم (اللذة الحسية) والنهاية التي أتى إليها آدم (الألم – الموت). بهذه الطريقة “حرر من هذه كل المولودين جديداً بالروح فيه”.

إن الطريقة التي بها أصبح المسيح متجسداً وشفى الطبيعة البشرية تظهر بشكل لا يقبل الجدل انه حكيم وعادل وقدير. إنه حكيم لأنه أصبح إنساناً حقيقياً بالطبيعة من دون أن يخضع لأي تغير. إنه عادل لأنه طوعياً اتخذ الجسد البشري المائت لمحبته للبشر وتعطفه عليهم. لهذا أيضاً لم يجعل خلاص الإنسان ملتوياً. إنه قدير لأنه خلق الحياة الأبدية والهدوء الثابت في الطبيعة عن طريق العذاب والموت وبهذا لم يظهر نفسه غير قادر على تحقيق شفاء الطبيعة البشرية.

ج. التبني الشخصي للخلاص

يجب على الإنسان أن يختبر شخصياً عمل المسيح وهدف تجسده. انتصار المسيح على الموت والألم يجب أن يصبحا العلاج الشخصي لكل كائن بشري. هذا يعني أن كل إنسان مرتبط بالمسيح يجب أن يتحرر من الرباط المأساوي بين اللذة والألم، وخاصةً أن يتخلص من ناموس الموت المتجذر في الطبيعة البشرية. يجب أن نرى بتفصيل أكثر كيف يحلل القديس مكسيموس المعترف عمل اللذة والألم في الإنسان بعد السقوط، وكيف يحفظ حريته وشفاءه. إنها نقطة مهمة لأنها تظهر حالة البشرية الحاضرة كما تظهر أيضاً سبل تحريرها من تسلط الموت.

يحلل القديس مكسيموس المعترف أن هيمنة اللذة والألم لم تكمن في قابلية الطبيعة للموت. فبما إن ولادتنا تتم بطريقة ساقطة فإن اللذة الحسية والألم متجذران في كياننا. قوة الخطيئة تكمن في قابلية الطبيعة للموت من خلال اللذة وتسلط الموت والألم. هذا لنقول أن الخطيئة سببها اللذة الحسية ونتاجها الألم والموت طبعاً. لكن خبرة الألم تحوّل الإنسان نحو الانغماس الشهواني كدواء مريح وهكذا يزيد التمتع الجديد في اللذة والألم.

جدير بنا أن نورد نص القديس مكسيموس المعترف كاملاً لأنه مقطع رائع:

“إذ أن سلطان اللذة والألم ينطبق بوضوح على ما هو قابل للموت في الطبيعة البشرية. نحن نبحث عن كيفية تخفيف عقوبة الألم من خلال اللذة، وهكذا في طبيعة الأشياء زيادةً للعقوبة. إذ في رغبتنا بالهرب من الألم ننشد ملاذاً في اللذة، وهكذا نحاول جلب الغوث لطبيعتنا المضغوطة كما هي في العذاب. ولكن من خلال محاولتنا بهذه الطريقة لثلم الألم باللذة، نضاعف مجموع ديوننا، لأننا لا نستطيع التمتع باللذة التي لا تقود إلى الألم والعذاب”.

في هذا المقطع للقديس مكسيموس المعترف، تظهر مأساة الطبيعة البشرية كاملة كما هي مختبرة في الأزمنة الحاضرة. ونستطيع التركيز على ثلاث مميزات.

أولاً: اللذة الحسية دائماً تجلب ألماً متطابقاً. ما جرى لآدم حيث جلبت اللذة الأولى الألم وخبرة الموت، يجري لكل خطيئة على المستوى الشخصي. في ارتكابه للخطيئة، يحس الإنسان باللذة وبعدها يختبر ألماً فظيعاً ليس بسبب الندامة فقط إنما أيضاً بسبب شبح الموت وظلام الجحيم. الكثير من مزامير داود يحلل هذه الحالة بالتفصيل: “فقد امتلأت من الشرور نفسي وحياتي من الجحيم دنت” (مز3:87).

ثانياً: خبرة الألم والموت تدفع الإنسان للسعي إلى الراحة والعزاء. وفي جهله كيفية استئصال اللذة التي هي المرض المسبِب للألم، ينتهي مجدداً في اللذة الحسية، منغمساً ليواسي طبيعته المتمرمرة. هكذا تقوده خبرة الألم إلى لذات مختلفة في الحياة، من الإشباع الجنسي إلى المخدرات، لأنه يعتقد مخطئاً أنه بهذا يتخلص من شبح الموت.

ثالثاً: الخبرة الجديدة للذة تجلب بالتأكيد ألماً جديداً، لأن الألم هو دائماً نتاج اللذة. هكذا تظهر حلقة مفرغة، فلا يقدر الإنسان أن يتحرر من تركيبة اللذة والألم الفظيعة.

التحرر من هذه المأساة يكمن في يسوع المسيح. كما قلنا سابقاً، المسيح عن طريق ولادته وموته منح الإنسان صيغة جديدة للولادة الروحية. بتجسده أعطى الإنسان نعمة فائقة الطبيعة، أعني التأله (Theosis)، وفي آلامه أعطى الهدوء وفي عذاباته أعطى الراحة وبموته وهب الحياة الأبدية للطبيعة البشرية.

هذا يظهر في القديسين. كل مَن يتحد مع المسيح ويولد روحياً يتحرر من اللذة الحسية التي أصلها في ناموس الخطيئة. في كل الأحوال، يسمح المسيح أن يقبل القديسون الموت، ليس لأن الموت هو نتاج خطيئتهم إنما ليدين الخطيئة. ليس لدى القديسين المتحدين بالمسيح لذة النسل الحسية المتحدرة من آدم، لكن عندهم الألم المتحدر من آدم. إن عندهم هذا الألم كطريقة لدحض الخطيئة. بما أن والدة موت القديس ليست الخطيئة الحسية، يصبح هذا الموت والد الحياة الأبدية. كما صارت حياة آدم المتلذذة أمّاً للموت والفساد، يصير موت المسيح لآدم أباً الحياة الأبدية لأنه متحرر من لذة آدم.

القديسون الذين وصلوا إلى التحرر من عذاب سلسلة اللذة-الألم، حققوا هذا لأنهم اتحدوا بالمسيح. الإتحاد بالمسيح يتحقق من خلال تركيبة من الحياة الأسرارية والنسكية. يشدد القديس مكسيموس المعترف على عيش الحياة النسكية لأن المناولة والاشتراك في النعمة الإلهية من خلال الأسرار ليسا بلا متطلبات. سوف نرى الآن القديس مكسيموس يتحدث عن هذه الطريق الخاصة التي بها اختبر القديسون الطريقة النسكية والحياة وكيف تخطوا اللذة والألم باتحادهم بالمسيح.

أولاً، إنه يشدد على أن تحمل العذاب الطوعي واحتمال الألم غير الطوعي ينـزع اللذة الحسية ويقطع زخمها. الآلام الطوعية هي التمارين الروحية كالصوم، السهرانيات، الحرمان، المجهود النسكي عامةً، حمل صليب طوعياً والجهاد لتحويل الأهواء. الآلام غير الطوعية هي كل الأحداث التي تجري من دون إرادة أو توقع كالمرض، الموت، الإغراءات والصعوبات. يأخذ الإنسان التجارب الطوعية بإرادته، ويحتمل غير الطوعية بالإيمان والرجاء بالله.

بالطبع، كما أشرنا سابقاً، يعلّم القديس مكسيموس أن اللذة الحسية والألم لا يبطلان كلياً بمجهود الإنسان النسكي. فأبرار العهد القديم أيضاً قاموا بهذا المجهود ومع ذلك لم يتمكنوا من تحرير أنفسهم من قيد اللذة والألم، وفوق كل شيء لم يتمكنوا من تحرير ذواتهم كيانياً من تسلط الموت. هذا التحرير للطبيعة البشرية تحقق بيسوع المسيح ويتم اختباره في المشاركة بالنعمة الإلهية في أسرار الكنيسة. ومع ذلك ينبغي على كل شخص أن يجاهد بيسوع المسيح ليتخطى اللذة والألم.

يقدم القديس مكسيموس المعترف معالجة مفصلة لهذه الأمور ويظهر كيفية تحقيق إبطال اللذة والألم في الحياة الشخصية.

أولاً، يقسم اللذة والألم إلى فئتين، لذة النفس ولذة الجسد، وأيضاً ألم النفس وألم الجسد. لذة الحواس تخلق ألماً في النفس وألم النفس يخلق ألماً في الحواس. اختبار الفضيلة يجلب اللذة والألم. أي أن الفضيلة يرافقها ألم الجسد لأن من خلال العيش بحسب الله يفقد الإنسان الحس الناعم المُرضي. أيضاً يرافقها ألم النفس لأنه يتمتع بالمفاهيم النقية متحرراً من كل الأمور الحسية. لهذا السبب، كل مَن يرغب بحياة المسيح التي في النعيم والتي سوف تُعطى كميراث من خلال قيامة الأموات، يشعر بالفرح والراحة في نفسه في حين يشعر بالألم في جسده، أعني يحس بالألم والحزن اللذين تسببهما التجربة.

فمع أنه يشعر بالألم في الجسد بسبب التجارب الطوعية والكرهية، الشخص الذي يحيا بالمسيح هو دائم الفرح بدون انقطاع، لأنه يعرف أنه بهذا يتحرر من ناموس الخطيئة والموت. الانعتاق من الألم ضروري لشفاء الإنسان، ولكن مع هذا، فالألم يجب أن يكون صحياً وليس غير عاقل.

لقد سبق وشددنا في هذا العرض على أن حياة الإنسان المعاصرة محكومة باللذة الحسية والألم، لأن هناك حلقة أثيمة مغروسة في الطبيعة البشرية بسبب سقطة آدم، ولكنها أيضاً انتقلت إلى كل إنسان. وحده المسيح كونه إلهاً تاماً وإنساناً تاماً، تخطى اللذة بمولده من غير زرع من الروح القدس والعذراء مريم، وفي الوقت نفسه غلب الموت والألم بقبوله الصليب المؤلم. لهذا السبب بالضبط المسيح هو الإنسان الكامل والمثال لكل المؤمنين. المسيح هو النموذج لخليقتنا والشافي في الوقت نفسه، لأنه هو مَن يحررنا من مأساة اللذة الحسية والألم. بهذا المنظار يُنظر إلى النسك بحسب المسيح على أنه متميز بوضوح عن أي نسك آخر من النموذج الشرقي، لأنه غير محكوم بالمجهود البشري إنما بقوة الله وتعاون الإنسان.

مساهمة النسك الأرثوذكسي العظيمة وقيمتها

أثبتنا في التحليل السابق أن اللذة الحسية تسبب مشاكل مروعة في كيان الإنسان، إذ أن كل بذور الألم والموت المأساوية مخبأة في حالة اللذة. عندما يحمل شخص ما صليب النسك في يسوع المسيح، يتحرر من تسلط اللذة الحسية. إذاً، وجود الألم في حياتنا مفيد عندما نضعه في مواجهة مع الإيمان والصبر بالله. هذا يعني أنه مطلوب جهد مكثف وجهاد مستمر ضد طبيعتنا البشرية الساقطة. نحن نحمل بذور المأساة في وجودنا. مشكلة الإنسان الرئيسية ليست الشر الاجتماعي إنما فساد الطبيعة البشرية. إذاً نحن نجاهد باستمرار لتحويل الطبيعة المائتة إلى إنسان بحسب المسيح.

هذا التحول يتحقق من خلال النسك الأرثوذكسي الذي يصبو إلى تخطي اللذة والألم. هذا النسك ليس طريقة مهجورة وبغير أساس، إنما هو العمل الأكثر عصرية وقابلية للتطبيق. النسك الأرثوذكسي وشفاء الإنسان مرتبطان بشدة. اليوم يسعى الناس إلى العلاج لأن مأساة اللذة الحسية والألم تتملكهم. في هذه النقطة أرى القيمة الأعظم للروحانية الأرثوذكسية التي تختلف بوضوح عن أي روحانية أخرى سواء من النموذج الغربي أو الشرقي.

إن العالم المعاصر مميز باختبار المأساة المرتبطة باللذة الحسية وتجربة الألم، وأن إنسان اليوم ينشد الانعتاق والشفاء ويجدها في الهدوئية الأرثوذكسية. هذه حقيقة يثبتها بوضوح عدد الناس المتحولين إلى اللاهوت الأرثوذكسي وصياغته الجديدة صادقين، في الشرق كما في الغرب. أكثر من ظاهرة تشهد على البحث الذي يقوم به إنسان اليوم من خلال تعليم الكنيسة النسكي الهدوئي: الاهتمام بأعمال آباء الكنيسة الهدوئيين، قراءة الفيلوكاليا التي أتمها بشكلها الأخير القديس نيقوديموس الآثوسي مع القديس مكاريوس نوتاراس أسقف كورينثوس، انتشار أعمال القديس سمعان اللاهوتي الحديث والقديس غريغوريوس بالاماس وقديسين كثيرين غيرهم، دراسة أعمال آباء القرن الرابع. إذاً يجب أن لا ننظر فقط إلى الشروط السلبية، كمأساة اللذة الحسية والألم، إنما أيضاً إلى البحث عن الشفاء وما يقدمه اللاهوت الأرثوذكسي.

لم يزل هناك أثر تقليدي هائل للحياة الأرثوذكسية في شعبنا. للأسف مع ذلك هذا يُستغل أحياناً من أشخاص غير مسؤولين وأنانيين. عند مراقبة الحياة الكنسية المعاصرة يشعر المرء بأن هناك مسيحيين كثيرين يتفاعلون ضد السكولاستيكية التي دخلت إلى مجال الأرثوذكس، بالرغم من عدم امتلاكهم لأي حجة لاهوتية مقنعة. وبالطريقة نفسها يتفاعلون ضد الفتكنة الظاهرة في الإدارة الكنسية، وضد الأخلاقية التي تم عرضها في مجال الحياة الروحية وضد النظرة المسكونية للأمور المتعلقة بحياة الكنيسة. هم لا يستطيعون دمج هذه الأمور مع الحياة الأرثوذكسية الحقيقية كما عاشها أسلافهم وقرأوا عنها في أعمال آباء الكنيسة. أغلب هؤلاء الناس منتمون إلى جماعة التقويم القديم. أن نقدم الحياة الأرثوذكسية بشكلها الأصيل هو أمر جوهري حتى ننسب أنتولوجيا صحيحة لردة فعل هؤلاء ونجنبهم الخروج عن الخط إلى التفاصيل الصغيرة. وهذا ضروري للحركة العظيمة التي نلاحظها في الغرب نحو اللاهوت الأرثوذكسي والحياة الكنسية الأرثوذكسية.

أعتقد أن هذا هو عمل آباء الكنيسة العظماء عبر العصور لأن لديهم تفسير لاهوتي لكل الأحداث الكنسية. لو لم يكن هناك القديس سمعان اللاهوتي الحديث في القرن الحادي عشر لربما كانت سيطرت آراء استفانوس أسقف نيقوميدية، التي كانت فكرية محضة، وأجرؤ على القول أنها كانت سكولاستيكية. لكن القديس سمعان اللاهوتي الحديث أظهر في أعماله أن أساس وهدف الحياة الأرثوذكسية هو تأله الإنسان الذي يتحقق بقوة الروح القدس ورؤية النور غير المخلوق.

لولا وجود القديس غريغوريوس بالاماس في القرن الرابع عشر لاعتُبرت الهدوئية انحرافاً هرطوقياً عن حياة الكنيسة الأصيلة بحسب الإنجيل. لكن القديس غريغوريوس بالاماس أظهر بكل مصداقية ووضوح كل لاهوت الهدوئية، ما هو الإنسان وكيف يتحقق اتحاده بالله، ما هو التأله والعلاقة بين الصلاة القلبية وكيان الإنسان وخلاصه.

وأيضاً لو لم تكن صورة القديس نيقوديموس الآثوسي مهيمنة على القرن الثامن عشر لاعتُبرت حركة رهبان أثوس هرطقة، فهم قاوموا التغييرات ودهرنة الحياة الأرثوذكسية وعبّروا عن ردة فعلهم برفضهم إقامة الذكرانيات يوم الأحد. في كل الأحوال أظهر القديس نيقوديموس بوضوح في كل كتاباته أن تحرك المدعويين كوليفاذيين (Kolyvades) كان الروحية الأصيلة للفيلوكاليا. هذه الروحية التي تشكل جوهر حياة الكنيسة الأرثوذكسية.

أعتقد أنه لو كان هناك أب عظيم في كنيستنا، مثل سمعان اللاهوتي الحديث أو غريغوريوس بالاماس ونيقوديموس الآثوسي، في مطلع هذا القرن عند نشوء قضية التقويم، لكان برهن أن ردة الفعل الشعبية على إدخال التقويم القديم كانت بالحقيقة ردة فعل على إدخال وجهات النظر الغريبة الآتية من الغرب، ردة فعل على دهرنة اللاهوت الأرثوذكسي. للأسف لم يُنظر إلى هذا الأمر من هذا المنظار وأخطأوا في حد اهتمام الناس بموضوع التقويم فقط. الخطأ نفسه كان ممكناً ارتكابه أيام القديس غريغوريوس بالاماس لو حُدد النقاش بطريقة الصلاة وحدها دون اعتبار لاهوتها. وهذا أيضاً ينطبق في عصر القديس نيقوديموس الآثوسي إذ أن الأمر كله حدد بالذكرانيات في الأحد وتم غض النظر عن كل المعنى الذي لمقاومة روح الدهرية في الكنيسة.

كل هذا الكلام قيل على ضوء حقيقة أن أثر الحياة والتصرف الأرثوذكسيين عميق في اليونان اليوم. علينا أن نعطي معنى لاهوتياً وقيمة لهذا الأثر لأن بهذه الطريقة فقط تبقى جذور الحياة الأرثوذكسية في شعبنا. وعلينا أن نفعل الشيء نفسه للمرتدين الكثيرين إلى الأرثوذكسية في الغرب. اليوم الناس في الغرب يحبون الأرثوذكسية وهم متحمسون لها لأنهم يقرأون كتابات الآباء النسكيين وينشدون السلام الداخلي والاتحاد مع الله. إنهم يبحثون عن هذا اللاهوت الذي بمقدوره أن يخبرهم كيفية التخلص من اللذة الحسية والألم.

خاتمة

حالة العالم الحاضرة يعبّر عنها الرسول بولس بقوة وتفصيل في رسالته الثانية إلى تيموثاوس. هناك حالتان واتجاهان من الناس. الذين يحيون خارج الله ينتمون إلى الأولى. يكتب الرسول بولس: “ولكن إعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة. لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم محبين للمال متعظمين مستكبرين مجدفين غير طائعين لوالديهم غير شاكرين دنسين؛ بلا حنو بلا رضى ثالبين عديمي النـزاهة شرسين غير محبين للصلاح خائنين مقتحمين متصلفين محبين للذات دون محبة لله. لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها. فأعرض عن هؤلاء. فإنه من هؤلاء هم الذين يدخلون البيوت ويسبون نسيّات محملات خطايا منساقات بشهوات مختلفة. يتعلمن في كل حين ولا يستطعن أن يقبلن إلى معرفة الحق أبداً. وكما قاوم ينيس ويمبريس موسى كذلك هؤلاء أيضاً يقاومون الحق. أناس فاسدة أذهانهم ومن جهة الإيمان مرفوضون. لكنهم لا يتقدمون أكثر لأن حمقهم سيكون واضحاً للجميع كما كان حمق ذينك أيضاً” (2تيم1:3-9).

في المجموعة الثانية المتحدون مع المسيح، تلاميذ المسيح الذين يبحثون عن الحقيقة والحياة في المسيح، كما يعبّر الرسول نفسه: “وأما أنت فقد تبعت تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبتي وصبري واضطهاداتي وآلامي مثل ما أصابني في انطاكية وإيقونية ولسترة. أية اضطهادات احتملت ومن الجميع أنقذني الرب. وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون” (2تيم 10:3-12).

أفراد المجموعة الأولى هم “الأشرار المزورين… مُضِلين ومُضَلين”(2تيم 13)، بينما أفراد المجموعة الثانية فهم أولئك الأصحاء الكاملون، وبتعبير الرسول: “لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح” (2تيم 17).

إني أريد أن أؤمن أن تياراً قوياً من الناس الذين يحيون بروح التقليد الكنسي غير الفاسد، موجود اليوم أيضاً كما أن آخرين من الخائبين من مأساة مبدأ اللذة والألم، يبحثون عن طريق خارج هذا الجحيم المأساوي. يجب أن ننظر إلى الوجوه الإيجابية ونطعم اولئك الجائعين والعطشى إلى بر الله عندما تراجعنا حالات سلبية، بدلاً من الوقوف عاطلين وبدل البكاء على مأساة العالم العصري. بهذه الطريقة سوف نساهم في منح الكنيسة الأرثوذكسية حياة جديدة.

الكنيسة والعصر

الكنيسة والعصر

الأب أنطوان ملكي

 

ثمّة مناقشات دائماً حول أنّ شؤون الكنيسة بمجملها تفتقد للمعاصَرَة وتحتاج إلى تحديث. قد يكون هذا الأمر صحيحاً جزئياً اليوم وفي كلّ زمان. ولهذا، تدأب الكنيسة دائماً على أن تكون معاصرة، ويظهر هذا الدأب من تطوّر نتاجها اللاهوتي والليتورجي الذي وصل إلينا. إلا أننا في العقود الأخيرة نشهد انتشاراً المعارف ورفعاً لها إلى درجة أن البعض صار يؤلّهها، عن قصد أو عن غير قصد، ما يجعل من الضرورة التوقّف عند بعض دعوات العصرنة في الكنيسة، لا لرفضها بل لتصويبها وتحويلها للخير ما أمكن.

على سبيل الإيضاح لا السرد، يتوقّف البعض عند لغة الكنيسة، أي لغة الكتاب المقدّس والليتورجيا وسِيَر القديسين، فيرَون في عدد ليس قليل من عباراتها عتاقةً ورجعيةً لكونها لا تستعمل صور العصرِ ولا تأخذ متغيّرات علومه بعين اعتبارها. وعلى غرار اللغة مظهر الكاهن ولباسه، توقيت الصلوات وطول مدتها، الأصوام شكلاً ومضموناً، مواقف الآباء من قضايا الزواج والجنس والطاعة وغيرها… والمشتَرَك بين كل هذه المواقف الداعية إلى إعادة النظر في تراث الكنيسة هو أنّها تستند في تحليلها واستنتاجاتها إلى علوم هذا العصر وحالة ناسِه. من هنا نجد مَن يريد أن يناقش تعليم الذهبي الفم حول التربية على ضوء نظريات ديوي وهاتون وغيرهما، أو مَن يريد أن يناقش تعليم القديسين يوحنّا السلّمي ومكسيموس المعترف ومرقس الناسك على ضوء تحليل فرويد ويونغ وغيرهما. فمن جهة العلم، يبدو الأمر مغايراً للأسلوب المفاهيمي (contextual method) في دراسة الأمور. هذا الأسلوب يدعو إلى التعرّف على كلّ تعليم في إطاره التاريخي والحكم عليه ضمن ذلك الإطار وليس خارجه. ويوجد اليوم مَن اتّبع هذه الطريقة في البحث فتلاقى مع آباء الكنيسة في أمور علوم النفس والمجتمع. على سبيل المثال لا الحصر، مدرسة العلاج الإدراكي (cognitive therapy) التي يتبنّاها عدد كبير من المعالجين النفسيين الأرثوذكسيين وبينهم مَن تحوّلوا إلى الأرثوكسية عندما وجدوا أنّ علمهم يتّفق في وصفه للنفس البشرية وما يخالجها مع ما كتبه الآباء قبل وجود علم النفس الحديث وقوانينه.

أمّا من الناحية الروحية، فما يميّز أيضاً مواقف أغلب الداعين إلى عصرنة الكنيسة هي احتكامهم إلى أنفسهم. ففي محاولتهم لإثبات نظرياتهم، يضعون الكنيسة في خدمة علومهم، على عكس الآباء الذين وضعوا العلوم في خدمة الكنيسة. فالتطبيق الحَرْفي للعلوم يفتح أبواباً لا تبقي شيئاً في محله، وخبرة الغرب المسيحي شاهد كافٍ على ذلك، إذ نرى اليوم الكثيرين من الغربيين يعودون إلى التراث لأنّهم يجدونه أقرب إلى إيمانهم من العصرنة والتحديث العشوائيين. في هذا المعنى، يوضح الرسول بولس أنّ “الروحي فيحكم في كلّ شيء، وهو لا يُحكَم فيه من أحد” (اكو15:2)، ما يعني أننا نحكم على علوم الدنيا، كلّ علومها، على ضوء روح المسيح وليس بروح هذا العالم. هذا أمر يحتاج إلى تنقية ذاتية وتوبة عميقة وإحساس واقعي بالمحدودية أمام عظمة الآباء والتراث الذي تركوه، وهذا ما يفتقده علماء هذا الزمان، حتّى ممن يرون أنفسهم من أبناء الكنيسة.

إن عدم ترشيد الدعوة إلى عصرنة الكنيسة تفتح الباب على انقلاب لا يبقي من الكنيسة إلا اسمها. لذا ينبغي الانتباه قبل أن يأتي زمان يقترح فيه البعض تشريع الجنس خارج الزواج بحِجّة الحب، والإجهاض بحجة الاقتصاد، والموت الرحيم بحجة الرحمة، وإلغاء المناولة بالملعقة والدَهن بالزيت بحجّة النظافة، والتخلّي عن التغطيس في المعمودية بحجّة السلامة، وتبديل أجزاء من الكتاب المقدّس والليتورجيا وإلغاء تعابير من هنا وهناك بحجّة تطوّر اللغة وعدم اعتياد إنسان هذا العصر عليها.

الحياة العائلية

الحياة العائلية

الأب أنطوان ملكي

العائلة المسيحية في خطر لأنّ الحس العائلي في خطر، بالرغم من الكلام الكثير عن الاهتمام بالحياة العائلية في وسائل الإعلام. وعلى مثال أغلب الأمراض الاجتماعية في أيامنا، مشكلة فساد العائلة لا تُحَلّ بمجرد التربية والإعلام والبرامج والقوانين، بالرغم من كون كل هذه عناصر بنّاءة، بل وكما هي الحال دائماً، الشفاء موجود في قلوب الذين يشكّلون العائلة نفسها، والتوبة هي كلمة السر.

فسلوك العائلة الأرثوذكسية بطريقة بنّاءة إيجابية مُحِبَّة معطية للحياة، هو أمر يتطلّب صلاة وتصميماً ونظاماً لا بل يتطلّب موقفاً تبشيرياً. هذا لأن مناخنا الاجتماعي صار لا يساعد عائلاتنا الأرثوذكسية. إنّ التأمّل في هذا المناخ المزعج يؤدي إلى الإحباط واليأس، ما دفع أحد الرعاة لوصفه بأنّه عاصفة من التجارب، بيئة نسيت الله أو رفضته. فبيئتنا تقوم على المادية إذ لا تحثّنا إلاّ على النجاح المادي: العمل، المدرسة، الراديو، التلفاز، الإنترنت، الجرائد، المجلات، وحتى جيراننا. ما يحرّك الحياة اليومية بشكل أساسي هو جني المال والسلطة وتحصيل ما هو أفضل مما عند الآخر. بيئتنا تشجّع على التنافس والخداع، حتى صار الناس يسحق بعضهم البعض سعياً للحصول على الأفضل بأقل ثمن أو بلا ثمن. المتطلبات المادية جعلت البشر عبيداً للتكنولوجيا، وارتفعت كلفة الحياة في السعي وراء الراحة إلى درجة أن العائلات التي لا يعمل فيها الوالدان معاً قليلة جداً. لذا يجد الأهل والأولاد أنفسهم معاً يجاهدون تحت أحمال ثقيلة من المتطلبات اليومية. الإرهاق والقلق منتشران بشكل عام. العائلات تتفكك وأغلب الناس يعانون من الوحدة. البعض يطلب العزاء في التلفاز أو بالتسلية السمعية-البصرية، البعض الآخر يسافر، وغيرهم ينغمس في الشهوات الحسية. يأخذ آخرون طريقاً أخرى من الهرب عن طريق العيش بطريقة زائفة، وآخرون يذهبون أبعد من ذلك إلى الكحول أو المخدرات. إنها عواصف من التجارب.

لذا إذا كنا نرغب بصدق بالتغيير في حياتنا وحياة عائلاتنا، علينا أولاً أن نرفض طرح الملامة على غيرنا وأن نتحمّل مسؤوليتنا. ولكن قبل تحمّل المسؤولية، من الضروري استدعاء معونة الرب. نحن بالحقيقة لا نمسك بزمام كل شيء في حياتنا، ولوحدنا لا نستطيع أن نقوم بكل شيء أو ننجزه. نحن بحاجة لمعونة الله. عندما نستدعي الرب، ندرك كيف قد أُخذنا بالكذبات المتنوعة حول ما هو ضروري في الحياة. إن هذه النقطة المحورية هي نقطة التوبة، حيث نبدأ بتحويل المدّ الذي كان يدفعنا، أو يجرّنا، أو يقذفنا ونفهم أننا لسنا قباطنة أرواحنا ولا ملاّحي أقدارنا. كل حياتنا مترابطة ضمنياً، وما يفعله كلٌ منا وما هو عليه يؤثّر على كل شيء وعلى كلّ شخص في كل مكان. ما أن نبدأ بالنظر إلى ما وراء خداع المادية وحب الكسب والاستهلاك، حتى نبدأ بإدراك أننا بالفعل لا نحتاج كلّ ما يقولون لنا أنه ضرورة، وبأننا نستطيع العيش سعداء بأقل من هذا بكثير، وبأننا لسنا ملزَمين على أن نعيش موجَّهين بالكسب المستمر، وبأننا لسنا بأي شكل مجرّد مخلوقين للشراء. هذا النوع من الإدراك ضروري، لأنّه جذر التوبة وأساس التغيّر نحو الأفضل في حياة الشخص والعائلة والرعية.

إلى أين يقودنا هذا في عائلاتنا الأرثوذكسية؟ إلى التوقف عن معاملة أحدنا الآخر، في عائلاتنا وفي رعايانا، وكأننا سِلَع. البشر هم كالأيقونات: قيمتهم هي في مَن هم، وليس في ما هم أو كم يعرفون ومَن يعرفون أو كم هم جذّابون أو كم يحصِّلون. لهذا نحن نحتاج لأن نبدأ مجدداً في معاملة أحدنا الآخر بمحبة لطيفة صبورة حاضنة، كمثل أزهار ونباتات رقيقة في حديقة. هذا ما شجّعته الأرثوذكسية دائماً، وهناك قصص كثيرة عن أشخاص أتقياء عاملوا البشع والمريض والمحروم والمشوَّه كأزهار جميلة وكظهورات للمسيح.

تحتاج العائلات الأرثوذكسية لأن تتجذّر في محبة المسيح لتكتسب الحياة والقوة لمقاومة مدّ المادية، وهذا يكون عن طريق الانتباه الثابت الذي يتطلّب يقظة. لذا على الأهل أن يقوموا بجهود حقيقية لكي يقودوا أولادهم بالمثال وليساعدوهم من خلال محبتهم للمسيح والقديسين، فيجدوا المحبة والقوة في الحياة لمواجهة كل صعوبة بالرجاء وهزيمة الإغراءات وقهر الخطيئة والعيش في حرية المسيح.

لكن هذا لا يكون بلا صلاة ومن دون قراءة الكتاب المقدس يومياً. لذا ضروري تعزيز العادات المسيحية الحسنة التي تعكس حقيقة أن إيماننا الأرثوذكسي يلامس كل أوجه حياتنا: مباركة الطعام وشكر الله عنه والاشتراك أقله في وجبة واحدة يومياً، مباركة العائلة عند الخروج من البيت، الوقوف وجيزاً قبل السفر، مباركة الله عند النهوض من النوم وعند الذهاب إلى الفراش، وقبل العمل أو اللعب أو مباشرة أي مشروع. في الاتكال على هذه البركة نحن نستطيع أن ننمو. وبهذه البركة نحن قادرون على العيش والمشاركة في محبة المسيح. تنمو المحبة وتزدهر عندما نكون يقظين روحياً. يعلّم الأهل أولادهم اليقظة بالمثال مبتعدين عن الخصومة والدينونة منتبهين من الروح الانتقادية طالبين من الله أن يضع حارساً على أفواههم ويوجّه قلوبهم بعيداً عن الأفكار الردئية.

إذا كنا يقظين أفراداً وعائلات، إذا كنا أمناء، وإذا ثابرنا متشبثين بيد المسيح مخلصنا، سوف نجد أننا، كمثل الرسول بطرس، سوف لن تهزمنا عواصف التجارب، بل سوف نبحر بأمان في سفينة الكنيسة إلى ميناء الأمان حيث الفرح السماوي، فنخلّص نفوسنا ونفوس أفراد عائلاتنا ومجتمعنا.

ملاحظات حول الصوم

ملاحظات حول الصوم

الأب أنطوان ملكي

كثيرون يفصّلون صيامهم على ما يريحهم. فهذا يصوم عن الحلوى فقط وآخر عن التدخين وثالث عن هذا العمل أو ذاك. فالفكرة السائدة هي أنّ الصوم مرتبط بالتخلّي عن شيء ما من أجل الله. لكن المعنى الحقيقي للصوم أكثر غنى من ذلك، فالصوم ليس فقط في التخلّي بل في الكَسب، في الوصول إلى أمور لا يُمكن تحقيقها إلاّ من خلال هذا النشاط الروحي. في المعنى القانوني للخلاص، يعتقد البعض بأنّ المسيح أتى إلى العالم ليتمم مهمة ما، ويصلح إساءة الإنسان لله، وأن تضحيته على الصليب تسدّ هذه الحاجة وتُدخِل الجنس البشري مجدداً في حظوة الله. من هذا المنظار يكون الصوم رمزاً: تضحية شخصية يقدمها الإنسان ليعود إلى نعمة الله. وهذا قد يكون التخلي عن أي شيء، بدءً من قطعة حلوى مروراً بالامتناع عن استعمال الفايسبوك خلال فترة الصوم وصولاً إلى التخلّي عن أكثر من ذلك… لكن هذه التخليّات التافهة لا علاقة فعلية لها بالمعنى الحقيقي للصوم. فالله ليس بحاجة لكل هذه التضحيات كما لم يكن بحاجة لكلّ محرَقات العهد القديم. نحن مَن يحتاج قانون الصوم وليس الله.

إن تحويل الصوم إلى رمز أو إلى مجرد فكرة يفسِد كلّ جهاد الصوم الكبير. في هذا العالم المكوَّن من أفكارنا المشبَعة بالقيَم الدهرية، تُنسى أهمية انخراط الجسد بالصوم، لأنّ الفكر يكتفي بالرموز. لكن الإنسان ليس موجوداً في خيال فكري بل هو حيّ في عالم حقيقي، كشخص فعليّ مكوّن من جسد ونفس، مادي وروحي. لا يخلّص المسيحُ العالمَ بنشره فكرة الخلاص، بل بالنزول بنفسه إلى الأرض واتّخاذه جسداً من مريم العذراء وصيرورته مادياً واحداً منا، لا طيفاً ولا روحاً بل لحماً ودماً. موته على الصليب ليس رمزاً بل حقيقة مؤلِمة. لم تكن قيامته مجرّد قصة مفعمة بالأخلاقيات، بل اللحظة التي قرّرت مرحلة جديدة في الوجود البشري. بتحويل كل الأشياء إلى رموز ننتهي إلى العيش في أفكارنا مفتقدين الوجود الحقيقي.

في فهمنا الأرثوذكسي نعي أن الإنسان، لكونه يعيش في عالم مادي بطبيعة ساقطة مشوّهة، فجسده يخضع للأهواء التي تؤثّر على كامل كيانه. ضبط الجسد عن طريق الصوم يوجّه كامل الكائن البشري نحو الله، لأنّ “جسداً مكبوحاً بالصوم يجلب للنفس البشرية الحريّة والقوة والاعتدال والطهارة والتمييز” (القديس إغناطيوس بريانشانينوف). بتجويع الجسد يتغذّى كل الكائن ويصير قادراً على “الارتفاع ليتأمّل الأمور النبيلة وليضع الأمور السماوية فوق أمور الحياة السارّة والممتعة” (القديس يوحنا الذهبي الفم).

هذا ولا يليق أبداً تحويل الخبرة الصيامية غلى مجرّد نظام نباتي. الصوم الكبير هو فترة تحوّل، كما يسميها الآباء تغييراً للفكر (metanoia). يجاهد الصائم لتحويل طريقة حياته بالكامل، معيداً توجيه أولوياته، ساعياً نحو إيجاد سبل جديدة إلى الله، مستبسلاً للكمال في المسيح. كما ينصح القديس باسيليوس الكبير: “يكمن الصوم الصحيح في رفض الشرّ، ضبط اللسان، قمع الحقد، طرد الشهوة والكلمات البذيئة والكذب والحنث بالوعود”.

من هذا المنظار يمكننا أنّ نقول أن صوم الجسد هو صوم للنفس. النفس المتحررة من ثقل الجسد المتخم والمتغذيّة بمَنّ الفضائل يمكنها أن تصل إلى العلو الروحي، حرّة من الأهواء التي تشدّها إلى الأرض. إن نفساً كهذه تصلّي أكثر وتسامح أكثر وتحبّ أكثر. ليس الصوم مجرّد تخلٍ بل هو تدريب على المحبة، لأن الخلاص ليس إكراماً يُمنَح بديلاً للتضحية بل هو أعظم ما عرف البشر من أعمال المحبة.

عائلة الكاهن

عائلة الكاهن

الأب أنطوان ملكي

في حديث إلى كهنة أبرشية طرابلس والكورة وتوابعهما، في اجتماعهم، ذَكَر الأرشمندريت توما بيطار، وهو رئيس الدير الذي قارب سنته الكهنوتية الأربعين، أنّ أولى مقوّمات الكهنوت الستة هي القداسة، والثانية هي الفقر الطوعي. فالكاهن يتقدّس ويقدّس، وهذا هدف التزامه الخدمة. أمّا الفقر الطوعي فهو خيار يتّخذه، لا كنذور الرهبان، بل كسلوك في الحياة وموقف من العالم ومقتنياته ومغرياته.

هنا يأتي السؤال: أيستطيع الكاهن أن يحقق هذا الكلام دون أن يطال عائلته؟ فأين هي عائلة الكاهن من كلّ هذا؟ وإذا كانت زوجته اختارت أن تكون خورية، ولو رفضت لما صار هو كاهناً، وبالتالي التزمت وإياه بهذا التعليم، فماذا عن أولاده؟

قبل محاولة قراءة هذه الأمور لا بدّ من الإشارة إلى دور العائلة الذي تحوّله الحداثة والحضارة إلى دور جانبي. فالعائلات تضاءلت عدداً عن ذي قبل، أفقياً وعمودياً. الأهل والأقرباء صاروا للمناسبات. الاختصار بعدد الأولاد صار القاعدة. هذا وقد كُتِب الكثير عن العائلة، من وجهات نظر علوم الاجتماع والنفس والتربية وغيرها، وحتّى من باب الرعائيات، دون أن يغيّر ذلك السمة الغالبة التي هي التراجع والتفكك المترافق مع نوع من الاستسلام للتيار عند أغلب أولياء العائلات وكأنّ لا حول لهم ولا قوة. فالتيار اليوم له متطلباته في التفكير والمنطق واللهجة واللباس والتصرّف والسلوك، وهي متطلبات لا تتجانس مع دور العائلة التقليدي المسيحي. ولكون عائلات الكهنة في هذا العالم، بغضّ النظر عمّا إذا كانت منه أو لا، فالوضع يطرح عليها تحديات كبيرة لا بد أن تؤثّر على خدمة الكهنة أنفسهم.

يلاحظ الأب توماس هوبكو أن كثيرين من القديسين موجودون في “عناقيد”، يعني بها عائلات. من الأمثلة عائلة القديس باسيليوس الكبير وإخوته غريغوريوس النيصّي وسمعان وأخته ماكرينا وأمّه آميليا، وكلّهم قديسون. من الأمثلة أيضاً مريم وأليصابات وزخريا والدي المعمدان، أو يوسف الخطيب وولديه يعقوب وسمعان. لكن هذا لا يعني أن الأمر يمتد لأجيال دائماً، فالقديس غريغوريوس النزينزي، الذي ضمّت عائلته عدداً من القديسين، هو نفسه ابن أحد الكهنة الوثنيين الذين اهتدوا.

ما معنى هذه العناقيد بالنسبة لنا في القرن الحادي والعشرين؟ إنّها تذكير لنا بعدم التخلّي عن التقليد، وخاصةّ المتعلّق بالعائلة. من جهة أخرى، إنها مثال للاحتذاء والسعي إلى تحقيقه. أغلب العائلات اليوم، حتّى الملتزمة كنسياً، نسيت هذا المثال. فهذه أمّ تمارس الصوم لكنها تمنعه عن أولادها خوفاً على صحتهم. هذا لم تفعله القديسة آميليا. وهذا أب يلتزم بكل الصلوات إنما يمنع ابنه منها كي لا يتأخّر عن درسه. وماذا عن موقف الأهل من الاعتراف والأبوة الروحية وزيارة الأديار وغيرها؟

وبالانتقال إلى عائلة الكاهن، أيكفي أن تكون امرأةٌ ما خورية لتتخلّى عن كلّ ما تمارسه نساء هذا الجيل، من اهتمام بالنظافة والشكل والترتيب والهندام واللباس؟ أيكفي أن تكون الصبيّة ابنة كاهن لتتخلّى عن كل ما يشغل صبايا هذا الجيل من موسيقى ولباس وتلوين شعر وسينما وخليوي وغيره؟ أيكفي أن يكون الشاب ابن كاهن ليستغني عن ما يشغل مراهقي وشبّان هذا الجيل من ارتياد أماكن وطريقة في الكلام وقصّ شعر وإنترنت وغيره؟ الأمور ليست سوداء وبيضاء، لذا الإجابة ليست بسهلة.

في تقليد الشرق، أن عائلة الكاهن، هي على غراره، أي العائلة التي ينبغي أن تكون النموذج للرعية. لكن هذا الواقع يضع الكثير من الضغط على الخورية والأولاد، ويقع الكثير من التخفيف من هذا الضغط على عاتق ربّ العائلة المُطالَب بالمبادرة إلى وضع أسس جوٍ عائلي مكيّف بحكمة. التصرّف بتمييز مطلوب من الكاهن في بيته أولاً. يُلاحَظ اليوم أنّ لدى العديد من زوجات الكهنة وأولادهم ميل إلى رفض دور النموذج، لكن الحقيقة تبقى أن أغلب أبناء الرعية لا يرونهم، عائلة وأفراداً، إلا كذلك. من أعظم الأخطار التي تهدد كلّ المسيحيين، عائلات وأفراداً، وخاصةّ عائلات الكهنة، هو الخوف من أن يكونوا مختلفين والرغبة في أن يكونوا “طبيعيين وعاديين” على مثال كلّ الباقين. ويزداد الخطر خاصةً إذا تمادى البعض في إبراز هذه الطبيعية.

لكن الانسجام مع معايير المجتمع والنزعات السائدة ليس هدفاً مسيحياً، ولا يمكن أن يكون، ولا يجوز للكاهن أن يضعه لنفسه ولا لعائلته، وخاصةً لأبنائه. بل بالتأكيد، على عائلة الكاهن الاستعداد لأن تكون مختلفة، لا بهدف الاختلاف بل لأن اتّباع المسيح وإنجيله يتطلبان ذلك.

إن بنية العائلات في المجتمع قد تعرّضت للتآكل بشكل حاد، والمؤسف أنّ عائلات الكهنة ليست بمنأى عن ذلك، من جهة لكونها غير محصّنة ضد الموضة الخبيثة، ومن جهة أخرى لأن هذا التحصين أمر صعب جداً في زمن التلفزيون والإنترنت والعولمة. من هنا، أنّ التعرّف على الخطر هو الخطوة الأولى للغلبة. أمّا الادّعاء بأنّ الخطر غير موجود ورفض التنبّه إليه، فلا يمكن إلاّ أن يرفعا من درجة الخطر والأذى على العائلة.

ليس الكاهن معلّماً ومرشداً لرعيته أكثر مما هو لعائلته نفسها. لا يستطيع الكاهن المتزوّج أن يتخلّى عن موقعه كأب ورأس لعائلته كما يفعل أغلب الآباء اليوم في شريحة كبيرة من عائلات مجتمعنا. الكاهن، كمعلّم لأبنائه كما لغيرهم، لا يستطيع أن يكون أقلّ صرامة معهم مما هو مع الباقين من أبناء الرعية.

من الضروري اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن يكون بيت الكاهن نموذجياً للجماعة كلّها. غالباً ما يكون الكاهن مذكِّراً للعلمانيين بأنّ البيوت هي كنائس صغيرة، وبالتالي مقدّسة، يصلّي فيها أهلها معاً كما يأكلون معاً، ويتعاملون بالمحبة والاحترام، هذه المحبة التي تشكّل القوة التي تجمع الكلّ معاً، دون أن تكون رباطاً عصبياً قبلياً أو ما شابه. الشائع اليوم، في كافة المجتمعات، أنّ البيوت تحوّلت إلى أماكن للنوم والأكل على السريع وتغيير الملابس. في مجتمعاتنا اليوم تخلو بيوت كثيرة من مائدة الطعام، لأنّ كلّ واحد في البيت يأكل في الوقت الذي يناسبه وبالشكل الذي يناسبه، والمكان الذي يناسبه، وغالباً ما يكون هذا المكان طاولة الحاسوب أو الكنبة مقابل التلفاز. الصلاة، إذا مورسَت في البيوت، صارت أمراً خصوصياً بالكامل. نادرة العائلات التي تصلّي معاً. لكن هل بيوت الكهنة مختلفة عن غيرها؟

الكاهن الكاهن يعرف أنّ عليه أن يؤدّي حساباً عن أمانته التي هي جسد المسيح. في سيامته يعطيه الأسقف الحمل قائلاً له: “خذ هذه وكنْ أميناً عليها فإنّها تُطلَب منك يوم القيامة”. معنى هذا أنّه مؤتَمَن على جسد المسيح، وجسد المسيح هو الكنيسة بكلّ مكوّناتها. بهذا الائتمان يكون الكاهن مقدِّساً ومقيماً للخدم وراعياً، أي أنّه مسؤول عن شعب الله، ولا يستطيع أن يكون سبب معثرة لهم. لا يكفي أن يلتزم الكاهن بالتعفف عن المال والصدق والمسالمة وبإقامة الخدم وافتقاد المرضى والمحتاجين والاهتمام بالجميع. هذا كلّه يثبّت المؤمنين وقد يجذبهم أيضاً. لكن في مقابل هذا، عليه ألاّ يكون سبب معثرة لأحد، هو وعائلته. أيستطيع كاهن أن يعظ عن الحشمة ما لم تمارسها خوريته وبناته؟ أيستطيع كاهن أن يعظ عن الصوم فيما تفوح من بيته روائح الشواء؟ أيستطيع كاهن أن يعظ عن ضبط النفس فيما أبناؤه يتنقّلون بين المقاهي ومراكز السهر؟ أيستطيع كاهن أن يعظ عن القناعة فيما لا تلبس بناته الفستان مرتين، وفيما أبناؤه يغيّرون السيارات كالثياب؟ أيستطيع الكاهن أن يطلب من الناس أن يأتوا إلى الكنيسة فيما أوّل المتخلّفين زوجته وأبناؤه؟ كلّ هذا إن حصل يكون سبباً للمعثرة، والويل لمَن تأتي على يده العثرات. التراجع عن النموذج هو تشويه للصورة وفقدان للمثال، ولهذا يُعثِر.

ليس المقصود من الكلام عن عائلة الكاهن زرع الكآبة بل التحفيز على الالتزام، بقدر ما يعطي الله. مهم أن يثبت الكاهن في معرفة أن جهوده لعيش حياة ترضي الله ولتربية أبناء أتقياء ليست بلا مكافأة. هذا لا يعود إليه بل إلى طبيعة النعمة التي لا يستطيع أحد أن يصف فعلها أو أن يخمّن نتائجها. إذا ما استسلم الكاهن لله ووثق به، هو يعطيه حياة النعمة ويرسل الخير إليه وإلى أحبائه، وأوّلهم عائلته الصغيرة. في صلاة الإكليل تقول الكنيسة “لأن صلاة الوالِدين تثبِّت أساسات البيوت”. هذا حافز لكلّ كاهن للالتزام بالصلاة اليومية من أجل الأولاد والزوجة، وربما الأحفاد، وبإعطاء هذه الصلاة الوقت الضروري الذي تستحقه.