معاني الصوم

معاني الصوم

ما هي المعاني الهامّة للصوم؟

لماذا نصوم؟ هدف الصوم وفائدته.

كيف نصوم؟

كل إنسان يطرح على نفسه هذه الأسئلة. والأهم هو أن يصوم ويختبر معنى الصوم وحينئذٍ يفهم ويكتشف فائدته، إن لم يصم  لن يكتشف حقيقة الصوم ولو قرأ وسمع الكثير عن هذا الموضوع. المطلوب أن يدرس ويطبّق ويختبر.

تُعطى هذه الملاحظات على رجاء أن تختبروا الصوم وتكتشفوا معانيه وفائدته. سأحاول أن أعطي حديثاً شبه شامل ومطول وجامع حول كل المعاني المهمة. ويتطلب ذلك منكم صبراً وانتباهاً ولو كانت فيه مراجع كتابية وآبائية تكون مراجع لنتأمل فيها فيما بعد.

الصوم

كلمة صوم في اللغة اليونانية هي (νηστεία) وهي الكلمة العادية وغير معبّرة كثيراً، والكلمة الأعمق هي (έγκρατεια) وهي معبّرة جداً عن معنى مهم للصوم، وتترجم عادة بكلمة إمساك، وهي تعني أن يمسك الإنسان نفسه وهو صائم.

ترجمة أخرى للكلمة هي إنضباط، وهي عملية ضبط النفس وهي عملية عفة أو تعفف وفيها يحرم الإنسان نفسه عن بعض الأمور غير الموافقة. وأولها الأطعمة والشرور.

في القاموس، كلمة إمساك (έγκρατεια) تعني أن يكون الواحد سيّدا على أهوائه وعلى رغباته. إذاً يبدو الصوم في أول معانيه أنه وصية إمساك، وصية إنضباط. لماذا؟ أي لماذا هذه الدعوة إلى الإمساك وضبط الجسد والنفس؟.

الوصية الأولى في الكتاب المقدس هي وصية صوم. وردت في التكوين. ويقول فيها الله لآدم “لا تأكل” وهي وصية قطع ونهي على نسق الوصايا لا تقتل، لا تزنِ. ويقول القديس باسيليوس الكبير (في ميمره الشهير عن الصوم): “كانت الوصية الأولى في الكتاب المقدس وصية صوم. ففي (تك2: 17) تقول الآية: “أما من شجرة معرفة الخير والشر لا تأكل فإنك يوم تأكل منها موتاً تموت”. وفي (تك3: 4-5)  قالت الحية لحواء: “لن تموتا، لكن الله عالم أنكما في يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة عارفي الخير والشر” إذا ما تسألنا: لماذا هذه الوصية؟

لنحاول أن نربط هذه العملية – عملية الإمساك – بآدم وحواء.

طرد آدم وحواء لأنهما أكلا من الشجرة فصارا مريضين جسدياً ونفسياً ولأن المرض كان بسبب الأكل. يأتي الصوم كدواء لما نجم عن الطرد، والسقوط فيه حملنا ضعفاً ومرضاً جسدياً وروحياً.

إذاً الصوم دواء لهذا المرض الموروث، دواء لمرضنا.

طرد آدم من الفردوس بسبب الأكل فلنعد إليه (إلى الفردوس) عن طريق الصوم.

يقول الرسول بولس في (1كور 15: 32): “إنني أموت كل يوم”.

ويقول الرب يسوع قبل آلامه عندما كان مع تلاميذه: (مر 14: 38): “أما الجسد فضعيف وأما الروح فنشيط” (مت41:26) ويقول بولس الرسول أيضاً في (2كور 10:12): “حينما أنا ضعيف فحينئذٍ أنا قوي” وهنا يعني بأني أتقوى بإذلال النفس واضعافها.[1]

الانضباط (έγκρατεια)

لنعد إلى فكرة الإنضباط. يقول بولس الرسول في (1كور 9: 25) كل مجاهد في سبيل ملكوت السماوات يضبط نفسه في كل شيء.[2]

السؤال المطروح دائماً هنا: لماذا المطلوب هو انضباط لنصعد إلى السماء؟ رغم أن الله جاء وخلصنا، فلماذا وصية المنع هذه؟ ودائماً الشعب يقول لماذا وصية المنع؟ وهل الأكل نجس؟ وبما أن الأكل والأطعمة لا تنجس الإنسان فلماذا ننقطع عنها؟

الجواب: إذلال النفس والجسد يؤدي إلى التواضع وهو شرط لدخول الملكوت. كما أن الصوم هو عملية إمساك، وهي عملية سلبية ولكن يبدو أن لا بدّ منها. وكيف نصل بهذه العملية إلى الحالة الفردوسية؟ وهل الموضوع هو عملية سلبية فقط؟ أم هناك بعد إيجابي. في الإنسان مرض، وعلينا أن نطهّر نفسنا وننقيها. لذلك يُعد الصوم فترة تنقية وتوبة ومدرسة للتوبة.

وضعت الكنيسة هذه الأسابيع السبعة كفترة تنظيف.

غسل التجديد. كل أسبوع تغسل جسمك وتنظفه أفلا تحتاج نفسك لفترة تنظيف وبذلك وضعت الكنيسة طرائق عملية من أجل هذه الغاية: كالصوم والصلوات الطويلة والإمتناع عن النشاطات الصاخبة.

تذكروا أن الصوم هو الخطوة الأولى ولا بدّ منها وفيها ينضبط الإنسان في جسده ونفسه. فللصوم وجهان: وجه جسدي ووجه روحي، هو صوم عن الأطعمة الثقيلة وصوم عن كل أنواع الشرور. نرى ذلك بوضوح في (اش58: 5-8): “أنا ما اخترت هذا الصوم ولا آثرت يوماً، يذلّل الإنسان فيه نفسه، ولو أنك أحنيت كالطوق عنقك وبسطت المسح والرماد تحتك فلا تدعو على هذه الجهة صوماً عند الرب مقبولاً. فصوماً مثل هذا ما اخترته انا يقول الرب. لكن فُكَّ كل رباط الظلم وحُلّ عقود المعاملات الإقتسارية، أصرف المهشمين بصفح وخزّقْ كل صكٍ ظالم. وفتَّ للجائع خبزك وأدخل مساكين لا سقف لهم إلى بيتك إذا رأيت عارياً فأكسه ولا تعرض عن مؤاساة آل ذريتك” (LXX الترجمة السبعينية). وهذا المقطع يقرأ في الكنيسة يوم الأربعاء قبل الشعانين في الساعة السادسة.

في تقليد الكنيسة هذه الفترة هي فترة للتفكير بالمحتاجين والمظلومين فالصوم يرافقه الإحسان.

اليقظة (νηψι)

فائدة أخرى للصوم مهمة.

من فوائد الصوم الإنضباط، إن هذا الإمساك الذي  يمارسه الإنسان المؤمن يؤدي ليس فقط إلى تطهيرٍ أو تنقيةٍ للجسد والروح بل يؤدي إلى أكثر من ذلك. إلى الصحو واليقظة بأن يصبح الإنسان في حالة يقظة وحالة إنتباه.

يقول القديس يوحنا السلمي في كتابه “السلم إلى الله”: “الصوم هو إخصاء لرغبات الجسد، إبتعاد عن الأفكار الشريرة، تحرّر من التخيّلات المذنبة، طهارة الصلاة، نور للنفس، يقظة العقل”. ما هو المطلوب يقظة العقل أم يقظة القلب؟ بل يقظة العقل والقلب معاً. فالقلب هو مركز الإنسان.

إذاً علينا أن نختبر لنلمس بأن الإمساك والإنضباط سوف يعطيانا حالة يقظة.

ربما تكون هذه إحدى النواحي الإيجابية لجهاد الصوم. والنواحي الإيجابية الأخرى هي في إكتساب كل الفضائل بشكل عام. وبتخصيص يقول القديس باسيليوس الكبير: الصوم هو كالطير ذو جناحين لا يستطيع أن يطير ويُحلّق بدون جناحيه: الصلاة والإحسان[3].

لذلك يجب  أن يترافق الصوم بكل الفضائل وخاصة الصلاة وعمل الرحمة. لماذا يجب أن يكون هناك صلاة وإحسان؟[4]

محاربة الشيطان

فكرة أخرى عن الصوم غير الفضائل واليقظة والمذكورة في الكتاب المقدس وعند الآباء:

صام السيد أربعين يوماً وحارب بعدها الشيطان وجابهه. فالصوم هو سلاح فعال لمحاربة التجارب والأرواح الشريرة والشيطان. لذلك فالآباء الروحيون يصومون قبل مواجهتهم الحالات الصعبة والشريرة.

يقول مثلاً القديس إفاغريوس في هذا الموضوع: “الصوم يهدىء النفس، ينقّي الفكر، يبعد الشياطين ويطردهم بعيداً ويجعل الله قريباً”.

ويقول القديس باسيليوس: “الصوم يقرّب الإنسان إلى الله”.

ويقول القديس أثناسيوس الكبير: “كل من يتعذب من جراء تجربة شريرة، ان استخدم دواء الصوم يطرد الروح الشرير للحال، لأن هذا الأخير يخشى الصوم كثيراً”.

أما القديس سمعان اللاهوتي الحديث (القرن العاشر) فيقول:

“الصوم مثل الشمس يزيل شيئاً فشيئاً الضباب، وهكذا تضمحل غشاوة النفس”.

الصوّامون الكبار

كان هذا عن معاني الصوم ولنُعط أمثلة عن الصوّامين الكبار:

موسى الذي صام أربعين يوماً على الجبل قبل أن يتسلم الوصايا وقبل أن يعاين الله. (خر 24: 18) (خر 34: 28).

“إن آدم لما تناول من الأكل كمخالف طُرد من الفردوس أما موسى لما نقّى حدقتي نفسه بالصيام صار معايناً لله”. (اينوس أحد مرفع الجبن).

ولهذا فالهدف هو معاينة الله، وما الهدف الإنضباط ولا التطهير بل الهدف هو التنقية فمعاينة الله.

فالإنسان يصوم لأنه مشتاق إلى الله.

الإنسان المبتدىء يصوم مطيعاً إذ يوصونه بذلك، ولكن عندما يمارس ويعي، يصوم ليس كتنفيذ للوصايا بل لتذوق اللذة واختبارها واكتشافها.

بالصوم نميت أجسادنا، يقول الآباء، من يصوم لحدٍ كبير يختبر ويتذوق الموت لحد ما.

فالقديس سمعان العمودي بصومه القاسي ذاق الموت وبه ذاق القيامة فقد ذاق موت المسيح وقيامته بالصوم. راجع قصة حياته كيف كان يقضي الصوم الأربعيني كله بدون أكل ولا شرب.

لسنا جماعة تبتغي إماتة الأجساد وتعذيبها بل غايتنا هي تذوق الفرح وتذوق الفرح بالمسيح. وهذا محور كل جهادنا الروحي.[5]

إذاً محبتنا هي الدافع والمحرّك (το κίνητρον-  La motivation) لكل السعي والجهاد وهي التي تدفعنا لمحبة القريب.

لا يمكن أن ينفصل الصوم عن ذكر الرب المحرّك الأساسي له كما المحرك للسيارة.

يقول الآباء: لم يخلق الرب الإنسان كاملاً بدون الرب، ليتكامل بالرب. وهي حجّتنا نحن المؤمنين أن بدون الرب لن نصل للكمال والفرح. غير المؤمن يجيب أن بدون الرب نصل للكمال ونحن نرى أن بدونه لن نصل.

وهناك أمثلة أخرى في الكتاب ومنها عن ايليا (3مل19: 8-15) الذي صام على جبل سيناء قبل أن يرى الله وأقام إبن الأرملة بعد صوم متغلباً على الموت نفسه (3مل17: 20-23).

ومثل الفتية الثلاثة الذين بعد أكلهم البقول بدت وجوههم أبهى من كل الذين في بابل (دا1: 12-16).

تاريخ الصوم

وأخيراً نذهب في نظرة تاريخية وقانونية لتطور الصوم:

يبدو أن الصوم ابتدأ في القديم، في القرون الأولى: إنقطاع كامل في نهاري الجمعة والسبت العظيم إستناداً لما جاء في (مت9: 15): “فهل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ما دام العريس معهم ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم حينئذٍ يصومون”. هذه نبوءة عن :”صوم” التلاميذ أي عن عذاباتهم، جهاداتهم خلال آلام المسيح وموته وأيضاً خلال حياتهم اللاحقة كلها. إذاً هنا كلمة “صوم” مرادفة لكلمة “جهاد” حسب زيغافنوس.

في القرن الثالث: يوجد مخطوطة إسمها ذيذاخي (Didascalie) امتد فيها الصوم لكل الأسبوع العظيم وفيه انقطاع عن اللحم والبياض حتى الغروب.

وفي القرن الرابع: الشهادة الواضحة أنه في أورشليم كانوا يصومون أربعين يوماً وهي واردة في ما كتبته امرأة في رحلتها اثريا (Ethérie) وما كتبه القديس كيرلس الأورشليمي.

وهناك مخطوطة قديمة ومنحولة لقوانين الرسل ابو كريفا (400) سنة قوانين الرسل(Constitutions apostoliques). تتكلم عن صوم الأربعين يوماً من الصباح حتى التاسعة (ενάτη) وعند الفطور انقطاع عن اللحم والبياض أي أكل النواشف (ξηροφαγία) وتضيف هذه المخطوطة “ان كانت صحتكم تسمح لكم”.

ليس في الكنيسة قوانين واضحة ومحددة وثابتة للصوم، وأصبح الصوم تقليداً الذي بات فيما بعد كقانون؛ التقليد بمثابة قانون.

وبالضبط هذا هو التقليد الذي عرفه القديس باسيليوس الكبير والقديس يوحنا الذهبي الفم والمغبوط أو غسطينوس، وهذه هي إرشادات وليست بأوامر قاطعة.

ملاحظة: لا تجبروا شعب الرعية  على الصوم بل يجب أن تقنعوه.

وهناك مجمع ترلو (692): وقد أصدر قانوناً عن الصوم ورقمه (56) يتكلم عن الإمتناع عن اللحم والبياض ويقول هذا القانون: هذا الصيام إلزامي لكل الجماعة.

في القرن الثامن والتاسع: أصبح الصوم الأربعيني المقدس في الكنيسة اليونانية صوماً رسمياً ولا تتميز فيه الأديار عن الرعايا والشعب.

ولا بد من التمييز بين الحرف والروح فالكنيسة تعطي إرشادات لا أوامر ويجب العودة إلى الضمير والإرشاد الروحي.

خلاصة

الإنسان ضعيف بدون المسيح العريس، حزين بدونه يشعر بحاجة إلى عون، يلتجىء إلى الإمساك حتى ينضبط ولا يقوى عليه الشرير في غياب العريس أي غياب النعمة وهذا ما يسميه الآباء الفساد (φθορά) حالة الإنسان الطبيعية بدون الله شبه خطيئة التي ورثناها. صومه، شهادته البيضاء هذه، كذلك جهاداته، عذاباته، إضطهاداته، تجنّده، إمساكه. كل ذلك لكي يصون نفسه من الهجمات الشريرة، ليحفظ نفسه صحيحاً سالماً ولكن أيضاً ليفوز بالسباق بالقيامة بالمسيح ليتمتع بالحياة الأبدية. الذي يجاهد ويصوم هنا يرتاح هناك في الآخرة.

في آخر المطاف التوبة، الصوم، الصلاة، السهر، كل جهاد، إمساك حرمان من أجل المسيح هو إفتقار إلى الله، توق إلى المعشوق، إلى لقاء أوفر إلى التمتع الأقصى، إلى السعادة الحقيقية الأبدية، الاكتفاء بالمسيح وحده. لذا الصوم من أجل المسيح سرّ، سرّ التواضع أمام الله، سرّ محبة الله، الله خلقنا في المسيح بمحبّته ونحن نبادله المحبة بإفتقارنا إليه هكذا نشارك بعملية الخلق. خُلقنا صوامين حتى نبقى عشّاقاً إلى الأبد “أما من شجرة معرفة الخير والشر لا تأكل” (تك 17:2).

U U U

مناقشة

*      عندما نكون بحالة خاصة – عائلة فقيرة يمكن التساهل بأن يأكلوا معلبات عندما لا يتوفر لديهم غيرها. وقد أصدرت البطريركية نشرة توجيهية في الأحداث منذ سنين قريبة تسمح فيها أكل اللحم والمعلبات والحليب وغيرها مما وزعته الهيئات الدولية على المهجرين في لبنان إبان أحداث الحرب.

من الجيد أن تعمل الكنيسة في الصوم صندوقاً مشتركاً للمحتاجين في الكنيسة الأرامل، المرضى، المساجين…

–       نلاحظ بأن سيدات البيوت تتفنن بطبخ وتحضير الأكلات الصيامية، التي باتت تكلف جهداً ومادة كثيرين.

*      هذا مظهر من مظاهر التمسك بالقشور دون الجوهر. وينتج هذا عادةً من الجهل وعلينا أن نوعي ونعلم. وصلوات الصوم تساعد على الوعي أكثر.

–       سألني أحدهم بأنه لا يحب اللحم ولا يأكله أبداً، فكيف يصوم؟

*      يمكنه أن يقتصر صومه على تخفيف الكمية وتخفيف تشكيل نوعيات أكله.

–       كيف يصومون في الجبل المقدس؟

*      عند الرهبان، الصوم يتضمن الإنقطاع عن الزيت والخمر وعادة يصومون في الجبل المقدس أيام الإثنين والأربعاء والجمعة.

–       لماذا إخترنا الزيت عن المنتجات الحيوانية بالذات؟ وليس غيرها؟

*      هو تقليد ناتج عن أن الإنسان القديم لم يأكل اللحم والمنتجات الحيوانية. هذا ما يذكره القديس باسيليوس في ميمره والملاحظ أن علم  الانسان (anthropologie) يقر بأن جمجمة الإنسان القديم كانت صغيرة لأن الإنسان كان نباتياً. ومن الجيد أن نعرف بأن الإنسان الذي يصوم يصبح دمه خفيفاً ويصير عنده فقر دم وهو مهم ولا بدّ منه لتنشيط الروح وتصفية العقل والفكر.

عملياً ألغت الكنيسة الكاثوليكية الصوم، إنما في الكنيسة الأرثوذكسية لا زال للصوم مكانته وأهميته كوسيلة فعالة ومفيدة للوصول إلى حالة روحية أفضل.  

U U U

——————————————————————————–

[1]حينئذٍ أتواضع أمام الله وأمام الأخوة فتنسكب عليّ نعمة الله وهكذا أكون قوياΟ άγωνιζόμενος παντα έγκατεύεται

[2] راجع المقطع كله (1كور 9: 24-27). حيث أن المجاهد الصوّام يقارن بالمسابق في الميدان.

[3] الصوم νηστεία     الاحسان  έλεημοσύνη الصلاة προσευχή

[4] لأنه مرتبط بالله وبالقريب أنظر إلى الخلاصة في الآخر.

[5] في كل عملية الصوم المحور هو المسيح.

روحانيّة أرثوذكسيّة – الأرشمندريت أفرام كرياكوس

روحانيّة أرثوذكسيّة
الأرشمندريت أفرام كرياكوس

لماذا هذا الموضوع اليوم وما هي أهميّتهُ؟ ماذا تنفعنا الروحانيّة وبشكلٍ خاص الأرثوذكسيّة؟  
نشهد اليوم لرواج الروحانيّات والروحانيين بعد سطوة المادة والحاجات الماديّة على كلِّ شيءٍ،  أولاً على الإنسان. العلماء الروحانيون، الأطباء الروحانيّون، صادقين كانوا أم كاذبين ومشعوذين يتكاثرون. أمّا نحن المسيحيّون فلنا روح قدس واحد “الربّ المحيي المنبثق من الآب… مسجودٌ له وممجّد” وروحانيتنا هي في التمييز بين ما هو لله وما هو لغيره.
ولماذا الأرثوذكسيّة؟ هل من فائدةٍ بعد في التمييز بين أرثوذكسيّ وغير أرثوذكسيّ؟ هل من فائدةٍ بعد “لكنيسةٍ أرثوذكسيّة” مميّزة عن “الكنيسة الكاثوليكيّة” مثلاً؟ أسئلةٌ كثيرةٌ تنتظر الإيضاحات.
إذا ما فتحنا ملفّ الشيطان على شبكة الإنترنت نجد فيه على لائحة أهم أعداء الشيطان “جميع الكنائس الأرثوذكسيّة في العالم”. وإذا ما سألنا عن موجب أو مبرر لاشتراك الكنيسة الأرثوذكسيّة في مجلس الكنائس العالميّ نرى الجواب الغالب: “نريد أن نشهد للحقيقة في عالم اليوم”.
قال الربّ يسوع لبيلاطس: “لهذا قد أتيتُ إلى العالم لأشهدَ للحقِّ … فقال لبيلاطس ما هو الحقّ؟” (يوحنّا 37:18). لم يُجِبْ يسوع آنذاك لكنّه كان قد أجاب من قبل بقوله: “أنا الطريق والحقّ والحياة” (يوحنّا 7:14).
هل الكلام هذا يعني أنّ الأرثوذكسيّة اليوم لم تعد قريبة أكثر من غيرها إلى الحقّ أعني إلى المسيح؟ هذا ما نرجوه في كلّ حال.
لنرَ الآن ما هي الهرطقة؟ أصلاً هي الخلط بين أمور العالم (المخلوق) وأمور الله (غير المخلوق) وسبب هذا الخلط هو اسوداد القلب، ظلمته عن طريق الكبرياء والشهوات والاهتمامات الدنيويّة. لذلك قال أحدهم إنّ الهرطقة في النهاية هي نقصٌ في المحبّة (وكذلك كل شذوذ فكريّ أو عمليّ في الكنيسة وفي العالم).
يخلط المرء بين أمور العقل وأمور القلب. بالعقل يعرف الإنسان محيطه، يتدبّر أمور حياته الإجتماعيّة، يعرف العلوم المختلفة. هذه هي وظيفة الدماغ الذي خلقه الله بإعجاز ليفي بهذا الغرض. أمّا القلب فهو الجهاز الذي من خلاله نتّصل بالله ونعرفه. عندما يتوحّد العقل مع القلب يتوحّد الإنسان، تختفي الإزدواجيّة، عندما يذكر الإنسان الله باستمرار:
“أيّها الرب يسوع المسيح ارحمني”، “يا يسوع ارحمني، يا ربّ ارحم”، “يا يسوع يا ابن داوود ارحمني”. من هنا الإرتباط الوثيق بين العقيدة والحياة. هذه الصلاة، الصلاة المستمرّة أو ذكر اسم الربّ يسوع، يصحبها تقشّف في الحياة وفقر وبساطة عيشٍ كما وتقريع للأنا المستحوذة علينا عن طريق المحبّة “التي لا تطلب شيئاً لذاتها” (1 كورنثوس 13:5)، مقاومة للشهوة الرديئة. هذا السلوك في الحياة يخدم العقيدة الصحيحة.
نرى من هنا كمّ أنّ “روح المسيح” تفترق عن “روح العالم”. الأرثوذكسيّ متقشّف في حياته. راهب في فرش  بيته في عمله في لباسه، عفيف في أحاسيسه وأفكاره. هذا لأنّه عاشقٌ للرب، محبّ للقريب، منفتح القلب والذهن لكلّ الأديان ولكلّ التيارات مع تمسّكه الشديد بعقيدته. هو منكرٌ لذاته. هنا ربَّ معترضٍ يُسرعُ ويسأل أليست هذه الفضائل متوفّرة عند كلّ مسيحيّ بل كل إنسانٍ صالح؟ نُجيب: في الأرثوذكسيّة تغلب هذه الروح. هي نزعة فوق كلّ نزعة.
عشق الله يغلب عشق الدنيا. لا يسمح الأرثوذكسيّ للمؤسسة الدنيويّة أو حتّى للشريعة والنظام أن يتغلّب عليه، أن يتسلّط، أن يتفرّد.
نزعة قويّة تستدر النعمة إلى القلب، تشعل ناراً في قلبه.
طبعاً في كلّ هذه العمليّة لا بدّ من مراقب، من مشورة. لا بد من شركة. لا بد من عيش في الكنيسة. فيها تتجسد هذه النزعة وفيها تثمر وتنعكس على الآخرين. محبّة الله تنسكب محبّة على القريب كما أنّ محبتنا للإخوة تعزز محبتنا لله.
الكنيسة شركة. هي مشورة لا تفرّد individualité، لا يكتمل الإنسان وحده. هذا من مشيئة الله الخالق وتدبيره. كما أنّ الكنيسة ليست عقلاً وبحثاً عقليّاً intellectualism . إذا طغت المؤسسة، إذا أصبحت الكنيسة مؤسسة أرضيّة فحسب أصبحنا فيها عالميين ودهريين sécularistes . هذا مرض المسيحيّة في عالمنا اليوم. من هنا أهميّة الرهبنة: أن نأبى الإلتصاق بهذه الأرض لأنّ المسيحيّ يتوق إلى الملكوت. الملكوت هو العيش مع الله أبدياً بلا عوائق.
هل يستطيع الإنسان أن يملك ويعيش كأنّه لا يملك شيئاً؟ لا بدّ من أن يترك شيئاً بل أشياء. لا بد من أن يزهد بالعالم. نحن غالباً منظّرون نتقن فنّ الكلام عن الله ونعيش في “فخفخة” لم نختبر بعد فنّ العيش مع الله.
لا نتمرّن على الترك (التخلّي). ننقاد إلى الإستهلاك بسهولة، نعلق بشباك الأمور الماديّة وأيضاً بتعجرفنا، بعدم المسّ بكرامتنا، بكبريائنا المبطن. نريد أن نترك، أعطنا يا ربّ أن نترك من أجلك. يأتي وقت لا مجال فيه حين علينا أن نترك كلّ شيءٍ رغماً عنّا. فلنترك اليوم بإرادتنا طالما لدينا الوقت.
نحن بحاجةٍ إلى دير، تلك الآية المعلّقة بين السماء والأرض، وبحاجةٍ أيضاً إلى رعيّة أرثوذكسيّة مع راعٍ أرثوذكسيّ حيث المحاولة جاهدة في جعل كلّ شيءٍ مشتركاً. أهذا بعد ممكن اليوم؟ الراعي طبعاً له أهميّته في الموضوع. له أن يكون حكيماً، أباً محبّاً باذلاً نفسه يتحلّى بالتمييز والخبرة (لقد قال لي أحد الشيوخ مؤخّراً إنّ على الكاهن ليوم أن يكون في سنّ الأربعين على الأقلّ ليواجه المشاكل العصريّة المستعصية). طبعاً يسنده الله بنعمته ومواهبه، أما الخوريّة فلها أن تتحلّى بطول الأناة وبساطة العيش. ولا بدّ للكاهن من أن يكون مرِناً متوازناً لا متطرّفاً.
الدير والرعيّة يتكاملان. ترى أين ينشأ اللاهوتيّ، أفي البيت العائليّ، في الدير، في الرعيّة أم في معهد لاهوتيّ؟ يقول أحد القديسين المعاصرين انه يأتي يوم وهو على الأبواب حين يكون الراهب في العالم (وكأنّه العالم أصبح ديراً صحراء) هذا هو تحدّي الأرثوذكسيّة. هل نجدها؟
عن Syndesmos News، السنة الثانية، العدد الأول، تذكار رفع الصليب المقدس 1998

تأمل في أحد الدينونة – الأب افرام كيرياكوس

تأمل في أحد الدينونة

الأب افرام كيرياكوس

نحن أصبحنا شبه معتادين أن نلتقي بهذه الفترة قبل الصوم أو في الصوم من كل سنة. وهذا اللقاء هو لقاء أخوي، عائلي. هو لقاء بين أبناء الكنيسة أو الإخوة . أن يبقى هذا الإحساس هو شيء مهم أي إحساس الأخوّة وإحساس البنوّة.ويجب علينا أن نغذي هذا الإحساس وأن نشعر أننا في الكنيسة لسنا غرباء عن بعضنا البعض. سوف أحاول، في حديث اليوم، أن أستوحي الأفكار أو النقاط الأساسية من إنجيل هذا الأحد أي أحد الدينونة أ, المعروف بأحد مرفع اللحم. وهذا الأحد مهم جداً في فترة التهيئة للصوم. هو، إذا جاز التعبير، وقفة. إذ لا بدّ لكل واحد منا أن يكون له محطة في حياته. وأن يسأل نفسه “من أين أتيت وإلى أين سأذهب”. لأن يوم الدينونة هو يوم حساب. فكل واحد منا سيقدم حساباً. ولا يوجد مهرب منه. لأنه مهما هربنا فلا بدً وأن نصل لهذا الوقت الذي سنقدم فيه حساباً. لذلك يجب على كل منا أن يستدرك هذا اليوم قبل مجيئه بشكل مفاجئ. ويكون بذلك مثل الكثير من الحكماء أو، إذا جاز التعبير، الفلاسفة المسيحيين الذين لديهم فلسفة وفكر عن إيمان. لأنهم يقولون: “طالما أن الرب سيحاسبنا فلنبدأ بمحاسبة أنفسنا “. فماذا يكسبون من هذا؟ إنهم يكسبون الكثير بهذه الطريقة أو بالاحرى بهذه الحكمة.

يكشف لنا إنجيل اليوم هذا الكسب، هذا المربح أو الجائزة التي سنحصل عليها عندما نبدأ بمحاسبة أنفسنا. ويكشف لنا أيضاً النقاط التي على أساسها سنحاسب أنفسنا. لأنه يوجد في هذا الإنجيل فصل بين اليمين واليسار، بين الجداء والخراف. هذا الفصل إستخدم بلغة معينة فالذي ينتبه أو يتفحص جيداً الكلمات المستخدمة يرى أن هذه الصورة أي صورة المحاكمة وكأنها حاصلة أمامه. وإذا كان لديه الإيمان الكافي لا له وأن يشعر بهذه الهزة أو الرهبة التي غالباً ما ينساها في مسير حياته اليومية.بعض الاوقات،عندما يصيبنا مكروه في عائلتنا، نهتز. فحبذا لو هذه الصورة أي صورة الدينونة، التي أوضحها الكثير من الأنبياء إن كان في العهد القديم أو الجديد، نصب أعيننا. حتى القديسين أوضحوا هذه الصورة مثل القديس افرام السرياني ،فهو كان يذكر الإنسان دائما بيوم الدينونة أي ذلك اليوم الذي ستمثل فيه امام خالق الكون في يوم من الايام. وسف تستعرض امامه أو يُستعرض امامك كل أعمالك.”كل يدان حسب أعماله “.

الآن ما أود التشديد عليه في هذا الإنجيل الا وهو بعض النقاط الملفتة للنظر. يوجد العديد من الصور التي يُمثل بها الإنسان في الكتاب المقدس، هنا مثلاً يشبه المسيح الإنسان بالجداء والخراف.يمكننا ايضاًأن نستعمل كلمتان شبه مرادفتان فبدل الخراف يمكن أننقول الحمل وبدل الجداء نقول، كلمة مستعملة في الكتاب المقدس، الوحش.فالناس منذ خلقهم حتى نهاية العالم سوف يجتمعون امام الرب في يوم الدينونة. الذين ماتوا والذين سيعيشون سوف يمثولون امامالمنبر الإلهي. وسوف يظهر من هو الحمل ومن هو على صورة الجداء أو الوحش.

حسب ما ورد في الإنجيل،يتبيّن أن الرب وضع الصدّيقين عن اليمين وقال لهم: “تعالوا اليّ يا مباركيّ أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ إنشاء العالم. لأني كنت جائعاً فأطعمتموني، كنت عطشاناً فسقيتموني، كنت غريباً فآويتموني…” وبعدها يتوجّه الى الذين عن اليسار أي الذين دعاهم الجداء. الجملة التي تقول “تعالوا إليّ يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم منذ إنشاء العالم… “هي جملة معبرة جداً لأن الرب، الذي هو الحمل، يسميه سفر الرؤيا الحمل المذبوح منذ إنشاء العالم. يعني نحن كي نفهم الإنجيل يجب أن ننطلق من إيماننا، من رؤيتنا، من علاقتنا مع الله. يعني، وبتعبير آخر، نحن، كما يقول إخواننا المسلمون، إن لله وإن اليه راجعون. لكن الفرق عندنا أن الله إنكشف بشكل حمل. وهذا الحمل قد خلق حملان. ومن هم هؤلاء الحملان؟ إنهم الصدّيقون وأعد لهم ملكوت أي هيأ لهم ميراثاً. وكما يقول الرسول بولس “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان  ما أعدّه الله للذين يحبونه.” يعني هذا أن الصديق هو على صورة الله المتجسد، يقابله هذا الوحش أي الإنسان نفسه الذي خلقه الله على صورته. لكنه بسبب خطيئته وأنانيته ومحبته لنفسه أصبح وحشاً. وهكذا باتت صورة الخروف صورة وحش، نمروت. ولما تحوّل الى هذا الشكل، خسر الملكوت، خسر الهدية العظيمة التي تنتظره، خسر الفرح العظيم.

أنا أحب في هذا اللقاء أن أتأمل وإياكم نقطة أساسية: ما الذي يجعلنا أن نبقى على صورة الخراف وما الذي يجعلنا أن نصبح على صورة الوحش. الوحش في كتاب الرؤيا مرادف للتنين والحمل مرادف للمسيح. كما أن الوحش هو مرادف أيضاً لضد المسيح ANTI CHRIST أو كما يسمى في أمكنة أخرى المسيح الدجّال. فكيف شكله هذا المسيح الدجّال؟ لينظر كل واحد منا الى نفسه عندما يكون شريراً، غضوباً، متكبراً، أنانياً ولا يفكر إلا بنفسه. ألا يكون حينها مثالاً حياً للمسيح الدجّال. أما إذا حافظنا على شيء من الوداعة والمحبة والتواضع ألا نكون بذلك نشبه الحمل أي المسيح.

كل واحد منا متمسك بنفسه. فهذا الكون الذي نعيش فيه يشدنا الى الإهتمام بأنفسنا. وكما يقولون “يا رب نفسي”. بينما اذا قرأنا إنجيل اليوم نجده يعطي صورة مختلفة كلياً للصديقين. مما يعني أنه عندما نطعم جائعاً لا نكون بذلك قد أطعمنا أنفسنا. كذلك عندما نزور الإنسان المريض نكون بذلك نعزي غيرنا لا أنفسنا. أغلب الدعايات، التي نسمعها، تشدنا لأن نفكر بأنفسنا فقط بينما هذا الموسم أي موسم الصوم هو موسم شركة، موسم محبة، موسم تضحية. وهكذا الإنجيل يدعونا لأن نفكر بإخوتنا ويقول لنا إذا فكرتم بإخوتكم يصبح لديكم جمال يشتهيه ربنا وتكنون بذلك على صورة الحمل أو الخروف. الأنسان اليوم كأنه شبه ملزم، مضغوط، مجبور، لأن يفكر بنفسه لكن ربنا يدعونا الى فعل العكس. ويقول لنا، أذاتصرفتم العكس، “يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم منذ إنشاء العالم”. ويقول القديس غريغوريوس، في هذا المضمار،”الرب خلق لنا هذا القلب واسع جداً ليسع الملكوت”. فما هو هذا الملكوت؟ الملكوت يعني كل الدنيا، كل الخليقة. لكن نحن بغباوتنا، بأنانيتنا جعلنا هذا القلب ضيق جداً لدرجة أنه يكاد يخنقنا. يخنقنا فنشعر بالدينونة والمحاكمة. فمن الذي سيشعر بالدينونة؟ إذا حدقنا في النص جيداً، نجد أن الصديقين لم يشعروا بالدينونة أو أن أحداً يحاكمهم بل تعجبوا وقالوا:”متى رأيناك جائعاً فأطعمناك أو عرياناً فكسوناك، متى رأيناك عطشاناً فسقيناك، متى رأيناك مريضاً فزرناك… ” لأنهم كانوا يعيشون هذا الشيء تلقائياً وبالتالي هم أدانوا أنفسهم. يقول القديس إسحق السرياني:” الدينونة هي للصديقين،هي أن ينكر الإنسان نفسه محبةً بالآخر ومحبةً بالله “. الإنسان الذي أنكر ذاته مات عن العالم ولذلك هو لم يعد تحت الدينونة. وهذا يعني أن الإنسان الصالح لن يحاسبه أحد لأنه منذ اليوم عائش مع الله وله يقول الآب رث الملكوت. عادةً الأب يعطي ميراثه لإبنه وبالتالي الإبن لا يحاسب ولا يدان وكل ما للآب هو للإبن. وهنا أحب أن الفت إنتباهكم إلى كيف يجب أن يعيش المؤمن في عالمنا اليوم؟

الإنسان المؤمن حقاً يتحدى هذا العالم الذي يدعونا إلى الموت وإلى الأنانية. والأنانية، كما يصفها علم النفس،هي حالة الطفل التقوقع حول نفسه الذي يريد كل شيء لنفسه وعندما يحصل على هذا الشيء يحطمه ويكسره وهكذا يحطم نفسه بنفسه. بينما الشخص الحكيم اليوم، إن كان طفلاً أو شاباً أو عجوزاً،ليس بالضرورة أن يكون خورياً أو راهباً حتى ينيره الله عن كيف سيعيش اليوم. حتى نعيش بالحكمة الإلهية أو الإنجيلية هذه علينا أن نتحدى العالم. وليقل كل واحد لنفسه انا لن أعيش لنفسي فقط بل للآخرين ولله. هذه هي الفلسفة المسيحية العجيبة فلسفة الصليب، إذا أردتم القول، أو فلسفة المتناقضات. كل هذا المجتمع من أهل وعائلات ودول وراءهم الشيطان ليجعلهم يتقوقعون حول أنفسهم، في حين أن الله خلق الناس ليكونوا في شركة وكما يقول القديس باسيليوس” الإنسان هو كائن شركوي “. يعني أنه يعيش مع الآخر، للآخر ومن أجل الآخر. أيهما يربح أكثر العطاء أم الأخذ، طبعاً ستقولون الأخذ، لكن إختبروا العطاء وسترون أيهما يفرّح أكثر. إختبروا معاودة المرضى أوالعجزة أو الناس الذين يعيشون لوحدهم، ليس بالضرورة أن تعطوهم مالاً، ويقول أحد الآباء إنه بنظرة تعزية أو إبتسامة يمكن للإنسان أن يربح تعزية لاتقدر بأي ثمن.

إذاً، يا إخوتي، إختبروا الفرح الذي تكسبونه عندما تعطون من محبتكم وليس فقط بالمال فزيارة صغيرة أو تفقد تكسبكم فرح لا مثيل له وهو أكبر بكثير من الكسب المالي ولا قياس بين الإثنين. فتشوا في هذا الصوم المبارك عن المحتاجين إلى تعزية حينئذ يقول لكم الرب، كما قال للخراف الذين عن يمينه، تعالوا إليّ يا مباركيّ أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ إنشاء العالم.

والسبح لله دائماً

18 شباط 1996

حول الصداقة المسيحية – دروس من باتيريكون (أقوال الآباء) كييف

حول الصداقة المسيحية
دروس من باتيريكون (أقوال الآباء) كييف

يقول أحد الأمثال: لا تمتلك ألف روبل (عملة روسية) بل ألف صديق. هذا الكلام صحيح جداً. على سبيل المثال، كيف يمكننا أن ندخل وطننا السماوي بأنفسنا من دون أصدقاء؟ إنه لصعب جداً. نحن ننتقل على الطريق من أشواك إلى أشواك، ومن حجر إلى حجر. فالعالم وجسدنا والشيطان يحاربوننا، والمحَن تحيط بنا من كل جانب، والأشرار غالباً ما يبقون لنا السلام إذ حين يغرسون العادات السيئة يصيبوننا بالشرور، وغير ذلك. ما الذي ينبغي عمله؟ السير لوحدنا على هذه الطريق، كما ترون، خطير وصعب جداً. مَن يستطيع المساعدة؟ مَن يقدر على تسهيل طريقنا؟ مَن يستطيع أن يوجّهنا على الطريق الضيق العسير؟ اعرفوا أيها الإخوة أنّ، في هذه الحالة، الصديق المسيحي المخلص قادر على إعانتنا أكثر من أي شخص آخر، وقادر على أن يثبِت أنّه ليس ما يضاهيه قيمة في مساعدتنا في رحلتنا إلى الوطن السماوي. سوف نوضح ذلك بقصة.
عاش صديقان في دير الكهوف، فاسيلي وفيودور. كان يُقال أن الأخير، حين كان في العالم، امتلك أملاكاً كبيرة؛ وعندما قرّر أن يصير راهباً أعطى كل ممتلكاته للفقراء. عندما دخل الدير راح العدو ينخسه بالشكوك: لماذا أعطى أملاكه للفقراء؟ كيف سوف يهتمّ بشيخوخته؟ ماذا لو افتقر الدير؟ ..وغيرها من الأفكار الشريرة. وقع فيودور في اليأس لكن صديقه استردّه. عندما علم بحالة فيودور، سعى فاسيلي بشتّى الطرق لإنقاذه. ناشده “أيها الأخ فيودور، لا تتلِفْ مكافآتك! إذا أردتَ فعلاً أن تعود إلى ممتلكاتك التي أعطيتها للفقراء، فسوف أعيدها إليك، لكن عليك أن تعطي كلمتك أمام الله بأنّ المكافأة التي تستحقها بسبب ما وزّعت، لا تعود إليك بل إليّ. لكن فكّر في الأمر. ألن يعاقبك الرب لذلك؟ لقد كان هناك حالة مماثلة في القسطنطينية. أحدهم تخلّى عمّا يملك للفقراء، ثم راح يندم على عمله، فأعاد إليه رجل آخر ممتلكاته شرط أن يقرّ علناً: “أيها الرب، المكافأة التي أستحقها جزاء ما وزّعت لا تعود إليّ بعد الآن بل للذي أعاد إليّ صدقاتي!” التعيس أعلن هذه الكلمات وللحال سقط أرضاً في وسط الكنيسة وأسلم الروح. وكما يُقال، أُتلف الإثنان معاً، الذهب والجسد.
عاد فيودور إلى صوابه بسبب كلمات صديقه. تاب عن طمعه وراح يشكر صديقه بحرارة لإنقاذه إياه من الخطيئة. ومنذ ذلك الحين تطورت المحبة بينهما.
ومرة أخرى هاجم الشيطان فيودور فراح يظهر له بهيئة صديقه فاسيلي. وإذ راح يريه أكواماً من الذهب والفضة، حاول أن يقنعه بجمعها في مكان محدد والهرب من الكهوف إلى بلد آخر، إذ، كما ادّعى الشرير، يستحيل تحقيق الخلاص في الدير. أُغوي فيودور بتصديق هذا الصديق – الشيطان وتهيأ للرحيل، دون أن يعلم إلى أين. لحسن الحظ، صديقه الصدوق، فاسيلي الحقيقي علم بالأمر، فدعا عدداً من الشيوخ معاً ومضوا معاً إلى فيودور حيث كشفوا له أحابيل الشيطان والهاوية المروعة التي كان يقف الراهب البائس على حافتها. انفتحت عينا فيودور ومنذ ذلك الحين سلك في حرب عنيدة ضد عدو خلاصنا وغلبه بشكل حاسم بعيشه حياة مقدسة.
ينبغي أن نضيف أنّه فيما بعد استمرّ فاسيلي بمساعدة فيودور روحياً؛ اقترح عليه بألاّ يخفي عنه أفكاره وأن يحفظا دوماً حواراً مفتوحاً في الأمور المتعلّقة بخلاصهما. انتهت صداقتهما بانضمامهما إلى مصاف القديسين “مكافئين بالمجد والشرف الأبديين، وحاصلين على الإكليل من المسيح صخرة الشرف”.
بالواقع نعم، إن صديقاً مخلصاً وقديساً، هو كنز لا يُقارَن ولا يُستَبدَل، أغلى من كل كنوز هذا العالم. لو لم يكن فاسيلي هناك، لما صار فيودور قديساً. كما رأينا، لقد أنقذه أكثر من مرة من خداع الشيطان، وأكثر من مرة قاده بعيداً عن هاوية الهلاك. حتى أنّه سهر على أفكاره وقاده إلى أن يفتح له قلبه. أليس هذا صديقاً، أليس هذا كنزاً؟ “لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ!” (1يوحنا 18:3). لو أن الله يهب لكل منكم صديقاً مثل هذا! لكنتم فهمتم وأنشدتم بفرح كلمات داود: “هُوَذَا مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعًا!” (مزمور 1:133). “َإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ، وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ.” (لوقا 3:17).

* * *

عاش في دير الكهوف في كييف صديقان: الكاهن تيطس والشماس إفاغريّوس. بمسعى من الشرير فسدت صداقتهما ونما في قلب كل منهما حقد على الآخر، حتى إذا ما كان أحدهما يبخّر الكنيسة كان الآخر يدير وجهه إلى الجهة الأخرى. وحتى إذا اختيرا ليخدما معاً، كانا يرفضان أن يتسالما. ولم يستطع أي من الإخوة أن يحرّكهما نحو المصالحة.
في النهاية، بمشيئة الله، وقع تيطس مريضاً. راح يبكي على خطاياه وطلب إفاغريّوس ليسأله المغفرة. رفض الأخير أن يأتي واضطر الإخوة إلى جلبه بالقوة. ركع تيطس المريض أمامه بدموع وسأله: “سامحني يا أبتي، وباركْني”. أدار إفاغريّوس ظهره باستخفاف: “أنا لا أريد أن أسالمه، لا في الحياة ولا في التالية”. ما أن نطق بهذه الكلمات المرعبة حتى سقط ميتاً. كان جسده صلباً كما لو أنه كان مضى على موته بعض الوقت، حتى أن الإخوة لم يتمكنوا من إغلاق عينيه أو فمه ولا أن يثنوا ذراعيه. في الوقت نفسه، نهض تيطس وكأنه لم يكن مريضاً أبداً، وأخبر الإخوة أنّه فيما كان مريضاً رأى ملائكة يبتعدون عنه وينوحون على خراب نفسه، بينما رأى الشياطين يبتهجون للحقد الذي كان يكنّه لأخيه إفاغريّوس. هذا ما أعاد تيطس إلى رشده وحرّكه إلى أن يدعو إفاغريوس ليطلب منه المغفرة. عندما ركع أمام إفاغريوس واستدار الأخير عنه، رأى تيطس ملاكاً غاضباً يضرب إفاغريوس بحربة نارية. والملاك نفسه أعطى يده لتيطس وأقامه من فراشه وشفاه من مرضه.
منذ ذلك الحين جاهد تيطس بشكل خاص لكي يكون في سلام دائم ومحبة مع كل الإخوة. وهكذا بقي سالكاً بإيمان في الجهادات الروحية إلى أن أسلم روحه للرب. تعيّد الكنيسة لتذكاره في السابع والعشرين من شباط.

ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟ – الأرشمندريت توما (بيطار)

ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟
الأرشمندريت توما (بيطار)

حديث أُلقي في كنيسة مار نقولا – الأشرفية

خلال الصوم الكبير

4 آذار 2004

مستهلّ الكلام
هل هناك، بعدُ، مَن يُبالون بالحياة الأبدية اليوم؟ هل ثمّة مَن يطرحون هذا السؤال بعد؟ وإذا ما طرحوه فهل يطرحونه لأنهم عطاش إلى جواب للحياة أم دافعهم المعرفة للمعرفة، من باب الفضول؟ هل هناك مَن هو مستعدّ لأن يتغيّر؟

النفوس متعبة مرهقة. تيّاران يجتاحان كيان الإنسان: أولاً، هذه المبالغة في الاعتماد على المعرفة العقلية الإدراكية أساساً وقياساً لكل معرفة، حتى للمعرفة الإيمانية. وثانياً، ذاك الإلهاب الذي تُعرَّض له أهواء الناس على كل صعيد. النفوس تُشحَن، باستمرار، بحجم هائل من المثيرات الحسّية والنفسية. سوق الأفكار مُغرَق بكل جديد وجذّاب مما لا ينفع وأكثره يؤذي. تحريك الرغائب، في هذا الإتجاه أو ذاك، واستعباد النفوس، باسم الحرّيات، لا سيما عبر وسائل الإعلام، بات تقنيّة متطوّرة. كيف يختارون؟ ماذا يختارون؟ كيف يفاضلون؟ على أية معايير يعتمدون؟ المقاييس تتغيّر كل يوم. وجدان الإنسان يتعرّض لزلزال. كلٌّ يُدفَع ليكون، في نهاية المطاف، مقياس نفسه. الإنسان في غربة تشتدّ. الكيان متخم بالسموم. الجهاز العصبي للإنسان يتحوّل مدينة مكتظّة بالخيالات والأشباح والأوهام والأفكار الهائمة. والسيل لا يتوقّف. أكثر الناس يعيش على المسكِّنات. سلّم أو سلالم القيم تتحطّم. النفوس في دوار. داخل الإنسان مبعثر مشتّت مخدَّر. القوّة الداخلية في النفس وهنة. الرؤية الداخلية معتمة أو مغيَّبة. الإنسان يقبل لنفسه، بصورة متزايدة، المثال الآلي الغرائزي. الذهن يُظلِم. إنسان اليوم يترنّح من سُكر الأهواء. استحال آلة تَستهلِك وتُستَهلَك. حال من اللاحس واللامبالاة تكاد أن تغمره. تقلّب النفوس بين المتع الشيطانية المهلكة والرغائب المختلقة المجوّفة يعرِّضها للتكلّس الروحي. من خَدَر الأهواء تكاد الرغبة في الحياة الحقّ أن تنطفئ. إنسان اليوم يموت ولا يكترث. أصبح كالكحولي الذي يعرف أنّه يجرع كأس الموت ولا يبالي.

رغم كل شيء، قلب الإنسان باقٍ سرّاً لا يَسبُر غوره سوى باريه، الله تعالى.

فعلى الرجاء أن يقع الكلام في آذان لا زالت ترغب في السماع للحياة، نسوق حديثنا في هذه الأمسية الصيامية المباركة مع الدعاء.

سؤال وجواب
هذا سؤال طرحه على يسوع إنسانٌ غني. جواب السيّد، كما ورد في إنجيل متى 19: 17، كان: “إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا”. وعاد الغني، ويبدو أنّه كان شاباً، فسأل: “أية الوصايا؟”، فأجاب يسوع: “لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمّك، وأحبب قريبك كنفسك”. الوصايا الخمس الأولى مأخوذة من الوصايا العشر. أما السادسة والأخيرة: “أحبب قريبك كنفسك” فمأخوذة من موضع آخر، من سفر اللاويين 19: 18. كل هذه الوصايا موضوعها واحد وهو العلاقة بين الناس، والأخيرة جُعِلَت في آخر الكلام كما لتختصر الوصايا الأخرى وسائر الوصايا التي لم يذكرها يسوع ولكنها تندرج في ذات الفئة. كل علاقة بالناس، في الحقيقة، أساسها هذه الوصيّة الجامعة: “أحبب قريبك كنفسك”.

الوصيّة العظمى
هذه الوصيّة ذاتها، “أحبب قريبك كنفسك”، ذُكرت أيضاً جواباً من الرب يسوع عن سؤال لأحد الناموسيّين. هذا سأل: “يا معلم أية وصيّة هي العظمى في الناموس” (متى 22: 36). فأجاب يسوع بوصيّتين كأنهما واحدة وتتفرّع إحداها من الأخرى. الأولى، التي وصفها الرب يسوع بـ “الوصيّة الأولى والعظمى”، هي “تحبّ الربّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك”. هذا بحسب إنجيل متى 22: 37. أما بحسب إنجيل لوقا ففيها تفصيل زائد: “تحبّ الربّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومن كل فكرك” (10: 27). والوصيّة مستقاة، في الأساس، من سفر اللاويّين 6: 5. أما الوصيّة التي نحن في صدد الكلام عنها، أي “أحبب قريبك كنفسك”، فيصفها السيّد الربّ بأنها مثلُ الوصيّة الأولى ولكنه يصنِّفها ثانية (متى 39). ويختم كلامه بالقول: “بهاتين الوصيّتَين يتعلّق الناموس كلّه والأنبياء” (متى 40). إذاً كل وصايا الله، كما وردت في الشريعة الموسوية والأنبياء، تنبثق من هاتين الوصيّتين الأحديتين.

على هذا تكون الوصايا الخمس الأولى التي ذكرها الربّ يسوع في جوابه للشاب الغني، أي “لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمّك”، أقول تكون هذه الوصايا متعلّقة بالوصيّة التي تلتها أي “أحبب قريبك كنفسك”، فيما تتعلّق هذه الأخيرة بالوصيّة الأولى والعظمى، أي “أحبب الربّ إلهك من كل قلبك وكل نفسك ومن كل فكرك”. الأولى هي مصدر الثانية والثانية تنبع من الأولى. هذا معناه أن الثانية تتوقّف على الأولى. الثانية مستحيلة وغير قابلة للتحقيق من دون الأولى. لا يمكن أحداً أن يكون محبّاً لقريبه ما لم يكن محبّاً لله أولاً. فإذا انشغل بمحبّة الله أولاً فوق كل شيء، فسيحبب قريبه كنفسه بصورة تلقائية. الثانية، محبة القريب، والحال هذه، تعبّر عن الأولى، عن محبّة الله، وتشير إليها. وبقدر ما ترسخ الأولى تعمق الثانية. كيف نعرف أننا نحبّ أولاد الله؟ “إذا أحببنا الله وحفظنا وصاياه”. هذا كما يجيب يوحنا الحبيب في رسالته الأولى 5: 2. وكيف نعرف أننا نحبّ الله؟ إذا أحبّ بعضنا بعضاً. وبكلام يوحنا الحبيب: “أيها الأحبّاء لنحبّ بعضنا بعضاً لأن المحبّة هي من الله وكل مَن يحبّ… يعرف الله… لأن الله محبّة” (1 يو 4: 7 – 8).

لماذا عليّ أن أحبّ الله؟
ولعل سائلاً هنا يسأل مستغرباً: لِمَ لا يكون كافياً أن يحبّ المرء قريبه؟! لِمَ علينا أن نحبّ الله أولاً؟ لِمَ يستحيل على الإنسان أن يحبّ قريبه ما لم يحبّ الله أولاً؟

الجواب هو أن الإنسان لمّا انفكّ رباطُه بالله، في المعصية، لم يعد قادراً على أن يحبّ. فالله هو المحبّة ومَن يزوّدنا بالمحبّة ولا محبّة من دونه. فإذ انقطع الإنسان عن الله انقطع عنه تيّار المحبّة. صار عابداً لنفسه، طالباً ما لنفسه، لا يمتدّ صوب الآخرين إلا ابتغاء ما لنفسه في الآخرين. محبّته للآخرين صارت تتحكّم بها، بمقادير، محبّته لذاته. الآخرون صاروا إليه أدنى إلى الأدوات. لم تعد لديه القوّة على المحبّة الصافية. صارت محبّته عكرة. أضحت فردوساً مفقوداً. بالمعصية خرج آدم من فردوس محبّة الله. صارت المحبّة مفتقدة. لكن الشوق إليها بقي عميقاً في الذاكرة، مغروزاً في قلب الإنسان. في إيقونة طرد آدم وحوّاء من الفردوس يصوَّران وهما يُخرَجان وأعينهما على الفردوس دامعة. هكذا أضحى الإنسان يبكي المحبّة كل أيام حياته. يطلبها، يغنّيها فلا يجدها. ليس همّ شغل أغاني الناس أكثر مما شغلها الحبّ. كل يطلب أن يُحَبَّ وليس من يُحِبّ. أمواج الحبّ في نفوس العباد دائماً ما تتكسّر على صخور أنانيات الناس. كل يشتاق إليها وليس مَن يعطيها. لذا سادت الخيبة والإحباط. أضحت المحبّة أدنى إلى الوهم والخيال. عاش الإنسان في لعنة الطرد من الفردوس كل أيام حياته. جوهره قلب ولا يستطيع أن يحبّ بمعنى الكلمة. لذا أضحى، في عمق كيانه، لا أقول إنساناً فاقد الإنسانية بل إنساناً ناقص الإنسانية.

لا شيء يُعيد المحبّة للناس، محبّتهم لبعضهم البعض، إلاّ إذا تابوا إلى ربّهم. بعودة الإنسان إلى ربّه يعود تيّار المحبّة ليوصَل به، ليُشعّ في قلبه من جديد. إذ ذاك تنساب المحبّة انسياباً بين الناس. تدفق دفقاً لتجمع إلى واحد، لتوحّد الإنسان بقريبه. إذ ذاك كل يتنفّس محبّةً لأخيه كنفسه. بلى، الله هو الحبيب ونبع المحبّة معاً. لذا قيل “الله محبّة”. في هكذا إطار نفهم، هنا وهناك في الكتاب المقدّس، بعض ما قيل في شأن المحبّة كمثل القول “المحبّة هي من الله وكل مَن يحبّ فقد وُلد من الله ويعرف الله” (1 يو 4: 7). على هذا يدعونا الحبيب يوحنا لأن “يحبّ بعضنا بعضاً” (1 يو 4: 7). ودونكم قول آخر: “نحن نحبّه لأنه هو أحبّنا أولاً” (1 يو 4: 19). هذه المحبّة هي إيّاها التي طلبها الربّ يسوع في الصلاة الكهنوتيّة، في يوحنا 17، لتقيم فينا لما خاطب أباه السماوي هكذا: “أيها الآب البار، إن العالم لم يعرفك. أما أنا فعرفتك وهؤلاء عرفوا أنك أنت أرسلتني، وعرّفتهم اسمك وسأعرّفهم ليكون فيهم الحبّ الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم” (يو 17: 25 – 26). المحبّة التي يتعاطاها الآب والابن فيما بينهما هي ذاتها التي أعطانا إياها الربّ يسوع من عند الآب لتكون فينا وليكون الجميع، على حدّ قول السيّد، “واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني” (يو 17: 21).

غاية الوصيّة
هذه المحبّة بالذات، اقتناء هذه المحبّة بالذات هو القصد، هو المبتغى، هو الغاية. “وأما غاية الوصيّة فهي المحبّة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء” (1 تيمو 1: 5). غاية الوصيّة، غاية كل الوصايا هي المحبّة. كيف نعرف أننا قد عرفنا الله؟ كيف نعرف أننا نحبّ الله وأن محبّته مقيمة فينا؟ الجواب يطالعنا به يوحنا الحبيب في رسالته الأولى: “بهذا نعرف أننا قد عرفناه إن حفظنا وصاياه. مَن قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب وليس الحقّ فيه. وأما مَن حفظ كلمته فحقاً في هذا قد تكمّلت محبّة الله. بهذا نعرف أننا فيه” (1 يو 2: 3 – 5).

معرفة الله، أن يعرف أحدنا الله معناه أن يحبّ الله، أن يكون الله فيه وهو في الله. هذه المعرفة، هذه المحبّة تتأتى، إذاً، من حفظ الوصيّة. “إن أحبّني أحد يحفظ كلامي ويحبّه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً” (يو 14: 23). بحفظ الوصيّة نعرف الله وبحفظ الوصيّة ندخل الحياة الأبديّة كما قلنا في مطلع حديثنا. هذا لأن المحبّة هي فحوى الحياة الأبدية. “نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحبّ الإخوة. مَن لا يحبّ أخاه يبقى في الموت” (1 يو 3: 14). وأيضاً “هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو 17: 3).

الحياة الأبدية والموت الأبدي
الحياة الأبدية، إذاً، هي محبّة الله، هي حياة الله، هي أن تكون لنا شركة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح (1 يو 1: 3)، هي الله نفسه فينا. هذا ما يتحقّق في روح الحياة، في الروح القدس، إذ نقتني الروح القدس، إذ يقيم فينا الروح القدس إلى الأبد، إذ يستقرّ الآب والابن في الروح القدس فينا. “ألستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله…” (1 كور 6: 19). ليست العبرة في الحياة الأبدية أن تكون لنا حياة بلا حدود في الزمن. الزمن، في ذاته، لا وجود له ولا قيمة. نحن نقيم في الزمن، في كل حال، لأننا خِلقة الله. العبرة هي في الفحوى. الكفرة، الذين لا يقبلون الله، هؤلاء أيضاً سوف يكونون، في الزمن، وإلى الأبد، لكنهم لن يذوقوا الحياة الأبدية. هم أيضاً سيقومون في القيامة العامة، لكنهم لن يعرفوا قيامة الحياة، “فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع مَن في القبور صوته [صوت ابن الإنسان] فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيّـآت إلى قيامة الدينونة” (يو 5: 28 – 29). هؤلاء يُطرحون في الظلمة الخارجية (مت 25: 30)، يمضون “إلى عذاب أبدي” (مت 25: 46)، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان (مت 25: 30). أما الأبرار فيمضون “إلى حياة أبدية” (مت 25: 46). من هنا أن الحياة الأبدية لن تكون امتداداً للحياة على الأرض بل شيئاً أخر بالكلية. المؤمنون بيسوع يذوقونها منذ الآن. أما الذين لا يؤمنون فهؤلاء يذوقون الموت الأبدي منذ الآن. لذا قال الربّ يسوع لليهود: “إنْ لم تؤمنوا أني أنا هو تموتون في خطاياكم” (يو 8: 24). يسوع، هنا، لم يكن يعني موت الجسد بل ما يسمّيه سفر الرؤيا الموت الثاني. “وأما الجبناء وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسَحَرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتّقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني” (رؤ 21: 8). الحياة الأبدية هي ما يقابل هذا الموت الثاني، لذا قال يسوع: “إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد” (يو 8: 51). وقال أيضاً: “كل مَن كان حيّاً وآمن بي فلن يرى الموت إلى الأبد” (يو 11: 26).

الموت اختراع بشري
على هذا، إذا كانت الحياة الأبدية هي محبّة الله، حياة الله، اللهُ نفسه فينا فالموت الثاني هو أن يخلو الإنسان من روح الله، من محبّته، من حياته، من نوره. هذا أفظع، بما لا يقاس، مما يمكن أن يتصوّره إنسان. إذا كنا هنا، على الأرض، لنذوق جحيماً على هذا القدر من الضيق والألم والعذاب إذ لا نشاء أن نستجيب لدعوة الله، للصلاح الذي زرعه في وجدان كل واحد منا حيث للجميع فرصة أن يسلكوا في الإيمان، حتى في أقسى الظروف، فماذا تراه يكون حالنا متى فاتت الفرصة وبتنا في الظلمة المطبقة، في الظلمة التي دعاها الربّ يسوع “البرّانية” حيث يخلو الإنسان من حضور الربّ؟! ألم نسمع ما قاله يسوع عن العين الشريرة، عن القلب الأثيم: “إن كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام كم يكون” (مت 6: 23)؟ كلا، أبداً، ليست هذه الظلمة من الله ولم يخلقها الله، بل الناس اخترعوها إذ شاؤوا أن ينصرفوا عن الله إلى بلد بعيد على غرار الإبن الشاطر. في سفر الجامعة هذا القول: “انظر. هذا وجدتُ فقط أن الله صنع الإنسان مستقيماً. أما هم فطلبوا اختراعات كثيرة” (جا 7: 29). الموت الثاني هو الثمرة الأخيرة لهذه الاختراعات. تصوّروا ما يمكن أن تكون عليه هذه الحالة في المدى الأخير. إنسان خُلق مفطوراً على عِشرة الله لأن نَفَس الله فيه. أليس هذا ما يعنيه قول سفر التكوين، الإصحاح 2، الآيتان 7 و 28، ان الربّ الإله جَبَل آدم تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفْساً حيّة؟ لا يقدر الإنسان البتّة أن يتحرّر من نَفَس الله فيه لأنه هكذا كُوِّن. تصوّروا، إذاً، أن هذا الذي كوِّن من الله وإليه يرتدّ عنه لا بفعل الطبيعة بل بعمل الإرادة ليلقي بنفسه في العدم، لأنه خارج الله ليس هناك سوى العدم الذي أخرجه اللهُ منه في البدء. الموت هو بالضبط خبرة العدم في الوجود. يشتهون، من وطأة العذاب في الكيان، لو لم يوجدوا فلا يُعطى لهم. لعل تعبيراً عن هذه الحال هو ما ورد في سفر الرؤيا “في تلك الأيام سيطلب الناس الموت ولا يجدونه ويرغبون أن يموتوا فيهرب الموت منهم” (رؤ 9: 6). الله لم يصنع الجحيم ولا يعذّب أحداً. فقط “ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً لأن مَن يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فساداً ومَن يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية” (غلا 6: 7 – 8).

الحياة الأبدية بيسوع وحده
ها قد جُعلت الحياة الأبدية، إذاً، في متناول الجميع لأن السيّد جاء ليخلّص ما قد هلك، والله يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحقّ يقبلون (1 تيم 2: 4). “الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا… ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً” (1 يو 1: 3 – 4).

هناك واحد فقط أُعطي لنا به أن نخلص: يسوع! “ليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص” (أع 4: 12). هو حياتنا (كو 3: 4). والكلام الذي يكلّمنا به “هو روح وحياة” (يو 6: 63). هو إياه الحياة نفسها والقيامة (يو 11: 25). إذ يعطينا الحياة يعطينا نفسه. “أنا هو خبز الحياة” (يو 6: 35). هو نفَس أنوفنا الجديد. “نَفَس أنوفنا مسيح الربّ” (مرا 4: 30). هو المعلم، من فمه نأخذ الكلمة، من كل نبرة، من كل حركة نستقي الوصيّة. هو الموصي وهو الوصيّة. غاية الوصيّة هي يسوع مقيماً فينا. يسوع فينا هو ذاتنا الجديدة، ذات كل منا، هو “أنانا” الأصيلة، “أنا” كل منا خاليةً من الأنانية. لذا مستحقٌ هو أن نحببه أكثر مما نحبب أنفسنا، أو هذا ما ينبغي علينا أن نفعله. فإن أحببناه، على هذا النحو، وجد كل منا نَفْسَه الحقّانية فيه.

المحبّة والصليب
على أن هذا يبقى كلاماً في الهواء طالما لم يقترن بصليب المسيح. مستحيل على أي كان أن يتبع المعلّم إلاّ بالصليب على عاتقه. “إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني” (لو 9: 23). لاحظوا: “كل يوم”! والصليب صليب بالمعنى الكامل للكلمة. ليس هناك نصف صليب أو ربع صليب. كذلك لا ينكر الإنسان نفسه نصف إنكار أو ربع إنكار بل إنكاراً كاملاً. لا خلطة لما هو للناس، لما هو لأنانيات الناس بما هو ليسوع، لغيرية يسوع الكاملة، لانعطاف يسوع الكامل على الناس. لذا قيل: “مَن يحبّ نفسه يُهلكها ومَن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية” (يو 12: 25). الصليب، صليب المسيح، هو علامة المحبّة والسبيل إليها وتالياً إلى الحياة الأبدية. المحبّة في العالم الساقط، في عالم الخطيئة، لم تعد ممكنة إلاّ إذا كان طالبها مستعداً لأن يضحّي بما لنفسه وبنفسه أيضاً من أجل مَن يحبّ. ليس الصليب ناموساً إلهياً ولا يُسَرّ الله بآلام الناس. الصليب ضرورة علاجية أوجبتها خطيئة البشريّة. بالأحرى خطيئة الناس فرضت الصليب على السيّد الرب فاتّخذه لأنه أحبّ خليقته إلى المنتهى ولأن الصليب، والحال هذه، كان خياره الوحيد. لا يقوى الإنسان على مآسيه ومآسي البشريّة إلاّ إذا اتخذ صليب المسيح صليباً لنفسه. ليس بإمكانك أن تستأصل الشرّ من العالم بأن تعنُف على الناس وإلاّ كان عليك أن تبيد البشريّة وتنتحر لأن بذار الخطيئة والشرّ منثور في قلوبنا أجمعين. بالأحرى، إذا أردت أن تستأصل الخطيئة والشرّ فلا مناص لك من أن تحبب الخاطئ، على غرار يسوع، ولكن من دون خطيئته، ان تمتنع عن مقاومة الشرّ بالشرّ وأن تقابل الشرّ بالخير وأن تصل أخيراً إلى حدّ محبّة أعدائك. وهذا صليب هائل. لكنه، مع ذلك، صليب المحبّة ولا محبّة من دونه. هذا ما اتّخذه يسوع وغلب لأنه “إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعيّن لأجل الفجّار… وبيّن الله محبّته لنا لأنه ونحن بعض خطأة مات المسيح لأجلنا” (رو 5: 6، 8). “وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام” (2 كور 5: 15).

صورة الإنسان الجديد
إذاً المحبّة صليب ولا محبّة من دون صليب. مسيحنا سمّرته محبّته لنا قبل أن يسمِّره اليهود على الصليب. لذا كانت حياته في الجسد، على الأرض، كلُّها صليباً:

w        أفرغ نفسه من مجد الألوهة ومن قوّته كإله وسار بين الناس كعبد، كخادم، كنكرة، بحسب مقاييس الناس، كمن لا هيئة له ولا جمال. وضع نفسه حتى إلى التواضع الأقصى لما أطاع حتى الموت، موت الصليب (في 2: 8). “لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني” (يو 5: 30). خبزه الجوهري كان أن يعمل مشيئة أبيه الذي أرسله ويتمّم عمله (يو 4: 34).

w        لم يفعل شيئاً من نفسه بل تكلّم بما  تعلّمه من أبيه (يو 8: 28).

w        لم يكن لنفسه في شيء. كان مبذولاً، كلُّه مبذولاً. بذل نفسه لأجلنا (تي 2: 14). بذل نفسه لأجل خطايانا (غلا 1: 4).

w        لم يكن له مكان يسند إليه رأسه. لا شيء في الدنيا أخذ بمجامع قلبه. لم يرتح لشيء في الدنيا، لا لمقام ولا لقنية. كان فقيراً كيانياً إلى أبيه أي إنه كان، كإنسان، يعتمد على أبيه بالكامل ولا يعتمد على نفسه في شيء. لذلك كان لا يملك من حطام الدنيا شيئاً على الإطلاق.

w        كان تجسيداً كاملاً للصورة التي رسمها الرسول بولس عن المحبّة في رسالته الأولى إلى كورنثوس 13. تأنّى على الناس ورفِق بهم. لم يعرف الحسد لأنه لم يطلب شيئاً لنفسه. لا تفاخر ولا انتفخ لأنه حسِب نفسه عبداً ليهوه. الآب السماوي وحده كان افتخاره. لم يأتِ قبيحة واحدة ولا طلب ما لنفسه. لا غضب باطلاً ولا ظنّ بأحد سوءاً. غضبه كان فقط على المرائين في التقى ومَن يتعاطون الإلهيات بنجاسة قلوبهم. بالحقّ وحده كان فرحُه فيما كان في حزن عميق على مآثم الناس. احتمل كل شيء، غلاظة قلوب الناس وقسوتهم. صبر على كل شيء. كان كلّه لأبيه وأسلم نفسه إليه بالكامل.

w        لأنه كان يعمل في كل حين ما يرضي أباه السماوي كان يعرف أن الآب معه ولا يتركه وحده (يو 8: 29) وأنه، في كل حين، يسمع له (يو 11: 42).

w        ولأنه استودع الآب روحه بالكامل أقامه الآب من بين الأموات (مثلاً كو 2:    12).

هذه هي صورة آدم الجديد، صورة الإنسان الجديد، الصورة التي أُعطي لنا أن نكون إيّاها ولا صورة إلاّها. بكلام بطرس الرسول في رسالته الأولى: “لقد أبقى لكم المسيحُ قدوةً لتقتفوا أثره” (1 بط 2: 21). “مَن قال إنه ثابت فيه ينبغي أنه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضاً” (1 يو 2: 6).

لا شك أننا نضلّ أنفسنا إذا حسبنا أن يسوع قَدِر أن يسلك كما سلك لأنه الله وابن الله. كلاّ البتّة لأنه لما شاء أن يفرغ نفسه وأخذ صورة عبد سلك كإنسان، كواحد منا، وكابد ما كابد كإنسان. حتى ما أتاه من أعمال إلهية كإقامة الموتى وشفاء المرضى وتكثير الخبز والسمك كان منّة من أبيه لأنه كان يفعل في كل حين ما يرضيه (يو 8: 29). لذا كان يسوع يصلّي: على انفراد، في الجبل، في البراري، في البستان، وفي حضور الآخرين أيضاً. نزول الروح القدس عليه لمّا اعتمد من يوحنا حصل فيما كان يصلّي (لو 3: 21). تجلّيه في طور ثابور أمام تلاميذه كان “فيما هو يصلّي” (لو 9: 29). إقامته لعازر جاءت بعد صلاة (يو 11: 41 – 42).  طبعاً ما منّ به عليه الآب السماوي كان منه أيضاً لأنه هو والآب واحد، ولأن كل ما للآب هو له أيضاً ولأنه الإله الكلمة. هو الشاهد لنفسه والآب الذي أرسله يشهد له أيضاً (يو  8: 18). ومع ذلك قال إنه إن كان يشهد لنفسه فشهادته ليست حقاً والذي يشهد له هو آخر (يو 5: 31 – 32). إنسانية يسوع في مسراه بين الناس، إفراغ ذاته من الألوهة واتخاذه صورة عبد صائراً في شبه الناس، هذا كان شأنه بتواتر بيننا في الجسد ولم يغادره يسوع لحظة واحدة. ألوهته كانت لها إطلالاتها، هنا وثمّة، لأنه ابن الله أيضاً. هذا ما يطالعنا في مثل حديثه عن الآب السماوي، في كلامه عن نفسه، في تعليمه وفي الطريقة التي تكلّم بها. لكن التجلّي الأكبر للاهوته كان في تواضعه الأقصى على الصليب. إذاً لاهوته استبان في إنسانيته لا من دونها ولا على حسابها، بل، بالضبط، في إفراغه لذاته ومن خلاله. فابن الإنسان تعاطى أعظم المحبّة لأنه قيل “ليس لأحد حبّ أعظم من هذا أن يضع نفسه لأجل أحبّائه” (يو 15: 13). ولأن الله محبّة فإن اللاهوت تكشّف، بامتياز، على الصليب. هذا لم يكن ليبين لعيون الناس، في كل حال، بغير نعمة من فوق. حدود الناس كانت الدهش والتساؤل. حتى التلاميذ تساءلوا: “مَن هو هذا فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه؟” (مر 4: 41). أما اليقين بشأن مَن يكون فكان بنعمة الله. لذا عقّب يسوع على اعتراف بطرس به: “أنت هو المسيح ابن الله الحيّ”، بقوله له “إنّ لحماً ودماً لم يُعلن لك لكن أبي الذي في السموات” (مت 16: 17).

ضعف الناس وضعف ابن الإنسان
فلا يتذرعنّ إنسان بعد اليوم بأنه ضعيف ولا يستطيع أن يكون كالمسيح ولا أن يفعل ما فعله المسيح فإن يسوع اتّخذ ضعف الناس، وصُلب من ضعف، كما يقول الرسول بولس إلى أهل كورنثوس (2 كور 13: 4)، وكذلك قَدّم، في أيام جسده، “بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرّعات للقادر أن يخلّصه من الموت [وكأنه غير قادر أن يخلّص نفسه من الموت] وسُمع له من أجل تقواه مع كونه ابناً تعلّم الطاعة مما تألّم به. وإذ كُمّل صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص أبدي” (عب 5: 7 – 9). بالعكس ضعفنا وإحساسنا بضعفنا لم يعد مجلبة للذلّ ولا سبباً للفشل بل مدعاة للإفتخار وضرورة للنجاح وإحراز للغلبة، فإن الربّ الإله سرّ أن تستقر قوّته، بالإيمان، في ضعفنا (2 كور 12: 9). لذلك، كما قال الرسول بولس، “أُسرّ بالضعفات والشتائم والضرورات والإضطهادات والضيقات لأجل المسيح لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي” (2 كور 12: 10).

يسوع كغريب
كل مَن تذرّع بالضعف بيننا كان متعلِّلاً بعلل الخطايا. أبان، بكلام آخر، أنه لا يشاء أن يؤمن. وحيث لا مجال للتذرّع بالضعف لا مجال للمساومة أيضاً. أية خلطة للبرّ والإثم وأية شركة للنور مع الظلمة (2 كور 6: 14). حنانيا وسفيرة اللذان رغبا في الاحتفاظ لنفسَيهما بنصيب من المال دون الله قضيا بميتة شنيعة (أع 5). الكل لله أو لا يكون لنا معه نصيب. “لنودع أنفسنا وبعضنا بعضاً وكل حياتنا المسيحَ الإله”. فإذا كنا نرغب فعلاً في أن نتجدّد بروح ذهننا ونلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرّ وقداسة الحقّ (أف 4: 23) فلا سبيل لنا، للصدق والأمانة، إلاّ أن نخلع، من جهة التصرّف السابق، الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور (أف 4: 22). ليس الموضوع أن نقتبل أفكاراً أو شعارات عن يسوع ونصدح بها ونرفعها على الرايات وأن نتزيى، خارجياً، بلباس التقوى. هذا الدم المهراق على الصليب يفضح عقم ذلك كلّه. ليس افتخارنا بالهياكل الفخمة بعد، فهذه الربّ يسوع تخلّى عنها لما نبذ هيكل أورشليم وترك حجارته تتبعثر. لا قيمة للمؤسّسات، المسمّاة إنسانية وليست كذلك بالكامل عندنا، نظير مؤسّسات أهل العالم، لأن أنّات الجائعين وتأوّهات المرضى ونظرات الأرامل والأيتام المكسورة تدينها وتبطلها. لسنا بعدُ قبيلة جاهلية تفتخر بذاتها وبالناس ولها حقوق وكرامات في هذا الدهر. ذاك الغريب سفّهها مرّة وإلى الأبد. والغريب كان غريباً في شعبه يومذاك ولا زال غريباً في شعبه اليوم. هذا الغريب هو إيّاه مَن نلتمس. “أعطني هذا الغريب الذي أبناء جنسه أماتوه بغضاً كغريب… أعطني هذا الغريب الذي يعرف أن يُقْرِي الفقراء والغرباء. أعطني هذا الغريب الذي غرّبه اليهود من العالم حسداً… الذي بما أنه غريب ليس له أين يسند رأسه…” (طروبارية إن يوسف. الجمعة العظيم). ليس أحد منّا صالحاً. الصالح الذي أنكر على الناس أن يقولوا إنه صالح لأنه ليس صالحاً إلاّ الله، هذا حوّل عيوننا عن صلاحنا وأثبتها على خطايانا. “كلّنا كغنم ضللنا. مِلنا كلُّ واحد إلى طريقه والربّ وضع عليه إثم جميعنا” (إش 53: 6).

الخروج إلى يسوع
لا ننسينّ أبداً أنّ يسوع تألّم خارج الباب (عب 13: 12)، خارج غرور هذا العالم وأشواكه واهتماماته. “فلنخرج إليه خارج المحلّة حاملين عاره لأنه ليس لنا ههنا مدينة باقية بل نطلب الآتية” (عب 13: 13 – 14).

يوم نخرج إليه عراة، حفاة، جيّاعاً، عطاشاً، شُرَّداً، غرباء، لا ما نلتمسه غير وجهه قِبلةً، يومذاك نصير منه، نصير جسده، كنيسته، فيما يتغنّى المتخلِّفون، في أرض صادوم، بالأطلال والأوابد يبخِّرون عليها وفي ظنّهم أنّهم يبخِّرون لله. كلا، الله مَرَّ من هناك ولم يعُد هناك! ويل لمن يَحيد بنظرِه، في المسير إلى الملكوت، عن يسوع المَشرقِ إلى ما وراء، لأنّه سيستحيل عمود ملح حيث هو. أن تكون، في يسوع، في جسده الإلهي، في كنيسته معناه أن تبقى في وصال الأمانة للسيّد وإلاّ سقطت ولو لم يعلنك أحد في الدنيا ساقطاً. كثير مما يقوله الله لا يشاؤه الناس، ولا يتورّعون، باسم الله، عن تبرير أهوائهم مصدّقين الكذب. الحقّ باق في غربة، على الصليب، إلى قيام الساعة، فمن صدّق خبرنا؟!

فيما يتعاطى الأكثرون يسوع في المحلّة وثناً بين الأوثان يخرج قطيع صغير خارج المحلّة مزمِّراً: “أنا لحبيبي وإليّ اشتياقه. تعالَ يا حبيبي لنخرج إلى الحقل ولنبت في القرى… هناك أعطيك حبّي… اجعلني كخاتم على قلبك كخاتم على ساعدك، لأن المحبّة قويّة كالموت… مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبّة والسيول لا تغمرها… أهرب يا حبيبي وكن كالظبي أو كأولاد الأيائل على جبال الأطياب” (نشيد الأنشاد 7 و 8). يومذاك، يا حبيبي، لا تعود تسأل “ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟” لأنّك تكون قد وجدتَ يسوع الذي هو الحياة الأبدية!

الحضور إلى الكنيسة – القديس فيلاريت موسكو

الحضور إلى الكنيسة

القديس فيلاريت موسكو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عندما يحين الوقت المخصص لله وللحضور إلى معبده، خاصة يوم عيد أو ساعة القداس، سارِع إلى انتزاع ذاتك من الأعمال والاهتمامات الدنيوية وقدّم نفسك لله طوعياً وبغيرة في كنيسته. وإذ تدخل الكنيسة تذكّر وعد الرب للذين يجتمعون باسمه: هناك أكون بينهم (متّى 20:18)، وقِفْ بوقار في الكنيسة وكأنّك أمام وجه المسيح نفسه، وصلِّ إليه ليقدّسك بقداسته، وينشّطك بصلاته، وينيرك لكلمة الإنجيل ونعمة الأسرار.
تذكّر أيضاً أنّ، في الكنيسة، تخدم الملائكة معنا وتحفظ قداسة الدار هناك. في إحدى المرّات، في دير القديس ثيوذوسيوس قرب أورشليم، فيما كان الأب ليونديوس آتياً إلى الكنيسة لتناول الأسرار الإلهية، رأى ملاكاً واقفاً عن يمين المائدة المقدّسة، وإذ خاف واستدار ليهرب إلى قلايته، ناداه صوت الملاك: “منذ أن كرِّسَت هذه المائدة أوكِل إليّ أن أحرسها”.
تذكّر ذلك أيها المحبوب، وَقِفْ بورع. وإذا أحسستَ أنّ جسدك يقف وحده في الكنيسة فيما عقلك يفكّر بالبيت أو السوق أو مكان المرح، استجمع ذاتَك. أسرِعْ إلى استعادة فكرك الذي شرد وضمِّه إلى الله في قلبك، أرغِمْه على السعي نحو الله الذي يهتمّ بك. عندما تسمع كلمة الله، افتحْ لا أذنيك الجسديتين وحَسْب بل الروحيتَين أيضاً، افتحْ قلبَك، تقبَّل هذا الخبز السماوي وبه غذِّ لا ذاكرتك وحسب بل حياتك وعملَك أيضاً.

مختارات روحية – إعداد الأب أنطوان ملكي

مختارات روحية

إعداد الأب أنطوان ملكي

الفرق بين اقتلاع الهوى واقتلاع الخطيئة

معروف أنّه عندما يشعر المسيحي أنّه ارتكب خطيئة، يتخلّص منها عن طريق الاعتراف والحلّ الذي يعطيه إياه الأب الروحي، بقراءة الأفشين المناسب. إلا أنّه إذا كان هوى ما يكمن وراء هذه الخطيئة مسبباً إياها، فإن غفران الخطيئة لا يستأصل الهوى ويرميه بعيداً، وبالتالي لا يصير الإنسان بلا هوى وكاملاً. وعليه، من الممكن جداً أن هذا الشخص سوف يعود مجدداً إلى ارتكاب هذه الخطيئة نفسها بسبب ذلك الهوى الكامن وراءها. لا نقصد هنا تعداد السبل إلى استئصال الأهواء خاصةً أنها لا تفارق الإنسان على ما يرد في الأنتيفونة الأولى من اللحن الرابع: “منذ شبابي أهواء كثيرة تحيط بي، لكن أنتَ يا مخلّصي تعطّف علي وخلّصني”.
نذكر هنا ققط أنّ الهوى قد لا يفارق الإنسان مباشرةً كما يصير مع الخطيئة عند صلاة الأب الروحي، ولكن على الأكيد أنّه يضعف، وينتهي ببطء عندما يلجأ المسيحي المجاهد إلى الأسلحة الروحية المناسبة. في ما يلي سوف نورد مثلاً مبسّطاً عن كيف تضعف الأهواء تدريجياً.
في ما مضى من الزمان، انتهى أحد الرجال الحسني النية إلى أن يصير سارقاً للحيوانات، وتطور الأمر إلى هوى عنده. بعد أن تعرّف على أحد الآباء الروحيين، اعترف بخطاياه وبهذا الهوى، وساعده الشيخ على قطع هذه العادة تدريجياً، لأنّه ميّز استحالة قطعها مباشرة. وقبل أن يمضي قال له الشيخ: “إسدِ لي خدمة ولا تسرق أيّ حصان بعد الآن”. فأجاب: “معم، هذا سوف يكون سهلاً”. وبالفعل توقف عن سرقة الأحصنة.
عند محيئه في المرة التالية إلى الاعتراف عند الأب الروحي، سأله الشيخ قبل ذهابه: “أرجو أن تسدي لي خدمة ولا تسرق أي ماعز بعد الآن”. فأجاب: “سوف أفعل، مع أن الأمر يبدو عسيراً، إلا إني سوف أفعل كما تقول”. وتوقف عن سرقة الماعز.
ومرة بعد مرة، وبالطريقة عينها كان الشيخ الروحي يحذف نوعاً من أنواع الحيوانات التي اعتاد أن يسرقها هذا الإنسان. إلى أن أتى الرجل إليه يوماً مفعماً بالفرح وبادره قائلاً: “يا ابتِ لم يبقَ إلا الدجاج”.

تبرير الخطيئة أسوأ من فعلها

ذكر أحد شمامسة الكنيسة الصربية أنّ رجل الله المثلث الرحمات البطريرك بافل الصربي، قام بزيارة مدينة فريانسكابانيا في عام 2003. ولما مضى الشماس ليسلّم على البطريرك طلب الأخير من راهبات دير زيكا، حيث كان موجوداً، أن يقدّموا الضيافة للشماس. كانت الراهبات على علم أن مطران المحلّة، الأسقف استفانوس، قد أعطى البركة للشماس لشرب كأس براندي في كل مرة يزوره. فجلبت الراهبات القهوة وسألن البطريرك: “يا صاحب الغبطة، ما رأيكم بجرعة براندي للشماس؟”. فظلّ البطريرك صامتاً. فككرت الراهبة المضيفة السؤال: “يا صاحب الغبطة، أأجلب البراندي للشماس؟” وأيضاً لم يجب البطريرك. ولكي يكسر جدار الصمت غير المريح، بادر الشماس قائلاً: “يا صاحب الغبطة، يقولون في قريتي أن قهوة من دون براندي هي مثل إنسان ميت من دون شمعة”. فأجاب البطريرك: “هنا تكمن القصة يا أخي، ليست الخطيئة الكبرى هي التي تُرتَكَب بل السعي إلى تبريرها”.

السلام في العمل

القصّة التالية هي مثال عملي حول اتّباع أسلوب المحبة، النافع لأغلبنا في هذه الأيام، مأخوذ من كتاب سيرة الشيخ تداوس (1914-2003) من دير فيتوفنيتشا (صربيا). يخبر الشيخ قائلاً:
غالباً ما أتذكّر إحدى الأخوات التي أتت مرة إلى الدير بصحبة مجموعة من الحجاج (الزوّار)، وكانت تتأفف قائلة: “لا أستطيع أن أحتمل أكثر من هذا… الناس لم تعد تحتمل بعضها… سوف أبحث عن عمل آخر”. نصحتُها بألا تفعل، لأن الوظائف قليلة جداً ومستوى البطالة عالٍ. قلتُ لها بأن توقف الحرب ضد زملائها، فردّت “أنا لست أقاتل أحداً!”. شرحتُ لها أنّها وإن لم تكن تقاتل جسدياً، إلا أن الحرب على الزملاء مستعرة في أفكارها، لكونها غير سعيدة بمركزها.
احتجّت بأنّ وضعها المهني لا يحتمله أحد، فأكدتُ لها ذلك موضحاً أنّها لا تستطيع احتماله لوحدها، وبأنّها بحاجة إلى المعونة الإلهية. لا أحد يعرف إذا كنتِ تصلّين أثناء العمل أم لا. لذا، عندما يؤذونكِ لا ترجعي إلى أذاهم، لا بالكلام ولا بالأفكار السلبية. حاولي ألاّ تؤذيهم ولا حتّى بأفكارك، اضرعي إلى الله ليرسل غليهم ملاكاً سلامياً. واطلبي أيضاً ألاّ ينساكِ. لن تقدري على هذا مباشرة. لهذا، إذا صليّتِ دوماً على هذا المنوال، سوف ترين كيف تتغيّر الأمور مع الوقت، وكيف يتغيّر الناس أيضاً. في الحقيقة أنت أيضاً سوف تتغيّرين.
فذ لك الحين، لم أعرف ما إذا كانت سوف تأخذ بنصيحتي أم لا. هذا الأمر حدث في دير تومان سنة 1980. في 1981، أُرسِلتُ إلى دير فيتوفنيتشا. زفيما كنت مرة أجلس تحت شجرة سفرجل، لاحظتُ مجموعة من الزوار يصلون، وكانت هي من بينهم، فأتت إليّ طالبةً البَرَكة. ما أن وصلت حتى بادرتني قائلة: “آه يا أبانا! لم يكن لديّ أي فكرة عن مدى خيرية الآخرين”. فسألتها ما إذا كانت تقصد زملاءها في العمل، وأجابت بالإيجاب، وتابَعَت: “لقد تغيّروا كثيراً، بشكل لا يُصَدَّق! لا أحد يزعجني كما في السابق، وأستطيع ان ألاحظ التغيير حتّى في ذاتي أيضاً”.
لو كان في كل شركة أو مصنع أو مكتب شخص واحد من هذا النوع، لكان رسم الطريق إلى السلام. الحاجة هي إلى شخص واحد مرتبط بالله من خلال الصلاة. وإذا توفّر يسود السلام في كل مكان… في العائلة، في العمل، في الدولة، وفي كل الأمكنة. هذا لأننا بوجود هذا الإنسان نتحرر من الأفكار المظلمة والثقيلة.

في التحوّل إلى الأرثوذكسية والاستمرار فيها – 1

في التحوّل إلى الأرثوذكسية والاستمرار فيها – 1

كاهن إنكليزي من كنيسة القسطنطينية في بريطانيا

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

مدخل

نسمع بعض الأشخاص يتحدّثون عن كيف انضمّوا إلى الكنيسة الأرثوذكسية. ومع أنّ كل هذه الروايات مثيرة للاهتمام وقد تكون استثنائية، إلا إني أظنّ أن القصص عن كيف استمرّ الناس أرثوذكسيين مخلِصين بالرغم من التجارب قد تكون أكثر نفعاً. كما يرد في الإنجيل: “بصبركم تقتنون نفوسكم”. إلى هذا، لم أعنوِن هذا الحديث “الانضمام إلى الكنيسة الأرثوذكسية” بل “التحوّل إلى الأرثوذكسية” وهو أمر يدور بمجمله حول التغييرات الداخلية. أمّا الحفاظ على الأرثوذكسية والاستمرار فيها فهو أمر أكثر أهمية، وقد خصّصتُ له من الوقت ثلاثة أضعاف ما خصصت لموضوع الانضمام إلى الأرثوذكسية.

التحوّل إلى الأرثوذكسية

التحوّل والاندماج

لنحدد تعابيرَنا بالحديث عن بعض الكلمات التي تُستَعمَل في هذا الإطار. أولاً، هناك عبارة “مولود أرثوذكسي”، وهي عبارة لا نفع لها. لا يوجد إنسان يولَد أرثوذكسياً. كلّنا نولَد وثنيين. لهذا نحن نطرد الشياطين من ثمّ نعمّد. عبارة “مولود في عائلة أرثوذكسية” مقبولة أكثر من غيرها. من المثير للاهتمام أن الأشخاص الذين يستعملون عبارة “مولود أرثوذكسي” إذ يتنازلون يسمّون أبناء “المتحوّلين (converts)” متحوّلين. مع أن الحقيقة بحسب لغتهم الخاطئة، أبناء المتحوّلين هو “مولودون أرثوذكس”.
من ثمّ هناك كلمة “متحوّل”. عندما يقول البعض انّهم متحوّلون، أبادر إلى سؤالهم: “متحوّلون إلى ماذا؟ الفولكلور اليوناني؟ الطعام الروسي؟ الفريسية؟ الحنين إلى أنكليكانيّة أو كثلكة قديمة؟ إلى هواية التوفيقية؟ صحيح، بمعنى ما، نحن كلّنا متحوّلون دائماً لأن علينا أن نتحوّل إلى المسيح بشكل ثابت. هذا هو معنى المزمور الخمسين. النبي داود تحوّل أيضاً، تجدّد، بعد خطيئته العظيمة. للأسف، إن كلمة “متحوّل” تُستَعمَل غالباً بمعناها الدهري وليس بالمعنى الروحي.
أرجو لو أنّ الناس عندما يسمّون أنفسهم متحوّلين، أن يعنوا التحوّل إلى المسيحية (وهي المعنى الصحيح لكلمة أرثوذكسية). كما أرجو لو أنّّهم عندما يتكلّمون عن كونهم متحوّلين أن يعنوا أنّهم استُقبِلوا في الكنيسة مؤخّراً. من المحزن أنني مرغَم على الاعتراف بأن الوضع خلاف ذلك. لقد التقيتُ عبر السنوات بأشخاص قد انضمّوا إلى الكنيسة الأرثوذكسية قبل عشر سنوات، أو عشرين أو ثلاثين أو أكثر، وما زالوا متحوّلين، وهم حتّى يسمّون أنفسهم كذلك، ومنهم بعض الكهنة الذين سيموا مبتسرين.
هذا أمر فوق طاقتي، لأنه يعني أنّهم، بعد قضاء سنوات في عضوية الكنيسة الأرثوذكسية، لم يصيروا بعد أرثوذكساً، ما زالوا غير مدموجين في الكنيسة، لم ينموا بعد طبيعياً إلى الأرثوذكسية، وما زالوا لا يملكون طريقة أرثوذكسية للحياة، لم يكتسبوا بعد هذا الشعور الغريزي بالأرثوذكسية، الذي يعني أنّ الأرثوذكسية هي بيتهم الروحي وأنّها في عظامهم ودمهم وأنّهم يتنفسونها لأنّ نفوسهم أرثوذكسية. إنّهم يعانون من مرض “التحوّل” الروحي. ما زالوا مبتدئين، لم ينجزوا إلا ما أرادهم الشيطان أن ينجزوا، أي أن يكونوا غير كاملين.
قد يكون هناك الكثير من الأسباب لحالة التحوّل المَرَضي، منها أن البعض انضمّوا إلى الكنيسة الأرثوذكسية من غير أن يكون عندهم رعية، أقلّه باللغة التي يفهمونها. مثلاً، التقيت أشخاصاً أرثوذكسيين منذ أربعين عاماً لكنهم لم يشاركوا يوماً بخدمة الفصح بلغتهم، أعرف غيرهم أرثوذكسيين منذ خمس سنوات ولم يحضروا صلاة الفصح أبداً لأن لرعاياهم عشر قداديس سنوياً تُقام صباح السبت! التقيتُ مؤمنين انضموا إلى الأرثوذكسية منذ ستين عاماً ولم يعرفوا يوماً صلاة الغروب! بتعبير آخر، هؤلاء الناس لم يُعطوا الفرصة ليتعلّموا ويندمجوا. للأسف، هناك أسباب أخرى كثيرة لعدم اندماج الناس في حياة الكنيسة.

أسباب التحوّل

من حيث المبدأ، على الكهنة ألاّ يستقبلوا في الكنيسة الأرثوذكسية إلا لأسباب إيجابية، إذ هناك مَن يرغبون بالانضمام إليها لأسباب سلبية، كمثل نكاية طائفة ما أو إكليريكي ما. هذا نفساني وليس لاهوتياً، وبالتالي ليس صحياً ولا هو من الطب النفسي الأرثوذكسي.
أذكر أنّ في السبعينات، رفض الأسقف كاليستوس (وير) أن يكتب كتاباً عن هرطقات الأنكليكانية، نزولاً عند طلب بعض الأنكليكان السابقين. فهم لم يفهموا أن حافزهم للتحوّل كان مشاكلهم النفسية وردة فعلهم التي كانوا يخفونها خلف حماستهم العاطفية. رفض الأسقف أن يكتب هذا الكتاب الذي لم يكن يهمّ أياً من الأرثوذكسيين ما عدا المتحوّلين من الأنكليكانية.
عادةً، يستطيع الكاهن أن يعرف ما إذا كانت حوافز البعض للانضمام إلى الكنيسة سلبية، عن طريق مراقبة ما إذا كانوا يأتون إلى الخدم الكنسية. عادةً، الأشخاص الفائقو الحماسة الذين يحبون القراءة عن الإيمان أو التكلّم عنه أينما كانوا، هم مَن يتغيّبون عن الخدم. حماستهم فقط في رؤوسهم أو في عواطفهم، وليست في قلوبهم ونفوسهم وبالتالي ليست في حياتهم وممارستهم. من ثمّ هناك مَن شدّتهم الكنيسة عندما اكتشفوها في إحدى العطَل السنوية. هؤلاء اسمهم “ارثوذكس العطلة”. انشدادهم غالباً ما لا يكون للمسيح بل لحضارة غريبة دخيلة. فإذ تكون حياتهم مملّة، تعطيهم الأرثوذكسية شيئاً ما يحلمون به، عادةً ما يكون عطلتهم التالية في اليونان أو غيرها. مجدداً، يمكن للكاهن أن يجد بسهولة إذا ما كان اهتمامهم جدياً من خلال مراقبة مجيئهم إلى الخدم. بالإجمال، هم يتغيّبون لأنهم ليسوا في عطلة. للأسف، بعض هؤلاء استُقبِلوا في الكنيسة على يد كهنة من غير تمييز، سواء في رومانيا، روسيا، اليونان، قبرص، جبل أثوس أو غيرها. لكونهم لا يعرفون شيئاً عن الأرثوذكسية، على الكهنة فعليكَ أن تشرح لهم أنّهم، بالرغم من كونهم أعضاء في الكنيسة، إلا أنّهم لم يصيروا أرثوذكسيين بالفعل. غالباً، في مختلف الحالات، هؤلاء الأشخاص يتّصلون بالكنيسة لكنهم لا يأتون إليها بل يرتدّون قبل ذلك.
من ثمّ، هناك أشخاص يأتون مع برنامجهم الخاص، لكونهم قرأوا كلّ الكتب التي تحت الشمس لكنهم ما زالوا دون حرف الألف في الأبجدية المسيحية. فهم يأتون مع طلبات يرغبون بفرضِها! “نعم أريد أن أنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية، لكن بشرط أن تُصلَح وتتجدد”، “نعم، هذا جيد، ولكن أريد أن أضيف بعض الترانيم الغربية قبل القانون!”، أو “أنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية لو أنّ فصحها مثل فصح عمّتي سوزي الميثودية” أو “كلّ شيء كامل ما عدا أنكم تستعملون الكثير من الشموع. تخلّوا عن الشموع فأنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية”، “أكون أرثوذكسياً فقط إذا علّقتم أيقونة فرنسيس الأسيزي”، “أنضمّ إلى الكنيسة الأرثوذكسية شرط أن يصوّت الكلّ لحزب العمل الجديد ويذهبون إلى توسكاني لقضاء عطلة الصيف”. هذه ربما أمثلة متطرفة لكنها حقيقية. كلّها أمثلة عن نقص التواضع. لا ينبغي بأي كاهن أن يقبل هؤلاء الأشخاص، لسبب بسيط هو أنّهم لا يحبّون الكنيسة وسيدها المسيح ويقبلونهما.
هناك معيار واحد لدخول الكنيسة الأرثوذكسية وهو اقتناعك بأن هذا الأمر هو لخلاصك الذاتي، لبقائك الروحي، لأن هذه إرادة الله لك، لأنك تعرف أن هذا هو بيتك الروحي وأنّ مهما كان الثمن لا يمكنك أن تكون أيّ شيء آخر.

يتبع

ما هي السعادة؟

ما هي السعادة؟

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

يتمنى الناس السعادةَ لبعضهم البعض، في مناسبات مختلفة كمثل رأس السنة، لكن ما هي السعادة؟ كيف يمكن تحديدها؟ مفهوم الإنسان المعاصر للسعادة لم يتغيّر منذ الأزمنة الأولى، أي أن السعادة هي في إحراز المزيد من الأشياء المادية والتعاسة هي عندما تأخذ مني ما أملك.
حتى ولو وضعنا جانباً أخلاقية هذا المفهوم، يبقى العيب في جوهره لأن السعادة لا يحملها تكديس الممتلكات أو السلطة أو الصيت أو الملذات. الأشياء المادية عاجزة عن حمل السعادة الحقيقية، وهي لا تحمل إلا الحياة المملّة (taedium vitae) التي من بعدها يغمر الإحباط الإنسانَ بشكل يفوق ما قبلها. من المثير للاهتمام أن نشير إلى أن كلمة “سعادة” (“تيخي” في اليونانية القديمة) نادراً ما تَرِد في العهد القديم الكتاب المقدس، دون أن تَرِد أيّ مرّة في العهد الجديد. التعبير واسع جداً وغير دقيق. والكلمة بحد ذاتها لا معنى لها. بالمقابل، يستعمل الكتاب المقدس عبارة أكثر وضوحاً وتحديداً: “الفرح” (“خارا” في اليونانية القديمة) التي تشكّل السعادة إحدى مكوناتها.
يقول السيد المسيح عن الفرح: “لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ”. وهو أيضاً يشير إلى مصدر هذا الفرح: “إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ” (يوحنا 10:15و11). هنا يكمن الجواب على السؤال الذي منذ الدهور. السعادة الحقيقية، الفرح الحقيقي هو أن نحب الله ونكون معه. هذا ما يؤكّده الرسول بولس بشكل كامل في قوله: “لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ” (روما 17:14). ويضيف يوحنا: ”…ولاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ” (يوحنا 22:16)، ما يعني لا شيء ولا لا أحد، لا العذاب ولا الحرمان ولا الاضطهاد ولا حتّى الموت.
هذا الكلام يفهمه جيداً الذين وجدوا حلاً مع أنفسهم لمسألة البشرية القديمة، والذين وجدوا السعادة: القديسون والذين أرضوا الله في الماضي والحاضر. مع هذا، فإن سلوكهم يحيّر الآخرين. لم يستطع الرومان القدماء أن يفهموا سبب فرح المسيحيين. الوثنيون المعاصرون، وأغلبهم يظنون أنّهم ويسمّون أنفسهم مسيحيين، يسألون السؤال نفسه. تنتشر فكرة عامة عاطفية رومانسية ذات منشأ أوروبي غربي، وهي تُقَدَّم كجواب على هذا السؤال: وهي أنّ في العالم القديم كان للناس فهم محدود لما يجري بعد الموت فكانوا يخافونه، وقد حمل المسيحيون فكرة أن الناس يعيشون بعد الموت وأنّ المسيح قد خلّص الجميع وغفر للجميع ووعدهم بالحياة الأبدية والسعادة في الملكوت، ولهذا السبب كان المسيحيون شديدي الفرح. هذه الفكرة، شائعة بشكل أو بآخر، لكنها تفتقد للدقة بشكل كامل.
بالحقيقة، لم يَعِد المسيح أبداً بالبركة في الملكوت. غالباً ما يورِد تحذيرات مرعِبة: “… هناك يكون البكاء وصرير الأسنان… اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِه” (متى 51:24)، “يمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ…” (متى 46:25). إلى هذا، الرسول بطرس في كلامه عن خطر العذاب الأبدي الرهيب يذكّرنا بأنّه حتّى الأبرار بالكاد يخلصّّون أنفسهم، وأنّ هذا لا يكون للفجّار والخطأة” (1بطرس 18:4).
فكرة أخرى ذات منشأ بروتستانتي وهي تنتشر بين المسيحيين المتحررين مفادها أنّ المفهوم التعيس عن الحياة بعد الموت وصعوبة الخلاص هو نتاج مرحلة متأخّرة متأثّرة “بالرهبان والنساك الكئيبين العادمي الفرح”، وأنّ في ما قبل ذلك، كان يسيطر على المسيحية “مزاج مبتهج وفهم بأنّ خلاص الإنسان يأتي فقط من لإيمانه بالمسيح”. إن أصحاب هذا المعتَقَد يخترعون لأنفسهم نسختهم من المسيحية لا أساس لها ولا برهان، لا في الإنجيل ولا في الرسائل، ولا في التاريخ المسيحي.
على سبيل المثال، اقرؤوا كتاب “الراعي” لهرماس، وهو كاتب من القرن المسيحي الأول، وسوف ترون كم كان مسيحيو تلك الفترة متطلّبين في ما يختصّ بالخلاص وكما كان فهمهم واضحاً بأن أصغر إشارات العمل غير الأخلاقي تضع الإنسان في خطر الموت الأبدي. كُتِب هذا الكتاب متأثّراً بالكلمات المرعِبة في ما ترنمه الكنيسة عن أن آلام الخاطئ لا تُحصى. وهذا كان ينطبق أيضاً على نقاوة الإيمان والإخلاص للكنيسة.
من هنا، أن وجهة النظر المسيحية قد تبدو أقل إشراقاً بكثير من تلك الوثنية. إن لدى الوثنيين “مملكة من الظلال” بعد الموت، غير محددة بوضوح، ويمكن للإنسان أن يشكّل عنها الكثير من تصورات المختلفة. عند أحد الأطراف، توجد “الحقول الفردوستية (Elysian)” كمملكة يسهل دخولها. وعند الطرف المظلم يوجد مفهوم العدم والدمار الكامل بعد الموت. بحسب سقراط “بما أني لم أتألّم قبل ظهوري على هذه الأرض، يعني أني لن أتألّم عندما أتركها”. إذا قارنا هذا بالصورة المرعبة للعذاب الأبدي والجحيم فسوف نرى أن النظرة المتحررة عن أسباب فرح المسيحيين الأوائل هي غير صحيحة بشكل جوهري. فبرغم ذلك، الفرح المسيحي كان موجوداً وما يزال، وهو يلمَع في كل سطر من سطور سيَر الشهداء والمجاهدين، ويتوهّج في حياة الرهبان والعائلات المسيحية. بالحقيقة، وحده الفرح المسيحي يستحق هذا الاسم. وبقدر ما يكون الإنسان روحياً يكون فرحه أكثر وضوحاً وكمالاً. هذا الفرح، هذه النظرة الزاهية إلى العالم لم يترك المسيحيين الأوائل، حتّى خلال العذاب وعند باب الموت.
ما هو إذاً مصدر هذا الفرح؟ الجواب بالطبع هو الإيمان. لكن ليس كما يفهمه البروتستانت. ليس إيمان شكلياً لا حياة فيه بلا جهاد روحي بطولي (فالشياطين تؤمن وتقشعر)، بل بالأحرى هو إيمان منعِش فاعل يعيش في قلب نقي مستدفئاً بنعمة الله، إيمان متوهّج بمحبة الله ورجاء مدعِّم فيه. يقول أحد الكتّاب المسيحيين المعاصرين أنّه لا يكفي أن نؤمن بالله بل يجب أن نصدّقه أيضاً. كلمات الطِلبة “لنودِع ذواتنا وبعضنا بعضاً وكل حياتنا للمسيح الإله” تصف الإيمان المسيحي بشكل صحيح. إنها إيداع كامل واثق بنوي للذات بين يدي الله. هذا هو ما يفتح، الآن كما في الماضي، أبواب السعادة الحقيقية. إذا وثق المسيحي بالله يكون مستعداً لتقبّل أيّ شيء منه: الملكوت أو الجحيم، الآلام أو التعزية، لأنّه يعرف أنّ الله حسن بشكل لامتناهٍ. إنّه يعاقبنا لخيرنا. إنّه يحبنا كثيراً حتّى أنّه مستعد أن ينقل السماء والأرض ليخلّصنا. إنه لا يخدعنا، ولا لأي سبب، وسوف يخلصنا بأي شكل. يعبّر القديس أوغسطين عن ذلك بالقول: “الملاذ الوحيد من غضب الله هو عطفه”.
مع هذا النوع من الفهم، يسكن الفرح والنور بشكل راسخ في قلب المسيحي، ولا يبقى مكان للغمّ. العالم، هذا الكون غير المحدود، هو لله إلهي. ما من حَدَث، من الأصغر إلى الأعظم، ممكن أن يتمّ من دون إرادته، وهو يحبني بشكل لامتناهٍ. حتّآ هنا على الأرض، هو يسمح لي بدخول ملكوته، كنيسته المقدسة. هو لن يطردني أبداً من ملكوته طالماً أنا مخلص له. فوق هذا، إذا سقطتُ يرفعني ما أن أدرك خطيئتي وأذرف دموع التوبة. لهذا أنا أثق بأن خلاصي وخلاص كل الناس، ليس فقط مَن أحب، هو في يدي الله.
الموت لا يُرعِب، فقد غلبه المسيح. الجحيم والعذاب الأبدي ينتظران أولئك الذين بوعي وبإرادة حرّة تحوّلوا عن الله، الذين يفضّلون ظلام الخطيئة على نور محبته. الفرح والبركة الأبدية ينتظران المؤمنين “مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ” (1كورنثوس 9:2). فليساعدنا الله الكلي الرحمة على بلوغ الثقة الكاملة به. وليجددنا نحن الضارعين إليه!

حول الاعتراف والأب الروحيّ – الأب بايسيوس الآثوسي

حول الاعتراف والأب الروحيّ

الأب بايسيوس الآثوسي

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

 

سؤال: هل ينعم بالراحة الداخليّة مَن لا يعترف؟

الجواب: كيف يكون مرتاحاً؟ لكي يشعر الإنسان بالراحة التامة يجب أن يطرد من داخله كلّ سوء وهذا لا يتم إلاّ بالاعتراف. يفتح قلبه لأبيه الروحيّ ويقرّ بذنوبه وزلاّته باتضاع، فتُفتح أمامه أبواب السماء، لتحلّ نعمة الله عليه بغزارة، ويتحرّر من وقر خطاياه.
كما يهتمّ الإنسان المريض أن يكون دوماً على اتصال وثيق بالطبيب، هكذا على من يريد أن يكون ذا صحة روحيّة سليمة أن يكون دوماً على اتصال ويثق بأبيه الروحيّ.
مهما كان الإنسان ذا مستوى روحيّ سامٍ، ومهما استطاع أن ينظّم أموره الروحيّة بنفسه، لا يستطيع أن يجد راحة تامّة إلاّ باللجوء من وقت لآخر إلى الاعتراف، لأنّ الله يشاء أن يصلح الإنسانَ إنسانٌ آخر مثله. إنّه تدبير إلهيّ يقود الإنسان إلى الإتضاع.
لا يثمر الإنسان الروحيّ ثماراً روحيّة إلاّ بالاعتراف الصحيح، لأنّه بواسطته يطرد من نفسه كلّ ما هو غير مفيد.
من ضروريّات الحياة اليوم أن يلجأ المرء إلى أب روحيّ لكي يعترف ويجد إرشاداً. يجب على الآباء الروحيّين أن يضعوا لأبنائهم برنامج حياة روحيّة من صلاة ومطالعة ومداومة على حضور الخدم الكنسيّة ومناولة الأسرار المقدّسة، لأنّهم بهذا يحفظون أولادهم الروحيّين من الضياع، وهؤلاء يحيون حياة مطمئنّة دون قلق أو خوف.
من ليس له أبٌ ليرشده في مسيرته الروحيّة يعش قلقاً تعِباً، وبصعوبة يصل إلى هدفه المنشود. وإن أراد حلّ مشاكله بنفسه، فإنّه، مهما كان متعلِّماً، فإنَ روح الكبرياء والاعتداد بالذات هي التي تحرّكه لذلك يبقى في تخبّط وظلام. وأمّا من يقصد أباً، بروح التواضع ونكران الذات، ليسأل نصحاً وإرشاداً يُساعَد، لأنّ الله سوف يمنح الأب الروحيّ، بدون شكّ، البصيرة ليعطيه الجواب والحلّ الملائمين.
من الأفضل جدّاً أن يكون للزوجين أب روحيّ واحد. لأنّه باختلاف الآباء تختلف أيضاً الآراء، وقد يخلق هذا جوّاً من التوتر بين الطرفين. وأمّا الأب الواحد فإنّه يعرفهما كليهما ويصلح أخطاءهما، فتحفظ بهذا دفّة حياتهما مسيرها بدقّة وبشكل صحيح.
من لا يقبل ملاحظات أبيه الذي يحبّه فإنّه، من الواضح، لا يستطيع أن يفيد نفسه بنفسه مهما كان حاذقاً.
إن لم ننظّف أنفسنا بواسطة الاعتراف، عندما نتمرّغ في أوساخ الخطيئة، فإنّنا نضيف إلى طيننا طيناً آخر، وعندئذ، تصعب عمليّة التنظيف وتتعذر جداً.
عندما يكون الأب الروحيّ مستنيراً يفهم ويميّز الحالات بعضها من بعض، ويمنح النصائح والإرشادات كما تقتضي كلّ حالة. لا يحتاج المرء إلى ساعات طوال وإلى كلام كثير لكي يعطي صورة واضحة عن نفسه إن كان ضميره حيّاً ويعمل بشكل صحيح. ولكن إن كان داخله مشحوناً بالقلق، فإنّه لو تكلّم ساعات فلن يعطي الصورة الواضحة عن نفسه.
عندما نخطأ إلى إنسان ما علينا أن نطلب منه المسامحة ونصطلح معه قبل توجّهنا إلى الاعتراف للإقرار بذنبنا، لأنّه بهذا فقط تحلّ علينا نعمة الله. أمّا إذا اعترفنا بخطايانا دون أن نكون قد اصطلحنا مسبقاً مع أخينا فلن نجد السلام الحقيقيّ لأنّنا لم نتّضع.

سؤال: لماذا لا يشعر المرء، وهو يعترف، بنفس الألم عندما يقترف الخطيئة؟

الجواب: قد يكون قد مرّ زمن طويل على اقتراف الخطيئة، واندمل الجرح ونسينا خطيئتنا. أو يكون الإنسان قد برّر نفسه أثناء الاعتراف. لذلك أشير عليك أن أسرعْ إلى الاعتراف ولا تؤجل واحذر أن لا تبرّر ذاتك مطلقاً، لأنّ من يعترف ويبرّر ذاته لا يلقى الراحة الداخليّة عكس من يؤثّم نفسه ويلومها، فإنّه يشعر بغبطة داخليّة كبيرة بسبب ضميره الحيّ.
كلّ أب روحيّ لا يكون مستعداً أن يذهب إلى الجحيم، إن اقتضى الأمر، محبّة بخلاص أبنائه الروحيّين لا يسمّى أباً روحيّاً.
بالاعتراف الصحيح يُمحى كلّ الماضي، وينفتح باب جديد للحياة، وتحلّ نعمة الله لتغيّر الإنسان بجملته، ويختفي الاضطراب والحزن ويحلّ الهدوء والسلام، ليس داخليّاً فقط بل وخارجيّاً أيضاً إذ ينعكس سلامه على تصرّفاته وسكناته. لقد أشرت مرّة على البعض بأن يلتقطوا لأنفسهم صوراً فوتوغرافيّة قبل الاعتراف وبعده ليروا بأنفسهم التغيّر الحاصل على ملامحهم، لأنّ الوجه يعكس حالة الإنسان الداخليّة. نعم إنّ أسرار الكنيسة تصنع العجائب، فكلّما اقترب الإنسان من يسوع المسيح الإله والإنسان كلّما تألّه وشعّ بالنعمة الإلهيّة.
إن أراد أحد أن يعيش حياة روحيّة حارّة تحت إرشاد أب روحيّ مختبَر سيذوق طعم الفرح العلويّ، الروحيّ، السماويّ، ولا يعد يهتمّ في ما بعد بالأمور الأرضيّة، الماديّة، الجسديّة.