كنْ كالأتان! – الخورية سميرة عوض ملكي

كنْ كالأتان!

الخورية سميرة عوض ملكي

 

إن دخول السيد المسيح إلى أورشليم، كمثل كلّ الأحداث السيديّة، تنبأ به الأنبياء في العهد القديم. فالنبي يعقوب تنبأ مشيراً إلى ابنه يهوذا الذي منه انحدر المسيح قائلاً: “رَابِطًا بِالْكَرْمَةِ جَحْشَهُ، وَبِالْجَفْنَةِ ابْنَ أَتَانِهِ، غَسَلَ بِالْخَمْرِ لِبَاسَهُ، وَبِدَمِ الْعِنَبِ ثَوْبَهُ” (تكوين 11:49). وأيضاً تنبأ النبي زخريا عن هذا الأمر: “اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ” (10:9). وكما العهد القديم كذلك العهد الجديد، فالإنجيليون الأربعة كلّهم تحدّثوا عن هذا الحدث وإن كان باختلاف طفيف.
هنا قد يتساءل البعض: لماذا دخل يسوع إلى أورشليم راكباً على جحش، وهو ملك إسرائيل الجديدة؟ لماذا لم يدخل إليها دخول الملوك المصحوبين بالرايات المطعّمة بالذهب وبالحراس المسلّحين بالتروس والحراب والنبال؟
الجواب، بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، هو أنّ راية المسيح هي التواضع والفقر والضعف. وهذا الاتضاع ليس فضيلة اصطناعية خارجية، بل هو تعبير عن محبة المسيح وبساطته. إن ذاك البسيط بالطبيعة كان محباً ومتواضعاً في الوقت نفسه، لهذا، فإن قوة المسيح غير المخلوقة هي تواضعه مدموجاً مع بساطته ومحبته. إنّ هذه القوة تأتي من الطبيعة البسيطة للألوهية.
إنّ مَن يتأمّل في حدث دخول السيّد إلى أورشليم يجد نفسه أمام سيل من المواضيع والتفاسير، ومنها تفسير الآباء للتشابه بين الأتان والنفس البشرية. “اِذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ تَجِدَانِ أَتَانًا مَرْبُوطَةً وَجَحْشًا مَعَهَا” (متى 1:21). يقول القديس باسيليوس أن القرية “التي أمامكما” هي العالم الأرضي، لأن الحياة السماوية هي مدينة، هي الفردوس الذي منه سقط آدم بالخطيئة. لا أحد غير المسيح يستطيع أن يقودنا إلى هذا المكان الذي منه طُرِدنا. أمّا الجحش والأتان فهما كلّ البشرية. وهكذا يكون كلٌ منّا مثل الأتان المقيّد برباطات الخطيئة، لأن الذي يبتعد عن المسيح يصير متوحّشاً كالحيوان، لكونه يصير مُلْكاً للأهواء غير العاقلة، ويصبح مربوطاً بحبّ المال، والدعارة، والشراب، والظلم، والحسد، والحقد، والكبرياء وما إليه من الأهواء. لهذا السبب، كلّنا نحتاج الشفاء بالمسيح المخلّص ونحتاج لأن يرسل تلاميذه إلينا ويحلّونا من رباطات الشيطان. يتحدّث النبي داود عن هذه الحالة فيتوجّه إلى الله قائلاً: “صِرْتُ كَبَهِيمٍ عِنْدَكَ. وَلكِنِّي دَائِمًا مَعَكَ. أَمْسَكْتَ بِيَدِي الْيُمْنَى. بِرَأْيِكَ تَهْدِينِي، وَبَعْدُ إِلَى مَجْدٍ تَأْخُذُنِي” (مزامير 22:72-24). هذا المجد منحنا إياه المسيح بآلامه وبتواضعه اللامتناهي. لذا، فلنتواضعْ مثله ونكُن كالأتان ببساطة الفكر والإرادة. فالأتان، سار مع التلاميذ مطأطأ الرأس بلا مقاومة. فلنكن مثله مطيعين للذين يعلّموننا اقتبال وداعة المسيح بلا مقاومة محلولين أو متحررين من لذّات الجسد، دائسين على الانتفاخ الفارغ والمجد الباطل، وبهذا نصير مركبة تحمل عرش الشاروبيم ونصرخ بفرح الأطفال قائلين: “أوصنّا في الأعالي مبارك الآتي باسم الرب”.

صلاة التوبة للقديس أفرام السرياني

صلاة التوبة للقديس أفرام السرياني

تحتل هذه الصلاة مركزاً مهماً في الخدم الصيامية لأنها تعدد جميع مقومات التوبة وتساعدنا على فحص توجهنا وهدفنا من الصوم. فهذا الهدف يجب أن يكون التحرر من بعض الأمراض الروحية الأساسية وبالمقابل طلب الفضائل.

أول هذه الأمراض هو البطالة وهي ذلك الكسل الغريب الذي يقنعنا دائماً بأن التغيير غير ممكن وبالتالي يخلق لدينا حساً بأن الجهد الذي نقوم به ضائع وبهذا يسمم طاقتنا الروحية. ينتج عن البطالة الفضول وهو حالة اليأس عندما يستحيل على الإنسان أن يرى جيداً بإيجابية وهذا ما يرى فيه الآباء أعظم خطر على الروح. أما حب الرئاسة فهو ناتج عن البطالة واليأس اللذين إذ يفسدان موقفنا من الحياة يدفعاننا إلى طلب تعويض عن الفراغ في حياتنا وذلك من خلال موقف خاطئ من الآخرين. هذا الموقف قد يكون سعياً إلى السيطرة عليهم أو لامبالاة نحوهم. ثم يأتي الكلام البطال. فالنطق يميّز الإنسان عن كل المخلوقات الأخرى ولهذا يرى الآباء في النطق ختماً للصورة الإلهية ولهذا قد تتحوّل هذه الموهبة العظيمة إلى خطر عظيم إذا استسلم الإنسان للبطالة واليأس وحب الرئاسة. هذه الأمور الأربعة هي أمراض علينا التخلص منها.

أما ما علينا طلبه فهي أربع أيضاً: العفة والتواضع والصبر والمحبة. العفة ليست حصراً في الموضوع الجنسي، إنما هي نقيض البطالة. إنها تجميع كل طاقتنا التي تُهدر بالبطالة. أما التواضع فهو انتصار الحقيقة في داخلنا حتى نرى كل شيء كما هو، جلال الله وحسنات الآخرين وسيئاتنا نحن. وينتج الصبر عن العفة والتواضع. الإنسان الساقط متسرع في الحكم والإدانة لأن معرفته ناقصة. الصبر مرتبط بالتسامح ولهذا هو فضيلة إلهية. وبعد هذا تأتي قمة الفضائل أي المحبة وهي غاية كل ممارسة روحية.

أما الطلبة الختامية في صلاة التوبة فتجمع وتلخص ما طلبنا الانعتاق منه وما يرجو الحصول عليه. “هب لي أن أعرف ذنوبي وعيوبي وألاّ أدين إخوتي”. بمعنى آخر أنقذني من الكبرياء التي هي منبع الشرور. لا يكفي أن نرى عيوبنا فقد يستغل المجرّب هذا الأمر ليدفعنا إلى تقوى مشوهة لا تتعدى ظاهر الفضيلة. أما عندما لا ندين إخوتنا فعندها نكون قد اكتسبنا فعلاً العفة والتواضع والصبر والمحبة.

نقوم بهذه الصلاة مع سجدات. هذا دليل على الارتباط الوثيق بين النفس والجسد. فالجسد يشارك النفس في تعبدها هنا على الأرض وهو سوف يشاركها في تمجيدها للرب في الحياة الآتية. لهذا نحن نكثر السجدات في الصوم ولنؤكد أيضاً أن الصوم ليس احتقاراً للجسد. كما أن الصلاة النقية هي علامة توبة النفس وتواضعها كذلك السجود هو علامة توبة الجسد وتواضعه.

الخورية سميرة عوض ملكي

(عن نشرة الكرمة)

التبالُه للمسيح – إعداد الأب أنطوان ملكي

التبالُه للمسيح

إعداد الأب أنطوان ملكي

 

التباله لغةً هو التصرّف وكأن الإنسان قد ضعف عقله وعجز رأيه. سبب الحديث عنه اليوم هو انتشار عدد من الكتب كيوحنا المجنون والأخت تارسو، والأفلام وأهمها الجزيرة (Ostrov). أمّا التبالُه من أجل المسيح فهو السلوك في حياة قائمة على التخلّي عن كل الممتلكات وعن كل اصطلاحات التصرّف الاجتماعي والتصرّف بشكل صدّام غير اعتيادي يتحدّى المعايير المقبولة. كما أنّ أغلب المتبالهين يملكون موهبة التنبوء والرؤى. أمّا هدف هذا السلوك فهو إخفاء القداسة
وقد يطرح البعض تساؤلات عديدة: هل التباله إنجيلي؟ أليس من طريقة أخرى أكثر عقلانية؟
نقرأ في إشعياء 2:20-3 أنّ النبي مشى عارياً وحافياً 3 سنوات ليعلّم الشعب، أمّا حزقيال (9:4-15) فأكل الخبز مخبوزاً على النجس ليصوّر لبني إسرائيل ما ينتظرهم، لكن الأنبياء في العهد القديم لم يُعتَبَروا متبالهين أو مجانين لأن كلّ شيء كان يتمّ بكلمة الرب
أما في العهد الجديد، فالبلاهة في يونانية الإنجيل هي مورييا (μωρία) ولها أكثر من معنى، كالحماقة. لكن في ترجماتنا العربية فالمعنى الأكثر انتشاراً هو الجهالة مع أنّ اليونانية لا تعني ذلك. الرسالة الأولى إلى كورنثوس هي الأغنى في التعبير فنجد في 3:18 “إن كان أحد يظن أنّه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصِر جاهلاً (μωρός- fool) لكي يصير حكيما ً، وفي 10:4 “نحن جهال (بلهاء) من اجل المسيح وأما أنتم فحكماء في المسيح” وفي 3: 19 “لان حكمة هذا العالم هي جهالة (غباوة )” وفي 18:1 “فان كلمة الصليب عند الهالكين جهالة (حماقة) و أما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله”.
وفي الكنيسة، المتباله في اليونانية Σαλοσ (moros – salos)، وفي الروسية юродивый (yurodivy). يعرف السنكسار الروسي 36 متبالِهاً.
لم ينتشر الإسم (متباله) حتى القديس سمعان الحمصي (570) الذي يعتَبَر أبا المتبالهين، وهو قد تباله استناداً إلى الآية من كورنثوس الأولى 18:3. ويشكّل القديسان ثيوذولوس القبرصي وإيسيذورا المصرية صورتين من أقدم الأمثال عن متبالهين (369).
من أهم المتبالهين في الشرق القديس داود التسالونيكي الذي نسك على شجرة فصار يسمّى بذلك. وبعده يأتي القديس أندراوس القسطنطيني الذي عاش في القرن العاشر في القسطنطينية وكان أصله عبداً إسكيثياً.
انتشر التبالُه في روسيا بشكل أكبر من الشرق ومن بيزنطية، وتأثّر الروس بالمتبالهين كثيراً. أوّل المتبالهين هو القديس بروكوبيوس أوستيوغ الذي كان أصله ألمانياً ترهّب بعد أن وزّع كل شيء وانتقل إلى أوستيوغ وهناك تبالَه وأتى معجزات. من أشهر المتبالهين الروس القديس باسيليوس العجائبي (1557) الذي بنى له إيفان الرهيب كنيسة تضم رفاته. في وقت لاحق ظهرت القديسة كسانيا. وفي القرن العشرين ظهرت متبالهات دير ديفييفو، باراسكيفا وماريا وبلاجيا وهنّ من تلميذات القديس سارافيم ساروفسكي.
من المتبالهين المعاصرين في اليونان مَن صارت سيرهم معروفة كيوحنا المجنون والأخت تارسو وستيلاّ ميتساكيذو والأب فوتيوس لافريوتيس (بابافوتيس) والأم صوفيا.
أمّأ وجود المتبالهين في أدب الأرثوذكسيين فيُلاحَظ خاصةّ عند فيودور دوستويفسكي حيث نجد الأب فارابون في ”الإخوة كارامازوف“، والأمير ميشكين في ”الأبله“. كما نجد غريشا عند ليو تولستوي ”الطفولة، الصبا، والشباب“. وختام كل هذه فيلم الجزيرة الذي تُرجم في السنوات الأخيرة إلى ما يزيد عن العشرين لغة.
ختاماً، هل التبالُه للجميع؟ هل هو صفة تُكتَسَب؟ الحقيقة هي أنّ التباله موهبة يمنحها الله ولمعرفتها لا بدّ من التمييز خاصةً في تحديد المواهب كي لا نقع في النظرة الكاريزماتيكية، التي تفكّ رباط المواهب عن الواهب. التباله، كمثل كل أشكال الحديث التي يختارها الله ليكلّم شعبه، وهو يقرر أين ومَن وكيف يحمله. المهمّ أن لا نسلك أرضياً إذا سمح الله لنا والتقينا بمَن منّ عليهم بهذه الموهبة.

مقاربة إنجيلية لأزمة العالم الماليّة – الأب أنطوان ملكي

مقاربة إنجيلية لأزمة العالم الماليّة

الأب أنطوان ملكي

 

يجمِع عدد من العارفين في حقول الاقتصاد والأنثروبولوجيا والأخلاق والسياسة والإعلام على أنّ الأزمة الاقتصادية، الحاضرة اليوم في أغلب بقاع الأرض، سببها أخلاقي بالدرجة الأولى. فالأفراد كما الدول والشركات والبنوك، تعاطوا في الفترة السابقة مع المال بطريقة غير أخلاقية مما أدى إلى تفاقم الديون ووصول الكثيرين إلى الإفلاس والبطالة. لقد تورّط العالم في موجة من الجري وراء الربح السريع فكثُر الحديث عن الاستثمارات والبورصة والمال، وصارت كل وسائل الإعلام مضخّات للمعلومات التي قد تعني مشاهداً أو مستمعاً ما، فيما هي في أغلب الأحيان أحجية للأغلبية الباقية. تطوّرُ شبكات الاتصال سمح للناس بالتنقل الافتراضي في الدنيا، فصار المواطن العادي قادراً على أن يشتري ويبيع في أي مكان من العالم. سقطت حدود البلدان، إن لم يكن فعلياً ففي الممارسة، عند الكثيرين وازدادت قدراتهم على الأحلام. كثيرون من الناس العاديين تحوّل جهدهم من الجري وراء الضروري إلى التفنّن في الترف. فقد نقل إليهم التليفزيون والمحطات العابرة للقارات صوراً ومشاهد قالت لهم أنّ بمقدورهم الحصول عليها: سيارات، هواتف محمولة، رحلات سياحية، وغيرها الكثير. وكما ينطبق الأمر على الأفراد كذلك ينطبق على الدول التي راحت تبحث عن استثمارات حتّى ولو اضطرت لاختلاق الحروب. كل هذه العوامل تجمّعَت فكانت الأزمة. بدأت التحاليل، كَثُر المحلّلون و”الخبراء”، ارتفع منسوب الإحباط عند الناس العاديين وبدأ المبشّرون بالشيع وأشباه الأديان يطرحون معتقداتهم على أنّها الحلّ الأمثل لكل المشكلات.
“لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ” (1 تيموثاوس 10:6). هذه الضلالة التي يحكي عنها الرسول ظاهرة في أنّ كثيرين، من الأفراد والجماعات المسيحية (طوائف ومؤسسات)، نسوا كلمة الإنجيل أو ظنّوا أنّ الزمان تخطّاها. لم يعد التملّك عندهم ضرورة للوقاية من برد أو من جوع، بل صار دليلاً على مكانة اجتماعية أو سبيلاً للتباهي. خطيئة المؤسسات الكبيرة أنّها لم ترحم الناس العاديين فداستهم واليوم تحتاجهم لتغطية خطئها. خطيئة الناس العاديين أنّهم لم يكتفوا بما عندهم بل صاروا متطلّبين. وخطيئة الدول أنّها انجرفت وراء المؤسسات. في كل هذه المعمعة لا مكان لقول المسيح: “طوبى للفقراء لأنّ لهم ملكوت السماوات”. الكلّ يريد الملكوت الذي رسمه لنفسه هنا والآن. نرى اليوم مؤسسات طالما اعتبرناها من طينة العمالقة تنهار وتعلن إفلاسها رامية موظفيها في مهب الريح، فنتذكّر قول إرمياء النبي لبابل: “أَيَّتُهَا السَّاكِنَةُ عَلَى مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ، الْوَافِرَةُ الْخَزَائِنِ، قَدْ أَتَتْ آخِرَتُكِ، كَيْلُ اغْتِصَابِكِ” (13:51).
أليس للكنيسة كلمة في هذا الموضوع؟ أليس للإنجيل ما يقوله؟ بالطبع نعم، إن لم يكن للمؤسسات فللمؤمنين كأفراد. “اتَّقِ اللهَ وَاحْفَظْ وَصَايَاهُ” (جامعة 13:12). من هنا أنّ كل عمل ينبغي أن يتلاءم مع التقوى. لا خروج اليوم للناس العاديين من الأزمة التي أوقعهم فيها المجتمع إلا بالتقوى. إن اتّبع المؤمنون تعليم الكتاب المقدّس يخلصون. أين تصرّف الأفراد من قول الإنجيل: “مَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟” (لوقا 28:14). أين موقف الساعين وراء القنية والرفاهية من قول الرسول: “كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ” (1كورنثوس 12:6)؟ أغلب الناس اليوم يسعون إلى هذا الموضوع أو ذاك، أو إلى اقتناء هذا الشيء أو ذاك، بغضّ النظر عمّا يأكلهم من الفوائد يدفعونها هنا أو هناك. كلمة “الفائدة” أو المراباة، في اللغات القديم أكثر دلالة منها اليوم. في العبرية تعني “العضّة”، وفي اليونانية تعني “التحطيم”. الناس اليوم تعضّهم الفوائد وتحطمهم المؤسسات المالية لأنّهم يسعون إلى ما لا يوافق، فيشترون أو يبنون أبراجاً من دون حساب الكلفة بحكمة.
كي لا يُساء فهم هذا الكلام: ما مِن خطأ في أن يحسّن المؤمن ظروفه، بل في أن يكون ذلك على حساب أناس آخرين أو على حساب أمور أخرى، وأسوأ من كل هذا أن يرغب في ذلك من غير عمل. الإنتاج من غير عمل هو ما يَعِد به منطق الاستثمارات اليوم: أن يترك الإنسان مالَه يعمل وينتج. منطق الإنتاج من غير عمل لا يتوافق مع فكر الرسول: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا” (2تسالونيكي 10:6). يصعب الاقتناع بأنّ الربح المادي من غير عمل ممكنٌ من غير أن يكون على حساب أحد آخر، وعادة ما يكون الغني هو الرابح فيما الخاسر هو الفقير. فيزداد الغني غنى ويزداد الفقر فقراً. طبعاً، هذا الكلام ليس للتعميم حكماً، بل شأن كل الأمور، ينبغي التمييز.
الأمر الأخير هو موقف المسيحي من الاستثمار نفسه. “اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ” (متى 20:6). هذه الوصية هي حجر الأساس في تحديد المكان الذي ينبغي على المسيحي أن يستثمر فيه. المسيحي يستثمر في الإيمان والرجاء والصبر والمحبّة “اقْبَلِ الشَّرِيعَةَ مِنْ فِيهِ، وَضَعْ كَلاَمَهُ فِي قَلْبِكَ… إِنْ رَجَعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ تُبْنَى… يَكُونُ الْقَدِيرُ تِبْرَكَ وَفِضَّةَ أَتْعَابٍ لَكَ، لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالْقَدِيرِ وَتَرْفَعُ إِلَى اللهِ وَجْهَكَ. تُصَلِّي لَهُ فَيَسْتَمِعُ لَكَ” (أيوب 23:22-25).
في سعي العالم إلى الربح نسي الله، فصار ينتقل من حرب إلى حرب ومن أزمة إلى أزمة، وما الأزمة الحاليّة إلا واحدة من كثيرات. لم تعد الأخلاق المسيحية كالتضحية والمحبة من أسس المجتمع. لذا قد يكون اليوم وقت مناسب لكي يعود المؤمنون والعالم كلّه من حولهم إلى الحكمة والاعتدال والتروّي والتمييز جاعلين إياها من سِمات الحياة اليومية، كي تتبارك هذه الحياة والآتية معها.

الفوضى في الكنيسة – الأب أنطوان ملكي

الفوضى في الكنيسة

الأب أنطوان ملكي

 

الفوضى، لغةً، هي عدم احترام القوانين والأصول. هذا ينطبق في كل شيء: في الكنيسة، كما في أي جسم آخر. من دون القوانين تكثر المشاكل من غير أن يكون هناك مرجع يُستَنَد إليه في الحلّ. أوّل مَن بدأ بوضع القوانين الكنسية هو السيد نفسه: “أما أنا فأقول…”. أوائل القوانين الكنسية نراها في انتخاب ماتيّاس في أعمال الرسل. فالقانون لا بدّ من وجوده، لا ليقيّد الناس بل لينظّم أمورهم. تتالَت المجامع وكانت أعمالها تتجسّد في قوانين حفظت الكنيسة لألفي عام، حتى يمكن القول أنّ لكل أمر في حياة الكنيسة قانونه، بدءً من قبول الناس في الكنيسة وصولاً إلى تجنيزهم. بدأت الإشارة إلى القوانين على أنها تدابير تنظيمية منذ المجمع المسكوني الأول، ومذّاك بدأ التمييز بين القوانين والتشريع في الكنيسة، مع التشديد على أنّ الواحد يكمّل الآخر.
ولما لم يكن الناس جميعاً من الطينة ذاتها، ولم تكن الأمور دوماً على نفس الدرجة من التحديد والوضوح، نشأ مبدأ التدبير. فالشرع والقوانين في الكنيسة ليسوا جامدين، خاصةً أن الهدف ليس الصحّة القانونية بقدر ما هو الصحّة والكمال الروحيين. من هنا أن بعض الاستثناءات للقوانين ممكنة، في حال كان ذلك في مصلحة الجماعة كلّها. فالشرع الكنسي هو قانون النعمة قبل كل شيء، واهتمامه الأوّلي هو النفوس والأرواح. ولكي لا يكون تطبيق التدبير عشوائياً فقد وضعت الكنيسة أسساً تحدد كيف ومَن يطبّقه. فالتدبير ينطبق فقط على ما ليس عالمياً عامّاً، وللمجمع الحق في ممارسة هذه السلطة. هذا، ولا يمكن إنكار الخطر المرافق للتدبير، أقلّه لأن البعض ينحو إلى جعل الاستثناء قاعدة.
ما ينبغي التنبّه له هو أن القوانين الكنيسة، في تحديدها للأخطاء أو لأعمال التوبة المناسبة لها، لا تتصرّف بمنطق الانتقام أو فرض العدالة بمنطق بشري. إن للقوانين الكنسية وجه أساسي تربوي علاجي رعائي. فمفهوم الخطيئة في الكنيسة الأرثوذكسية يقوم على أن الإنسان في مخالفته مشيئة الله، أساء إلى نفسه أولاً، ولم يسِئ إلى الله، الذي هو فوق الإساءة. من هنا أن ما يُفرَض على الخاطئ هو لشفائه وخلاصه وليس لاسترضاء الله ولا للانتقام من الخاطئ. فالكنيسة، مثلاً، في قولها أنّ على السارق أو القاتل أو الزاني أن يبقى مع التائبين عدداً من سنوات، فهي لا تعاقبه على سرقته ولا على قتله ولا على زناه، بل تعطيه المدة التي رأت أنّها ضرورية لشفائه مما علق بنفسه من وسخ الخطيئة. فالفترة الزمنية المشار إليها ضرورية لكي يتنقّى فكره وذاكرته من صورة الخطيئة التي ارتكبها ولكي تركد الشهوة التي أدّت إلى تلك الخطيئة في داخل نفسه. فالهدف من فترة التوبة ليس إصلاح الخاطئ فقط بل تجديده أيضاً وحماية الجماعة من انتشار هذه الخطيئة. لأنّه إذا أخطأ واحد ولم يُعالَج تنتقل خطيئته إلى غيره من الإخوة أصحاب النفوس الضعيفة. من هنا، حرمان أحد المؤمنين من المناولة ليس قصاصاً بل هو دعوة علنية إلى التوبة خوفاً من الحرمان من المشاركة في المسيح، لأن الخطأ جسيم. فعندما يرى أعضاء الجماعة ذلك يمتنعون عن مثل هذه الخطيئة. وعندما تكون الخطيئة معروفة علناً، يظهَر بشكل أقوى أنّها مرفوضة. عندما تكون الكنيسة حيّة، لا يشكّل القصاص العلني مشكلة والمثال أنّ في الكنيسة الأولى كان الاعتراف علنياً. عندما تبرد النفوس تبرز المشكلة مع إعلان الأمور، ويصير في كل كلمة أو عمل معثرة للنفوس.
من هنا، أن ما ينطبق على خطايا الكهنة هو دائماً أكثر مما ينطبق في الحالة نفسها على العلمانيين. ليس لأن الكهنة مطالَبين أكثر من العلمانيين، بل لأن أخطاءهم هي أكثر علنية من أخطاء الآخرين، وبالتالي أثرها الضارّ على الجماعة أكثر جسامة من أخطاء العلمانيين. فعلى سبيل المثال، عندما تقول الكنيسة بأنّ الزاني لا يمكن أن يكون كاهناً، ذلك ليس فقط لحماية الكهنوت والزواج والعفة، بل لأن الذي عجز عن حفظ هيكل الروح الصغير، أي جسده، يصعب عليه حفظ الهيكل الكبير أي الكنيسة بمؤمنيها. وإذا قالت أن الكاهن يُجرّد إذا زنى، فلأنّه معلّمٌ يقتدي به الناس.
الكنيسة، كونها الجسد السري للمسيح، عندها وسائلها لتحقيق خلاص أبنائها. عدم احترام القوانين يعرقل عمل الكنيسة ويشوّش على الخلاص. ومع أنّ الكنيسة هي مؤسسة بشرية وإلهية في وقت واحد، فإن وجهها الأرضي يسود عليه الروح. وطالما أن الكنيسة ما زالت مجاهدة في هذا العالم، فإن تقليدها القانوني والشرعي يبقى جزءاً أساسياً من حياتها الأرضية يؤمِّن لها وسائل الأمان والحماية التي في إطارها تنمو الحياة في الروح وتُحفَظ. مَن أراد الحفاظ على الكنيسة وخلاص أبنائها يحفظ قوانينها.

نحن والقديسون

نحن والقديسون

 

في خبر أرثوذكسي من العالم الأسبوع الماضي أن هامة القديس بندلايمون معروضة اليوم للزوار في أوكرانيا للتبرك. والهامة هذه محفوظة أصلاً في الدير المسمّى باسمه في جبل أثوس لكن الرهبان حملوها إلى في هذه الزيارة إلى بلاد الروس ليترّك المؤمنون بها حيث بقيت حتى التاسع من تموز الحالي لتنتقل إلى مكان آخر. قُدّر عدد المؤمنين الذين يزورون الهامة يومياً بثمانين ألف وروت إحداهن إنها انتظرت أربع عشر ساعة ليتسنّى لها تقبيل الهامة والتبرك منها.

في المقابل يمر عيد القديس يوف المشقي في انطاكية خجولاً هزيلاً: بعض الأديار تقيم السهرانيات، بعض كنائس الرعايا تقيم صلاة الغروب مع كسر الخبزات الخمس، وفي أفضل الأحوال قداساً في يوم العيد. لن أناقش مقولة قديس كبير وقديس صغير. لكن ما سوف أتوقف عنده، لأنه ينبغي التوقف عنده، هو هذا الحبل المقطوع أو الذي يكاد ينقطع في العلاقة بين المؤمنين والقديسين في انطاكية. طبعاً ليس مطلوباً أن نطبّل ونزمّر إذا أعلنت قداسة قديس، وأصلاً لم يفعل الأرثوذكس هذا عند إعلان قداسة الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي وهو آخر مَن أُعلنت قداسته في انطاكية. لكن أقل المطلوب هو أن يحس الأنطاكيون بأن لهذا القديس أو ذاك وجود مميز بينهم، أن يستدعوه للشفاعة ويحسوا بها فاعلة في حياتهم.

علاقتنا بالقديسين وللأسف تحولت إلى أعياد يتولى مجالس الرعايا تنظيمها  فيدخل فيها الطبل والزمور والاحتفالات وقد لا يغيب عنها إلا القديس صاحب العيد. ممارسات مفترض أن المسيحيين نسوها فلمَ العودة إليها؟ علاقتنا بالقديسين تحولت إلى مجرد ايقونات نتباهى برسمها وتعليقها. ما عدنا نختار أسماء أبنائنا من القديسين لأننا لم نعد نطلب شفاعتهم فعلاً. صرنا نحتفل بأعياد ميلاد أبنائنا ونسينا أعياد شفعائهم لأن حبل الود بين المؤمن وشفيعه انقطع لدينا. الإسم يحمل صاحبه وصفاته، ونحن ما عدنا نرجو لأبنائنا القداسة. فالقداسة ليست من مواصفات النجاح الذي قد يحملها اسم أي ممثل تلفزيوني أو مغنٍ.

إن لم تُفعّل علاقة المؤمنين بالقديسين لا يبقى من فرق بيننا وبين البروتستانت. لا يكفي أن نعلق الإيقونات بل نحن بحاجة إلى التأمل والتمثل بأصحابها. جاءني مرة صديق بروتستانتي قائلاً أن كنيستهم جافة إذ ليس فيها لا عذراء ولا قديسون بينما كنيستنا فلا. القديسون يبثون الرطوبة في علاقة الجماعة المؤمنة مع الله، والأمر هو في الخبرة.

تراثنا الأرثوذكسي مختلف عمّا نفعل اليوم. كنائسنا كانت تقام على قبور الشهداء ثم صارت تُوضع رفاة القديسين في أسا المائدة. كنائسنا هي بيوت الله وكنائسه ولكنها على اسماء القديسين. بيوتنا كانت ملأى بسير القديسين تخبرها الجدات للأحفاد والأمهات للأبناء. اليوم كل شيء تغيّر. لدى أبنائنا الكثير من السيَر التي تحدد لهم أولويات غير القداسة. الجدّات صرن يسابقن أحفادهن على التلفزيون والأمهات صرن يتشاجرن مع أبنائهن من أجله. ضاق المكان الذي كان يتسع لقصة قديس أو شفيع ومطلوب أن نعيده إلى ما كان عليه.

كما أن أبنية الكنائس لا تقوم إلا على رفا القديسين كذلك الكنيسة لا تقوم إلا على صلواتهم وشفاعتهم والشركة معهم. نحن في هذه البلاد علامَ تقوم كنيستنا؟

الأب أنطوان ملكي

(عن نشرة الكرمة)

حاجة الانسان المعاصر الى سر الاعتراف – فادي أسعد جرجي

حاجة الانسان المعاصر الى سر الاعتراف
فادي أسعد جرجي

غربةُ الإنسان في عصرنا

تركوني أنا ينبوع المياه الحي واحتفروا لأنفسهم آباراً، آباراً مشقّقة لا تمسك الماء” (ارميا ٢:۱٣).

يؤكد غير قليل من المعطيات السائدة في بيئاتنا الاجتماعية أننا نعيش في عصر لا يقيم وزناً لفضائل مثل التيقظ الروحي والسهر على حفظ الحواس وصون النفس من الزلل. مجتمعاتنا الجادة في طلب السعادة عبر وسائل اللذّة والاستهلاك والتكنولوجية لم تعد تتحسس الابعاد الروحية للقيم كالجمال والطبيعة والفن والجسد… البشر جملةً في حركة متسارعة الى اللهو. كلام كثير يذاع هنا وثمّة عن “حقوق الانسان”، ومعظمه لا غاية له سوى استغلال الانسان وانتهاك حرماته أو بكلام آخر جعله باسم الحرية عبداً. هذا، ويذهب غير قليل من المحلّلين الاجتماعيين الى أن فلسفات الأنسنة والتي هي وليدة عصور “التنوير الغربي”، لم تترك مكاناً للبعد الروحي في حياتنا. حضارة اليوم تدعو كلّ واحد منّا وتمهّد له السبيل للاستغناء همّا هو ديني روحي، ليكتفي بالغايات الآنية لوجوده، فيرتاح الى ما يحقّقه من انجازات بشرية صغيرة كانت أم كبيرة، ويبني أهراءات المال والسلطة واللذة التي تؤمّن مستقبل مجتمعه واستقراره.

غير أن الحقيقة الأكثر صدقاً أن انساننا المعاصر، العابث، إنما يتذرّع بفلسفات الانسنة وسواها ليبرّر إخفاقه في اكتناه الحقائق الروحية وعيشها. إننا عوضاً عن أن نواجه ذواتنا برصانة وصدق نميل في معظم الأحيان الى خلق الأعذار المبنية على الظروف والمعطيات الخارجية المتعدّدة والشديدة التعقيد، لنقول من ثم إن التعاليم الروحية للكنيسة أضحت بعيدةً عن الواقع لا صلة لها بالانسان المعاصر وتطلّعاته وأشجانه.

لكن المحاسبة النزيهة للضمير تظهر غير هذا. ما ينكشف، حين نتحقق عن كثب من واقع المشكلة، أن الانسان اليوم هو بأمسّ الحاجة الى القيم المسيحية الروحية التي هي السبيل الأنجح بل الأوحد الى حلحلة أزماته وتهدئة اضطرابه. غير أن البشر يفضلون الهروب من كل هذا. الانسان المعاصر يخاف الدين وما فيه من إلزام ووعيد، لأن الشعور بالذنب يُثقل كاهله. صورة الإله القاضي حامل الميزان في يمناه ليحاسب بصرامة كلاًّ عمّا فعل باتت منفّرة تكسر ظهر الانسان عوضاً عن أن تساعده. هذه الصورة الحقوقية لله والتي كرّسها لاهوت الغرب مع ترتوليان، مروراً بأوغسطين وأنسلمس ووصولاً الى سخولاستيكيّة الإقويني ومن حذا حذوه، جعلت الناس يجحدون الاله. ما لا شك فيه أن “اللاهوت المسيحي” في بعض اتجاهاته المدرسيّة قد أذنب إذ خسر كل إمكانية في محاورة الناس، بل جعل الانسان المعاصر يفقد غايته، يفقد الرؤيا السليمة في حياته التي كان علم اللاهوت وحده قادراً على تزويده بها. فحين ينزاح اللاهوت عن مساره الأصيل، يميل البشر الى إرواء عطشهم إما من روحانيات غريبة، وإما بالإقبال الأعمى على اللذة وأسبابها، أو بنوع من اللامبالاة وعدم الحسّ…

“اللاهوت المسيحي” يذنب حين يفقد أصالته، يفقد رسالته الرعائية التبشيرية وإمكانية شفاء الانسان وبلسمة جراحه. لا يعود اللاهوت ذاك السامري الشفوق الذي ينحني ليرفع الانسان من وهدة جراحه. يُضحي صيغاً فكرية عقيمة لا تسلّي سوى المتحذلقين عوض أن يكون منهاجاً لشفاء الانسان “لتكون له حياة (بالاستنارة) وليكون له افضل (بالتمجيد)” (يوحنا ۱٠:۱٠).

وحدها اسرار الكنيسة قادرة اليوم على انتشال الانسان من دوامة الظروف الحياتية التي تسيّره وتستعبده. ولكن مفتاح هذا كلّه يبقى ذلك الشعور الذي انتاب الابن الشاطر حين اشتهى أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله، ولم يستطع. ساعتئذٍ، يخبرنا الإنجيل، أنه “رجع الى نفسه… وقال أقوم أذهب الى أبي وأقول له أخطأت يا ابي الى السماء وأمامك…”(لوقا ۱٥:۱٧-۱٨).

هذا الشعور بسوء حالنا، وحاجتنا الى المسارعة الى المسيح هو سرّ التوبة، الذي به وحده يمكن خلاص إنساننا اليوم.

الشعور بالذنب المَرَضي والمعرفة الواعية للخطيئة

“من يعرف خطيئته خير من الذي يقيم الموتى” (القديس اسحق السرياني).

يصف علم النفس المستحدث شعورَ الانسان بالذنب بأنه حالة عُصابيّة. وأنه كسائر “الأمراض النفسية” يؤدّي تدريجيّاً بصاحبه الى شيء من التراجع فالتدهور ثم التداعي. أو على الأقل يضايقه بمقدار يحدّ من انتاجيته الفكرية والعملية بحيث يفقد فاعليته في مجتمع دينه وديدانه التنافس في الانتاج والاستهلاك. ويماهي علماء النفس ما بين الشعور بالذنب ولون من الفرح بالخطيئة كامن في حنايا عقل الانسان الباطن، حيث يتحرك بفاعلية كبرى وهو مستعد أن يؤدّي في لحظة غير منتظرة الى الانفجار والتعبير بشكل جامح أو عنيف عن هذا التضعضع في شخصية الفرد أو حتى المجتمع برمته. وكثير من المغالين في التحليل يحمّلون الدين مسؤولية هذه الحالة. إذ يرون فيه نظاماً أخلاقياً يحدّ الانسان بموانع ونواهي لا تؤدي إلا الى كبت ما فيه من حيوية. ولكن إن طبقنا منهج سيغموند فرويد نفسه، وهو خير من درس جدلية الشهوة والكبت في الانسان، أفلا يتضح لنا أن عقدة الذنب هذه إنما تعود في جذورها الى البنية الاوديبية للأسرة، الى الاضطراب وعدم الاتزان في مناخ العائلة التي نشأ فيها الولد في سنيه الخمس الأولى خاصّة، والى ما صادفه من صدمات وكبت في المرحلة اللاحقة في نموّه وتفتّحه الاجتماعي والعاطفي.

فمشكلة الشعور بالذنب إذاً، لا تأتي من قيم دينية يتربى عليها الانسان، بل من تلوث أو فساد في عائلته، كما نلاحظ اليوم في الكثير من البيئات “الحديثة” حيث انفرط عقد الاسرة وبات كلٌّ يعيش على هواه. الشيء الأول الذي ينبغي لنا أن نقف عنده هو أن القيم الروحية وما فيها من ضوابط، إنما تجمع شمل الاسرة وتبقي اللحمة فيها بحيث يتأمّن جوّ معتدل ملائم لتفتّح الفرد ونموّه بشكل متزن. أما الأمر الثاني فهو أن الشعور بالذنب المرضي والناتج عن كبت وعقد، هو غير الإدراك الواعي للخطيئة الذي عبّر عنه داود في مزموره الخمسين “لأني أنا عارف بإثمي وخطيئتي أمامي في كل حين”، والذي يتأتّى من شفافيّة أو بصيرة تشبه أعين الشيروبيم الدائمة اليقظة التي تشاهد جمال الخالق وتستحي لقبحها امامه، فتشتاق الى مصالحته. والشوق يولّد في الانسان حركة، يصير فيه ديناميكيّة  بخلاف الشعور المرضي بالذنب والذي ما هو إلا جمود وموت. “ووعي الخطيئة”، أي هذه الحساسية الروحية التي عبّر عنها اللّص المصلوب عن يمين المسيح وزكّا العشّار حين أدرك قصر قامته فاعتلى الجميزة، أساسٌ هامّ لفهم الانان لسرّ الاعتراف بل للحياة الروحيّة كلّها. لا بدّ للانسان من أن يعرف معنى الخطيئة من حيث هي واقع يؤثّر على كيانه بجملته، يشتّت قواه ويبعثر مواهبه فيصير عقيماً لا يقوى على الدنوّ من مبدأ الحياة أي “معرفة الله” (يو ۱٧:٣) التي تعطي معنىً وهدفاّ لوجود كل انسان. الخطيئة تقود الانسان الى العبث. وتجاهُل الخطيئة عبر طرحها خارج مفاهيمنا الاخلاقية يقود بدوره الى العبث. لأن الحقيقة لا يقربها الانسان إلا بالمواجهة الصادقة للذات والله والمجتمع. فوعي الخطيئة هو قبل أي شيء عودة الى حيّز الواقع، أي استدراك النفس التائهة في التخيلات لحالها المتدهورة. وهذا ما يسمّى في قاموس آباء الكنيسة “يقظة روحية” أي معرفة الانسان لحاله الواقع، وسهره على معالجة الاعوجاج فيها، والمحاولة الجادة منه للتمسك بهذا الوعي وما يصحبه من مسعى جاد. لذا فإن كل تطبيق شكلي لطقوس سر الاعتراف يبقى عديم الجدوى إذا لم يسبقه أو يصحبه نزوعُ النفس الأصيل الى تبديل ما فيها من قباحة تؤذي علاقتها الحميمة بالمسيح. شعورنا بالحاجة الى التوبة هو الأساس لسرّ الاعتراف. ولا اعتراف من غير توبة. لأن الاعتراف تكميل لما في النفس من ندامة وحزن مغبوط وشوق الى الله. الله يجتذب الانسان بنعمته الى التوبة. والتوبة تقتاد الانسان بنعمة الله إلى الاعتراف. والاعتراف يؤول بالانسان الى مغفرة الخطايا. وما المغفرة إلاّ بدايةً للنمو الروحي. فنحن لا نعترف لنفي ديناً على الله، بل لنكسر الحواجز الدهريّة القائمة في دربنا الى وحدة الحال مع المسيح. نعترف لنعبّر لله عن تعلّقنا به، وعن حاجتنا الى نعمته الشافية، وعن رغبتنا في الانفتاح عليه والاتحاد بشخصه. وهكذا لطالما عَبَرَ المسيحيّون المجاهدون بالتوبة، وفي كل الأزمنة، من الاستنارة الى الكمال فالتمجيد بنعمة الروح القدس.

الانسان المعاصر وأزمة التواصل مع الآخر

أسوأ ما في التطور الواسع النطاق لوسائل الاتصال في عالمنا، والتي يقال إنها جعلت الكون قرية صغيرة، أنها عزلت الانسان بشكل كامل عن اخيه الانسان. الثورات المتتالية، النهضة الأوروبية وما رافقها من حركة ادبية وفنية، الثورة الصناعية وما صاحبها من قيام لطبقة بورجوازية لها فكرها ومجتمعها، الثورة الفرنسية وانهيار الانظمة الملكية والثيوقراطيات، الثورة البلشفية وسيادة مارد الإلحاد، الحربان العالميتان وفقدان قيمة الانسان الذي بات يُباد كالبرغش بعشرات الآلاف، ثم ثورة الطلاب التحررية في فرنسا عام ۱٩٦٨… كل هذه وما آلت اليه من تفلت واتجار بالجنس والقيم، حوّلت العلاقات بين الناس الى آليات لا حياة فيها ولا عافية: مجرد اتجاه الى من نحتاجه أو لنا مصلحة في صحبته. أليس هذا استمراراً لسقطة آدم التي لعنت الارض وكل ما فيها فباتت الحيوانات التي كانت تألف وجهه تفرّ هاربة منه وبات عارياً يسعى بالأغطية الى شيء من الطمأنينة أو راحة البال فلا يجد لأنه فقد محبته وفقد مصدر سلامه واستقرار.

لا أشاء أن انقض حاجة الانسان في مجتمعاتنا الى وسائل الاتصال، ولكن ما أود تسطيرَه أن هذه الوسائل باتت ناجحة في تستّر الانسان خلف قناع كاذب: يدّعي الانفتاح بينما هو يعتكف على أناه لعجزه عن تخطّي عقدها. الانسان المعاصر يتصل بالجميع ولكنه لا ينجح في لقائهم الشخصي. لا مجال البتة للقاء الوجوه. قد تشاهد من تعرفه على شاشة الكومبيوتر ولكنك تعجز عن ان تجلس إليه لتنظر في عينيه. تتكلم كثيراً مع الناس ولكنك نادراً ما تفتح قلبك لهم، لأنه لا يمكنك أن تأتمنهم على ما في القلب. العلاقات البشرية في مجتمعاتنا غدت هكذا سطحية هامشية. والانسان بات منغلقاً على ذاته غير قادر على تخطي حدود أنانيتها. حتى فضيلة الحب لم تنجُ من هذا الداء. الحب البشري بات ملوّثاً، حبّاً أنانياً خالياً من أي بذل إلا على صعيد القبيلة أو العائلة الصغيرة. نحن اليوم في قريتنا الكونية التي تطال أطرافها أرجاء الكون بأسره ضيّقون أكثر من اي وقت مضى، فالانفتاح الحقيقي إنما يكون في تخطّي حاجز الخطيئة الذي يعرقل الانسان. كلٌّ منّا رازح تحت أعباء آثامه منكمشٌ عليها، وإن أقرّ بها فهو يقرّ بينه وبين نفسه فقط، لأنها من “خصوصياته”، أو يعترف بها “بينه وبين الله” كما يقول. كلٌ منا يحوّل حياته الداخلية الى قدس أقداس لا يلجه أحد ولا حتى المسيح لأن الباب بات مقفلاً بالخطيئة وحب الذات.

“هائنذا واقف على الباب أقرع، يقول الرب، فإن سمع احد صوتي وفتح لي أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي” (رؤ ٣:٢٠)

المسيح يشاء بسر التوبة أن يكسر طوق الانعزال الذي يحيط بنا من خلال الخطايا. هو يدعونا الى أن ندخل في سر الكنيسة من جديد إذ نطرح على عتباتها آثامنا ونلج لابسين حلّة جديدة لنشارك الابن بالعجل المسمّن. فإن المؤمن حين يلتجئ الى الكاهن وينحني بعد اعتراف تحت البطرشيل، يدخل في هذا السر الذي به تنفتح القلوب على نعمة الله وعلىكنيسته، فيتصالح مع السماء ومع الناس ويصير من جديد وارثاً لفردوس آدم المفقود. الانسان يستعيد دالته لدى الله فتصير صلاته مسموعة مقبولة بل إحساناً الى الناس. يخرج من ركود الخطايا القابعة في القلب الى نور جدّة الحياة، ويلتقي مجدداً الاخوة. ولعل هذا اللقاء المحبّ خيرُ دواء وسلوة للنفس المتعبة والرازحة تحت الأحمال. لأنه كما يقول فرويد “أجمل شعور لدى الانسان هو أن يحسّ المرء بأنه محبوب ممن هو يحبّه”. وهذه المحبّة إن تمكنت من تخطي الأنانية كما يذكّرنا الأب يوحنا رومانيدس، فهي تصير شفاءاً للانسان. وإن رقّت بالأكثر تستحيل إيقونة لمحبة الله التي بها يكون كل بذل وعطاء، وكل “تأنٍ ورفق” (۱كور ۱٣:٤)، حتى تصطلح العلاقات الاجتماعية بخلوّها من الريب، وتتشكل بسر التوبة كنيسة المسيح ملكوت الله على الارض. لأن الكنيسة في بعدها الانساني الأعمق، ما هي إلا كما يعرّفها القديس أفرام السرياني “جماعة الخطأة الذين يتوبون”.

الاعتراف علاج للمرض الروحي في الانسان

“ولكن لكي تعلموا أن لابن الانسان سلطاناً على الأرض على ترك الخطايا، حينئذٍ قال للمفلوج قم احمل سريرك واذهب الى بيتك” (متى ٩:٦).

كم هو غريب هذا الأمر الذي يختبره الأرثوذكس في اعترافهم! فإنهم في لقاء مع أب روحي في اعتراف غير طويل يتمكّنون من أن يتخلّصوا من كل اضطراب أو توتر من شأنه أن يعرقل مسيرة حياتهم. بينما ترى الناس في المجتمع يصرفون الساعات والأشهر في الاختلاف الى الأطباء النفسيين، ويعللون النفس بالآمال، ويدفعون المبالغ الطائلة دون أن يحصلوا على اية نتيجة جدية تذكر. إذ إن العلاج في أكثر الحالات يقتصر على لون من التخدير للهوى القابع في الانسان، اي خفض لحدّة التوتر في النفس عبر إيجاد الاشكال الاجتماعية المقبولة للتعبير عما فيها من أهواء معابة (ما يسمى في الطب النفسي تصعيداً). فكأن التحليل النفسي لا يسعى إلا الى إقناعنا بقبول ما في النفس من نزعات وما يسمّيه “تخطياً لعقد”، أي بكل بساطة: الرضى بما نحن عليه من عدم استقامة، ليكون بهذا “سلام الانسان”.

أما في أسرار الكنيسة فالامر يختلف بالكلية. الكنيسة تصرّ على معالجة المشكلة من جذورها. وهذا يتطلب في طبيعة الحال مرشداً روحياً مختبراً وليس اي انسان. لأن الوعي الروحي المصحوب بالجهاد الحقيقي هو السبيل الى تمييز طبيعة الهوى أو مصدر التشويش في النفس ومعالجته بما يوافقه. والخبرة الأرثوذكسية في أن الانسان يتخذ مرشداً يصير له أباً روحيّاً فريدةٌ في العالم المسيحي. فهي ليست مجالاً لتخطي الانسان لكل ذاتية في الحكم في الأمور الروحية فحسب، بل أن المسيحي، كما يوضح القديس سمعان اللاهوتي، يجد في شخص الأب الروحي من يسير امامه ممسكاً بيده ليمهد له السبيل “الى ينبوع المياه الحقيقي ليغسل فيه وجهه ويرحض كل أثر للادناس”.

ولن أتوسع في مناقشة أو شرح ما يوضحه الآباء عن آلية الاضطراب الحاصل في نفس الانسان من جراء خطيئته، والذي يؤدي الى انفصال الذهن عن القلب أي تشظي شخصيّة الانسان، والتشتت في الافكار الأثيمة، ثم جمود القلب وموته. هذا البعد المورفولوجي في المرض الروحي أتركه ههنا جانباً لأقف عند البعد الاجتماعي النفسي والذي هو مرض مَلَكَة الحب في الانسان. فالحب الانساني كما ذكرنا، يصير بالخطيئة أنانياً يتجه به الانسان الى نفسه عوض أن يكون معطاءاً منفتحاً على الله والآخرين. هذه الفيزيولوجيّة المعطّلة لحواس الانسان الروحية هي تماماً المرض الروحي. فالانسان من حيث يدري أو لا يدري يستعمل كل الأشياء بأنانية واستغلال. “أناه” تصير محور الكون. وهذا الأمر، الذي لن يخالفه البتة عالم النفس ألدر، هو جذر كل خطيئة. أمّا صحّة الانسان فتكون في تخطّيه لذاته عبر اتجاهه الى وجه خالقه وتقديمه له السبح النقي والشكران. وهذه الحقيقة الانسانية الروحية عبّر عنها آباء الكنيسة حين عرّفوا الانسان “بالكائن الهيمنولوجي”، أي أن معنى وجوده قائم في أن يكون الله الذي يليق به كل تسبيح محور حياته. فيحيا “بكل كلمة تخرج من فمه” (متى ٤:٤؛ لو ٤:٤۱)، ويجد ذاته المشتتة، حين يتجه الى المسيح، يجد ذاته تلتئم لتشكل صورة الله. وفي صورة المسيح المصلوب ليدفُن الصورة القديمة التي فينا، نجد قيامة صورتنا من الفساد. الانسان حين يعترف، يستدعي النعمة لتجلي أدران النفس وتعيده الى حقيقة صورة الله. وإذ تبدو صورة الله في الانسان من جديد، يعود الله ليتخذ المكانة المركزية في حياتنا، ويصير المسيح “الكل في الكل” (۱ كولوسي ٣:۱۱). وعوضاً عن أن نكون عبيداً رازحين تحت نير الخطيئة وكثافة “الأنا” ننعتق لنصير أبناءاً “وارثين لله بيسوع  المسيح” (غلاطية ٤:٧)

خاتمة

المسيحي المؤمن يتخذ في الاعتراف قوة من العلاء ليحب الله والاخوة. وفي هذه المحبة يجد، في هذا الزمان وفي كل زمان، قدرة على العطاء والخدمة و”احتمال كل شيء” (۱كور ۱٣:٧). فيكون في الوقت نفسه روحيّاً واجتماعيّاً بامتياز. وقد ينال في ذاته قسطاً من قداسة الله، إن استغرق في التّحابّ مع المسيح.

الصليب – الراهبة الأم مريم

الصليب

الراهبة الأم مريم

دير مار يوحنا – دوما

 

X

يا صليب الرب المشوق إليه من العالم، أشرق بروق نعمتك البهيّة في أفئدة مكرّميكَ ومصافحيك بمحبّة إلهيّة. يا مَن بكَ اضمحلّتْ كآبة العبرات ونجونا من فخاخ الموت وانتقلنا إلى فرح لا يفنى. أظهر لنا بهاء جمالك مانحاً جوائز الإمساك لعبيدكَ الطالبين بإيمان معونتك الغنيّة والرحمة العظمى (التريوديون: عن صلاة المساء الكبرى – السبت).

الإله

“أنا هو الكائن”… (خر 3: 14) “أنا هو الطريق والحقّ والحياة” (يو 14: 6) “لا يقدر أحد أن يُقبِل إليّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني وأنا أُقيمه في اليوم الأخير” (يو 6: 44).

والرب قال: “أنا أُريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحقّ يقبلون” (1 تي 2: 4). ونقرأ في إنجيل يوحنا “ومع أنه كان قد صنع أمامهم آيات هذا عددها لم يؤمنوا به” (يو 12: 37). “…فنادى يسوع وقال. الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني. والذي يراني يرى الذي أرسلني. أنا قد جئت نوراً إلى العالم حتى كل مَن يؤمن بي لا يمكث في الظلمة” (يو 12: 44 – 46).

هكذا نقرأ أنه هو الكائن منذ الأزل وأنه هو الطريق والحقّ والحياة وأنه إذا أتى الإنسان إليه لا يمكث في الظلمة.

لكن الشعب الذي تجسّد الله منه ولخلاصه وخلاص العالم، لم يؤمن به، ولا بعد أن صنع لهم العجائب والآيات ولا بعد أن علّمهم، بل لطموه وبصقوا عليه، وحاكموه وجرّوه إلى الصلب، إلى الصليب وعلّقوه عليه… وبعد موته قام في اليوم الثالث كما أعلم هو تلاميذه. وعلى ما جاء في الكتب…

إذاً مجيء الرب إلى العالم وتجسّده مرتبطان بالصليب. لماذا الصليب؟ لأن البشرية سقطت من حضن إلهها ولم تؤمن أنه هو الإله المتجسّد لخلاصها والعالم، بعد أجيال الموت والخطيئة التي عاشت فيها بملء إرادتها…

الرب الإله خالق السماوات والأرض خلق آدم وحوّاء من نفخة روحه القدّوس وأطلقهما في فردوس نعيمه، معه… لكن الإنسان لم يرض بقسمة الله له، لم يرض بمشيئة الله، بل تحرّك ليعمل مشيئته هو، رغم وجوده في الفردوس…

الرب يسوع المسيح في تجسّده على الأرض، قال: أنا لم آت لأصنع مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني (يو 6: 38). وإذا كان الإنسان مخلوق الله أُطلق في الكون ليحيا بروح وبمشيئة الذي أوجده؛ فلماذا انزاح عن إلهه ليعمل مشيئته هو؟!…

هنا تندرج أمامنا فاعليّة الخلق الإلهي للإنسان – إذ خلق الله الإنسان حرّاً من أيّة تبعيّة، حتى للإله خالقه، وأراد الله الإنسان أن يختاره بملء إرادته… أراده أن يكون له بالكليّة وليس جزئياً والإنسان إذ تبطل إرادته يصير عبداً… لذلك أطلق الله الإنسان ليختاره، ليقف إزاءه، ليكون صنوه في روح الألوهة المنبثّة فيه…

أما الإنسان فسمع صوت الحيّة – الشيطان، وشكّ… لماذا؟ لماذا وهو الكائن في حضن الله معه في الفردوس سقط؟… لماذا سمعَ وشوشات الحيّة؟ لماذا عصى؟…

لأن الله قال له: أما من هذه الشجرة فلا تأكل.

وكان السقوط… من عدم الطاعة، من نقص السماع… وصار السقوط واقع البشريّة بأبيها آدم وحوّاء… ونحن حملنا لعنة السقوط وانشطار المشيئة، مشيئتنا الإنسانية… مع الله وضدّ الله في عدم طاعته.

لماذا سقط الإنسان؟!… لأنه حرّ…

لأن الله أعطاه حرّية الإختيار. لأنه أعطاه المشيئة الحرّة لكي يختار…

واختار الإنسان السقوط، اختار الموت، اختار الصليب… اختار التجارب والآلام، فصار  حرّاً من حرّية الإله الذي أوجده، بل عبداً للشيطان ولوشوشاته، وللّعنة والأحاسيس النفسانية وللأهواء في جسده ولمشيئة فكره وتعظّمه… وأناه… في سقوط الإنسان صار أنا غير أنا الله؛ منشطرة عن الأنا الإلهية… التي هي نور وخلاص. والرب يسوع قال: “أنا نور العالم” (يو 8: 12). “فمَن يُقبل إليّ لا يمشي في الظلام”… (يو 8: 12).

إذاً هناك نور وهناك ظلمة… هناك حياة نورانية وهناك عيش مظلم مميت. إذ ضرب العدو “إرادة” الإنسان جعلها إرادة منقسمة على ذاتها، أي على اختيار الشرّ أكثر من التزامها الخير والنور والألوهة… وهذا هو سرّ الإثم إذ ضرب الشيطان مشيئة الإنسان… وسرّ الإثم هذا هو الذي مزّق طبيعة الإنسان وشقّ نفسه وشطر قلبه عن حبّ الله، فتعظّم بعقله وإرادة السقوط التي فيه، والتي هي إرادة الأنا والإنجاز. وإذ يفعل الإنسان مشيئته يدخله الشيطان في عبادة نفسه في الكبرياء… سرّ الإثم هو هذا الإنقسام والتجزّر والتفتّت ليصير الإنسان – وبعد أن التزم سقوطه وفرح به – عبداً للإثم وصارت عنده مع العيش المرّ، إرادة فعل الإثم ونكران الوصايا وعدم حبّه لتطبيقها… أو حتى لسماع كلمة المسيح أو اسمه أو الإلتزام به…

تجسّد الإله الإبن في هذا الكون ليخلّص العالم من سقطته ومن احتيال الشيطان والحيّة عليه ومن ربقة الموت. وفي تجسّد الإبن الوحيد للآب. ابن الله في نزوله إلى الكون رفع البشريّة معه إلى العلى… وإذ أتى الإله إلى الأرض كان عليه أن يعود ثانية إلى حضن الآب، إلى الحضن الذي منه خرج… وكان تالياً على الإبن الإله أن يموت ليعود ويَصعد ثانية إلى حيث كان أولاً…

ولكن هل يصعد وهو قد تجسّد باللحم والدم دون أن يموت هذا اللحم والدم، دون أن يموت هذا البالي ويدفن في الأرض الذي منها أُخذ؟!…

كل هذا عاشه المسيح ليُرينا دربَ خلاصنا وذلك بالطريق الخلاصي الوحيد، بالصليب والموت…

إذاً وإذ كانت لحياتنا بداءة على هذه الأرض، فسيكون لها نهاية أيضاً… والنهاية هي الموت…

والسؤال هو: أخلقنا الله لكي نموت؟!… وأيّ إله هذا الذي يختار البلى والموت والفساد؟… وإذا عاش الإنسان كذلك عمراً في الخطيئة والموت ولم ير فيها الحياة الأبدية، تجسّد الإله، ليُريَ الإنسان المخلوق حياة أخرى لا فناء فيها، ولا موت ولا نهاية لها، ذلك إذا آمن به هو، وبأبيه السماوي: “كل ما يعطيني الآب فإليّ يُقبل ومَن يُقبِل إليّ لا أُخرجه خارجاً. لأني قد نزلت من السّماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني. وهذه مشيئة الآب الذي أرسلني أن كل ما أعطاني لا أُتلف منه شيئاً بل أُقيمه في اليوم الأخير. لأن هذه مشيئة الذي أرسلني أن كلّ مَن يرى الإبن ويؤمن به تكون له حياة أبديّة وأنا أُقيمه في اليوم الأخير” (يو 6: 37 – 40).

إذا كلمة السرّ، سرّ الخلاص هي في الورود إلى الآب بالإبن وبالروح القدس الساكن فينا… باختياره وحياته، كلمته ووصيّته، وحياة ابن الله مبسوطة أمامنا. وهي حياة حبّ وبذل وتعليم وصليب وموت وقيامة…

الصليب

والآن دعونا نسوق أنفسنا إلى الصليب… لماذا الصليب؟! لأنا سقطنا… هذا هو الجواب الواضح البسيط الذي لا يقبله عقل الإنسان وذلك لأن الإنسان رفض الحبّ ومنطق الحبّ الإلهي الإنساني تالياً رفض الخلاص… ولا خلاص إلاّ      بالموت عن أنفسنا الساقطة، عن الخطيئة والأهواء التي فينا والتزام روح الإنجيل وروح الرب الساكن في كلمة وحياة ابن الله المتجسّد…

الصليب حافظ المسكونة، الصليب ثبات المؤمنين، الصليب جرح الشياطين. (أكسابوستلاري العيد).

الصليب سرّ الكون المخلوق… لأن الإنسان إذ عصى واشتهى غواية الحيّة وعاش في الفساد والموت، كان لا بدّ للإله أن يفتديه، ويخلّصه بالموت ويعيد آدم إلى صورته الأولى وذلك بتجسّد ابنه الوحيد وحمله على نفسه خطيئة آدم الساقط بالحبّ وبالموت على الصليب… كان على الخطيئة، خطيئة آدم أن تموت وكانت أداة الموت في تلك الأزمنة الصليب… وصُلب الرب معلَّقاً بين لصّين كمجرم ولم يأنف؛ بل قال لمبغضيه: “اغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون” (لو 23: 34).

وإذ أسلم أمّه إلى يوحنا نكس الرأس وقال “قد تمّ قد أكمل، ونكس رأسه وأسلم الروح” (يو 19: 30).

“قد أُكمل… قد تمّ”… وهذا كان مدوّناً في مجمع الثالوث منذ البدء…

كان لا بدّ للمسيح المتجسّد لخلاص البشريّة من أن يموت على الصليب بأيدي الأثمة؛ لأن الإنسان أثيم؛ وكل إنسان خاطئ وأثيم. فكيف الخروج من هذه الدوّامة الشرّيرة؟!…

بالموت على الصليب مثل المسيح…

وكيف يموت الإنسان وهو حيّ، على الصليب ليخرج من دوّامة الموت ويحيا حياة أبديّة؟! بموته على الصليب!…

هناك يا أحبّة صليبان وهناك موتان…

صليب الإنسان الساقط وصليب الإله المتجسّد. صليب المسيح…

ما هو صليب الإنسان؟…

صليب الإنسان الأوّل هو هو؛ أناه… ولدتُ أُريد نفسي… أُريد أن أُحقق ذاتي، بالفكر والفعل، بالعمل، بالإنجازات، بكليّة كياني… ولا يعرف الإنسان أن هذا صليبه، إلاّ عندما يقترب من الرب يسوع ومن فكره، هناك ينشأ التضاد وتنشأ المفارقة…

الرب يريدني أن أفتقر إليه وحده وأنا أريد أن أغني نفسي وبالعالم.

الرب يريدني أن أجوع إلى ملكوت السماوات، وأنا جائع إلى شهوة البطن والإسراف والأكل والشرب وأطايب ولذائذ الجسد وشهوته وحبّ الظهور.

الرب يريدني أن أعفّ إليه وحده، وأنا أُريد أن ألبّي شهوة جسدي وأحاسيسي وعيني وقلبي وفكري وأصنع مشيئتي…

الرب يريدني أن أخلص بالحبّ الإلهي وأنا ما فتئت أستلقي في أحضان الشهوة وحبّ الأجساد والرغائب والعالم وحبّي لنفسي.

الرب يريدني أن أُعلّق فكري على ذكر اسمه القدّوس لأعلو به إلى السماوات وأنا أُريد أن أنزل بفكري إلى بواطن إنجازاتي وأهوائي وعلومي واختراعاتي…

الرب يريدني أن أُحبّه من كل القلب والفكر والنفس وأنا أُريد أن أُحبّ ذاتي قبله وأعبد نفسي إلهاً…

الرب أوصاني بأن أُحبّ قريبي كنفسي وأنا لا وقت ولا مال عندي لأن أذكر الجائع والمريض والمسكين والعطشان والقريب وفي وصاياه هذه لي، ما يريده الرب مني، أن أنجو من فخاخ العدو ومن موتي الذي زيّن لي حبّ العالم وأغرقني في ضلالة هذا الحبّ الذي يجرّني ببطئ إلى التلف والموت والتشتّت والتفتّت والضياع والشك.

والرب قال: “لا تحبّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم” (1 يو 2: 15).

وقال أيضاً “أنتم لستم من هذا العالم” (يو 15: 19).

أنختار إذاً العالم أم الله؟… ونحن في غالبيّتنا نقول إننا اخترنا الرب؛ لكننا بالحقيقة ما زلنا لا نقبل صليبه لخلاصنا… بل ما زلنا نهرب من الصليب. من صليب الرب المحيي لنختار صليبنا نحن ونقول: هذا مقدّر لي وللإنسان أن يحيا في الشقاء، هذا هو العمر… ولا يمكننا أن نغيّر أي شيء بل إننا؛ أرقاء مضبوطين وقدرنا العذاب والتألّم والموت…

ويأتينا الشرّير بفكر آخر: أترون هؤلاء البعيدين عن الله أترون كم هم أغنياء وموفّقون وناجحون، يرتعون في الراحة والبحبوحة ونحن في الألم والهمّ والشقاء…

ولكن؟!… أليس من حياة أبديّة؟! أليس من استمراريّة؟ أهل ينتهي العمر ههنا؟ أنأتي إلى هذه الحياة لنعيش بعض السنين في الآلام والأوجاع والضيقات وليس من منقذ؟!…

ما أعجب هذا الإله الذي خلق الدنيا وخلقنا هكذا؟

دعونا إذاً نحيا ونسرف ولا نبالي إن كان الموت هو الخاتمة والنهاية.

هذا هو فكر العالم وهذا هو صليب العالم…

“تعالوا إليّ يا أيها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم… احملوا نيري عليكم فإن نيري هيّن وحملي خفيف”… (مت 11: 28 – 30).

التجارب

ها إننا تبعناك يا رب فماذا لنا؟!…

“اما يسوع فرجع من الأردن ممتلئاً من الروح القدس وكان يُقتاد بالروح في البريّة. أربعين يوماً يُجرّب من إبليس. […] ولما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين” (لو 4: 1، 2 و 13).

وجرّب إبليس الرب أيضاً بالجوع إلى الخبز طالباً منه أن يحوّل الحجر إلى خبز ليأكل إذ كان صائماً صومه الأربعيني المقدّس… وأجاب الرب “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة من الله” (لو 4:4). إذاً المقارنة هي بين الخبز الأرضي وبين الإغتذاء من كلام الله… وصليبنا نحن البشر هو؛ إما أن نركض باحثين عن الخبز الأرضي أو أن نتّكل على الله وندعه هو يكون خبزنا وغذاءنا وأن نفتح له الأبواب حتى يطعمنا هو ويغذّينا هو إذا ما أتينا إليه وهو قال: “لا تهتمّوا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون … تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو… فإنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها… أنظروا إلى طيور السماء فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها؟…” (مت 6: 25 – 31) وهذا هو أوّل صليب للإنسان… حبّ البطن ولذّة المآكل.

والتجربة الثانية كانت تجربة السجود لإبليس حتى يُملّك الإله المسكونة… وبالإمكان أن يأتينا الجواب على عجالةٍ… الله خلق الأكوان وهي كلّها له، أما نحن فعلينا على حبّ التملّك وحبّ الإستئثار… أما إذا أتينا إلى المسيح فيصير هو دنيانا وملكنا فيقدّم لنا جوائز غناه الأرضي والسماوي تالياً… وهو قال: “اطلبوا أوّلاً ملكوت السماوت وبرّه وهذا كلّه يزاد لكم”… (مت 6: 33). إذاً، إذا كان هذا وعده، فإننا إن أتيناه سيملّكنا ما نحن بحاجة إليه… وهذا تالياً يصير صليبنا الثاني… فلا نعود نركض لاهثين وراء الملك الأرضي الفاني، بل نسعى وراء بناء ملك لنا لا يفنى ولا يزول ونتمسّك بافتقارنا إليه، ولا نرضى السجود ولا للحظة أمام شيطان الغنى والملك الأرضي والتملّك البشري، فنحيا صارخين من كل القلب والفكر والنفس إليك وحدك أتوق ولكَ وحدك أسير يا رب الكون يا سيّدي وإلهي…

والتجربة الثالثة أو الصليب الثالث هو التهوّر والسرعة والعناد والقبول على التجربة بل طلبها ظانّين أننا لن نصاب بأذى وأننا إذا جرّْبنا بعض المفاتن الدنيويّة وبعض الغوايات الأرضيّة، بل بعض المخاطر فإن الربّ سينقذنا، أو أنا بقدرتي الداخلية سأرتدّ ولن أغرق في المساوئ بل سأضع حدّاً لنفسي وأنسحب…

هذه الغواية الفكرية والإراديّة؛ تقول للإنسان: “جرّب لا بأس عليك”… وهي ضرب من ضروب احتيال العدّو الشيطان على الإنسان ليدمّره من الداخل… وأودّ هنا التركيز على هذه النقطة بالنسبة لما يصيب شبابنا اليوم والذي كان يصيب كل الناس منذ الزمان الأول وحتى الآن.

التجربة يا أحبّة هي قبول تجربة الخبز والتملّك والغنى والشهوة بالجسد والسلطة… والسؤال هو الآن، أنحيا هذا العمر بدون شهوة؟!… “آه مَن يخلّصني من جسد الموت هذا” (رو 7: 24) هكذا صرخ الرسول بولس وقال أيضاً: “إذ لست أفعل ما أُريده بل ما أُبغضه فإيّاه أفعل” (رو 7: 15).

إذاً هناك في هذا الكيان إرادة انقسمت وبدل أن تكون إرادة لصنع الخير والصلاح والبرّ، صارت إرادة ماديّة، دنيويّة نفسانيّة تتلذّذ بالأهواء والأحاسيس وترتاح إلى المآكل وتُشبع نفسها بالسلطة والنجاح والمال والغنى والفسق وتتملّك العلوم والمعرفة الدنيويّة وتمتلك المنازل والممالك الأرضيّة وتركع لأناها ولكبريائها…

فكيف الخلاص إذاً؟!…

الخلاص بصليب الرب

بصليب الرب يسوع المسيح…

“أنتم الذين ثبتم معي في تجاربي. وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتاً. لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي” (لو 22: 28 – 30).

إذاً الموعد محدّد وقد أُعطيَ لنا والوعد أكيد والمائدة معدّة وممدودة لتناول أطايبها في كل لحظة وآن… فماذا نختار إذاً، صليبنا نحن الذي أوجدناه لأنفسنا لأننا أحببنا هذا العالم أكثر من الآتيات والفانيات بدل الباقيات، والسفليّات بدل العلويّات؟!…

مَن عاش هذا العمر ولم يمتْ؟ مَن أسّس ممالك أرضيّة ولم تفن؟ مَن رتّب قوانين وأنظمة وأحكام وموازين ولم تتبدّل؟ مَن بنى ولم يتهدّم، مَن أحبّ ولم يفشل ولم يتأرجح حبّه ويمتلئ شكوكاً واحتيالات ومرجوات كاذبة؟… مَن عاش بدون أسى؟ مَن لم يصادف مشاكل في أيّامه كل لحظة؟!… فإذا كان عنوان الحياة الأرضيّة – الموت الذي يفني بدءاً الروح ثم يقضي على الجسد – فدعونا نأتي بكلّيتنا إذاً إلى العلويّات، إلى الروحيّات، إلى السماويّات…

كيف الخلاص بصليب المسيح؟!…

المسيح عُلِّق على الصليب ليعلِّق معه، على صليبه خطيئتنا… إذاً، إذا نحن أتيناه مؤمنين به، فخطيئتنا وموتنا سيعلّقان على صليب الرب الذي أسّس في الوسط… وهكذا نعلّق نحن على صليب يمينه نصرخ له اذكرنا يا رب متى أتيتَ في ملكوتك فيجيبنا: أنت تكون معي هذه الليلة في الفردوس؛ إمّا نكون كلصّ اليسار فنجدّف أيضاً وأيضاً على الرب متّهمينه بموتنا…

علينا يا أحبّة أن نفهم ما جرى للرب على الصليب؛ ومن ثمّ إتّباعه بكلّيتنا!!… “فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذٍ وجهاً لوجه” (1 لو 13: 12). الآن نحن لا نفهم ولا نفقه كيف الإله خالق السماوات والأرض ارتضى أن يعلّق على الصليب… إذاً هو إله ضعيف… ويجيبنا تساؤلنا “إن قوّتي في الضعف تُكمل” (2 كور 12: 9). “وتكلّم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال: أيها الآب قد أتتِ الساعة. مجّد ابنك ليمجّدك ابنك أيضاً. إذ أعطيته سلطاناً على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل مَن أعطيته”… فالحياة الأبديّة معطاة إذاً على الصليب “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو 17: 1 – 3). معلَّقاً بأيدي أثمة ومطعون ومضروب ولكنه قائم وغافر للذين صلبوه خطيئتهم…

هذا هو إلهنا الذي أتى ليخلّصنا ويعطينا الحياة الأبديّة… إنه ليس إله ضعيف لكنه إله مسامح وغفور وملتحف بالنور الإلهي، لأنه هو النور وحامل على منكبيه البشريّة كخروف ضلّ وسقط فذهب الإله نازلاً وراءه من حضن أبيه، ليعيده إلى الأحضان الأبوية ويردّ له مجده الأوّل، كرامته وجماله ونوره والحبّ الذي لا يفتر ولا غشّ فيه ويعيد له رقّته وسلامه.

هكذا يا إلهي نعرفك على الصليب أنك “أنت الإله الحقيقي وحدك”… هذا هو صليب الألوهة صليب المسيح… فنحن إذ نتّبع خطى السيّد، فإننا نصير آلهة بالنعمة وبالمثال المتّبع، إذ صار هو إنساناً كاملاً في ما عدا الخطيئة ليصيّرنا نحن آلهة على شبهه ومثاله… هذا التلاقي والاتحاد الإنساني الإلهي هو مبتغى التجسّد… ونحن كلّنا لن نعرف السيّد يسوع المسيح، إن لم نحيا مثله، كلمته ووصاياه… فالمعرفة مشابَهَةٌ كما الحبّ إتحاد ووحدة… ونحن إذا التزمنا الرب هكذا في تطبيق وصاياه ومجابهة شيطان الخطيئة الساكن فينا، فإننا نصير له الخروف الضال العائد إليه على كتفيه… هكذا نعرفه، نعرفه معلّماً وطبيباً شافياً وابناً وحيداً للآب ونعرفه مصلوباً على خطيئة الإنسانيّة بعظيم حبّه للإنسان، لذا: “فاعرفه وقوّة قيامته وشركة آلامه متشبّهاً بموته لعلّي أبلغ إلى قيامة الأموات” (في 3: 10 – 11). ويجبب الرسول بولس بسرعة حتى لا يظنّ أحد منا أننا قد بلغنا أو نبلغ إلاّ بالنعمة النازلة من فوق، “ليس أني قد نلت أو صرتُ كاملاً ولكني أسعى لعلّي أُدرك الذي لأجله أدركني أيضاً المسيح يسوع” (في 3: 12).

نحن والسيّد

نحن يا أحبّة نُدرك بالإدراك أن لنا ربّـاً وإلهاً وهو بعظمة حبّه قد ارتضى أن يتنازل لأجل خلاصنا. فإذا تنازلَ هو وأعطى حتى يقيمنا من سقطتنا، فماذا نكون نحن من بعد؟! نسمعه، نتبعه، نقول له “لتكن مشيئتك لا مشيئتي” وهي كلماته على الصليب وفي الجلجلة… حيث بلغ الرب هناك تمام كمال مجده.

آلام السيّد يا أحبّة، لم تكن بسبب خطاياه هو ولكن بسبب جنوحنا نحن وضلالنا… وهو أتانا وأفرغ ذاته آخذاً صورة عبد، كي يعلّمنا إفراغ الذات الكامل كما تمّ بدءاً في السماء… هو الإله أفرغ ذاته آخذاً صورة عبد، فعلينا نحن إن أحببناه أن نفرغ ذواتنا من عبوديّتنا وخطيئتنا وموتنا في أهوائنا، لنأخذ علينا ألوهته…

فكيف لا نسمع بعد؟ كيف لا نحسّ بعد؟ كيف لا نهرب مثل موسى الذي ترك رداءه، حتى لا يحيا في الخطيئة مع ابنة فرعون وفضّل فقر شعبه على موت الغنى؟

إذاً يا أحبّة علينا بالحقيقة أن نختار؟!… وكيف نختار إن كانت إرادتنا منقسمة، بل إن كنا قد صرنا بلا إرادة حقيقيّة بسبب ضعفنا وخطيئتنا؟!… نحن بالخطيئة صرنا مخلّعين عن فعل أي عمل صالح وعن أي برّ… وإذا فعلنا ولو خيراً واحداً فإننا نبوّق ونطبّل ونزمّر، صارخين في الحي تعالوا انظروا ما فعلنا من خير وبرّ وصلاح وصرنا نحن صلاحاً… والرب يسوع باتّضاعه قال: “ليس صالح إلاّ الله وحده” (مت 19: 17).

لكن يبقى علينا أن نأتي الرب صارخين كالكنعانية “أغثني يا رب”. نحن سقطنا وسقوطنا وسقوط البشريّة في آدم فينا كان فظيعاً… فكيف النهوض؟!…

“القلب المتخشّع المتواضع هذا لا يرذله الله” (مز 50: 17) فالقلب المتخشّع المتواضع، قلب لا يتكبّر ولا يظنّ نفسه أفهم من غيره، أو أرفع شأناً. فوالدة الإله حين أتى الملاك ليبشّرها بولادة “الحياة” منها قالت: “ها أنذا أمة للرب فليكن لي بحسب قولك”… أمة للرب، يعني عبدة، وهي قبلت بشرى الملاك لها؛ وإذ اتضعت قالت: إني أمة. صارت أم الإله والبشريّة جمعاء وصارت تالياً السلّم الذي ربط الأرض بالسماء؛ صارت صليب البشريّة الساقطة المنغرز في الأرض وهي أعلته، أعلته حتى واصلت به السماء… صارت هي البشريّة الجديدة التي عُـلّق الرب يسوع عليها، لخلاصها بحبّه لها…

بالقلب المتخشّع المتواضع، يبلغ الإنسان إلى الكمال البشري الذي يعطيه إياه الرب يسوع… والكمال قوامه تواضع الحبّ والرب إذ أحبّ خاصته إلى المنتهى تنازل وأفرغ ذاته بالكليّة في إنسانيّتنا فأعطانا نحن الخطأة شركة في ألوهته، إذ تنازل وصار إنساناً مثلنا آخذاً صورة عبوديّتنا، لنصير نحن آلهة على شبهه ومثاله…

هذه المشابهة يا أحبّة تتطلّب أمانة… أمانة في القليل الذي بإمكان أي إنسان أن يقدّمه لله خالقه… وهو قال: مَن كان أميناً في القليل أقيمه على الكثير” (مت 25: 21).

ومثالنا في الأمانة الأولى والقصوى، هي والدة الإله؛ التي أحبّت وبذلت نفسها رغم محدوديّة البشرة والطبيعة الإنسانيّة، لكنها قبلت ضعفها وعدم فهمها الكامل لمسيرة ابنها، لكنها تبعته حتى الصليب والقبر والقيامة… لم تسأله، لم تشكّ، أحسّت في قلبها ما عليها أن تفعل… هكذا قالت له: الجرار فرغت من الخمر؛ لأنها كانت تعرف أنه باقتداره يستطيع أن يصنع شيئاً؛ أسلمته حاجة الآخرين بالكليّة وسألته الكلمة بأن يعطيها. فأعطى العرس خمراً ليستقوا منه وأعطانا نحن البشريّة، في عرس صليبه، دم جنبه خمراً نستقيه وجسده لنأكله ونحيا بهما إلى الأبد. “أنا هو خبز الحياة… […] أنا هو الخبز الحيّ الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم” (يو 6: 48، 51).

وإذ أعطى الرب ذاته، إذ أخلى ذاته آخذاً صورة عبد معلَّقاً على صليب الأثمة، بلغ تمام الكمال في إفراغ ذاته من الألوهة وعدم التعلّق… وإذ لم يتعلّق هو بألوهته، بل تخلّى عنها لأجلنا، عن ماذا نتخلّى نحن إذاً لنبلغ ألوهته؟ عن إنسانيتنا الساقطة؟ عن كبرياء أنانا، عن موت الحبّ فينا، عن كذبنا؟ عن تعظمنا؟ عن غش قلبنا؟ عن حبّنا للخطيئة؟ عن ركضنا وراء المال والسلطة والكبرياء؟ عن ماذا نتخلّى؟ وما عندنا؟ معطوبيّتنا جسداً ونفساً وروحاً؟!… عن خطيئتنا التي ترمينا كل يوم في الشك وفي الإحتيال والقلق والمراوغة وعدم السلام؟…

آه كم علينا إذا أحببنا الله وآمنا به أن نركض ساعين لنتخلّى، بل لنرمي عنا الثوب الذي خاطه شيطان الخطيئة لنا، إنساننا العتيق لنلبس الجديد، لنلبَس جدّة الحياة في المسيح، لنخلع منّا وعنّا الموت الذي تبنيناه طائعين وألبسناه لكياننا… ما أجمل تلك اللحظات التي نبدأ فيها بجهاد شرس ضدّ طبيعتنا الساقطة، ضدّ إنساننا العتيق… وهو أن نتخلّى عن أنفسنا وعن أي تعلّق مادّي ومعنوي بإنساننا المائت، الذي لا خلاص له إلاّ بالصليب…

والصليب لنا هو تعرّي من كل لباس خاطته الخطيئة لنا، وموقفنا، من سعينا وركضنا وراء المال والغنى والسلطة، وفي تقوقعنا في أنانياتنا، وفي أجسادنا ولذائذ شهوة أجسادنا، في بخلنا العطاء لإخوتنا، وللفقراء المعوزين والمساكين بالروح؛ لأن هؤلاء هم مسكن السيّد وبيته ومنارات النور التي عليها يستقر النور الإلهي، الذي لنا أن نتّبعه في سواد هذا العمر…

يا أحبّة، علينا أن ندرك جيداً أن المسيح مكروه في هذا العالم، لأنه فضح سقوط البشريّة وخطيئة المتكبّرين وأنزل عروش المتسلّطين… والذين يتّبعونه سيكونون أيضاً مثله مكروهين؛ “طوبى لكم إذا عيّروكم واضطهدوكم وقالوا عليكم كل كلمة سوء لأجلي كاذبين… افرحوا وتهلّلوا فإن أجركم عظيم في السماوات” (مت 5: 11 – 12).

إذاً لنا أجرنا نحن في الملكوت… “وملكوت السماوات في داخلكم”؛ إذاً الرب يتحدّث عن القلب، عن ملكوت الحبّ وعن الحقّ الذي يحمله أولئك الذي يحبّون الرب…

النسك

والحبّ هو النسك عن الأهواء للدخول في الأبديّة… أبديّة الحب والأبديّة الإلهية… وذلك بالتماسنا وجه الرب ومشيئته وسيرته وكلمته… وهي هي يا أحبّة القداسة التي لها أن تصير مطلب الإنسان… “كونوا قدّيسين كما أن أباكم السماوي قدّوس” (1 بط 1: 16).

لكن علينا أن ندرك أن القداسة هي الصليب؛ لأن القدّوس علّق على الصليب وهو بلا خطيئة…

فلنتّبعه إذاً حاملين عاره إلى الصليب، إلى القداسة التي تُحرِقْ فنصبح شهداء له حاضرين لأن نسمع نداءه ومجيبين “تكلّم يا رب إنّ عبدك يسمع” “وهاءنذا أمة لك ليكن لي بحسب قولك”… هكذا نجد أيضاً أن القدّيسين مكروهون وأحبّة الله لا مكان لهم في هذا العالم. والبشر يضطهدونهم ويشنّعون عليهم وكما صُلب المسيح كذلك سيَصلبون كل إنسان بحبّ الرب وباتباع كلمته؛ لكننا نقرأ متأمّلين خلاصنا بما قاله الرسول المصطفى بولس: “كونوا متمثّلين بي معاً أيها الإخوة ولاحظوا الذين يسيرون هكذا كما نحن عندكم قدوة. لأن كثيرين يسيرون ممّن كنت أذكرهم لكم مراراً والآن أذكرهم أيضاً باكياً وهم أعداء صليب المسيح الذين نهايتهم الهلاك الذين إلههم بطنهم ومجدهم في خزيهم الذين يفتكرون في الأرضيات. فإن سيرتنا نحن هي في السماوات التي منها أيضاً جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته هكذا نحيا الرب وكلمته وصليبه الذي هو هو هاتفين:

المجد لك أيها المسيح الإله ولصليبك. آمين…

Z  Z  Z  Z  Z

رؤية للأرثوذكسية والتماس للأصالة الروحية – الأب ثيودور ستيليانوبولوس

رؤية للأرثوذكسية والتماس للأصالة الروحية
الأب ثيودور ستيليانوبولوس

[الأب ثيودور ستيليانوبولوس أستاذ في معهد الثليب المقدس في بروكلين، ماساتشوستس. هذه الكلمة تعبّر عن رؤيته الشخصية لحياة الكنيسة ولكنها مفيدة جداً لأن يتبنّاها كل مؤمن في هذه الأيام. في الأصل هي محاضرة ألقاها الأب ثيودور في مؤتمر أسقفية بوسطن التابعة للأبرشية اليونانية في أميركا الشمالية، لكن محتواها يخص للعالم الأرثوذكسي بأكمله. لهذا، بعد استئذان الكاتب، تم وضع العبارات الأصلية بين قوسين حيث المقصود أميركا دون غيرها واستبدالها بما يجعل النص أكثر ملاءمة لكل العالم الأرثوذكسي. (المترجم) ]

ما هي رؤيتي للكنيسة في المستقبل؟ على المدى الطويل، لا أستطيع أن أقول بأني أعرف بأي طرق أو أي قوة يقودنا الله كأرثوذكسيين في [الولايات المتحدة] العالم. أؤمن أنه يقودمنا بالواقع وأن الهدف هو اجتماعنا مع كل المسيحيين الأرثوذكسيين في ملء الحياة والشهادة للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية في [هذا الجزء من] المسكونة حيث زَرَعَنا الله لننمو. ولكن بأي قوة نصل إلى هذا الهدف تطبيقاً لهدف الله، سوف يتوقف على مدى طاعتنا لإشاراته.
على أي حال، في الوقت الحاضر، في سعيي لفهم إشارات الزمن داخل الكنيسة وخارجها، أؤمن أن مهمتنا الأكثر إلحاحاً هي التماس الأصالة الروحية كطريق لحسن التمييز والتمكن من أجل تحقيق الأهداف، القريبة والبعيدة المدى، التي نضعها لأنفسنا.

نحن عندنا غنى تاريخنا الموضوعي، اللاهوتي، العبادة والتقاليد الأخرى. نحن عندنا ما يكفي من المؤسسات، المجالس، الجمعيات، المكاتب، الهيئات، المجموعات واللجان. نحن عندنا عدد وافر من القادة، المفكرين، المربين، الداعمين، والعاملين كما المهرات والموارد من أجل إتمام عمل الله في الكنيسة والعالم.

ليست الحاجة الأساسية برامجاً إضافية، أو لجاناً أكثر فعالية، أو قادة جدداً، أو تصورات جديدة تأخذنا إلى آفاق لم تُكتَشَف بعد. بالأحرى، الحاجة الأساسية هي لتحوّلٍ نوعي في القلب والفكر بسماع أول الأنبياء “أعدوا طريق الرب، اجعلوا سبله قويمة” (متى 3:3). الحاجة الأساسية هي للتجذر الروحي، تحوّل القلوب، تجدد الأفكار، استناداً إلى سعي متواضع وغير محجم للأصالة الروحية، على المستويين المؤسساتي والشخصي. هناك خمسة أوجه مترابطة للأرثوذكسية وهي تناسب هذا السعي.

1.   الأرثوذكسية إيمان حقيقي.

نحن نعلن ونتمتع بامتلاكنا الإيمان القويم، وهذا صحيح. لكننا غالباً ما ننظر إلى وديعتنا المقدسة كنظام من العقائد، الأسرار والتقاليد التي نحافظ عليها شكلياً وينبغي بنا نقلها إلى الأجيال. في كل حال، يجب أن نركز أيضاً على جوهر هذا الكنز المقدس أي المسيح نفسه، المخلص الحي، الذي هو “الطريق والحق والحياة” (يوحنا 6:14). يجب أن نجعل مركزية المسيح في الكتاب المقدس والتقليد الأرثوذكي واقعاً.

نحن بحاجة لأن نسمح للضابط الكل، المسيح الحاكم المطلق، بالنزول من قباب كنائسنا[1] إلى أعماق قلوبنا وإلى مراكز الحياة في رعايانا. علّمَنا المسيح أن نكون تلاميذاً أصيلين، أن نؤمن به، أن نثبت في محبته، وأن نطيع كلماته إذا كنا نريد أن نحقق أي شيء مهم روحياً ونحمل ثماراً باسمه.

السعي إلى الأصالة الروحية، دمج الحياة والحق، تفعيل كنوز الإيمان، كل هذه تتطلب أن يكون المسيح الأول في كل شيء، بالبحث عن وجوده، مشيئته، فكره، خُلُقه، وروحه إلى درجة أن نقول مع الرسول بولس “لأن الحياة لي هي المسيح” (فيليبي 21:1).

2.  الأرثوذكسية الكنيسة الحقيقية.

يتزايد اليوم في العالم  الإدراك بأن الكنيسة الأرثوذكسية تحفظ التعبير الأكثر أصالة عن المسيحية الرسولية التقليدية. ومع أن عدداً كبيراً من المتحولين[2] يأتون إلى الكنيسة، لا نستطيع الحفاظ على الكثيرين من شعبنا، خاصةً الشباب، المتزوجين حديثاً، وكثيرين من المستحوَذين في المساعي الدنيوية. فوق هذا، كثيرون من الباحثين، عند احتكاكهم ببعض الرعايا، تصدمهم اللامبالاة السعيدة من مؤمنينا بكنوزنا الروحية.

بالتأكيد، ممكن أن نكون أفضل كجسد المسيح وهيكل الروح القدس. الرب يسعى إلى إعادة صنع العالم من خلال الكنيسة كجماعة محبة ومصالحة، فرح ودعم متبادل، خدمة وبشارة.

نحن مدعوون لأن نكون عاملين كمشاركين لله في مخططه الكبير لخلاص النفوس. إحدى أول أفضلياتنا هي إظهار إثبات مقنع للحياة الجديدة بالمسيح في الكنيسة نفسها، مظهِرين أننا جماعة محِبة ومهتمة من الإخوة والأخوات مستعدين لأن نقدّم حياتنا من أجل بعضنا البعض.

3.  الأرثوذكسية عبادة حقيقية.

أيقوناتنا هي نوافذ على الملكوت وعبادتنا هي الملكوت على الأرض. لا تتمتع أي جماعة مسيحية أخرى بعَظَمة الخدمات الليتورجية وغنى التسابيح كما الكنيسة الأرثوذكسية.

ومع هذا، هل نحن نعبد “بالروح والحق”، كما علّمنا المسيح، عندما نتأخر بالحضور إلى القداس، نتغيّب عن الخدم الأخرى، نوهن في صلواتنا الفردية، وغالباً ما نتحول إلى متفرجين بالاتكال المطلَق على المرتل والجوقة؟ يجب أن نعلّم بعضنا البعض كيف نصلي وأن نصلي معاً.

يجب أن نشجع المشاركة الجماعية أكثر. يجب أن نختبر العبادة ليس فقط كخدم رائعة إنما أيضاً كأحداث صلاة نابضة بالحياة وقادرة على التغيير. عطية العبادة الحقيقية تتفعّل عندما نخرج من القداس، على صورة الذهبي الفم، كأسود تنفث النار مستعدين للقيام بعمل الرب.

4.  الأرثوذكسية حياة حقيقية.

ظهر في العقود الأخيرة كتب عديدة حول الروحانية الأرثوذكسية تطرقت إلى مواضيع الصلاة، التوبة، التواضع، إنكار الذات، القداسة، والاتحاد بالله. لكن الوحانية الحقيقية ليست في الكتب إنما في الحياة الشخصية حيث تًطلَق نعمة الله في العمل ومن خلاله.

نحن نصلي بالصلاة، نتوب بالتوبة، نغفر بالغفران، نحب بالمحبة وبالتالي نُدخِل الله إلى حياتنا. التحدي هو في إتمام ما يسميه القديسون “الحياة روحياً” على عكس مغريات هذا العصر: الدهرية، الإسمية[3]، الاكتفائية، والشكلية.

الشكلية هي التديّن بدون روح. الاكتفائية هي المسيحية الفاترة لما يناسب راحتنا واهتماماتنا الذاتية. الإسمية هي أن تكون مسيحياً بالإسم فقط، خدعة هائلة. الدهرية هي عبادة آلهة هذا العالم كالشهرة، الربح، السلطة، واللذة.

الأصالة تعني أن أسمح للمسيح بأن يحوّل حياتي الشخصية إلى سر وحياة رعيتي إلى عليقة محترقة لنعمة الله وقداسته ونوره.

5.  الأرثوذكسية شهادة.

يذكر في مثل الوزنات أن السيد لم يُعطِ خدّامه وزنات فقط بل أمّنهم على ممتلكاته (متى 14:25). الله جعلنا أمناء على صورته ومثاله، صفات العقل، العمق الأخلاقي، الإبداع، والسلطة لأن نكون أجراءه في الخَلق. هو أيضاً كَسَر رباطات الخطيئة وتالموت بتجسد المسيح وعطية الروح، معطياً القوة للكنيسة لتكون نوراً لكل العالم من خلال الإنجيل والخدمة والبشارة. على هذا الضوء، الأرثوذكسية هي ملء كل هذه الأشياء لمجد الله.

رسالة الأرثوذكسية هي رسالة محبة، رِفق، فرح، عطاء، وروح مسكونية؛ ليس فيها أي شيء من الدفاعية، ضيق الأفق، المذهبية، تبرير الذات، الانتصارية، أو السلبية نحو الآخرين.

نستطيع كأرثوذكسيين أن نشهد لملء سر المسيح، محترمين معتقدات الآخرين وأديانهم، لطفاء نحو كل الناس وخلفياتهم، وذلك بتفعيل عطايا الأرثوذكسية في حياتنا الشخصية أولاً. لإعداد طريق الرب وجعل سبله قويمة، يجب أن نفكّر بأشياء جديدة ونصنعها بقدر ما نفكر بالأعمال الدورية ونصنعها، إنما بإيمان أكبر وتركيز وحمية وثبات واستقامة وأصالة.

إذاً، بإمكاننا أن نكون واثقين أيضاً وأيضاً أن الرب سوف يأتي في وسطنا، سرياً وبقوة، ليقودنا إلى مستقبل أروع من “ما لم تَرَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال انسان ما أعده الله للذين يحبونه” (1كورنثوس 9:2).

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

——————————————————————————–

[1] إشارة إلى وضع إيقونة الضابط الكل في قبة الكنيسة وهي ميزة للكنائس الأرثوذكسية المرسومة على النمط البيزنطي. (المترجم)

[2] الذين يتحوّلون إلى الأرثوذكسية من أصول مختلفة كاثوليكية أو بروتستانتية أو أنكليكانية. (المترجم)

[3]  الإسمية أو الإسمانية nominalism مبدأ فلسفي يقول بأن المفاهيم المجردة ليس لها وجود حقيقي بل هي مجرد  أسماء لا غير. الاكتفائية minimalism  الاكتفاء بالحد الأدنى من شيء ما.  الشكلية formalism أو التمسك الشديد بالأشكال الخارجية. (المترجم)

إنكار الذات والاعتراف – الأب افرام كرياكوس

إنكار الذات والاعتراف

الأب افرام كرياكوس

حديث مسجّل من 1996

 

ننطلق في هذا الحديث من الدعوة التي أتت على لسان الرب يسوع “من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني” (متى16: 24 – مرقس8: 34). ماذا يقصد الرب من عبارته هذه ”أن ينكر الإنسان نفسه”؟
إن هذه الآية من المقاطع الإنجيلية التي تُقرأ في أعياد الصليب. هناك بعض الملاحظات الأولية التي تتعلق بهذه العبارة كما أتت في النص:
1. الملاحظة الأولى هي أن الرب في هذا المقطع يتوجّه ليس فقط إلى التلاميذ بل إلى كلّ الجموع، إلى الناس كلّهم، ولذلك لا حجة ولا مبرّر لما يقوله البعض: إن هذه العبارة دعوة فقط لفئة من الناس مثلاً للرهبان، الذين يأخذون هذا الشعار في حياتهم، ولكن هذه الدعوة لم تُقل فقط للرهبان والمكرسين بل لكلّ الناس الذين يتبعون الرب.
2. الملاحظة الثانية هي أن مرقس الإنجيلي يستخدم كلمة “يتبعني” ولا يقول كلمتى “يأتي ورائي”. إنّه يستخدم هذه الكلمة التي استخدمها يسوع نفسه عندما دعا تلاميذه لأول مرة، مما يجعلنا نفهم أن هذا الكلام موجه لكلّ مَن يريد أن يتشبّه بالرب يسوع في كلّ مراحل حياته، الذي يريد أن يتبع الرب في كلامه وفي أعماله عليه أن يتبعه أيضاً حتى النهاية في آلامه وموته وقيامته، يقول الرسول في (رؤيا14: 4) “هو يتبع الخروف حيثما ذهب” أن يتشبه بمعلّمه في كلّ شيء (أي التلميذ).
3. الملاحظة الثالثة: قبل أن نحاول أن نفهم القصد من هذه الدعوة، تساعدنا الملاحظة على ذلك، كما تعلموا أن الرب لا يفرض الدعوة علينا فرضاً طالما يقول من أراد إنه يترك الحرية، وهكذا الذي يستخدم هذا السبيل يجذب الآخر أكثر، أمّا الذي يفرض الأمور فرضاً فلا يجتذب الآخر، فالآخر يتجاوب بقناعة والنتيجة تكون أفضل وعمله يكون بحماس.
بعد هذه الملاحظات ندخل إلى معنى العبارة بحد ذاتها، إنكار النفس، ولا بدّ من شيء من التأمل والتفسير حتى تدخلنا إلى المجال الروحي.
مثلاً، يقول المفسّر ثيوفيلكتوس: دعا الجمع على مسمع الحاضرين كلهم وقال أنه لا يخلص أحد إن لم يمت من أجل الخير ومن أجل الحقيقة، فهذا المفسر يُدخل عنصر الموت. إن لم يمت من أجل المسيح، والرأي نفسه يقوله القديس يوحنا الذهبي الفم، ويُضيف استشهاداً من إنجيل يوحنا 12: “إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى حدها ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير، من يحب نفسه يهلكها ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية”، طبعاً الموضوع حساس وقاسي، فهذه الدعوة تتطلب تأملاً وتمييزاً من أجل الفهم، وهي قاسية بمعنى أنّها جذرية أي تطال الإنسان في عمقه ولذلك هنا يستشهد المفسر القديس بأن يطال الموت الإنسان نفسه، ولا بد هنا أن نذكر الآية التي وردت فقط عند لوقا (24: 6) الذي يقول: “إن كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه وأخوته وحتى نفسه لا يقدر أن يكون لي تلميذاً”. فهذا ما يهمّنا هو موته نفسه. تعني هذه الآيات التي تتعلق بالموضوع نفسه، وهي واضحة ومعبرة وجلية، ربما لا تحتاج إلى تفسير وشرح بل إلى تأمل. ولكن نحن نحاول أن نقارب قدر الإمكان مقاصد الرب وما نستطيع أن نفهم منها.
نفهم أنه على الإنسان أن يدخل دائماً في صراع وفي حرب ضد الأهواء والملذات والشهوات. هذه الحرب وهذه المقاومة لها طابع الاستمرار، أي علينا أن نكون مجنّدين باستمرار، لذلك يقول (لو9: 23) “إن أراد… يحمل صليبه كلّ يوم ويتبعني”. ما قلناه من ملاحظات هو استمرارية حتى الموت، أن نتبع الرب حتى الموت وفي الوقت نفسه أن يكون لنا هذا الموقف موقف الإنكار والنفور من نفسنا الفاسدة، أن يكون هذا التطلع إلى هذا السبيل في أنفسنا هو تطلع كره وبغض ليس فيه مراعاة وليس فيه مسايرة ولا مساومة. الشيء الذي يناقض تعليم الرب، علينا أن ننبذه، نقطعه قطعاً ولا نساوم كما يقول الرسول في (رو6:6) أن نتبرأ من الإنسان القديم ومن جسد الخطيئة.
هذا جانب، أي أنه طريقة، لفهم العبارة وهو الموقف العدائي لكل شيء سلبي خاطئ موجود في أنفسنا طالما الإنسان مجبول بالخطيئة (بالخطايا ولدتني أمي…)
يمكن أيضاً أن نفهم العبارة على أنها دعوة للإنسان ليتواضع وينسحق، أو كما يقول بولس الرسول (في 2: 7 – 18) ليفرغ ذاته “…أفرغ ذاته ووضع نفسه حتى الموت موت الصليب…”
إذاً يمكن أن نفهم إنكار الذات بمعنى إفراغ الذات، فالله تنازل من عرشه لكي يصبح عبداً، فكم نحن علينا أن ننزل من كبريائنا ونصبح خاضعين لمشيئة الله. أيضاً هنا على شبه المسيح، كتلاميذ أمناء للسيد، يقول القديس الذهبي الفم بعبارته حيث يدل على الموت المهين “تعلمون أن الصليب يستخدم للعقوبة، وعليك أن تحمل في ذهنك ذكر الموت وأن تستعد كلّ يوم للذبح…”
كثيرون من الآباء يشدّدون على ذكر الموت والدينونة لردع الإنسان عن عمل الخطيئة، فكلّ هذه القساوة في اللهجة، كما في أحد الدينونة، كلّها تستخدم هذه الصورة لتنبيه الإنسان من نتائج عمل الخطيئة، ولكن كما نرى هنا دعوة أيضاً إلى هذا التواضع كما يقول القديس دوروثاوس في كتاب التعاليم الروحية “أن يحسب الإنسان نفسه كالتراب يدوسه الجميع”، هكذا لا يعود يتكبر ويأتي دائماً في سلوكه من تحت وليس من فوق وأن يحسب نفسه لا شيء، وهذه لاهوتياً تعني أن أصلنا لا شيء، فالله خلقنا من العدم، وهو الذي يجعلنا شيئاً وهو قادر على ذلك، فالذي ينكر نفسه وينسحق يفتح مجالاً لأن يفعل الروح فيه، علينا أن نتراجع ونفتح مجالاً، فتح هذه المجال يتطلب هذه الخطوة (إنكار الذات) ويضيف (ويتبعني) هذا حتى لا يتعب الإنسان ويجاهد إلا من أجل المسيح عارفاً أن كلّ هذا من أجل المسيح، في (مر8: 35) “من أراد أن يخلص نفسه…” هذه الكلمة: من أراد، هي للتواضع وليست مستعملة لإضافة معنى جديد وكأن الرب يريد أن يلطّف كلامه القاسي الذي استخدمه، فيظهر للإنسان أنه سوف يربح كثيراً أو شيئاً كبيراً، ولذلك يقول: أن الذي يفعل هكذا، أي ينكر نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يحصل على الخلاص، أما الذي يتراخى ويدخل في شهواته ونطاق التنعّم راحة الجسد، هذا الإنسان، إذا استمرّ يصل إلى الهلاك. أما الذي يسلك السبيل الآخر، أي يلجم نفسه فيصل إلى الحياة كما يقول الرسول بولس في رسالته لأهل كورنثوس: “كل مجاهد في سبيل ملكوت السماوات يضبط نفسه في كلّ شيء…”
الآن إذن حسب هذه الآية (35) الذي يميت شهوات نفسه يصل إلى الخلاص وإلى الحياة، يعني يصل إلى الرب، ويدخل في صلة معه لأنه قبلاً كان في عدم صلة وفي انفصال، فيدخل في صلة مع الله وفي محبته، وهنا يأتي قول للقديس اسحق السرياني الذي يختص بنكران الذات “هذا هو نكران الذات أن يصمد الإنسان مثابراً على الصلاة”. هنا القديس يفتح مفهوماً جديداً للعبارة “محبة الله هي إذاً نكران الذات” أي أن نحب الله بنكران الذات وربطها بالصلاة. أيضاً يذكرنا هذا القول بأن الصلاة هي التغلّب على المشاق إلى أن نصمد… نكران الذات، الصلاة هي موت لأفكار مشيئة الجسد ومن يصلي بالحقيقة يساوي من مات فيه العالم .
القسم الثاني الإعتراف: وهو على صِلة مع هذه الدعوة. خلاصة ما تقدّم، أي إذا أردنا أن نلخّص ما قلناه في القسم الأول، نقول أن الإنسان متعلّق بذاته متمسك بنفسه ورأيه، بماله وممتلكاته بموقفه وكرامته… إلخ ودعوة الرب هي أن يخرج من نفسه ويخدم الله، يخدم الآخر، ويحب الآخر، فعند ذلك يلتقي مع الرب. إذاً، إن لم يخرج الإنسان من نفسه كلّ شيء يرتبه في حياته من أجل نفسه، فهذا الإنسان لا يعرف الله، إنه يلتقي بالمسيح عندما يخرج من نفسه ويلتقي بالآخر، يتدرب على خدمة الآخر ومحبته ومحبة المسيح ويتعود على الالتصاق به ويصبح كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس عن الذي يلتصق بالرب. وأيضاً، هذه هي الحياة الروحية أن نحيا بالرب ونعيش بالروح مع المسيح في جسدنا وننبذ كلّ أهوائنا من أجل ذلك يسمّيه القديسون إعلاناً في الجسد.
هذه الحياة ونحن عائشون بروح الله خارج هذا العالم تتمّ عن طريق تعب الصلاة، في صمود هذا الحوار مع الرب، هذا الجهاد في اقتلاع أنفسنا عن العالم حتى في جسدنا، فالإنسان مهتم بكل ما هو مادي، فإذا تخلى عن المنظور يستطيع أن يكون مع اللامنظور، أي مع المسيح الذي يمنح أجسادنا رجاء القيامة، هذا الذي يريد كلّ واحد منا ليس فقط أن يخرج من جسده ومن أهوائه لكن يريد أن يقر كلّ واحد بضعف نفسه وجسده. مَن لا يريد أن يخرج من نفسه ويعود هو الإنسان الذي لا يكشف عن نفسه وهو الإنسان المتعلّق بنفسه، أما الذي يكشف عن نفسه فهو الإنسان الذي يعبد الله ولا يخاف أن يعترف وأن يكشف نفسه ويدخل في مغامرة ويتخطى نفسه. من هنا أنّ الاعتراف يفرّح ويريح، لأن الإنسان يخرج من نفسه ويلتقي مع الآخرين. فبالاعتراف نصل إلى الشركة من جديد ونكتشف الله، هذه هي أهمية الاعتراف، حتى أن القديس اسحق السرياني قال: “الذي يعترف بخطيئته أهم وأعظم من الذي يقيم الأموات”، فهو يخرج من الموت ويلتقي بالمسيح وعندما يلتقي في شركة المحبة هذه يعيش القيامة ونعلم أن الروح يفعل فينا فيجعلنا أحباء إلى الأبد.