الاستعداد للمناولة – الأب توماس هوبكو

الاستعداد للمناولة
الأب توماس هوبكو
انقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

أخي الخاطئ مثلي، هذا هو الاستعداد الواجب اتّباعه قبل أن تتوب وتذهب إلى الاعتراف. اعرفْ أولاً أن التوبة، بحسب القديس يوحنا الدمشقي، هي العودة من الشيطان إلى الله، التي تتمّ بالألم والجهاد. وهكذا أنتَ أيضاً، أيها الحبيب، إذا رغبت بأن تتوب كما يليق، عليك أن ترفض الشيطان وأعماله وتعود إلى الله وإلى الحياة التي تليق به. عليك أن تنبذ الخطيئة التي هي ضد الطبيعة، وتعود إلى الفضيلة التي هي بحسب الطبيعة. عليك أن تكره الشر كثيراً، حتى تقول مع داود: “أَبْغَضْتُ الإثم وَكَرِهْتُهُ” (مزمور 163:118)، وبدلاً عن ذلك، عليك أن تحبّ الخير ووصايا الرب كثيراً حتى تقول أيضاً مع داود: “أَمَّا شَرِيعَتُكَ فَأَحْبَبْتُهَا.” (الآية نفسها)، وأيضاً: “لأَجْلِ ذلِكَ أَحْبَبْتُ وَصَايَاكَ أَكْثَرَ مِنَ الذَّهَبِ وَالإِبْرِيزِ.” (مزمور 127:118). باختصار، الروح القدس يعلّمك بسيراخ الحكيم ما هي التوبة الحقيقية في قوله
يرتّب المسيحيون الملتزمون حياتهم في هذا العالم ويقيسونها من المناولة إلى المناولة. نحن نرحّب بيوم الرب في كل أسبوع بتوقّع تواّق إلى الدخول في شركة مقدّسة مع الله بعمل روحه القدّوس في الكنيسة، من خلال يسوع المسيح، ابن أببه وكلمته الذي هو أيضاً حمل الله وخبز الحياة. بعد يوم الرب، نحن نعيش في تذكّر خبرة المناولة الإلهية المباركة ونبدأ مباشرة بالتطلّع إلى هذه العطية الإلهية في القداس المقبِل.
يعيش المسيحيون من الأحد إلى الأحد، وطوال السنة، من الفصح إلى الفصح. نحن نعيش أيضاً، من قداس إلى قداس، من إفخارستيا إلى إفخارستيّا، من مناولة إلى مناولة. حياتنا تُقاس وتُمتَحَن بهذا الحَدَث المقدّس. بداية ونهاية كلّ ما نحن عليه وما نقوم به، كما معناه وإتمامه، هو في عطية الله من المناولة الإلهية من خلال المسيح والروح القدس في الكنيسة.

الاستعداد المستمرّ للمناولة الإلهيّة

يتذكّر المسيحيون الملتزمون ما قام به الله في التاريخ ويتوقّعون ما سوف يقوم به الله أيضاً. نحن نعيش من خلال المجيء الأول للمسيح كعبدٍ صُلب وتمجّد، كما من خلال مجيئه الأخير في نهاية الزمان ليثبّت ملكوت الله. إن عبادة الكنيسة الإفخارستية توحّد وتضمّ مجيئَي السيّد مع كل أعماله المقتدرة في التاريخ فتستحضرها لنا للمشاركة، هنا والآن، لمغفرة الخطايا وشفاء النفس والجسد وللحياة الأبدية.
كلّ لحظة من حياة المسيحي هي استعداد للقاء الله الذي يتحقق أسرارياً في المناولة. نحن نستعدّ في كل لحظة لدخول ملكوت الله الآتي بمجد وقوة عند آخر الأزمان. نحن نعيش في إدراك ثابت لحضور السيد في حياتنا هنا والآن، مهيئاً إيانا برجاء شركة معه لا تنتهي في الدهر الآتي. بهذا المنظار، كلّ ما نفكّر به نحن المسيحيون أو نقوله أو نفعله في كلّ لحظة من حياتنا هو استعداد للمناولة الإلهية – في هذه الحياة في القداس الإلهي، وبلا نهاية في الدهر الآتي عند نهاية العالم.

الاستعداد العام للمناولة الإلهية

كوننا نحن المسيحيون نعيش في هذا العالم، فيستحيل تلافي كوننا عالقين في الأعمال الدنيوية والآلام والتجارب والإغراءات، ولأننا نُغلَب بسهولة من الأهواء الخاطئة، أعطانا الله سبلاً تؤهّلنا لأن لا ننساه. فهو يقدّم لنا ممارسات تعطينا أن نحفظ ذواتنا مستعدين دائماً للقائه عند مجيئه. إنّه يعطينا قوانين من النظام الروحي والجسدي لنمارسها حتى نبقى مدركين لحضوره وقوته في حياتنا، وهكذا نبقى مستعدين لاستقباله عندما يعطينا ذاته في المناولة الإلهية.
القوانين العمومية للاستعداد للمناولة هي نفس قواعد الحياة المسيحية. إنّها ممارسات تبقينا واعين لله وللأعمال التي تفتح عقولنا وقلوبنا وأجسادنا لحضوره وقوته في حياتنا. ومن بينها بشكل أساسي:
* المواظبة على المشاركة في العبادة الليتورجية
*المواظبة على قانون الصلاة الشخصي
*المواظبة على ممارسة الصلاة العقلية المستمرّة، أي صلاة القلب، للتأكيد على تذكرنا الثابت لله
*المواظبة على تأمين أوقات من الهدوء
*الالتزام الثابت بالصوم والامتناع عن الأكل
*قراءة الإنجيل والكتابات الروحية بشكل دائم
*الاعتراف المتواتر بالخطايا (والأفكار والأحاسيس
*والتجارب والأحلام) إلى كاهننا، أو إلى مَن يسمح راعينا ويبارك بأن نعترف عنده
*الغفران المستمر لخطايا الناس الذين في حياتنا واستغفارهم عن خطايانا
*العطاء الدائم للمال للكنيسة وللمحتاجين
*مشاركة الآخرين الدائمة في وقتنا وقدراتنا وممتلكاتنا
*المجهود الثابت للقيام بعملنا اليومي قدر استطاعتنا لمجد الله وخير الناس
*النضال المستمر كي لا نخطأ حتى ولا في الأمور الصغيرة من الأعمال الروتينية في حياتنا اليومية وعلاقاتنا الشخصية.
تتكرر عبارات “المواظبة” و”الثابت” ويُرَكَّز عليها لأنّه ينبغي أن تكون ممارساتنا وأعمالنا بحسب قانون محدد. ينبغي أن نقوم بها دائماً وبشكل متماسك بانتباه واعٍ ونظام. لا يمكن تركها للهوى أو النزوة أو الإحساس.
ما يقوم به الإنسان، في ما يختصّ بالعبادة الليتورجية والصوم والقراءة والإحسان والعمل والخدمة، سوف يتكيّف مع أحوال حياته. سوف يكون عمل الإنسان مختلفاً بحسب عمر كل إنسان وقوته وصحته وتوفّر وقته وقدراته الذاتية. يقول القديسون أن قانون الصلاة والقراءة والصوم ينبغي أن يكون قصيراً ولكن متكرراً بسيطاً نقياً غير معقّد وقابلاً للحفظ. ينبغي أن تحدد هذه الأمور ويُبتَدَأ بها بإرشاد ونُصحٍ روحيين بطرق تسمح بتضمينها بسهولة ضمن إمكانيات حياة الشخص اليومية.

التهيئة الخاصة بالمناولة

بالإضافة إلى القانون الروحي العام، على كل مؤمن أن يبذل جهوداً تعبدية محددة في التحضير للمناولة الإلهية. هذه الجهود تختلف من شخص لآخر وهي تتضمّن عدداً من الصلوات الخاصة والقراءات، ممارسة الاعتراف والمصالحة مع الآخرين، بالإضافة إلى أعمال حسنة محددة أخرى كالإحسان والمساهمات المالية. وهذه تتوقّف على حالة الشخص. على سبيل المثال، قانون تهيئة الراهب أو الإكليريكي للمناولة أطول من قانون العلماني. بإمكان مَن عنده مسؤوليات أقلّ أن يقضي مزيداً من الحرية والوقت للاستعداد للمناولة ممّن ينتظره وظائف أكثر للإنجاز، كمثل أُمٍ عندها أطفال صغار. أصحاب الحياة الروحية المنظّمة الذين يشتركون بالأسرار بشكل منتظم ومتكرر، يكون عندهم قدرٌ أصغر من التهيئة الخصوصية للمناولة من الذين حياتهم الروحية غير منتظمة ولا يتناولون إلا نادراً. ينبغي بالأخيرين أن يقوموا بجهود استثنائية في قراءة صلوات محددة وأصوام خصوصية وأعمال ومساهمات طيبة واعتراف عندما لا تكون هذه الممارسات جزءً قانونياً وثابتاً ومتواصلاً من حياتهم.

صلوات قبل وبعد المناولة

يحوي كتاب الصلوات الأرثوذكسية بمختلف طبعاته المزامير والصلوات الاعتيادية قبل الاشتراك بالمناولة وبعدها. على المؤمنين المطّلعين أن يقرروا بإرشاد روحي كيف يستعملون كقانون هذه الصلوات للاستعداد والشكر. بعد هذا القرار، ينبغي بذل كل مجهود للحفاظ على القانون الشخصي إلى أن يصير ضرورياً تعديله أو تغييره، أيضاً بإرشاد ونصح روحيين، بسبب تغير ظروف الحياة.
عندما نفشل نحن المؤمنون في الحفاظ على قوانيننا، علينا أن نجد أسباب فشلنا، ونتّخذ التدبير المناسب، بمساعدة رعاتنا ومرشدينا الروحيين. بهذه الطريقة تكون مشاركتنا في عشاء السيّد السريّ بطريقة لائقة. فتكون لغفران خطايانا وشفاء نفوسنا وأجسادنا وللخلاص الأبدي، وليس لإدانتنا أو للحكم علينا.

نرجو أن يقنعنا الرب بعدم استحقاقنا للمشاركة بالمناولة الإلهية، وأن يعلمنا أن كلّ ما نقول ونعمل لا يجعلنا مستحقين لهذه العطية الإلهية. نرجو أن يحثّنا على الاقتناع بأن الاعتراف من القلب بأننا غير جديرين بالمشاركة يتيح لنا بأن نشترك بطريقة لائقة. ونرجو أن يقوينا على إطاعة كلمته وقبول جسده ودمه بخوف الله وإيمان ومحبة، حتى نرى فعلاً النور الحقيقي، ونجد الإيمان الحقيقي، ونأخذ الروح القدس، ونسجد للثالوث غير المقسم لأنّه خلصنا من خلال المناولة الإلهية والمشاركة معه.

المقال االسابق

المقال التالي

الصلاة المقبولة – الشماس تيودور الغندور

الصلاة المقبولة

الشماس تيودور الغندور

 

قال الرب يسوع في الكتاب المقدّس:” يقترب إليّ هذا الشعب بفمه و يكرمني بشفتيه و أمّا قلبه فمبتعد عني بعيدًا “( مت 15 : 8 ). ليس هناك صلاة مقبولة وأخرى غير مقبولة لدى الرب يسوع، فما هو مرفوض في الصلاة أن تتحوّل صلاتنا إلى ترداد كلمات وتمتمة جمل دون فهم معناها أو التركيز على فحوى الصلاة التي نؤديها أمام الله. والصلاة ليست بعدد الكلمات التي نرددها بل بالموقع التي تصدر منه هذه الكلمات. فكثير ما تكون صلاتنا نابعة من الشفاه فلا تستطيع أن تغوص إلى أعماق قلب الله، فالطريق إلى قلب الله تبدأ من قلب الإنسان المصلّي فهي لغة قلوب وليست لغة شفاه.
كما أن الصلاة تكون مقبولة أمام الله بقدر ما يكون مؤديها متواضع. ولا يغيب عنّا في هذا المجال مثل الفريسي والعشّار في انجيل لوقا (لو 18) حيث أخذ الفريسي موقع الصدارة في مقدمة الهيكل وأخذ بمقارنة نفسه مع العشّار وتبرير ذاته وتبيان أعماله الحسنة أمام الله، فيما اكتفى العشّار بالوقوف بعيدًا ولم يستطع رفع عينيه نحو السماء واكتفى بقول:”اللهم ارحمني أنا الخاطىء”. ويقول الرب يسوع أن العشّار هو الذي قُبلت صلاته وذهب مبررًا الى بيته. فالصلاة ليست استعراضًا لمحاسننا ومواهبنا ولا تقاس الصلاة بجمال الأداء أو قبحه بقدر ما تقاس بتواضع المصلّي أو كبرياءه.
كما أن الصلاة لتُقبل يجب أن تكون ركيزتها الإيمان فالرب يسوع قال:” كل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه” ( مت 21 : 22 ) . وإذا كنّا نصلّي بإيمان لا نعد نكترث للوقت الذي نقضيه بالصلاة فالرب نفسه كما يقول الإنجيل ” قضى الليل كله في الصلاة لله” ( لو 6 : 12 ) وهو الذي لا يحتاج للصلاة. وكم من القديسين قضوا معظم أوقاتهم بحضرة الله في الصلاة. فيما نحن لا ننفك نتلفت إلى الساعة لنرى كم استغرقت الخدمة من الوقت. فما أجمل الصلاة التي فيها المؤمنون ” يواظبون بنفس واحدة على الصلاة و الطلبة” ( اع 1 : 14 ).
وكم من مرّة في صلاتنا نطلب الضرر للآخرين الذين آذونا بتصرفاتهم أو جرحونا بمواقفهم دون علم منّا أننا لا نستطيع أن نطلب من النور أن يُعطي ظلمة. كما لا نستطيع أن نطلب من إله الخير أن يُمطر شرًا على عبيده وجبلة يديه. فهذه الصلاة كيف نعتقد أنها ستكون مقبولة لدى الله الذي يدعونا الى المحبة وحتى للأعداء، أليس هو القائل:” أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم و صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم و يطردونكم” ( مت 5 : 44 ). فلنصلِّ إذًا لأجل هؤلاء لكي يرتدّوا عن الشر الذي فيهم ولا نصلينَّ لأجل أذيتهم.
بالختام فلنتعظ من الرسول بولس الذي دعانا في رسالته إلى أهل فيليبي قائلاً :” لا تهتموا بشيء بل في كل شيء بالصلاة و الدعاء مع الشكر لتعلم طلباتكم لدى الله” ( في 4 : 6 ). والصلاة ما هي إلا لقاء مع الله وقد لا تحتاج حتى إلى الكلام حينها. فالوجود في حضرة الله لا يحدّه لا وقت ولا كلام ولا أي شيء بشري على الإطلاق.لذا “واظبوا على الصلاة ساهرين فيها بالشكر” ( كو 4 : 2 ) .

الكنيسة ليست سوبرماركت – الشماس تيودور الغندور

الكنيسة ليست سوبرماركت

الشماس تيودور الغندور

 

من الناس مَن يحسبون الكنيسة سوبرماركت يحوي رفوفًا للصلاة والصوم ومطالعة الكتاب المقدّس والخدم الليتورجية والذبيحة الإلهية والكتب الروحية والتوبة والإعتراف والأخلاق الحميدة والحركات الدينية. فيأخذون بالتجوال داخل هذا السوبرماركت منتقين ما يناسب حياتهم وراحة أبدانهم، فيفضلون أن يكون القدّاس الإلهي في ساعة متأخرة من الصباح لتنعم أجسادهم بساعات نوم أكثر كونهم يطيلون السهر في السبت ويشبعون أجسادهم أطعمة ومشروبات تجعل الجسم يتكاسل ويجبر صاحبه على النوم والنوم العميق. وآخرون يتحججون بالعلاقة المباشرة مع الله للتغيّب عن الكنيسة وعن القدّاس الإلهي والخدم الليتورجية ويكتفون بالصلاة الفردية المنزلية ومطالعة بعض الكتب الروحية. ومن الناس مَن يرون في الأخلاق الحميدة والأعمال الصالحة وحدها مدخلاً مضمونًا للملكوت فيكثرون من الإحسان ويقللون من الصوم والصلاة والمشاركة في القدّاس الإلهي ما خلا المناسبات الرسمية والأعياد.
ومن الناس مَن يجعلون من الكهنة سببًا لعدم حضورهم الى الكنيسة مع ما يرافق ذلك من تبرير للذات وتضخيم لأخطاء الكهنة التي لا ننكر وجودها كونهم بشرًا ومن بين البشر انتدبوا مع العلم أن الكاهن على المذبح هو ممثل المسيح وليس ذاك الإنسان الخاطىء الذي تعايشه في يوميات حياته. ولا تُمنع نعمة الله من الوصول الينا حتى ولو كان الكاهن خاطئًا.
وعندما يشبّ المرء قليلاً يبدأ بتبرير نفسه وتصغير حجم أخطائه للتهرّب من سر الإعتراف هذا إذا لم يكن هؤلاء من تيار الذين يدّعون أن لا وجود لسر الاعتراف في الكنيسة الأرثوذكسية وكل هذا خجلاً وجهلاً كونهم لا يعون معنى الأبوة الروحية وضرورة الاعتراف أمام الكاهن ليرافقهم في مسيرة التنقية والاستنارة والتخلّص من الخطايا ومسبباتها.
وماذا نقول عن الذين يفضّلون أن يمارس أولادهم شتى أنواع الهوايات الرياضية والثقافية والفنية ولا يفكرون بما يختص بحياتهم الروحية. ولا يسألون أين يمكن أن ينتسب أولادهم الى حركة دينية كنسية تجعلهم يتعلمون ويوسعون معرفتهم الكنسية، فيزداد إيمانهم عمقًا وتصوّب أخلاقهم فتتحول الى أخلاق مسيحية تجعلهم يشعّون حيثما وُجدوا.
كل هذا أردنا منه القول أننا في الكنيسة لا نختار بين مجموعة خيارات وممارسات بل نتخذ هذه الممارسات كأساس في حياتنا، كونه يدعونا قائلاً ” أطلبوا اولا ملكوت الله و بره و هذه كلها تزاد لكم” ( مت33:6). وأمام سؤال البعض أين الخيار في هذا الطرح؟ وهل نحن مخيرون أم مسيرون؟ أختم لأقول نحن مخيرون في الاختيار بين المسيح وكنيسته وبين السوبرماركت، ومتى اخترنا المسيح علينا بالسير معه داخل كنيسته ككل متكامل، فحتى ما لا يُعجبنا في الكنيسة هو مفيد لخلاص نفوسنا. فهلمّ الآن جميعًا نُحي كنيسة الله ونحيا بها.

يهوذا أم بطرس أم يوحنا – الشماس تيودور الغندور

يهوذا أم بطرس أم يوحنا

الشماس تيودور الغندور

 

في فترة الصوم الأربعيني المقدس، نقع كثيرًا على موضوع الخطيئة والتوبة وتضع أمامنا الكنيسة المقدّسة العديد من القديسين كأمثلة عن التوبة كالقديسة مريم المصرية. وأما في الأسبوع العظيم المقدّس فيمكن أن نتوقف عند ثلاثة مواقف مختلفة لثلاثة تلاميذ للمسيح وهم يهوذا، بطرس، ويوحنا. هؤلاء كانوا قد رافقوا المعلّم وعاشوا معه وعاينوا معجزاته وأعماله وسمعوا كلامه وبهتوا من تعاليمه وها هم في الأسبوع الأخير لحياة الرب على الأرض وقبل الصلب والموت والقبر والقيامة، نرى كلاً منهم يختار موقفًا مختلفًا عن مواقف الإثنين الآخرين.
فيهوذا مثلاً، حارس الخزنة وأمين الصندوق، أغوته الفضة والطمع بالمال فخان السيد وأسلمه الى أيدي الأثمة بثلاثين من الفضة. وما أفظع هذا العمل الذي يوازي رفض النعمة التي منحه إياها الرب يسوع أسوة بباقي التلاميذ. هذا الذي استخدم وسائل التعبير عن الحب ليدلّ الأثمة والكفرة على السيد. لقد خان السيد وخان الحب الذي ما مِن حبٍ أعظم منه بسلاح الحب نفسه. لقد ألقى التحية قائلاً :”السلام يا سيدي” (مت 49:26)، ناداه سيدي فيما كان المال سيد حياته وهاجسه الأول. يهوذا رغم معرفته بخطيئته لم يكن على علم برحمة الرب الواسعة فأدى به اليأس الى شنق نفسه فخسر الأرض والسماء معًا.
أما بطرس، التلميذ المندفع، المثابر على الخدمة بحماسة منظورة، والذي كان له شرف معاينة تجلّي الرب على الجبل مع يعقوب ويوحنا، والذي أجاب المعلّم عندما قال له أنه سينكره ثلاث مرات قبل صياح الديك مؤكدًا : :”وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ” (مت 33:26)، فقد أنكره وعندما وقعت عيناه في عيني الرب تذكّر كلامه وبكى بكاءً مرًا، بكاء ندم وحسرة وتوبة. ألم يكن هذا التلميذ نفسه الذي جاهر معلنًا حقيقة أن المعلّم هو المسيح ابن الله الحي (مت16:16) ؟ ولكن بطرس عرف خطيئته وندم واستطاع أن يستشف الرحمة والمغفرة من عيني الرب عندما التفت ونظر الرب اليه وعاد ذاك المخلص الأمين، أحد أعمدة الكنيسة العظام.
وبما يختص بيوحنا، ذاك الملقّب بالحبيب والذي يعتقد البعض أن المسيح أحبه أكثر من باقي الرسل ولكن الحق يُقال أنه الحبيب لأنه أحبّ المسيح أكثر من باقي الرسل، فهو الوحيد الذي بقي معه ورافقه حتى أقدام الصليب. لم يخف من قيافا، رئيس الكهنة، الذي كان يعرفه وبقي مع الرب مرافقًا خطواته من الإستجواب الى المحاكمة وحتى أقدام الصليب حيث كان واقفًا وحده بجانب أم الإله وباقي المريمات. وهذا ما جعل الرب يسوع يوكل أمر أمه للتلميذ الحبيب فجعلها أمه وجعله ابنها (26:19-27) وجعلها أمًا للبشرية جمعاء. وكأن بالرب يسوع يود الإشارة أن هكذا تلميذ يستحق أن يكون أخًا له وابنًا للعذراء مريم وأكثر من ذلك ابنًا لله، فقد تبنانا الله بابنه الحبيب.
ونحن اليوم إذا ما تأملنا في حياتنا، ألا نجد فيها يهوذا وبطرس ويوحنا؟ كم من المرات أصرينا أن نكون يوحنا فحاولنا البقاء مع الرب وتطبيق وصاياه وجعلها دستورًا لحياتنا، ولكن أمام ضغط الناس واتهام الحضارة لنا بالرجعية تراجعنا عن خيارنا وتنازلنا لنصبح بطرس الذي يعرف خطيئته لكنه يبكيها بكاءً مؤقتًا، لأنه اعتاد البكاء حتى أن البعض منّا اعتاد نظرة السيد المعاتبة فلم تعدّ تثير فيه حماسة للتوبة والتحوّل. وكم هناك مِن يهوذا في مجتماعاتنا أصبحت الخيانة صفة ملاصقة لهم ولا نستغرب أبدًا على مَن اعتاد الخيانة أن يخون نفسه يومًا فيُضطرها الى مفارقة جسده ويرميها في نار جهنم فتحترق بنار العذابات التي سببتها لكثيرين. والآن لنا أن نختار مَن نكون يهوذا أم بطرس، أم يوحنا؟.

نِعمَ الوكيل – ماريا قبارة

نِعمَ الوكيل

ماريا قبارة

“حسبي الله ونِعم الوكيل”، هكذا يصرخ الناس عندما يستبّد بهم الظلم ويفيض بهم الألم.
هذه الصرخة تعني أنّهم أخذوا الرب وكيلاً مطالباً بحقهم و اسلّموا أمرهم له وهو لن يخذلهم أبدا.
الربّ هو العدل، هو الحاكم، صاحب الميزان الذي لا يميل إلى تحزّب أو قرابة أو لعلاقات خاصة، هو المحكمة التي لا تحوي محامين أو وكلاء نيابة أو شهوداً أو أوراقاً وقوانين. محكمة الرب مستقلة، تعتمد على عدله، لها قوانين سماوية لا تحوي ثغرات يستطيع المحامي الدخول إليها لكي يُخرج المتهم بريئاً منها. فالقانون السماوي لا يتأثر بأشكال الناس أو بمراكزهم
يلجأ الناس في المعسكرات ومراكز الشرطة ومكاتب الأمن إلى الضرب والتعذيب والتهديد والسحق لكي يتكلم المتهم ويعترف، أما الرب فلا يحتاج إلى وسائل التعذيب هذه أو إلى أسلوب التهديد والضغط على الناس بل الرب يصحّي ضمير المتهم
إن كنت مظلوماً، اصرخ بكل ما أوتيتَ من قوةٍ واطلب من الرب بكلّ إيمان “يا ربّ، أنا مظلوم”، وفكّر دوماً بأنّ الله هو العدل ويكشف الزيف والخدعة مهما كانا متقنين. ليس عنده ضباطاً يتحرّون ويبحثون، بل هو الذي يرى الحادثة بكافة تفاصيلها وعناصرها، لا يقرأ الأوراق المزيفة ولا يسمع الكلام المصطنع، بل يعرف خفايا القلوب ويقرأ أعماق الناس، ويؤدي أحكامه في الوقت المناسب
اروي هنا هذه القصة التاريخية:
“نعرف أنّ المسيحية في العالم الوثني قد اضطهدت كثيراً إلى أن ظهر الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع وأعلن المسيحية ديناً للدولة، وبعد أن توفي قسطنطين جاء ابن أخيه الملقب بـ”يوليان المرتدّ” والذي أراد أن يُرجع روما وثنية كما كانت قبلاً. فأدخل اضطهاداً عنيفاً ضدّ المسيحيين. وفي إحدى جولات الاضطهاد هذه وهو برئاستها اعتقل ضباطه ضابطاً مسيحياً من فارس وأخذوا يسخرون منه. فقال له يوليان بسخرية: “أين النجار يسوع الناصري ، وماذا يفعل الآن؟؟”، فردّ عليه الضابط المسيحي الفارسي: “النجار الناصري يصنع تابوتاً ليُدفن فيه يوليان المرتدّ”.
وبالفعل بعد هذا الجواب بـ 24 ساعة، مات يوليان فجأة بعمر 32 سنة. سجّلت هذه الواقعة كُتب التاريخ لأن يوليان عندما كان يحتضر قال جملة شهيرة في التاريخ: “انتصرت أيّها الناصري”
إنّ العالم يمتلئ يوماً فيوماً من الشرّ والجريمة، والناس يطالبون بحقوقهم أكثر من تفكيرهم بواجباتهم، فامتلأت المحاكم بالقضايا المتنوّعة.
وعندما تصل قضايانا إلى ساحة المحاكم أعطِ يا رب حكمة للقضاة والعاملين معهم، أعطهم روح الأمانة ليقضوا باستقامة وعدل للشعب الذي ائتمنتهم عليه. ضع مرضاتك في ضمائرهم وساعدهم ليفحصوا أحكامهم وفق مشيئتك. آمين

يا مانح الواقعين القيام – ماريَّــــــا قبارة

يا مانح الواقعين القيام

ماريَّــــــا قبارة

 

“هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، فلنفرح ونتهلّل به”

هذا هو اليوم الّذي ينقضي فيه اللّيل بأعينٍ وقلوب متلهفة لفجر صباحه بزوغ القيامة. فليلُ الموت ترك المكان لشمس القيامة، وبه زال القديم ليحلّ الجديد.
هذه هي القيامة بالمسيح، فلا حياة دون موت، ولا مجد دون الم. فالحياة لابدّ أن تمرَّ بالموت، والمجد بالآلام، والفرح بالحزن
تبدأ القيامة في عيش الحبّ والغفران مع كلّ آخر لنا “اننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحبُّ الإخوة، من لا يحبّ أخاهُ يبقَ في الموت” (1يو14:3)، فحيث القيامة فهناك الحبّ.
القيامة انتقال إلى حياة تختلف عن الاختلاف، وهذا يحتاج إلى ألم “إن لم تقع حبَّة الحنطة في الارض وتَمُت فهي تبقى وحدها، وإن ماتت تأتي بثمرٍ كثير” (يو24:12)
فأعطنا أيها المسيح القائم من القبر أن نؤمن في ظلمة ضعفنا وأهوائنا، أنّك تزلزل قبورنا، وتدحرج حجره الثقيل، فتبعث فيه نافذة قياميّة متجددة بالنور؛ وهكذا تحلّ قيود خطايانا لنشرب كالسّامرية من الماء الحيّ، ونختن كلّ شهوة خبيثة لنتناول المنّ السّماوي؛ جسدك ودمك الإلهيين، وبذلك نكون شهوداً لقيامتك في كلّ لحظة من لحظات حياتنا.

الحية القديمة والنميمة “أحقاً قال الله..؟” – ماريّـــا قبارة

الحية القديمة والنميمة

“أحقاً قال الله..؟”

ماريّـــا قبارة

 

إنّ الكلمة لها تأثير على النفس البشرية، والكلمة التي تخرج من الفم تعبّر عما بداخل الإنسان. الكلمات هي شرح مفصل ودقيق لشخصية المتكلم، فمن القلب الصالح تخرج كلمات البناء ومن القلب الشرير تخرج الكلمات الهدّامة
سُِئل حكيم عن أفضل عضوٍ في جسد الإنسان فقال “اللسان”، وعندما سُئِل عن أسوأ عضو فيه قال: “اللسان أيضاً”
اللسان نارٌ آكلة، به نبارك وبه نلعن، “هو شرٌ لا يُضبط مملوء سمّاً مميتاً، به نبارك الله الآب وبه نلعن الناس الذين قد تكوَّنوا على شبه الله” (يعقوب8:3-9). اللسانُ عضو صغير جداً لكنّه أصعب المخلوقات ترويضاً.
من دون الحطب تنطفئ النار وحيث لا نمَّام يهدأ الخصام. “رجل الخصام يُطلق الخصومة، والنمَّام يفرق الأحباء” (امثال28:16)
إنَّ أول من استخدم سلاح النميمة هذا كان “الحيّة القديمة”، عندما جاء إلى حواء في عدنٍ وقال لها: “أحقاً قال الله..؟ ” (تكوين1:3)، أراد هدم العلاقة بين الله والإنسان فكان السقوط بالشك والعصيان
إنَّ النميمة والإشاعات ونقل الكلام من المُتع الاجتماعية التي يمارسها أكثر الناس، ولكن ما يكسر القلب أنّ هذا يحدث أيضاً وسط جماعة الرب في الكنيسة. النميمة سلاح مدمّر مخرّب، يهدم بيوت عائلات تعيش بسلام، وتقطع أواصر المحبة والأخوة بين الأصدقاء. تشبّه الشائعات الكاذبة بريش النعام عندما ينثر لا يمكن إعادته، وهكذا الكلام الذي يخرج من الفم
فإذا كنت تبغي التأثير في الآخرين، استخدم قوة الكلمات البناءّة، ودرّب لسانك على كلمات التشجيع، فإن لغة التشجيع لغة جديدة مختلفة عن سائر اللغات الحيّة، فهي باقة الكلمات الطيبة الرائحة والتي يشتاق الآخرون إلى استنشاقها
استخدم كلمات إيجابية حتى مع رؤسائك، فإن رئيسك يحتاج لكلمات التشجيع ليطمئن لنجاح إدارته ويشعر بمساندتك له. والتشجيع يحتاج إلى مهارة، فليست كلّ الكلمات الجميلة هي كلمات تشجيع ولكنهّا تؤثر إيجابياً. هناك كلمات تكون وقوداً لحظة اشتعال الحريق، وكلمات تكون مياهاً تطفئ الغضب الناتج. والتشجيع لا ينبع إلاّ من الشخص الذي تعلّم المحبة، فالتشجيع من دون محبة يسمى “نفاقاً”. التشجيع كلمات تعبّر عن الاقتناع وهو احد الفضائل التي تعبّر عن المحبة والاحترام
يقول حكيم: “ما تقوله تعلمه وما تسمعه تتعلَّمه، ومالم تقُله تملكه وما تقله يملِكك”. والله جعلَ لنا أذنين ولساناً واحداً لنسمع ضعف ما نتكلم. وتأكَّد أنَّ من ينمّ لك فذاك ينمّ عليك. فلا تصدق كلّ ما تسمعه ولا تحكم على شيء أو شخص من دون تحقق، ولا تنقل كلّ ما تسمع به، “لذلك اطرحوا عنكم الكذب وتكلموا بالصدق كل واحد مع قريبه، لاننا بعضنا أعضاء البعض” (افسس25:4)، “ومن يحفظ فمه ولسانه يحفظ من الضيقات نفسه” (أمثال: 23:21)
باللسان يمكن أن نرتقي إلى السموات، وبه أيضاً يمكننا أن ننخفض إلى الأرض. فماذا يكون الحال في مجتمع هوايته الأولى الكلام؟!

ولما حضر يوم الخمسين – ماريَّــا قبارة

ولما حضر يوم الخمسين
“توبوا وليعتمدْ كلّ واحدٍ منكم، فتقبّلوا عطيّة الروح القدس”(أع37:2)

ماريَّــا قبارة

 

إننّا معيدون اليوم لعيد الخمسين، عيد حلول الروح القدس، عيد نجاز وعد السيد وتحقيق آمال الرسل القديسين الأطهار. إنه سرٌ عظيم خلاصي.
إنّ عيد الخمسين عند العبرانيين تذكاراً لدخولهم أرض الميعاد، أما نحن المسيحيين فنعيد عيد الخمسين لأن الروح القدس فيه حلَّ على التلاميذ الأطهار بهيئة ألسنة ناريّة فامتلأوا كلّهم من نعمته “وطفقوا يتكلمون بألسنة مختلفة بعظائم الله” (أع4:2). كان العبرانييون يقدّمون لله تقدمة جديدة، أيّ خبزاً، لأنهم دخلوا أرض الميعاد وأكلوا خبزاً بعد أن كانوا يقتاتون المنّ في البرية، أما نحن المسيحيين فنقدّم الخبز السماوي المحيي، الذبيحة غير الدموية عن تسبحة وشكر وإكرام وسجود.
أُعطي روح الرب لشاول ليبشرّ، وبالروح القدس علّم داود وتكلّم الأنبياء. ظهر بغتةً بهيئة ألسنة نارية واستقر على البشر. لم يمتلئ البشر من مواهب الروح القدس كما امتلأوا يوم الخمسين المقدس وعليه قال الإنجيلي لوقا: “امتلأ الجميع من الروح القدس”. فأخذ الرسل مواهب التكلم بالألسنة وصاروا كليي الحكمة؛ اجترحوا العجائب عرفوا المسقبلات، تشدّدت عزائمهم وتمجَّدوا في كلّ المسكونة. أعطى الروح القدس الرسل أن يبشروا بألسنة جديدة، وهدف الموهبة هو بنيان الكنيسة وليس مجرد تشويش وبلبلة. في وقت مضى أراد الرب أن يفرّق شعوب الأرض فبلبل ألسنتهم أما في يوم الخمسين فأراد الرب أن يوحدّ البشر فأعطاهم أن يتكلموا بلغات جديدة ليوحدّهم لكي يكرزوا بالإنجيل فتصير رعية واحدة لراعٍ واحد.
إنّ حلول الروح القدس أنعش الكنيسة وحدّد روح الجماعة وأعطاها قوة على الالتزام والشركة المقدسة. والشركة المسيحية علاقة تبدأ مع الله الآب والابن مع المؤمن بالروح القدس وتنتهي بالآخر، إنّها الرابط الحي للجماعة المسيحية. والشراكة هي مساهمة كل مؤمن بما عليه من واجبات وما له من مواهب تساهم في نمو شركة الكنيسة كلها.
أين نحن من الشركة والشراكة في كنائسنا التي هي علامة انتمائنا لجسد الرب؟ أين نحن من المشاركة في العطاء والإحسان المادي؟ حولنا، محتاجون فقراء مساكين، ماذا نفعل لأجلهم؟. هناك ممارسات لا تُرضي يسوع، ننتهز أدنى الفرص لتجريح الآخرين، نعيش بطريقة كأن الله يجب أن يكون بعيداً وغير مشارك في حياتنا.
إنّ شركة الكنيسة تتلّون بحياة يسوع وطريقة معاملته واهتمامه بالآخرين. جاء يسوع ليعطي ذاته للكل، أعطانا الروح القدس ومواهبه. وهذه المواهب التي فينا لا تخلّص الإنسان بل ثمرها هو الذي يخلص. إنّ ثمر الروح هو علامة التفاعل بين المؤمن وسكنى الروح القدس فيه. ومن دون الثمار لا تستحق أيّ شجرة أن تبقى شامخة بل يلعنها السيّد مثل شجرة التين غير المثمرة فالمطلوب، ثمار وليس كثرة أوراق توهم الجميع بأنّها شجرة كبيرة.
فمواهب الروح القدس تكون سبب دينونة، وهي وزنة سيحاسب عليها الإنسان إن ساء استخدامها. “وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان” (غل22:5).

“رابح النفوس حكيم” (أمثال:30:11) – ماريَّــــا قبارة

“رابح النفوس حكيم” (أمثال:30:11)

ماريَّــــا قبارة

 

إنّ الخطيئة الخفية تضرُّ فاعلها فقط، أما الخطيئة العلنية فتضرُّ كثيرين لأنها مشاهدة ومسموعة. والخطيئة في الخفاء خطيئة واحدة أما التي تصير جهاراً فتكون خطيئة ذات ألف ضعف بسبب الذين ينظرونها ويسمعونها، فلا ينالهم منها إلاّ الضرر والعثرة.
وتنتشر خطيئة العثرات وتتفشى بين المؤمنين بسهولة، لان المثال الرديء وخاصة من الكهنة ورجال الكنيسة يعثر منه المرء ويبطل به تبكيت الضمير
تجسّم العثرة الخطيئة كثيراً فـ “الويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة” (مت7:18). والويل لذلك الكاهن الذي وضعه الله على منارة الباب الملوكي لكي ينير بنور أعماله الفاضلة جميع الذين في كنيسته أما هو فبظلام أعماله وكلامه يعثر جميع الإخوة الذين أؤتمن عليهم. فلا تبرير للعثرة بأية حجة رعائية كانت أم ائتمانية. الويل لأولئك الكهنة والمربين الذين أسلمهم الله أمر رعاية أبنائه حسناً وأما هم فبدلاً من أن يؤدبوا بالمثال والقدوة الحسنة يدهورونهم ويعثرونهم بالتشهير وغيره في مهاوي الهلاك.
وإن كان التواضع المملوء حباً هو مدخل الملكوت فإن هذا التواضع يقوم على نفس منفتحة وواضحة. وإن شعر الكاهن أن ابناً له قد اخطأ، ففي محبة صادقة وشخصية يذهب إليه ويعاتبه منفرداً حتى إذ يسمع منه يربح اخاً. يذهب إليه حاملاً فكر المسيح لكي يقتنيه بالمحبة للمسيح كعضوٍ في جسده. يذهب إليه منفرداً حتى لا يتحول العتاب صراخاً أو نوعاً من التشهير ولكي يعطيه فرصة لمراجعة نفسه بلا عناد. يذهب إليه ليحمله للتوبة إلى الله.
يقول الذهبي الفم: “إن أخطأ أخوك إليك، فابحث عنه سراً لتصلح خطأه خفية. أما إن أردت توبيخه أمام الجميع فأنت لا تكون راعياً لأمره بل فاشياً للسرّ ومعثراً آخرين”
وفي العثرات التي يرتكبها الكاهن بحق إخوته والمؤمنين يحاسب عليها أمام ربه. لذا فعلى الكاهن الراعي أولاً أن يدقق جيداً في كل لفظ يقوله وفي كلّ تصرف يصدر منه. وما الكهنوت يا إخوتي إلاّ سلاح ذو حدين: قد يكون بركة وهذا للتقديس، أو عثرة للغير! وعليه ألاّ يتحدث أو يعظ عن فضيلة روحية يطلبها من رعيته وهو لا ينفذها في حياته! وأن يحترس في الوعظ في الأمر ذاته أكثر “فلا تكونوا معلمين كثيرين يا إخوتي عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم” (يع1:3)
لا تحتمل الكنيسة عدم الحكمة في الكلام أو التصرف. ومن فم الكاهن تخرج الشريعة، “فبكلامك تبرر وبكلامك تدان”، ولا تنسى أبداً أن الكهنوت يفرض عليك قيوداً في الكلام. فكلام الكاهن لغة الملح وليس لغة العالم بكلامه الرديء.
القلب الممتلئ بالمحبة يترفق بالخطاة ويشفق عليهم ويراعي ظروفهم ولا يحتقرهم أو يشهر بهم بل يقف إلى جانبهم. ومشاعر المحبة من أنبل المشاعر وسبباً لجذب الآخرين. فلا فائدة بذهابنا لخدمة القديسين. نحن نخدم الجميع بل نخدم الخطاة أولاً من اجل المحبة التي تردد دوماً نشيدها الخاص “ومعك لا أريد شيئاً” وبها نقدم جواباً لدى منبر المسيح المرهوب “الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد” (يو17:12)

“ليس هو ههنا، لكنه قد قام” (لوقا6:24) – ماريَّـا قبارة

“ليس هو ههنا، لكنه قد قام” (لوقا6:24)

ماريَّـا قبارة

 

القيامة فيض الحياة الإلهية في إنسانية المسيح المنفتحة على الله بعطاء تام. فالمسيح بلغ قمة التخلي بصليبه المقدّس وقدّم كليته لله الآب تقدمة محبة فتدفقت الحياة الإلهية في إنسانية المسيح المنفتحة كلياً لله الآب وتحوّلت بالمجد الإلهي.
إن مجد إلوهية يسوع المتجسّد كان مستتراً وراء الطبيعة البشرية التي اتخذها بحدودها وشقائها. وبصليب المسيح تحققت القيامة وظهر مجد الرب بقيامته من بين الأموات
فبعد أن رُفع المسيح إلهنا على الصليب رفع خطايا العالم وذاق الموت، ونزل إلى أسافل دركات الجحيم فسحق الأمخال الدهريّة المثبتة وللحال قام من بين الأموات وصعد إلى السماء بمجد وقوة
وهكذا علينا أن نخرج من هذا العالم وندخل بشبه آلام الرب في قبر التوبة والتواضع فيدخل الرب إلى أجسادنا كإلى قبر ويتحدّ بنفوسنا الميتة مقيماً إياها معه من جديد
علينا أن نسرع إلى الكنيسة؛ بريتنا ومحرابنا، “كثيرة هي أولاد البريّة” (اش1:54)، وأن نحلَّ قيود خطايانا بأن نشرب الماء الحيّ كالسامرية، وماؤنا الحي هو التعاليم الإلهية، وأن نختن كل هوى خبيث وشهوة ضارة، ونتناول المنّ الإلهي؛جسد مخلصنا ودمه الكريمين. وهكذا نعيّد فصحاً مقدساً لائقاً، فهذا هو اليوم البهيج الفرح، يوم الغبطة والسرور، عبق قيامة المسيح، فلنفرح ولنتهلل به.
والقيامة توبة، ونحن الخطاة الأموات علينا بالتوبة لنعبر القيامة، فالقيامة ليست ذكريات ننشدها ونتذكرها ولا طقوس نمارسها بل هي حياة نحياها مع الرب يسوع القائم من بين الأموات والذي أقامنا معه.
فهلموا بنا إلى قبر المخلص مع النسوة البشيرات لنجده فراشاً أعدّه لنا الرب بأكفانٍ ثمينة، ونجد منديله لنمسح به دموعنا المسكوبة في جهادنا في هذا العالم، ونتعرف مع المجدلية على صوت الرب “صوت حبيبي، هوذا آتٍ طافراً على الجبال قافزاً على التلال” (نش8:2)، ونحوّل قلوبنا نحوه ونهتف: “ربي وإلهي المجد لك”

المسيح قام، حقاً قام