الندامة وخوف الله

الندامة وخوف الله

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي

أنصتوا الى كلامي يا أبنائي الشبان المحبوبين الذين أًعطيتهم. اسمعوا لي إذا كنتم تحبونني فعلاً وتقبلونني كأب. أيّ رجل يهتم لبعض الجلوف في جسمه وينشغل بها عندما يكون قلبه مصاباً بالسم وأحشاؤه في ألم عنيف؟ الألم المخبأ في قلبه سوف يطغى على كل ألم أو تهيّج في بشرته. كَرَبُ قلبه لن يدعه يرى أو يتبين ما على جسده خارجاً، إنما لحزن قلبه سوف ينسى جراح جسده. إنه يمزق ثيابه بيديه ليهرش قروحه بأصابعه. ينسى أهله وأصدقاءه ولا ينظر إلى عيني أحد، ولا يدير وجه غضب إلى من يشتمه. إنه لا يعير أي انتباه لا لممتلكاته ولا لأراضيه، وهو يترك ثروته لمن قد يسرقها. إنه لا يأكل خبزه بملذة، لأنه مليء بالمرارة[1]. إنه لا يستمتع بشرب الخمر لأنه مشبَع بالعذاب، وهو يجيب بغضب من يدعوه الى حفلة شراب: “ابعدوا عني لأن الموت يسحق قلبي، كيف لي أن أخبركم إن كان سوف يأخذه سريعاً؟ إني أكره بقائي حياً لأن هذه الحياة هي موت وأنا لم أتبين هذا”. إنه لا يذهب للراحة في سرير إنما يتدحرج على الأرض لاهثاً للتنفس. إنه يولول ويئن ولا يعير أي انتباه لا للذين يسكنّون آلامه ولا للذين يوبخونه. عيناه ليست وسائل للنظر بل مثل الينابيع تتدفق منها المياه. هذا الرجل يرى أن كل إنسان سعيد هو مثل ملاك، سواء أكان من الحاضر أو الماضي أو ممن لم يُخلقوا بعد. حتى كل الوحوش والزحافات على الأرض وكل صاحب نفس حياة[2]، فهو يراه سعيداً إذ يقول: “مباركة هي كل مخلوقات الرب التي تقضي وقتها بدون ألم وفي فرح بالحياة والنفس، بينما أنا وحدي مُثقل بخطاياي ومحكوم بنار الدينونة ومعذب بألم الوحدة على الأرض”. أنه ينظر إلى كل النفوس النظرة نفسها وهو يوقرها كمقدَّسة من الرب ويبجلها كطاهرة من كل الخطايا. لا يميّز بين البار وغيره إنما ينظر إلى الجميع كمتساوين، الطاهر والدنس متساويين. هو وحده مفصول عن المخلوقات التي تحت السماء وهو يجلس على حمأة من الخطايا التي لا تُوصف مُشتَمَل بعتمة لا نهاية لها من الجهل والكآبة. هو يحك قيح جراحه ليس بشقفة[3] كما فعل أيوب[4]، إنما بأظافره لألم قلبه العظيم. أيوب كان مضروباً بجسده إنما نفسه كانت بحماية الله[5]، أما هذا الرجل فيرى الخطايا تسمم نفسه ليس أقل من جسده، وبالتالي ألمه أسوأ عشر مرات من بلاء أيوب. بعد هذا سوف يتخلى عنه كل أقاربه بالجسد وكل معارفه في العالم، إذ أنهم بعد أن أمضوا الوقت معه باكين لأساه الذي لا عزاء له، وبعد أن رأوا أن نفسه لا ترتاح، راحوا ينظرون إليه كأداة رعب وذهب كل منهم إلى منزله.

وبعد أن يُترك وحده سوف يرى نفسه في وسط الوحدة والبؤس والحزن والألم. وبالتالي سوف ينوح من لوعته، وفي يأسه سوف يصرخ الى الرب الكلي الاقتدار: “أنظر يا رب فأنت ترى وليس من شيء لست تراه. أنا عمل يديك ولكني لم أطبّق أعمال وصاياك إنما في حماقتي جريت خلف كل المؤذيات. أنت طيّب وأنا لم أعرفك ولكني سمعت بك وجزعت ولم أعرف ما أعمل. لقد وقفت أمام حكمك ولم يكن في فمي كلمة للدفاع عني. فأنا لم أعمل شيئاً لأعوّض عن أي كلمة بطالة[6] خرجت من فمي. حتى الإنسان الذي يعمل كل صلاح فهو مثل عبد وكمَدين: لن يجد شيئاً ليدفع عن خطيئته لأن الرحمة عندك[7]. لأن الخطيئة موت[8] ومن هو ذاك الذي يموت بسبب الخطيئة ويقيم نفسه؟ بالواقع لا أحد! أنت وحدك الذي مات ثم قام لأنك لم تخطئ أبداً ولا وُجد في فمك مكر[9]. ولكن مَن هو هذا الذي يموت بخطاياه ولا يتوب؟ هذا لن يجديه نفعاً.

إذاً أيها السيّد الكلي الاقتدار، أنا أيضاً أندم لارتكابي أعمالاً شريرة، لكن ندامتي لا تنفع لتبرئتي لأن الندامة ليست إلا معرفة الخطيئة. والآن أيها الرب الناظر كل شيء، أنت ترى أنني لا أملك شيئاً إلا جسدي ولكن خسارتي كل الثروات لم تجدِني نفعاً. أنا مثخن بالجراح ولم يعد لي أي فرصة للخلاص لأني تُركت والجحيم ابتلعني حياً. وأنت أيها الرب ترى ذلك؛ أنت وحدك قادر على رفعي وشفاء ألم قلبي، لأن يدك قادرة على كل شيء وتطال قعر الهاوية، صانعة كل الأشياء بحسب رغبتك. أنا لا أجرؤ على أن أقول “ارحمني” لأنني غير مستحق؛ لكن أنت يا رب ترى”.

عندها الله في حنوه سوف يستمع سريعاً ويحث إلى منحه الراحة من ألمه والتحرر من حزن قلبه. إذ إنه لمحبته للإنسان لا يستطيع أن يرى عمل يديه في هذه الحاجة وفي هذا الألم غير المحتمل. إن كان هذا الرجل قد عمل كل ما ذكرنا بدون خطأ فسوف يعامله الرب برحمته التي لا تُوصف، هو وكل المصغين بإيمان إلى رواية الندامة في هذا المثل. وقد حدث هذا فعلاً ودوّن كتابةً. فالله سوف يصبّ عليه صلاحه ويحوّل نوحه إلى رقص[10]. الرب سوف يحوّل مرارة قلبه إلى حلاوة كالخمر ويجعله يتقيأ سم التنين الذي يحرق جوفه. هذا الرجل سوف ينسى أوجاعه السابقة والشرور التي عانى منها. أما المال والأملاك والثروات التي تخلى عنها عندما كان يتألم ندماً، فهو لن يعود للبحث عنها ولن يبتغي أي شيء آخر غيرها. فالرب المتعالي سوف يمنحه الصحة وهي العطية الأغلى من كل كنوز الأرض وهذه الصحة سوف تبث في قلبه الفرح. وفرحه هذا سوف يكون عشر مرات أكبر من أساه الماضي وسوف يطرح من جسمه كل وجع أتاه من الخارج. هذا الرجل سوف يدرك أن جراح جسده، من ذلك الحين وصاعداً، لن تصل إلى قلبه ولا الحزن الخارجي سوف يعكّر سعادته. وهذه المعرفة سوف تضاعف الفرح الذي في داخله.

أما جيرانه الذين سبق لهم ورأوا أحزانه دون أن يعلموا بالفرح المخبّأ الذي حلّ عليه بعد الأحزان، فسوف يتأوهون عليه قائلين: “انظروا إلى الرجل الذي لم يعرف الفرح في حياته الملأى بالعذابات والألم، أيامه لا تختلف عن المجرمين الذين يتألمون عقاباً بالجلد من أجل اثمهم”.

وفي أي حال، ذلك الرجل يعرف أن أيامه مليئة بالسعادة والفرح وبأن هناء قلبه يسخر من الموت وأن “الموت لا يسود عليه بعد”[11] لأن هذا الفرح ليس له نهاية. ولكل هذه الأسباب، سعادته أكبر عشر آلاف مرة من كل الملوك الحاكمين في الأرض، ومن كل أولئك المتمتعين بالصحة والسلامة في أجسادهم، ومن كل أصحاب الثروات والثياب الأرجوانية والكتان الرفيع، ومن كل المحسوبين سعداء في أفواه المتكلمين باطلاً. إنه يعرف أن الفقر مقرون بهذا الفرح هو أعظم من كل العالم وما فيه من الأشياء، لأن النعيم سوف يختفي والجحيم سوف يُلتهم، والموت سوف يسود على الأشياء العائدة لجسده ولحياته. من جهة أخرى، فالفرح الآتي الى نفسه من جراء تعزيته، لا يستطيع أي من هذه الأشياء قهره لأنه ليس آتياً من هذا العالم. فهو لم يكتسبه لا من مجده ولا من ثروته الطائلة ولا من صحة بدنه ولا من ثناء الناس له ولا من أي شيء تحت السماء. إنه نتيجة الأسى والمرارة في نفسه إضافة إلى التقائه بروح الله الذي فوق السماوات. فعندما يضغط الروح وينقي قلبه (كما في معصرة)، ينتج فرحاً أصيلاً وغير ممتزج بالألم. لهذا السبب لا يسود الموت عليه، ولا شائبة تشوبه. أما في الإرادة فسوف يكون مثل الخمر المعصور والمعروض للشمس، فهو يلمع مظهراً لونه أكثر وضوحاً إذ إنه يضيء بالفرح على وجه من يشربه عندما يواجه الشمس.

لكن في هذه الأمور شيئاً واحداً لست أفهمه. فأنا لا أعرف ما يسرني أكثر: رؤية أشعة الشمس وبهاء نقاوتها أم شرب الخمر الذي في فمي ومذاقه. أنا أقول إنه الأخير مع أن الأول يجتذبني ويبدو أكثر إرضاءً لي. إنما في نظري إليه، أحصل على لذة أكبر من حلاوة المذاق حتى أنني لا أشبع من النظر ولا أمتلئ من الشراب. كلما اعتقدت أني شربت كفايتي إذا بخيوط الأشعة التي تمر من خلال الشراب تضاعف عطشي وإذا بي أطلبها مجدداً ويشتعل فمي عشرة أضعاف مما أتوق إلى ملء معدتي، فإذا بي أحترق بالعطش والرغبة في ذلك الشراب الشفاف.

مَن وقع عليه هذا الحكم الحسن لن يخشى لا العقاب ولا العذاب ولا المحاكمات التي سوف يتعرض لها. عطشه لن ينطفئ إلى الأبد، والشراب الحلو الشفاف لن يخذله. حلاوة الشراب والشعاع الجالب السعادة الآتي من الشمس سوف يجنبان نفسه كل حزن، ويجعلان ذاك الرجل فرحاً في كل حين[12]. لن يسود عليه أحد ولن يؤذيه أحد، ولن يستطيع أحد منعه من أن يشبع من هذه الكأس كما من نبع. أما ذاك الذي يحكم الأرض بالشر، حاكم الظلام، الذي يسود على كل مياه البحر ويتلاعب بالعالم وكأنه يمسك بعصفور دوري في يده، مع كل جيشه وكل قدرته فلن يقترب من عقب رجله ولن يتجرأ على النظر إليه. إذ إن لمعان الخمر وشعاع الشمس على وجهه عند شربه للخمر، يدخلان إلى جوفه، إلى يديه ورجليه وظهره ويحولانه كله إلى نار. يعطيانه القوة لإحراق وتذويب أعدائه المقتربين منه من كل جهة. إنه يصير عزيزاً على نور الشمس وصديقاً لها. أما للخمر الشفاف والشعاع الصادر عنه فهو يصبح محبوباً كإبن إذ أن الشراب هو غذاؤه وبرء جسده المطهّر. هذا الإبراء يصير شفاءه الكامل، أما صحته فهي لا تسمح له بتناول طعام آخر بسبب المرض، بل تعطيه رغبة محرقة للشرب من ذلك الخمر وبه يطهّر نفسه ويحقق الصحة. جمال تلك الصحة وبهاء الطلعة الناتج عنها لا يعرف الحدود.

إذاً يا أولادي الأحباء، أبنائي الذين أُعطيتهم المستمعين إلى كلماتي. كل من أخطأ أمام الله الكليّ الاقتدار سوف يشعر بالخوف في قلبه من الدينونة وتحوّل الله عنه. خوف الله وتحقق جزائه العادل يزعزع البدن ويحطم العظام، تماماً كالحجر الذي تحركه الآلة ليضغط عناقيد العنب التي في المعصرة ويسحقها تماماً. في البداية يدوس الناس العناقيد ثم يسحقونها تحت الحجر مستخرجين كل العصير منها. عندما يخجل رجل في خوف الله، يجعله هذا الخوف الحقيقي مُداساً تحت أقدام الآخرين. وعندما يضغط هذا الخوف الكبرياء والمجد الباطل التي لفكر الجسد[13] ويسحقهما كلياً، عندها ينزل التواضع المقدس من العلى، ذلك الضوء الحقيقي والصخرة الروحية الرقيقة، فيسحق كل رطوبة الملذات الجسدية والشهوات. هذا لا يعدم الروح المسحوقة النفع إنما يروّيها بسيول من الدموع. إنه يجعل الماء الحي[14] ينبع عن طريق غسل القيح والقروح، وذلك لشفاء الجراح المسَببة بالخطيئة. وهكذا يجعل هذا الرجل بكليّته “أبيض أكثر من الثلج”[15].

كم هو مبارك إذاً هذا الرجل الذي يسمع هذه الكلمات ويقبلها بإيمان ويطبقها[16]. فهو إذ يجد بركات كثيرة تتخطى العقل والكلام والأفكار، فهو سوف يعتبر يدي البائسة مباركة لأنها كتبت هذه الأشياء. سوف يعطي مجداً للرب الرحوم الكثير الشفقة لأنه سخّر للكتابة  لساناً ملوثاً وفماً غير طاهر، مثالاً للارتداد والتوبة ولطريق صحيح غير مخطئ للذين يرغبون بكل ذواتهم بأن يخلصوا. هؤلاء هم من سوف يرث المملكة التي في الرب مخلصنا نفسه، له المجد الى الأبد. أمين.

[1] إر17:15

[2] تك14:7-15

[3] كسرة من الخزف.

[4] أي8:2

[5] أي6:2

[6] مت36:12

[7] مز7:130

[8] رو12:5

[9] 1بط22:2

[10] مز12:30

[11] رو9:6

[12] فيل4:4

[13] رو6:8

[14] يو10:4

[15] مز9:50

[16] مت24:7

الصوم

الصوم

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي

إخوتي وآبائي

ما سوف أقوله كان ينبغي أن أوجهه لكم الأحد الماضي0 كنت أعرف في كل الأحوال بأن كلا منا نحن المؤمنين مع العالم المسيحي أجمع، رهباناً وعلمانيين، يتقبل بركات الصيام بحماسة متوقدة في الأسبوع الأول من الصوم، وأن كلاً منا يضع بإرادته نيره على رقبته.[1] حتى بين أولئك الذين قطعوا الأمل في خلاصهم ويحيون حياتهم بدون وقار وخوف الله، فليس هناك من يرفض قانون الصيام في الأسبوع الأول. بل يصوم بتقشف ظاهر بحسب قدرته. ولهذا فسأكلمكم اليوم بكلمات قليلة عن الموسم الحالي.

كما قلنا، يقضي كل المؤمنين الأسبوع الأول، الذي انصرم اليوم، بنشاط. وبعد انقضائه، تحتفل كنيسة الرب يوم السبت بعيد القديس الشهيد العظيم ثيودوروس [التيروني]، وبالأحرى بالعمل الفائق العادة الذي صنعه الله لشعبه المؤمن على يد القديس بحسب التقليد.

ونظيره نحتفل يوم الأحد بذكرى الإيمان الأرثوذكسي وننشد دوماً التسابيح الشكرية لله الكلي الصلاح. لكن الشرير الذي ينحسد من الصلاح ينسل إلى كل المؤمنين ويرمي عليهم قيود التواني والإهمال. إنه يقنع المؤمن بأن “يكسر قيوده ويلقي عنه نير الصيام”[2] ويعود إلى عاداته القديمة. ولهذا أذكركم اليوم وأناشد محبتكم وأبوتكم بأن لا تذعنوا لذلك الذي يريدكم مرضى. لا تنقادوا مخطئين بعادة الشره ولا ترجعوا لعادة إشباع الشهوات الشريرة القديمة. إنما لنحفظ هذا الأسبوع الثاني من الصيام كالأول، ومثلهما ما تبقى من الموسم.

بالفعل يا آبائي وأخوتي، فلنتصرف لمصلحتنا بهذا الصنيع، ولنمنع أنفسنا من خسارة ما جمعناه معاً في الماضي، وعلى العكس فلنكافح لنزيد عليه. فلنمنع بؤس هدم ما بنيناه في الماضي[3]. فليحفظ كلٌ منا في ذهنه منافع الصيام وعطايا الله التي نعم بها في هذه الأيام القليلة فيشتاق أكثر إلى الأيام القادمة. لأن هذا دواء فعال لأنفسنا. ففي حالة أولى لتهدئة حمى الجسد ونزواته، وفي حالة أخرى لتلطيف الإنفعال السيء، وفي غيرها لإبعاد النعاس، أو لتحريك الحماسة، أو لاستعادة نقاوة الذهن وتحريره من أفكار الشر. فهو يضبط اللسان بلجام[4] ويكبحه بخوف الله ويمنعه عن الكلام البطال[5]. بكلام آخر، هو يحرس العينين بشكل غير منظور ويثبتهما على الأعالي بدل أن يتركهما تجولان هنا وهناك. يجعل الصائم ينظر إلى نفسه ويعلّمه أن يفكر في أخطائه وتقصيره. الصيام يشتت الظلمة الروحية ويبعد شر الخطيئة الكامن على الروح كما تكشح الشمس الظلمات تدريجياً. الصيام يؤهلنا روحياً لرؤية ذلك الجو الروحي الذي يشع فيه المسيح الشمس دائماً دون أن يعرف شروقاً أو غروبا. الصيام مع السهرانيات يدخل إلى القلب فتطرى قساوته. الصيام والسهرانيات جعلت ينابيع الندامة تتفجر حيث كانت فيما مضى أبخرة السكر. أتضرع إليكم أيها الإخوة، فليكافح كل منا ليحدث هذا فينا. إذا حدث هذا، فباستعداد ومعونة يجب العبور في بحر الشهوات وأمواج التجارب الموجهة من      الرهيب وهكذا نرسو في ميناء الأمان.

يا إخوتي ليس لهذه الأشياء أن تتحقق في يوم أو أسبوع ! إنها تحتاج إلى الكثير من الوقت والعمل والألم بحسب رغبة وإرادة كل إنسان وعلى مقدار إيمانه وازدرائه بالمنظورات والأفكار. لم يكن أبداً ممكناً تحقيق أي من هذه الفضائل أو غيرها بدون الصوم، لأن الصوم هو بداية وأساس كل نشاط روحي0 كل ما تبني على هذا الأساس لا ينهدم أو يدمر لأنه مبني على صخر صلب. أما إذا نزعت هذا الأساس واستبدلته ببطنٍ مليء وشهوات غير لائقة، فسوف يطمر كالرمل بالأفكار الشريرة وسوف تسقط كامل بنية الفضائل. لمنع هذا من أن يحصل لنا، فلنقف بفرح على أساس الصيام الصلب0 لنقف بثبات وإرادة. ذاك الذي يرغَم على تسلق صخرة الصيام بعكس إرادته، لا يستطيع الإمتناع عن التزحلق بشهواته ويلقى بطيش في الأكل بالسر0 وهكذا عندما يقضم الأكل يصبح على ما أظن طعاماً للشرير، لأن الصيام هو قانون إلهي وأولئك الذين يتجرأون على انتهاكه، معتقلون من الشرير وهو يجلدهم كالجلاد 0 وإذا لم يحدث هذا بسرعة أو بشكل مباشر، فلأن الرب طويل الأناة معنا ويقبل توبتنا. ومع هذا، بالإجمال نحن لا ننجو من يده إما في هذه الحياة أو في العالم الآتي، إذا ثبتنا في الخطيئة بدون توبة حتى ذلك الوقت0 إذا تصرفنا على هذا المنوال فسوف نشارك في دينونة الشرير، وبين يديه ومعه سوف نلقى العقاب الأبدي من حكم الله العادل0 قد نختبىء عن رؤسائنا ولكننا لا نستطيع الاختباء من سيد رؤسائنا وربهم.

فلنحذر إذاً يا إخوتي ليس فقط من الأكل بالسر إنما أيضاً من تخمتنا من الصحون الموضوعة أمامنا على المائدة0 أنا فعلاً أتوسل إليكم بدون انقطاع أن تعيدوا إلى ذهنكم هذا الأسبوع المقدس الفائت. انتبهوا كما قلت سابقاً، ليس فقط للمنافع التي جنيتموها من الصيام والسهرانيات ومن الصلوات وترتيل المزامير، إنما أيضاً لحزنكم وورعكم وصمتكم0 في ذلك الوقت بدا لي الدير غير مأهول بالبشر إنما مسكونٌ من الملائكة لأني لم أسمع أي كلمة دنيوية إنما فقط التمجيد الذي نقدمه لله والذي هو أيضاً عمل الملائكة0 أنا أؤمن بأنه لمجرد قيامكم بعمل الملائكة، الملائكة أيضاً قاموا بقسمهم من العمل ورتلوا معكم0 إذاً لا تسمحوا لأنفسكم بالانفصال عن الشركة بالكلام الكثير التافه ولا بالأصوات غير المحتشمة والصراخ العالي فتسمحوا للشياطين بالاقتراب منكم كما في السابق0 إنما بالأحرى، فليلتفت كلٌ إلى نفسه ويعمل بتأنٍ عمله اليدوي والخدمة الموكلة إليه وكأنه يخدم الله وليس البشر0 لأنه مكتوب “ملعون من يعمل عمل الرب برخاء”[6].

إخوتي، لا تكفوا عن تشجيع بعضكم خلال الخدَم على الاستماع بانتباه إلى القراءات المقدسة0 نحن نشجع جيراننا وندعوهم إلى أن يأكلوا من المأدبة المادية، وأولئك الذين نحبهم كثيراً نجبرهم على الأكل0 أيضاً على هذه المأدبة، التي تغذي النفس، نحن مجبرون على تشجيع جيراننا والإنتباه خشيةً من أن ندان بالسقوط في الحب المتبادل ونخسر حقنا في أن نكون مساري المسيح0 هو يقول “بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضا لبعض”[7]. الذي لا يرغم صديقه على النهوض عن المأدبة المادية إجمالاً يخدمه0 أما من يصنع هذا في الصيام الروحي الذي أعني به سماع الوحي الإلهي، فهو يسبب ضرراً لا يوصف لجيرانه0 إتخام الجسد بالطعام المادي إجمالاً يسبب أذى وضرراً للجسد والنفس معاً0 على العكس، كلمات القديسين تضيء الذهن وتقدس النفس، وبذلك تمنح قداسة حتى للجسد نفسه وتجعله أكثر صحة ونشاطاً.

فلينتبه كل منا للقراءات: كلمات القديسين هي من الله وليست من البشر0 فليحفظها في قلبه متفكراً بها[8] لأن كلمات الله هي كلمات الحياة ومن يسمعها ويؤمن بها له الحياة الأبدية[9]. إذا دعيتم إلى مأدبة مترفة، أنا أشك أن أحداً منكم سوف يغفو  ولن يهتم ويأخذ منها فقط حاجته، ولا يكون متلهفاً قبل ذهابه لأن يأخذ معه بعض الشيء للغد حيث يتقاسمه بلهفة مع بعض أصحابه أو حتى مع الفقير0 لكن هنا كلمة الحياة ممنوحة لكم ومن يأكلها يخلد0 قولوا لي، أليس من حق أي كان أن يكون غير منتبه ويغرق بالنوم والشخير وكأنه جيفة حية؟ كم هي عظيمة الخسارة! كم هو عظيم انعدام الحس والبلادة! ذاك الجالس إلى مائدة ولا يشتهي الطعام الموضوع أمامه هو بالتأكيد مريض0 وكذلك من يسمع القراءات المقدسة بدون شهوة روحية وسعادة لا توصف، ويفشل في الحصول على السعادة الروحية غير المادية في الوحي غير المادي من الله، وملء جميع حواسه عقلياً بحلاوة هذه السعادة، فهو ضعيف في الإيمان0 إنه لم يذق العطايا الروحية، لأنه في وسط عطايا كثيرة يهزل من العطش والجوع0 تماماً كما الجيفة عندما تغسل بالماء لا تحس به، كذلك هذا الرجل لا يحس بشيء عندما تسيل عليه سواقي كلمة الله المحيية. كلمة الحياة في داخلكم، لقد أتيتم لتأكلوا خبز الكلمة، لستم أمواتاً لكن أصبحتم أحياء بدل الموتى0 لقد تذوقتم الحياة الحقيقية واكتسبتم رأفة على جيرانكم من الله الرؤوف0 إذاً لا تبطئوا بإيقاظ وتشجيع وتوجيه جيرانكم وكل الآخرين على أفضل ما بقدرتكم كأنهم أعضاؤكم، أو بالأحرى كأعضاء في المسيح وأبناء لله0 كونوا متلهفين لتعليمهم وتوبيخهم وتأنيبهم، ليس لمضايقتهم إنما لإنقاذهم من سخط الرب وعقابه0 هدفكم ليس إيذاءهم إنما بالأحرى للمباحثة معهم بالمنافع العظيمة بتحضيرهم لإكمال الأشياء التي يشاؤها إلههم وأبوهم0 إذا تصرفتم بهذه الطريقة وكل منكم حرّض أخاه على المحبة والأعمال الحسنة[10]، فسوف نرفع بسرعة إلى قمة الفضائل ونظهر أنفسنا كمكملين لوصايا الله0 هكذا جميعاً سوف نصل إلى مملكة النعيم بالمسيح نفسه إلهنا له المجد إلى أبد الآبدين0 آمين.

[1] سيراخ 51 : 26

[2] مز 2 : 3

[3] غلا 2 :18

[4] يع 3 : 3 – 8

[5] متى 12 : 36

[6] إر 48 : 10

[7] يو 13 : 35

[8] لو 2 : 19

[9] يو5 : 24]0

[10] عب 10 : 24

فحص النفس بالتطويبات

فحص النفس بالتطويبات

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي

إخوتي وآبائي

في الموعظة السابقة، كنا نناقش ماهية السهر على النفس وقد تركنا موضوعنا ناقصاً لكي نتلافى إطالة الحديث. والآن، في هذه الموعظة، نجيء إلى دفع دين الحديث المتوجب علينا لكم. فنحن في هذه المسؤولية من أجل هذا الأمر ونحن ملزمون دائماً بإمداد محبتكم ما هو مستحق[1] من الكلمة.

ما هو الانتباه للنفس والسهر عليها كما ذكرنا سابقاً؟ أن ينتبه كلٌ إلى نفسه يعني التالي: “أن يقول لنفسه “هل هناك أي شهوة لا تسود عليّ؟ لأني كما أسمع في الكتاب المقدس، أن ذاك الذي له شهوة واحدة لا يدخل ملكوت السماوات. لأنه مكتوب “لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرماً في الكل”. وبالشكل نفسه، الانتباه للنفس يعني أن يقول المرء لنفسه “أما أهملت هذه الوصية أو تلك؟ ألست مستخفاً بها، ألا أتجاهلها ولا أطبقها؟” لأن ربنا المسيح يقول: “لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل”[2]. أيضاً هو يقول: “فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلّم الناس هكذا يُدعى أصغر في ملكوت السماوات”[3].

ولكن ينبغي أن نكون أكثر انتباهاً حين تُقرأ الكتابات المقدسة. فعلى المرء أن ينظر إلى نفسه ويفتكر في داخله كما في مرآة[4]. في أي حال هي نفسه؟ ماذا أعني؟ فيسمع الرب قائلاً: “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات”[5]. عندها عليه أن يتذكر كيف يقضي أيامه. إن كان تائباً فعلاً فهو سوف يضاعف عمله ويطيله، أما إن كان متوانياً فهو سوف يصحح طرقه.

وأيضاً هو يسمع الرب قائلاً: “طوبى للمسكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات”[6]. عندها عليه أن يمتحن نفسه[7] في كل فرصة عن تواضعه، أعني عندما أُهين وأُذل وعومل بازدراء. عليه أن ينظر إلى نفسه هل عنده فضيلة التواضع أم لا، لأن من امتلكها يحتمل كل الأشياء بدون ألم أو انزعاج. ما من شيء يجرح قلبه إن حصل له. أما إن تأثر قليلاً من ذلك دون أن يتأذى، فعلى العكس إنه يحزن في ذاته ويعتبر نفسه غير مستحق بسبب ذلك الجرح في قلبه، لأنه حزن بدل أن يتقبل ما جرى له بفرح. إنه يحزن ويندب عندما يدخل إلى مخدع[8] نفسه أو إلى قلايته. فهو ينطرح أرضاً أمام الله ويعترف له وكأنه خسر حياته كلياً.

عندها أيضاً يسمع: “طوبى للحزانى”[9]. لاحظوا أن الرب لم يقل “الذين حزنوا” إنما “أولئك الحزانى بشكل ثابت ومستمر”. هنا أيضاً علينا أن نفحص إن كنا نحزن كل يوم. لأننا إن تذللنا من التوبة فمن الواضح أنه لن يمر علينا يوم واحد أو ليلة واحدة بدون دموع وبكاء وندم.

وأيضاً: “طوبى للودعاء”[10]. هل هناك من يحزن كل يوم ويستطيع أن يستمر في حالة من الغضب من دون أن يكتسب الوداعة؟ فكما الماء تطفئ النار، كذلك غضب النفس يطفؤه الحزن والدموع. وهكذا يرى مَن كان غضوباً منذ زمن طويل أن مزاجه تغيّر وتحوّل إلى هدوء شامل. عندها على المرء أن ينظر إلى نفسه في هذه الطريقة أيضاً ليرى إن كان فعلاً وديعاً. مَن هو على هذه الحال لا يستطيع أن يرى انتهاك وصايا الله، إنما ينوح على الذين يرتكبون الخطيئة وكأنه هو مَن ارتكبها.

وبالطريقة نفسها، على المرء أن يمتحن نفسه إن كان يجوع ويعطش إلى البر[11]. فمن الممكن أن يبحث المرء فيجد شخصاً باراً لكنه لا يجوع ولا يعطش إلى البر. الله هو البار[12] تماماً كما تسمعون اسمه “شمس البِر”[13]. هكذا هو مَن يجوع ويعطش اليه، فهو يحسب العالم كله والأشياء التي فيه خسارة[14]. أما شرف الأمراء فهو يعتبره خزياً ولا ينظر إلى الأمجاد البشرية.

ومرة أخرى “طوبى للرحماء”[15]. مَن هم الرحماء إذاً؟ هم أولئك الذين يعطون مالاً أو يطعمون الفقراء؟ لا. إذاً من هم؟ هم الذين افتقروا من أجل الرب الذي افتقر لكي نستغني[16]. ليس لديهم ما يعطونه لكنهم منتبهين بشكل دائم للفقراء والأرامل واليتامى[17]، إضافة إلى المرضى. فهم يشفقون عليهم ويذرفون من أجلهم دموعاً حارة لأنهم يفتقدونهم دائماً. هكذا هم مثل أيوب عندما قال: “ألم أبكِ لمَن عسر يومه”[18]. إنهم يعطونهم بسخاء[19] وفرح عندما يمتلكون أي شيء، وأيضاً بسخاء يذكرونهم بالأشياء النافعة لخلاص نفوسهم، بإطاعة الذي قال: “وما تعلمته بإخلاص أشرك فيه بسخاء”[20]. هؤلاء هم الذين يطوبهم الرب. هؤلاء هم الرحماء حقاً، لأنهم من هذه الرحمة يتسلقون، كما على سلم، للوصول إلى طهارة النفس الكاملة.

وبعد هذا وعلى الأساس نفسه، يطوّب الرب أصحاب القلوب النقية بقوله: “طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله”[21].  إن لم تصل النفس إلى هذه الوضعية، لن تستطيع الوصول إلى الحزن المستمر ولا إلى الوداعة الكاملة، ولن تعطش الى البِر، وفوق هذا لن تكون كمرآة. هذا ما يعرفه ربنا وصاحب الشريعة. وفوق هذا، إن فشلت النفس في أن تكون على هذا الحال فلن تعاين وجه السيد بنفسها. إذ إن النفس التي وصلت إلى هذه المرحلة ترى الله في كل وجه وتتصالح معه[22]. فالسلام يعم بين ربنا وخالقنا من جهة والنفس التي كان تعاديه فيما مضى من جهة أخرى. وبالتالي يطوّبها الرب لأنها صنعت السلام، إذ إنه يقول “طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون”[23]. فهم قد تصالحوا مع الذي أتى ليمنح السلام للبعيدين والقريبين[24]. لقد أتى إلينا نحن الذين كنا أعداء[25] ليصالحنا مع أبيه وليجمع المتباعدين إلى واحد[26] وليمنحنا روحه القدوس. واضح إذاً أن الذين يرون الله هم فعلاً مصالَحين معه، إذ أنهم وجدوا السلام الذي كانوا يتوقون إليه وأصبحوا أولاداً لله[27]. “الله الذي يبرر. من هو الذي يدين”[28]. ولكن إن كنت تبغض أخاك الذي تراه، كيف تستطيع أن تحب الله الذي لم تبصره؟[29] إن كنت لا تستطيع أن تحب الله، أو لا ترغب في ذلك، فهذا يعني بوضوح أنك لم تتصالح معه. إذاً أيها الإخوة فلنتشوق “من كل نفوسنا”[30] إلى رؤيته وللمصالحة معه ولمحبته كما أمرنا هو.

من جديد يسمع المرء الرب قائلاً: “طوبى للمطرودين من أجل البِر”[31]. القصد هنا هو أن يفحص المرء نفسه إن كان اضطُهد من أجل أي وصية من وصايا الله، لأنه كما يقول الرسول “وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون”[32]. لهذا يُضيف السيد المسيح هذه الكلمات ويقول: “طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السماوات”[33]. إذاً لماذا وضع المُضطَهَدين والمطرودين في النهاية وأمرهم “كمن له سلطان”[34] بأن يفرحوا ويتهللوا؟ لأن من أظهر توبة مستحقة عن خطاياه ومن ثم تَواضع ووُجد كل يوم مستحقاً للنوح ووديعاً، ذاك الذي يجوع ويعطش بنفسه من أجل شمس البر، يكون مباركاً ورحيماً. فهو يتبنى كل أهواء الناس وأحزانهم وضعفاتهم. وهو إذ يبكي ويتنقى، يرى الله ويتصالح معه ويصبح بالحقيقة صانع سلام ويستحق أن يُدعى ابناً لله. هذا الشخص يستطيع أن يحتمل كل شيء بفرح وسعادة لا تُوصف حتى لو كان مُضطهداً ومضروباً ومُهاناً ومظلوماً أو حتى لو كان يسمع كل باطل ضده. فالرب سيدنا إذ يعرف هذا أعلن بوضوح “افرحوا وتهللوا”. لكن مَن لم يصل إلى هذه الحالة ولا يمتلك الفرح الجوهري الوافر في داخله، كيف له أن يحتمل كل هذه الأمور بدون أفكار حاقدة؟ إنه غير ممكن.

إذاً أيها الآباء والإخوة، لا نتوقفنّ عن فحص أنفسنا وامتحانها[35] بحماسة شديدة، يوماً بيوم، وحتى ساعة بساعة إن أمكن. لا بل، كما قلنا، فلنمر بالوصايا ونرَ أنفسنا من خلال فحص ذواتنا ومراقبتها في كل منها. إذا وجدنا أننا نستوفيها، فلنعطِ شكراً للرب سيدنا ومن تلك اللحظة وصاعداً فلنحفظها بلا خطأ. أما إن كنا إلى الآن قد نسينا وفشلنا في حفظها، فأنا أرجوكم أن نسرع ونغمرها ونتمسك بها، خشية أن نُحتقر وندخل كالأصغر في ملكوت السماوات[36]. إذاً نحن نصل إلى مدينة الملكوت، كما أعلم جيداً، من خلال صعودنا السلم درجةً درجة. هناك، كما ذكرت سابقاً، يقف ربنا ملوّحاً وقائلاً لنا “تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين وثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”[37]. وعندما نصل إلى هناك نراه، بحسب قدرة الإنسان على أن يرى، ونأخذ من يديه الملكوت، الذي هو الروح القدس ويكون فينا بشكل ثابت[38]، كما يعلن الرب نفسه. إذاً علينا أن نعيش كالملائكة على الأرض أو بالأحرى كأبناء لله. علينا أن نكون مقدَّسين، وفي كل شيء لله[39] أبينا. على رجاء أن نتمتع بالرؤية الأكثر عذوبة الآن وكل آن وإلى دهر الداهرين. آمين.

[1] لو42:12. في هذه العبارة إشارة الى الآية: “من هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على خدمه ليعطيهم العلوفة في حبنها”. هذه الإشارة أوضح في النص اليونانية إذ يستعمل عبارة sitomeJtrion الواردة نفسها في الآية، لكن الصياغة في الترجمة العربية غير ممكنة باستعمال العبارة نفسها.

[2] مت18:5

[3] مت19:5

[4] يع23:1

[5] مت17:4

[6] مت3:5

[7] 1كو28:11

[8] مت6:6

[9] مت4:5

[10] مت5:5

[11] مت6:5

[12] 1كو30:1

[13] ملا2:4

[14] فيل8:3

[15] مت7:5

[16] 2كو9:8

[17] يع27:1

[18] أي25:30

[19] رو8:12

[20] حك13:7

[21] مت8:5

[22] رو10:5

[23] مت9:5

[24] أف7:2

[25] رو10:5

[26] أف13:2

[27] يو12:1ومت9:5

[28] رو33:8-34

[29] 1يو20:4

[30] مر30:12

[31] مت10:5

[32] 2تيم12:3

[33] مت11:5-12

[34] مت29:7

[35] اكور3:4

[36] مت19:5

[37] مت28:11

[38] لو21:17

[39] أف1:5

الأخلاق المسيحية – الصلاة الربيّة

الأخلاق المسيحية – الصلاة الربيّة
القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس
نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

57. ما هي الصلاة التي أعطانا السيّد؟
أعطانا الصلاة الربيّة، الأبانا.
58. ما هي الصلاة الربيّة؟
إنّها الصلاة التي أعطاها المخلّص يسوع المسيح لتلاميذه ورسبه القديسين، ومن خلالها أعطانا الشكل والطريقة اللذين ينبغي اتّباعهما في صلاتنا وما ينبغي أن نطلبه قبل كل شيء.
59. ما هو شكل الصلاة الربّية؟
إنّه التالي: “أبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ.” (متى 9:6-13).
60. ما هو عدد أجزاء الصلاة الربيّة؟
هناك ثلاث أجزاء: المقدمة، صلب موضوع والخاتمة.
61. أي هي المقدمة، وأي هي الخاتمة وأي هي صلب الموضوع؟
المقدمة هي “أبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ”، “لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ” هي الخاتمة، وكل ما بينهما هو الموضوع.
62. ماذا نتعلّم من مناداة “الأب”؟
بمناداة “الأب” يتعلّم المسيحي عن العلاقة بالله كابن لله تمّ تبنيه بالنعمة الإلهية بابن الله الذي صار إنساناً، اي مخلّصنا المسيح. إذاً، “رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا:«يَا أَبَا الآبُ»” (غلاطية 6ك4). يقول الإنجيلي يوحنا: ” وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.    اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ” (يوحنا 12:1-13).
63. ماذا نتعلّم من مناداتنا “أبانا”؟
بهذه المناداة نتعلّم أننا إخوة بالروح، كأبناء لنفس الأب، وأننا مدينون بأن نحب بعضنا بعضاً كإخوة. “إنّه يربّينا لنقدّم صلاتنا مشتركة من أجل ذواتنا ومن أجل إخوتنا” (الذهبي الفم).
64. ماذا نتعلّم من عبارة “الذي في السماوات”؟
نتعلّم أن إلهنا وأبانا، الذي هو خالق كل الكون، يسكن في السماوات، وأن السماوات هي عرشه والأرض هي موطئ قدميه. (مزمور 18:103). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “انتبهوا للمعنى الدقيق للعبارة، كيف ينصحنا..” قيل أنّه يسكن في السماوات، لأن السماوات تذيع مجد الله. مكان سكنى الله هو أيضاً قلب الإنسان، وهذا ما كشفه لنا السيد عندما قال: “إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً.” (يوحنا 23:14).

التوسّل الأول: “ليتقدّس اسمك”
65. ماذا نتعلّم بهذا التوسّل؟
يعلّمنا التوسّل الأول أنّ أول ما ينبغي السعي إليه هو مجد اسم الله عن طريق التآزر الإلهي. وكما يلاحظ الذهبي الفم، عبارة المستعملة هي “ليتقدّس” بدلاً من “ليتمجّد”. نتعلّم من هذه الجملة أنّ علينا أن نتبع الفضيلة في حياتنا، حتّى بهذا نمجّد أبنانا السماوي (الذهبي الفم، كيف نتصرّف بطريقة ترضي الله). لهذا السبب بالتحديد أوصانا السيد: “فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.” (متى 16:5). اسم الله وقدّس وفائق القداسة “لأن الله قدوس وكليّ القداسة، وفائق القداسة مقارنة بكل القديسين. هذه هي بالتحديد الترنيمة التي يرفعها السيرافيم بأصوات لا تفتر: قدوس قدوس قدوس، رب الصباؤوت، السماء والأرض مملوءتان من مجدك” (الذهبي الفم). عندما يقول من ثمّ عبارة “في السماوات”، فإنّه لا يحصر الله فقط هناك، بل هو يقود الإنسان المصلّي أعلى من الأرض، ويركّزه على سهول أسمى وعلى السكن فوق” (الذهبي الفم).

التضرّع الثاني: “ليأتِ ملكوتك”
66. ماذا نتعلّم من التضرّع الثاني؟
نتعلّم أنّه علينا أن نسعى أولاً إلى ملكوت الله وبِرِّه، بحسب ما يأمرنا في تعليم آخر، حيث يقول أن كلّ ما نحتاج إليه من الأشياء الأخرى يُضاف لنا (متى 33:6). بهذا التضرّع الثاني نسأل أن يُستعاد ملكوت الله بيننا، وهذا كان غاية مخلّصنا، حتّى الخطيئة لا تسود فيما بيننا من بعد، كما علّمنا بولس بقوله: “إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ” (رومية 12:6). لهذا تلسبب يقول الذهبي الفم أيضاً: “لأننا كنّا مظلومين بأهواء الجسد، وتعرّضنا لآلاف من من هجمات التجربة، فقد كنّا بحاجة إلى ملكوت الله، حتى لا تسود الخطيئة على جسدنا المائت، ولا نطيعه في شهواته، ولا نقدّم أعضاء جسدنا للخطيئة كمستودع للظلم..” ملكوت الله هذا على الأرض هو مجموع الخيرات الأخلاقية، تجديد البشرية إلى ما هي عليه بنور الإنجيل، وتأسيس “للبِرٌّ والسَلاَمٌ وَالفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ (رومية 17:14).

التوسل الثالث
“لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض”
67. ما هي مشيئة الله؟
المشيئة الأوليّة لله هي أن نؤمن بابن الله ونطيع كلماته. الله نفسه أعلمنا بذلك بالصوت الذي اتى من السماء وأعلن ما يلي: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سُرِرت، فله اسمعوا.” إن تحقيق هذه المشيئة يستتبع تحقيق كل الرغبات الإلهية الأخرى.
68. إذاً ما الذي نطلبه من الله في التوسّل الثالث؟
نسأل الله أن ينير كلّ العالم لكي يأتوا إلى معرفته ويؤمنوا بابن الله ويطيعوه، وهكذا تتحق الإرادة الإلهية على الأرض بالبشر، كما هي محققة بالملائكة في السماء، فيتمجّد الإله الحقيقي، المثلّث الأقانيم، على الأرض كما هو ممجد في السماء، وتسود مملكة الله على الأرض كما تسود في السماء، وتتمتع البشرية بالحياة الأبدية.
69. ماذا يقول المخلّص عن الإرادة الإلهية؟
إنّه يقول ما يلي: ” لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ… وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ.” (يوحنا 40:6، 17: 3).

التوسّل الرابع
70. ما الذي نطلبه في التوسّل الرابع؟
يعلّمنا المخلّص من خلال التوسّل الرابع أن نطلب من الله الأشياء الضرورية لمعيشتنا. من ثمّ، إذ قد علّمنا أن نطلب الأمور الروحية، يتابع ليشدد على أنّ علينا أن من الله كل ما هو ضروري لمعيشتنا. يقول الذهبي الفم القديس: “أنت يا مَن تبني شجاعتك على الله، اطلب فقط غذاءك اليومي، واترك له الاهتمام بالغد، على ما يقول داود المبارَك: “أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ.” (مزمور 22:55)

التوسّل الخامس
“واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمَن لنا عليه”
71. ما الذي نطلبه بالتوسّل الخامس؟
بالتوسّل الخامس نتعلّم ان نطلب من الله المغفرة عن خطايانا، لأنها تخرجنا من ملكوت الله. وبما أننا في مطلق الأحوال ملزَمون على المساهمة في استعادة ملكوت الله على الأرض، وبما أنّ الذين أخطئوا إلينا أخطئوا إلى الله وتغرّبوا عن ملكوته، نحن ملزَمون بالغفران لهم وبألا نحسب ما لنا عندهم، حتّى يغفر الله لهم ونساهم في استعادة ملكوت الله على الأرض. يعلّمنا مخلّصنا تعليماً آخراً يظهر أن غفران ما على مَن لهم علينا شيء، هو شيء متوّقَّع إذ يقول: ” فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ.” (متى 14:6-15). وبالطبع، يسأل المخلّص الأمر نفسه ممن لهم علينا: ” فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ.” (متى 23:5-25) غاية هذا التوسّل الخامس هي استعادة ملكوت الله على الأرض عن طريق السلام. هذا منصوص عليه (محدد) في قول الرسول بولس: “إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ.” (رومية 18:12). علينا أن ننتبه إلى أنّ خطايانا تُسمّى “ما علينا” أي أنّها ديون لأنّهت بحكم أنها أعمال ظلم فهي تجعل مرتكبها مديوناً للذي وقع تحتها.

التوسلان السادس والسابع
“لا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير”
72. ما الذي نتعلّمه في هذين التوسلين الأخيرين؟
بالتوسل السادس نتعلّم أن نطلب من الله ألاّ يأذن للشيطان الخبيث بأن يجرّبنا فوق طاقتنا، كما أن يسود علينا. وفي التوسل السابع نطلب أن يخلّصنا من الشرير الذي يهاجمنا بطريقة غادرة ويرمي علينا سهاماً ملتهبة.

الخاتمة
“لأن لك الملك والقدرة والمجد، إلى الأبد. آمين”
73. ماذا نتعلّم من الخاتمة؟
بالخاتمة نعترف بأن الآب السماوي الذي استدعيناه هو ملك السماوات القادر الكلي القوة الممجَّد الذي بيده كل الأمور والذي يستطيع ويقدر أن يستجيب لكل توسلاتنا.

74. ماذا يقول السيد في نهاية الصلاة عن ترك خطايا مَن لنا عليهم؟

“فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ.” (متى 14:6-15).

75. ما الذي يعبّر عنه السيد بهذا التفكير؟

إنّه يعبّر عن الشرط المطلَق المتعلّق بالصلاة الربّية.

76. إلامَ تشير الأمور المذكورة أعلاه؟

إنّها تشير إلى الرجاء الذي ينبغي امتلاكه في علاقتنا مع الله.

77. إلامَ يشير هذا التعليم وما هي نقطته المركزية؟

إنه يشير إلى كمال خُلُق أتباع السيّد ونقطته المركزيّة هي الأسس الأخلاقية لناموس الإنجيل.

78. أين يبدأ المخلّص ليطوّر تعليمه؟

يبدأ بالصوم.

79. أيمكن أن نفهم السبب الذي جعل السيد يبدأ من الصوم؟

بالتأكيد. بدأ المخلّص من الصوم لأنّه انتهى بالصلاة، والصوم والصلاة مرتبطان بشدّة. فالصوم المقدّس الذي يُتَّبَع لتطهير القلب ورفع الفكر محرّكه هو الصلاة والعبادة النقيّة لله.

في التقشف وطول الأناة

في التقشف وطول الأناة

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي

إخوتي وآبائي

بما أنني دائماً ضعيف في الروح والجسد من خلال سقوطي وإهمالي بالإرادة والمزاج، كان الأفضل لي أن أحفظ الصمت وأنظر فقط إلى أعمالي إلى أن أتمكن من تجاوز أخطائي ووضعها تحت سيطرة الأفكار الحسنة0 أتمنى لو كان لي أن أستمتع كلياً بسلام الروح وأن أخرج من انشغال الفكر بالتراب والأرض وأدخل ميناء راحتنا المباركة! لكنكم اخترتموني رئيساً لشركتكم المقدسة وهكذا عليّ أن أحض محبتكم لأن خلاص أخّوتكم يعطيني التعزية0 بالرغم من أني ضعيف الروح، لكنكم سوف تكونون مخلصين بصلوات مَن هو أبي وأبيكم0 لهذا، ومع أني غير قادر على فتح فمي وبالكاد أقدر على كتابة موعظتي وتوجيه تذكير لأخوتكم، فأنا أناشد محبتكم جدياً كخدام حقيقيين للمسيح بأن تصلوا من أجلي في حالتي البائسة هذه كيما أنا أيضاً أحصل على الخلاص معكم وأعد معكم في مسيري على طريق وصايا الله0

لهذا أنا أنصحكم وأتوسل إليكم في المسيح يسوع أن تنتبهوا لأنفسكم0  فليفكر كل منكم بحكم رزين” لا يرتأي فوق ما ينبغي أن يرتأي”[1]0 لا تنظروا إلى حياتي المهملة المخبلة إنما اتبعوا خطوات سيدنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي سوف نقدم له حساباً عن أنفسنا كالقاضي العادل المعصوم0 إمنحوني هذا السبب للإفتخار. فبالرغم من أني لوحدي ماضٍ إلى الهاوية لتهاوني، لكني أنقذتكم من الفخاخ بالصراخ عالياً. وبالرغم من أنه عليّ أن أتفجع وأندب إهمالي لكي أجد اكتفاءً برؤيتكم تحلقون عالياً فوق فخاخ الشيطان0 لهذا يا  أحبائي، احفظوا بدون خطأ وصايا الله فتخلصوا كالغزال من الشرك وكالعصفور من فخ الصيادين0

الوصية الأولى هي محبة الله من كل القلب والثانية هي محبة الآخرين كما أحب الله العالم[2]0 المحبة الأصيلة تُعرف بهذه العلامات: لا تنتفخ، لا تطلب ما لنفسها ولا تحسد[3] الأخوة لكنها تندفع لفعل الخير0 أن لا تتفاخر[4]، ولا تتذمر[5] ولا تجادل على أي شيء سواء كان كبيراً أو صغيراً. المحبة تتلافى الشبع ليس فقط من المأكولات المختلفة إنما أيضاً من الماء إذا أمكن خاصة في هذه الأيام من الصوم0 لأن الذي يندم بصدق واجتهاد الآن يحصل من العلاء على غفران كل الإساءات التي صنعها خلال السنة كما هو مذكور في الكتاب0 تعلمون أن التوبة المتوهجة المصحوبة بالدموع التي تنبع من عمق القلب سوف تذيب وتحرق قذارة الخطيئة كالنار وتطهر النفس التي تنجست0 وفوق هذا، فالندامة من خلال افتقاد الروح القدس تمنح سيلاً عارماً من النور للروح فتمتلىء به رحمة وأعمالاً صالحة[6]0 لهذا أيها الأخوة والآباء أصلي لكي نستعمل الصيام في هذا الأسبوع الثالث من الصوم وفي الأسابيع التي تتبع بزيادتنا كل يوم حماساً إلى حماس واندفاعاً إلى اندفاع حتى نصل متألقين بالجسد والنفس معاً إلى أحد الفصح0

كما ترون، لقد قطعنا بمعونة الله بحر هذا الأسبوع الثاني من الصوم بشجاعة وإرادة قوية0 أنا أشهد بأنكم لم تقصّروا في الحصول على بركات الصوم، إنما قضيتم الليالي في ترتيل المزامير بانتباه واحتفظتم بتقشف نشيط. تابعوا ذلك مقتنعين بالمغريات والذبذبات الموضوعة أمامكم0 أنا أعرف أن بعضكم يجلس حتى أمام هذه الوجبات البسيطة ويحسب نفسه غير مستحق للمشاركة فيها بقلب منكسر وروح منسحقة[7]0 وفوق هذا، عندما انتبهتم إلى أنفسكم وإلى عملكم اليدوي مكثتم في الصمت المتواضع بنفوس ملأى بدموع الندامة والصلاة والتضرع والجهاد الروحي وحني الركب0 لقد تغيرتم بشكل مدهش رائع واكتسيتم المنظر الأكثر نسكاً وجمالاً0

أما الآن، بما أننا سوف نجرد أنفسنا للجهاد الأخير في الصوم، أنا أتوسل إليكم بأن نكافح في هذا الأسبوع المقدس من الصوم الشريف لنحفظ العيار نفسه لمجهودنا كما في الأسابيع التي مرت0 نحتاج إلى اعتدال وحماس عظيمين حتى لا نقضي أيامنا مثل أولئك الذين في العالم0 أنتم تعرفون كيف يعتبرون أنهم عبروا الصوم المقدس عند انتهاء الأسبوع الأول0 إنهم لا يتخيلون ذلك فقط بل يقولونه لبعضهم وللآخرين0 ولكن يجب أن نحترس جداً من أن نتخيل ونحكي لبعضنا كما يفعلون ونبدو كأننا أنكرنا نذرنا0 بالنسبة لنا، نحن الذين هجروا العالم وصُلبوا له وكرسوا كلياً لله، لم يعطَ لنا فقط هذا الموسم لقانون التقشف إنما حياتنا كلها0 في هذه الحياة نرى إلزامية التقيد بالتقشف بدون عذر0 ألسنا ملزمين بأن نفعل هذا كل الوقت؟ ألم ننذر الجوع والعطش والعري[8] وتحمّل كل الأشياء بفرح؟ ألا ينبغي بنا أن نفعل هذا بشكل خاص في موسم الجهاد الصيامي؟ إن كنا لا ننوي أن نصنع ذلك كل أيام حياتنا، وبالمقابل فضلنا الضحك والكلام التافه والعبث والمجادلة، فكيف نتميز عن غير المؤمنين والوثنيين؟ بالحقيقة بلا شيء. فإن كان البحث والجري وراء الخبز والخمر واللباس يجعلنا كالوثنيين[9]، فإن هذا التصرف الذي ذكرت أولاً سوف يساوينا بهم، وهو أسوأ وأكثر خطيئة من هذه الأشياء الأخيرة؟ ألن يصح فينا قول النبي”قيس بالبهائم التي لا عقل لها وشبه بها”[10]0

يا أخوة، فلنطع الله الذي يعلن لنا كل يوم من خلال رسوله بأننا “إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص”[11]0 وهو أيضاً يقول” لا تهتموا قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس000 لكن أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم”[12]0 ولكن لتمنعوا أياً كان من القول “إذا تأخر في العطاء وأنا ليس لديّ شيء لآكل ماذا أفعل؟” وهو يقول: “انظروا إلى طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها”[13]0 هو أيضاً يقول: “يا قليلي الإيمان ألستم أفضل من عصافير كثيرة؟”[14]0 وحتى لا تتذمروا بجبن من أجل الأكل والشراب هو يصرخ عالياً إلينا “طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون”[15]0

لهذا إذا كنت تصدق المسيح وتعترف أن لا غش فيه، فعندما تكون جائعاً أو عطشاناً وليس لديك شيء لتأكل وتشرب وتسأل وكيل المؤونة أن يعطيك خبزاً أو خمراً أو شيئاً للأكل ولا يعطيك، ربما لأنه مشغول، فكّر واسترجع كلمات السيد وقل  لنفسك: “أنا جائع وعطشان لكني أنتظر الرب بصبر[16] وهو سوف يتصرف بحسب ضعفي ولن يتخلى عني”0 كن إذاً صبوراً يا أخي وسوف يكون لك مكافأة كبرى من الله0 اصنع الشيء نفسه مع كل التجارب التي تلاقيها0 بهذه الطريقة تصبح موضع احترام في هذه الحياة الحاضرة، وفي الحياة الآتية تُعَد بين الشهداء0 كم من الأخوة بالمسيح يتوقون إلى بعض الماء البارد وهم مطروحون في الزاوية يشكرون الله بدل الانتقال إلى الغضب وترديد التجديف؟ أما نحن فلنا بنعمة المسيح مؤونة لا تنضب لكل حاجاتنا المادية، ولنا الكثير فوق ذلك، كله من خلال عطاياه السخية0 فإذا كان أحدنا لا يملك شيئاً ويتمادى أكثر إلى التجديف فأي غفران يستحق؟ وأنا أعرف أنني بقولي هذه الأشياء أدين نفسي وكلماتي سوف تدينني سريعاً، ولكني أصلي لأن تكون لكم للتذكير0

إذاً فكروا بفائدة أيام الصوم التي مرت، كيف قضيتموها وكم هو عظيم حماسكم0 أتوسل إليكم، جاهدوا لإنهاء الصوم كله بهذه الطريقة نفسها0 على كل منكم أن يفتكر بسيرتكم الحسنة، بعظمة ورعكم وتواضعكم وحماستكم واهتمامكم بالقوانين الطقسية وعملكم اليدوي0 أيضاً أحضّكم أن لا تنسوا الصوم الذي يذبح الأهواء، والتقشف الذي يطهر، ولا تنسوا أن تتصرفوا بالطريقة نفسها0 حتى لو أنه كثيراً ما يتغير الأكل وأنتم تتعزون بذلك احفظوا عزمكم غير متزعزع وقانونكم ثابتاً0 فإذا أكلتم أكثر من العادة اعملوا بحماس أكثر في أعمال الرب لتمنعوا الراحة من أن تكون فرصة للكسل والضرر بدلاً من الشكر والفائدة0 أيضاً يا إخوتي كونوا معتدلين رزينين0 كما أخبرتكم اتبعوا ما صنعتم الأسبوع الفائت واحفظوا الأسبوع الذي يبدأ بدون أكل سمك ولتكن سيرتكم بخوف الله0 لا تنبذوا مهماتكم وأعمالكم اليدوية لتمشوا بدون هدف وبتبذير وتعرضوا أنفسكم لشيطان الضجر0 ولكن إذا وجد أحدكم أخاه واقفاً أو جالساً عند مروره به فليصنع له سجدة بحماس ويكمل طريقه فقد يعود الأخ العاطل عن العمل إلى رشده ويستحي بنفسه ويرجع إلى عمله0 وهكذا إذا تصرف كل منكم بهذه الطريقة فينجو من دينونة البطالة والكلام التافه0

ألم تسمعوا ماذا روى الرجل المبارك زوسيما[17] عن أولئك الرجال الذين كانوا معه في نفس الدير بتدبير الله، كيف تركوا الدير وقضوا الصوم كله في البرية؟ لم يلتقِ أحدهم الآخر وإذا التقى الآخر صدفة كان يهرب منه ويتلافاه0 لم يحتملوا أن يكون الواحد مع أي من الآخرين0 وبالشكل نفسه عندما عادوا إلى الدير لم يسأل أحدهم الآخر عمّا رأى أو صنع في البرية بل كل منهم يتصرف كأنهم غرباء ومنفيين ورجال من لغات مختلفة0 برأيي، لم يصنعوا ذلك إلا لأنهم تبعوا بصراحة قانون عدم التكلم بما هو تافه0 إذا كان أولئك الرجال تمكنوا من قضاء هذه الأيام أو هذه السنوات بدون التحدث أبداً أحدهم مع الآخر، ماذا عنا نحن الذين لا نبتعد عن المحادثات والكلام الباطل لأيام قليلة؟ ولماذا أحكي عن أيام؟ لا يمكننا احتواء أنفسنا لساعة واحدة0 ماذا نفعل يا إخوتي إذا أتى الرب ديّان العالم كله فجأة ووجدنا في هذه الحالة، وهو من يطلب منا حساباً عن كل كلمة باطلة في يوم الدين؟ الجسد يشتهي هذا الروح[18] بشهواته وحرارته ويشن حرباً شرسة ضد النفس0 البطن يريد المأكولات المختلفة لأنه صُنع لهذا الهدف0 إن لم نضبط عادة اللسان، التي هي مهمة خفيفة وسهلة، كيف لنا أن نكبح هذه الأهواء الكبيرة القوية المتسلطة على طبيعتنا حتى على الشهوة واللذة؟

إذاً يا أخوة لنبدأ من اليوم بالجري بكل قوانا ونرمي وراءنا كل الشهوات التي تتحكم بنا، حتى نحلق كنسور ذوي جوانح ذهبية ونصل إلى فصح السيد حيث دخل المسيح ربنا كسابق لنا[19]0 إذا وافقتم فسوف يكون قانوناً بيننا أنه إذا وجد اثنان تاركين نفسيهما للبطالة والأحاديث في ما عدا السبوت والآحاد فلن يكون لهما شيء ليأكلاه في ذلك اليوم إلا الخبز الناشف والملح والماء البارد وذلك وقوفاً عند آخر الطاولة. بهذا القانون فإنكم تحفظون أنفسكم بلا ملامة لجهة الكلام البطال والجدال0 وهكذا تخدمون الله الذي من أجله جعلتم حارساً للفم وباباً حصيناً على الشفتين[20]0 بهذا العمل، أنتم تريحونني وتملأون نفسي الفقيرة بالبهجة أنا أباكم غير المستحق0 سوف تنشئون لأنفسكم مكسباً غير قليل إذ ترشدون أنفسكم بقاعدة جيدة وعادة محترمة من أجل محبة المسيح0 وبالنتيجة فسوف تستحقون الاحترام والتقدير من كل الناس0 من خلالكم سوف يتمجد الله لأنكم سوف تظهرون مقلدين لحياة القديسين في هذا الجيل وهؤلاء بنظري ليسوا موجودين بيسر في أيامنا هذه لا في البلاد التي نعيش فيها ولا بين الرهبان والأديرة التي نسمع عنها0

هكذا أتوسل إلى محبتكم يا آبائي القديسين وخدام المسيح، لا تتجاهلوا كلام أبيكم غير المستحق ولا تتركوا أقوالي تظهر كالهباء الصرف0 بالرغم من أني ضعيف ومليء بعشرات الآلاف من الأخطاء انتبهوا وتحققوا من أني لم أعظكم أي نصيحة من خارج وصايا الله والكتاب المقدس0 إذاً اصنعوا بداية حسنة0 شجعوني قليلاً حتى أستعيد قوتي بصلواتكم المقدسة وأرفع رأسي وأنظف وجهي وأغسل عيني وأستيقظ من التهاون والنوم العميق0 بمقابل المنافع التي اكتسبتموها مني أنا خادمكم غير المستحق اسمحوا لي أن أطلب محبتكم بقدر ما أستطيع وليس بقدر ما أستحق بهذه الكلمات التي أنطق بها بنعمة الرب، إذا فُتح فمي الدنس0 بالفعل يا إخوتي، أنا أصلي ألا تتجاهلوا طلبي بل كما منحتموني أن أتكلم بحضرتكم امنحوني إرادتكم0 بقدر ما تقطعونها تحيون حياة الشهداء ورياضيي المسيح0 أنا من جهتي سوف أقدّم من اليوم وصاعداً نفسي وجسدي أيضاً كميت طوعياً من أجلكم0 وأصلي أن يكون هذا كغذاء لي على طريقي إلى الحياة المقبلة في المسيح يسوع ربنا له المجد والعزة مع الآب والروح القدس الآن وكل آنٍ وإلى دهر الداهرين آمين0

 

 


[1] روم 3:12

[2] يو 16:3

[3] اكو 2:13

[4] اكو 4:13

[5] اكو 10:10

[6] يع 17:3

[7] مز 34: 19

[8] اكو4: 11

[9] متى 6: 31 ، لو 12: 29

[10] مز 48: 20

[11] اكو 8:8

[12] متى 6:31 و 33

[13] متى 6:26

[14] متى 10:31

[15] متى 5:6

[16] مز 40:1

[17] كاتب سيرة القديسة مريم المصرية.

[18] غلا 5: 17

[19] عب 6:20

[20] مز 141: 3

المحبة الفعليّة الكاملة

المحبة الفعليّة الكاملة

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي

أيها الإخوة والآباء

إن من يتظاهر بالفضيلة فيما يضلل ويفسد كثيرين هو بالحقيقة بائس ومدان وممقوت من الله والناس. بالمقابل، بديهي أن الخالي من الهوى فيما يتظاهر ببعضه من أجل خلاص ومنفعة الكثيرين هو مستحق للمديح ومبارك كما يعلمنا الآباء القدماء. لعب الشيطان دور الحية والمرشد، وفي ظهوره حسناً ونافعاً جلب الموت وخسّر الإنسان الله وكل ثمار الجنة، وأظهر نفسه كقاتل وعدو لله. لهذا إن من يتظاهر بالشر فيما يردد كلمات بارعة لكي يعرف ما يحقق الشر من خلال الذين يظهرون الفضيلة والطاعة ولكي يعيد الأشرار إلى الندامة والخلاص والاعتراف بخطاياهم، هو بالحقيقة “متمثل بالمسيح”[1] ومسار عامل لله ومنقذ للناس. لكن هذا العمل هو فقط لأصحاب الحس غير المتأثر بهذا الجو أو بحس العالم وأشيائه، الذين لا تتأثر أفكارهم بالمرئيات بل قد ارتفعت عن مستوى الجسد. أتكلم عن مساوي للملائكة، المتحدين كلياً بالله، الذين امتلكوا المسيح كلياً في نفوسهم بالفعل وبالاختبار وبالإدراك وبالمعرفة وبالمعاينة .

إن التنصت أو التجسس على أعمال قريبنا أو أقواله هو شر أكيد خاصةً إذا كان بهدف انتقاده أو تشويه سمعته أو إفشاء ما رأينا عندما تسنح الفرصة. بالمقابل هذا ليس مرذولاً إذا كان لتصحيح قريبنا بالنصح والحكمة والروية وللصلاة من أجله بدموع وبنفس منسحقة. بالحقيقة، لقد رأيت رجلاً اجتهد ألاّ يفوته شيء مما يقول أو يفعل رفاقه. لم يفعل ذلك ليضرهم إنما لينصحهم ويحذرهم من الأفكار والأفعال الشريرة، وذلك بتحريك أحدهم بالكلمة والآخر بالهدايا أو بطرق أخرى. بالفعل، لقد كنت أراه في بعض الأوقات يندب أحدهم أو يتأوه على آخر. أحياناً كان يلطم وجهه أو صدره من أجل شخصٍ ما معتبراً نفسه أخطأ عن الآخر وينظر إلى نفسه كأنه الخاطئ ويعترف إلى الله مرتمياً لديه بحزنٍ جارح. وقد رأيت فرح أحدهم عظيماً لنجاح المجاهدين إذ كان يستحسن تقدمهم وكأنه هو مَن سوف يكافأ عنهم لفضيلتهم ومجهودهم. أما لأولئك الذين سقطوا في كلمة أو عمل فكان يندب وكأنه فعلاً مسؤولاً عن هذه الأشياء وعليه أن يقدم حساباً عنهم ويتحمل الجزاء. لقد رأيت أيضاً رجلاً آخراً مندفعاً ومملؤً رغبةً بخلاص إخوته حتى أنه كان يتوسل إلى الله، محب الإنسان، بكل نفسه وبدموع ساخنة، إما أن يخلص إخوته أو أن يدان معهم. موقفه كان مثل موقف موسى أو حتى مثل موقف الرب نفسه، إذ أنه لم يرضَ أن يخلص وحده. ولأنه كان مربوطاً بهم روحياً بالمحبة المقدسة في الروح القدس، لم يُرد أن يدخل مملكة السماوات إذا كان هذا الدخول يعني الافتراق عنهم. يا للرباط المقدس! يا للقدرة التي لا توصف! يا للنفس ذات الأفكار السماوية أو بالأحرى المحمولة من الله والمكَمَلة بمحبة الله والقريب.


إذاً مَن لم يصل بعد إلى هذا الحب ولم يرَ أياً من ملامحه في نفسه ولا أحس  بحضوره، لم يزل مرتبطاً بالأرضيات راسخاً فيها. كلا، الأحرى أن طبيعته هي أن يخفي نفسه كالفأر الأعمى في جوف الأرض لأنه أعمى مثله ولكن قادر فقط على سماع المتكلمين على الأرض. أي سوء حظ هو أن الذين ولِدوا من الله وأصبحوا خالدين و”شركاء الدعوة السماوية”[2] و”ورثة الله ووارثون مع المسيح”[3] وسيرتهم “هي في السماوات”[4]، لم يتوصلوا بعد إلى إدراك عظمة هذه النعم. نحن بلا إحساس كالحديد الملقى في النار أو كجلد الحيوان الميت الذي لا يحس عندما يُغَمس في الصبغة القرمزية. إن هذا هو موقفنا مع أننا في وسط بركات الله العظيمة ونعترف أننا لا نحس بها في داخلنا. وهكذا فنحن نتباهى وكأننا مخَلَّصون ومحسوبون بين القديسين، وندّعي ونزخرف أنفسنا بقداسة مصطنعة كأولئك الذين يقضون حياتهم في التعاسة كموءَدين في قاعة الموسيقى أو المسرح. نحن كالمهرجين والمومسات الذين ليس لهم جمال طبيعي و بغباء يفكرون أن يجملوا أنفسهم بمستحضرات وألوان إصطناعية. كم هي مختلفة هيئة القديسين المولودين من فوق[5].


عندما يأتي طفل من رحم أمه، يحس الهواء لاشعورياً ويندفع عفوياً نحو البكاء. فعلينا أن نعلم أن أتي المولود من فوق من هذا العالم كما من رحم مظلم، فهو يدخل في الضوء الفكري السماوي وبينما هي يحدق به بإمعان يمتلئ بفرح لا يوصَف. وبينما يفكر طبيعياً بالظلمة التي وُلِد منها، يذرف دموعاً بلا تعب. هكذا يبدأ المرء أن يُحسَب بين المسيحيين. أما الذين لم يلجوا معرفة هذا الجمال ومعاينته، الذين لم يلتمسوها بصبر عظيم وتأوهات ودموع لكي يتنقوا ويصلوا إليها، كيف لهم أن يُدعوا مسيحيين؟ إنهم ليسوا مسيحيين بالحقيقة! إن كان “المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح”[6]، فإن لم يفتكر المولود بالجسد ولم يؤمن بأن على الإنسان أن يولد بالروح أو أن يسعى إلى ذلك، كيف له أن يصبح روحانياً ويحسب نفسه بين الروحانيين؟ قد يدخل خلسةً كالذي يرتدي ملابس فاحشة، ولكن ما أن ينضم إلى القديسين لابسي ثياب العرس في العيد الملوكي، حتى يُلقى خارجاً مغلول اليدين والرجلين. فهو ليس ابناً للنور[7] بل من لحم ودم[8] وسوف يُرسَل إلى النار الأبدية “المعدة لإبليس وملائكته”[9]. من تلقّى السلطان ليصبح ابناً لله[10] ووارثاً لملكوت السماوات والبركات الأبدية، الذي تعلم بشتى الطرق ما هي الأعمال والوصايا التي يجب أن ينشأ عليها إلى هذا المجد والكرامة، ومن ثم احتقر كل هذه الأمور وفضل الفانيات والأرضيات مختاراً الحياة القذرة ومفتكراً أن المجد العابر أفضل من الأبدي، كيف لن يُفصَل بعدل عن كل المؤمنين ويُدان مع الخائنين ومع الشيطان نفسه؟


لهذا أرجوكم جميعاً، أيها الإخوة والآباء، أن تجاهدوا ما دام زمان ولم نزل بين الأحياء. إسعوا لتصبحوا أبناءً لله وتُحسَبوا بين أبناء النور، لأن من هذا تأتي الولادة من فوق. “لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم”[11]، لا تحبوا الجسد والشهوات التي تنبع منه. ابتعدوا عن كل شهوة رديئة وطمع[12] حتى عن أبسط مظاهرها وأدواتها. بإمكاننا أن نفعل ذلك إذا حفظنا في ذهننا عظمة ذلك المجد والفرح والسرور التي سوف نحصل عليها في الدهر الآتي. قولوا لي، هل من شيء، في السماء أو الأرض، أعظم من أن نكون أبناءً لله وورثة له ووارثون مع المسيح[13]؟ لا شيء إطلاقاً! وإذ نفضل الأشياء الأرضية والأشياء التي بيدنا ولا نسعى إلى الخيرات “الموضوعة لنا فوق”[14] ولا نفسح مجالاً لها بشوق، نؤمن إثباتاً أكيداً للذين ينظرون إلينا بأننا ضحايا مرض عدم الإيمان كما هو مكتوب “كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض. والمجد الذي من الإله الواحد لستم تقبلونه”؟[15] هكذا، إذ أصبحنا عبيداً للشهوة فنحن مسمرين بالأرض وما عليها ونرفض أن ننظر إلى السماوات وإلى الله. إذ ننخدع بحماقة النفس لا نطيع وصاياه ونتخلى عن تبنيه لنا كأبناء.


أخبروني هل من أحمق أكثر ممَن يتخلى عن طاعة الله ولا يسعى للوصول إلى بنوّته؟ لدى المؤمن بوجود الله أفكار عظيمة عنه. فهو يعرف أن الله هو السيد الوحيد، الخالق، ورب الأشياء جميعاً، وأنه لا يموت، أبدي، لا ينتهي، لا يُوصَف، لا يندثر ولا نهاية لملكه. كيف يتردد بوضع نفسه حتى الموت لمحبته لله، لكي يستحق على الأقل أن يكون أحد خدامه الحقيقيين الواقفين إلى جانبه إن لم نقل ابنه ووريثه؟ كل من يجاهد ليحفظ وصايا الله يصبح ابناً لله وابناً مولوداً من فوق ومعروفاً لدى الجميع كمؤمن حق ومسيحي. ولكن إن أهملنا هذه الوصايا وعصينا قوانينه التي سوف يثبتها عندما يأتي ثانية وهذه المرة بقوة ومجد عظيم[16]، سوف نظهر أنفسنا من خلال أعمالنا كغير مؤمنين من جهة الإيمان، وكمؤمنين شفوياً فقط من جهة عدم الإيمان. لا تنخدعوا: بدون أعمال لا ينفعنا الإيمان لوحده لأنه ميت[17]. الأموات لن يكونوا مشاركين في الحياة إلا إذا سعوا إليها أولاً بتطبيق الوصايا. كما ينمو الثمر العصاري، كذلك بتطبيقنا الوصايا تنمو في داخلنا المحبة، الرحمة، الشفقة على الجار، اللطف، التواضع، احتمال التجارب، العفة ونقاوة القلب التي من خلالها نستحق رؤية الله وبها نُمنَح وجود الروح القدس واستنارته. هذا هو الحضور الذي يهب الولادة من فوق ويحوّلنا أبناءً لله. إنه يلبسنا المسيح ويضيء مصابيحنا. يظهرنا أبناءً للنور ويحرر نفوسنا من الظلام ويجعلنا هنا والآن شركاء مدركين للحياة الأبدية.


لا نتكلن إذاً على هذه أو تلك من الممارسات أو الفضائل كالصيام والسهرانيات أو النوم على الأرض وسواها من الإماتات فيما نحن نستخف بتطبيق وصايا الرب وكأن الخلاص ممكن بواحدة دون الأخرى. إنه لمستحيل، مستحيل! فلتحثكم العذارى الخمس الحمقى مع أولئك الذين صنعوا قوات كثيرة بإسم المسيح وبالرغم من هذا، لأنهم لم يملكوا في داخلهم محبة ونعمة الروح القدس فقد سمعوا الرب يقول لهم: “إذهبوا عني يا عمال الظلم لأني لست أعلم من أين أنتم”[18]. ليس أولئك فقط بل كثيرون معهم، رجال عمّدهم الرسل القديسون والقديسون الذين أتوا بعدهم، ولكنهم لم يُوجدوا مستحقين لنعمة الروح القدس لكثرة شرورهم. لم يُظهروا حياة مستحقة لـِ”الدعوة التي دُعوا بها”[19] ولم يصبحوا أبناءً لله بل على العكس بقوا لحماً ودماً بدون أن يؤمنوا بأن الروح موجود أو أن يسعوا إليه أو يتوقعوا الحصول عليه. من أجل ذلك، هكذا أشخاص لن يكونوا أسياداً لشهوات الجسد أو انفعالات النفس ولن يتمكنوا من إظهار أي نبل في الفضيلة لأنه كما قال السيد: “لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً”[20].

وهكذا أتوسل إليكم أيها الآباء والإخوة لنحاول بكل قوانا أن نصبح، الآن وهنا، شركاء عطية الروح القدس حتى نحصل على البركات الحالية والمستقبلية بنعمة ورأفة ربنا يسوع المسيح له المجد إلى الأبد، أمين.




[1] ا كو 1:11

[2] عب1:3

[3] رو17:8

[4] في20:3

[5] يو 3:3

[6] يو6:3

[7] لو 16:8

[8] يو 13:1

[9] متى 41:25

[10] يو 1:12

[11] 1يو 15:2

[12] كول 5:3

[13] رو 17:8

[14] كول 5:1

[15] يو 44:5

[16] متى 30:24

[17] يع 17:2

[18] لو 25:13

[19] أف 4:1

[20] يو 5:15

أعمال الرحمة 22

أعمال الرحمة

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي

أيها الإخوة والآباء

لا ينبغي بي أن أغامر أبداً بالتوجه كمعلم إليكم أو أن آخذ مكان معلم في حضرة محبتكم. لكن كما تعرفون جيداً، فالأرغن الذي يصنعه الحرفي لا يعزف لوحده. بينما عندما تمتلئ أنابيبه بالهواء وتلامسه أصابع العازف بالترتيب المناسب،فيصدر صوته ويملأ الآذان بموسيقاه العذبة. وهكذا الآن معي، تذكّروا أي آلة حقيرة أنا، ولا تتعاطوا بفظاظة مع ما سوف أقول. بالمقابل انظروا إلى نعمة الروح التي من فوق والتي تملأ نفوس المؤمنين “بأصبع الله”[1] الذي ينقر على أوتار الفكر ويحثنا على الكلام. أصغوا بخوف ورعدة[2] إلى صوت بوق السيد، وبكلام أصح، إلى ملك الكل عندما يكلّمنا بأدوات. اسمعوا بفهم وهدوء عظيم.

على كلّ منّا أن يكون متنبّهاً ومنتبهاً لنفسه، سواء كنّا مؤمنين أو غير مؤمنين، عظماء أو حقيرين. إذا كنّا غير مؤمنين، علينا أن نؤمن لكي نصل إلى معرفة الله الذي صنعنا وإلى الإيمان به. وإذا كنا نؤمن فلكي نحيا بحق ونرضيه في كل عمل صالح. فالرهبان المبتدئون يجب أن يكونوا مستمعين للمتقدمين من أجل الرب، والمتقدمون يجب أن يعاملوا المبتدئين كأبناء حقيقيين. أعطى الرب وصية: “كل ما صنعتموه بإخوتي هؤلاء الصغار فبي صنعتموه..”[3]. الرب لم يقل هذا فقط عن السالكين في الفقر والعوز بالنسبة للطعام الجسدي، بل أيضاً عن كل إخوتنا الآخرين الضالّين بعيداً، لا من مجاعة الخبز والماء بل من مجاعة نسيان وصايا الله والفشل في إطاعتها. بقدر ما هي الروح أهم من الجسد، هكذا الطعام الروحي أهم من الجسدي. أظن أن الرب، في قوله “كنت جائعاً فأطعمتموني…”[4]، قصد الطعام الروحي أكثر من الطعام الجسدي الذي يفنى، لأنه هو نفسه عانى العطش والجوع لخلاص كل منا. إنّ خلاصنا يكون بالتخلي عن كل خطيئة ويستحيل بدون ممارسة الفضيلة وتنفيذ الوصايا جميعاً. نحن نُطعم ربّ الكل، سيدنا وإلهنا، عندما ننفذ وصاياه. يعلمنا آباؤنا القديسون أن الشياطين يتغذون بأعمالنا الشريرة ثم يثورون ضدنا. وهكذا عندما نتخلى عن الشرّ يضعفون من الجوع وينهزمون. لذا أفتكر أن ذاك الذي أصبح فقيراً من أجل خلاصنا، يتغذّى بنا ويعاني من الجوع عندما نتخلّى عنه. هذا ما تعلمنا إيّاه سير القديسين الذين يفوقون رمل البحر عدداً. لهذا سوف أترك الكثيرين وأعلّم محبتكم من خلال امرأة واحدة.

أعلم أنكم سمعتم سيرة مريم المصرية عند تلاوتها، ليس كما رواها شخص آخر بل كما روتها هي نفسها. إنّ تلك المرأة المساوية للملائكة أظهرت فقرها بشكل اعتراف عندما قالت “حتى عندما كان الرجال يعطوني ثمن الخطيئة، كما يحصل عادة، لم أكن آخذه. ليس لأني كنت مكتفية من حاجات الحياة، فأنا كنت أحيا من نسج القنّب، إنما ليكون لي عشاق كثر مستعدين لقضاء شهوتي”. عندما أرادت أن تأخذ السفينة لتذهب إلى الإسكندرية كانت فقيرة لدرجة أنها لم تملك لا ثمن البطاقة ولا تكاليف الرحلة. لكنها بعد أن نذرت نذرها لوالدة الإله الفائقة الطهارة وقصدت الصحراء، اشترت رغيفين بقرشين أعطاها إياهما أحدهم وجازت الأردن ومكثت هناك إلى حين موتها. لم ترَ وجه أحد غير زوسيما. وبالتالي هي لم تطعم أحداً من الجياع، ولا سقت عطشاناً، ولا ألبست عرياناً، ولا زارت سجيناً أو استقبلت غرباء. على العكس، هي قادت كثيرين إلى جهنم واستقبلتهم زواراً في مساكن الخطيئة. إذاً، كيف سوف تخلص هذه المرأة وتدخل الملكوت مع الرحماء؟ إنّها لم تنبذ الثروة ولم تعطي مالها للفقراء، كما لم تمارس أيّ عمل رحمة بل بالمقابل أصبحت سبباً لضياع الآخرين. انظروا كيف نصل إلى نهاية منافية للعقل. نحن نطرح كثيرين من القديسين خارج الملكوت إذا اعتبرنا أن أعمال الرحمة تكون فقط بإعطاء المال والطعام الجسدي، وأن الرب يغتذي فقط بهذه وأنه لا يخلّص إلا الذين أطعموه وسقوه وقدّموا له العبادة وأن الذين لم يفعلوا هذا يهلكون. إن هذا مستحيل.

كلّ الأشياء والممتلكات التي في العالم مشتركة للجميع: النور والهواء الذي نتنفسه، كما مرعى الحيوانات في السهول وعلى الجبال. كلّ هذه الأشياء صُنعَت ليستعملها الجميع ويتمتّعوا بها. ومن حيث الملكية هي ليست لأحد. لكن الشهوة تسلّلت، مثل طاغية، إلى الحياة وبطرق شتى قسّم عبيدها وتابعوها ما أعطاه السيد ليكون مشتركاً. حبستهم بالخديعة وأغلقت عليهم بالأبراج والأقفال والأبواب. حرمت كل البشر الباقين من التمتع بعطايا السيد الحسنة متبجحة بأنها تملكهم ومدّعية أنها لم تخدع أحداً. لكن أتباع هذه الطاغية وعبيدها أصبحوا بدورهم عبيد الشيطان وحفظة للمتلكات والأموال الموكلة إليهم. حتى لو تأثروا بالخوف من العقوبات المخبأة لهم أو بالأمل باستعادة هذه الأملاك مئة ضعف، أو بالعطف على بؤس البشر، وأخذوا بعضاً أو حتى كل هذه الأشياء ليعطوها لهؤلاء الذين في الفقر والأسى، هل سوف يُحسبون رحماء؟ لا بأيّ شكل. أنا أخبركم أن عليهم دَيناً من الندامة، إلى يوم موتهم، عن كل ما احتفظوا به وحرموا اخوتهم من استعماله.

من جهتنا، نحن أصبحنا شكلاً فقراء مثل ربنا يسوع المسيح الذي اصبح فقيراً من أجلنا بالرغم من غناه. كيف سوف نُحسب رحومين معه فيما نحن نظهر رحمة نحو أنفسنا وهو الذي صار مثلنا من أجلنا؟ فكّروا جيداً بما أقول. من أجلكم أصبح الله إنساناً فقيراً. أنتم الذين تؤمنون به مدينون له بأن تكونوا فقراء مثله. هو فقير بحسب الطبيعة البشرية وانتم فقراء بحسب الطبيعة الإلهية. إذاً فكّروا كيف تطعموه. انتبهوا جيداً أنه أصبح فقيراً لتصبحوا أغنياء ولينقل إليكم غنى رحمته. اتّخذ جسداً لكي تصبحوا شركاء في ألوهيته. لهذا، كما قال، يكون هو ضيفكم عندما تستعدون لاستضافته. إنّه يحسب جوعكم وعطشكم من أجله طعاماً وشراباً له. كيف؟ لأنكم بهذه الأعمال وأمثالها تطهّرون أنفسكم وتخلّصون ذواتكم من مجاعة الشهوات وقذارتها. الله الذي يستقبلكم ويجعل كلّ ما لكم لنفسه، يشتهي أن يجعلكم آلهة تماماً كما صار هو إنساناً. إنّه يحسب كلّ ما تفعلونه لأنفسكم وكأنه هو يتحمّله قائلاً “كما فعلتم هذا لأصغر واحد انتم فعلتموه لي”.

بأيّة أعمال أخرى أرضى الله أولئك الذين عاشوا في المغاور والجبال وخلُصوا بالمحبة والندامة والإيمان؟ لقد تركوا العالم كله وتبعوه وحده. لقد استقبلوه وأكرموه كضيف بالندامة والدموع، لقد أطعموه وأعطوه شراباً عندما كان عطشاناً. وهكذا بالفعل، كل المدعوين أبناء الله، بحسب المعمودية المقدسة، هم فقراء وحقيرون بحسب العالم. إنّ الذين يدركون في أنفسهم أنّهم أبناء الله، لا يستطيعون من بعدها احتمال أن يزيّنوا أنفسهم لعالم عابر، لأنهم البسوا أنفسهم المسيح. مَن مِن الناس اللابسي الإرجوان الملكي يرضى أن يضع عليه ثوباً قذراً ممزقاً؟ أولئك الذين لا يعرفون هذا وهم عراة، بدون ثياب ملكية، إنما يسعون إلى أن يحملوا المسيح بواسطة التوبة والأعمال الحسنة الأخرى التي ذكرناها، فيلبسون المسيح نفسه. إنّهم أنفسهم مسحاء كما هم أبناء الله بقوة المعمودية المقدسة. ولكن ماذا ينتفعون لو ألبسوا كل العراة في العالم وفشلوا في إلباس أنفسهم وبقوا عراة؟

مرة أخرى، نحن الذين اعتمدنا على اسم الآب والابن والروح القدس، نحمل إسم أخوة المسيح. لا بل نحن أكثر من ذلك لأننا أعضاؤه. أنت تستضيف كل الآخرين وتكرمهم وتعتني بهم لأنك أخو المسيح وعضوه. ولكن ألا تكون قد عاملت أخوّة المسيح باحتقار إن أنت، بدل أن تجاهد بكل الوسائل للوصول إلى قمة تلك الحياة والشرف اللذين يرضيان الله، أهملت نفسك وتركتها مطروحة في القذارة والفساد والكآبة العميقة، من خلال الشره ومحبة اللذة، وكأنك ميت؟ ألا تكون قد تركتَه للجوع والعطش؟ ألا تكون تركته من دون زيارة وهو في السجن؟ وبالتأكيد سوف تسمعه يقول “لم يكن لك رحمة على نفسك ولهذا لن ترى الرحمة”.

ولكن إن قال أحد “بما أن الوضع هو على هذه الحال وليس لنا مردود للأموال والممتلكات التي نعطيها فما الحاجة إلى إعطاء الفقير؟”، فاتركوه يسمع من الذي سوف يحاكمه ويجازي كل إنسان بحسب أعماله “أيها الأحمق ماذا جلبت معك الى العالم؟”[5]، هل صنعت شيئاً منظوراً؟ ألم تأتِ عرياناً من رحم أمك؟ ألن تمضي من الحياة عرياناً؟ ألن تقف أمام كرسي حكمي؟ أي مال لك هناك تطلب عنه تعويضاً؟ بأيٍ من ممتلكاتك تقول أنك أعطيت صدقة لإخوتك ومن خلالهم لي؟ أعطيتك كل هذه الأشياء، ليس لك وحدك ولكن لكل الناس مشاركة. أو هل تفتكر أني اشتهيت شيئاً او أني أُرتشى مثل الطماعين من قضاة الناس؟ من المستحيل أن تكون قد افتكرت هكذا في حماقتك. ليس لأني اشتهيت أي ثروة إنما لأني أشفق عليك. وليس لأني أريد أن آخذ ما لك بل لأني أريد أن أحررك من الدينونة العالقة به (بما هو لك) وليس لسبب آخر”.

لا تفتكر أبداً يا أخي أن الله يوصيك بإظهار الرحمة نحو الفقراء ويعطي هذه الوصية قيمة كبيرة، لأنّه في عوز وغير قادر على إطعامهم. لقد أخذ المسيح ما صنعه الشيطان من خلال الطمع لهلاكنا، وحوّله بإعطاء الصدقات لصالحنا وأضافه إلى خلاصنا. ماذا أعني؟ أوعز لنا الشيطان بأن نستولي على الأشياء التي أُعطِيناها لاستعمالنا المشترك لكي نختزنها لأنفسنا حتى يجعلنا هذا الطمع عرضةً لاتهام مزدوج وبالتالي لعقاب أبدي ودينونة. الاتهام الأول هو بأننا كنا عاقين، والثاني بأننا وضعنا رجاءنا في الممتلكات المخزونة بدل الله. لأن الذي يملك ثروات مخبأة لا يستطيع أن يضع رجاءه على الله، وهذا واضح من قول المسيح ربنا بأنه حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم[6]. إن الذي يوزّع على الجميع من الثروة التي خبأها ليس له أي مكافأة على هذا العمل، إنما يُلام لأنه حرم الآخرين منها حتى الآن بغير حق. إضافة إلى هذا، هو مسؤول عن الذين خسروا حياتهم بسبب الجوع والعطش، وعن الذين لم يطعمهم حين كان قادراً على ذلك، وعن الفقير الذي خبّأ حصته وتركه يموت ميتة فظيعة من البرد والجوع. إنه متهم وكأنه قتل ضحايا كثيرة، بعدد الذين كان قادراً على إطعامهم.

عندما يحررنا السيد الكريم المنعم من كل هذه الاتهامات، لا يعود يحصينا بين الذين يحتجزون ممتلكات الآخرين. إنه يحسبها أملاكاً لنا يعد أن يعطينا مئة ضعف، وليس فقط عشرة أضعاف، إن نحن وزّعناها على إخوتنا بابتهاج. لا يكمن هذا الابتهاج في النظر إلى هذه الأشياء على أنها لنا بل على أنها أمانة لدينا من الله من أجل خير الخدّام إخوتنا. إنه يكمن في توزيعها بكرم وفرح وشهامة وليس بحزن أو إكراه. بعدها علينا أن نفرغ أنفسنا بفرح من كل ما فيها على رجاء تحقيق الوعد الذي قطعه الله بمكافأتنا بمئة ضعف. فالرب استعمل الدواء المناسب كونه يعرف أننا متمَلَكون بشهوة الممتلكات والثروة ويعرف كم هو صعب علينا أن نتخلى عنها، وكيف يصاب باليأس من الحياة كل مَن لا يمتلكها. لقد وعَدَنا، كما ذكرنا، بأن يردّ لنا ما نعطيه للفقير مئة ضعف. وقد فعل هذا أولاً ليحررنا من دينونة الطمع وثانياً لنتوقف عن وضع رجائنا وثقتنا في الممتلكات، ونحرر قلوبنا من هذه القيود. عندما نتحرر، نستطيع أن نتقدم بدون عراقيل إلى تطبيق وصاياه وخدمته بخوف ورعدة، ليس كما لو أننا نُحسن إليه بل كأن قبولنا في خدمته هو كسب لنا. بغير ذلك يكون مستحيلاً علينا أن نخلص. لقد أُوصي الأغنياء بأن يضعوا ثروتهم جانباً لأنها حِمل وعائق أمام الحياة التي ترضي الله، وأن يحملوا الصليب على أكتافهم ويتبعوا خطى السيد لأنه يستحيل علينا أن نحمل الحِملين معاً. كذلك ليس هناك ما يعوق الذين ليست هذه حالهم العائشين في ظروف أكثر اعتدالاً أو حتى ينقصهم الكثير من حاجات الحياة، إن هم أرادوا أن يسلكوا الدرب الضيق والصعب. المذكورون أولاً لا يحتاجون إلا العزم ليفعلوا هذا، أما الآخرون فهم يسيرون على هذا الطريق وعليهم أن يعيشوا بصبر وشكر، والرب بعدله يهيء مكان راحة للذين هم على طريق الحياة الأبدية والسعادة.

ولكن التخلي عن الممتلكات والثروة بدون المحاربة بشجاعة ضد هجمات الشهوات وكل أنواع المحن، يبدو لي ملائماً لنفس غير مكترثة ولا تعرف النهاية التي يخدمها هذا العمل. كما أن الذهب الفاسد في عمق الأرض لا يتنقى حسناً ويعود إلى لمعانه الأصلي بدون تمحيصه بالنار وضربه بالمطارق، كذلك النفس الملوثة بغبار الخطيئة لا تستطيع أن تتنقى وتعود إلى بهائها الأصلي إلا إذا التقت بتجارب كثيرة ودخلت في أتون المحن. تشير كلمة الرب إلى هذا بقوله “بِع كل شيء واعطه للفقراء واحمل صليبك واتبعني”[7]. يشير هنا بالصليب الى الشهوات والتجارب. الذين يتخلون عن الثروات والممتلكات ويلجأون الى الحياة الرهبانية لن يكسبوا شيئاً بهذا التخلي إلا إذا ثابروا إلى النهاية بالتجارب والآلام والحزن الذي يرضي الله. لم يقل المسيح بترككم ممتلكاتكم تكسبون نفوسكم، بل بصبركم[8]. واضح أن توزيع المقتنيات على الفقراء وهجر العالم هما أمران ممتازان ونافعان ولكنهما لوحدهما، وبدون تحمّل التجارب، لا يستطيعان أن يصنعا رجلاً ممتازاً ومرضياً لله. إن الحقيقة هي على هذا الشكل، وهي التي ترضي الله، واسمعوه يقول للرجل الغني: إن أردت أن تكون كاملاً، بِع ما لديك واعطه للفقراء واحمل صليبك واتبعني. وكما ذكرنا سابقاً فالصليب يشير إلى التجارب والمحن.

لأن ملكوت السماوات يغتصب اغتصاباً ومن المستحيل على المؤمن أن يدخله بطريقة أخرى غير المرور بباب التجارب الضيق، فقد أوصتنا الحكمة الإلهية بأن “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق”[9] و”أنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السماوات”[10]. إذاً ذاك الذي “يفرق برّه”[11] على المحتاجين ويتخلّى عن العالم وأعماله على أمل المكافأة، يحمّل ضميره باللذة العظيمة التي يحملها في داخله وقد يفقد مع الوقت المكافأة بسبب المجد الباطل. أما الذي يعطي كل شيء للفقراء ويتحمّل الصعوبات بشكر ويحفظ نفسه في الصعوبات ويحس بكل مرارة المعذبين وألمهم، فهو يبقي فكره غير منثلم في الوقت الحاضر. أما في الحياة المقبلة فله ثواب عظيم لأنه تشبّه بآلام المسيح وانتظره بصبر في الأيام التي فيها أغارت عليه الشهوات.

إذاً يا إخوتي في المسيح، أنا أتوسل إليكم أن نسعى لنتصرف بحسب كلمة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. فنحن قد تركنا “العالم والأشياء التي في العالم”[12] لكيما ندخل في الباب الضيّق، الذي يستدعي قطع فكرنا وإرادتنا الشهوانيين والهرب منهما. لأننا إن لم نمت بالجسد وشهواته ورغباته فلن يكون مستطاعاً لدينا أن نحصل على الراحة والتحرر من أمراضنا، ولا الحرية التي تأتي إلينا من تعزية الروح القدس. بدون هذا -أعني مجيء الروح القدس- فإن أحداً لن يرى الرب، لا في هذا العالم ولا في الآتي. لأنكم فعلتم حسناً بأنكم وزعتم كل ثروتكم على المحتاجين، طالما أنكم لم تتركوا شيئاً لكم على مثال حنانيا[13]، وإضافة فقد تخليتم عن العالم وما فيه، وهجرتم الحياة العالمية واهتماماتها ووصلتم الى نعيم الحياة وغلّفتم أنفسكم بصورة التقوى[14]، فأنا اوافقكم وأمدح مجهودكم. ولكن الآن يجب أن تعرّوا أنفسكم من “اهتمام الجسد”[15]، تماماً كما نبذتم ثيابكم العالمية الفاخرة. وكما أنكم وضعتم عليكم رداءكم (الرهباني) هذا من أجل المسيح، هكذا عليكم أن تكتسبوا عادات النفس والفكر الروحي نفسه. يجب أن تكتسبوا من خلال التوبة ذلك الثوب المشعّ الذي هو الروح القدس عينه. هذا يتحقق فقط من خلال الممارسة المستمرة للفضائل وتحمّل الأحزان. تتحرك النفس المنكسرة نحو الدموع بالتجارب. وعندما تنقي الدموعُ القلبَ تحوّله إلى هيكل للروح القدس ومكان راحة له. لا ارتداء الثوب الرهباني ولا ترتيب المنظر الخارجي يكفيان لخلاصنا وكمالنا. نحن بحاجة إلى أن نزيّن إنساننا الداخلي كما الإنسان الخارجي بوساطة الروح القدس فنقدم أنفسنا إلى الله بالنفس والجسد. نحن ندرّب الجسد على أعمال الفضيلة بالرياضة الجسدية[16] حتى يكون قوياً ومدرباً على الأمور المؤلمة التي ترضي الله ولكي يحمل بنبل مرارة الصوم، وقوة التقشف وضرورة السهرانيات وكل عذابات الصعوبات. بالتقوى ندرّب النفس لترتأي كما يجب أن ترتأي[17]ولتتأمل دائماً بالأمور المتعلّقة بالحياة الأبدية، وتكون متواضعة ووديعة ومنسحقة القلب، مملؤة بالندامة، باكية كل يوم تستحضر نور الروح عليها بالصلاة. هذه النعم تأتي إليها من خلال التوبة المتقدة عندما تتنقى النفس بالدموع الكثيرة. وبدون هذه لا تستطيع أن تنقي حتى ثوبها وتترك نفسها ترتفع الى المعاينة. كما أن الثوب المنتقع في الوحل والروث وسخ كلياً حتى إنه لا ينظف إلا بغسله بماء كثير ودوسه بالأقدام، كذلك عندما يصبح ثوب النفس ملوثاً بوحل الشهوات الخاطئة ووسخها، لا يعود مستطاعاً غسله ليصبح نظيفاً إلا بدموع غزيرة واحتمال للتجارب والمحن. فهناك سائلان يفرزهما الجسد بالطبيعة: الدموع التي تنسكب من فوق، والآخر الذي ينسكب من أعضاء التناسل. فالأخير يلوث النفس عندما يفرّغ بعكس الطبيعة والناموس، بينما الأول يطهّرها عندما ينسكب من التوبة. الذين أصبحوا ملوثي النفس من الممارسة الأثيمة للخطيئة وحركة القلب الشهوانية التي تطبع فيهم أشكال الشهوات غير العاقلة، يجب أن يتنقوا بدموع غزيرة ويصلوا إلى نقاوة ثوب النفس وإلا فتستحيل عليهم رؤية الله النور الذي ينير كل إنسان آتٍ إليه بالتوبة، لأن النقي القلب هو الذي يعاين الله[18].

لهذا أتوسل إليكم أيها الآباء والإخوة والأبناء، دعونا نسعى لنكسب نقاوة القلب التي تأتي من الانتباه لطرقنا ومن الاعتراف الدائم بأفكار النفس المخفية. لأننا إن اعترفنا يومياً بهذه الأفكار، محرَّكين بقلب تائب، تُخلق فينا الندامة على ما فعلنا أو افتكرنا. الندامة ترفع الدموع من عمق النفس؛ الدموع تنقي القلب وتمسح الخطايا العظيمة. عندما تُمسح هذه الخطايا بالدموع، تجد النفس نفسها في عزاء روح الرب فتسقيها ينابيع الندامة الأكثر عذوبة. بهذه تثمر الروح روحياً يوماً بعد يوم حتى تظهر ثمار الروح[19] وفي الوقت المناسب تعطي مثل حصاد وفير من الحب ومصدر طعام لا يفرغ لحياة النفس الأبدية التي لا تفنى. عندما تصل النفس إلى هذه الحالة فإنها تتشابه بالله وتصبح منزلاً ومقراً للثالوث القدوس، فهي ترى خالقها وربها بوضوح. وعندما تحاوره يوماً بعد يوم، تبتعد عن الجسد وعن العالم وعن هذا الجو وتصعد إلى سماء السماوات. فهي إذ تُحمل عالياً بالفضائل وبأجنحة محبة الله، ترتاح من أعمالها مع الصديقين وتُوجد في النور الإلهي غير المتناهي، حيث مصاف رسل المسيح والشهداء والمباركين وكل القوات العلوية ينشدون معاً في آن واحد.

إخوتي في المسيح ، لنسعى لأن نصل الى هذه الحالة. لا نقصرنّ عن آبائنا القديسين بل بحماستنا للصلاح وممارستنا لوصايا المسيح فلننتهي “الى إنسان كامل، الى قياس قامة ملء المسيح”[20]. لا شيء يمنعنا من هذا إن كنا نتوق إليه. لهذا فلنمجد الرب في أنفسنا وهو يوجِد الفرح فينا. عندما ننطلق من هذه الحياة فسوف نجد الرب مثل حضن ابراهيم، يستقبلنا ويدللنا في ملكوت السماوات. نحن نصل إلى كل هذا بنعمة ربنا يسوع المسيح له المجد إلى الأبد. آمين.

 

 


[1] لوقا 20:11

[2] أفسس 5:6

[3] متى 40:25

[4] متى 42:25

[5] 1 تيم7:6

[6] لوقا 34:12

[7] متى 21:19و24:16

[8] لوقا 19:21

[9] لوقا 24:13

[10] أعمال 22:14

[11] مز9:112

[12] 1يوحنا 15:2

[13] أعمال 1:5

[14] 2تيموثاوس5:3

[15] روما 6:8

[16] اتيم8:4

[17] روم3:12

[18] متى 8:5

[19] غلاطية 22:5

[20] أفسس 13:4

النور الإلهي

النور الإلهي

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي


ظلمة عدم الإيمان

هناك تضاد بين النور والظلمة كما بين الإيمان وعدم الإيمان[1]، وبين المعرفة والجهل وبين المحبة والكراهية. عندما قال الرب في البداية “ليكن نور”[2]، تكوّن النور بلحظة، وتبددت الظلمة. ولكن عندما رحل النهار حلّ الليل مكانه. كان آدم في الفردوس في مجد لا ينتهي إذ كان مصاناً بإيمانه بالله. ولكن عندما تحوّل عن الله، بفعل العدو، حُكم عليه بالموت وطُرد من الفردوس[3]. تعرّف إلى الجسديات بدل الروحيات والإلهيات. وإذ كانت عينا روحه مغمضتين، سقط من الحياة التي لا تفنى وصار يرى بعيني جسده. لقد حوّل رؤية عينيه للأمور المنظورة إلى شعور بالشهوة “وعرف امرأته حواء فحبلت وولدت قايين”[4]. هذه المعرفة هي بالحقيقة جهل كل خير، لأنه لو لم يخسر أصلاً معرفة الله ومعاينته لما كان توصل إلى هذه المعرفة. وقايين ما كان قتل هابيل أخاه لو لم يكن معمى ومهيجاً بالحقد والحسد ضده. هناك أناس منذ ولادتهم تحت سيطرة العتمة ولا يريدون معاينة النور الروحي الذي خسره جدهم الأول، لذا هم ينظرون إلى المستنيرين بهذا الضوء ويتكلمون كالأعداء لأن كلماتهم تجرحهم. عندما يدخل شعاع النور بيتاً مظلماً يخترق ويعبر كالسهم. هكذا هي الكلمة الموحى بها من النور للأشخاص المقدَسين، إنها كسيف ذي حدين[5] في قلب الدنيويين تسبب لهم الألم وتدفعهم إلى المعارضة والحقد بسبب جهلهم وعدم إيمانهم.

كيف يظلم الجهل حس المسيح

أما مَن يظن أنه يعرف وهو جاهل، حتى لو رأى ملاكاً نازلاً إليه من السماء[6] فهو سوف يدفعه بعيداً كشيطان. حتى لو أتى إليه رسول أو نبي من الله فهو سوف يرسله بعيداً كسمعان الساحر. أية بلاهة هي أن يعتبر الأعمى الأصحاء عمياناً، أو يعتبر المهذار كلام الحكماء بلا معنى؟ فالأعمى لا يصدق من يخبره أن الشمس لا تسطع في الليل. وهو يتهم أن من يخبره عن الظلام في الليل والنور في النهار بالخداع، وفي شكه هذا يصرف مخبّريه بجفاء. الجهل يعمي عقول الذين يحيون في ظلام الشهوات، والذين لم يكتسبوا “فكر المسيح”[7]. إنهم يعتبرون من له فكر المسيح مجنوناً وعنهم قال النبي داود: “الجاهل والبليد يهلكان معاً”[8]. إذاً هؤلاء الناس يحرّفون الكتب بحسب شهوات أنفسهم[9] ويهلكون أنفسهم. ليس الكتاب المقدس من يتعذب من هذا التحريف، بل الذين يشوهونه. أنتم يا مَن تملكون الحكم الصحيح على الأشياء، أخبروني كيف للأعمى أن يميّز أفكار الضوء بنفسه وهو أصلاً يرفض الإرشاد. كيف لأعمى العينين أن يقرأ الأحرف في كتب النور وهو لا يرى النور؟ أعمى الفكر لا يملك فكر المسيح في داخله، فكيف له أن يميّز الأفكار المخبأة في نور المسيح؟ قد يقرؤها آلاف المرات بعينيه الجسديتين ولا أظنه قادراً في يوم من الأيام على معاينة الروحيات غير المائتة، الحاملة النور في مكان مادي معتم.

الله نور النفس

لا يخدعنّكم أحد؛ الله نور[10]. بقدر ما يتنقى المتحدون به، ينقل لهم من بهاء لمعانه. عندما يضاء قنديل النفس الذي هو العقل، نعلم أن ناراً إلهية أشعلته، وهي تؤججه وتذكّيه. إنها لأعجوبة عظيمة! الإنسان يتّحد بالروح روحياً وجسدياً (مادياً) لأن الروح غير منفصل عن الفكر ولا الجسد عن الروح. بالاتحاد في الجوهر يمتلك الإنسان أقانيم ثلاثة بالنعمة. هو إله وحيد بالتبني وله جسد ونفس وروح الهي ومنه أصبح شريكاً. وبهذا تحقق قول داود: “أنا قلت أنكم آلهة وبنو العلي كلكم”[11]. إذاً أبناء العلي وعلى صورته ومثاله[12]. هكذا يصبح الإنسان الذرية المقدسة للروح الإلهي[13]، وله قال الرب ويقول “إن كان أحد لا يثبت فيّ يطرح خارجاً كالغصن فيجف ويطرحونه في النار فيحترق…اثبتوا في وأنا فيكم”[14].  كيف يثبت فينا ونحن فيه؟ هو علّمنا بقوله “ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحداً فينا”[15]. وليثبّت سامعيه يكمل “ليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني”[16] “وعرفوا أنك أرسلتني”[17]. واضح أن المولودين مجدداً من خلال الروح القدس[18] يصبحون بعطيته أخوة المسيح وأولاد الله وآلهة بالتبني، وبالنعمة يثبتون بالله وهو فيهم كما يثبت الآب في ابنه[19] والابن في حضن أبيه[20] بالطبيعة.

أعمى الروح

أما الذين لم يصبحوا هكذا ولم يتغيروا بالفعل والمعرفة والمعاينة، ألا يستحون أن يدعوا أنفسهم مسيحيين؟ كيف يجرأون على فتح أفواههم والتكلم عن سر الله المكتوم[21] بخفة وكأنهم مستلقون على سرير؟ ألا يستحون من تعداد أنفسهم بين المسيحيين والروميين؟ كيف لا يرتجفون من مجالستهم الكهنة وممارستهم الطقوس الكهنوتية والليتورجية بجسد ودم السيد؟ أنا أتحيّر من هذا. وكما قلت هذا هو العمى العقلي، وانعدام الحس والجهل المرافقان له، والوقاحة الناتجة عنه وهي التي تجعلهم يدوسون الذهب الحقيقي والحجارة الأغلى، التي هي السيد المسيح نفسه حتى لو كان في الوحل. أي تهور هذا؟ إنه يدفع كلاً منهم ليتسلق سلماً عالية ويجلس عليها فيظهر أعلى من الكثرة الباقية فيُحترم من قبلها. من هم المسيحيون الذين سوف يسمّون هكذا رجال باسم المسيح؟ هذا وجهناه إلى المتبجحين بمعرفتهم كل شيء، الذين يحكون عن هذه المعرفة ويظنون أنهم شيء وهم ليسوا شيئاً[22]. في حديثنا هذا أبرزنا كما على عمود، من هم المسيحيون وما هي طبيعتهم حتى يقارنوا أنفسهم إلى المثال ويعرفوا بعدها أن يكونوا مسيحيين حقاً.

طلب نور المسيح بدموع التوبة

أما أنتم خدام المسيح المتشوقون للفهم وقد هيأتم آذانكم للسمع، فالسيد يصرخ إليكم من خلال الإنجيل  المقدس “سيروا ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام”[23]. “بالتوبة اجروا في طريق وصاياه”[24]. اجروا، اركضوا قبل أن يدرككم ليل الموت[25] وترسَلوا إلى الظلمة الأبدية. اجروا، ابحثوا، اقرعوا لعل باب مملكة الفردوس يفتح لكم[26] وتدخلوا إلى الفردوس ويكون في داخلكم. أما أولئك الذين سينتقلون من هذه الحياة الحاضرة من دون الوصول إلى النور فكيف لهم أن يجدوه بعد رحيلهم؟ نحن أُوصِينا أن نطلب هنا ونسعى هنا ونطرق الباب بالتوبة والدموع، والسيد وعد بالعطاء إن نحن فعلنا هذا. إن رفضنا أن نفعل هذا ولم نُطِع سيدنا المسيح ولم نسعَ إلى الحصول على هذه المملكة فينا ونحن في هذه الحياة، فسنستحق سماعه قائلاً لنا عند انتقالنا “لماذا تبحثون الآن عن المملكة التي رفضتم عندما أعطيتها لكم؟ ألم ترفضوا عندما توسلت إليكم بجدية أن تجهدوا أنفسكم بأخذها مني؟ ألم تحتقروها وتفضلوا الاستمتاع بالأشياء الأرضية الفانية؟ بأية وسيلة أو كلمات سوف تكونون قادرين على إيجادها؟ “

إذاً أيها الإخوة والآباء، أنا أحضّكم على حفظ وصايا الله بشوق لنحصل على الحياة والمملكة الأبدية. رجائي أن لا نسمع في هذه الحياة القول بأن “الذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله”[27] ولا في العالم الآتي “اذهبوا عني”[28] “لا أعرفكم من أين أتيتم”[29] بل يا أخوة لنستمع لذلك الصوت المبارك “تعالوا إلي يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم”[30] “لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، غريباً فآويتموني، عرياناً فكسوتموني، مريضاً فزرتموني، محبوساً فأتيتم إلي… الآن تمتعوا ببركاتي التي لا توصف التي هي الحياة الأبدية”.

ليمنحنا الله هذه الحياة بنعمة ربنا يسوع المسيح له المجد إلى الأبد آمين..

 


[1]2كو6:14

[2] تك1:3

[3] تك3:23

[4] تك4:1

[5] عب4:12

[6] غلا1:8

[7] 1كو2:16

[8] مز49:10

[9] 2بط16:3

[10] 1يو1:5

[11] مز82:6

[12] تك1:26

[13] يو3:8

[14] يو46:15

[15] يو17:12

[16] يو23:17

[17] يو25:17

[18] يو3:3

[19] يو14:10

[20] يو1:18

[21] أف3:9 وكول1:26

[22] غلا6:3

[23] يو12:3

[24] مز119:32

[25] يو9:4

[26] متى7:7 لو11:9

[27] يو36:3

[28] متى23:7

[29] لو13:25

[30] متى34:25

المحبة

المحبة

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي


أخوتي وآبائي

بنيتي أن أحدثكم عن الأشياء التي تتعلق بمنفعة الروح. لكن، والمسيح هو الحقيقة التي تشهد، أنا أخجل أمام محبتكم لأني أعرف عدم استحقاقي. لهذا السبب كنت أود الصمت إلى الأبد، والرب يعلم، دون أن أرفع عينيّ لأنظر في وجه أيّ كان لأن ضميري يدينني. لقد انتُدبت لأكون رئيساً عليكم جميعاً مع أني غير مستحق بالكلية. لقد انتُدبت لأكون رئيساً وكأني عرفت الطريق، أنا الذي لا يعرف أين هو نفسه يذهب، ولا حتى يعرف الدرب الموصلة إلى الله. لهذا فالحزن المتملك بي ليس عادياً ولا قليلاً لكوني أختِرت لقيادتكم، أنا الحقير، وأنتم الأكثر استحقاقاً. كان ينبغي أن تكونوا أنتم مرشديَّ لأني الأخير بينكم بالعمر والأقدمية. لا تحتوي حياتي لا الخبرة ولا الشهادة التي بها سوف أنصحكم وأذكركم بما يتعلق بقوانين الله وإرادته. أعرف أن موضوعي لن يحتوي شيئاً من الخبرة وأعرف جيداً أن ربنا وإلهنا لا يدعو مباركاً ذاك الذي يعلم فقط إذ يقول: “من عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السماوات”[1]. عندما سمع الرسل هذا المعلم صاروا يتشوقون للتمثل به. ليس ما كسبوه من هذه الكلمات عظيماً كالذي كسبوه إذ حُرِّكوا بأعماله وعملوا مثلها. أعرف أن هذا لا ينطبق عليَّ وليس فيَّ أي شيء صالح. ولكن أرجوكم جميعاً يا إخوتي الأحباء، لا تنظروا إلى تهاوني في الحياة ولكن اهتموا بوصايا الرب وتعاليم آبائنا القديسين. فهؤلاء الأنوار المشعة لم يكتبوا شيئاً لم يختبروه أولاً وينجحوا بتطبيقه.

 

لنتبع إذاً هذا الطريق الوحيد الذي هي وصايا المسيح التي تقودنا إلى الله والسماء. مع أن الكلمة تصف لنا طرقاً مختلفة لكن الطبيعة الداخلية لهذه الطرق هي نفسها: يُحكى عنها كأنها تتفرع إلى طرق مختلفة بحسب مقدرة وموقع كل شخص. ننطلق من أعمال مختلفة كما ينطلق المسافرون من أماكن ومدن مختلفة، لكن مقصدنا الذي نشتاق إليه هو واحد: ملكوت السماوات. أعمال رجل الله وطرقه يجب أن تكون واضحة كالفضائل الروحية. على الذين يبدؤن السير عليها أن يجروا نحو هدف واحد كما أولئك الذين تحدثنا عنهم الآتين من أماكن مختلفة يجرون إلى مدينة واحدة، ملكوت السماوات. هناك يستحقون أن يحكموا مع المسيح ويكونوا خاضعين لملك واحد، إله وأب. في هذه المدينة الوحيدة سوف تفهمون ثالوث الفضائل المقدس وغير المنفصل[2]. فوق كل هذا، تلك الفضيلة التي تأتي قبل الأُخَريات وتُذكَر كالأخيرة بينها لأنها هدف كل الأشياء الحسنة وأعظم منها جميعاً: المحبة. ***كل إيمان يأتي منها ويُبنى على أساسها: عليها يرتكز الرجاء. بمعزل عن المحبة لا يكون شيء مطلقاً ولن يكون. أسماؤها وأعمالها متعددة وأكثر منها علاماتها. إلهية  صفاتها وكثيرة، لكنها واحدة في الطبيعة، فوق ما يستطيع  وصفه الملائكة والبشر، أو أي من المخلوقات الأخرى حتى التي لا نعرفها. العقل لا يستطيع فهمها، مجدها لا يُدرَك وقصدها لا يُسبَر غوره. إنها أزلية لأنها فوق الوقت، غير منظورة لأن  الفكر لا يفهمها مع أنه قادر أن يحس بها. كثيرة هي جمالات هذه الصهيون المقدسة غير المصنوعة بيد. من ابتدأ برؤيتها لا يبتهج بعد بالأمور المحسوسة: يتوقف عن التعلق بمجد هذا العالم.

 

بعد هذا التمهيد، دعوني أعالج الموضوع بإيجاز وأوجه نفسي إليه مكرساً له كل رغبتي. يا آبائي وإخوتي الأحباء، ما أن تذكرت جمال هذا الحب غير المشوّه حتى ظهر ضوؤه فجأةً في قلبي. لقد فُتنت ببهجته ولم أعد أعي أياً من الأشياء الخارجية. فقدت كل حس لهذه الحياة ونسيت الأشياء التي في يدي. ولكن مرة أخرى فقدته – وأنا خاسر – ومضى عني بعيداً وتركني أنوح في ضعفي. كم هو سعيد من عانقك أيتها المحبة المشتهاة، لأنه لن يتمنى أبداً معانقة أي حسن أرضي. مغبوط هو من يحركه الحب الإلهي ليلتصق بكِ. فهو سوف ينكر العالم كله، وفيما يعيش بين الناس يبقى بغير دنس. مغبوط هو من يعانق جمالك ويبتهج به برغبة لامتناهية لأنه سوف يتطهر بالماء والدم الذين ينبعان منك بكل طهارة. مغبوط هو من يعانقك بعمق لأنه سوف يتغير بشكل رائع. بالروح والنفس سوف يبتهج، لأنك البهجة التي لا توصف. مغبوط هو مَن يمتلكك لأنه سوف يحسب ثروات الأرض كالعدم، لأنك بالحقيقة الغنى الذي لا يفرغ. مغبوط ومُضاعف الغبطة هو من تقبلين، لأنه وإن يكن بدون مجد مرئي إلا أنه يكون أكثر مجداً من كل الممجدين وأكثر كرامة وجلالاً من كل المكرَمين. من يتبعك مستحق الثناء ويستحق ثناء أكثر ذاك الذي يجدك. مبارك أكثر ذاك الذي تحبين وتقبلين وتعلمين ويحيا فيك ويغتذي بك مع المسيح، الغذاء الأبدي، المسيح إلهنا.

 

أيتها المحبة الإلهية أين تقتنين المسيح؟ أين تخفينه؟ أين أخذت مخلص العالم وتخليتِ عنا؟ إفتحي ولو باباً صغيراً لنا غير المستحقين حتى نحن أيضاً نرى المسيح الذي تعذب من أجلنا، وبرحمته تكون لنا الثقة بأننا لن نموت إذا رأيناه. إنفتحي لنا لأنك صرت بابه حتى يظهر بجسده. لقد حرّكتِ قسراً شفقة سيدنا الطوعية الكريمة ليحمل خطايا وأسقام كل الناس، فلا ترفضينا بقولك “لست أعرفكم”. كوني معنا حتى تعرفينا لأننا مجهولون عندك. أسكني فينا لعل السيد يزورنا نحن الحقيرين أيضاً عندما تلاقينه لأننا غير مستحقين. فهو سوف يتوقف على الطريق ليتحدث معك، وهكذا يُسمح حتى لنا نحن الخطأة أن نسقط عند قدميه الطاهرتين. أنت سوف تتوسطين من جهتنا وتلتمسين أن تُنسى ديوننا من الأفعال الرديئة، حتى من خلالك نوجد من جديد مستحقين لخدمة سيدنا ونتغذى به. أن نهلك بجوع الفقر المدقع هو بمثابة عقوبة وتأديب، حتى لو لم يكن علينا ديون.

 

فلتغفري لنا إذاً، أيتها المحبة المقدسة، ولندخل عِبرَك فرح معونات ربنا. لأن أحداً لن يذوق حلاوتها إلا عِبرِك. من لا يحبك كما يجب، وليس موضع محبتك فسوف يجري ولكن لن يأخذ الجعالة[3]. من يجري يبقى غير أكيد إلى أن ينهي السباق، أما الذي أمسك بك أو بمن هو ممسك بك فهو أكيد من النصر لأنك أنت غاية الناموس[4]. أنت من يطوقني ويؤججني ويضرمني بعمل قلبي برغبة جامحة لله ولأخوتي وآبائي. أنت معلمة الأنبياء، رفيقة الرسل، قوة الشهداء، وحي الآباء والمعلمين، كمال القديسين جميعاً والآن براءتي للخدمة التي أمامي..

 

سامحوني يا أخوتي إذ انحرفت قليلاً عن تعليم موعظتي بسبب استطرادي عن المحبة. لأني إذ وعيتها فرح قلبي كما يقول داود القديس، وإذ حُرَِكتُ إلى إنشاد تسابيح معجزاتها، أتوسل الى محبتكم أن تتابعوها بكل قوتكم وتجروا وراءها بإيمان حتى تمتلكوها. لن يخيب رجاؤكم مهما يكن. مهما كان حماسكم عظيماً وأتعابكم في النسك كثيرة، فهي كالهباء أن لم تتوصل إلى المحبة بروح منكسرة. ليس بأية فضيلة أخرى أو بتطبيق آخر لوصايا المسيح يُسمى أي كان تلميذ المسيح لأنه هو نفسه قال: “…”.لهذا السبب “الكلمة صار جسداً وحل فينا”[5]. لهذا السبب تجسد. بإرادته واحتمل الآلام المعطية الحياة، لكي يخلص الإنسان خليقته من رباطات الجحيم ويعيده ويقوده إلى الملكوت. إذ حركتهم المحبة، خاض الرسل ذلك السباق المتواصل ورموا صنارة الكلمة وشبكته على كل الكون ليرفعوه من عمق الوثنية ويوصلوه سالماً إلى ميناء مملكة السماوات. إذ حركتهم المحبة، أراق الشهداء دماءهم كي لا يخسروا المسيح. محركين بالمحبة، آباؤنا المتوشحون بالله ومعلمو المسكونة طرحوا حياتهم بشوق من أجل الكنيسة الجامعة الرسولية. نحن بالرغم من عدم استحقاقنا دخلنا لقيادتكم يا آباءنا وأخوتنا لكي نتمثل بهم بكل الطرق بقدر ما نستطيع ونتحمل من أجلكم ونصنع كل شيء من اجل تنويركم ومنفعتكم وتقدمتكم كضحايا كاملة، ذبيحة عقلية على مائدة الرب لأنكم الأولاد الذين أعطانيهم الرب، أحشائي وعيناي. وبكلمات الرسول أنتم فخري[6] وختم رسالتي[7].

أخوتي الأحباء بالرب، فلنتلهف إلى استعمال كل الطرق بما فيها المحبة المتبادلة لخدمة الرب. فليكن مثالكم ذاك الذي اخترتم كأب روحي، مع أني بعيد عن أن أستحق لعل الله يبتهج من توافقكم وكمالكم. أيضاً أنا في حقارتي أبتهج إذ أرى تقدمكم المطرد في الحياة التي ترضي الله، إذ تزدادون في الإيمان والنقاوة ومخافة الله والوقار والندامة والدموع. بهذه يتنقى الإنسان الداخلي ويمتلئ بالنور الإلهي ويصبح بالكلية ملكاً للروح القدس بنفس منسحقة وفكر متضع. فرحي سوف يكون بركة لكم وزيادة في الحياة المباركة الخالدة في المسيح يسوع سيدنا له المجد إلى الأبد آمين.

 

 

 

 


[1] متى 19:5

[2] المقصود هنا: الإيمان والرجاء والمحبة.

[3] 1 كو 24:9

[4] رو 10:4

[5] يو14:1

[6] 2 كو 14:1

[7] 1 كو 9:2

التجديف على الروح القدس

التجديف على الروح القدس

عظة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي

يقول وحي المخلص المقدس “كل خطيئة تُغفر للناس…  أما التجديف على الروح القدس فلن يغفر لا في هذا العالم ولا في الآتي”[1]. فلنبحث إذاً عن ماهية التجديف على الروح القدس.

يقول القديس باسيليوس الكبير أن التجديف على الروح القدس هو في نسب عمله إلى الروح المعادي. كيف يعمل الإنسان هذا؟ عندما يرى عجائب من الروح القدس أو إحدى العطايا المقدسة في أحد إخوته – أي الندامة، الدموع، التواضع، المعرفة الإلهية، كلمة الحكمة النازلة من فوق، أو أي من الأمور الأخرى التي يمنحها الروح القدس للذين يحبون الله – ويقول أن ما يرى هو من خديعة الشيطان. وهو أيضاً يجدف على الروح القدس الذي يعمل فيهم عندما يقول أن الذين ينقادون للروح القدس كأبناء لله ويطبّقون وصايا ربهم وأبيهم هم مخدوعون من الشياطين. هذا ما قاله اليهود القدماء عن ابن الله. لقد رأوا المسيح يطرد الشياطين ومع هذا فقد جدّفوا على روحه القدس وبدون حياء قالوا كلماتهم الصفيقة “ببعلزبول ملك الشياطين يخرج الشياطين”[2]. لكن هناك مَن يسمع هذه الأشياء من دون سمع ويراها من دون نظر[3]. إنهم يرون كل الأعمال التي يشهد الكتاب المقدس على أنها آتية من عمل الروح القدس، ومع هذا فهم يقولون بدون تردد أنها من السكر والعمل الشيطاني وكأنهم فاقدي الحس. إنهم يرفضون كل الكتاب المقدس من نفوسهم، ويطردون كل المعرفة الآتية منه من عقولهم.

مثل الكفرة والذين لم يطّلعوا أبداً على الأسرار المقدسة، إنهم يشيحون بعيون قلوبهم ويظلِمون بدل أن يستنيروا. وكأنهم لا يستطيعون احتمال الضوء العظيم ولا قوة الكلمات التي يسمعونها عن الاستنارة الإلهية في الفكر والروح، أو المعاينة والتحرر من الهوى، أو الاتضاع والدموع التي تنسكب بعمل ونعمة الروح القدس. إنهم يتجرأون على الجزم بأن هذه الأشياء هي من خديعة الشيطان. إنهم لا يجزعون لا من حكم الله ولا من الضرر الذي يسببونه لسامعيهم. هؤلاء الرجال الحمقى يؤكدون للجميع، بدون خجل، أن شيئاً مثل هذا لا يأتي من الله لأي من مؤمني هذه الأيام. إن هذا هرطقة أكثر مما هو حماقة. أن يحيد أحد ما، بأي شكل من الأشكال، عن العقائد الإيمانية التي سبق تحديدها هو هرطقة. أما إنكار أن هناك في أيامنا مَن يحبون الله وقد أُعطوا الروح القدس وعُمّدوا به كأبناء لله وأصبحوا آلهة بالمعرفة والاختبار والمعاينة، فهذا يناقض تجسد ربنا ومخلصنا يسوع المسيح. أنه إنكار واضح لتجديد الصورة التي انفسدت وأصبحت عرضة للموت، ولعودتها إلى عدم الفساد والموت.

كما أنه يستحيل على مَن لم يولد من الماء والروح أن يدخل ملكوت الله، كذلك هو الأمر لمَن أخطأ بعد المعمودية إلا إذا عُمّد من فوق ووُلد من جديد. هذا ما يؤكده المخلص في قوله لنيقوديموس “إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله”[4]. أيضاً هو يقول للرسل “يوحنا عمّد بالماء أما أنتم فستعمدون بالروح القدس”[5]. كيف يحصل على الخلاص مَن يجهل المعمودية التي بها اعتمد كطفل ولا يدرك حتى معناها، لا بل يمحوها بآلاف فوق آلاف من الخطايا، خاصةً إذا كان ينكر المعمودية الثانية، أعني المعمودية التي بالروح، المعطاة من فوق بمحبة الله وشفقته لطالبيها بالندامة؟ إن هذا لا يكون.

لهذا أنا أشهد أمامكم جميعاً، أقول ولن أتوقف عن الترداد بأنه على الذين قد انتهكوا وصايا الله فدنسوا معموديتهم الأولى، أن يماثلوا توبة داود وغيره من القديسين. أظهروا ندماً لائقاً عن طريق كل أنواع الأعمال والكلمات حتى تجلبوا لأنفسكم نعمة الروح الكلي قدسه. فهذا الروح عندما ينزل عليكم يصبح لديكم مثل بركة من النور تحيطكم كلياً بطريقة لا توُصف. وعندما تجددكم تغيّركم من فاسدين لعادمي الفساد، من مائتين إلى عادمي الموت، ومن أبناء للبشر إلى أبناء لله وآلهة بالتبني والنعمة. هذا إذا رغبتم في أن تظهروا كأنسباء وورثة للقديسين وتدخلوا معهم جميعاً إلى ملكوت السماوات. نحن عرفنا هكذا رجل في أيامنا هذه، أبانا القديس الستوديتي الذي عاش في جيلنا، وليس هو فقط بل أيضاً البعض الذين كانوا تلاميذه. فقد استحقوا أن يشاركوا في هذه البركة كما ذكرت، بشفاعاته وصلواته وبمحبة الله الذي صلاحه فوق الكل. لا أقول هذا للتبجح بقوتهم إنما لأشكر صلاح الله وأعلنها لكم جميعاً حتى تتشوقوا أنتم أيضاً لأن توجدوا مستحقين لهكذا بركة. هكذا تُعرف المحبة أنها موافقة لله، بأن لا يسعى الإنسان إلى امتلاك الصلاح لنفسه إنما أن يجاهد لتعريف اخوته على ثروات هذا الصلاح وحثهم على السعي إليه وإيجاده والاغتناء به.

لهذا السبب، كما ترون، أنا أصرح لكم مكرراً كلمات النبي “تعالوا إلي واستنيروا ولا تخزى وجوهكم”[6]. لكن لماذا؟ ألأنكم تركتم أنفسكم للتواني والطيش وشهوات الجسد وملذاته، صرتم تقولون أنه يستحيل أن تتنقوا بالندامة وتقتربوا من الله؟ وهل تدّعون أيضاً أنه يستحيل أن تحصلوا على التبني وأن تكونوا مثله؟ إنه غير مستحيل. لقد كان مستحيلاً قبل مجيئه على الأرض؛ لكن منذ أن سُرّ الله ورب الكل بأن يصبح إنساناً “مجرباً في كل شيء مثلنا بلا خطيئة”[7]، قد جعل هذه الأمور ممكنة وسهلة لنا. فقد أعطانا سلطاناً أن نصير أولاداً لله[8] وورثة معه[9]، الذي له كل المجد والشرف الإكرام إلى الأبد. آمين.

 

 

 


[1] متى 31:12-32 وانظر أيضاً لو 10:12

[2] لو 15:11

[3] انظر متى 13:13

[4] يو 3:3و5

[5] أع 5:1

[6] مز

[7] عب 15:4

[8] يو 12:1

[9] رو 17:8