من أقوال الأب بورفيريوس الرائيّ

من أقوال الأب بورفيريوس الرائيّ

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

* جابه كلّ الأمور بمحبّة، بطيبة، بوداعة، بصبر وتواضع. كن دوماً كالصخر الذي يمرّ فوقه الموج ثمّ يعود ثانية من حيث أتى. كن ثابتاً غير متزعزع. قد تتساءل هل هذا ممكن يا أبانا؟! نعم بنعمة الله هذا ممكن. أمّا إذا جابهنا الأمور بقوانا البشريّة، طبعاً سيكون هذا غير ممكن.
* لا تتّخذ موقفاً معادياً ضدّ من يجدّف على الله. أبغض أقوالهم وأفعالهم. وأمّا هم فأحبّهم كبشر ضعفاء وصلّ من أجلهم.
* أحبب الجميع وخاصّة أولئك الذين يسبّبون لك المتاعب. أظهرْ لهم المحبّة بكلّ بساطة دون أن يشعروا بأنّك تتغصّب لتحبّهم أو لتتحمّلهم.
* التذمّر على الآخرين يؤذي نفسك بالدرجة الأولى، لأنّه لا يدعك تصلّي بارتياح. والروح القدس لا يقترب أبداً من نفس متذمرة ولا يسكن فيها.
* أيّها المسيح أنت حبّي. أنا لا أفكّر بالموت. أنا أودّ أن أفكّر فقط بالمسيح. افتحوا أيديكم وارتموا في أحضان المسيح، وعندئذ سوف يحيا هو داخلكم. ازدروا الأهواء ولا تهتمّوا للشيطان. التفتوا فقط نحو المسيح. ولكي يتمّ هذا اطلبوا أوّلاً نعمته.
* وجّهوا أذهانكم دوماً نحو العلاء، نحو المسيح. اعملوا مع المسيح، عيشوا مع المسيح، تنفّسوا المسيح، تألّموا مع المسيح وافرحوا أيضاً معه. ليكن المسيح كلّ شيء بالنسبة إليكم. المسيح هو عروس نفوسكم، هو أبوكم، هو كلّ شيء. لا يوجد أمر أسمى في هذه الحياة من محبّة المسيح. المسيح كلّه فرح، كلّه غبطة. النفس السكرى بمحبّة المسيح هي دوماً فرحة وسعيدة مهما واجهت من أتعاب وبذلت من تضحيات.
* نحن سعداء بقدر ما نحبّ كلّ البشر، وعندئذ سوف نشعر بأنّ الكلّ أيضاً يبادلوننا الحبّ. لا يستطيع أحد أن يصل إلى الله إن لم يمرّ أوّلاً بالبشر.
* لا يستطيع المسيح أن يحبّنا إن لم نكن نحن أهلاً لهذه المحبّة. لكي يحبّنا المسيح يجب أن يرى داخلنا شيئاً مميّزاً. هيّئ نفسك دوماً لاكتساب ما يحبّ المسيح أن تملكه داخلك. وما هو هذا الشيء؟ إنّه التواضع. إن لم نملك التواضع لا نستطيع أن نحبّ المسيح.
* لا يستطيع أحد أن يعلّمك الصلاة، لا الكتب ولا الأب الروحيّ ولا أحد. الأستاذ الوحيد للصلاة هو النعمة الإلهيّة. فقط الروح القدس هو الذي يعلِّم الصلاة. إن لم تدخل في جو النعمة لا تستطيع أن تصلّي.
* لا تنشغلوا باقتلاع أشواك نفوسكم، بل وجّهوا كلّ قواكم الداخليّة نحو عمل الصلاح، نحو المسيح، والأشواك سوف تنقلع من نفسها. (هنا يريدنا الأب القدّيس أن نوجّه جهادنا نحو الإيجابيّات لا نحو السلبيّات).
* إنّ طريقة الجهاد الأكثر ضمانة وسهولة هي طريق المحبّة. لا ترهقوا أنفسكم بطرد الظلام منها. يكفي أن تفتحوا ثقباً صغيراً داخلكم ليدخل نور المسيح، فيتلاشى الظلام حالاً. وهذا ما يحصل مع ضعفاتنا وأهوائنا، ازدروها واحتقروا الشرّ، والتفتوا فقط نحو المسيح. جاهدوا ببساطة وبدون عصبيّة أو تشنّج. وجّهوا كلّ قواكم إلى اقتناء محبّة المسيح وإلى الالتصاق به، وهكذا يتحوّل الشرّ في داخلكم خيراً بشكل سرّيّ دون أن تعلموا كيف وحتى دون أن تتعبوا. اقرأوا الكتب المقدّسة، رتّلوا ورنّموا المزامير وقوانين الكتب الكنسيّة، وهكذا يتّجه الفكر، تلقائيّاً، نحو المسيح، وتحلّ الحلاوة الإلهيّة في القلب.

العطش إلى الله

العطش إلى الله

الخورية سميرة عوض ملكي

(عن نشرة الكرمة)

 

      لقد غدا هذا العالم بريّة قاحلة جرداء. إنّه يعجّ بالناس، والناس يزحمون بعضهم بعضًا، لكنّهم كالخيالات لا يلتفت واحدهم إلى الآخر، ولا يشعر أحدهم أنّ بقربه آخر. فالأنانيّة تزداد والصداقات تتفتت وينابيع ماء الحياة جفّت وأصبح هذا العالم لا يقدّم إلاّ بحاراً من المياه المالحة، أيّ الملذّات. لقد بتنا، كما يقول داود النبي نسلك “في أرضٍ غير مسلوكة وعادمة الماء”، لأنّ الله الذي هو ينبوع الماء الحيّ بات غريبًا في هذا العالم الذي نحيا فيه.
      لعلّ من أجمل الرسومات الرمزيّة المسيحية القديمة هي صورة الأيائل المسرِعَة إلى نبع المياه. ويعبّر عنها النبي داود بقوله: “كما يشتاق الأيل إلى مجاري المياه، كذلك تشتاق نفسي إليك يا الله” (مزمور 1:42). ويقول القديس أثناسيوس إنّ هذه الصلاة ليست لظرفٍ كظرف داود فقط، وإنّما هي صلاة كلّ قلب عطشان إلى الله وإلى نعمته في مختلف ظروف الحياة.
      إنّ العطش يعبّر عن لهيب داخلي. وهو أشدّ الأحاسيس قوّة. وعندما تشتدّ الأحاسيس النفسيّة كثيراً تنعكس على الجسد، ولهذا يصرخ داود في مكان آخر قائلاً: “عطشت إليك نفسي، بكم نوع تاق إليك جسدي”. هذا يعني أنّ حبّ الله إذ يتمكّن بالإنسان فإنّه يسري حتّى في عظمه ولحمه. فعلى الكيان أن يطلب الله. لذا، الإنسان المؤمن لا يشتاق وحسب بل يعطش أيضاً وعليه أن يطفئ لهيبه. فإرواء هذا الظمأ وإطفاء هذا اللهيب ممكنان في الله وحده لأنّه هو المنادي للجميع قائلاً: “مَن كان عطشانًا فليأتِ إليّ ويشرب” (يوحنا 37:7).
      إنّ كلّ ما يُترَك طويلاً تحت أشعة الشمس يحمى كثيراً، والأمر ينطبق على النفس أيضاً. فإن تعرّضت النفس لأشعّة ذكر الله ستزداد حرارةً وتوقّدًا بنار من غيرِ هذه الدنيا. حينئذ تتأجّج، بل تتوهّج لهيبًا. وهذا ما يعلّمنا إيّاه آباؤنا القدّيسون، أي أن يكون الله لهجَنا.
      وأخيرًا، الكلّ يعيش في عدم الرضى، فما معنى عدم الرضى هذا؟ هذا يعني أنّه ليس في المخلوق ما يمكِنه أن يشبِع الروح. فالروح من الله، وإلى الله تسعى، وبه تعالى تلتمس أن تأنَس، وإذا استقرّت في شركة حيّة معه وعلى علاقة حيّة به، كانت مرتاحة إليه. وهذا ما تعبّر عنه العبارة الشهيرة: “يا ربّ خلقتَنا متّجهين إليك ولن نرتاح إلاّ بك”.