دليـل الاعتـراف – إعداد أحد آباء الكنيسة الأرثوذكسية

دليـل الاعتـراف

إعداد أحد آباء الكنيسة الأرثوذكسية

 

مقدمة:

هذا الدليل هو مجرد مذكٌرة وُضعت من أجل تهيئة أفضل لسر التوبة والاعتراف. أن يعرف الإنسان نفسه وأن يعمل لخلاصها هو علم كبير، لكن النفس لا ينقذها إلا المخلص الإله الإنسان يسوع المسيح الذي أسّس التوبة والاعتراف كسبيل خلاصي فريد في كنيسته. لذلك لا بد لك أن تقفز فوق كل عائق يمنعك من التوجه إلى كرسي الاعتراف حيث ينتظرك، بحنان، ممثل المسيح، “الكاهن أو الأب الروحي”، الذي يعرف كيف يفهم ويعطف على الخاطئين، إخوته.

لذلك أبعِدْ عنك كلّ خوف وخجل. فلماذا تخاف أو تخجل عندما تتألم نفسك من جراء الخطايا المتنوعة؟ ولماذا لا تخجل ولا تخاف عندما تنتابك أمراض متنوعة؟ بل تبادر مسرعاً إلى الطبيب أو حتى إلى المستشفى لإجراء الاستطباب الفوري.

لا تتشبه بالذين يطلبون من الكاهن أن يقرأ عليهم “أفشين” الحل والمغفرة دون اعتراف سابق. عندما تتصرف على هذا المنوال عن قصد فانك تخطئ وتستهزئ بالله.

تقدّمْ من الاعتراف بإيمان وصدق وكنْ على يقين أن محبة المصلوب سوف تقبلُك وتحررك من الثقل الذي عندك، لأنه يقول “تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”.

أنت والله

v     هل تؤمن بالله؟ بالثالوث الأقدس؟ بألوهية المسيح والروح القدس؟ هل تؤمن بالكنيسة وبأسرارها؟ بوجود الفردوس والهلاك؟

v     هل لديك ثقة بنفسك دائماً؟ هل تؤمن بعناية الله خاصةً في المراحل الصعبة من حياتك؟ أو أنك تيأس وتبرهن عن ضعف في الإيمان؟

v     هل حصل وتذمرت أمام الله في الشدائد، في الأمراض أو في التجارب، فأضعت من جراء ذلك إيمانك وشجاعتك؟

v     هل تؤمن بالتبصير والمندل، بالتنجيم والسحرة، بالمكتوب وتبصير القهوة؟ هل دفعت آخرين ليلتجئوا إلى مثل هذه الطرق؟

v     هل تؤمن بالأفكار المسبَقة والشعوذات وتعتبر من العلامات السيئة ارتجاج الأخشاب، رنين الأذنين، عويل الكلاب، الالتقاء بكاهن؟…..الخ.

v     هل تعتمد على الحظ والنصيب؟

v     هل تصلّي صباحاً ومساءً وعلى المائدة؟ هل تخجل من رسم إشارة الصليب أمام الآخرين، مثلاً في مطعم أو أثناء مرورك بكنيسة؟

v     هل تقرأ الكتاب المقدس أو كتباً روحية أخرى؟

v     هل تذهب كل أحد إلى الكنيسة وفي الأعياد؟

v     هل تتابع القداس الإلهي من البداية حتى النهاية، أو أنك تدخل متأخراً وتخرج قبل النهاية؟

v     هل تحتشم في لباسك، خاصةً عند ذهابك إلى الكنيسة؟ هل تنتبه إلى عدم الضحك وعدم مناقشة الآخرين في الكنيسة حتى ولو أثناء إتمام سر المعمودية أو الزواج؟

v     هل حدث ومُنعتَ أنت وزوجتك أو أولادك أو معارفك من المجيء إلى الكنيسة؟

v     هل تتناول بانتظام أو أنك تتناول مرة كل سنة وبدون اعتراف؟

v     هل تحلف بدون بسبب أو تكذب على قَسَم أعطيته؟

v     هل جدفت على اسم المسيح، العذراء أو القديسين؟

v     هل تصوم، في حالة عدم وجود عائق صحي، الأربعاء والجمعة وفي الأصوام المقدسة؟

v     هل حدث ورميت خارجاً كتباً مقدسة في أماكن قذرة؟

أنت والآخـرون

v     هل تكره أو تعادي أحداً أساء إليك أو شتمك في غضبه؟

v     هل تشك في الآخرين معتقداً أنهم يتكلمون عليك، لا يريدونك، لا يحبونك ولا يتعاطفون معك؟

v     هل تحسد الآخرين وتقلق من تقدمهم، أو نجاحهم، أو جمالهم أو خبراتهم؟

v     هل تغض النظر عن قريبك المصاب أو الواقع في حاجة؟

v     هل أنت كريم مع رفاقك، مستقيم، صادق وعادل؟

v     هل تمارس النميمة على قريبك وتدينه؟

v     هل تستهزئ بالأتقياء الصائمين أو المجاهدين في سبيل حياة مسيحية، وتضحك عليهم؟ وهل تستهزئ بالذين عندهم نواقص طبيعية أو روحية؟

v     هل حدث ونقلت، ولو رغم أرادتك، خبراً ما أو اتهاماً ضد شخص آخر سمعته فآذيت قريبك وأهنته بهذه الطريقة؟

v     هل أدنتَ تصرف آخرين، أعمالهم، ضعفاتهم، زلاتهم في غيابهم حتى وإن كانت صحيحة؟

v     هل لعنت أحداً أساء إليك أو نفسك، أو حتى الساعة التي ولدت فيها، في ظروف صعبة مرّت في حياتك؟

v     هل تمنيت إرسال بعض الآخرين إلى الشيطان؟

v     هل تحترم والديك وتهتم بهما؟ تحتملهما اٍن كانا عاجزين؟ هل تساعدهما في حاجاتهما الجسدية والروحية؟ هل تهتم بذهابهما إلى الكنيسة ومناولة الأسرار؟ هل تخليت عنهما بدون شفقة؟

v     هل ضربت أحداً في غضبك وأهنته بكلامك؟

v     هل دفعت أهلك إلى تسجيل ميراث لك ظالماً بهذا إخوتك؟

v     هل تتمم عملك المهني أو رسالتك بإخلاص؟

v     هل تسرق؟ هل ساعدت أحداً آخراً على السرقة أو على إخفاء السارق؟ أو هل تحتفظ عندك بأمور مسروقة؟

v     هل أنت ناكر للنعمة الإلهية وغير شكور للذين أحسنوا إليك؟

v     هل ترافق أناساً أشراراً أو تسيء السمعة؟ هل دفعت أحداً بالكلام أو بالأعمال إلى الخطيئة؟

v     هل قمت بتزوير؟ هل خالفت قوانين الدولة؟

v     هل استدنت من أحد ولم تسدد الدين؟

v     هل قتلت بأي شكل ما؟

v     هل تدخلّت في حياة الآخرين، أو بأعمالهم، أو بعائلاتهم وسببت نزاعات واضطرابات؟

v     هل ترحم الفقراء، اليتامى، الشيوخ، كثيري الأولاد، أو العائلات الفقيرة التي تعرفها؟

مـع نفــسك

v     هل أنت متعلق بالمادة وبالخيرات الأرضية؟

v     هل أنت محب للمال؟ هل عندك طمع؟

v     هل أنت مبذر؟ هل تؤمن بأن كل ما يفيض عنك يخص الفقراء؟

v     هل عندك حب العظمة؟

v     هل تفتخر بعطائك من لباس، مال، نجاح، ومن علامات ابنك؟

v     هل تفتش عن مديح الناس ومجدهم؟

v     هل تتقبل المديح بسرور وتنتظر من الغير أن يتملقك ويقول أن أفضل منك لا يوجد؟

v     هل تضطرب عندما يكتشفون أخطاءك وهل تتذمر عندما يوبخك رؤساؤك؟

v     هل أنت عنيد، مدّعي، أناني، متكبر ومتفرّد؟ (انتبه إلى خطاياك لأن معالجتها صعبة)

v     هل تلعب بالورق، حتى بدون مال، مع عائلتك أو أصحابك لكي تقتل الوقت كما يقول البعض؟

v     هل دنّست جسدك بخطايا جسدية وكذلك نفسك؟

v     هل تتابع مشاهد رذيلة على التلفزيون أو في السينما أو في الفيديو؟

v     هل تطالع كتبا أو مجلات لا أخلاقية؟

v     هل فكرت مرة بالانتحار؟

v     هل أنت عبد لبطنك؟

v     هل أنت كسول، متهامل، بليد؟

v     هل تتفوّه بكلمات غير لائقة، عدائية، شتائم إما للسخرية أو للشتم أو للاستخفاف بالآخرين؟

v     هل عندك روح التضحية؟

v     هل تطرد من فكرك الأفكار السيئة التي تأتى لتدنس قلبك؟

v     هل تنتبه لنظراتك حتى لا تنجذب وراء الصور أو الوجوه المغرية؟

v     هل تنتبه لأذنيك ولسمعك؟

v     هل تحتشم في لباسك؟ إن كنت امرأة هل ترتدين ألبسة رجالية أو لباساً مغرياً يسبب الشك خاصة في أماكن مقدسة؟ وإن كنت رجلاً هل تسعى وراء حب الظهور؟

v     هل ترقص في أماكن رذيلة؟ أو تغني أو تسمع أغاني طائشة؟

v     هل تسكر؟

v     هل تدخن(بإسراف)؟ إن التدخين يفسد صحتك ويعتبر رذيلة؟!

للمـتزوجـين

v     هل تحافظون على الإيمان الزوجي؟ إنه لرهيب على أحد الزوجين أن يتطلع إلى علاقات تنافي الزواج المقدس!

v     هل أحزن أحد الزوجين الآخر أمام الآخرين أو على انفراد؟

v     ربما لا يحتمل الواحد ضعفات الآخر، هل تظهرون قساوة؟

v     هل تسمح لقرينتك أن تتبع الموضة أو أي مظهر منافي لشريعة الله؟ وهل يدفع أحد الزوجين الآخر لحياة اللهو والسلوى واتباع عادات العالم المؤذية؟

v     هل تفكر بالجهاد الواجب أن يقوم به كل من الزوجين إن كان خارج البيت أو داخله من أجل أن يريح الواحد الآخر نفسياً وجسدياً؟

v     هل تتطرف في علاقاتك الزوجية؟ هل تحترم الإمساك في أيام الآحاد والأعياد والأصوام؟

v     هل يمنع الواحد الآخر من الذهاب إلى الكنيسة أو إلى الاجتماعات الدينية؟

v     هل تربون أولادكم على ناموس الرب ووصاياه؟ هل تهتمون فقط بثقافتهم دون أن تكترثوا إلى نوعية شخصيتهم؟

v     هل تقودون الأولاد إلى الكنيسة، إلى الاعتراف، إلى المناولة، إلى التعليم الديني؟ هل تربونهم بكلام الفضيلة وبعملها؟ بالصلاة صبحاً ومساءً وعلى المائدة بانتباه وتقوى؟

v     هل تنتبهون إلى مطالعاتهم؟ هل تهدونهم إلى الكتب الروحية؟

v     هل تنتبهون إلى نوعية أصدقائهم؟

v     هل تدفعونهم إلى رؤية مشاهد خلاعة، أو تسمحون لهم برؤية التلفزيون بصورة غير محدودة؟

v     هل تعلموهم التواضع واللباس المحتشم؟

v     هل تلعنوهم عندما يعذبونكم؟ أو ترسلونهم إلى الشيطان؟

v     هل تقدمون على الإجهاض وتتحاشون إنجاب الأولاد؟

v     هل ظلمتم الأولاد عند توزيع الميراث؟

v     هل أنتم مقصرون في تغذية أولادكم،في تعليمهم،في تربيتهم عامة وحضوركم معهم؟

v     هل توبخونهم وتزودونهم بكلمات غير لائقة؟

v     هل يحترم كل واحد أهل الجانب الآخر؟ هل يتدخل الأهل في حياتكم الزوجية ويخلقون لكم متاعب؟

v     هل تتدخلون في عائلة ولدكم؟

v     هل يجدف الواحد؟ عندها ليجتهد كل واحد أن يضبط نفسه ويقطع عنه كل كلام تجديف.

دليـل الاعتـراف

إعداد أحد آباء الكنيسة الأرثوذكسية

مقدمة:

هذا الدليل هو مجرد مذكٌرة وُضعت من أجل تهيئة أفضل لسر التوبة والاعتراف. أن يعرف الإنسان نفسه وأن يعمل لخلاصها هو علم كبير، لكن النفس لا ينقذها إلا المخلص الإله الإنسان يسوع المسيح الذي أسّس التوبة والاعتراف كسبيل خلاصي فريد في كنيسته. لذلك لا بد لك أن تقفز فوق كل عائق يمنعك من التوجه إلى كرسي الاعتراف حيث ينتظرك، بحنان، ممثل المسيح، “الكاهن أو الأب الروحي”، الذي يعرف كيف يفهم ويعطف على الخاطئين، إخوته.

لذلك أبعِدْ عنك كلّ خوف وخجل. فلماذا تخاف أو تخجل عندما تتألم نفسك من جراء الخطايا المتنوعة؟ ولماذا لا تخجل ولا تخاف عندما تنتابك أمراض متنوعة؟ بل تبادر مسرعاً إلى الطبيب أو حتى إلى المستشفى لإجراء الاستطباب الفوري.

لا تتشبه بالذين يطلبون من الكاهن أن يقرأ عليهم “أفشين” الحل والمغفرة دون اعتراف سابق. عندما تتصرف على هذا المنوال عن قصد فانك تخطئ وتستهزئ بالله.

تقدّمْ من الاعتراف بإيمان وصدق وكنْ على يقين أن محبة المصلوب سوف تقبلُك وتحررك من الثقل الذي عندك، لأنه يقول “تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”.

أنت والله

v     هل تؤمن بالله؟ بالثالوث الأقدس؟ بألوهية المسيح والروح القدس؟ هل تؤمن بالكنيسة وبأسرارها؟ بوجود الفردوس والهلاك؟

v     هل لديك ثقة بنفسك دائماً؟ هل تؤمن بعناية الله خاصةً في المراحل الصعبة من حياتك؟ أو أنك تيأس وتبرهن عن ضعف في الإيمان؟

v     هل حصل وتذمرت أمام الله في الشدائد، في الأمراض أو في التجارب، فأضعت من جراء ذلك إيمانك وشجاعتك؟

v     هل تؤمن بالتبصير والمندل، بالتنجيم والسحرة، بالمكتوب وتبصير القهوة؟ هل دفعت آخرين ليلتجئوا إلى مثل هذه الطرق؟

v     هل تؤمن بالأفكار المسبَقة والشعوذات وتعتبر من العلامات السيئة ارتجاج الأخشاب، رنين الأذنين، عويل الكلاب، الالتقاء بكاهن؟…..الخ.

v     هل تعتمد على الحظ والنصيب؟

v     هل تصلّي صباحاً ومساءً وعلى المائدة؟ هل تخجل من رسم إشارة الصليب أمام الآخرين، مثلاً في مطعم أو أثناء مرورك بكنيسة؟

v     هل تقرأ الكتاب المقدس أو كتباً روحية أخرى؟

v     هل تذهب كل أحد إلى الكنيسة وفي الأعياد؟

v     هل تتابع القداس الإلهي من البداية حتى النهاية، أو أنك تدخل متأخراً وتخرج قبل النهاية؟

v     هل تحتشم في لباسك، خاصةً عند ذهابك إلى الكنيسة؟ هل تنتبه إلى عدم الضحك وعدم مناقشة الآخرين في الكنيسة حتى ولو أثناء إتمام سر المعمودية أو الزواج؟

v     هل حدث ومُنعتَ أنت وزوجتك أو أولادك أو معارفك من المجيء إلى الكنيسة؟

v     هل تتناول بانتظام أو أنك تتناول مرة كل سنة وبدون اعتراف؟

v     هل تحلف بدون بسبب أو تكذب على قَسَم أعطيته؟

v     هل جدفت على اسم المسيح، العذراء أو القديسين؟

v     هل تصوم، في حالة عدم وجود عائق صحي، الأربعاء والجمعة وفي الأصوام المقدسة؟

v     هل حدث ورميت خارجاً كتباً مقدسة في أماكن قذرة؟

أنت والآخـرون

v     هل تكره أو تعادي أحداً أساء إليك أو شتمك في غضبه؟

v     هل تشك في الآخرين معتقداً أنهم يتكلمون عليك، لا يريدونك، لا يحبونك ولا يتعاطفون معك؟

v     هل تحسد الآخرين وتقلق من تقدمهم، أو نجاحهم، أو جمالهم أو خبراتهم؟

v     هل تغض النظر عن قريبك المصاب أو الواقع في حاجة؟

v     هل أنت كريم مع رفاقك، مستقيم، صادق وعادل؟

v     هل تمارس النميمة على قريبك وتدينه؟

v     هل تستهزئ بالأتقياء الصائمين أو المجاهدين في سبيل حياة مسيحية، وتضحك عليهم؟ وهل تستهزئ بالذين عندهم نواقص طبيعية أو روحية؟

v     هل حدث ونقلت، ولو رغم أرادتك، خبراً ما أو اتهاماً ضد شخص آخر سمعته فآذيت قريبك وأهنته بهذه الطريقة؟

v     هل أدنتَ تصرف آخرين، أعمالهم، ضعفاتهم، زلاتهم في غيابهم حتى وإن كانت صحيحة؟

v     هل لعنت أحداً أساء إليك أو نفسك، أو حتى الساعة التي ولدت فيها، في ظروف صعبة مرّت في حياتك؟

v     هل تمنيت إرسال بعض الآخرين إلى الشيطان؟

v     هل تحترم والديك وتهتم بهما؟ تحتملهما اٍن كانا عاجزين؟ هل تساعدهما في حاجاتهما الجسدية والروحية؟ هل تهتم بذهابهما إلى الكنيسة ومناولة الأسرار؟ هل تخليت عنهما بدون شفقة؟

v     هل ضربت أحداً في غضبك وأهنته بكلامك؟

v     هل دفعت أهلك إلى تسجيل ميراث لك ظالماً بهذا إخوتك؟

v     هل تتمم عملك المهني أو رسالتك بإخلاص؟

v     هل تسرق؟ هل ساعدت أحداً آخراً على السرقة أو على إخفاء السارق؟ أو هل تحتفظ عندك بأمور مسروقة؟

v     هل أنت ناكر للنعمة الإلهية وغير شكور للذين أحسنوا إليك؟

v     هل ترافق أناساً أشراراً أو تسيء السمعة؟ هل دفعت أحداً بالكلام أو بالأعمال إلى الخطيئة؟

v     هل قمت بتزوير؟ هل خالفت قوانين الدولة؟

v     هل استدنت من أحد ولم تسدد الدين؟

v     هل قتلت بأي شكل ما؟

v     هل تدخلّت في حياة الآخرين، أو بأعمالهم، أو بعائلاتهم وسببت نزاعات واضطرابات؟

v     هل ترحم الفقراء، اليتامى، الشيوخ، كثيري الأولاد، أو العائلات الفقيرة التي تعرفها؟

مـع نفــسك

v     هل أنت متعلق بالمادة وبالخيرات الأرضية؟

v     هل أنت محب للمال؟ هل عندك طمع؟

v     هل أنت مبذر؟ هل تؤمن بأن كل ما يفيض عنك يخص الفقراء؟

v     هل عندك حب العظمة؟

v     هل تفتخر بعطائك من لباس، مال، نجاح، ومن علامات ابنك؟

v     هل تفتش عن مديح الناس ومجدهم؟

v     هل تتقبل المديح بسرور وتنتظر من الغير أن يتملقك ويقول أن أفضل منك لا يوجد؟

v     هل تضطرب عندما يكتشفون أخطاءك وهل تتذمر عندما يوبخك رؤساؤك؟

v     هل أنت عنيد، مدّعي، أناني، متكبر ومتفرّد؟ (انتبه إلى خطاياك لأن معالجتها صعبة)

v     هل تلعب بالورق، حتى بدون مال، مع عائلتك أو أصحابك لكي تقتل الوقت كما يقول البعض؟

v     هل دنّست جسدك بخطايا جسدية وكذلك نفسك؟

v     هل تتابع مشاهد رذيلة على التلفزيون أو في السينما أو في الفيديو؟

v     هل تطالع كتبا أو مجلات لا أخلاقية؟

v     هل فكرت مرة بالانتحار؟

v     هل أنت عبد لبطنك؟

v     هل أنت كسول، متهامل، بليد؟

v     هل تتفوّه بكلمات غير لائقة، عدائية، شتائم إما للسخرية أو للشتم أو للاستخفاف بالآخرين؟

v     هل عندك روح التضحية؟

v     هل تطرد من فكرك الأفكار السيئة التي تأتى لتدنس قلبك؟

v     هل تنتبه لنظراتك حتى لا تنجذب وراء الصور أو الوجوه المغرية؟

v     هل تنتبه لأذنيك ولسمعك؟

v     هل تحتشم في لباسك؟ إن كنت امرأة هل ترتدين ألبسة رجالية أو لباساً مغرياً يسبب الشك خاصة في أماكن مقدسة؟ وإن كنت رجلاً هل تسعى وراء حب الظهور؟

v     هل ترقص في أماكن رذيلة؟ أو تغني أو تسمع أغاني طائشة؟

v     هل تسكر؟

v     هل تدخن(بإسراف)؟ إن التدخين يفسد صحتك ويعتبر رذيلة؟!

للمـتزوجـين

v     هل تحافظون على الإيمان الزوجي؟ إنه لرهيب على أحد الزوجين أن يتطلع إلى علاقات تنافي الزواج المقدس!

v     هل أحزن أحد الزوجين الآخر أمام الآخرين أو على انفراد؟

v     ربما لا يحتمل الواحد ضعفات الآخر، هل تظهرون قساوة؟

v     هل تسمح لقرينتك أن تتبع الموضة أو أي مظهر منافي لشريعة الله؟ وهل يدفع أحد الزوجين الآخر لحياة اللهو والسلوى واتباع عادات العالم المؤذية؟

v     هل تفكر بالجهاد الواجب أن يقوم به كل من الزوجين إن كان خارج البيت أو داخله من أجل أن يريح الواحد الآخر نفسياً وجسدياً؟

v     هل تتطرف في علاقاتك الزوجية؟ هل تحترم الإمساك في أيام الآحاد والأعياد والأصوام؟

v     هل يمنع الواحد الآخر من الذهاب إلى الكنيسة أو إلى الاجتماعات الدينية؟

v     هل تربون أولادكم على ناموس الرب ووصاياه؟ هل تهتمون فقط بثقافتهم دون أن تكترثوا إلى نوعية شخصيتهم؟

v     هل تقودون الأولاد إلى الكنيسة، إلى الاعتراف، إلى المناولة، إلى التعليم الديني؟ هل تربونهم بكلام الفضيلة وبعملها؟ بالصلاة صبحاً ومساءً وعلى المائدة بانتباه وتقوى؟

v     هل تنتبهون إلى مطالعاتهم؟ هل تهدونهم إلى الكتب الروحية؟

v     هل تنتبهون إلى نوعية أصدقائهم؟

v     هل تدفعونهم إلى رؤية مشاهد خلاعة، أو تسمحون لهم برؤية التلفزيون بصورة غير محدودة؟

v     هل تعلموهم التواضع واللباس المحتشم؟

v     هل تلعنوهم عندما يعذبونكم؟ أو ترسلونهم إلى الشيطان؟

v     هل تقدمون على الإجهاض وتتحاشون إنجاب الأولاد؟

v     هل ظلمتم الأولاد عند توزيع الميراث؟

v     هل أنتم مقصرون في تغذية أولادكم،في تعليمهم،في تربيتهم عامة وحضوركم معهم؟

v     هل توبخونهم وتزودونهم بكلمات غير لائقة؟

v     هل يحترم كل واحد أهل الجانب الآخر؟ هل يتدخل الأهل في حياتكم الزوجية ويخلقون لكم متاعب؟

v     هل تتدخلون في عائلة ولدكم؟

v     هل يجدف الواحد؟ عندها ليجتهد كل واحد أن يضبط نفسه ويقطع عنه كل كلام تجديف.

في اقتدار شفاعة القديسين – ( القديس جاورجيوس)

في اقتدار شفاعة القديسين

( القديس جاورجيوس)

نقلته عن اليارونديكون اليوناني

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع، دده

 

حوالي عام 1849، ترك الشاب الورع جاورجيوس موطنه كابادوكية، موجهاً طرفه ناحية الجبل المقدس، بغية السجود للأماكن المقدسة والصيرورة راهباً. منذ الطفولية، نمت في قلبه عاطفة خاصة نحو القديس جاورجيوس، وإيمان مطلق بحماية شفيعه الشهيد العظيم.

بعد جولة طالت سائر الأديرة استقر به المقام في دير القديس بندلايمون، حيث طلب الانضمام الى الشركة أسوة بالعديد من مواطنيه، الذين أصبحوا رهباناً فضلاء هناك. قُبل كطالب رهبنة، وأوكل إليه أمر الاعتناء بالقلاية التابعة للدير في كارياس عاصمة الجبل.

تميز راهبنا الشاب بتقوى عميقة، فكان يتمم فروضه اليومية بانتظام واجتهاد، مما حدا بمشيخة الدير أن تقرر منحه الاسكيم الكبير، وذلك بعد سنتين أو ثلاث من قدومه الى الدير. فأبرز نذوره تحت اسم إواصاف، وأُرسل مجدداً الى خدمته السابقة في كارياس.

***  مضت سنوات عدة والراهب إواصاف مجدٌّ في سعيه، يحفظ قانونه اليومي ويشترك في الأسرار المقدسة… إلا أن الإهمال بدأ بعد ذلك يدب الى نفسه شيئا فشيئا دون أن يلحظ هو ذلك. لم يعد يقوم بمتطلبات الحياة الرهبانية، ولا حتى بمتطلبات الحياة المسيحية. ففقد حرارته الأولى وهجر صلاته هجرا كاملا تقريبا، ولم يعد يذهب حتى الى القداس الإلهي ليشترك بالمناولة المقدسة.

مع مرور الوقت، رجع الأخ إواصاف الى نفسه، واشتهى العودة الى سابق عهده. لكنه لم يركن الى مشورة أحد، بل كان ينفذ مشيئته الخاصة صالحة كانت أم طالحة. مما جعل الحزن يعصره، واليأس  يسيطر عليه، ولم يعد يدري أين وكيف يجد مخرجا.

لكن إلهنا الكلي صلاحه، والذي لا يشاء موت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا، فمن أجل نية الراهب إواصاف الحسنة، ومن أجل علاقته الحميمة بالقديس جاورجيوس، أراد أن يظهر له رأفته تعزية له، عله يستعيد نشاطه في ممارسة الفضيلة ثانية. لذا دبر له هذه الرؤيا:

في سنة 1854 كان الراهب إواصاف ما يزال في كارياس في مقر دير القديس بندلايمون. في ذكرى القديس جاورجيوس أقيمت سهرانة للمناسبة في القلاية. بدافع من الكسل والاهمال، ترك الاخ إواصاف الكنيسة قبل نهاية خدمة الغروب وذهب الى غرفته ليرتاح. وفي آخر خدمة السحر، عند ترتيل الذكصولوجيا ( المجد لله في العلى…)، عاد الى الكنيسة وجلس على مقعد في النرثيكس (مدخل الكنيسة )، وشرع يتأمل في سر تجسد السيد المسيح قائلا في نفسه: “إن الله خالق الكل، الذي جبل الإنسان بيديه، قد ارتضى ان يتجسد ويصبح إنسانا، ويُشتم، ويُصفع، ويكابد أفظع ميتة معلقا على الصليب، ويموت كإنسان، ومن ثم ينهض كإله كليّ القدرة في اليوم الثالث. لقد سُرِّ أن يقوم ويحرر الجنس البشري من الهاوية المخيفة، ويُدخله مجددا الى الفردوس، إلى ملكوت السموات. آه يا لها من محبة عظيمة للبشر يبديها الله نحونا “.

فيما هو مفتكر في هذا كله، امتلأ قلبه فرحا واغرورقت عيناه بالدموع. سكنت أفكاره وبدأ ذهنه يتحرك من تلقاء ذاته، فأخذ يردد برغبة جامحة صلاة يسوع بتواتر ( ربي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ ). فشعر في قلبه بمحبة تجاه كل أخ له في البشرية، محبة عظمت جدا حتى شملت الخليقة بأسرها. كما غمر الاتضاع روحه، فتعجب من محبة الله وتنازله الإلهي تجاه بني البشر.. لم يعد الراهب اواصاف يجد له راحة على الأرض، فاشتهى أن يطير ويستريح قرب الله، لأن قلبه قد اشتعل بنار العشق الالهي.

بعد هذا ظن الأخ اواصاف أنه خرج من الكنيسة، فرأى روحه تغادر جسده، ووجد نفسه أمام سهل جميل يمتد الى ما لا نهاية. كما شاهد حشدا من الناس يتحرك في الأفق البعيد. أمعن الراهب النظر فرأى أنهم كانوا كلهم شبانا، ذوي جمال اخاذ يلمعون كالشمس ويسيرون ببطء وانتظام.

“في بيت أبي منازل كثيرة”

امتلأ الأخ اواصاف فرحاً عظيماً، وتعجب كثيراً من وجوده في هذا المكان، وتساءل: ” مُلك مَن يكون هذا البستان الرائع المغروس بالأشجار الجميلة؟ ومن يكون هؤلاء الناس الذين يقيمون فيه؟” فتذكّر القول الإنجيلي “في بيت أبي منازل كثيرة”.

وإذ كان غارقا في تفكيره، اجتاز اولئك الأشخاص وتقدم أكثر فأكثر، فرأى بعد قليل جمعا آخر أكبر من الأول. هؤلاء أيضا كانوا شبانا شجعانا يضيئون كالشمس بثيابهم العسكرية.

لبث الأخ اواصاف هكذا ساعات عديدة يتأمل جمالهم بمنتهى الإعجاب، سابحا في بحر من الغبطة والسرور. إذ ذاك سمع صوتا يقول: ” إن أخانا هذا يبغي الذهاب الى المملكة، وكما تعلمون يجب أن يقوده أحدنا إلى هناك “.

فتقدم واحد من أولئك الشجعان، وكان يمتاز عن رفقائه ضياء، كما يمتاز القمر عن سائر النجوم وقال: ” أنا وحدي سأقود الأخ إواصاف الى المملكة. لأنه يحفظ لي مكانة خاصة في قلبه ويلهج  باسمي ليل نهار “. ثم اقترب ذاك الشاب المتلألئ من الراهب اوصاف قائلا: ” اتبعني لأوصلك الى الملكوت “.

اشتد ذهول الأخ  إواصاف  وتفكر في  نفسه: ” من  يكون هؤلاء

الناس الذين لم أرهم من قبل في حياتي؟ وكيف يدّعون معرفتي؟ إلى أية مملكة سيأخذونني؟ “. واندفع يسأل مرافقه: ” من أكون أنا لأدخل الى المملكة، وماذا سيفعل الملك من أجلي؟ من يكون هذا الملك ومن أين يعرفني؟ “.

فأجابه ذو الطلعة الملائكية: ” يا أخي، كيف تدّعي انك لا تعرف من يكون الملك ومن أكون أنا؟ ألم تعرفني، رغم محبتك الكبيرة لي ودعائك المستمر باسمي؟ قد جئت لأوصلك الى الملك، فهيا اتبعني لنذهب بأسرع ما يمكن الى مملكتنا “.   

دنا الراهب من الشاب وتبعه متحيرا من فيض المحبة والاهتمام الذين يبديهما نحوه، لكنه لم يجرؤ أن يسأله مجددا من يكون بل قال في نفسه: ” لا بد لي من معرفة هويته أخيرا “.

استمر الإثنان مجدّين في سعيهما في ذلك السهل الممتنع وصفه، ولما بلغا نهايته وجدا نفسيهما أمام طريق ضيق وطويل جدا تحيط به الاسوار العالية. كان المكان موحشا، فاضطرب الراهب وارتعدت فرائصه.

علينا دائما أن نتلو الصلاة

لاحظه قائده يرتجف خوفا، فتوجه إليه بوجه بهج قائلا: ” يا أخي، لماذا تسمح للإهمال أن يسودك، ولذهنك أن يتشتت هنا وهناك؟ لماذا لا تثابر على الهذيذ بالاسم الإلهي الذي لسيدنا يسوع المسيح؟ ألا تعرف كم من الخسارة يتعرض لها ذاك الذي يهمل صلاة يسوع، وينسى ان يتلوها مع كل نفس من أنفاسه؟ وكم من الربح يجني ذاك الذي يهذ دائما بالاسم المخلص الذي لربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح؟

إن الانسان الذي يتلو هذه الصلاة يتحرر من الأهواء والخطايا، ويغدو مسكنا للثالثوث القدوس، وهكذا يبلغ الى المحبة التي هي غاية الأماني. وها أنت قد تذوقت جزءا منها، وبصلاح الله عرفت حلاوتها وثمارها الشهية. لمَ تهمل عملك إذا؟ إلى متى ستبقى غارقا في نوم التواني ولا تنهض من سبات الخطيئة؟ تذّكر تقواك وسيرتك الأولى وغيّر سير حياتك. ألم يسبغ الله عليك نعمته لتفهم ما هو الصالح وتتبعه؟ ألم تجعل من العذراء مريم الكلية القداسة وسيطة لك للخلاص؟ “

عند سمعاع هذا الكلام تخشع قلب الراهب اواصاف وابتدأ بتلاوة صلاة يسوع. وبقدر ما كان يرددها، بقدر ما كان قلبه يتحرك بمحبة الله. فتلاشت كل الأفكار التي كانت تسبب لذهنه الاضطراب، وتحرر من جبنه، وتمنطق بقوة إلهية.

نظر اليه مرشده بلطفه المعهود وأضاف: ” أترى كيف أمسيت أفضل حالا؟ إن أردت أن تخلص فلا تنزع هذه الصلاة لا من فمك ولا من ذهنك ولا من قلبك، إذ بواسطتها تكتسب ذهنا نقيا وقلبا مفعما بالعشق الإلهي، وتعاين اسرار الله. لكن احرص على أن يكون لك أولا اعتراف دقيق أمام أبيك ومرشدك الروحي بكل ما يحصل معك خلال يومك “.

بعدما فرغ مرشده من كلامه هذا، أخذ يسير قدما في طريق أضيق من الأول، وقد تعلقت على أسواره عدة صلبان. ولكي يشير القائد الى الطريق الذي عليهما اتباعه رسم إشارة الصليب ثم أردف قائلا: ” لصليبك يا سيدنا نسجد ولقيامتك المقدسة نمجد “. وطلب من الأخ إواصاف أن يحذو حذوه.

الجسر المعلق فوق الهوة

وبعدما قطعا مسافة لا بأس بها، وصلا الى الجهة المقابلة حيت تكثر المنحدرات الوعرة، ويهيمن خوف صادر عن وجود هوة سوداء عميقة مترامية الأطراف، وكأني بها محيط كثيف الظلمة لا حدود له.

في الأفق البعيد، ما وراء هذه الهوة، ظهر جبل عال يكاد رأسه يطال السماء. وفوق الهوة تعلق جسر مرعب، كان عبارة عن خشبة واحدة مستديرة لا يتعدى عرضها الشبر. طرف الجسر الواحد ثبت هناك حيث ينتهي الطريق الضيق، أما طرفه الآخر فقد ربض عن قدمي ذاك الجبل المرتفع. ولما كان الهواء ينفخ كان الجسر يتحرك وكأنه ورقة شجر تعبث بها الريح.

استحوذ الرعب على الأخ اواصاف عندما علم بوجوب اجتياز ذاك الجسر لبلوغ الجبل. لاحظ قائده ذلك وعرف أن خوفه ناتج عن اهماله الصلاة فقال له مجددا: ” أعطني يدك يا أخي، وردد الصلاة بلا انقطاع، دون أن تفكر بأي شيء آخر “.

وهكذا سار الأخ إواصاف دونما وجل فوق الجسر. وما إن وصلا الى منتصفه حتى بادره مرافقه بالقول: ” هنا عليك أن ترسم إشارة الصليب، وأن تدعو اسم والدة الاله الممتلئة نعمة، إذ إن لاسمها في هذا المكان قوة عظمى “.

أطاع الاخ الأمر راسما إشارة الصليب وداعيا : ” أيتها الفائقة القداسة والدة الاله ساعديني أنا الخاطئ “. يا للعجب! ماذا حدث؟! لقد أحس أخونا، للحال، وكأنه تزود بقوة غريبة وتمنطق بشجاعة فائقة، فهرب من نفسه كل أثر للخوف رغم ان الجسر كان يرتجف كالورقة. استغرق مسيرهما فوق الجسر ساعات عديدة وصلا بعدها الى سفح الجبل. إلا أن مرشده رغم ذلك استمر ممسكا بيده وهكذا تابعا سيرهما غير منفصلين.

بدا صعودهما الجبل صعودا صعبا، إلا إنه كان مفرحا بسبب وجود أشجار الزيتون النضرة والعديد العديد من الأزهارالجميلة التي سيجت طريقهما يمينا ويسارا.

وفي أعلى القمة كان ينتظرهما باب كبير مفتوح على مصراعيه، فرشما نفسيهما بعلامة الصليب ثلاث مرات ثم دخلاه، فرأى الأخ إواصاف سهلا عظيما جدا نورانيا، كأنه احد الأجرام السماوية يمتد أمام ناظريه. كان أكبر من ذاك الذي صادفه في بداية الطريق. إن الكلمات تعجز مقصرة عن رسم صورة جمال هذا السهل لأنه لا يشبه أي شيء أرضي. فلا قلم يستطيع وصفه. ولا عقل يستطيع أن يدرك ما رآه الأخ إواصاف. لأنه بمقدار ما كانا يمضيان قدما، بقدر ما كان يشتد سبي عقله بسبب تناغم المكان وحلاوته، فاشتهى المكوث هناك الى ما لا نهاية.

خلال مسيرهما صادفا الكثيرين من الأشخاص في ثياب رهبانية، غير انها لم تكن سوداء بل ضاربة الى الحمرة، لامعة كالنور، وكانت وجوههم تتلألأ كالشمس. البعض منهم كانوا شبانا يافعين والبعض الآخر متقدمين في السن. إلا انهم كانوا يتمتعون كلهم بجمال واحد أخّاذ. ولما دنا منهم الأخ إواصاف، مع مرشده، استقبلوهما بفرح وعانقوهما بمحبة كبيرة متوجهين نحو المرشد وقائلين: ” افرح أيها الشهيد العظيم جاورجيوس، افرح يا حبيب المسيح “. أما هو فأجابهم بدوره: ” افرحوا انتم أيضا أيها الأبرار، يا أحباء المسيح “.

تعليم عن تفاهة العالم وذكر الموت

بعد هذا استداروا نحو الأخ إواصاف قائلين: ” يا أخانا، ماذا ينتفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه؟! هبْ أنك عشت مئة أو مئتي أو حتى ألف سنة، وتمتعت بكل الخيرات الأرضية الخداعة، وجمعت كل الذهب والفضة والأحجار الكريمة والدرر. فهذا لا يغنيك عن مواجهة ساعة الموت، ساعة خروج روحك من جسدك. عندها ماذا تنفعك هذه التي اقتنيت: البيوت، القصور، الثروات، الألقاب والرتب العالمية والعسكرية وحتى الكنسية منها؟ لا تستطيع واحدة من كل هذه أن تساعدك أو تنفعك في تلك الساعة. لذا يا أخانا، دع عنك الإهمال، وعدْ إلى حياتك الفاضلة الأولى التي كانت مفعمة تقى وورعا وتواضعا، لكي ترضي الله، وتستحق أن تأتي إلى هذه الحياة المغبوطة، التي استأهلت أن تعاينها بواسطة شفيعك المعظم في الشهداء جاورجيوس الذي أحبك كثيرا، وأتى بك لتشاهد بهاء الفردوس الذي يهبه سيدنا يسوع المسيح لأولئك الذين، لأجل محبته، حرموا أنفسهم من الخيرات الوقتية الكاذبة، التي سيتركونها يوما ما شاؤوا ام أبوا.

يا أخانا، يا ابن المسيح، لا تفضل الزمنيات على الأبديات. لا يسودنّك الإهمال والكسل فتستهين بجهادك الروحي الذي سيملأك من محبة المسيح. لا تؤثر محبة العالم الكاذب التي ستقودك الى الخطيئة والتي، بدورها، ستفضي بك الى الجحيم، وترمي بك في حضن رئيس الشر، الشيطان، حيث تحترق أبديا في تلك الظلمة. لا يحق لك أن تحيا هكذا، لا أنت ولا أي مسيحي آخر. فإن السيد قد اشترانا بدمه الكريم الكلي القداسة الذي أهرقه على الصليب. لاتُحزن إلهَنا المخلص والفادي وتُسِّر الشيطان مدمر حياة البشر ومهلك النفوس.

إن شئتنا ان لا نكف، نحن ايضا، عن التضرع الى الإله المثلث الأقانيم من أجل خلاصك وخلاص سائر البشر إخوتك، أصلحْ سيرتك لترضي الله وإيانا، نحن الذين نحب كل البشر ونريدهم أن يرثوا ملكوت السموات.”

ثم توجهوا الى مرشد الراهب إواصاف بقولهم: ” يا جاورجيوس، يا حبيب المسيح وحبيبنا، خذ على عاتقك الاهتمام بهذه النفس لتمثل أمام ملك الكل لأن دالتك عظيمة أمامه “.

في هذه الأثناء عرف الأخ إواصاف قائده بأنه شفيعه القديس جاورجيوس، وتذكر كلامه في بدء لقائهما ” أنا من سيقودك لأنك تحبني محبة خاصة “. كما تذكر أيضا كيف أنه عند وصوله الى الجبل المقدس بغية الترهب، كان قد جعل من القديس نفسه وسيطا عند الله لأجل خلاصه. وكم من المرات جرت معه عجائب عديدة عندما كان يدعو باسم الشهيد. فأحس عندئذ بمحبة روحية فائقة تغمر روحه فاقترب من مرشده وعانقه طويلا.

رتبة أخرى من الرهبان تسمو على الأولى

في ذلك السهل الكلي جماله صادفا جمعا آخر من الرهبان يشبهون الأولين إلا انهم كانوا أقل عددا إنما أكثر مجدا. فدار بينهما هذا الحوار:

– يا قديس الله، من هم هؤلاء؟ وما هي مآثرهم في الحياة حتى انهم ينعمون بمجد أكثر من أولئك الرهبان الذين رأيناهم اولاً ؟

– يا أخي، هؤلاء هم الرهبان الحاليون، رهبان هذا العصر الذين يجاهدون بملء اختيارهم رغم عدم وجود مرشد يقودهم ، مقلدين حياة الرهبان الأوائل ومرضيين لله كما أولئك تماما. لذا مُجدّوا هنا أبديا.

– في أيام كهذه زال فيها كل أثر للفضيلة، هل وجود مثل هؤلاء المختارين في العالم ممكن بعد؟

– إن هؤلاء المختارين قليلون جدا في هذه الأيام. بيد أن كل من يمارس ولو أصغر الفضائل ويحتمل، حسب استطاعته، أخاه ولا يدين أحدا، يرضي الله ويُدعى عظيما في ملكوت السموات.

وحيث أنه قد ضاع المثال الصالح ولم يبق إلا المثال السيء، فقد تكاثرت الأنانية وتعظم المعيشة والفساد والوقاحة، واضمحلت الحقيقة وساد الكذب. تفاقم الظلم وأفرخت كل أنواع الفسق والمكائد، ولم تعد افواه البشر وقلوبهم تلهج باسم الله، لذا أنى توجهت صادفت الشر أمامك.. فُقدت محبة الانسان لأخيه الانسان، وحلّ محلها الحسد والكراهية وبقية الأهواء الاخرى المشابهة. وكذلك قلْ عن الرحمة والحق والاهتمام بالاخر.

بناء على ما تقدم، قليلون جدا هم العاملون بالفضيلة اليوم. إنهم يمارسونها بسبب صلاحهم الخاص ونيتهم الخالصة. هؤلاء يكافأون أبديا، ويمجَّدون من قِبل إلهنا الكلي صلاحه أكثر من أولئك القديسين القدماء، الذين كانوا ممتلئين إيمانا حارا، ولم تتسنى لهم مواجهة الشر وجها لوجه، كما هو حاصل اليوم.

لذا كل الذين يؤثرون خلاص نفوسهم، وبالأخص أولئك الذين، لأجل محبة المسيح، تركوا العالم وخيراته الآنية، واعتنقوا حياة الرهبنة المثالية، عليهم أن يقرنوا الصلاة بذكر الموت. يجب أن لا تغيب صلاة يسوع عن شفاههم بل أن تكون متحدة بنفسِهم. كما عليهم أيضا أن يدعو اسم السيدة والدة الإله مع جميع القديسين ليل نهار، لكي يتوسطوا في خلاص نفوسهم، لأن ” وسائل الأم تستطيع كثيرا ان تستعطف السيد.” و ” طلبة الصدّيق تقتدر كثيرا في فعلها “.     

لما انتهى القديس جاورجيوس من مقولته هذه، دعا الراهب إواصاف لمتابعة طريقهما. وفيما هما متوجهان نحو الشرق، ظهر أمامهما في المدى البعيد مبنى ضخم. كان قصرا فخما جدا تحيط به أسوار ذهبية عالية، تتوهج مضيئة بنورها ذلك السهل كله.

ذهل الأخ إواصاف من جمال ذلك النور وحلاوته وسأل مرشده: ” يا قديس الله جاورجيوس، ما هو هذا القصر البادي أمامنا؟ ” فأجابه القديس بأنه ” قصر للملك الأوحد” وبأنهما سيصلان إلى هناك بعد قليل.

لما قربا من مدخل القصر، استقبلهما رجال نيّرون ذوي طلعة ملائكية، فحيّوهما مقبّلين إياهما في المسيح. ثم قادوهما عبر قاعة تشعشع من وفرة الحجارة الكريمة والذهب. كانت الدرر والألماس ينثرون نورا حلوا جميلا. في الجهة اليمنى من القاعة علقت أيقونة للسيد المسيح، وفي الجهة الشمالية عُلقت أيقونة أخرى للسيدة والدة الإله وهي جالسة على العرش. وفي تلك القاعة عينها اجتمع عدد غفير في ثيابهم الرهبانية، يرفلون بمجد لا يوصف ويلتحفون بنور باهر، يحملون في أيديهم صلبانا مع أغصان يضوع منها شذا ذكي يسكر من يتنشقه.

هؤلاء جميعا، مع القديس جاورجيوس والأخ إواصاف، رنموا امام الإيقونتين ترتيلة ” بواجب الاستئهال “، فأتى الترنيم عذبا ساحرا تتمنى لو أنه لا ينتهي. بعد ذلك رسموا إشارة الصليب ساجدين لصورتي السيد والسيدة. ثم استداروا نحو الراهب إواصاف قائلين: ” يا أخانا، إن كل ما رأيته انما كان من اجلك فانتبه واصطلح، واجتهد لتستحق المجيء الى هنا في أقرب وقت”.  انسحبوا كلهم بعد هذا وتركوا القديس جاورجيوس وحده مع الراهب، فانفتح لهما باب كبير وسمعا صوتا لذيذا من الداخل يقول: ” عظيمة هي رأفاتك يا رب على بني البشر “. ورأى الأخ إواصاف ما كان القديس بولس الرسول قد سبق فكتب عنه: ” ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر، ما قد أعد الله للذين يحبونه “. رأى كنيسة كبيرة جدا ذات تصميم غريب لا يُفقه: كان يرتفع في وسطها عرش وضاء وافر المجد  كأنه جمر مشتعل، يشع أكثر من الشمس. فوق هذا العرش استوى ” ملك المجد” وعلى رأسه اكليل من الحجارة الكريمة المتلألئة، تماما كما في ايقونة السيد المسيح، يحيط به جمع لا عدَّ له في ثياب عسكرية تلمع كالبرق.

ليس عليه لباس العرس

وقف الأخ إواصاف خارج الباب يتطلع بنهم دون شبع. إذ ذاك دخل القديس جاورجيوس، وبعد أن رسم إشارة الصليب وصنع ثلاث مطانيات للملك، خرج ثانية ليُدخل الأخ إواصاف فسمع صوتا يأمره: ” دعه، إنه غير مستحق أن يلج الى هنا، لانه لا يملك لباس العرس “.

ارتجف  الأخ  إواصاف  لدى سماعه هذا، وخشي أن يحكم عليه

الملك. لكنه عاد الى نفسه حالا، وشرع يردد بحرارة كبيرة  ” ربي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني واصنع معي حسب رحمتك.” أما القديس جاورجيوس فدخل مجددا الى حضرة السيد ووقع على قدميه مسترحما: ” إذكر يا رب الدم الذي أهرقته على الصليب لأجل خلاص البشر. لقد تجسدت لتشفي الخطأة وتخلصهم. لذا أضرع إليك متوسلا: سامح يا رب هذه النفس الخاطئة، وأرشدها في طريق الخلاص، فإني عارف يا رب أن لجة رحمتك لا تحد “.

فرد عليه السيد: ” يا جاورجيوس أنت تعرف جيدا المحبة التي أظهرتها له، والنعمة الكبيرة التي حبوته بها ليدرك أسرار محبتي الإلهية، التي يجاهد الكثير من العظام المتوحدين في سبيلها دون أن يصيبوا منها ما قد أصابه هو. إن محبتي الخاصة لا مكان لها في نفسه. فهو يحتقرني مفضلا الأمور العالمية الخدّاعة مهملا إياي. لذا فهو غير أهل للمسامحة “.

تابع القديس جاورجيوس تقبيل قدمي السيد متوسلا: ” نعم يا رب، أعرف جيدا انه غير مستحق للمسامحة فقط بل مستأهل للعقاب أيضا. غير أني أسألك مجددا أن تسكب نعمتك عليه. أنظر يا رب إلى نيته، فخفاياه واضحة امامك. حقق رغبات قلبه وخلصه كملك مقتدر أيها السيد الكثير الرحمة.

أنت  تعلم يا رب أن ” العالم قائم بالمكر”. فقد تكاثرت الخطيئة اليوم

وفُقد المثال الصالح. فلتفض نعمتك يا رب ولتخلص عبدك هذا فإن نيته صالحة وان كان يغلب من الشر بسبب العادة. خلصه أرجوك.”

طول أناة المسيح السيد

وعلى هذا أجاب السيد:” يا جاورجيوس الحبيب، إني لعالم بحالة العالم الراهنة، وعارف جيدا بمخالفة وصاياي وغياب الفضيلة وسيادة الشر. إن العالم قد تلوث بالزنى والفسق والظلم، وبكل نوع من أنواع التهتك والفحش والدسائس. ليس رجال ونساء العالم الذين لا يعرفوني هم من يمرمروني فقط. بل أيضا كل المسيحيين: الرهبان، والكهنة، ورؤساء الكهنة والعلمانيين، كلهم معا يغيظون أحشائي يوميا، ويصلبونني مجددا بمخالفتهم نواميسي. هذا كله احتملته بحلم وصبر، وأنا أطيل أناتي منتظرا أن يتوب ويصطلح أحدهم. أشتهي خلاص البشر بأسرهم ولا أشاء هلاك واحد منهم، لذا أرقت دمي على الصليب، غير أنهم عوض أن يصطلحوا  يجدفون عليّ كل يوم. وهذا الذي تسأل من أجله، لم يتوقف حتى الآن عن تتميم مشيئته الخاصة. لم أكف يوما عن إظهار طريق الخلاص الصحيح له من خلال آباء روحيين عديدين. ومع هذا فهو يخالف مشيئتي ويحتقر وصاياي. يهمل وينكر المحبة والتضحية التي أبذلها كل حين من أجله ومن أجل كل إنسان، إن جميع هؤلاء يحتقرونني.”

انطرح القديس جاورجيوس مجددا على قدمي السيد يقبلهما بتواضع كبير ويقول: ” أذكر يا رب دمي الذي سفكته حبا بك وهبني هذه النفس. نعم أيها السيد أرجوك أن تسامحه وتؤهله لارتشاف كأس محبتك، كأس التنقية، والتي يشتهي هو أن يشرب منها كي يتمم مشيئتك المقدسة.”

كأس الخلاص

فأجاب السيد بوجه باش: ” ليكن لك ما تريد يا جاورجيوس “. ثم أمسك كأسا بيده اليمنى قائلا: “خذ هذه الكأس وأعطه ليحتسيها كلها، فهذه هي كأس محبتي، التي سبق لكل القديسين أن شربوا منها، والتي قد اضحت في هذه الحياة الخداعة، كأسا مملوءة قلقا ومرارات وتنهدات وأمراضا ومصائب، وهي تفضي في النهاية الى استشهاد الجسد وموته من اجل تنقية النفس وخلاصها، ومن أجل أن يفرح أبديا معي ومع الآب والروح القدس، ذاك الذي يتجرعها كلها حتى الثمالة” .

تناول القديس جاورجيوس الكأس من يد السيد، والشكر والبهجة يعلوان وجهه. كانت الكأس ملأى من النبيذ الأحمر الذي باركه السيد. فأعطاها القديس للأخ إواصاف الذي شربها كلها بشوق كبير بعد أن رسم إشارة الصليب. فكان الشراب في حلقه شديد الحلاوة لذيذ المذاق، مما جعل شعلة العشق الإلهي تلتهب في داخله فورا، فلم يستطع أن يمسك نفسه، بل اندفع داخل تلك الكنيسة، واختطف قدمي السيد محتضنا إياهما  وهو  يغمرهما  بقبلاته  الملتهبة  حبا وفرحا. لم يكن ليطق أن يترك ذلك المكان او أن يبتعد عن الملك.

حينئذ سمع صوتا يقول: ” يا جاورجيوس، خذ الاخ إواصاف ليذهب ويجاهد بغية اقتناء محبتي الأولى التي قد فقدها بسبب اهماله. وعندما يستعد جيدا، وفي الوقت المناسب، سيكون اهلا لشرب الكأس التي قد شربتها أنا “.

نبه القديس جاورجيوس الأخ اواصاف، فضرب كل منهما ثلاث مطانيات وسجدا عند قدمي السيد الطاهرتين وشكراه بحرارة. ثم خرجا من تلك الكنيسة المنيرة وهم يصافحان أولئك الذين قد صادفوهما على التوالي، في الباحة الأمامية، في “ديار بيت الرب” مقبّلين إياهم. وبعد ذلك انطلقا في طريق العودة، فقال الأخ لمرشده: ” يا قديس الله، ألا يمكنني البقاء هنا حيث نحن الآن دون ان اضطر الى العودة للعالم؟ ” فأجابه القديس: ” هذا غير ممكن، يا عزيزي، فإن إرادة السيد، كما سمعتها، هي أن أعيدك الى العالم لكي تستعد وتجاهد لاكتساب سائر الفضائل ولتحفظ وصايا السيد. كما أنه عليك أن تُجرَّب بالآلام لتتنقى كالذهب بالنار، وتنصهر في شدائد وصعوبات الحياة. وبعد هذا،  برحمة  السيد  وإرادته،  تأتي  لتستقر  هنا  بحق، وتتمتع بمجد المسيح الى الأبد.

توصيات القديس جاورجيوس الأخيرة

وهكذا عبرا ثانية ذلك السهل  الجميل،  ممتعين  ناظريهما بكل ما

سبق لهما أن رأياه قبلا. أخيرا وصلا الى سفح الجبل، فأمسك الشهيد بيد الأخ إواصاف وتقدما الى وسط الجسر حيث توقف قائلا: ” يا أخي المحبوب، (إن ملكوت السموات يُغصب والغاصبون يختطفونه). ها قد مستك نعمة الله، فلا تكن ناكرا لنعمته تعالى. جاهد لتكتسب المحبة الأولى مجددا، وعندها تأكد، أن نعمة الله وستر سيدتنا والدة الإله ومعونتها سيكونوا دوما معك. كما أني، أنا أيضا، لن أكف عن مساعدتك “. من ثم ختمة ثلاثا بإشارة الصليب واختفى عن ناظريه.

إن الشيطان لا يستطيع ان يؤذي من كان مسيحيا حقانيا

أخذت الرعود والإضطرابات في أسفل تلك الهوة تتصاعد وسُمعت أصوات تهدد: ” الآن وقد أضحى الراهب وحده، هلم بنا نرميه الى اسفل “. كانت الشياطين تصر بأسنانها وتصرخ محدثة جلبة وضجيجا، غير أن أحدُها لم يجرؤ على الدنو من الراهب اواصاف، بل اخذوا يصدرون أصواتا متوحشة منذرين: ” هيا بنا جميعا نطرحه أسفل قبل أن يعود جاورجيوس “.

حصل الأخ إواصاف وحيدا لا معين له في منتصف ذلك الجسر المهتز، ولم يقوَ على التقدم او التراجع  ليفلت من قبضة الشياطين المكرة. وإذ هو على هذه الحالة الصعبة، رفع عينيه الى السماء متضرعا: ” أيها السيد، أرجوك ساعدني إذ قد أشرفت على خطر السقوط بسبب أبناء جهنم هؤلاء “. فجاءه صوت من السماء مجيبا: “يا أخي، تفادى الوقوع في الاهمال. ردد صلاة يسوع ” ربي يسوع المسيح…” وبشفاعات والدة الإله مع العمل الصالح والإيمان، لن تستطيع الشياطين أن تؤذيك، طالما انت تجاهد. لا تخف وسوف تخلص “.

لجأ الأخ إواصاف فورا إلى صلاة يسوع، وبشفاعة والدة الإله ومساندة القديس جاورجيوس، وجد نفسه في مقعده في  الكنيسة، يصلي متابعا خدمة القداس الإلهي، دون أن يفهم كيف.

هكذا انتهت هذه الرؤيا التي حصلت لإمام شيوخ أخوية الإواصافيين الرسامين، ومؤسسها الراهب إواصاف الذي من قيصرية الكابدوك، عندما كان في القلاية التابعة لدير القديس بندلايمون في كارياس قبل أن يصبح الدير روسيا. بُعيد هذه الحادثة بقليل، ترك الراهب إواصاف دير القديس بندلايمون مع بعض الإخوة، وبنى قلاية تحمل اسم القديس جاورجيوس في كيراسيا، حيث تفرغ بالكلية لغرس الصلاة العقلية في نفسه. فكان يرددها بالفم والذهن والقلب ليل نهار. ويمضي القسم الأكبر من يومه متأملا في الرؤيا التي حصلت له. لم ينقطع يوما عن رواية ما رأى وسمع هناك لأخويته. وهكذا تناقلت الأفواه هذه القصة المفيدة للنفس حتى وصلت الينا. كان الراهب إواصاف قد تعلم مع أخويته فن رسم الإيقونات في دير القديس بندلايمون. وحوالي العام 1880 أسس في كافسوكاليفيا بيت الإواصافيين الجميل مع كنيسته التي حملت اسم القديس جاورجيوس أيضا. كانت قلايتهم أقدم بيت عرف كمحترف لفن الرسم المقدس. وهنا بنعمة الله رقد إواصاف الراهب رقود الأبرار وحصل على النهاية المغبوطة وذلك لمجد الله المثلث الأقانيم.

الروحانية الأرثوذكسية: امتياز متبادَل بين الحياة الحاضرة والآتية – الأب د. جورج ميتيلينوس

الروحانية الأرثوذكسية:

امتياز متبادَل بين الحياة الحاضرة والآتية

الأب د. جورج ميتيلينوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

إن عبارة “الحياة الروحية”، ضمن إطار الكنيسة الأرثوذكسية، تشير إلى حقيقة محددة وطريقة حياة ملموسة ومفهومة وواضحة. ليست هي مدينة فاضلة غامضة ولا مثالية بدون أساس أو محصورة في حدود التأمّل والخيال. تتضمّن هذه الروحانية الأرثوذكسية مادية وواقعية ضمن واقع محدد لطريقة حياة، طريقة أبدية للوجود دخلت التاريخ وصارت حقيقة دنيوية أرضية من خلال تجسد الإله-الكلمة ربنا يسوع المسيح. لا يمكن تصوّر الحياة الروحية المسيحية إلا إذا كانت بالواقع مرتكزة على التجسد الإلهي.

لم يكن هدف تجسد ابن الله مجرّد تحسين الواقع البشري، بل إصلاحه وتحويله. لقد هدف إلى “عالم جديد” كحقيقة إلهية-بشرية. بحسب آباء الكنيسة الأرثوذكسية، لقد أصبح الإله إلهاً-إنساناً (theanthropos) لكي يجعل حياتنا إلهية-بشرية.

التقليد الأرثوذكسي هو الجهاد لمتابعة الحياة الجديدة بالمسيح وفي المسيح، تلك الحياة التي دخلت إلى العالم، من قِبَل البشر الذين سوف يحققون العلاقات الاجتماعية والأخوية. هذا يتحقق في كل جيل على مثال الآباء الإلهيين القديسين. يُعبَّر عن الأرثوذكسية بشكل أصيل بآبائها القديسين ووحدهم يمكن اعتبارهم الشهادات الصالحة عن حياتها. إن خبرتَي التقليد الأرثوذكسي والآباء متشابهتان وتشكّلان، ليس نقلاً آلياً لتعليم مصنّف، بل الاستمرارية الشخصية في عالم الحق المتجسّد، في الإطار الزمني لكل حقيقة محددة (حضارة، ثقافة، وضعية سياسية واجتماعية).

هذا يحملنا إلى الاستنتاج بأن، بالنسبة لنا جميعاً كأرثوذكسيين، عبارات الحق والعدالة والسلام والمساواة والأخوّة، ليست مفاهيم إيديولوجية ولا قضايا أخلاقية. إنها طريقة محققة للوجود إزاء يسوع المسيح  والآباء القديسين والأنبياء وآباء وأمهات كل العصور. إن جهادنا لتحقيق هذه المفاهيم في حياتنا لا يستند إلى نيتنا الصالحة وتصميمنا على الجهاد بل بشكل أساسي على أعمال القدرة الإلهية.

إذاً، الروحانية الأرثوذكسية ليست مجرد باطنية (تطور ثقافي أو ما شابه) بشرية المركز ولا هي روحانية مثالية ولا هي حتى تديناً. إنها المشاركة الشخصية في الحياة الإلهية التي تصبح حقيقة أرضية لكن لا يمكن تحقيقها من خلال القدرة البشرية وحدها بدون تدخل الله.

الروحانية هي حياة وجهاد في الروح القدس وهي تتماهى مع كامل حياة الكنيسة التي، كجسد، ضمن تقليدها يتجنّد الإنسان لينشد الخلاص.

يأخذ جهاد الإنسان في الانتماء الكامل لهذه الجماعة تعبيراً نضالياً ثورياً محضاً. إن ثورة المسيحي هي النسك كممارسة روحية؛ ثورة ضد الطبيعة الاستقلالية الميتة، حتى “تتلقّح” بحياة المسيح مع قيامته، إنها عصيان ضد أنفسنا نحن الذين نحيا ضمن حدود الموت والفساد. لماذا؟ الخلاص من الفساد والموت هو نعمة الله، عطية من الله غير المخلوق لخليقته. إنه ليس إنجازنا وليس مأثرة لطبيعتنا. إنه ممنوح عندما يبلغ الإنسان إلى حالة من الوجود فيها تتحرّر الطبيعة من عبودية الضرورات التي تكوّن الاستعباد للموت والفساد. لا يكتمل هذا السياق القيامي بدون عنف. كلمات المسيح ثورية بالحقيقة: “جئت لألقي ناراً على الأرض” (لوقا 49:12)، “لا تظنّوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. ما جئتُ لألقي سلاماً بل سيفاً” (متى 34:10)، “ملكوت السماوات يُغصَب اغتصاباً والغاصبون يخطفونه” (متى 12:11). كيف تُفهَم هذه الكلمات؟

إن اغتصاب طبيعتنا ضروري بالمطلَق لقهر استعبادنا الداخلي الذي يؤدّي إلى كل أشكال العبودية الخارجية. إن تجربتنا هي في الجهاد لأن ننكر “إنساننا العتيق” (روما 6:6). يجب أن تعتاد إرادة الإنسان على مقاومة مؤسسة الخطيئة التي يشكلّها الموقف الأناني نحو الناس والعالم. كوننا داخل خطيئتنا، في حياة الموت التي نسلكها، نحن نواجه كل الأمور كأشياء محايدة خاضعة لحاجاتنا ورغباتنا. فلنتأمّل في استغلال العالم والناس، التلوّث البيئي، إنتاج الأسلحة الذرية المستعملة في سباق القوى العظمى نحو التفوق بالقوة. الإنسان المخلِص للمسيح يصارع طبيعته الأنانية من خلال الحرمان الطوعي والتعهد التلقائي لضبط الجسد لكي يصل إلى التحرر الخارجي. إنه يستقيل من نزعة الخضوع لكل شيء ويتعلم محبة العالم وتحقيق وحدته معه وكشف ختم قوة الله الخلاّقة في كل مخلوق بذاته، واستعمال العالم بطريقة ترضي الله، كليتورجيا مستمرة وإشارة إلى الله. من خلال التجارب والصعوبات، وهي تمرين روحي، يصل الإنسان إلى الشركة الأصيلة حيث تصبح الحياة تجاوزاً ذاتياً للمحبة.

الميزة الثورية المحرِّرة نفسها موجودة، بداعي الضرورة، في الألم الذي يشكّل انتهاكاً لمعنى الحياة “كبقاء شخصي” و “تقدمة ذاتية من المحبة لإخوتنا البشر”. إن طريقة الوجود الفردية تتحوّل إلى شركة شخصية من المحبة من خلال النسك. لهذا السبب ربطت الأرثوذكسية بالنسك الطوعي معتبرة التجارب “عذاب الضمير”. إن انتهاك الطبيعة موجود في كليهما لكي يفعّل شركة المحبة.

إن الروحانية الأرثوذكسية هي بالتحديد هذا الصراع من أجل هذا اللقاء المحرِّر بين غير المخلوق والمخلوق. في أي حال، لا يستطيع أي إنسان أن “يعرف” غير المخلوق بالمنطق بل بالأحرى من خلال وجود غير المخلوق في المخلوق وسكناه فيه. إن غاية التقليد الأرثوذكسي هي دفع الإنسان في الاتحاد مع الله أي التألّه. تتطلّب هذه الغاية مسبقاً وجود أداة هي القلب. نحن نقبل عادةً أن جريان الدم في جسمنا هو الهدف الوحيد للقلب، وبالتالي نعتبر الدماغ والجهاز العصبي هما مركز إدراكنا لذواتنا. مع ذلك، في التقليد المسيحي الصحيح، القلب هو مكان الشركة مع الله. يسمي الآباء قوة النفس التي تنشط في القلب “فكراً”. الفكر، في هذه الحالة، لا يساوي المنطق. وفوق هذا، يُسمّى الفكر أيضاً صلاة القلب (الصلاة العقلية) التي تكمن في تنشيط الفكر في القلب. تصبح هذه الوظيفة الصلاتية بلا انقطاع (1تسالونيكي 14:5) عندما يتطهّر القلب ويحصل على نعمة الروح القدس.

إن سكون القدرة النوسية (لا المنطق) هو جوهر سقوط الإنسان. إن عدم العمل أو العمل الجزئي لهذه القدرة الفكرية، وتشوشها مع وظيفة العقل أو الجسد، يستعبد الإنسان في الإجهاد والجو والمادية مركِّزاً اهتمامه على جسده. بهذه الطريقة، يعبد الإنسان الخليقة دون الخالق، والنتيجة المباشرة هي تفكيك أصالة علاقاته الفردانية، المواقف العدائية في المجتمع، تأليه الذات وعبادتها واستغلال الله والناس لتأمين السلامة الذاتية والسعادة.

بعد شفاء مرض القلب يعود الإنسان إلى اجتماعيته الصحيحة. يكتسب القلب النقي استنارة الروح القدس. في هذه المرحلة، تصبح محبة الإنسان لذاته محبة منكرة للذات من الله. بدون الاستنارة من الله لا تستطيع محبتنا أن تتخطّى موقفنا الأناني ونقصنا. تبقى محبتنا ناقصة وزائفة. بالاستنارة يصبح الإنسان هيكلاً للروح القدس معافى وروحياً.

في المصطلحات اللاهوتية الأرثوذكسية تُسمّى عملية إعادة تفعيل الوظيفة النوسيّة في القلب “شفاء الوجود البشري” وهي عمل الكنيسة الأساسي. إن هذا هو غاية حضور الكنيسة في التاريخ كما أعطاه المسيح: استرجاع الشركة بين الله والإنسان في القلب.

في الأرثوذكسية، لا يؤجَّل الشفاء، أي استعادة علاقات الله بالإنسان إلى ما كانت عليه، إلى الحياة الآتية أي بعد الموت. إن الشفاء يُنجَز في التاريخ. المؤمن، من خلال وجود عمل الله في داخله، يصبح “هيكلاً لله” ويمتلك الأبدية ضمن الحقيقة الأرضية فيعيش في ما بعد التاريخ كما في التاريخ. إنه يصير إنساناً سماوياً كالقديسين. القديس، بحسب الأرثوذكسية، هو الإنسان الحقيقي القادر على خلق شركة من الأخوّة والعدالة. إن غاية التقليد الأرثوذكسي النهائية ليست الإجلال الأناني للشخص البشري، بل إعادة الشركة الأصيلة إلى ما كانت عليه مع البشر الآخرين. بحسب القديس اسحق السرياني، يبلغ كل القديسين الكمال عندما يصبحون كاملين ومتمثلين بالله بمحبتهم وخيريتهم المتدفقتين نحو الجميع. لا يوجد أرثوذكسية فردية ولا خلاص فردي. في آخر المطاف، الخلاص هو الدخول الكامل في مجتمع الإخوّة. وهذا ينطبق على كل الناس بدون استثناء.

إن الفرق بين الأرثوذكسية والأنظمة العلمانية هو أن هذه الأنظمة تحاول أن تخلق مجتمعاً. فيما نحن نكافح لإدخال أنفسنا في مجتمع الثالوث المُلهَم، في جسد المسيح. هذا المجتمع بطبيعته هو الأخوّة المتلألئة التي لا طبقات اجتماعية فيها (غلاطية 28:3).

في الأرثوذكسية، هذه الحياة هي حقيقة إلى يومنا هذا في الأديار، بالرغم من كل النواقص البشرية. هناك تكون الحياة بكاملها في نعمة الله حيث المساندة المتبادلة، انعدام القنية بوجود الملكية الجماعية، ومشاركة المحبة فيما كل واحد يعمل بحسب موهبته وقدرته ويتنعّم بحسب حاجاته. وهكذا، ينتفي كل شك بالاستغلال أو المبالغة بالتقدير، لأن الربح ليس الهدف. فالهدف هو الخدمة والمساندة المتبادلين.

الدير هو أنقى مثال للشركة في الأرثوذكسية وقد أثّر بشكل كبير في تشكّل المجتمع الأرثوذكسي تاريخياً، أي المجتمعات القروية والمدينية. إن حياتنا المتغرّبة والمتعلمنة تعكس بالضبط تراجعنا عن ذلك المثال وتبنينا لطرق تنظيم المجتمع الغريبة عن الأرثوذكسية وثقافتها. فهذه الثقافة مختلفة كلياً عن تلك الغربية. هذا سببه أن مثالها، في بعده الاجتماعي، ليس السعادة والمصلحة الفرديتين بل التكافل في “توزيع البؤس بالتساوي”.

قد يفكّر البعض، وهذا ما أشهده كثيراً في أوروبا الغربية، بأن هذا المثال الاجتماعي مرتبط بالماركسية. لا إطلاقاً! فالماركسية، على غرار غيرها من الأنظمة الاجتماعية، تركّز على البنى الداخلية والعلاقات. تبدأ الأرثوذكسية من الأعماق الروحية للإنسان لتستعيد صورة الله داخله بهدف تفعيل المجتمع البشري ليعكس طريقة وجود الثالوث. وهكذا، لا يكون الفرد ضحية للمسيح من أجل الخير العام بينما الخير العام يكون مصلحة الشخص الخاصة.

إن اهتمام الإنسان الأرثوذكسي ليس محصوراً في الزمن بل هو موجَّه بشكل دائم نحو الأبدية. هذا يعبّر عنه الرسول بولس “إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس” (1كورنثوس 19:15).

لا ترغب الأرثوذكسية في أن تكون جماعة دينية للخدمات الخيرية، ولا هي منظمة بشرية تكافح فقط من أجل السلام على الأرض والتعايش بين الأمم. تبتغي الأرثوذكسية أن تكون، قبل كل شيء، جسد المسيح، أي مختبر خلاص لشفاء الكيان البشري، وهذا شرط مسبَق لتنمية الإنسان على حدود الشركة الأصيلة مع الله والعالم.

إلى هذا، لا يوجد في الأرثوذكسية عملية تطورية بمعنى التغير المستمر. إن محور سلوكنا هو المسيح بلا تغيّر. فالمسيح يبقى المركز المُطلَق ونقطة المرجعية للشعب الأرثوذكسي في كل الأزمنة. المسيح يؤمّن وحدتنا عبر الزمن بوجوده في داخلنا. إن عمله غير المخلوق يوحّد، في البعد الأفقي كما في العمودي، كل الشعب المؤمن عبر التاريخ ويتمّم وحدتهم، ليس كخضوع تحت معايير محددة للعيش والتصرّف، بل كحياة ناتجة عن وجوده في داخل نفوسهم.

قواعد الحياة التقيّة – أفلاطون رئيس أساقفة كوستروما

قواعد الحياة التقيّة
أفلاطون رئيس أساقفة كوستروما

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

أَلزِم نفسك بالنهوض باكراً وعلى ميعاد محدد. ما أن تستيقظ، وجّه فكرك نحو الله: ارسم إشارة الصليب واشكره على الليلة التي مرَّت وعلى كل مراحمه نحوك. اطلب منه أن يقود كل أفكارك وأحاسيسك ورغباتك، حتى يأتي كل ما تقوله أو تفعله مرضياً له.

فيما تلبس، تذكَّر حضور الله وملاكك الحارس. اسأل الرب يسوع أن يضع عليك ثوب الخلاص. بعد أن تغتسل ابدأ بصلوات الصباح. صلِّ راكعاً بتركيز وتوقير واتضاع، كما يليق أمام عيني الكلي الاقتدار. اسأله أن يعطيك الإيمان والرجاء والمحبة بالإضافة إلى القوة الهادئة لتقبل كل ما قد يجلبه إليك النهار الآتي من الصعوبات والمشاكل. اطلب منه أن يبارك أعمالك. اطلب المعونة: لإتمام بعض الأعمال الخاصة التي تواجهك وأيضاً لتسلك بوضوح بعيداً عن كلّ خطيئة.

إن استطعتَ اقرأ شيئاً من الإنجيل، خاصةً من العهد الجديد والمزامير. اقرأ بنية أن تحصل على بعض الاستنارة الروحية، محرّكاً قلبك نحو الندامة. بعد أن تقرأ بعض الشيء، استرِح وافتكِر بما قرأت، من ثمّ تقدّم منصتاً لما يوحي به الله لقلبك. حاول أن تكرّس ما لا يقل عن خمس عشرة دقيقة لتتأمّل روحياً بتعاليم الإيمان وما قد تكتسبه روحك ممّا قرأت. اشكر الرب دوماً لأنّه لم يتركك تهلك في خطاياك، لكنه يعتني بك ويقودك بكل السبل المُتاحة إلى الملكوت السماوي. ابدأ كلّ صباح بقرارك أن تكون مسيحياً وأن تحيا بحسب وصايا الله.

عند دخولك إلى وظيفتك، كافح لأن تقوم بكل شيء لمجد الله. لا تبدأ أيّ شيء بلا صلاة لأن كل ما تفعله من دون صلاة يتحوّل لاحقاً إلى تافه ومضرّ. كلمة السيد صحيحة: “بدوني لا تقدروا أن تفعلوا شيئاً”. تمثّل بمخلصنا الذي عمل ليساعد يوسف وأمه الفائقة الطهارة. فيما تعمل حافظ على روح طيبة متّكلاً دوماً على معونة السيد. أنه لأمر حسن أن تكرر بلا توقف صلاة: “يا ربي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ”. إذا كانت أعمالك ناجحة إعطِ شكراً لله. وإن لم تكن، ضعْ نفسَك في تصرفه لأنه يهتم بنا ويوجّه كل شيء نحو الأفضل. تقبّل كل الصعوبات ككفارة عن خطاياك بروح الطاعة والاتضاع.

قبل كل وجبة، صلِّ لأن يبارك الله الطعام والشراب، وبعد الوجبة اشكر الله واسأله ألاّ يحرمك من البركات الروحية. إنه لَحَسَن أن تترك المائدة وأنت تشعر ببعض الجوع. في كل شيء، تلافَ الإفراط. اتبع مثال المسيحيين القدامى وصمْ أيام الأربعاء والجمعة. لا تكن طمّاعاً. كنْ راضياً بأن عندك طعام وكساء، متمثلاً بالمسيح الذي افتقر من أجلنا. جاهد أن ترضي الرب في كل شيء حتى لا يؤنبك ضميرك. تذكّر أن الله يراك دائماً، وهكذا كنْ يقظاً باحتراس في ما يتعلّق بأحاسيس قلبك وأفكاره ورغباته.

تلافَ أيضاً الهفوات الصغيرة حتى لا تقع في أكبر منها. أخرِج من قلبك كل فكر أو مخطط يبعدك عن الرب. جاهد خاصةً ضد الشهوات النجسة طارداً إياها من قلبك مثل شرارة محرقة تقع على معطفك. إن أردت ألا تزعجك الشهوات الشريرة، تقبّل الإذلال من الآخرين بصبر. لا تتكلّم كثيراً، تذكّر أننا سوف نعطي حساباً أمام الله عن كل كلمة نقولها. أن تسمع خير من أن تحكي: من المستحيل تلافي الخطيئة في الإسهاب. لا تكن فضولياً لسماع الأخبار التي تسلّي الروح وتلهيها. لا تُدِنْ أحداً واعتبر نفسك أقل من جميع الباقين. مَن يدين غيره يأخذ خطاياهم على نفسه. من الأفضل أن تحزن على الخاطئ وأن تصلي إلى الله ليصلحه على طريقته. إن لم يصغِ البعض إلى نصيحتك لا تجادله. وإذا كانت أعماله معثرة للآخرين، اتّخذ ما يناسب، لأن حسنات الناس، وهي كثيرة، لها وزن أكبر من خطايا الشاب. لا تحاجج ولا تختلق أعذاراً. كن لطيفاً، تحمَّل كل شيء على مثال يسوع. هو لن يزعجك بصليب يفوق قدرتَك، بل سوف يساعدك في حمل صليبك.

اسأل الرب أن يعطيك النعمة لإتمام وصاياه المقدسة بغض النظر عن كم تبدو صعبة. إذ تفعل خيراً لا تنتظر عرفان الجميل بل التجربة: لأن محبة الله تُمتَحَن بالعقبات. لا تأمل في أن تكتسب أي فضيلة من دون أحزان مؤلمة. في وسط التجارب لا تيأس، بل توجَّه إلى الله بصلوات قصيرة: “يا رب، أعِنني… علّمني… لا تتركني… احفظني…” يسمح الرب بالأهواء والتجارب ولكنه يعطي القوة لتخطيها.

أطلب من الرب أن يخلصك من كل ما يغذّي كبرياءك، حتى ولو كان مراً. تحاشَ أن تكون فظّاً، عابساً، متذمّراً، سيء الظن، شكاكاً أو مرائياً، وتحاشَ المنافسة. كنْ صادقاً وبسيطاً في تصرفك. تقبّل لوم الآخرين بضعة، حتى ولو كنتَ أكثر حكمة وخبرة. لا تفعل ما لا تريد الآخرين أن يفعلوه لك. على العكس، اصنع معهم ما تتمنى أن يصنعوه لك. إذا زارك أحد ما، كن لطيفاً معه، متواضعاً، حكيماً وأحياناً، بحسب الظروف، كن أيضاً أعمى وأصماً.

إذا أحسست بالارتخاء أو ببعض الفتور، لا تترك النظام المعتاد الذي وطدته من الصلوات والممارسات التقية. كل ما تقوم به باسم الرب يسوع، حتى أصغر الأشياء وأقلها أهمية، يصبح عمل تقوى. إذا رغبت بإيجاد السلام، أودِع نفسَك كلياً لله. سوف لن تجد سلاماً حتى تهدأ بالله وتحبه وحده. من وقت لآخر اعزل نفسك، على مثال يسوع، للصلاة والتأمّل بالله. تأمّل محبة ربنا يسوع المسيح غير المتناهية، وآلامه وموته وقيامته ومجيئه الثاني والدينونة الأخيرة.

اذهبْ إلى الكنيسة أكثر ما تستطيع. اعترف دائماً وتناول القدسات. بهذا تصمد في الله لأن هذا هو أعلى البركات. خلال الاعتراف، تُبْ واعترف بكل خطاياك بصراحة وندامة، لأن الخطايا التي لا يُعترَف بها تقود إلى الموت. خصّص الآحاد لأعمال المحبة والرحمة، مثلاً قمْ بزيارة بعض المرضى، عزِّ المحزونين، وساعد التائهين. إذا ساعد بعضنا مَن تاه لأن يتحوّل إلى الله فسوف يكون له مكافأة عظيمة في هذه الحياة وفي الآتية. شجّع أصدقاءك على قراءة الأدب المسيحي الروحي والاشتراك في مناقشة الأمور الروحية.

دعْ الرب يسوع المسيح يكون معلمك في كلّ شيء. توجّه إليه بشكل ثابت عن طريق تحويل فكرك إليه. اسألْه عن ماذا تفعل في مثل هذه الظروف؟

قبل أن تذهب إلى النوم، صلِّ حقّاً ومن كل قلبك، تأمّل بدقة في خطاياك خلال اليوم المنصرم. عليك أن تلزِم نفسك دوماً بأن تتوب بقلب نادم، بألم ودموع، لئلا تكرّر خطاياك. عند ذهابك إلى السرير ارسم إشارة الصليب وقبّل الصليب وسلّم نفسك إلى الله الرب الذي هو راعٍ صالح. تفكّر في أنك هذه الليلة قد تقف أمامه. تذكّر محبة السيد لك وأحبّه من كل قلبك وكل نفسك وكل فكرك.

بتصرفك بهذه الطريقة سوف تبلغ الحياة المباركة في مملكة النور الأبدي. نعمة ربنا يسوع المسيح لتكن معك. آمين.

الاختيارات – الأب ميخائل د.جوردان

الاختيارات

الأب ميخائل د.جوردان

تعريب إيلان منصور

 

إذا كنتَ مسيحياً وفقدتَ كلَ ما تملك, كلَ من تحب, حتى حياتك, فأنت لم تفقد شيئاً فعلاً. “اكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون” (متى20:6). عرف الشهداءُ والقديسون المسيحيون الأوائل هذه الحقيقة جيداً, لأن الكثيرين منهم تخلوا عن حياتهم من أجل إيمانهم بيسوع المسيح. لقد علموا أن أكثر ما يمكن لبشري أن يفعله لهم هو أن يضع حداً لحياتهم. لقد علموا أن أرواحهم تخصُ اللهَ ولا يمكن لأحدٍ أن يدمرها. وها هم يظفرون بما كان ينتظرهم إذ انتهت حياتهم. بكلماتٍ أخرى, هم لم يفقدوا شيئاً لكنهم ربحوا كلَ شيء! كان الخيار منوطاً بهم في عدم خضوعهم للضغط وإعلان إيمانهم بيسوع المسيح. وخيارهم هذا أكسبهم إكليلَ الشهادة وموطناً أبدياً في السماء. “فإن من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه” (مرقس35:8-36).    

إن حرية الاختيار هي هبةُ الله العظيمة لنا. وأعظم مجدٍ يمكننا تقديمه لله هو أن نستعمل حرية اختيارنا لنختاره هو. مستقبلنا الأبدي يتأثر باختياراتنا. “فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا كل شيء لمجد الله” (1كورنثوس 31:10). إن حريتنا في الاختيار تضع أمامنا خيارين اثنين: يمكن أن نختار اتباع النور (الله), أو يمكن أن نختار اتباع الظلمة. عندما نختار أن نتبع النور فإننا نستجيب للمقطع الإنجيلي المذكور أعلاه, وتمجدُ أفعالُنا اللهَ.

·        الهراوة التي تقتل يمكن أن تستخدم كوتدٍ لتامين خيمة للجوء إليها.

·        السكين التي تقطع اللحم يمكن استعمالها لتقطيع الثياب من أجل صنع ألبسة تحمينا من عناصر الطبيعة.

·        الحربة التي تقتل قد تستخدم كعتلةٍ لتخفيف حمولة ما نرفعه من الأشياء الثقيلة.

من الواضح إذاً أن الاختيارات التي نتخذها إما أن تنير أرواحنا أو تظلمها. لدينا الحرية في أن نختار تمجيد الله  أو لا وذلك من خلال تصرفاتنا وتفاعلنا مع إخوتنا البشر. كلُ الخليقة جُبِلَت لمجد الله ولأغراض صالحة.لكن سوء استعمال أي شيء يعيق هدفه الصالح ويرمي من أساء استعماله في الظلمة. “أما أنا وبيتي فنعبد الربَ” (يشوع 15:24).

قال النبي اشعيا عن يسوع المسيح: “الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً عظيماً والجالسون في كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور” (متى 16:4). “سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أن فأقول لكم أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم” (متى43:5-44).

كم وكم من المرات سمعتَ العبارة: “أحبب الخاطئ لكن اكره الخطيئة”. هذه العبارة نصف صحيحة. إذ يتوجب علينا أن نحب الخاطئ لأن يسوع المسيح طلب منا في الإنجيل أن نحبَ الكلَ, حتى أعداءنا. يجب ألا نكره أي شيء. الكره عاطفة سلبية تُظلم من يطبقها. وبالتالي تكون النسخة المستنيرة لهذه العبارة: “أحبب الخاطئ وأنرهُ واغفر الخطيئةَ”.

إذا استخدمتَ الآلة الحاسبة وأدخلت 1 وضغطتَ مفتاح الطرح ثم أدخلتَ 1 مرةً ثانيةً وضغظت مفتاح الطرح فما هو الناتج الكلي للرقمين؟ ستحصل على -2, أو أنك ستضاعف الرقم السلبي. عندما تكره الشر, فأنت تضاعف تأثيره. إذا صارعتَ الظلمة بكراهيةٍ فأنت نفسك ستدخل الظلمة!. لكن عندما تضيء الظلمةَ بنور الله والمحبة فإنك تبدد الظلمةَ وتلغيها. تماماً كما يحدث عندما تدخل -1 ثم +1 فالجواب هو صفر. ألغِ تأثير الظلمة باتخاذك اختيارات حكيمة مبنية على محبة الله المستنيرة.

“وأما الآن فاطرحوا عنكم أنتم أيضاً الكلَ الغضب السخط التجديف الكلام القبيح من أفواهكم. لا تكذبوا بعضكم على بعض إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله” (كولوسي 8:3-9). “فليس مكتوم لن يُستعلن ولا خفي لن يعرف” (لوقا2:12).

كما ذكرتُ سابقاً, أمامنا أن نختار بين النور والظلمة. عندما نختار الكذبَ فنحن نختار الظلمة. تبعاً للمقطع السابق الوارد في إنجيل لوقا, فإن ظلمةَ عدم صدقنا تنكشف دوماً عندما يُسَلط عليها نورُ الحقيقة.

في إنجيل القديس متى, الإصحاح 21, يستخدم يسوع مثلاً عن أبٍ لديه ولدين. طلبَ الأبُ من الابنَ  الأول أن يذهب للعمل في كرمه. قال الابنُ الأول: لا, لكنه في النهاية ندمَ وذهب للعمل في الكرم. أما الابنُ الثاني فأخبر والده أنه سيذهب للعمل في الكرم لكنه لم يفعل.

كان الابنُ الأول صادقاً, إذ أنه لم يخبر والد بما أراد هو (الوالد) أن يسمعه, لكنه تاب فاعلاً إرادة الأب. اختار الابنُ الثاني أن يكذب على أبيه مخبراً إياه بما أراد سماعه لكنه لم يكن عازماً على تتميم إرادة أبيه. وبالتالي جلبَ الابنُ الثاني على نفسه غضبَ أبيه إذ اتضح أنه لم يفِ بوعده. “فليس مكتوم لن يستعلن”.   

عدم الصدق يقودُ إلى الظلمة, واختيارُ الحقيقة هو طريق الاستنارة!

منذ فجر الجنس البشري, وككائنات مُنِحت هبة العقل, أُعطيت لنا الاختيارات. نحن نتعلم من اختياراتنا, أو من نتائج اختياراتنا. كثيراً ما نعتقد أن الاختيارات الدنيوية القليلة اليومية التي نتخذها لا تؤثر علينا, لكن هذه الاعتقاد هو أبعد ما يكون عن الحقيقة.

“لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون, وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم”(متى2:7).

من خلال اختياراتك, إذا كنت تغير الآخرين بسرعةٍ عن طريق الإدانة, عدم الصدق, الجشع,أو الكراهية, فأنت تغير فقط نفسك, لأنك ستتلقى كل ما تعطيه.

أعطانا اللهُ هبةَ الاختيار الحر. نحن الذين نصمم مصيرنا. يمكننا أن نبني باتجاه النور أو باتجاه الظلمة.

نبني باتجاه النور عندما نضع احتياجات الآخرين أمام احتياجاتنا. نبني باتجاه النور عندما نختار المحبة, المسامحة, الصدق, الوضوح. وإذ نبني على الجانب المنير نكنز لنا كنوزاً في السماء ونحن نفعل ما نفعله لمجد الله. إذ نبني باتجاه النور نعطي اللهَ المجدَ الأعظم لأننا نستخدم حريتنا في الاختيار لنختاره هو بواسطة الطريق التي وضعها لنا من خلال ابنه الوحيد المولود يسوع المسيح.  

أقوال حول العائلة وتربية الأولاد – الأب بايسيوس الأثوسي

أقوال حول العائلة وتربية الأولاد

الأب بايسيوس الأثوسي

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

+ لا تعني العائلة شيئاً بالنسبة إلى كثيرين ممّن يعيشون بحسب المفهوم البشريّ. فهم إمّا لا يتزوّجون، أو إذا تزوّجوا لا ينجبون أولاداً، أو يسقطون الجنين بالإجهاض بحجّة أنّه لم يحن الوقت بعد. وهكذا يسيئون إلى أنفسهم إساءة كبيرة ويدمّرون حياتهم ثمّ ينسبون الإساءة إلى الله!!! بينما نرى عائلات مسيحيّة، رغم تعدّد أولادها، يعيشون حياة فرحة، مزدهرة، يشملهم الخوف الإلهيّ. هؤلاء العائلات هم بركة في أيّامنا الحاضرة.
+ تربط المحبّة البشريّة الناس بعضهم ببعض وهي مستمرّة باستمرار المادّة. وعند غياب هذه الأخيرة تغيب أيضاً المحبّة، فيسير، عندئذ البشر نحو الهلاك. وأمّا المحبّة الروحيّة الصادقة فإنها تبقى موجودة ، وإن حدث وفقد أحد الزوجين ماديّاته، تغدو أقوى وتربطهم ببعض بشكل أمتن.
+ ما إن يتزوّج الشابّان حتى يبدأ الغم والقلق للحصول على طفل. أقول لهؤلاء: اطردا عنكما الغمّ وعيشا روحيّا كما ينبغي وستريان كيف يأتي الطفل من ذاته. على الزوجين أن يكونا مستعدّين دوماً لتقبّل مشيئة الله في حياتهما. من يضع نفسه بين يدي الله، فالله لا يتركه. نحن لا نستطيع شيئاً دون معونة الله. وكلّ ما يصنعه الله إنّما يصنعه بموجب محبّته الكبرى للبشر. إنّ إنجاب الأولاد لا يتعلّق فقط بالبشر بل يعود إلى مشيئة الله أيضاً. فعندما يرى الله تواضعاً واستسلاماً لمشيئته لدى الزوجين الذين تعترضهما مشكلة في إنجاب الأطفال، فإنّه طبعاً سيرزقهما ليس ولداً واحداً بل جملة أولاد. أمّا التذّمر والتشّكي فلا ينفعان شيئاً ولو قصدا عدّة أطبّاء.
+ لكي نضمن نجاح الزواج يجب أن يتواضع الواحد أمام الآخر، أن يقلّد فضيلته وأن يتحمّل غرابة أطواره ونقائصه. وما يساعد الإنسان على مجابهة كهذه هو تذكّره الدائم بأنّ المسيح ضحّى بنفسه من أجل خطايانا، وصُلب على الصليب وتحمّل كلّ شيء من أجل ضعفاتنا ونقائصنا مع كونه بدون خطيئة ولا عيب. نعم إنّنا نشقى كثيراً من نقائص الآخرين ونقع بسببها في خطايا متعدّدة وكلّ ذلك بسبب الأنا والكبرياء.
+ أسمع هذه الأيّام أموراً غريبة مثلاً يهتمّ الكثيرون بأن يتزوّجوا دون أن يفكّروا بأنّ هدف الزواج هو إنجاب الأولاد وإعالتهم ماديّاً وروحيّاً. يقتصرون على إنجاب ولد أو ولدين متعلّلين بالعجز الماديّ، بينما نرى في البيت عدداً من القطط أو الكلاب يفوق عدد الأولاد ولا يشتكي الأهل من العجز الماديّ في تأمين مستلزماتهم؟!!
+ لا يمنح الله أحياناً كثيرة أولاداً للزوجين، وذلك كي يصبح أولاد العالم أجمع أولادهما، ولكي يهتما بالأولاد القريبين منهما روحيّاً. ولهذا أقول إنّ أفضل إنجاب هو الإنجاب الروحيّ، لأنّ الإنسان، حينئذ، يساعدهم على الولادة الروحيّة ويقودهم ليرثوا السماء. فأيّة ولادة أسمى من هذه؟!!

الأمراض معونة للإنسان – الشيخ باييسيوس الآثوسي، التجارب في حياتنا من كتابه الحياة العائلية

الأمراض معونة للإنسان

الشيخ باييسيوس الآثوسي، التجارب في حياتنا

من كتابه الحياة العائلية

 

لكي يذهب أحد إلى الفردوس العذب، ينبغي هنا (أي في هذه الحياة) أن يتذوّق الكثير من المرارة، وأن يكون في يده جواز سفر خاص بالتجارب (أي أن يكون قد مُحّص في حياته).

ماذا يحصل في المستشفيات؟ كم من المصائب! وكم من الأوجاع يعاني الناس! كم من الأمّهات المسكينات أُصبن بنوبة وجع معيّن فتقلق أفكار أولادهن ويضطرب كل أفراد عائلاتهن! كم من أرباب العائلات المصابين بمرض السرطان يخضعون لعلاج شعاعي، وكم من العذاب والألم يعانون! لا يقوون على العمل، يتكلّفون مبالغ باهظة لإجراء علاجهم وينبغي أن يسددوا فواتيرهم.

وإذا كان الذين يتمتعون بصحة جيدة، ويشتغلون ليلاً ونهاراً، لا يستطيعون تغطية تكاليف المستشفيات، فكم بالأحرى الذين أُعدموا صحتهم ولا يستطيعون العمل؟ الكثير من المشاكل تعترض الناس. كم نسمع في كل يوم عن أوجاع، متاعب، مصاعب البشر!.. الفم ممرمر طول النهار، وفي المساء أرقد صائماً دون أن أستطيع أن أذوق شيئاً لأرتاح قليلاً. أشعر بتعب جسدي كثير، ولكن من الداخل راحة أكبر.

–        ياروندا، دوماً تنفع الأمراض؟

–        نعم، دوماً هي نافعة. الأمراض تساعد الناس لكي يصبحوا أبناء الله ويستأهلوا الخلاص من لدنه ولو لم يعملوا أية فضيلة. الصحة أمر مهم جداً، ولكن المنفعة التي يقدمها المرض لا تستطيع الصحة أن تعطيها. المرض مرشد روحي عظم! إحسان كبير، وكبير جداً، ينقّي الإنسان من الخطايا، ويؤمّن له راتباً مع ضمان في كثير من الأحيان.

إن نفس الإنسان هي بمثابة جوهرة ذهبية، والمرض هو النار التي تنقي وتصهر هذا الذهب. وقد قال المسيح للرسول بولس: “إن قوتي في الضعف تكمل” (2 كور 9:12). فبقدر ما يشقى الانسان في المرض، بقدر ما يتنقى ويتقوّى. يكفيه فقط أن يصبر ويتقبل مرضه برضى حتى يملك الفردوس.

بعض الأمراض تتطلب قليلاً من الصبر فقط، فيعوّض الله عن ذلك للمريض أجراً ويزيل عنه الكثير من الشوائب. وذلك لأن الأمراض الجسدية تساعد كثيراً في علاج الأمراض الروحية. فهي تزول من المريض بسبب حالة التواضع التي يضيفها المرض على صاحبه.

الله يفعل كل شيء من أجل الخير. كل ما يسمح به هو في سبيل تقدمنا الروحي. يعرف ماذا يحتاج كل واحد منا فيسمح بأن تحل بنا بعض الأمراض، وعوضاً عن ذلك، ينزع عنا خطايانا ويمنحنا الميراث العتيد في فردوسه العذب.

من كتاب الحياة العائلية (قيد الترجمة) من تقويم 2004 إصدار دير الشفيعة الحارة – بدبا، الكورة.

صلاة يسوع الصلاة الهدوئيَّة – إعداد الأب سمعان أبو حيدر

صلاة يسوع

الصلاة الهدوئيَّة

إعداد الأب سمعان أبو حيدر

مقدمة عن الصلاة

الصلاة استراحة للنفس. تحتل الصلاة لدى المؤمن الجهد الأكبر من حياته لأنها تجعله في صلة مع الله مصدر حياته وهدفها. والصلاة يجب أن تكون متواصلة. إن كان الحديث مع الله بتواضع، بإحساس النفس عميق، بإحساس بخطيئتها عندئذٍ لا تكون الصلاة عبئًا على الإنسان بل تريحه خاصة إذا كانت هكذا قلبية.

دراسة الكتاب المقدس تساعد كثيرًا لهذا النوع من الصلاة لأن مطالعة الكتاب تُدخل الدفء إلى النفس وتنقل المصلي إلى أجواء روحية. يؤكد لنا الرب يسوع في الإنجيل “إن كل ما تطلبونه في الصلاة فآمنوا أنكم قد نلتموه فيكون لكم”(مر 11: 24). يقف فيها الإنسان أمام الله بالذهن بأعماق كيانه دون أن يستخدم الصور والتخيّلات. يقول القديس سلوان الآثوسي في هذا الصدد: “لا بالتخيلات والصور الممزوجة مع الفكر، لا بالوعي العقلي حيث يشترك الإدراك فقط، بل بالفكر والقلب معًا مع انسحاق وتوبة وإحساس بمحبة الله”.

يشهد الكتاب المقدس على مثل هذه الصلاة في حياة المسيحيّين الأولى. نقرأ في أعمال الرسل “هؤلاء كلّهم كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة مع النساء ومريم أم يسوع ومع أخوته”(أع 1: 14). وبولس الرسول يذكّر: “مصلّين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة لأجل جميع القديسين”(أف 6: 18).

نحن نجد في الكتاب المقدَّس أن كل إعلان إلهي كان يُنظر إليه كظهور إلهي، كفعل الله المباشر. وجنبًا إلى جنب مع ذلك كان الاسم يحوي قوّة مزدوجة—حسًا بالإله الحيّ من جهة—ومعرفة به من جهة أخرى. من هنا الخوف من “نطق اسمه باطلاً” (خر 20: 7). فالاسم يسوع يدلّنا، أولاً وقبل كل شيء، على سبب مجيء الله في الجسد “لأجل خلاصنا”. ففي أخذه طبيعتنا يشير الله إلى أنه بإمكاننا، نحن أيضًا، أن نصبح أبناء الله.

ممارسة صلاة يسوع

“أيها الرب يسوع المسيح ارحمني”—هذه هي العبارة التي نرددها عادة وفي صيغتها المطوّلة نقول:”أيها الرب يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطىء”. تقوم هذه الصلاة على استدعاء الاسم، اسم يسوع، بصورة متواصلة مما يعطي الصلاة قوّتها. القوة تأتي من الاسم ومن استدعائه بصورة متواصلة. الاسم هو قلب الصلاة، يمكن لنا أن نقول “يسوع المسيح” أو نقتصر على اسم “يسوع”. عادة نردّد الصلاة مسموعة لكن يمكننا أن نردّدها بالفكر. عندما يتعب اللسان يلتقطها الفكر وعندما يعتاد الفكر عليها ينزلها إلى القلب ليجتمع الفكر مع القلب فيصبح الإنسان كلّه يردّد الصلاة، يصلّي كيانه كله من كل قلبه وذهنه وفكره.

ما يجعل هذه الصلاة عمليّة هو أننا نستطيع أن نردّدها في كل حين وفي كل مكان، في الغرفة، في البيت، على الطريق، في المكتب وفي الكنيسة… يمكن أن نصلي ونحن ماشين، واقفين أو جالسين ولكن ليس نائمين. على المبتدئين أن يختاروا في البداية أماكن هادئة وأوقاتًا معينة. هناك إذًا ممارسة مركزة ومبرمجة لصلاة يسوع (هذه الممارسة تدعى قانونًا مثلاً عند الرهبان) وهناك ممارسة حرّة تتم في كل وقت وفي كل مكان.

إن صلاة يسوع لها قوة كبيرة إلى حدّ أنها تفعل حتى في اللاوعي. بهذا المعنى نفهم عبارة نشيد الأناشيد “أنا نائم وقلبي مستيقظ”(نش 5: 2 ). هكذا بفضل رحمة السيّد الغزيرة يحيط اسمه بهالة من الفرح والحرارة والنور “اسمك عطر مهراق… فاجذبني”(نش 1: 3-4). لا تتعارض صلاة يسوع مع الصلوات الليتورجية مع العلم أنه في بعض الأحيان يمكن لها أن تحلّ مكان صلاة الغروب والسحر والساعات ما عدا القداس الإلهي. ميزتها أنها تبسِّط حياتنا الروحية (تجعلها بسيطة غير معقدة) وتوحدّها. كل من يصلي صلاة يسوع يتَّحد بالمسيح عن طريق الصلاة وبه وفيه يتحد بأعضاء الكنيسة الجامعة. يتجاوز الانقسامات البشرية. استدعاء اسم يسوع طريق إلى الوحدة المسيحية. “لكن تأتي ساعة وهي الآن حاضرة” يقول يسوع للسامرية (يو 4: 23). أتت الساعة لأن يسوع حاضر. “أنا هو القيامة والحياة”، يقول يسوع لمرتا في حادثة إقامة لعازر الرباعي الأيام (يو 11: 25). هي تساعدنا أيضاً أن ندخل في صلة مع أمواتنا. حياتهم الحقيقية هي في يسوع المسيح، في اسم يسوع نتصل بالقديسين “واسمه على جباههم”(رؤ 22: 4). “كل شيء يجمع في المسيح”(اف 1: 10).

الاسم يسوع كامل، حضور شامل. عدسة تستقطب نور يسوع الساطع. اسمُ الذي هو نور العالم، يساعدنا على إضرام النار في القلوب “جئت لألقي ناراً على الأرض”(لو 12: 49)، لنصبح إناءً مختارًا. فيقول لي المسيح كما لشاول “لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي” (أع 9: 15). القديس غريغوريوس بالاماس (1296 – 1359) تكلم عن النُّور غير المخلوق والتمييز بين الجوهر والقوى. كل ذلك نتيجة خبرة صلاة يسوع. الصلاة أو الهدوء متَّصل بالإيمان القويم، بالأعمال الصالحة وبأعمال الرحمة. ترتبط أيضًا بقراءة الكتاب كما ذكرنا، بالسهر وبالصوم ونظام الطعام، إلى حدّ تستطيع فيها النفس أن تقول مع نشيد الأناشيد “لقد جرح قلبي بالعشق الإلهي “.

“يا ربي يسوع المسيح، يا ابن الله، ارحمنا وارحم عالمك”—لقد أُعطي لنا اسم يسوع بكشف من العلى. وهو ينبثق من المدار الإلهي الأزلي وليس بأي شكل من الأشكال نتاج عقل أرضيّ، رغم أنه يعبّر عنه بكلمة بشريَّة يوميَّة. الكشف فعل وهو طاقة الألوهة، وينتمي بحدّ ذاته إلى مدار آخر يتخطّى الطاقات الكونيَّة. وفي مجده السماويّ اسم يسوع يفوق الكون ويسمو عليه.

إن من يؤمن بأن وصايا الإنجيل أُعطيت من لدن الإله الواحد الحقّ يستنبط قوَّة من هذا الإيمان بالذات لكي يحيا على صورة المسيح. إن صلاة يسوع في جوهرها هي أرقى أنواع الصلاة في شكلها الخارجيّ، ولكن عمليًا، بسبب عدم تمكننا من الاستمرار فيها لوقت طويل “بذهن نقيّ”، يستعين المؤمنون بـ”المسبحة”. هكذا باسم يسوع المسيح يصير ممكنًا أن نغطّي كل حدث داخلي أو خارجي. وهكذا تصبح هذه الصلاة العجيبة شاملة جامعة.

الهدوء القلبي والصمت في الصلاة

إن لفظ هدوئيّ يعني في الأصل الناسك أو الراهب الذي يعيش في عزلة، لا وسط جماعة رهبانيّة. من هذا المنطلق، تُفهم الهدوئيّة على أنها حالة وجدانيّة داخليّة. أما أعمق معاني الهدوئيّة فهو”العودة إلى الذّات”. فالهدوئيّ، بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، ليس هو من يمضي الوقت خارجًا في الصحراء، بل هو المسافر داخليًا في قلبه الخاص. ليس الهدوئيّ من ينقطع جسديًا عن الآخرين، مقفلاً باب صومعته، بل إنه من “يعود إلى ذاته” مقفلاً باب نفسه. ولئن كان الهدوئي متوحدًا يعيش في الصحراء، إلاَّ أن الوحدة ليست مكانًا جغرافيًا بل حالة روحيّة. فالصحراء الحقيقيّة موجودة في عمق القلب.

الابتعاد عن الناس، والتزام الصمت، والعزلة: هذه هي درجات الهدوئيّة الثلاث. الدرجة الأولى مكانيّة، وهي “الابتعاد عن الناس” خارجيًا وجسديًا. الثانية خارجيّة وهي “الصمت” أي الامتناع عن الكلام. ومن أجل التوصّل إلى الراحة الداخليّة الحقيقيّة لا بدّ من العبور من الدرجة الثانية إلى الدرجة الثالثة، أي من الهدوئيّة الخارجيّة إلى الهدوئيّة الداخليّة—إلى ما يدعوه القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلانو (+ 397) “الصمت الفاعل والخلاَّق”.

إذًا، الهدوء القلبيّ يعني الانتقال من صلاتي أنا إلى صلاة الله الذي يعمل فيَّ أو، الانتقال من الصلاة “المرهقة” و”الصارمة” إلى الصلاة “العفويَّة” والمتدفّقة”. والصمت الحقيقيّ أو الهدوء القلبيّ هو، في معناه الأعمق، مطابق لصلاة الروح القدس غير المنقطعة فينا. وكما يقول القدّيس إسحق السريانيّ: “عندما يسكن الروح القدس في إنسان ما فإنّ هذا الإنسان لا يكفّ عن الصلاة لأنّ الروح القدس يصلّي فيه طوال الوقت. فسواء نام هذا الإنسان أو استيقظ، ومهما فعل، لا تفارق الصلاة نفسه، سواء أكل أم شرب أم خلد إلى النوم، وحتى في سباته العميق، فإنّ روائح الصلاة العطرة تفوح في قلبه ومنه دون عناء”.

إن استدعاء اسم يسوع يساعدنا على أن نركّز حول نقطة واحدة شخصيّتنا المفكّكة. فاستدعاء اسم يسوع باستمرار يساعدنا على تسليم أمرنا لله والابتعاد عن الثرثرة المتواصلة. هكذا تستطيع صلاة اسم يسوع أن تُحلّ الهدوئيَّة في القلب، وينتج من ذلك أنّ ذكر اسم يسوع يجب أن يتبع إيقاعًا معينًا ومنظمًا من أجل بلوغ الهدف المنشود. ويجب أن يكون هذا الذكر مستمرًّا من دون انقطاع قدر المستطاع، فبعض العناصر الخارجيَّة كمسبحة الصوف والتحكّم بحركة التنفّس، تساعد على تحقيق هذا الإيقاع المنتظم. ثمّ خلال تلاوة الصلاة، يجب أن يكون الفكر خاليًا من كلّ تخيّل عقليّ.

الخلاصة

ليست قضية صلاة يسوع في تاريخها بل في ممارستها، فهي لم تزل حيّة خاصة في الشرق المسيحي. هي وديعة من تراثنا المقدّس، كنز ثمين لا يقدّر. كل مصلّ يمكنه أن يعتاد عليها أن يستفيد من ثمارها. حسبنا أن نقرع باب رحمة الله. سيفتح لنا المسيح الإله. إن أحببناه كثيرًا أعطانا كثيرًا فلنقل إليه بحماس. هو يعطينا وصياه الخلاصية، وممّا قاله لنا في ما يختص بالصلاة باسم يسوع: “مهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد الآب بالابن إن سألتم شيئاً باسمي فإني أفعله”(يو 14: 13-14) و”الحق الحق أقول لكم إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم. إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمي. أُطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً”(يو 16: 23-24).

الهدوئيَّة طريق مفتوح للجميع: الأمر الوحيد الضروريّ هو الصمت الداخليّ لا الخارجيّ. وعلى الرغم من أنّ هذا الصمت الداخليّ يفترض “أن نقصي في الصلاة” كلّ تخيّل أو تصوّر في الصلاة، فالنتيجة النهائيَّة لهذا الرفض هي “أن نؤكّد”، وبحيوّية جديدة، لكلّ شيء ولكلّ شخص، قيمته النهائيَّة في الله؛ ذلك أن الطريق السلبيَّة هي في الوقت عينه “تأكيدًا” ولكنَّه متطرّف. والدليل على ذلك الروايات الموجودة في كتاب “سائح روسي على دروب الربّ”. فالفلاّح المجهول، بطل الرواية، يكتشف أنّ ترداد اسم يسوع بلا انقطاع يمنح علاقته بالخليقة الماديّة شكلاً جديدًا، ويجعل كلّ الأشياء شفّافة إذ تتحوّل إلى سرّ الحضرة الإلهيَّة.

يقول القدّيس إسحق السوريّ إنّ اقتناء طهارة القلب أفضل من محاولة هداية الأمم. وهو لا يريد بهذا أن يحتقر العمل الرسوليّ بل أن يقول إنّ الإنسان، ما دام لم يتوصَّل إلى درجة معيَّنة من الهدوء الداخليّ، فنجاحه في هداية أيّ إنسان يبقى ضعيف الاحتمال. وهذا ما يعبّر عنه الأنبا موسى (تلميذ القدّيس أنطونيوس الكبير)، بقوله: “لأنَّهم مارسوا الهدوئيَّة بعمق أولاً، امتلكوا قوة الله الساكن فيهم؛ وعندئذ أرسلهم الله بين البشر”.

عِظَةْ عنْ الصلاة – أَنطوني بلوُمْ مطران سيروجسكيّ (أوروبا الغربية)*

عِظَةْ عنْ الصلاة

أَنطوني بلوُمْ مطران سيروجسكيّ (أوروبا الغربية)*

 

غالبًا ما يسألني الناس عن كيفيّة تخطِّي الصراع الناتج فينا من قراءتنا للصلوات التي كتبها القديسون والمعبِّرة عن تجربتهم الحياتيّة الخاصة.

لقد مرَّت أيامٌ عندما كنت أنا نفسي أقرأ بكلّ أمانة جميع الصلوات التي تقدِّمها الكنيسة لنا في الصباح والمساء وفي كل مناسبة أُخرى. ولكني لم أُفلح دومًا في الإحساس أنَّ هذه الصلوات تخصُّني. لقد كانت هذه الصلوات غريبة عني، انا لم اصِل إلى هذه الدرجة من الإيمان أو إلى هذا المقياس من المحبَّة اللذين تتكلم هذه الصلوات عنهما. كنت أقرأ بعض المقاطع من هذه الصلوات بكل صدق، ولكنَّ البعض الآخر لم أقدر على التلفُّظ به، ربما لأنها كانت، ولو جزئيًّا، تتعارض مع تجربتي وإحساسي، وربما لأني لم اصل بعد إلى هذه الدرجة من الإيمان والخبرة الروحيّة.

أرشدني أبي الروحيّ إلى طريقة لمعالجة هذا الأمر.  قال لي: ” أمنعك، لمدّة عام، من استعمال أيّ من الصلوات الموجودة في كتب الصلاة. أرسم إشارة الصليب، قبل ذهابك للنوم، ثمَّ تمدّد على سريرك وقُل “أيها الربّ، بصلوات الذين يحبونني، خلِّصني”، ثم إبدأ بمسائلة نفسك، من هم هؤلاء الذين يحبونك؟ من هو الذي يحبك بهذا القدر والعمق والصدق، حتى لا تحتاج لأن تصلي، لأنّ صلواته تُظلِّلك؟

جربتُها! وتوالت الأسماء، إسمًا بعد الآخر بدأت تحوم في مُخيِّلتي، وفي كل مرّة كنت أتوقف للحظة وأقول: “يا للروعة! إنَّه يحبّني، إنَّها تُحبُّني! آه يا إلهي، باركه، باركها، من أجل الحبّ المُعطى لي هديّة”. ومن ثمَّ أتاني اسمٌ، واسم آخر أيضًا، وأسماء كثيرة خطرت على بالي: أُناس كنتُ قد نسيتهم، أُناس دعموني بحبِّهم وحملوني. إنَّه لشعورٌ رائعٌ حقًا أن تكون محبوبًا. فكَّرتُ أولاً بالأقرباء والأعزاء: أبي وأمي وجدتي وأصدقائي. من ثمَّ توالت أسماء لم أتوقع تذكُّرها: أُناس التقيتهم منذ زمن طويل ونسيتهم ولكنهم ظلّوا أصدقاء أوفياء. وثمَّ تذكَّرتُ ملاكيَ الحارس. تذكَّرتُ المسيح، الذي أحبَّني لدرجة أنَّه مات من أجلي. تذكَّرتُ والدة الإله. تذكَّرتُ أبانا السماويّ، وفجأة أصبح كل العالم رائعًا لأنه أضحى عالمًا وبحرًا من الحبّ يحملني كسفينة صغيرة.

لقد تعلمتُ شيئًا هامًا من هذا، وأتمنى أنّ تجرِّبوا أنتم أيضًا وتتعلموا. ولكن للأمر جانب آخر، لم أكن وحدي أنا بحاجة إلى محبَّة وصلوات الآخرين. آخرون كانوا همّ أيضًا بحاجة إليها. فبدأتُ أسأل نفسي: هل هناك أحدٌ أُحبُّه أنا، بحيث إنَّه يقدر أن يقول مثلي وبنفس الكلمات: “بصلوات الذين يُحبوني، خلصني يا ربّ”؟ وأتت الأسماء، أتت وجوه لأناس أحببتهم وكنت أكنّ لهم عظيم المحبَّة، ومن ثمّ لأشخاص لم أكترث أو أهتمّ لهم. ففكَّرتُ: إنَّ هذا لرهيبٌ حقًا! قد يحتاجون إلى محبة إنسانٍ واحدٍ، ولكنني لست هذا الإنسان. فاتَّجهتُ إلى الله قائلاً: “يا ربّ، أنا لا أعلم كيف أُحبّ هذا الشخص. ولكنك أنت مُتَّ من أجله، من أجلها، كما انك مُتَّ من أجلي أنا. يا ربّ، بارك هذا الشخص وخلِّصه وقُده وكُنْ طريقًا وبابًا ينفتح إلى الأبديّة من أجله!”.

عندئذ يصبح العالم رحبًا وعميقًا وجميلاً للغاية. يصبح عالـمًا نَخلُصُ فيه كلنا بواسطة حبِّنا بعضنا لبعض وبمحبّة الله لنا.

فكِّروا في هذا الأمر!

* ولد أنطوني بلوم في التاسع عشر من حزيران عام 1914 وقضى طفولته في إيران حيث شغل والده منصب القنصل الروسيّ هناك.

في العام 1923، بعد مدّة من التجوال في أوروبا، استقرَّت عائلته في باريس حيث أنهى دراسة علم الأحياء والطب.

في العام 1939، وقبل الذهاب الى الحرب بصفة جرَّاح في الجيش الفرنسي، دخل سرًا الدير ونذر نفسه للرهبنة. اتَّخذ اسم أنطوني لدى لبسه الإسكيم الرهبانيّ في العام 1943.

خلال سنوات الاحتلال الألمانيّ، خدم أنطوني بصفة طبيب في صفوف المقاومة الوطنيّة المناهضة للفاشيّة.

سيمَ أسقفًا على سيروجسكيّ (سوروز Sourozh) في العام 1957، ومُمثلاً بطريركيًّا للكنيسة الروسيّة في أوروبا الغربية بين الأعوام 1966-1974.

إعداد الأب سمعان أبو حيدر

الفرح الأعظم – الخورية سميرة عوض ملكي

الفرح الأعظم

الخورية سميرة عوض ملكي

 

لا تكاد نشرةٌ من نشرات الأبرشيات تخلو من النقاط الأساسية في الحديث عن عيد الفصح. لكن كما أنّه يستحيل إحصاء نقاط الماء في البحر، هكذا الحروف لا يمكن لها أن تحصر الكلمة (يسوع). وبما أنّ قرّاء هذا الموضوع هم في غالبيّتهم من المؤمنين الذين من المُفتَرَض أن يكونوا قد قرأوا نشرة أبرشيتهم، سيتناول موضوعنا هذا فكرة “الفرح” وهي من أهمّ النقاط التي قد يكون البعض ممّن كتبوا قد تطرّقوا إليها هنا وثمّة، إلا إنّ أحداً لم يَفِها حقّها.
إذا عُدنا إلى الوراء، إلى أناجيل الآلام في خدمة سحر الجمعة العظيمة عشيّة الخميس العظيم المقدّس، نجد في بداية الإنجيل الأول الآية: “الآن تمجّد ابن الإنسان وتمجّد الله فيه” (يوحنا 31:13). هنا يكشف الإنجيلي يوحنا بوضوح أنّ أسمى ظهور للمجد الإلهي قد سطع في الصلب. لهذا، تبدأ الكنيسة احتفالها الفصحي بهذه الكلمات، أي أنّ الفصح يبدأ يوم الجمعة وليس الأحد. ففي التقليد القديم، لم تكن لفظة الفصح تشير إلى الأحد كما هي الحال اليوم، بل إلى السرّ الثلاثي الأيام غير المنقسم: الجمعة والسبت والأحد. فهذه الوحدة وهذه العلاقة المتبادَلة بين يوم الصلب ويوم القبر ويوم القيامة، هي التي ستكشف لنا كيف يكون العبور بالصليب عبوراً إلى “الفرح الأقصى” أو “الفرح الأعظم”. وهذا ما تؤكّده الكنيسة في تكرارها سحر كلّ أحد: “بالصليب أتى الفرح لكلّ العالم”.
لكي يختبر المرء أو المؤمن هذه النعمة أو عطية الفرح هذه، عليه أن يكون في الكنيسة في الفترة الفصحيّة ليتذوّق شخصياً فرح الاشتراك في الزمن الجديد، زمن الملكوت. لأنّ الفرح لا يمكن تحديده ولا تحليله وإنّما ندخل إليه “ادخلوا كلّكم إلى فرح ربّكم”. ولا سبيل للدخول إلى الفرح وعيشه إلاّ من خلال الكنيسة، لأنّ لها قد أُعطي أن تكون شاهدة له لتغيّر هيأة العالم به. إلا أنّها وللأسف بدأت تخسر هذا الفرح العظيم عندما كفّت عن الشهادة بثقة له، وهذا ما علينا أن نستعيد معناه وأن نشترك فيه.
لكن أيُعقَل أنّ الفرح يأتي بالصليب؟ كيف نفرح بمسيح مصلوب؟ وما هو هذا الفرح؟
إنّه الفرح بعودة الحياة. لأنّ المؤمن الحقّ لا يكون مؤمناً ما لم يدرك، وبطريقة تتخطّى العقل، أنّ المسيح هو حياة كلّ حياة، وأنّ ما يعطي الإعلان عن موته والاعتراف بقيامته معنى هو اقتناء المسيح كحياة، وكفرح وسلام بالشركة معه والثقة بحضوره. ولأنّ هذا العالم الذي تخلّى عن الله استحال إلى ظلمة خالية، كان لا بدّ من وجود مَن يقف في وسط هذا العالم، يلحظه ويعاينه من جديد ممتلئاً من الكنوز الإلهية، وكأنّه كأسٌ ممتلئة حياة وفرحاً وجمالاً وحكمة، ويشكر الله عليه، لأنّ هذا هو العالم الذي أراد الله.
إنّ هذا الشخص هو المسيح، آدم الجديد، الذي يستعيد بذاته تلك الحياة الشكريّة التي رذلتُها أنا آدم العتيق وأضعتُها. إنّ هذا الشخص يعيد إليّ حياتي ويعيد العالم إليّ (شميمن). وبهذا يكون يوم الجمعة العظيمة، أي يوم الصلب، فعلاً يومَ هذا العالم الشرير النهائي. لأنّ فيه المسيح الذي يقف في الوسط أمام محاكميه ويُدان ويُهزأ به ويُسَمَّر على الصليب ويتألّم ويموت، هو وحده الذي ينتصر، لأنّ طاعته ومحبته وغفرانه تعلن كلها أنّها قد انتصرت على هذا العالم. وهذا ما يجب أن يشعر به كلّ مؤمن حقيقي ساعٍ لأن يكون على غرار معلّمه فيقيمه الله كما أقام ابنه لأنّه لا قيامة بدون موت، وبعد الصلب يأتي يوم السبت العظيم المقدَّس، يوم انتصار الموت ظاهرياً، فيما هو يوم هزيمته النهائية أمام المسيح. فالذي أسلم نفسه إلى الموت بملء إرادته، يصير بريئاً من الموت فيحطّم الموت بالحياة والمحبة اللتين هما موت الموت. وعندما يقيمه الله من بين الأموات في اليوم الثالث، فإنّ حياته، التي لم يعد للموت أيّ سلطان عليها، تظهِر حضور الله في وسطنا. وهذا هو بالتحديد مدار الفرح الفصحي.
ومع أنّه بالمسيح قد غُفِرَت كلّ الخطايا، إلاّ إنّ واقع الحال هو أننا نتخلّى عن المسيح باستمرار ونقطع أنفسنا عن حياته فنموت روحياً. المعركة بين آدم العتيق وآدم الجديد هي معركة طويلة وموجعة وهي جوهر صليبنا. فيأتينا سرّ التوبة كقوّة للمعمودية الفاعلة فينا، هذه القوّة هي التي تزرع الفرح حتّى في وقت الضيقات. فهي التي جعلَت الشهداء يستشهدون بفرح، والرسل يُضطَهَدون بفرح، وهي التي تحفظنا على الطريق التي خطّها السيد. هكذا تأخذنا التوبة، أيضاً وأيضاً، إلى فرح المائدة الفصحية. فمِن هذا العالم بالذات يُعلَن الملكوت الذي ليس من هذا العالم ويتجلّى، بوصفه حياة جديدة، في عالمنا حيث تدوّي الصرخة الإلهية: “افرحوا”، منذ الآن وحتى اكتماله النهائي في الله.