رسالة من أم أرثوذكسية في أزمة الكورونا

رسالة من أم أرثوذكسية في أزمة الكورونا

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أنا أم أرثوذكسية، وقد صرت أرثوذكسية منذ ثلاثين سنة وزوجي مولود أرثوذكسياً وقد تربّى في الكنيسة الأرثوذكسية. عندنا أربع أولاد هنا وواحد في السماء. في الأشهر الثلاثة الأخيرة، لم أسمع أسقفاً واحداً، أو توجيهاً من أسقف، يحكي عن أطفالنا. الإشارة الوحيدة للأطفال كانت أن عليهم أن يبقوا في البيت إن كانوا غير قادرين على حفظ التباعد كما يجب

أنا حزينة للغاية من هذا، وبصراحة أنا غاضبة وأعتقد أن هذا من حقي. أنا وزوجي، مثل العديد من الآباء الأرثوذكسيين الآخرين، ناضلنا وقمنا بالعمل الشاق، أسبوعًا بعد أسبوع، عامًا بعد عام، لمدة اثنتي عشرة سنة الآن، لأخذ أطفالنا إلى الكنيسة وتعليمهم إيماننا

وبفيروس واحد، ونعرف الآن أنه ليس مميتًا بالقدر الذي حُكي عنه، سحبوا الخيط لا من اثني عشر عامًا من عملنا وحسب بل من آلاف السنين من العمل الذي راكمه كل الأهل الأرثوذكسيين، بجدية كاملة عاملين على نقل إيماننا الغالي والفريد لأطفالنا، كما فعل آباؤنا وأجدادنا. هذا كله خطأ

كنت آخذ أطفالي معي إلى الكنيسة طوال الأشهر التسعة قبل ولادتهم. كنت أرسم علامة الصليب على بطني لأنهم لا يستطيعون القيام بذلك بأنفسهم. كانوا معي بينما كنت أقف مع الجوقة أرتّل. عِبري، سمعوا الصلوات وتناولوا إلى أن ولدوا ثم عُمِّدوا في كنيسة تغصّ بالمؤمنين محاطين بالمحبة

بعد ولادتهم، توقفتُ عن الترتيل مع الجوقة لكي أتولاهم. عندما كانوا نيقين أو متعَبين، مشيت معهم حول الكنيسة وهم يقبّلون الأيقونات على الجدران. تلك التي لم يتمكنوا من الوصول إليها، جعلتهم يقبلون أيديهم ويتطاولون إلى أعلى ليضعوا قبلاتهم على الأيقونات. عندما كبروا بما فيه الكفاية، كانوا يدلفون إلى التقبيلات، وعندما لا يستطيعون الوصول إلى الأيقونات في الأعلى، كانوا يقبّلون الصليب الخشبي المحفور على مستواهم، وهو الذي صنعه والدهم بيديه قبل أن يولدوا

ما زلت أشاهد الأطفال يفعلون ذلك لأنهم يدركون غريزيًا الأشياء التي تمثّل الله ويأنسونها من دون أي خوف. في السنوات التي تلت، أسبوعًا بعد أسبوع، كانت عائلتنا تقطع ما يشغلها يوم السبت للتحضير لصلاة الغروب. كنا نأخذهم للتبرّك من الأيقونات كل مرة. ونأخذهم إلى المناولة كل مرة

كنا نستيقظ باكراً أحداً بعد أحد بعد أحد، لا مع طفل واحد، ولا اثنين، ولا ثلاثة، بل مع أربعة أطفال. نلبِسهم ملابسهم الكنسية، ونقودهم إلى الكنيسة ونثابر أثناء الخِدَم. ندخل إلى الكنيسة معهم ونخرج معهم، ننخزهم لمنعهم من الجري إلى الهيكل، ونأخذهم إلى النونية، ونسكِتهم أثناء الإنجيل، ونعلّمهم أن لا يتكلموا عندما يتحدث الأب. لطالما أخذهم العرابون من دون خوف لتقبيل الأيقونات وإعطائي استراحة. فاتني المئات من العظات إذ كنت أمشي في الخارج مع طفل صغير متعَب، ولطالما فعلت ذلك أسبوعاً بعد أسبوع بعد أسبوع

كنا نأخذهم أيضًا إلى المناولة أسبوعًا بعد أسبوع، عامًا بعد عام. بصبر، باستمرار، بإخلاص، لأن هكذا ننقل إيماننا إلى جيلنا التالي. إنهم يتعلمون منّا. إنهم يتعلمون من كل ما يرونه وما يفعلونه، أكثر مما يسمعونه لسنوات. لا يقوم الأهل بذلك لأنه سهل. ما من أهل يفعلون ذلك من أجل “المتعة” أو للعرض. إنه عمل كثير للغاية. إنه عمل شاق ودؤوب ومثابر. لذا، الكارثة هي أن مَن يضع البروتوكولات المناقضة التي قد نتخيلها هم أساقفتنا وكهنتنا من كل الكنائس

هم يريدونني الآن أن أسجّل لكي أحضر أطفالي إلى الكنيسة، حيث يرتدي جميع البالغين كمامات، وهو أمر مخيف للغاية بالنسبة للطفل. الأطفال مطالَبون بتطهير أيديهم عند وصولهم إذ يُنظر إليهم على أنهم مصانع جراثيم متنقلة إذا لا سمح الله سعلوا أو عطسوا. إثنان من أطفالي يرتدون كمامات واثنان لا بحسب أعمارهم. لا يُسمح لأي منهم بتقبيل الأيقونات أو معانقة عرابيهم أو أجدادهم أو أصدقائهم، الخائفون بدورهم من كل هذا، وقد يتراجعون إذا اقترب أطفالي منهم

من ثم آخذهم ليتناولوا حيث الكاهن يبدّل الملعقة بعد أن يتناولوا، بعد أن يكون قد غطّسها في جسد المسيح ودمه، وهو أقوى مطهّر لنا وصول إليه في هذا العالم. وإذ نترك الكنيسة دون أن نتحدث إلى أحد أتأمّل في ما إذا كان هذا ما أريد أن أريه لأطفالي بعد اثنتي عشر سنة من العمل الدؤوب والتعليم. فليرحم الله كل الذين يصنعون هذه القرارات المدمّرة. الأذى الذي يلحقونه بإيمان أطفالنا لا يُقاس

إذا كان إيماني “مُفرِط” كما قال لي أحد الأساقفة في آذار الماضي، فلربما أجداده وأهله كان إيمانهم ” مُفرِطاً” أيضاً، وقد يكون هذا ما قاده إلى الكهنوت وسنوات الخدمة في كنيستنا. لماذا قد يصير الإيمان فجأة مُفرِطاً؟ ولماذا هم يوبّخون الأرثوذكسيين الملتزمين واصفين إيانا بالتقوى المبالَغة بطريقة مسيئة، معتبرين أننا لا نهتمّ بإخوتنا من أبناء الرعية لأننا لا نتبنّى توجيهاتهم الجديدة؟ إذا كانوا فعلاً يؤمنون بأننا كذلك فهذا كذب صافٍ

عبر السنين، تغيّبت عن خِدم لا تُعدّ لأن أطفالي كانوا مرضى وعليّ كأمٍّ أن أبقى في المنزل. الآن، نحن الأصحاء وغير الخائفين، يُقال لنا أن علينا أن نتخلّى عن ممارسة إيماننا لِيرتاح أناس خائفون. علينا أن نبدّل إيماننا لكي يشعروا “بأمان”. إن إيماني وإيمان أطفالي قابل للنقاش وللإقصاء. ومع هذا أنا التي تُقرَّع على أني غير مُحِبّة

إذا كان الخائفون من ممارسة إيماننا يريدون المناولة، فعلى رعايانا أن تصنع ترتيبات حتّى يستطيع كهنتنا أن يخدموهم بشكل يريحهم. لكن ليس عليهم أن يعيدوا كتابة إيماننا بسبب فيروس عابر. هذا ليس محبة. لست أعرف ما هو لكنه ليس محبة. هذا خطأ وأتمنى أن المزيد من الآباء والكهنة الصالحين والمؤمنين سوف يرفعون الصوت ويدافعون عن أطفالنا الأرثوذكسيين وإيماننا ويقاتلون من أجل ما نعرف أنه نقي وحقيقي وصحيح

لن نأخذ أطفالنا إلى أي كنيسة حيث يرون البالغين مع كمامات، حيث لا يُسمح لهم بتقبيل الأيقونات، أو حيث يرون ملاعق مختلفة للمناولة. ليس عندي تفسير لهذا أقدمه لأطفالي. ما من تفسير. هذه ليست الأرثوذكسية. هذا ليس إيماننا

Source: Letter from An Orthodox Mom. https://orthodoxethos.com/post/letter-from-an-orthodox-mom

واقع “المجموعات” في الكنيسة الأنطاكية

واقع “المجموعات” في الكنيسة الأنطاكية

الأب أنطوان ملكي

عرفت الكنيسة الأنطاكية مؤخراً، وبخاصة بعد انتشار شبكات التواصل الاجتماعي ومنصاته، ظهور “مجموعات” عديدة. غالباً ما يترافق ظهور هذه المجموعات مع صفحة أو صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي دون أن تتقدم المجموعة بطلب بركة من مجمع أو من أسقف. الواقع الرعائي يتيح لهذه المجموعات أن تعمل، فتستمر طالما قضيتها قائمة، كمثل غيارى البلمند أو مجموعات الدعم التي نشأت حول أزمة حماطورة، ومن ثم إما تندثر أو تتحوّل إلى صفحة. لكن، مع البيان الذي أصدرته “مجموعة أرثوذكسيون” في مطلع حزيران 2020، صار من الضروري الانتباه إلى ظاهرة المجموعات وتقييمها رعائياً

لم يعرف التقليد الأرثوذكسي إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر أيّ تجمعات قانونية للمؤمنين إلا بشكلين: الرعية والدير. وبحسب التقليد أيضاً، يخضع هذان الشكلان للأسقف الذي يسوسهما قاطعاً باستقامة كلمة حق. على مدى هذه السنين، لم تكن العلاقات بين المطارنة والرعايا وكهنتها والأديار ورهبانها دائماً سلامية وبنّاءة، ما استدعى أن تتطرق المجامع، المسكونية والمحلية، إلى تنظيم هذه العلاقات من خلال قوانين هي علاجات أكثر منها دساتير.

إلا أن منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبتأثّر مباشر بالغرب، بدأت تظهر في الكنيسة الأرثوذكسية جمعيات وأخويات. هذه الجمعيات قد تضمّ إكليريكيين وعلمانيين وتكون ذات أهداف محددة تعمل على تحقيقها. الأهمّ في الأمر هو أن هذه الجمعيات تعمل من ضمن الكنيسة ومن خلال بناها القائمة وبالتنسيق مع المطارنة والكهنة في الرعايا. علاقات هذه الجمعيات بالرئاسات الكنسية، شأن علاقات الأديار والرعايا، لم تكن دوماً على قلب الله ولا كما هو مخطط لها. فبعض الجمعيات كانت تتخطى حدودها حيناً والرئاسات تتخطّى حدودها أحياناً.

أنطاكية ليست شواذاً عن غيرها من شقيقاتها من الكنائس. أهمّ الجمعيات التي ظهرت في أنطاكية هي حركة الشبيبة الأرثوذكسية التي أخذت الإذن والبركة من المجمع الأنطاكي من خلال ما يُعرَف بالطرس البطريركي. ومثلها الجمعيات الأخرى التي أخذت شرعيتها من أهدافها التي وافق عليها إما المجمع، للجمعيات التي تعمل على مستوى الكرسي الأنطاكي، أو المطران المعني، للجمعيات التي تعمل على مستوى الأبرشية أو بعض الرعايا، وفي كل الأحوال تتخذ هذه الجمعيات صفة قانونية في وجه السلطات عن طريق علم وخبر صادر عن الدولة. لا يخلو التاريخ من توترات حدثت لأن أحد الطرفين تخطى حدوده، لكن الأمور لم تصل يوماً إلى حدِّ أن يدين أحد المطارنة أيّاً من الجمعيات أو أن تتطاول إحدى هذه الجمعيات على أحد الرؤساء استعلاءً أو إدانة. عمل هذه الجمعيات أظهرها شريكة في تكميل الكرسي الأنطاكي وحفظ لها موقعاً واضحاً في القانون الكنسي بشكل يجعل عملها يتكامل مع عمل الرعاة

المجموعات التي تتكاثر في هذه الأيام تختلف، كحالة في الكنيسة عن جمعيات الماضي. الأكيد أن وجود كل هذه المجموعات اليوم ليس طبيعياً، لأنه ببساطة لا يتّفق مع التقليد، لا من حيث الكيان ولا من حيث السلوك. فالسمة العامة أن يكون أعضاء المجموعات مجمّعين من رعايا مختلفة وأحياناً من أديار. ما يجمع هذه المجموعات في أغلب الأحيان، من دون تعميم مطلَق، هو وحدة هدف مصحوبة بعدم التزام بالرعايا وخلاف مع كهنتها. طبعاً، هذا صار متاحاً بسبب توفر وسائل النقل، حيث صار كلّ مَن لا يعجبه كاهن رعيته، عن حق أو عن تشبّث، حراً في اختيار رعية أخرى أو دير يصلي فيهما أو يتنقل بينها. من نتائج هذا التفكك في الرعايا أن صار للأديار أبناء ورعايا، وصار الدير يفتقد هؤلاء إذا تغيبوا ويسائلهم. ليس أكيداً أن كل الأديار تطلب من الذين يلتزمون بها أن يعيدوا النظر في علاقاتهم برعيتهم

كون المجموعات كيانات غير تقليدية يستدعي التأمّل في تأثيرها على حياة الكنيسة. ما يلي نموذج من عمل إحدى هذه المجموعات، وهي تُدعى “أرثوذكسيون”. سبب اختيارها هو بيان أصدرته من دون تاريخ، وفيه توجّه انتقادات للكهنة والمطران في أبرشية طرابلس والكورة انطلاقاً من مقالين نُشرا في الكرمة، نشرة المطرانية

واضح أن المجموعة تنتقد في بيانها، كمَن له سلطان، وتعطي نفسها صلاحية أن تسمّي راعي الأبرشية، الذي تصدر النشرة على مسؤوليته، بشكل يفتقد للياقة العامة والبنوية بشكل خاص. فمن القواعد المعروفة أن كلّ ما يصدر في نشرة الكرمة يكون بلا توقيع ما عدا كلمة الراعي، وهذا نمط متّبع في كل الأبرشيات في أنطاكية وغيرها. لذا كلام المجموعة عن تردد في الرد مردود خاصةً عند الإشارة إلى “الكثيرين”. فإن كانت المجموعة أو الكثيرون يرون أنهم من أبناء الكنيسة، فاللياقة والترتيب يقتديان أن يتوجّهوا إلى المطران بملاحظاتهم إذ لا موقع شرعي يتيح لهم التقييم خارج هذا الإطار. والمطران له أن يقبل هذه الملاحظات أبوياً، والأمثلة كثيرة عن صدور تصحيح أو إيضاح في عدد لاحق من النشرة، يضع الأمور في نصابها التعليمي الصحيح. لكن الواضح من نصّ البيان غياب اللياقة حتى أن يصف كاتب البيان أو ممليه راعي الأبرشية بأنه راهب سابق. مَن هي هذه المجموعة ومن أين أخذت التكليف للحكم بأن المطران راهب سابق؟ هل في المجموعة رهبان مختَبَرون يعرفون الرهبنة حقاً ليحكموا بتجريد رمز الرهبنة الأنطاكية من نفسه؟ إن إلحاق هذا القول بأنه “مشهود له بالإيمان الصّحيح والتقوى” هو تذاكٍ في غير مكانه لأنه أيضاً صادر عن جهة غير مخوّلة الحكم في الأمر

للمجموعة الحرية في أن ترى فكراً بروتستانتياً في أي مقال يصدر في نشرة الكرمة أو غيرها، لكن ليس لها أن ترى نفسها في موقع الحسيب والرقيب حيث يصحّ التساؤل: مَن عيّنها؟ قد تكون المجموعة على الغيرة التي تحاول إظهارها لكنها ليست على مستوى المعرفة الذي يتيح لها محاسبة أحد، وإلا كانت تفضلت إلى المجمع وقدّمت شكواها على المطران، بما يكون أكثر تهذيباً وأقلّ بلبالاً في الشعب

أهم ما في التعبير عن الرأي في الكنيسة، كما خارجها، هو البقاء في حدود الأدب بشكل يؤول إلى بناء السامعين من المؤمنين. أن تتيح المجموعة لنفسها أن تقول أي كلام يعني أن عليها أن تتيح لغيرها أن يقول ما لديه وتحاوره. المطران هو مطرانها ومطران غيرها أيضاً، إلا إن كانت ترى أنها تحتكر كل النعَم التي في الكنيسة. من هنا يكون سؤال المجموعة < أين كهنتنا من “مسيحِنا وتعاليمه”:> سؤال خارج إطاره. الكاهن أبٌ يطالبه ابناؤه الذين في الرعية أو يطالبه المطران الذي هو أبوه. أن يطالبه غيرهما هو إنتاج للفوضى. وعليه يكون بيان “أرثوذكسيون” زرعاً للفوضى. خاصةً أن الكلام بدأ عن مقالتين وانتقل إلى سلوك رعائي، فهل يعرف “أرثوذكسيون” ما يريدون؟ واضح جداً في تكرارهم تسمية صاحب السيادة باسمه بين مزدوجين أن من بين أهداف البيان التجريح بالمطران، وبالتالي بمَن يمثّل من كنيسة أنطاكية وكهنته وأبرشيته، وهذا ما تؤكّده مجموعة الأسئلة التي تلي التسمية

ختام البيان يشير إلى أن كاتبه أو ممليه انتبه إلى أنه استرسل في التصويب على المطران وتذكّر أن المدى الذي يتحرّك فيه هو الكنيسة فوجد المخرج في سرد كلام له شكل التقوى. الانطباع الذي يتولّد لدى قارئ البيان هو أن كاتبيه ينطبق عليهم وصف الرسول بولس في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (13:3) بأنهم: “مُضِلّونَ وَمُضَلّونَ”

كما ذُكِر في مطلع المقال، بيان “أرثوذكسيون” هو نموذج عن فوضى يرعى وجودها في الكنيسة احترام حرية التعبير التي يكفلها هذا الزمن. قد تكون مجانبة آباء الكنيسة التعرض لهذه الفوضى عن احترام لهذه الحرية أو تردد أو طول أناة أو كسل. لكن الأكيد أن غالبية الأبناء، من المجموعات والأفراد، لا تحترم هذا الأمر ولا تقدّر السوء الذي ينتج عن تخطيها له

عن نهاية الأزمنة

عن نهاية الأزمنة

الأب سيرافيم روز

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أول ما ينبغي اقتناؤه للتفسير الصحيح لعلامات الأزمنة هو معرفة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، لا بالطريقة التي يبدو بها وحسب، بل وفقًا للطريقة التي فسرته بها الكنيسة؛ معرفة كتابات الآباء القديسين؛ معرفة تاريخ الكنيسة؛ والإلمام بمختلف أنواع البدع والأخطاء التي هاجمت فهم الكنيسة الحقيقي للعقيدة، وخاصة في الماضي. إذا لم يكن لدينا أساس في مصادر مثل هذه، فسوف نجد أنفسنا مرتبكين وغير مستعدين. فبالضبط ما يخبرنا به ربنا: كونوا على أهبة، كونوا مستعدين. ما لم يكن لدينا هذه المعرفة الأساسية، فإننا لن نكون مستعدين وسنسيء تفسير علامات الأزمنة…ـ

أهم ما يكتسبه المرء من خلال الكتابات الأرثوذكسية الأساسية هو فضيلةٌ تسمى التمييز. عندما نلتقي ظاهرتين يبدو أنهما متطابقتان أو متشابهتان تمامًا مع بعضهما البعض، فإن فضيلة التمييز تسمح لنا برؤية أي هي الصحيحة وأي هي الباطلة: أي تحمل روح المسيح وأي قد تحمل روح ضد المسيح.ـ

إن طبيعة ضد المسيح، الذي سيصبح آخر حاكم عالمي عظيم وآخر معادٍ للمسيح، أنه ليس ضد للمسيح وحسب. “ضد” لا تعني “معادياً” وحسب، بل أيضًا “أنه يقلّده ويدّعي مكانه”. ضد المسيح، كما يقول جميع الآباء القديسين في كتاباتهم عنه، هو الشخص الذي يقلّد المسيح، أي يحاول خداع الناس بالنظر، كما لو كان المسيح قد عاد إلى الأرض. لذلك، مَن كان فهمه للمسيحية ضبابياً أو يقرأ الكتاب المقدس بالاستناد إلى افكاره وحسب، وآراء المرء قد تأتي من الجو الذي ليس مسيحيًا بل معادٍ للمسيحية، فعندئذ سيصل إلى استنتاجات ضد المسيحية. عند رؤية شخص ضد المسيح، قد ينخدع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه المسيح.ـ

يمكننا أن نعطي عدداً من الأمثلة عن كيفية عمل فضيلة التمييز على فهم بعض الظواهر المعقدة قليلاً. إحدى هذه الظواهر هي الحركة المواهبية (الكاريزماتيك)… إذا نظرتم بعمق إلى ما يقولونه في هذه الحركة… ترون أن ما يسمّونه إحياءً روحياً وحياةً روحية هو في الواقع ما وصفه الآباء الجدد مثل الأسقف إغناتيوس بريانشانينوف بعناية بأنه خداع، أي نوع من حمّى الدم مما يجعلهم يبدون كما لو كان روحانيين في حين أنهم حقاً لا يدركون الحقيقة الروحية على الإطلاق. في الواقع، إنهم مختلفون عن الحياة المسيحية الحقيقية التي تنعكس في هذه الكتب الأرثوذكسية الأساسية اختلاف السماء من الأرض…ـ

مرة أخرى، يمكنكم أن تروا كيف يمكِّنُنا التمييزُ في تقييم الظواهر الأخرى التي قد لا تكون متطابقة مع الظاهرة الأرثوذكسية، بل هي أشياء جديدة. عندما تنظرون إليها لأول مرة، تتساءلون عن ماهية كل شيء. هذه هي سمة الموضات الفكرية: شيء ما ينطلق في الجو، يمسك به الجميع لأن الوقت مؤاتٍ، وبعد ذلك يبدأ الجميع في الحديث عنه ويصير موضة العصر. لا أحد يعرف كيف. كل ما في الأمر أن الجميع كانوا على استعداد لذلك، وفجأة ذكره أحدهم فبدأ في الانتشار في كل مكان.ـ

وهكذا، عودة إلى النقطة الأولى: نحن نراقب علامات الأزمنة من أجل التعرّف على المسيح عندما يأتي، حيث أنه كان هناك العديد من المسحاء الكذبة، وسيأتي المزيد من الكذابين، وفي النهاية سيأتي شخص يُدعى ضد المسيح. سيوحّد المسيح الدجّال كل الذين خُدعوا باعتقادهم أنه المسيح، وهذا سيشمل كل الذين فشِل تفسيرهم للمسيحية. في كثير من الأوقات يحدث أن تنظروا إلى بعض الأشخاص الذين يعترفون بالمسيحية، ويبدو أن العديد من أفكارهم صحيحة، أي أنهم يتكلّمون بحسب الكتاب المقدس. ثم تنظرون هنا وهناك، فترون خطأ من هناك، وخطأ من هناك…ـ

علامة أخرى من أعراض عصرنا هي العلامة التالية المذكورة في هذا الفصل من متى: أن محبة الكثيرين تبرد. يبدو أن هذه خاصية محددة في عصرنا، إلى درجة أكبر بكثير من أي وقت في التاريخ الماضي. يمكن للمرء أن يرى هذا في ما يُسمّى العدمية. يرتكب الناس جرائم بدون سبب معين، لا من أجل الربح ولكن فقط من أجل التشويق لأنهم لا يملكون الله بداخلهم. في مختلف الأماكن الآن، يمكن للمرء أن يرى غياب العلاقات الإنسانية الطبيعية في العائلات، والتي تنتج أناساً باردين. هذا النوع من الناس، في المجتمع الشمولي، يُستخدم كسائقين عبيد، يعملون في معسكرات الاعتقال وما إلى ذلك…ـ

كل علامات الأزمنة سلبية للغاية. إنها علامات على أن العالم ينهار، وأن نهاية العالم قريبة وأن ضد المسيح على وشك القدوم. من السهل جدًا النظر إلى كل علامات الأزمنة السلبيّة هذه والدخول في مثل هذه الحالة المزاجية التي لا نبحث فيها إلا عن الأشياء السلبية. في الواقع، يمكن للمرء أن يطور شخصية كاملة، أي نوعاً سلبياً من الشخصية، بناءً على ذلك. عندما يأتي أي خبر جديد، يقول أحدهم “نعم، بالطبع ، هذا ما هو عليه، وسيزداد الأمر سوءًا.” يأتي الأمر التالي ويقول أحدهم ، “نعم، نعم، من الواضح أن هذا ما سيحدث، والآن سيكون أسوأ من ذلك.” كل ما يحدث يُمظَر إليه على أنه مجرد تحقيق سلبي للأوقات الرهيبة.ـ

صحيح أن علينا أن نكون على دراية بهذه الأشياء وألا نكون متفائلين من غير داعٍ بشأن الأحداث المعاصرة، لأن الأخبار في عصرنا نادراً ما تكون جيدة. ولكن في الوقت نفسه، علينا أن نضع في اعتبارنا الغرض الكامل من مشاهدتنا لعلامات الأزمنة. نحن نراقبها ليس فقط حتى نعرف متى سيأتي ضد المسيح. هذا شيء ثانوي. نحن نراقب علامات الأزمنة حتى نعرف متى سيأتي المسيح. هذا شيء أساسي يجب أن نضعه في الاعتبار حتى لا نغرق في الحزن والاكتئاب أو الاعتزال بعد أن نخزّن الطعام من أجل الكارثة العظيمة. هذا ليس من الحكمة. علينا أن نكون مسيحيين أكثر، أي أن نفكّر بالآخرين، محاولين مساعدة الآخرين. إذا كنا أنفسنا باردين ومكتئبين ومتشائمين، فنحن نشارك في هذا البرودة، وهي علامة على النهاية. علينا أن نكون دافئين وأن نساعد بعضنا البعض. هذه هي علامة المسيحية.ـ

إذا نظرتم إلى التاريخ (في الواقع، هذا سبب وجيه آخر لقراءة تاريخ الكنيسة)، فسترون أنه طوال تاريخ البشرية بأكمله، في كل أنحاء العهد القديم والعهد الجديد وجميع الممالك المسيحية بعد ذلك، وإذا نظرتم إلى العالم الوثني، فالقصة نفسها: هناك معاناة مستمرة. حيث يكون المسيحيون هناك محاكمات واضطهاد، ومن خلال كل هذا بلغ المسيحيون ملكوت السماء. لذلك، عندما يأتي وقت الاضطهاد، من المفترض أن نفرح…ـ

***

مراجعة روحية للكورونا

مراجعة روحية للكورونا

الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

ما يلي هو إجابات على اسئلة طرحها مؤمنون على الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول، قبرص.ـ

سؤال: هل الأحداث الحالية هي علامات ضد المسيح ونتيجة القوى الظلامية والمؤامرات الناشطة؟

جواب: المسيح هو سيد العالم والتاريخ، وهو الحقيقة الوحيدة هي أنه منتصر. الأنبياء كتبوا كتاباتهم وفي فكرهم انتصار المسيح على قوى الظلام. مهما حاولت هذه القوى أن تعمل فلن تستطيع أن تغلب المسيح. لدينا رجاؤنا بربنا يسوع المسيح ولا نخاف، فلنبقَ مؤمنين، متحدين بمسيحنا وبكنيسته المقدسة، وكل الأمور الأخرى تتبدد وتُرمى بعيداً. لكن ما يجري الآن هو أمر فائق الطبيعة، والأمور لن تبقى على هذا المنوال. هذه الأزمة سوف تعبر. لا يمكن أن يُشلّ العالم كله. عند نقطة ما، سوف تعبر.ـ

من جهة أخرى، بالطبع، مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى الاهتمام بالشعب والنظر في حاجاته. ليكن كلٌّ منا متأهباً، ولنقتني روح اللطف إذ سوف يكون هناك حاجة كبيرة للإحسان، حتى ندعم واحدنا الآخر، وجميعنا الإخوة والأخوات الأكثر ضعفاً، حتى تعبر هذه العاصفة الرهيبة التي جاءت إلى منطقتنا، وإلى العالم بأجمعه. فلنكن مستعدين وننتظر قليلاً لنرَ كيف تتجه الأمور.ـ

الاهتمام بالماسونية والأمور الأخرى، كالمؤامرات والقوى الظلامية وغيرها، لا يفيدنا. ما يساعدنا بالأكثر هو معرفة المسيح في حياتنا، قراءة الكتاب المقدس. إذا بحثنا في الكتاب المقدس فهو يقول الشيء القليل عن ضد المسيح؛ فهو مكتوب عن المسيح! ينبغي أن يكون اهتمامنا موجهاً نحو المسيح والقديسين وسِيَرهم لنرى كيف عاشوا، كيف فكروا، كيف تعاملوا مع التجارب والصعوبات في حياتهم. بالطبع، هذا لا يعني أننا لا نؤمن بأن ضد المسيح سوف يأتي. هذه قالها المسيح، بالطبع نحن نؤمن بهذا. لكن ماذا عن قلبنا؟ وانتباهنا؟ فلتكن هذه جميعاً موجهة نحو الرب يسوع المسيح.ـ

سؤال: هل الله سبب هذه الجائحة؟

المسيح يمتحن كل شيء.هو لا يبارك كل شيء. بتعبير آخر، إنه يعرف كل شيء، ويسمح بكل شيء، لكنه لا يبارك كل شيء. إنه يعرف كل الأشياء الشريرة التي سوف نعملها في حياتنا، وهو يتركها تحدث. أهو إذاً يباركها؟ معاذ الله! المسيح لا يبارك جرائمنا، ولا أخطاءنا، ولا خطايانا، ولا يبارك كلّ ما لا يريده الله. وبما أنه لا يبارك هذه الأمور، لا نستطيع أن نسأل “لماذا يتركها تحدث؟” هذا بسبب وجود الحرية البشرية التي للأسف، يستطيع المرء أن يستعملها للقيام بأشياء لا يباركها الله. لهذا السبب، هناك أشياء كثيرة تجري في حياتنا والله لا يباركها ولا يريدها، لكن بسبب حريتنا وتعاسة استعمالنا لها، يسمح بحدوثها. الإنسان حر في القيام بكل ما يريد حتى لو أن الله لا يشاؤها. هذه هي عظمة ومأساة نعمة الحرية البشرية المعطاة من الله.ـ

سؤال: مع التأسّف لعدم القدرة على المجيء إلى الكنيسة في الفصح، كيف يستطيع المؤمن أن يشارك؟

الجواب: أؤكّد أني لا أريد حتى أن أفكر بفكرة الفصح إلا في الكنيسة لأن هذا أمر مؤلم.ـ

من جهة أخرى، نحن طالما كنّا نختبر ألماً كبيراً كل قيامة: في المساء، ما أن نقول “المسيح قام” حتى نرى آلافاً من الناس يتركون ما أن يسمعوا “المسيح قام”. يتركون، يتركون، يتركون. “ليقم الله ويتبدد جميع أعدائه…” ومسيحيونا المؤمنون يتركون ويتوزعون، كل إلى بيته، ليأكل حساءه ويردد “إلى أعوام عديدة” مع خاصته. وكم يبقى في الكنيسة؟ قلة صغيرة.ـ

ربما علينا كلنا أن نأخذ هذا ككفارة من الله ونقول “نستحق”، لأننا لم نقدّر ونحترم ما كان عندنا. بتعبير آخر، أيٌ هو الأكثر إيلاماً: هذا الفصح، الذي نشارك فيه من بيوتنا على التلفزيون بما أملته علينا السلطات العليا؟ أم ذاك الفصح حين كنا احراراً لكننا تركنا وتركنا وتركنا، ولم نهتمّ بالبقاء في الكنيسة، لنتناول ونسمع الكلمة الإلهية؟ لكن كل ما كان في فكرنا هو أن نقول “المسيح قام” ونخرج. وعليه، أي منهما الأكثر مسرّةً لله؟

أعتقد أن ما نختبره هذه السنة أكثر إرضاءً لله من السابق. في السابق كان خيارنا واخترنا أن ننصرف. هذه السنة؟ لن نقرر الانصراف؛ بألم سوف نبقى في البيوت… وبما أنني اقف حيث نقول “المسيح قام” مقابل الشعب وأراهم… ماذا أستطيع القول؟ ما من صورة أكثر إيلاماً من صورة انصراف الناس. وبما أنهم يحملون الشموع المضاءة، فتبدو الصورة كمسيرة شموع مضاءة تنصرف. ينصرفون، ينصرفون. هم ينصرفون ونحن ننشد: “ليقم الله ويتبدد جميع أعدائه، ويهرب مبغضوه من أمام وجهه!” واخوتنا المسيحيون كانوا يحققون هذه النبوءة ويمضون بعيداً عن الله. هذا ما نحتاج أن نتوب عنه، وأن نبقى في البيت هو أقل شراً مما كنا نفعله لسنوات كثيرة. لهذا السبب نحن بحاجة للتوبة.ـ

أنا ربما لا أنصرف لأني الأسقف وإكليريكي، لكني أشارك بالمسؤولية عن إخوتي وأخواتي، أبناء الكنيسة، الذين ينصرفون. لو كنت إكليريكياً صالحاً واسقفاً جيداً لكنت ساعدتهم أن لا ينصرفوا. لكن إهمالي وعدم انتباهي وعجزي وقصوري جلبوا هذا الجهل إلى العالم، وأخطأنا، وانصرفنا بعيداً عن الله في وقت القيامة. لهذا علينا أن نأخذها ككفارة تربوية. في كل حال، أرجو أن لا يتمّ هذا وأن نتوب طوعياً، رغبةً منا، وليس من حثّ جبري. فلتكن توبتنا طوعية. الحاجة هي إلى صلاة كثيرة، واستدعاء في كل مكان وفي كل وقت لاسم ربنا يسوع المسيح، من أجل أن منطقتنا ووطننا ومدينتنا وكل العالم يتقدسون ويمضي هذا الشر ونسلك في التوبة. بهذه الطريقة نسعى إلى السلام من الله، وكيف نستفيد من هذا السلام المطلوب؟ هذا سؤال كبير!ـ

سؤال: هل فعلاً يمرض الكهنة، وهل ينتشر المرض من خلال المناولة المقدسة؟

طبعاً قد نصاب بهذا الفيروس، ليس من المناولة بل من المحيطين بنا، من دخولنا وخروجنا، من خدَمِنا، من الناس المحيطين بنا ويحملون الفيروس. ما من سبب لنا نحن أهل الكنيسة وأساقفتنا وكهنتنا لكي لا نلتقط الفيروس والمرض. بالفعل، توفي ميتروبوليت في صربيا من هذا الفيروس. لكن على الأكيد لن نلقط الفيروس لا من المناولة ولا من الأسرار المقدسة. ولكن كبشر نعيش في العالم، نحن نتنقل ونتحرك بين مستويات متعددة من الحياة الاجتماعية اليومية وكغيرنا في العالم نحن معرَّضون. الأمر هو كما يلي: ما ينطبق على غيرنا ينطبق علينا. لا نعتقدنّ بأننا نختلف عن إخوتنا.ـ

من جهة أخرى، الكنيسة “استسلمت” قليلاً لتظهر أنها تطبّق التدبير في هذا الأمر. فقط لبعض الوقت، فقط لبعض الوقت. تقتصر القداديس الإلهية في كنائسنا المقدسة على الكهنة يصلّون من أجل العالم كله، لنرَ كيف يمكن لهذه الفترة الزمنية الصغيرة التي شددت الدولة على الكنيسة تطبيقها تدبيرياً أن تساعد في هذا الوضع بطريقة إنسانية. لكن بالتأكيد، سيكون هذا فقط لفترة، مجرد فترة قصيرة، حتى نتمكن من العمل بالتعاون مع البيانات البشرية.ـ

في وقت لاحق، إذا رأينا أن الأمور لا تتحسن بفضل الجهد البشري، فإن رعاة كنيستنا وأساقفتنا والمجمع سيعطونا التوجيه. فلنكُن مطيعين للكنيسة ولا نكونن قلقين. إن طاعة الكنيسة هي الطريق المؤكد للخلاص.ـ

سؤال: حول الحفاظ على حضور مصلٍّ في المنزل، خاصةً عند بث الخدم.ـ

في هذا الوقت، عندما لا نذهب إلى الكنيسة، ماذا يمكننا أن نفعل؟ ذلك الوقت الذي كنا نكرسه للكنيسة نكرس أنفسنا للصلاة، بنفس الساعة التي نكون في الكنيسة، فيجب أن نستمع إلى القداس الإلهي (حيث توجد وسائط بث في هذه الأيام)، يجب أن نصلي، ونتكرّس لمسيحنا، فلا نقوم بالأعمال المنزلية الأخرى، بل نكرّس ذلك الوقت للصلاة والدراسة الروحية …ـ

وكونوا أكيدين، عندما نقول “يا ربي يسوع المسيح ارحمني” فإن مسيحنا، الكلي الصلاح، أبانا وصديقنا وأخانا، يسمعنا دائماً. إذا كنا نسمع دائماً لمَن يحدثنا، ونحن مجرّد أشخاص، سواء أردنا ذلك أو بدافع من التأدب أو الحساسية، فكم بالحري إلهنا الصالح، الذي هو أبونا الذي يكنّ لنا محبّة غامرة، يسمعنا ويهب نعمته وحضوره في قلوبنا؟

لا نشكوَنّ من الله، لأنه قبل أن يعطينا هذه الكفارة، نحن فعلنا هذه الأشياء بأنفسنا. من تلقاء أنفسنا، أدرنا ظهورنا لله، وهربنا بعيدًا عن الإفخارستيا الإلهية في ليلة الفصح. في ضوء ذلك، لنتوبنّ على خطئنا، ولنكن مقدّرين لما كان لدينا من قبل، والذي نفتقده الآن.ـ

فليحفظنا الرب جميعاً أيها الأخوات والإخوة. افرحوا بالرب دائماً.ـ

ملاحظة: في إشارة الميتروبوليت أعلاه إلى أن الجائحة جاءت ككفارة لنا لا يعني أن هذا السبب الوحيد لها، لكن شكلها وتزامنها مع الصوم الكبير والفصح يمكن قراءتهما روحياً على هذا الأساس (المترجم).ـ

***

الغضب الإلهي

الغضب الإلهي

الخورية سميرة عوض ملكي

يجد معظم المسيحيين صعوبة في تقبّل الكلام عن غضب الله وفهمه والإيمان به. لطالما كانت فكرة وجود إله غاضب بالنسبة لبعض المسيحيين حاجزاً على طريق إلى الإيمان. فبعض المسيحيين إذ يختبرون نعمة الرب المحِبة في حياتهم يعتقدون أن فكرة غضب الله تبدو متناقضة مع تجربتهم التي يعبّر عنها الرسول بولس في الرسالة إلى أهل رومية بأن الله “بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (8:5)، فكيف يكون في نفس الوقت إلهَ غضبٍ؟

يتحدث الكتاب المقدس عن طبيعة الله وعمله وغاياته بمصطلحات نفهمها ويمكن أن نختبرها. لكن علينا أن نتذكّر أن العقل البشري لا يمكنه أبدًا فهم طبيعة الله المطلَقة. فنحن نرى الله كَمَن يمتلك الحقيقة والنعمة والجمال والمحبة والصلاح والإخلاص بأشكالها المطلقة. بالمقابل ما نراه في البشر هو بعض هذه الأشكال، لكن إلى جانب الكراهية والغضب وروح الانتقام والقبح والغضب.ـ

إن سبب صعوبة أن نطبّق على الله بعض الصفات التي نعتبرها سلبية يعود إلى تفكيرنا المثالي الذي أصوله في الفلسفة. مشكلة غالبية المسيحيين، ومنهم أرثوذكسيون، أنهم يقرؤون ما يحكي عن غضب الله بعيون لاهوت العصور الوسطى الغربي أو لاهوت الإصلاح. لكن الكتاب المقدس ينظر إلى الله والعالم بشكل أكثر جدية وواقعية من التأمّل الفلسفي. لهذا السبب، قول البعض أن الله لا يستطيع أن يسمح بالشر وإلا يكون هو مصدر الشر، هو تفكير وكلام فلسفي.ـ

لا يرفض الرسول بولس الكلام عن غضب الله، والذهبي الفم في تفسيره للرسول بولس يعلل بأن مَن يرفض قبول غضب الله وقصاصه فهو بالحقيقة يرفض أن يكون خليقة الخالق. يتحدث الرسول بولس عن غضب الله بطريقتين: الأولى أنه حدث آتٍ كحساب للعالم عن خطيئته “وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ” (رومية 5:2). الطريقة الثانية التي يرى الرسول فيها غضب الله، حاضرة وليست فقط في يوم الدينونة فيقول في الرسالة إلى رومية (18:1): “أَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ” ويتابع واصفاً فجور الناس وآثامهم التي تستجرّ غضب الله لتأديبهم. فيكون بنظر الرسول سبب الشرور التي تحلّ بالناس خطيئتهم وإنكارهم لحقيقة الله وتبنّيهم للتفكير العقيم والوثنية والانحراف الجنسي وكسر العلاقات الأخلاقية. وفي هذا يرى الرسول أن غضب الله هو موجّه ضد الخطيئة وليس ضد الخاطئ، وهو لا يشبه موقف آلهة الرومانيين بشيء ولا هو صادر عن انتقام أو رغبة بالشر.ـ

قد يكون القديس يوحنا الذهبي الفم أكثر مَن تكلّم عن “غضب الله” و”القصاص الإلهي” بين آباء الكنيسة. يشرح القديس سمعان اللاهوتي صعوبة فهم الحديث عن المحاكمة الإلهية بقوله “التفسير صعب لأنه ليس عن أشياء حاضرة ومرئية، بل عن أمور مستقبلة وغير مرئية. لهذا هناك حاجة عظيمة للصلاة ولجهد نسكي أكبر ولطهارة في النوس، عند كل الذين يتكلمون والذين يسمعون، لكي يكون الأول قادراً على المعرفة والكلام جيداً، ويكون الآخر قادراً أن يسمع ما يُقال بفهم”.ـ

في العظات النارية والأعمال التفسيرية للذهبي الفم لحظات رعائية يقود خلالها أبناءه الروحيين ومستمعيه إلى فهم الأمور الروحية بشكل أكثر عمقاً. إحدى هذه الحالات هي رسالته الأولى إلى صديقه ثيوذوروس إذ أنه شُغف بامرأة وسعى إلى الزواج منها بالرغم من نذر العفة الرهباني. إنها رسالة جميلة ساعدت ثيوذوروس على تخطي اليأس الناتج عن التعارض بين شغفه ونذره. فالذهبي الفم، لكي يقود ثيوذوروس خارج اليأس، يشرح بأنه إن كان صحيحاً أن الله بطبيعته غضوب ومعاقِب فمن الطبيعي أن يغلبنا القنوط: “لأنه إذا كان غضب الله هوى، فقد يشعر المرء باليأس لأنه غير قادر على إخماد الشعلة التي هو [كرجل شرير] أشعلها بأفعاله الشريرة المتعددة؛ ولكن بما أن الطبيعة الإلهية بلا هوى، حتى ولو عاقب، حتى لو انتقم، فهو لا يفعل ذلك بغضب، ولكن بحرص شديد ولطف كبير محبّ؛ حيث يقتضي ذلك أن نكون أصحاب شجاعة كبيرة، وأن نثق بقوة التوبة. لأنه حتى الذين أخطأوا إليه، فإنه ليس معتاداً على أن يطالهم بالعقاب من أجله؛ لأنه لا يمكن لأي ضرر أن يعبر الطبيعة الإلهية؛ لكنه يتصرف من أجل مصلحتنا، ومنع انحرافنا من أن يزداد سوءاً بتحويل ممارسة احتقاره وإهماله إلى عادة. لأنه حتى مَن وضع نفسه خارج النور، لا يفقد النور، بل الأعظم بنظر نفسه يصمت في الظلام؛ وعلى المنوال نفسه، من اعتاد أن يحتقر تلك القوة القديرة، لا يضرّ القوة، لكنه يلحق أكبر إصابة بنفسه. ولهذا السبب، يهددنا الله بالعقوبات، وغالباً يطبّقها، لا ليثأر لنفسه، ولكن ليجذبنا إليه. فالطبيب أيضًا لا يشعر بالضيق أو الانزعاج من إهانات الذين فقدوا عقولهم، ولكنه يعمل كلّ شيء ويدبّره لإيقاف أولئك الذين يقومون بمثل هذه الأفعال غير الملائمة، ولا ينظرون إلى إرادته بل إلى مكاسبهم؛ وإذا أظهروا قدرًا ضئيلًا من ضبط النفس والرصانة، فإنه يفرح ويسعد، ويطبق علاجاته بجدية أكبر، ليس على سبيل الانتقام منهم بسبب سلوكهم السابق، ولكن رغبةً في زيادة منفعتهم، واستعادتهم إلى العافية. ومع ذلك، عندما نقع في تطرف الجنون، فالله يقول ويفعل كل شيء، ليس لينتقم لنفسه بسبب أفعالنا السابقة؛ ولكن لأنه يرغب في تحريرنا من اضطرابنا؛ ومن خلال المنطق الصحيح، من الممكن أن نقتنع بهذا”.ـ

لذا عندما يتحدث الكتاب المقدس عن الغضب والقصاص والانتقام الإلهيين، لا تكون هذه اللغة وصفاً لطبيعة الله التي لا سبيل إلى معرفتها أو فهمها أو وصفها، بل بالأحرى غايتها ردّ الإنسان عن أن يلازم شرّه وأن يتوب. يصف الذهبي الفم غضب الله بأنه لطف محِب للإنسان، لكن الشرير يختبر هذه المحبة كغضب وعقاب. يأخذ الذهبي الفم مثال الطبيب وكيف أن علاج بعض الأمراض ليس لعقاب مَن يسبب المرض أو يعاني منه، بل هو ضرورة لاستجلاب الصحة والمنفعة لمَن هو بحاجة للعلاج بغض النظر عن كمّ الألم الذي يلحِقه العلاج. وهكذا، استعمال هذه اللغة في الكتاب المقدس وعند الآباء هو لكي نفهم مدى أهمية أن نتوب الآن، لأنه لا توبة بعد الموت.ـ

واليوم في خضمّ جائحة الكورونا، ينبغي فهم كلام الآباء المعاصرين بأن الجائحة هي من الله في هذا الإطار وكحثٍّ على التوبة، لا لإلصاق صفة الانتقام بالله، بل لإظهار عمله التربوي الذي يمارسه كل الآباء مع أبنائهم.ـ

عن نشرة الكرمةـ

***

ماذا يعلّمنا توما الرسول في زمن الكورونا؟

ماذا يعلّمنا توما الرسول في زمن الكورونا؟

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

يصف لنا الإصحاح العشرون من يوحنا مشهد الرسل في وضع يثير الشفقة إذ هم مجتمعون في بيت مظلم صغير خوفًا من اليهود بعد موت ربنا يسوع المسيح. لقد أغلقوا كل النوافذ والأبواب. ولأنهم كانوا في حداد، لا بد أنهم كانوا مكتئبين، غاضبين، محبَطين، مرتبِكين وخائفين جداً.ـ

لم يكونوا يتوقعون عودة معلمهم بسرعة، فلهذا لم يكونوا ينتظرونه بشغف، بل كانوا قلقين من أن عالمهم على وشك أن ينتهي بهم على الصليب. لذا بدلاً من الوقوف حسناً، بخوف ورِعدة متوقعين وصول المعلّم، كانوا جاثمين في الظلام الدامس تاركين خوفهم المادي يتحكّم بحياتهم. على الأرجح كانوا مرتعدين مما حدث لمعلمهم يسوع المسيح ومن أنهم لا يستطيعون تحمّل نفس العذاب والألم.ـ

عندما أخبروهم أن يسوع على قيد الحياة، فكّروا على الأرجح: “كيف يمكن أن تنهض جثة يسوع من بين الأموات وقد أكّدوا لنا أن جسده مشوه من الضرب وثقوب المسامير وإكليل الشوك وطعنة الرمح في الجنب؟”

لكن القراءة الإنجيلية تخبرنا أن الرب أتى إلى تلاميذه ووقف في الوسط وأعطاهم السلام وأكّد لهم بأنه هو إذ أراهم يديه وجنبه، ثم اعطاهم السلام مجدداً وقال لهم «السَلاَم لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ كذلك أَنَا أُرْسِلُكُمْ».ـ

بهذا بدأ تكليفهم. هذه كانت بداية إرسالية الرسل العظيمة إلى العالم. قال لهم: “كما أرسلني الآب كذلك أَنَا أُرْسِلُكُمْ”. ثم قال يسوع لرسله، “خذوا الروح القدس. مَن غفرتم خطاياهم تُغفَر لهم ومَن أمسكتم خطاياهم أُمسِكَت”. أي أمر عظيم حدث في ذلك اليوم، أعطى الرب قوة مغفرة الخطايا وسلطة الحكم للرسل ليمرروها بالتسلسل الرسولي من جيل إلى جيل ومن رسول إلى رسول.ـ

مهم هنا أن الرسول توما، أحد الإثني عشر، لم يكن هناك عند حدوث كل هذا. يقول لنا الآباء القديسون أنه لم يكن هناك “بالتدبير الإلهي”. ومع ذلك، ما أن رأى التلاميذ الآخرون توما صرخوا “لقد رأينا الرب!” لكن توما المتغيّب لم يقتنع بسهولة، وربما شكّ بأن إخوته واهمون فأجاب: “إن لم أعاين أثر المسامير في يديه وأضع اصبعي في أثر المسامير لا أؤمن”، أي لا أصدّق.ـ

لم يقصد توما أن يقول لإخوته أنهم كاذبون أو واهمون أو متخيّلون. ولا هو كان عاجزاً عن التصديق. ربّما تذكر كلمات سيده يسوع المسيح الذي قال لهم قبلاً “إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: هُوَذَا الْمَسِيحُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ! فَلاَ تُصَدِّقُوا. لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا. هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ… لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى الْمَغَارِبِ، هكَذَا يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ”. لم يقل له أي من إخوته أن يسوع أتى من المشارق وظهر إلى المغارب. ما كان يتوقعه لم يكن ما ذُكِر له.ـ

لهذا لم يقبل الرسول توما أن يصدّق إلا من بعد دليل ملموس، التزاماً منه بكلمة المسيح. لكن بعد ثمانية أيام، ظهر يسوع للتلاميذ مرة أخرى بشكل مفاجئ كما فعل قبلاً، ولكن بوجود توما بينهم. دخل يسوع والأبواب مغلقة، أي دخل بالرغم من عدم وجود إمكانية للدخول، ظهر لهم يسوع في الوسط. هنا بدأ عقل الرسول توما بالدوران وكثُرَت الأسئلة، وراح قلبه ينبض بقوة. عندما دعاه الرب لأن يضع اصبعه ويعاين أجابه بقدر كبير من التأكيد والقناعة: “ربي وإلهي!”

يخبرنا التقليد المقدس أن الرسول توما لم يلمس الرب، حتى ولم يفكر بذلك عندما دعاه، لأنه سرعان ما أدرك أن تمييز الحقيقة لا يحتاج للحواس البشرية، أي الفكر، وحسْب، بل يطلب الحواس الإلهية التي في القلب، أي الإيمان.ـ

ولكي يؤكّد لنا الرب أن الإيمان الذي في القلب هو فضيلة أعظم من العقل، قال له : “لأنك رأيتني آمنت، طوبى للذين من لم يروا وآمنوا”. هذا الكلام ليس تقريعاً بل حثّاً على الإيمان وعلى تفعيل حواس القلب للوصول إلى التمييز. وهذا ما نكرره دائماً. نحن لم نرَ لا القيامة ولا القائم ومع هذا ننادي كل سنة “المسيح قام حقاً قام” ونكرر كل أحد “إذ قد رأينا قيامة المسيح” ونحن لم نرَ.ـ

لم يكن تشكك الرسل وخصوصًا توما ضارًا، بل بالواقع مفيداً وأساسياً لكل المسيحية. إن التقدير السليم والحكم الجيد أمران حيويان للمسائل الروحية ، وحدث قيامة ربنا ليس استثناءً. لهذا يُسمّى الرسول توما في العالم توما المشكّك، بينما في الكنيسة الأرثوذكسية هو توما المؤمن.ـ

لقد كان ضرورياً أن يتأكد الرسل من أن المسيح قام من بين الأموات حتى يعلنوا فعلاً الحقيقة التي عاينوها للعالم، وحتى أننا بلا شك نؤمن أن “يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لنا إذا آمنّا حياة باسمه”. حتى نكون مبارَكين بالإيمان الذي يأتي من القلب والروح وليس من الحواس البشرية والفكر البشري وحسب.ـ

اليوم في زمن الكورونا، شكوك كثيرة تتقاذف الإنسان. مَن اخترع الكورونا؟ مَن نَشرها؟ أهي من المسيح أم من ضده؟ أممكن أن الله يسمح بالأمراض؟ هل هذا الوباء علامة آخر الزمان؟ ماذا يريد الله أن يقول لنا من خلاله؟ هل المناولة تنقل المرض؟ هل الأيقونة تنقل المرض؟ هل يدخل الوباء الكنيسة؟ لماذا يسمح الله بمرض المؤمنين؟ وإذا اعتقد أحدنا أنه توصّل إلى الإجابة على أحد هذه الأسئلة يأتيه فكره بأسئلة جديدة.ـ

لكن كل هذه الأسئلة وغيرها جوابها واحد يعبّر عنه موقف الرسول توما بقوله “ربي وإلهي!”. هذا موقف يجمع الإيمان والرجاء والمحبة التي هي الفضائل المسيحية الكبرى في عبارة واحدة. ومَن يريد اقتناء هذه الفضائل عليه أن يعالج كل أسئلة الحياة اليومية بالتواضع والاتكال والتسليم إلى الله. مَن استطاع أن يتضع ويتكل على الله ويسلمه حياته يتخطّى الارتباك ويسكن في النصيب الصالح.ـ

بتصرّف عن

Kosmas Damianides. Sermon for Thomas Sunday. http://www.orthodoxchristian.info/pages/Thomas_Sun.htm

***

الانتحال

الانتحال

الأب أنطوان ملكي

من المهم أن يعرف الإنسان عدوه الحقيقي أي الشيطان الذي يدأب على استبدال نِعَم الله وتشويهها وإغواء الإنسان إلى إساءة استخدامها. فالمال يفسده بالجشع والجنس بالشهوة واحترام الذات بالكبرياء التي منها كل الشرور على ما يقول القديس يوحنا السلمي. والرب يسوع يصف الشيطان مسمياً إياه إبليس الذي ” كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ” (يوحنا 44:8).ـ

الشيطان في اليونانية هو (διάβολος – diabolos). معنى الإسم هو المفتري أي الذي يكذب ظلماً لإيذاء الآخرين وإدانتهم وتقطيع العلاقات بينهم. طبيعته روحية أصلاً، ولديه قدرة عظيمة على التخفي، لهذا كثيرون، ومنهم رؤساء كهنة وكهنة، لا يعتقدون بأنه موجود بالرغم من تكرار التعليم عنه في الكتاب المقدّس والآباء. من أهمّ حيله العظيمة إقناعنا بأنه غير موجود، أو بأننا غلبناه، خاصةً إذا اعتقدنا أن ذلك تمّ بقوتنا الخاصة. يعلّم القديس سيباستيان دابوفيتش: “لقد سمعت الناس يقولون أنه لا يوجد شيطان أو شياطين… بالتأكيد لن يكشف الشيطان عن نفسه للذين لا يؤمنون لأنهم إذّاك قد يؤمنون وهذا يكون ضد خطته الماكرة”.ـ

نعرف من سيَر بعض القديسين الكبار أن الشيطان قد يصبح مرئياً ولكن للأعين الروحية المتمرّسة المختبِرة التي أهّلها الله لأن تبصر روحياً وأعطاها موهبة التمييز. كل ما نسمعه عن لقاءات مع الشيطان وأشكال له يراها الناس العاديون هي خدع منه وهؤلاء مخدوعون. نحن لا نعرف كيف يبدو الشيطان عندما يصبح مرئيًا وأغلب الصور المتداولة مأخوذة من السينما التي تخدمه في أغلب الأحيان. نحن نعرف أنه قادر على اتخاذ أشكال مختلفة، كما اتّخذ في التكوين هيئة حيّة، كما يعلّم بولس الرسول: “الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ” (2كورنثوس 14:11).ـ

الأهم من كل هذه التفاصيل هي أن نفهم أن الحرب الفعلية مع الشيطان هي حرب في داخلنا. الرسول بولس يصف هذا الكلام بقوله “إِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (أفسس 12:6). القديس مكاريوس الكبير يحدد أن “أهم عمل في الجهاد الروحي هو دخول القلب وشن حرب على الشيطان هناك”. هذا يلزمنا بأن نتروّى قليلاً قبل ربط الأحداث اليومية التي تمر بالعالم بالحرب مع الشيطان. بالطبع، الرسول بطرس يقارنه بأسد زائر (1بطرس 8:5) ينتظر ليفترس، لهذا نحن نفهم أنه جاهز لاستغلال أي حدث أو خبر أو عمل ليفترس الناس. وأهم سلاح لدى الشيطان، كما نفهم من سير القديسين وأقوالهم، هو اليأس أي حرمانهم من الرجاء الذي هو ثاني الفضائل المسيحية. فمَن اهتز إيمانه أو ضعُف يكون الشيطان جاهزاً ليحرمه الرجاء ويرميه خارج المحبة.ـ

شهدنا في السنوات الأخيرة ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومن قبلها الإنترنت، مستوى من الحرية بلغ حد التفلّت في كل الأمور. في ما يختصّ بشأننا الكنسي، أحد مظاهر هذا التفلت كثافة الكتابة والكاتبين بغضّ النظر عن صحة وسلامة المكتوب والقارئ. ليس هذا المقال لمناقشة هذه الحالة الأزمة التي حُكي عنها الكثير في الكنيسة وخارجها. أمر وحيد يقصد هذا المقال تسليط الضوء عليه هو الظهور الشيطاني من خلال انتحال الأسماء، حيث يلجأ البعض إلى الكتابة بأسماء ليست لهم، بل لأشخاص آخرين، أو لأشخاص وهميين. هذا واحد من الظهورات الشيطانية التي نرى أثرها وتؤذي الكثيرين من أبناء الكنيسة.ـ

علمياً يُحدّد الانتحالImpersonation بأن يفترض الشخص عن قصدٍ هويةً أو صفة زائفة أو وهمية. قانونياً، يُعتَبَر الانتحال جرماً. في علم النفس، يندرج الانتحال تحت ما يسمّى متلازمة الدجال (Imposter Syndrome) وقد يكون أحد ظواهر الانفصام. روحياً، الانتحال هو كذب، أي أنه تَبَنٍّ لوسائل الشيطان وانضواء في بنوّته لأنه أبو الكذّاب. وبالتالي الانتحال هو عمل شيطاني، فحتى لو كان محتوى ما يُبَثّ صالحاً لن يوصِل الرسالة لأن الوسيلة شيطانية. يحذّرنا الآباء من شيطان اليمين، الذي يوحي للإنسان بأن عمله صالح ويمتدحه، فيما هو يدفعه نحو الهاوية الروحية.ـ

ما الداعي إلى هذا الكلام؟ إنه تعدد حالات الانتحال وتكرارها. مؤسف أن تجربة انتحال الأسماء يقع فيها بعض الإكليروس، بغضّ النظر عن ما يدفعهم نحو هذا العمل. كما أن بعض الحالات الأخرى هي من الذين يُحسَبون من المتقدمين في الكنيسة، ومنهم أصحاب مهن يُفتَرَض بالقائمين فيها، كالمحامين مثلاً، أن يكونوا الحافظين للأمانة في كل ما يقومون به. البعض يقع في هذه التجربة عن جَهل. لكن بعض الكتابات تشير إلى أن كتّابها المنتحلين لهم غايات شريرة نحو مَن يقرأ، وخاصةً في فترة الحجر حيث لم يكن للكثيرين إلا الشبكة العنكبوتية للبقاء على اتصال مع العالم. بعض المنتحلين واضح في أن غايته هي بثّ الذعر عن طريق تلفيق الأخبار وتزوير المعلومات والترجمة على هواه.ـ

إن الرعاية الكنسية، على كافة المستويات، تقتضي فضح الكذب بحكمة تقود إلى البنيان، ووضع حد له بشكل لا يؤذي أصحاب النفوس البريئة. ليس مسموحاً لأي راعٍ أن يغضّ النظر عن الكذب الذي يؤثّر على رعيته، عندما يتأكّد من ذلك، وإلا يكون تخاذله تبريراً للكذب وتغطية عليه. هذا ينطبق على حالات الانتحال المتعددة التي شهدناها في كنيستنا في السنتين الأخيرتين. الناس لم تنسَ بعد زاهي الأميوني ورامي عودة وإيلي خوري وجاد غانم، فيما اليوم، في جائحة الكورونا، يتساءلون عمَن يكون يانيس قسطنطينينذيس وماريا ماريا وغيرهما من الأسماء المنتَحَلة من أشخاص كتبوا في الكنيسة وعنها.ـ

ختام هذا المقال رسالتان. رسالة أولى إلى جميع المنتحلين، عن قصد أو غير قصد، فيها دعوة للامتناع عن هذا العمل الذي يؤذي إخوة الرب الصغار، وإلى التوبة لأنهم يخدمون الشيطان، عن وعي أو غير وعي، إذ يكذبون عن سابق تصوّر وتصميم. الرسالة الثانية إلى الرئاسة الكنسية، ما دام باب الرسائل مفتوحاً: إذا فُتِح باب المحكمة لتأديب “المتمردين”، فليُؤدَّب المنتحِلون أيضاً، من أجل الحق والعدل والسلام في الكنيسة.ـ

***

ما بعد الإنسانية

ما بعد الإنسانية

الأب أنطوان ملكي

منذ ظهور الكورونا وتحولها إلى جائحة، أطلق معتنقو نظريات المؤامرة العنان لأفكارهم إذ وجدوا الظرف مؤاتياً لتطبيق رؤياهم. ليس سهلاً التعليق على كل السيناريوهات التي طُرِحَت. وقبل أي نقاش، يجب الإشارة إلى أن التهدئة ضرورية لتصويب المسار. التهدئة الفعلية تقوم على الحقيقة. والحقيقة لا تعني إنكار وجود ضد المسيح وأنه سوف يظهر وسوف يكون هناك حرب معه. تقتضي الحقيقة أن يفهم المسيحي أن المعركة مع ضد المسيح هي معركة المسيح، ونحن منخرطون كجنود للمسيح ولسنا مستقلّين عنه. كلّ مَن يتنطح ويغرق بالسيناريوهات يكون مخدوعاً.ـ

وعليه، قرار متى تكون الحرب ليس متروكاً بيد ضد المسيح، وربّنا لم ينسحب حتى يأخذ مكانه أي أحد، لا من أعدائه ولا من جيشه. لهذا، اليقظة شرطٌ لعبور الزمان الممتد من اللحظة إلى يوم القيامة. واليقظة لا تعني أن يقضي الإنسان وقته يراقب ضد المسيح بل هي أن يراقب نفسه، كما يعلّم القديس بورفيريوس. إن هو راقب نفسه يزرع السلام من حوله أما إذا انشغل بمراقبة ضد المسيح فسوف يدفع المؤمنين إلى الذعر والعيش بانفصام في واقع الحياة الذي لا ينقصه انفصامات. اليقظة ليست حالة فكرية بل روحية نبلغها بالجهاد الروحي في الكنيسة، على ضعفاتها.ـ

ما يهمنا في هذا المقال من نظريات المؤامرة، هي تلك التي ربطت الجائحة بضد المسيح، أما غيرها من النظريات، التي تقع في السياسة والمال، فلن نتطرق إليها. النقطة المركزية في هذه النظرية هي علامة الوحش حيث صارت الشريحة الرقمية العلامة تارة، واللقاح الذي لم يوجَد بعد تارة أخرى، ويخرج مَن يؤكّد أن اللقاح يحمل رقم الوحش المعروف ب666. ويكون الاستنتاج أن على المسيحيين رفض الشريحة ورفض اللقاح. هذا الكلام يعتوره الكثير من قلة الدقّة. من متطلبات النصر في الحروب هو دقة المعلومات وإلا تصير الحرب مع طواحين الهواء فيما العدو يتفرّج و”يشمت”، بحسب تعبير الذهبي الفم.ـ

قبل التطرق إلى الحرب مع ضد المسيح، من الضروري أن نضع الشريحة في مكانها الصحيح. هناك اليوم في العالم اهتمام كبير بالشرائح التي توضَع في جسم الإنسان، منها ما هو لأهداف طبية ومنها ما هو لمجرد البحث العلمي ومنها ما هو أبعد من ذلك. يُنفَق الكثير من المال عالمياً على هذه الأبحاث والدراسات. البعض القليل منها ينجح في التطبيقات الطبية، أما في الحقول الأخرى فعدم الوضوح هو السمة الغالبة. من هذه الشرائح اثنتان، الأولى اقترح بيل غايتس بأن تكون لتحميل اللقاح ضد الكورونا عليها فيمتص الجسد اللقاح وتبقى هي وتكون محمّلة بمعلومات صاحبها الشخصية. هذه العملية يقول مقترحوها أنها تساعد على تحديد مَن أخذ اللقاح، وهنا يبدأ النقاش حول إلزامية اللقاح، وأن اللقاح الذي لم يتوصل إليه أحد بعد هو أيضاً من الشيطان. أما الشريحة الثانية فهي أيضاً بنفس مواصفات الأولى ما عدا أنها ليست معنية باللقاح وسوف تكون إلزامية لكل البشر وتحلّ مكان كل الجوازات والبطاقات، فلا يحتاج الإنسان من ثمّ إلى جواز سفر ولا إلى بطاقة المصرف ولا رخصة السَوق ولا غيرها. إلى هذا تحمل البطاقة كل المعلومات البيومترية التي يحملها اليوم الجواز وغيره من البطاقات. هذه الشريحة هي جزء من مشروع كوني عنوانه الهوية 2020 (ID2020) ويعمل عليه عدد كبير جداً من الشركات العملاقة والصغيرة، وغالبيتها في أوروبا، ومعهم عدد كبير من الجامعات ومراكز الأبحاث والباحثين المنفردين والمموّلين.ـ

الهوية 2020 هي جزء مهيّء لمشروع أكبر يحمله تيار “ما بعد البشرية (transhumanism)”، وفي شقّه التكنولوجي أُطلِق عليه لاحقاً اسم Humanity 2.0، أي النسخة الثانية من البشرية، أو البشرية الجديدة، حيث يأمل المنخرطون فيه إنتاج إنسان هجين بين البشر والآلة. يتّخذ هذا المخلوق المرجو عدة أسماء، الأكثر انتشاراً بينها هو سايبورغ (Cyborg). وقد بدأت بعض الاختبارات على أشخاص من أصحاب الاحتياجات الخاصة حيث تم استبدال الأعضاء المريضة أو الميتة بأجهزة وشرائح. الأعضاء التي نجحوا في تصنيعها في المختبرات هي اليد، الرِجل، الذاكرة اي جزء من الدماغ، البنكرياس، العين، والأذن. وقد وصل البحث حول القلب إلى نقاط متقدمة، لكن لم يُصَر بعد إلى إنتاج قلب اصطناعي.ـ

تضمّ حركة ما بعد البشرية مفكرين وعلماء ومستثمرين من كافة الحقول، كالفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والهندسة والطب وغيرها. من مبادئهم وجوب استخدام تقارب التقنيات الجديدة لتغيير الإنسان من عاقل (Homosapien) إلى تكنو إنسان (Technosapien). يعتبر بعض دعاة هذه الحركة أن البشر الحاليين هم نموذج عفا عنه الزمن، ويدافعون عن موقفهم بأن الناس هم أصلاً على طريق ما بعد الإنسان، حيث أنهم يستخدمون التكنولوجيا لتعزيز وتوسيع القدرات البشرية، كالهواتف المحمولة والإنترنت والأطراف الصناعية الطبية وما إلى ذلك. وبالتالي يجادلون بأن ما يدافعون عنه لا يختلف عينيًا عما سبق أن قَبِله البشر على أنه أخلاقي ومقبول. طبعاً، إلى اليوم لم تلقَ هذه الأفكار القبول الذي يضعها على المستوى التطبيقي الشامل مع أن منظومة مقتدرة من الإعلام والسينما والأدب والموسيقى تعمل على التسويق لهذه الأفكار ونشرها. قيمة ميزانيات هذه الأبحاث والنشاطات تفوق ما يحتاجه العالم لحل مشاكل الجوع والأمية، من دون أن ندرِج كلفة تطبيق هذه الأفكار على علوم الحرب وأدواتها.ـ

يتحدث جماعة ما بعد الإنسانية، او الإنسانية الجديدة، عن الخلود وإطالة الحياة وتأخير الشيخوخة، ويعملون على تحقيق هذه الأمور عن طريق التكنولوجيا. حلمهم الأبعد هو الحياة الأبدية على هذه الأرض أو على كوكب آخر. لهذان يمكن اعتبارهم ديناً يعِد بالخلود عن طريق التصاعد والتحول اللذين يحققهما العلم. وكسائر الأديان، يعتبرون مَن يخالفهم الرأي رجعياً ومعادياً للكنولوجيا والتطور.ـ

من المهم التمعّن بما يؤدّي تدخل التكنولوجيا والعلوم في داخل الإنسان أكثر مما يؤثر عليه من خارج. لا يؤمن أتباع الإنسانية الجديدة بأن للإنسان جوهر ينبغي احترامه. نحن المسيحيون نعرف أن داخل الإنسان صورة الله وهي جوهره. بالتالي، التطور يلحِق الضرر بصورة الله التي فينا والتي نتمسّك بها وندافع عنها. الكلام عن الرجل الآلة هو ضرب لهذه الصورة ولقدسية الحياة التي فيها. أن يقبل الناس أنهم جزئياً آلات يقودهم عملياً إلى التخلي عن كل ما نعتقده قدسيةً للجسد، من الحشمة وصولاً إلى الاستباحة الكاملة، وحتى إلى الإجهاض والانتحار والموت الرحيم. إذا كنا نستطيع أن نتصرّف بالآلات على هوانا وحتّى أن نتلفها أو نتخلَص منها أو ندوّرها، فلمَ تكون هذه الآلة البشرية استثناءً؟

يدعو أتباع الإنسانية الجديدة إلى تبني التقنيات التي تهدف إلى تعزيز قدرات الإنسان العقلية والأخلاقية. حجتهم هي أن الإنسان المعزز سوف يكون أكثر سلامية وعدائية لأنه لا ينقصه شيء. هذه التقنيات مبنية على علم النفس وطبّها وهي تطال الأفراد والجماعات. من أشهر هذه التقنيات ما يُعرَف بالهندسة الاجتماعية التي يقوم عليها الكثير من ألاعيب علوم التسويق والدعاية. تضخّ إلينا الشاشات، بكافة أشكالها، كمّاً كبيراً من تطبيقات هذه التقنيات.ـ

طبعاً، لا يقف العالم متفرجاً على جماعات ما بعد الإنسانية ينفذّون مشاريعهم ولا خططهم تسير كما يشتهون. هناك جماعات دينية وأخلاقية كثيرة تناهضهم. وهنا تكمن ضرورة التمييز في كيف يناهضهم الإنسان وأين ومتى؟ مَن يندفع من دون تمييز يستنفد قوته وموارده قبل الأوان.ـ

على سبيل المثال، يتحدّث مناهضو الشريحة عن أنها سوف تكون مدخلاً إلى التحكم بالبشر وتوجيههم. أيعتقد ناشرو هذه التحذيرات بأن الشريحة سوف تكون أكثر فتكاً مما ينتشر حالياً في المجتع من مظاهر ثقافة تغيير المزاج والتحكم بالأفكار، وتقنيات التأمل التصاعدي، وحتى العقاقير التي تعمل على الأعصاب وعلى النفس، والمخدرات؟ أليست هذه كلها أشكال تحكّم بالناس؟ كثيرون يحذّرون من أن اللقاح سوف يتيح لقوى الظلام التحكّم بمَن يأخذه، فهل يعتقدون بأنه سوف يكون أكثر تحكماً من الهاتف الذكي والرسائل المخفية والموسيقى المخدّرة؟

طبعاً هذا الكلام ليس للدفاع عن الشريحة بل لوضعها في مكانها الصحيح. جماعة الإنسانية الجديدة يخططون للانتقال من خارج الإنسان إلى داخله متى استطاعوا. هذا يعني أن الحرب الحقيقية تكون في داخل الإنسان. المؤمن الذي انتصر في داخله، على ذاته أولاً، يكون محصّناً مستعداً لمواجهة ما يأتي من خارجها. يحكي الأخرويون عن أن الناس سوف تهرب كي لا تحمل علامة الوحش وهذا صحيح. لكن مَن الذي سوف يترك بيته وماله ومجتمعه ويهرب؟ وحده غير المتعلّق بما يملك، الذي كنزه في السماء وبالتالي هناك قلبه، الذي لا يشدّه إلى مكانه شيء سوى أن الله وضعه فيه، متى أراده الله أن ينتقل يكون جاهزاً. الاستعداد داخلي وبرنامجه واضحٌ اسمه التوبة. ألفا سنة والكنيسة تعلّم عنه، تصوم وتجاهد من أجله.ـ

إن وصف الرسول بولس لهذه الحرب دقيق جداً: “وَأَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ… وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلَسْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ… جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ…فَلْنَصْحُ لاَبِسِينَ دِرْعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، وَخُوذَةً هِيَ رَجَاءُ الْخَلاَصِ” (1تسالونيكي 1:5-8).ـ

إذاً، هناك معركة قادمة. أما كيف وأين فللرب أن يقرر. يخطئ مَن يعتقد أن القرار بيد ضد المسيح. “وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ… إِلاَّ الآبُ” (مرقس 13: 32). لهذا نحارب بالتوبة لا بالنظريات ولا بالسلاح ولا حتّى بالعلم. فليستعدّ كل واحد بالوزنة التي أُعطيها. لسنا كلنا أطباء ولسنا كلنا علماء. فلنأخذ الطب من الطبيب والعلم من العالِم. نظريات المؤامرة هي استجلاب للسياسة إلى الروحيات. لا يجوز أن نخلط السياسة بالإيمان ونتصوّر أننا نقرأ الواحد بالآخر. لا ألعاب الأرقام ولا شؤون الأرض ولا قراءة الإنجيل هوليوودياً تنفع المؤمنين وتثبّتهم وراء سيدهم في التجربة. وحدهم التائبون يرون الفرج “تُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ” (أعمال 19:3).ـ

ختاماً، باختصار على لسان هامة الرسل: “أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ. لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ. وَلكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا. فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ. لِذلِكَ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هذِهِ، اجْتَهِدُوا لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ، فِي سَلاَمٍ.” (2بطرس 8:3-14).ـ

Ferrando, Francesca. (2013). “Posthumanism, Transhumanism, Antihumanism, Metahumanism, and New Materialisms: Differences and Relations,” Existenz 8/2 (2013), 26-32. https://www.researchgate.net/publication/304333989_Posthumanism_Transhumanism_Antihumanism_Metahumanism_and_New_Materialisms_Differences_and_Relations

Gallaher, B (2019). “Godmanhood vs Mangodhood: An eastern orthodox response to transhumanism”. Studies in Christian Ethics. http://hdl.handle.net/10871/39217

Somerville, Margaret (2007). “From Homo sapiens to Techno sapiens: Children’s Human Rights to Natural Human Origins”. https://www.ieb-eib.org/en/study/early-life/assisted-reproduction/from-homo-sapiens-to-techno-sapiens-161.html

***

السُّبُل الخمسة للشَّرِكة مع المسيح [1]

الأب إيليا كليوبّا

تعريب عمار عوض

إن الاشتراك بالأسرار الطاهرة، أن نتناول جسد الرب ودمه، هو السِّرُّ الأكثرُ رهبة وصلاحاً وقداسة، لأن المخلص يقول: “من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه” [2].ـ

لكن الشَّرِكة مع المسيح في كنيسته ممكنةٌ، حقًا، عبر خمسة طرق:ـ

الشَّرِكة الأولى والأهم هي تناول جسد الرب ودمه.ـ

الشَّرِكة الثانية، بحسب القديس باسيليوس الكبير، هي الشَّرِكة الروحية عبر طريق الصلاة القلبية الورعة. حتى إن أوقفكَ الكاهن عن المناولة لعدّة أعوام، يمكنك أن تأتي إلى الكنيسة، وأن تَقتبلَ المسيح آلاف المرات في اليوم وأكثر، من خلال طريق آخر، طريق الصلاة. إذا كنتَ تأتي إلى الكنيسة، وتقول الصلاة: “يا ربِّي يسوع المسيح، يا ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ”، من كل قلبك، فبعدد المرات التي تتنهد فيها ذاكراً اسم يسوع، تشترك معه كما لو أنك أخذت بالملعقة الأسرار الإلهيّة. هذه هي الشَّرِكة عبر طريق الصلاة القلبية الورعة، والتي من خلالها يمكن للإنسان أن يقتبلَ المسيح مرّات كثيرة في اليوم وليس لمرّة واحدة فقط، كما لو أنه يتناول بالملعقة من الكأس المقدّسة.ـ

السبيل الثالث للشَّرِكة، هو عبر تطبيق وصايا المسيح. قال المخلّص لنا أن نصوم، وأظهر لنا كيف نصوم. قال المخلّص لنا أن نصلّي، وأظهر لنا كيف نُصلّي. أوصى أن نستقبل الغريب، أن نروي ظمأ العطشان، أن نُطعِم الجائع، أن نزورَ المحبوسين، وأن نغفر لمن يخطئ إلينا. عندما نقوم بهذه الوصايا، نقتبلُ المسيح عبرَ تطبيق وصاياه؛ هذا هو السبيل الثالث للشَّرِكة. ومن خلاله، يمكنك أن تدخل في شركة مع المسيح لمرّات كثيرة في اليوم، بعدد المرات التي تطبّق فيها وصايا المسيح. اسمع ما يقوله مكسيموس الإلهي في الفيلوكاليا: “المسيح يختبئ في وصاياه، من يطبّق وصيّةً يقتبِلُ المسيحَ، وليس فقط المسيح، بل كل الثالوث القدّوس”. واسمع ما يقوله الكتاب المقدّس: “من يحبني، وله وصاياي، ويحفظها، أنا والآب إليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً”[3]. يتّضحُ أنه ليس الابن فقط، بل والآبُ أيضاً يأتي. وحيث الآبُ والابنُ، يقتبلُ كلَّ الثالوث القدوس ذاك الذي يعمل وصايا الله، حتى لو كان مُوقفًا، من قبل الكاهن، عن المناولة المقدّسة. أتفهمون؟ هذا هو السبيل الثالث للشَّرِكة، عن طريقِ تطبيقِ وصايا المسيح. ـ

الشَّرِكة الرابعة هي بالسماع. كيف؟ أنا مُوقَفٌ من قبل كاهن لأعوام عن المناولة، لكنني أذهب إلى الكنيسة وأستمع بورعٍ إلى القداس الإلهي؛ الرسالة، والإنجيل، والشيروبيكون، وبواجب الاستئهال، وعِظَة الكاهن. إذا كنتُ أستمع بخشوع لكلمة الرّب، فبعدد المرّات التي آخذُ فيها فهمًا روحيًا بالسماع، أكونُ قد اقتبلتُ المسيح. هذه شَرِكة مع المسيح عبر الأذنين. هذا هو السبيل الرابع للشَّرِكة، ويقول الرسول بشكلٍ واضح: “الإيمان يأتي بالسمع، والسمع عبر كلمة الله” [4]. أنت تقتبل المسيح بالملعقة، وأنا أقتبله بالأذنين، عندما أسمع بورع القدّاس الإلهي، والتراتيل، وعظة الكاهن، أقتبلُ المسيح آلاف المرات دون أن تعرف أنت. إذا لم تتهيأ أنت بشكلٍ جيّد، يمكن أن تكونَ المناولة دينونةً لكَ، أمّا أنا فأمكثُ في الكنيسة بإيمانٍ كذاك الذي للعشار، وأسمعُ الخدمة بورعٍ، وأقتبلُ المسيح عبر الأُذنين. هذه طريقةٌ رابعةٌ في الشركة.ـ

السبيل الخامس للشَّرِكة هو عبر الذكرانيّات، أي الأجزاء التي تُقتطع من أجلنا في القدّاس الإلهي، لذلك لا يُمكننا أن نذكر (في الذبيحة) أولئك المدمنين على الكحول، أو الشتّامين، أو الذين يعيشون في المساكنة، أو الهراطقة، أو القتلة، لأنَّ ذلك الجزء الذي يُقتطع يمثل حضور تلك النفس. هذه الأجزاءُ تُقدَّسُ عند الاستحالة، من خلال استدعاء الرّوح القدس. وفي نهاية الخدمة، بعد أن يوضَع في الكأس جزء الحمل الذي عليه اسم يسوع، يقال: “كمال كأس الإيمان بالروح القدس”[5]، وبعدها توضع الأجزاء التي تُقتطع من أجل المؤمنين في الدم الإلهي، في الكأس المقدّسة [6]، هناك حيث يوجد جسدُ المسيح الحي ودمه. من القربانة الرابعة تُقتطع الأجزاء الخاصة بالأحياءِ، ومن الخامسة الأجزاء الخاصة بالراقدين [7]، وتُوضَع في الكأس المقدّسة. من خلال هذه الأجزاء الصغيرة كحبات الطحين والتي تُروّى بالدم الإلهيِّ في الكأس، تقتبل آلاف النفوس، لا بل الملايين، الشركة الإلهية والمباشرة مع يسوع المسيح بجسده ودمه. إذًا هذه هي الطرق الأربعة للشركة عبر سلوك طريق الأعمال الصالحة، والتي لا تحل مكان الأولى (الشَّرِكة بجسد المسيح ودمه) [8].ـ

[1] العنوان الأصلي للحديث هو “الأنواع الخمسة للشَّرِكة”، ارتأيتُ تعديل العنوان ليكون أكثر وضوحاً للقارئ باللغة العربية.ـ

[2] يو 6: 56 ـ

[3] يو 14: 23ـ

[4] رو 10: 17ـ

[5] في الترجمة العربية المستخدمة نقول: “كمال الروح القدس”.ـ

[6] بحسب تقليد الكنيسة الرومانية، توضع الأجزاء الخاصة بالأحياء والأموات في الكأس المقدسة قبل المناولة، وليس بعدها، مع الاحتفاظ بالحمل دون تقطيع إلى أجزاء صغيرة، ويقوم الكاهن أثناء المناولة باقتطاع أجزاء من الحمل لمناولة المؤمنين.ـ

[7] يستخدم الكاهن الروماني لتحضير الذبيحة في القداس الإلهي خمس قرابين.ـ

[8] في حال دنو الأجل (الاحتضار) يركز الأب كليوبا على ضرورة المناولة الإلهية كشركة في المسيح لا بديل عنها. ـ

مقاومة الجائحة

أناستاسيوس رئيس أساقفة ألبانيا

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

إننا جميعاً مذهولون، وكأنه تمّ إعلان حرب عالمية جديدة من عدو غير مرئي، فيروس كورونا. ها نحن نقف جميعًا بشكل مضطرب أمام التغييرات غير المتوقعة، التي أحدثها تفشي هذا الوباء غير المسبوق، في حياة الأغنياء والفقراء، المتعلمين والبسطاء، في الصحة، والاقتصاد، والنقل، ومختلف أشكال الراحة، وفي الاحتفالات.ـ

يتوجب علينا تجنب الذعر والاكتئاب واليأس. مطلوب منا الرصانة والحنكة والاهتمام الدقيق والانضباط تجاه تعليمات الحكومات المسؤولة وتوجيهاتها الصحية. وبالمثل، نحن مدينون بالشكر الجزيل لأولئك المكلفين الحفاظ على النظافة العامة والنظام والمعلومات، وخاصة المتخصصين في الرعاية الصحية الذين هم في طليعة معركة الاهتمام بالمصابين.ـ

لنبقَ داخل منازلنا، ولا نسمح للغضب والصراعات أن تتفاقم، بل لنزرع الإبداع والتصرف السلمي واللطف والتفاهم والمودة والمحبة. كل المؤمنين مدعوون لأن نكثّف صلاتنا حتى لا تطول فترة هذه التجربة، ولشفاء المعذبين بشدة والحد من انتشار الوباء. وأكثر من ذلك، لنصلِّ أن ينير الله الباحثين ليحددوا بسرعة العمليات الوقائية والعلاجية المناسبة.ـ

في المقام الأول، من الضروري تعزيز ثقتنا بالله. الإيمان والمحبة هما أقوى الأسلحة الدفاعية ضد هجوم هذا الفيروس غير المرئي الذي يهدد البشرية. سيخرج شيء جيد في نهاية المطاف من هذه الأزمة ونأمل أن تعيد المجتمعات البشرية دراسة قيمها وأولوياتها.ـ

لذلك يا إخوتي وأخواتي: لا قلق ولا اضطراب! فلنقتنِ شجاعة أكبر وموقفاً متناغماً وطاعة للتعليمات، وقبل كل شيء تضامناً صادقاً. سلام الله ورجاؤه فليقويا صبرنا ومقاومتنا ويجعلاهما يرشداننا لاتخاذ الخيارات والتغييرات المطلوبة في حياتنا بعد هذه الأزمة الخطيرة.ـ

+أناستاسيوس، رئيس أساقفة ألبانياـ