قصة الخلق والميثولوجيا

الخورية سميرة عوض ملكي

الميثولوجيا، بحسب قاموس أوكسفورد، هي قصة تقليدية متعلّقة بالتاريخ المبكر لشعب ما أو بشرح لظاهرة اجتماعية او طبيعية، مستخدمة لذلك عادةً مخلوقات وأحداث فوق طبيعية. فهل قصة الخلق في الكتاب المقدس ميثولوجيا؟

إن موضوع الخلق شغل فكر الإنسان في كل العصور. وقد كان العنصر الرئيس في كل الديانات القديمة التي حاولت، كل منها بأسلوبها الخاص، أن تعطي جواباً عن مسألة مبدأ الكون والإنسان وعن الظواهر الطبيعية

لكن ما يميّز الروحانية الأرثوذكسية هو أن “جوهرها كتابيّ” كما يذكر اللاهوتي الروسي بول نيكولايفيتش أفدوكيموف في كتابه “الأرثوذكسية”. فدراسة الكتاب المقدس في الكنيسة الأرثوذكسية ليست عملاً عقلياً محضاً، لكنها مشاركة أسرارية في كلمة الله داخل إطار الكنيسة. من هنا، فإن خبرة الجماعة التي عاشت الكشف الإلهي هي التي تعطي الحجة القوية للسِّفر، وليس شخصية كاتبه أو الأسلوب العلمي في عرض الأحداث. إذاً، فتفسير الكتاب المقدس ليس عملَ أحد الحكماء، بل عمل أعضاء الكنيسة الذين يتعرّفون على المسيح في مشاركتهم في الأسرار، كما حصل في لقاء يسوع القائم مع تلميذيه على طريق عمواص، إذ لم يعرفاه إلا بعد كسر الخبز

مع هذا، فقد كان لكل عصر طرقه التفسيرية الخاصّة به، بغية الوصول إلى فهم كلمة الله على أكمل وجه. وقد ساهم تطوّر العلوم في السنوات الأخيرة في إيجاد طرق تفسيرية جديدة حتى غدا التفسير فرعاً علمياً خاصاً. إلا إن هذا لم يمنع تضارب الآراء باستمرار وبشكل جذري ناتج عن الخلفيات المختلفة التي بها تمت قراءة النصوص الكتابية، لأنه وبالرغم من أن كل الجماعات المسيحية تستند إلى الكتاب المقدس نفسه، إلا إنها لا تملك الفهم عينه

ويأتي سوء الفهم، حتى في الأوساط الأرثوذكسية، فكثيراً ما سمعنا أن بعض قصص الخلق في الكتاب المقدس هي قصص رمزية، لا بل ويذهب البعض أبعد من ذلك فيقولون إنها مجرد أسطورة، وليس بالضرورة أنها حدثت، ومنهم أساتذة في مدارسنا الأرثوذكسية على ما ينقل تلاميذهم عنهم

هذا قد يكون ناتجاً عن الخلط في أن الكتاب المقدس هو عمل موحى به من الله، إلا أن لاهوتنا لا يقول إن هذا الكتاب “نزل من السماء”، بل على العكس يصرّح علناً بأنه عمل بشري كُتِب بلغة بشرية موجّهة إلى البشر. وقد كان الكتّاب الذين أنارهم الروح القدس أدوات الله وحاملي الكشف الإلهي، قد تلقّوه لينقلوه إلى الناس لا بشكل آلي لا دور لهم فيه، بل بأسلوب حمل معه شخصياتهم بشكل كامل. لكنهم حاولوا أن يضعوا الحقائق الإلهية في متناول البشر مستخدمين أنواعاً أدبية تعبيرية. وهذا ما فعله الكاتب بتصويره قصة الخلق وغيرها من القصص بشكل أدبي معروف عند قرائه، ليجرّده من أسطوريته. وهنا ننوّه إلى موضوعٍ خَلَق مشاكلاً كبيرة في تفسير الكتاب المقدس، خاصةً بعد اكتشاف نصوص بالكتابة المسمارية تتناول ميثولوجيا بلاد ما بين النهرين تتشابه مع بعض النصوص الكتابية. هذا الأمر قاد الكثير من المفسّرين في بدايات القرن الماضي إلى الاعتقاد بأن العهد القديم ليس أكثر من نشرة إسرائيلية للميثولوجية البابلية، مما ولّد ردّات فعل عنيفة لدى مفسّرين آخرين

إن الاختلاف في الموقف لا يمنع من وجود براهين جديّة لوجود مادة ميثولوجية في الكتاب المقدس. كما أن وجود هذه المادة لا يتيح رفض الحقيقة الكتابية. لأن الميثولوجيا استُعمِلَت في النصوص الكتابية كتدخّل لغوي دوماً للإعلان، وبأسلوب قصصي، حقيقة أن الله واحد فريد، خلق العالم تاماً، وجبل الإنسان على صورته ومثاله، وهو يدين البشر وما إلى ذلك

إن هدف كتّاب الكتاب المقدّس، إذاً، لم يكن أبداً إخبار القرّاء عن أحداث تمّت في الماضي، الخلق والفردوس والسقوط والموت وشجرة المعرفة والحيّة وغيرها، بل بشكل رئيسي، أن يمرّروا عبر هذه الروايات الحقائقَ اللاهوتية الأبدية عن الله والإنسان والكون والمواضيع التي لن تتضاءل أهميتها طالما هناك بشر على الأرض

* عن نشرة الكرمة

النأي بالنفس: إلى أين؟

الأب أنطوان ملكي

في ٢٠٠٥، نأت أنطاكية بنفسها عن خلع البطريرك ايرينايوس وكانت واحدة من اربع كنائس لم تسر مع التوافق الروسي القسطنطيني على الخلع، خاصة أن السبب الوارد كان بيع الأراضي وكأن إيرينايوس كان أول البطاركة البائعين أو آخرهم. موقف أنطاكية كان واضحاً بأننا لا نتدخل في الكنائس الأخرى خاصة لسبب غير عقائدي

لماذا توافق في حينه الروس والفنار؟ الفنار كان محركاً كالعادة من معلميه في وزارة الخارجية الأميركية. وكما العادة تكفلت وزارة الخارجية اليونانية بجلب الكراسي اليونانية الأخرى. أما الروس فلماذا وافقوا؟ لأن في ٢٠٠٥ كانت الكنيسة الروسية خارج روسيا لم تتحد بعد مع الكنيسة الأم أي بطريركية موسكو وكان في تصرفها كل المؤسسات الروسية في فلسطين من أديار ومضافات. والأهم أنها كانت ترفع رئاسة ايرينايوس الذي احتضنها. هذه المؤسسات لا تخدم الحجاج الروس وحسب بل لديها أيضاً اليهود الروس. وهم مجموعة تقدر بثلاثمئة الف من الروس الذين جلبتهم الجمعيات الروسية إلى فلسطين على أنهم يهود. لكنهم بعد وصولهم رفضوا أن تكون اكاليلهم إلا في الكنيسة وألا يعمدوا اطفالهم، وعند انضمامهم إلى الجيش رفضوا قسم اليمين على التوراة فقط بل طلبوا العهد الجديد أيضاً.

ما معنى وجودهم؟ إنهم رعية بهذا الحجم ويرعاهم بطريرك غير متمسك بيونانيته ومنفتح على العرب حتى أنه فتح لهم مدرسة الصليب المقدس، هذا أثار حمية اليونان والقبارصة الذين رأوا في ايرينايوس خطراً على عملهم. بالمقابل، الروس الذين كان يتضاعف عدد حجاجهم لم يستسيغوا أن يكون حجاجهم في يد آخرين، فانخرطوا في العملية ممنين النفس بأن يأتي بطريرك منفتح عليهم. لما عادت الوحدة الروسية مع عودة روكور إلى الكنيسة الأم، تغيرت التوجهات الروسية، وجاء تبادل المصالح بين فلاديمير بوتين وإسرائيل، كما الاضطهاد الأميركي غير المباشر عبر تبني القدس عاصمة لإسرائيل ومن بعده صفقة القرن التي تنتزع الكثير من الممتلكات من يد الكنيسة، لتنقل كنيسة أورشليم إلى معسكر الروس

قد يكون الكلام أعلاه مقلقاً الكثيرين ممَن لم تسبق لهم هذه القراءة. لذا لا بد من طرح السؤال التالي: متى كانت الكنيسة متحررة من التأثيرات السياسية؟ الجواب هو لم تكن يوماً كذلك. إنما الفرق أن رجال الكنيسة لم يكونوا خاضعين للسياسيين كما هم اليوم، فكانوا يسمون الأمور بأسمائها عندما تتعلق بالإيمان، والأمثلة كثيرة من القديس مرقس أسقف أفسس إلى دوسيثاوس بطريرك أورشليم، وصولاً إلى خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان

الكثير من الأزمات التي تواجه الكنيسة الأرثوذكسية اليوم ذات أصول سياسية لكن الرئاسات بدل أن تبقيها خارجها تجتذبها إلى الداخل فتصير الأزمة كنسية. طبعاً لا يتساوى الجميع بالأدوار، فالدور الذي يلعبه بطريرك القسطنطينية برثلماوس الأول غير مسبوق، حتى في عزّ ايام تناغم البطاركة والأباطرة البيزنطيين أو البطاركة والسلاطين العثمانيين. فهو اليوم يتكئ على السياسة الخارجية الأميركية مطبّقاً عليهم وعلى نفسه صفة المسكونية بمعناها الجغرافي الوضعي. كنسياً، تكمن أزمة أوكرانيا وتلوح أزمة الجبل الأسود ومكدونيا في ادعاء البابوية عند البطريرك المسكوني

بالنسبة لنا الأرثوذكس العرب، في كنيستَي أنطاكية والقدس، فعندنا أزمة قطر، التي هي سياسية بامتياز، صممها وأخرجها ونفذها الأميركيون مستعملين ثيوفيلوس بطريرك القدس الذي هو أصلاً صنيعتهم. أنطاكية ابتلعت الطعم وأعلنت قطع الشركة التي صفق لها كل الشياطين وكل المتعاونين معهم. أين حل قضية قطر؟ مَن يحكم في صحة ادعاءات القدس أو أنطاكية؟ لا حلّ لقضية قطر إلا بمجمع مسكوني، فهل يجوز أن تستمر الشركة مقطوعة إلى حينه؟ وماذا لو تدخلت السياسة مجدداً في المجمع المسكوني وحكم بأن لأورشليم الحق في ما عملته، فهل تقاطع أنطاكية كل الكنائس؟

نأت أنطاكية بنفسها مرة جديدة عن لقاء عمان، الذي انعقد أصلاً في عمان لكي تحضر أنطاكية. بغيابها خسرت فرصة المطالبة بصوت عالٍ بالعمل على جلاء غياب المطران بولس، كما خسرت فرصة التقارب مع الأورشليميين بشكل قد يفتح كوة للحوار الثنائي والتوصل إلى صيغة تعيد الشركة. إلى هذا، فوتت أنطاكية الفرصة على تسجيل شهادة للحق في الكنيسة. صحيح أن الاجتماع لم يقل لبرثلماوس الأول أنه لا يحق له أن يدّعي البابوية لكن مجرد انعقاد اللقاء يعني هذا الكلام. وأكبر الخسارات الأنطاكية هي أنها وسّعت عزلتها وصارت خارج المعسكرَين. أن يقرر المجتمعون الاجتماع المقبل في القدس، يعني أنهم لن ينتظروا أنطاكية. وبالمقابل، المعسكر الأول أصلاً لم يحسب لها حساباً ولهذا قاطعت لقاء كريت

قد لا يوافق كثيرون على هذا الكلام. لكن هناك خوف عبّر عنه العديد ممن كتبوا. قد تختلف الصور بحسب الزوايا لكن لا أحد ينكر الخطر. قد يرى البعض أن النأي بالنفس أبعد بعض الأخطار، لكن هذا النأي المتكرر يزيد من وضعية العزلة. في القرن الحادي والعشرين، ليس سهلاً التعاطي الجماعي مع العزلة، خاصةً لجماعة بحجم أنطاكية وواقعها. فما بين التقلقل السياسي في شرق المتوسط، وتيارات الإسلام، وتماهي الكثلكة والبروتستانتية مع أجندات الدول التي وراءهما، قد تجد أنطاكية نفسها وحيدة بدفاعات محدودة، ما يجعل هامش الخيارات ضيقاً. وهنا الخطر

لماذا يترك المؤمنون الكنيسة

الأب أنطوان ملكي

وقعتُ على موضوع كتبه الكاهن الكاثوليكي بيل باكمان عنوانه “لماذا يترك الكاثوليك الإيمان؟” وقد شاركه أحد الإكليريكيين الأرثوذكس على صفحته على فايسبوك. وقد وجدتُ في هذه العجالة، التي يكتبها صاحبها بصدق وبعين ثاقبة شجاعةً يفتقدها كل المسيحيين بمختلف طوائفهم

يذكر الكاهن بيل أنه في الكهنوت منذ اثنين وعشرين سنة وأنه قرأ عدداً مؤخراً غير قليل من المقالات حول سبب ترك الأجيال الثلاثة الأخيرة للإيمان الكاثوليكي بشكل جماعي. لذا أراد أن يشارك نظريته الخاصة بناءً على تجاربه الخاصة وما رآه وقرأه من الآخرين، خاصةً وأنه ينتمي لأحد هذه الأجيال. ويذكر في البداية أنه لفترة ما في شبابه انتقل إلى اللاأدرية لكنه عاد إلى الإيمان

يستعمل الكاتب عبارة “الجناية” ليصف بعض الأعمال التي قامت بها الكثلكة وأدّت إلى طفرة هذه الأجيال من الكنيسة. ما يلي هو تسلسل هذه الجنايات بشكل مختصر

الجناية الأولى هي تناسي أن الله أسمى من البشر. ويستعمل عبارة ترويض الله بجعله على صورة الناس. يقول الكاتب “حولناه إلى معالِج لطيف وغير فعال مهمته الرئيسية هي تمكين سلوكياتنا والتربيت على ظهرنا لتمردنا عليه” وبذلك لم يعد هناك حاجة للتركيز على الله

من نتائج هذه الجناية اختفاء مفهوم الخطيئة الشخصية وحلول مفهوم الخطيئة الاجتماعية أو المُجْتَمَعِيّة مكانها. هذا ما أدّى إلى التخلّي عن الاعتراف الشخصي واستبداله بالاهتمام بالعدالة الاجتماعية. وبعد أن تمّ تجاوز الله والخطيئة تم ترويض الشيطان وكل ما كان يُعتبر شيطانياً. ولم يعد هناك حاجة للخوف من الشيطان الذي صار شبيهاً بالكرنفال. الاستغناء عن الله والشيطان أدى إلى التخلي عن الأم المباركة والقديسين والمسبحة وكل مقومات الحياة التخشعية ما استتبع سقوط الإحساس بما هو شيطاني وكل الطقوس التي كانت لمحاربته

هذا معناه أن الحرب الروحية أسقِطَت وحلّ مكانها الدعوة إلى اللطف. بهذا خسر المؤمنون سلاحهم ومقاومتهم، ما أدى إلى تجريد الليتورجيا والتربية من كل ما هو متسامٍ فيهما. التركيز في القداس لم يعد على الله بل على البشر، فصار الصلاة لتبرير الذات لا لعبادة الله. يتوقف الكاتب عند تعدد الاختبارات التي أجريت على القداس وعلى التغيرات التي خضع لها والانتقال من التعليم الإيماني إلى الأخلاقيات وكثافة الغناء، وهذه كلها تمّت لجذب الناس لكنها أبعدتهم

الأمر نفسه صار في التربية حيث لم يعد هناك تعليم عن ما هو متسامٍ، وصارت الهوية الدينية مضرة بالتربية. لم يعد موضوع التربية أن المؤمنين هم شعب الله وما ينتظر منهم، بل توقف التعليم عند الأخلاقيات العمومية. حتى الأخلاقيات صارت موضوعية، فصار تحديد النسل مسموحاً، والمساكنة مقبولة، والتعاطي مع الأجساد جسدانياً، حتى صار ممكناً اعتبار الدين مجرد شعور بالراحة

كنتيجة لهذا التغير صارت الديانات الشرقية ونسكها هواية الكهنة الكاثوليك والرهبان والسبب أن القلب البشري بحاجة لشعور بالسمو، ليس موجوداً في الكثلكة، ولهذا صار الناس يعتبرون أنفسهم روحيين ولكن غير دينيين. وهذا انتقل من جيل إلى الذي بعده والذين تربوا عليه صاروا آباء أنفسهم. هؤلاء ربّوا أبناءهم على أن السعادة مكفولة من الله من دون حاجة لبذل الجهد، وبالتالي يمكن التركيز على السعادة في العالم. هذا استبدل السعادة الأبدية بالسعادة البائدة

يتطرق الكاهن بيل إلى التربية الكاثوليكية في المدارس كما في البيوت، فيرى أن السعي إلى الثروة واللذة والسلطة والشرف صارت نقاط التركيز، وصارت تُعطى التكريس الذي كان سابقاً لله. بدل العبادة صار الأهل يختارون الرياضة والرقص والرفاهية. لم تعد الهوية الكاثوليكية مهمة لا في المدارس ولا في الرعايا. في التعليم تساوى الدين مع الأخلاق وكلاهما خاضعَين للرغبة الشخصية

خسارة العلاقة مع السامي أدّت إلى خسارة الصِلة التي تظهر في النقص بعدد الكهنة. الفضائح الجنسية ليست المرض بل أحد عوارضه وهي أصلاً تنمو حيث لا سمو، ويتساءل كيف يكون المتحرش أو من يغطيه مؤمناً

في النهاية يرى أن هناك واقع يجب أن يتغيّر وأن يظهر هذا التغيير في القداديس والعائلات والرعايا والمدارس. والتغيير يجب أن يقوم على تذكّر الله وما يريده من الكنيسة. وهذا لا يتمّ إلا باسترجاع هذا الحس بسمو الله

ما أهمية هذا المقال؟ هذا الوضع ينطبق على الأرثوذكس إلى حد كبير. في الكثير من اليوميات بتنا نفتقد إلى الله في عليائه. افترضنا أننا إذا أنزلناه نجعله أكثر قرباً من الناس، وبهذا تصرفنا عنه. وكأنه بحاجة إلى مَن يقرّبه أو يحدد له موقعه. نسينا أنه يكفي أن نسير معه وهو يقودنا، إذ افترضنا أننا نقوده. كثيرون منا، وخاصةً ممن هم في مواقع قيادية على كافة المستويات، باتوا لا يميّزون بين مصلحتهم ومصلحة الله. الكاهن بيل يحكي عن تدجين الله عند جماعته، ونحن في جماعتنا كثيرون يستغلّون الله. كل هذا وللناس أعين وللإعلام أعين وآذان

نحن بحاجة إلى التغيّر. إنه جزء من مسعانا. نحن لا نجمد. نحن نتقدم من التطهر إلى الاستنارة إلى التمجيد. لطالما آمن آباؤنا بأن هذا الطريق خطّي، بالرغم من تعرجاته، لكننا اليوم بتنا نتعامل مع كل شيء على أنه دائري، خاصة الخطيئة والتوبة، صرنا نراهما في دورة، ولهذا ندور في مكاننا كأفراد وجماعة

التغيير يجب أن يقوم على تذكّر الله وما يريده من الكنيسة، وأن يظهر في الليتورجيا والعائلات والرعايا. إلى الرب نطلب

السنة السادسة عشرة، العدد الرابع، كانون الثاني 2020

مختارات آبائية / رعائيات / كتاب

القديس غريغوريوس الكبير، الرعاية – 2

الجزء الأول

الفصل الخامس: حول أن الذين في موقع السلطة العليا يمكن أن يستفيد الآخرون بمثال فضائلهم، لكنهم يفرّون منها من أجل سلامهم

الفصل السادس: الرجال الذين يفرّون من عبء الرئاسة تواضعاً، يكونون متواضعين حقًا عندما لا يقاومون الأحكام الإلهية

الفصل السابع: كما يحدث، فإن بعض الرجال الجديرين بالثناء يرغبون بمهمة الوعظ، وآخرون ممن هم على نفس القدْر يُدفَعون إليها مكرَهين

الفصل الثامن: في ما يختصّ بالذين يطلبون الأولوية ويستنسبون قول الرسول لخدمة طمعهم

الفصل التاسع: إن فكر الذين يسعون إلى التقدّم، بالغالب سوف يغري ذاته بمواعيد خيالية بإتمام أعمال حسنة

مختارات آبائية / لاهوت / تربية مسيحية / كتاب

القديس فيلاريت درودزوف بطريرك موسكو، مدخل إلى التعليم الديني الأرثوذكسي – 2

عن الكتاب المقدس بوجه الخصوص

حياة روحية / رعائيات / لاهوت / كتاب

الميتروبوليت كاليستوس وير، الدين والعلم والتكنولوجيا: منظور أرثوذكسي – 2

الجزء الثاني: الإبداع والابتكار والتقدم التكنولوجي

الرعاية – 2

القديس غريغوريوس الكبير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

كتاب الرعاية (المعروف باللاتينيةLiber Regulae Pastoralis ) هو أحد أعمال القديس غريغوريوس الكبير الأكثر شهرة. الكتاب عبارة عن رسالة تضمّ عرضاً من أربعة أجزاء يقدم فيها إرشادات جوهرية للكهنة والأساقفة حول كيفية رعاية كنائسهم إنجيلياً وبحكمة وكيفية تدبير حياتهم أخلاقياً. في هذه الرسالة يقدم القديس غريغوريوس رأيه حول مؤهلات الراعي الجيد ومواقفه وخياراته وأنشطته، إذ بحسب تعبيره ، الكهنة هم “أطباء القلب”ـ

الفصل الخامس

حول أن الذين في موقع السلطة العليا يمكن أن يستفيد الآخرون بمثال فضائلهم، لكنهم يفرّون منها من أجل سلامهم

يوجد موهوبون بدرجة عالية من الفضائل ويُعظّمون بمواهب عظيمة لتدريب الآخرين؛ رجال لم تتلطخ غيرتهم للعفة، أقوياء في عفّتهم، مفعَمون بمواسم المعرفة، متواضعون في صبرهم الطويل المعاناة، منتصبون في ثبات السلطة، متلطّفون في نعمة السماحة المُحِبّة، صارمون وغير منثنين في العدل. في الواقع، عندما يرفضون حمل السلطة العليا عندما يُدعَون إلى ذلك، يحرمون أنفسهم، في غالبية الحالات، من المواهب التي تلقّوها لا من أجلهم فقط بل ومن أجل الآخرين أيضًا

عندما يهتم هؤلاء بمصلحتهم الشخصية، وليس بمصلحة الآخرين، فإنهم يفقدون هذه المزايا إذا ما رغبوا بالاحتفاظ بها لأنفسهم. ولهذا قال الحقّ لتلاميذه: “لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل. وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ” (متى 14:5-15). ولهذا السبب قال لبطرس: “يا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟” وعندما أجاب بطرس مباشرة بأنه يحبه قال له: “ارْعَ غَنَمِي”. إذا كانت الرعاية شهادة على المحبة، فإن صاحب فيض الفضائل إذا رفض إطعام قطيع الله، يُدان بفقدان محبة الراعي العُلوي. لذلك ، يقول بولس: “إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ.” (2كورنثوس 14:5). وهكذا يقول موسى أن الأخ الباقي يجب أن يأخذ زوجة شقيقه الذي مات بدون أطفال، وأن يربّى الأطفال باسم أخيه؛ “فَإِنْ أَصَرَّ وَقَالَ: لاَ أَرْضَى أَنْ أَتَّخِذَهَا. تَتَقَدَّمُ امْرَأَةُ أَخِيهِ إِلَيْهِ أَمَامَ أَعْيُنِ الشُّيُوخِ، وَتَخْلَعُ نَعْلَهُ مِنْ رِجْلِهِ، وَتَبْصُقُ فِي وَجْهِهِ، وَتُصَرِّحُ وَتَقُولُ: هكَذَا يُفْعَلُ بِالرَّجُلِ الَّذِي لاَ يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ. فَيُدْعَى اسْمُهُ فِي إِسْرَائِيلَ «بَيْتَ مَخْلُوعِ النَّعْلِ»” (تثنية 8:25-10)

الآن، الأخ المتوفى هو الذي قال بعد مجد القيامة: “اذهب قل لإخوتي” (متى 10:28)؛ لأنه مات بدون أبناء ولم يملأ بعد عدد المختارين. مطلوب من الأخ الباقي أن يأخذ الإمرأة لأن من الأفضل أن يُسنَد الاهتمام بالكنيسة المقدسة إلى ذاك القادر على قيادتها أيضاً. إذا أثبت عدم رغبته، فالمرأة تبصق في وجهه، لأن كل مَن لا يهتمّ بعون الآخرين بالمواهب التي تسلّمها، فهو مستهجَن من الكنيسة أيضاً لما عنده من حسنات، وكما هو مذكور، فهي تبصق في وجهه وتخلع نعله من رِجل واحدة، حتى يُدعى بيته بيت مخلوع النعل، لأنه مكتوب “… حَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ” (أفسس 15:6)

إذن، إذا كنا نحرص على إخوتنا وعلى أنفسنا، فإننا نحمي كل قدم بحذاء. لكن الرجل الذي يفكّر فقط بمصلحته، متجاهلاً مصلحة إخوته، ويخسر الحذاء بعار ، كما من قدم واحدة

وهناك الذين مُنِحوا مواهب عظيمة، كما ذكرنا، في حرصهم على السعي إلى التأمّل فقط، يرفضون أن يكونوا في خدمة الإخوة بالوعظ؛ إنهم يحبون الانسحاب بهدوء راغبين في أن يكونوا وحدهم للتأمل. إذا حُكم عليهم من خلال سلوكهم بشكل صارم، فهم بالتأكيد مذنبون بما يتناسب مع الخدمة العامة التي كانوا قادرين على تحملها. في الواقع، ما هو الموقف الفكري الذي يتكشّف في مَن باستطاعته أن يؤدي خيراً عاماً واضحًا في قيامه بمهمته، ولكنه يفضل خصوصيته على منفعة الآخرين، مع أنه يرى الابن الوحيد للآب العلوي قد جاء من حضن أبيه إلى وسطنا لكي ينفع الكثيرين؟

الفصل السادس

الرجال الذين يفرّون من عبء الرئاسة تواضعاً، يكونون متواضعين حقًا عندما لا يقاومون الأحكام الإلهية

هناك بعض الذين يهربون من هذا العبء بسبب التواضع فقط: إنهم لا يرغبون في أن يكونوا مفضَّلين على الذين يعتقدون أنهم أقل شأناً منهم. إن تواضعهم أصيل حقًا في نظر الله، شريطة أن يكون مصحوبًا بالفضائل الأخرى وألا يكونوا عنيدين في رفض تولّي ما هو مطلوب القيام به بشكل نافع. لأن الذي يفهم أن حكم الإرادة العليا له هي أن يتسلّم القيادة ومع هذا يرفض فهو ليس متواضعاً حقاً. لكن عندما يُفرَض عليه القضاء الأعلى وطالما أنه منعَم عليه بهذه المواهب التي بها ينفع الآخرين، عليه نزولاً عند رغبة الله ومن دون علة المكابرة، أن يهرب منها في قلبه ويطيع بالرغم من أن الطاعة هي على عكس ميله

الفصل السابع

كما يحدث، فإن بعض الرجال الجديرين بالثناء يرغبون بمهمة الوعظ، وآخرون ممن هم على نفس القدْر يُدفَعون إليها مكرَهين

في بعض الأحيان، على الرغم من ذلك، هناك مَن يرغب بشكل جدير بالثناء بمهمة الوعظ، في حين أن آخرين لا يقلون عنه مقاماً يُدفعون إليه بالإكراه. نرى هذا بوضوح عندما ننظر إلى حالة اثنين من الأنبياء، أحدهما قدّم نفسه تلقائيًا لمهمة الدعوة، بينما الآخر عارض خوفاً. على سبيل المثال، عندما سأل الرب من يجب أن يرسل، قدّم أشعياء نفسه من تلقاء ذاته، قائلاً: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي» إرمياء، من ناحية أخرى، أُرسِل لكنه كان متردداً بتواضع في أن يكون مُلزماً بالذهاب، قائلا: «آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ»ـ

لاحظوا كيف أعطى هذان الشخصان كلامًا مختلفًا خارجيًا، مع أنه لم يخرج من نبعَين متعاكسين من المحبة. فهناك مبدأان للمحبة، أحدهما مبني على محبة الله، والآخر على محبة الأخ. فإشعياء، إذ رغب بالحياة الفعّالة في مهمة الوعظ، تحرّك برغبته في أن ينفع إخوته. أما إرمياء، فكان يتشوّق بغيرة إلى محبة خالقه، لكن في الحياة التأملية. فاعترض على إرساله. إذاً ما رغب به الأول مشكوراً انكمش عنه الآخر محموداً. الأول خاف أنه بالتعليم قد يخسر منفعة التأمل الهادئ؛ الآخر خشي أنه من دون التعليم قد يتأذّى بغياب العمل الشاق

الآن، علينا أن نتأمّل بتأنٍّ في هذا في كلتا الحالتين: إن الذي احتج لم يقاوم كلياً، والذي رغب في أن يكون مرسَلاً، رأى نفسه متطهراً توقّعاً بجمرة من المذبح (أنظر أشعياء 6:6). مَن لم يتطهّر لا ينبغي أن يجرؤ على القيام بالخدم المقدسة؛ والذي تطهّر بنعم سماوية، عليه ألا يقاوم بفخر تحت ستار التواضع

بما أنه من الصعب للغاية إدراك أن الشخص قد تطهّر، فمن الأسلم رفض مهمة الوعظ، ومع ذلك، كما قلنا، قد لا تُرفَض عن قصد عند إدراك أن وجوب القيام بها هو من الإرادة السماوية. لقد تمم موسى كلا الالتزامين بشكل مثير للإعجاب، فهو قد أطاع رغم عدم رغبته في قبول مشيئة الجمهور الكبير العليا. فهو ربما كان ليفتخر إن تولّى قيادة عدد لا يحصى من الناس دون خوف، ومن جديد، كان ليفتخر، لو أنه رفض إطاعة أمر الخالق. لكنه في الحالتين كان متواضعاً وفي الحالتين مطيعاً، سواء في عدم إرادته أن يتقدم على الشعب عندما نظر إلى نفسه فقط، وعندما وافق متكلاً على قوة الذي أمره

إذاً، من هذه الأمثلة، فليفهم المندفعون كم يكون ذنبهم عظيماً إذا كانوا محرّكين برغبات ذاتية ولا يحجِمون عن التقدم على الآخرين، وإذ يرون أن الرجال القديسين يخشون أن يقبلوا قيادة الشعب حين يأمر الرب بذلك. موسى ارتعد مع أن الرب أصر عليه ليتقدّم؛ ومع هذا فإن رجلاً ضعيفاً يسعى إلى عبء هذه المسؤولية، ووارد جداً أنه يسقط تحت هذا العبء، مستعد أن يكون مغموراً بوضع كتفيه تحت أحمال الآخرين! إنه يعجز عن حمل أعماله، فيما هو يزيد من العبء الذي يحمله

الفصل الثامن

في ما يختصّ بالذين يطلبون الأوليّة ويستنسبون قول الرسول لخدمة طمعهم

الآن، وكما يحدث دائماً، إن الذين يسعون إلى الأوليّة يطلبون الدعم لطمعهم، فيستغلّون قول الرسول: “إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ، فَيَشْتَهِي عَمَلاً صَالِحًا” (1تيموثايوس 3:1). ولكن، فيما يمدح هذا الابتغاء، للحين يحصر مديحه بإضافة سبب للنظر شزراً مضيفاً: “يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ” (2:1). وإذ يتابع معدداً الفضائل الضرورية، يشرح معنى “بلا لوم”. لذا هو يقبَل الرغبة لكنه يحذّر هؤلاء الأشخاص بهذه القاعدة وكأنه يقول: “إنني أثني على ما تطلبون، لكن تعرّفوا أولاً على ما تطلبون، خشية أن بتجاهلكم تأخذون الأمور على قياس لياقتكم، فتصبحون أكثر استحقاقاً للوم والإهانة، في كونكم تسرعون لأن تظهروا للجميع على قمة الشرف”

المعلم الكبير في فن القيادة يحث تابعيه بالموافقة على رغبتهم، لكنه يردعهم بالخوف، حتى يلجم مَن يسمعه عن الفخر، وبالثناء على المهمة المنشودة يؤهلهم لشكل الحياة المطلوب. مع هذا، علينا أن نلاحظ أن هذا قد قيل في وقت كان فيه المتقدم على الشعب، كائناً مَن كان، هو الأول في أخذه إلى تعذيبات الشهادة. إذاً، كان السعي إلى الأسقفية جديراً بالثناء من حيث أن الحاصل على القيادة كان بلا شك تنتظره أقسى العذابات. لهذا السبب، مهمة الأسقف توصَف بأنها عمل صالح عندما يُقال: مَن يشتهي الأسقفية يشتهِ عملاً صالحاً. بالمقابل فإن الرجل يشهد ضد نفسه إذا كان يشتهي مركز الأسقف، اي مجد ذلك الشرف، وليس خدمة العمل الصالح. فالرجل لا يفشل كلياً في محبة المركز وحسب، بل هو يكون جاهلاً له إذا كان يشتهي المركز الأعلى ويفرح لخضوع الآخرين في ثنايا افكاره، ويفرح لسماع المديح ويحس أن قلبه يموج من الشرف ويسعد في سعة رغده. إذاً، ما يسعى إليه هو الربح العالمي تحت غطاء ذاك النوع من الشرف، بينما الكسب العالمي ينبغي أن يكون قد أتلِف وعندما يفتكر العقل في أن يلتقط أعلى حالات التواضع لكي يقوّم كبرياءه، فهو يغيّر الطبيعة الداخلية لما كان مشتهىً خارجياً

الفصل التاسع

إن فكر الذين يسعون إلى التقدّم، بالغالب سوف يغري ذاته بمواعيد خيالية بإتمام أعمال حسنة

بالإجمال، إن الذين يبتغون السلطة الرعائية يقدّمون لذواتهم بعض العمل الحسن أيضاً، ومع أن لديهم هذه الرغبات بتحريك من الكبرياء، إلا أنهم يشغلون أنفسهم بفكر أنهم سوف يقومون بأعمال عظيمة. لكن المحرّك المخبّأ في الداخل هو شيء وما يجري على سطح فكرهم الواعي هو شيء آخر. هذا لأن الفكر غالباً ما يكذب على نفسه في ما يختص بنفسه، ويجعل نفسه يؤمن بأنه يحب العمل الحَسَن فيما هو فعلياً لا يحبه، وبأنه لا يتمنى المجد الدنيوي فيما هو بالواقع يتمناه. إن التشوق إلى مركز القيادة يثير الخوف أثناء السعي إليه لكنه يتحوّل طيشاً بعد الحصول عليه

في السعي إلى المركز، يكون العقل في ارتياعٍ من أنه لن يحصل عليه، لكن عندما يصل المركز فجأة، يفتكر العقل أن ما تحقق هو حق. فمن ثمّ، عندما يبدأ العقل بالتمتع، بطريقة دنيوية، بمركز الحظوة الذي حصل عليه، فهو ينسى بسهولة كل الأفكار الروحية التي كانت لديه قبلاً. وعندما يبدأ الفكر بالانحراف بشكل غير منتظم، ينبغي توجيهه بدقة للعودة إلى نشاطاته السابقة؛ وإذا تفكرّ الانسان بما عمله حين كان خاضعاً للسلطة فهو، كمتقدّم، يعرف مباشرة ما إذا كان يستطيع أن يعمل ما اقترح عمله، لأن الانسان عاجز إلى حد ما عن تعلّم التواضع فيما هو في موقع الوجاهة، إن لم يكن قد امتنع عن التصرف بكبرياء عندما كان في موضع الخضوع. إنه لا يعرف كيف يهرب من المديح عندما يفيض، إذا كان قد صبا إليه حين لم يكن يُمتَدَح. هو على الأكيد يعجز عن التغلب على طمعه عندما يتمّ تقديمه لدعم الكثيرين، إذا كانت موارده لا تكفي لدعم ذاته وحده. لهذا، فليكتشف كل واحد من حياته السابقة أي نوع من الرجال هو، إلا إذا كانت أفكاره تخدعه في تعطشه إلى الرئاسة

غالباً جداً، عندما يحصل على مركز القيادة، تفتر ممارسة الأعمال الصالحة، على الرغم من أنها قد سبق الحفاظ عليها عندما كانت الحياة غير مشوشة، إذ حتّى البحار غير المتمرس يستطيع قيادة سفينة في بحر هادئ، لكن في بحر تقحمه الأنواء حتّى البحار المتمرّس يضطرب كثيراً. وبالواقع، ما هي السلطة في موقع الرئاسة غير عاصفة في الفكر، فيما سفينة القلب في اهتزاز دائم من عواصف الأفكار، وهي مُقادَة بلا هوادة إلى الأمام وإلى الوراء، إلى أن تقف على الصخور المجابهة من خلال فيض مفاجئ من الكلمات والأعمال؟ كيف إذاً يمكن القيام بأي عمل في وسط هذه المخاطر، كيف يمكن التمسك بعمل إن لم يكن المتقدم الآتي إلى القيادة بالإلزام فائضاً بالفضيلة، والذي تنقصه الفضيلة يتراجع عن الوصول إليها حتى تحت الضغط؟ إذا تردد الأخير كلياً فلينتبه أنه لا يخفي في منديلٍ المواهب التي تلقاها، وإلا سوف يُحاكم على أنه أخفاها. إن إخفاء المواهب في المنديل هو بالطبع وضعُها في حالة من عدم الحركة. مع هذا، في حال أن أحداً يريد أن يتسلّط على الرغم من عدم ملاءمته، فلينتبه ألا يُعامَل بمثال عمله السيء، يصير كالفريسيين عثرةً للمجاهدين لأن يدخلوا الملكوت. هؤلاء، بحسب كلمات السيد “لا يدخلون ولا يتركون الآخرين يدخلون”. عليه أيضاً أن يعتبر أنه كرئيس مختار هو يتبنّى قضية الشعب لذا هو يأتي كطبيب لإنسان مريض. من ثمّ، إذا في ممارسته بقيت الآلام تصارع فيه، فبأي وقاحة هو يسرع ليشفي المصاب فيما القروح تغطي وجهه؟

التعليم الديني المطوّل – 2

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

عن الكتاب المقدس بوجه الخصوص ـ

ـ25ـ متى تمّت كتابة الكتب المقدسة؟

في أوقات مختلفة: بعضها قبل ولادة المسيح ، والبعض الآخر بعدهاـ

ـ26ـ أليس لكل من قسمي الكتب المقدسة أسماءه الخاصة؟

نعم لكل منهما أسماؤه. الكتب التي كُتبَت قبل ميلاد المسيح تُدعى كتب العهد القديم، بينما يُطلق على التي كُتبت بعد الميلاد كتب العهد الجديد

ـ27ـ ما هما العهدان القديم والجديد؟

بعبارة أخرى، عهدا الله، القديم والجديد، مع البشر

ـ28ـ مما يتكوّن العهد القديم؟

من أن الله وعد البشر بمخلص إلهي وأعدّهم لاستقباله

ـ29ـ كيف أعدّ الله البشر لاستقبال المخلّص؟

بالكشف التدريجي، بالنبوءات والنماذج

ـ30ـ مما يتألّف العهد الجديد؟

من أن الله أعطى البشر مخلصاً إلهياً، ابنه المولود الوحيد يسوع المسيح

ـ31ـ كم هي كتب العهد القديم؟

القديسون كيرللس الأورشليمي وأثناسيوس الكبير ويوحنا الدمشقي يحصون اثنين وعشرين، متفقين بذلك مع اليهود الذين يحصونها كذلك في اللغة العبرية

(Athanas. Ep. xxxix. De Test.; J. Damasc. Theol. lib. iv. c. 17)

ـ32ـ لمَ علينا أن نحافظ على تعداد العبرانيين؟

لأنهم اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ” (روما 2:3) كما يقول الرسول بولس، فالكتب المقدسة تسلّمتها كنيسة العهد الجديد من كنيسة العهد القديم العبرانية

ـ33ـ كيف رقّم القديسان كيرللس وأثناسيوس كتب العهد القديم؟

على النحو التالي: 1، كتاب التكوين ؛ 2، الخروج ؛ 3، اللاويين ؛ 4، كتاب العدد؛ 5، تثنية. 6، يشوع بن نون ؛ 7، القضاة، ومعه، كملحق، كتاب راعوث ؛ 8، الملوك الأول والثاني، كجزئين لكتاب واحد (يُعرَف أيضاً بصموئيل: المترجم) ؛ 9، والملوك الثالث والرابع. 10، أخبار الأيام الأول والثاني. 11، والكتاب الأول من عزرا، والثاني، أو، كما هو الحال في اليونانية، وكتاب نحميا ؛ 12، استير. 13، أيوب ؛ 14 المزامير. 15 امثال سليمان. 16، الجامعة، وهو كذلك لسليمان ؛ 17، نشيد الأنشاد لسليمان أيضاً. 18، النبي أشعياء ؛ 19 ارميا. 20 حزقيال. 21 دانيال. 22، الأنبياء الاثني عشر

ـ34ـ لماذا لا يُلحَظ في تعداد كتب العهد القديم هذا كتاب حكمة ابن سيراخ ، وبعض الآخرين؟

لأنها غير موجودة في العبرية

ـ35ـ كيف نعتبر هذه الكتب المذكورة أعلاه؟

يقول القديس أثناسيوس الكبير أنه قد تم تعيينها من الآباء ليقرأها الموعوظون الذين يستعدون للقبول في الكنيسة

ـ36ـ هل هناك أي تقسيم لكتب العهد القديم يمكنك من خلالها تقديم سرد أكثر وضوحاً لمحتوياتها؟

يمكن تقسيمها إلى الأقسام الأربعة التالية:ـ

كتب الناموس، والتي تشكّل أساس العهد القديم

الكتب التاريخية وتحتوي بشكل أساسي تاريخ الجماعة

العقائد، وتحتوي على عقيدة الدين

النبوية، التي تضمّ النبوءات، أو تنبؤات بالأشياء المستقبلية، وخاصة عن يسوع المسيح

ـ37ـ ما هي كتب الناموس؟

الكتب الخمسة التي كتبها موسى: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية. يسوع المسيح نفسه يعطي هذه الكتب الاسم الشامل ’ناموس موسى’ (أنظر لوقا 44:24)

ـ38ـ على وجه الخصوص، ماذا يرِد في سفر التكوين؟

رواية خلق العالم والإنسان وبعده تاريخ ومراسيم الدين في العصور الأولى للبشرية

ـ39ـ ما الذي يرِد في الكتب الأربعة الأخرى لموسى؟

تاريخ المعتَقَد في زمن النبي موسى، والشريعة المعطاة من الله من خلاله

ـ40ـ أيٌّ هي الكتب التاريخية في العهد القديم؟

كتب يشوع بن نون، القضاة، راعوث، الملوك، الأخبار، كتاب عزرا، وكتاب نحميا وإستير

ـ41ـ أي منها هي العقائدية؟

كتب ايوب والمزامير وكتب سليمان

ـ42ـ أية خصوصية ينبغي أن نلاحظها لكتاب المزامير؟

يحتوي هذا الكتاب، بالإضافة إلى العقيدة، تلميحات لتاريخه والعديد من نبوءات المسيح المخلّص. إنه دليل مثالي للصلاة والمديح، وعلى هذا الأساس يُستخدَم باستمرار في الخدم الكنسية

ـ43ـ ما هي الكتب النبوية؟

كتب الأنبياء: إشعياء، أرميا، حزقيال، دانيال، والاثني عشر الآخرين

ـ44ـ كم هي كتب العهد الجديد؟

سبعٌ وعشرون

ـ45ـ هل من بينها كتب تردّ على الناموس، أو تشكّل أساس العهد الجديد؟

نعم. الإنجيل، الذي يتكوّن من أربعة كتب للإنجيليين متى، مرقس، لوقا، ويوحنا

ـ46ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

هو نفس كلمة Evangely اليونانية، وتعني الخبر الحسن أو البهيج

ـ47ـ ما هو الخبر الحسن في الكتب المسماة الإنجيل؟

إنه الخبر عن ألوهية ربنا يسوع المسيح، عن مجيئه وحياته على الأرض، عن معجزاته وعقيدة الخلاص، وأخيراً عن موته على الصليب، قيامته المجيدة، وصعوده إلى السماء

ـ48ـ لماذا تسمى هذه الكتب الإنجيل؟

لأنه لا يمكن للإنسان أن يكون خبر أفضل أو أكثر بهجة من هذه، عن المخلص الإلهي والخلاص الأبدي. لنفس السبب، قراءة الإنجيل في الكنيسة مسبوقة دائماً ومُرافقة بالإعلان البهِج المجد لك، يا رب المجد لك

ـ49ـ هل بين كتب العهد الجديد كتب تاريخية؟

نعم، واحد: كتاب أعمال الرسل القديسين

ـ50ـ عمَّ يحكي؟

عن نزول الروح القدس على الرسل وتوسّع كنيسة المسيح من خلالهم

ـ51ـ ما هو الرسول؟

كلمة تعني حامل الرسالة. إنه الاسم الذي يطلق على تلاميذ ربنا يسوع المسيح الذين أرسلهم للتبشير بالإنجيل

ـ52ـ ما هي كتب العهد الجديد العقائدية؟

الرسائل السبع العامة: وهي واحدة من الرسول يعقوب، واثنتان من بطرس، وثلاثة من يوحنا وواحدة من يهوذا؛ وأربع عشر رسالة لبولس الرسول: وهي واحدة للرومانيين، واثنتان إلى أهل كورنثوس، وواحدة إلى أهل غلاطية، وواحدة إلى أفسس، وواحدة إلى أهل فيلبي، وواحدة إلى أهل كولوسي، واثنتان إلى أهل تسالونيكي، وواحدة إلى تيموثاوس، وأخرى إلى تيطس، وواحدة إلى فليمون، وواحدة إلى العبرانيين

ـ53ـ أبينَ كتب العهد الجديد كتب نبوية؟

نعم إنه كتاب الرؤيا

ـ54ـ ماذا تعني هذه كلمة الرؤيا؟

إنها من اليونانية Apocalypse

ـ55ـ ما هي محتويات هذا الكتاب؟

تمثيل سري لمستقبل الكنيسة المسيحية، وكل العالم

ـ56ـ ما هي القواعد التي يجب مراعاتها في قراءة الكتاب المقدس؟

أولاً ، يجب أن نقرأه بإخلاص ككلمة الله والصلاة لفهمه بشكل صحيح؛ ثانياً، يجب أن نقرأه برغبة صافية في تعلّم الإيمان، والحثّ على الأعمال الصالحة؛ ثالثًا، يجب علينا أن نفهمه ونقبله بما يتوافق مع تفسير الكنيسة الأرثوذكسية والآباء القديسين

ـ57ـ عندما تقدّم الكنيسة عقيدة الوحي الإلهي والكتاب المقدس للناس لأول مرة، ما هي العلامات التي تقدمها على أنه حقاً كلمة الله؟

العلامات على أنه كلمة الله هي ما يلي:ـ

ـ1ـ سمو العقيدة ما يشهد على استحالة أن يكون اختراعاً بشرياً

ـ2ـ طهارة الإيمان ما يدلّ على أنه من فكر الله الكلي الطهارة

ـ3ـ النبوءات

ـ4ـ المعجزات

ـ5ـ تأثير العقيدة القوي على قلوب الناس بما يتخطى الكلّ ما عدا القوة الإلهية

ـ58ـ كيف تكون النبوءات علامات وحي حقيقي من الله؟

لنأخذ مثلاً : عندما تنبأ النبي أشعياء عن ولادة المخلص المسيح من عذراء، وهي شيء لم يكن ممكناً أن يتخيّله العقل الطبيعي، وعندما ولد ربنا يسوع المسيح بعد هذه النبوة بمئات من السنوات من مريم العذراء الفائقة الطهارة، كان من المستحيل عدم رؤية أن النبوة كانت كلمة الكلي المعرفة، وإتمامها هو عمل الله العظيم. ولهذا السبب أيضًا، يقدم متى الإنجيلي القديس هذه النبوءة عندما يروي عن ميلاد المسيح: “وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا.” (متى 22:1-23)

ـ59ـ ما هي المعجزات؟

أعمال لا يمكن إتمامها بأي قوة أو فن بشري، بل فقط بقوة الله الفائقة: مثلاً إقامة الأموات

ـ60ـ كيف تعمل المعجزات كإشارة إلى أن الكلمة المنطوقة هي من الله؟

من يصنع المعجزات الحقيقية يعمل بقوة الله. وبالتالي فهو من الله ومشارك في الروح الإلهي. لكن هذا الانتماء يعني قول الحقيقة الخالصة فقط؛ وهكذا، عندما يتكلّم مثل هذا الرجل باسم الله، نحن على يقين من أن بفمه يتكلّم حقًا كلمة الله

على هذا الأساس ، يجترح ربنا يسوع المسيح نفسه المعجزات كشهادة قوية على رسالته الإلهية: “الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي.” (يوحنا 36:5)

ـ61ـ أين يمكن أن نرى بشكل خاص التأثير العظيم لعقيدة المسيح؟

من هذا: الرسل الاثنا عشر، المختارين من بين الفقراء والناس غير المتعلمين، من الطبقة الدنيا، تغلبوا بهذا الإيمان وأخضعوا للمسيح الأقوياء والحكماء والأغنياء والملوك وممالكهم

الدين والعلم والتكنولوجيا: منظور أرثوذكسي – 2

الميتروبوليت كاليستوس وير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

الكتاب هو مقابلة أجراها مايكل وكاتينا ميخائيل في اوكسفورد، بريطانيا، في 20 تشرين الأول 2014. بعد تفريغها راجعها الميتروبوليت ووافق على صدورها في كتاب في 18 تشرين الأول 2016. الأسئلة أعدها مايكل ميخائيل وهو استاذ مشارك في قسم الكومبيوتر وتكنولوجيا المعلومات من جامعة وولونغونغ في أوستراليا وحائز على عدد من الشهادات ومن بينها اللاهوت. كاتينا هي زوجته وهي أستاذة في كلية الهندسة في الجامعة نفسها. لكل منهما، كما لهما مجتمعَين، عدد من الكتب والمقالات في عدة حقول

ب. الإبداع والابتكار والتقدم التكنولوجي

كيف يمكننا أن نفهم فكرة أننا مخلوقون على صورة ومثالالله في السعي إلى أعلى مستويات ومسارات التكنولوجيا؟

لا يوجد تفسير وحيد في التقليد المسيحي لما هو المقصود بخلق الإنسان حسب صورة الله ومثاله. لكن النهج الواسع الانتشار، الموجود على سبيل المثال بين العديد من الآباء اليونانيين، هو التمييز بين هذين المصطلحين. تشير الصورة في هذه المقاربة إلى المَلَكات البشرية الأساسية التي تُعطى لنا؛ تلك الأشياء التي تجعلنا مخلوقات بشرية، والقدرات الممنوحة لكل إنسان. الصورة على ما هي عليه، نقطة انطلاقنا، العتاد الأول الممنوح للجميع. ينظر إلى الشبه كنقطة النهاية. المثال يعني أن الإنسان في شركة مع الله، يعيش حياة قداسة. المثال يعني القداسة. الإنسان الحقيقي في هذا النهج هو القديس. فعليه، نحن البشر مسافرون، حجاج، في رحلة من الصورة إلى المثال. يجب أن نفكر في الطبيعة البشرية بعبارات ديناميكية. عنصر النمو أساسي لشخصيتنا. إذن الآن، الصورة تعني أننا نملك قوة التفكير العقلاني، قوة الكلام، التعبير باللغة التي من خلالها يمكننا التواصل مع الآخرين؛ وهذا يعني العقل بالمعنى الأوسع. والأهم من ذلك، أنه يعني أننا بشر ذوو ضمير وشعور بالصواب أو الخطأ، وبأننا نتخذ قرارات أخلاقية. الأهم من ذلك كله هو أن الصورة تعني أننا بشر لدينا وعي بالله وإمكانية الارتباط بالله والدخول في شركة معه من خلال الصلاة. وهذا بالنسبة لي هو المعنى الأساسي للصورة، أننا البشر مخلوقون للتواصل مع الله. هناك اتجاه وتوجّه في إنسانيتنا. نحن لسنا أحرار وحسب. الكائن البشري من دون أي علاقة بالله ليس إنسانًا حقيقيًا. بدون الله نحن مجرد إناس ثانويين. إذاً، الصورة تعطينا القدرة على أن نكون في شركة مع الله، وهذه هي طبيعتنا الحقيقية. لقد خُلقنا للعيش في الصحبة والتواصل مع الله الخالق. لذا فإن الصورة تعني أنك لا تستطيع أن تفكر في البشر ببساطة بمعزل، باعتبارهم مكتفين ذاتياً ومعتمدين على الذات، بل عليك أن تنظر إلى علاقتنا مع الله. عندها فقط سوف تفهم ما هو أن تكون إنساناً

ما هي النقطة التي قد تجعل اللاهوتيين أو الأخلاقيين يعتبرون أننا قد عبرنا الخط من الابتكار المسؤول والبحث العلمي إلى الاستعلائية؟

كلاهوتي مسيحي، لا أرغب في فرض قيود على البحث العلمي، كما من سلطة أعلى. كما ذكرت سابقًا، لقد منحنا الله القدرة على فهم العالم من حولنا. كل الحقيقة تأتي منه. المسيح حاضر في البحث العلمي، حتى لو لم يرد ذكر اسمه. لذلك، أنا لا أسعى بطريقة نظرية لأقول للعالِم: إلى هنا وليس أكثر. على العالِم، باستخدام طرق البحث التي طورها، أن يواصل عمله دون عوائق. لا يمكن للمرء أن يضع حظراً على النظر في أي موضوع. ولكن هنا يرِد السؤال التالي: كيف نطبّق معرفتنا العلمية؟ الإستعلائية تأتي عندما يتجاوز العلماء نظامهم الخاص ويحاولون أن يُملوا علينا كيف نعيش حياتنا. لا تعتمد الأخلاقية على الحقائق العلمية فقط. نحن نأخذ قيمنا، إذا كنا مسيحيين، من إيماننا. العلم الحديث هو تحقيق صادق في الحقيقة. طالما هذا هو الحال، فعلينا أن نقول للعالِم: رجاءً واصل عملك. أنت لا تتحدث عن الله، لكن الله موجود في ما تفعله، سواء أدركتَ ذلك أم لا. يأتي الاستعلاء عندما يعتقد العالِم أنه يستطيع الإجابة على جميع الأسئلة المتعلقة بحياة الإنسان. تأتي العجرفة عندما نعتقد أنه يمكننا ببساطة تطوير تقنيتنا دون التساؤل: هل هذا تطبيق جيد أو سيئ للعلوم؟

هل هناك أي صلة لقصة برج بابل (التكوين 11: 1-9) المعروفة بإشارتها المزدوجة إلى الاستعلاءوالهندسة؟

نعم، هذه طريقة ممتعة للنظر إلى قصة برج بابل. قصة برج بابل هي في الأساس وسيلة لمحاولة فهم سبب كوننا نحن البشر نتحدث العديد من اللغات المختلفة ونجد صعوبة في التواصل مع بعضنا البعض. لكن أساس قصة بابل هو بالضبط الإفراط في الثقة بقوتنا البشرية. في قصة برج بابل، يعتقد الناس أن بإمكانهم بناء برج يمتد من الأرض إلى السماء. يعتقدون أنهم يستطيعون سد الفجوة بين الإنساني والإلهي بقوة الهندسة. وهذا بالضبط هو أن نعزو إلى التكنولوجيا، إلى مَلَكَة الهندسة عندنا، ما هو خارج نطاق التكنولوجيا ويتخطّى الهندسة. بمجرد أن تنتقل من عالم الواقع الفعلي إلى عالم السماء، فأنت تنتقل إلى عالم مختلف حيث لا نعود نعتمد ببساطة على قدراتنا البحثية ولا على أهليّتنا لتطبيق العلم. لهذا، بالضبط، قصة برج بابل هي قصة اعتقاد البشر بأن قوتهم غير محدودة، وبخاصة قوة غير محدودة لتوحيد الأرضي مع السماوي، في حين أن هذه الوحدة لا يمكن أن تأتي إلا من خلال الاعتراف باعتمادنا على الله

إذا كنا نحمل بذرة عبقرية الله الخلاّقة في داخلنا، فلماذا لا نستطيع أو لا ينبغي أن نكتشف ونبتكر، ونذهب إلى آخر ما هو ممكن بشريًا في الابتكار؟

نعم ، نحن نحمل بذرة عبقرية الله الخلاقة في داخلنا، لكن من وجهة النظر المسيحية للعالم نحن البشر مخلوقون ونعيش في عالم ساقط. الآن، كيف يمكن تفسير السقوط في التقاليد المسيحية يمكن أن تختلف، ولكن أساس كل أشكال فهم السقوط هي فكرة أن العالم الذي نعيش فيه قد وقع في الخطأ بطريقة أو بأخرى. هناك تباين مأساوي بين هدف الله ووضعنا الحالي. لذلك، كبشر ساقطين علينا أن نقدّم مشاريعنا لحكم الله. علينا أن نسأل، ليس ما إذا كان هذا ممكنًا وحسب، بل أيضًا ما إذا كان هذا وفقًا لإرادة الله. من الواضح أن هذا ليس مسألة علمية أو تكنولوجية. المسألة ليست ما هو ممكن بل ما هو صحيح. بالطبع، صحيح أن كثيرين لا يؤمنون بالله، وبالتالي لن يقبلوا ما قلته للتو بأنّ هذا العالم ساقط. ومع ذلك، فهم أيضًا، حتى أولئك الذين لا يؤمنون بالله، عليهم التعاطي مع العلم والتكنولوجيا بتطبيق فهمٍ أخلاقي. آمل أن يفعلوا ذلك من خلال التفكير في معنى ما يجب أن يكون عليه الإنسان، وعلى قيمة الشخصانية. وأعتقد أنه في هذا المجال، يستطيع المسيحيون وغير المسيحيين، المؤمنون وغير المؤمنين، إيجاد قدر كبير من الأرضية المشتركة. في الوقت نفسه، لا يمكننا أن نفهم تمامًا حدودنا كبشر ساقطين دون الرجوع إلى إيماننا. لذا فإن التعاون مع غير المؤمن يمتد فقط إلى درجة محدودة معينة

السنة السادسة عشرة، العدد الثالث، كانون الأول 2019

مختارات آبائية / رعائيات / كتاب

القديس غريغوريوس الكبير، الرعاية

الجزء الأول

الفصل الأول: لا يجازفنّ أحد بتعليم أيّ فن إلا إذا كان قد تعلّمه من بعد تفكير عميق

الفصل الثاني: لا ينبغي أن يحمل مهمة الحكم مَن لم يحقق في طريقة عيشه ما تعلمه بالدرس

الفصل الثالث: عبء السلطة. ضرورة تجاهل كل الضيقات والخوف من الرخاء

الفصل الرابع: الانشغال بحكم الآخرين يشتت تركيز الفكر

مختارات آبائية / لاهوت / تربية مسيحية / كتاب

القديس فيلاريت درودزوف بطريرك موسكو، مدخل إلى التعليم الديني الأرثوذكسي

تعليمات أولية

حول الإعلان الإلهي

حول التقليد الشريف والكتاب المقدّس

حياة روحية / رعائيات / لاهوت / كتاب

الميتروبوليت كاليستوس وير، الدين والعلم والتكنولوجيا: منظور أرثوذكسي

الجزء الأول: الدين والعلم والتكنولوجيا

الرعاية

القديس غريغوريوس الكبير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

كتاب الرعاية (المعروف باللاتينيةLiber Regulae Pastoralis ) هو أحد أعمال القديس غريغوريوس الكبير الأكثر شهرة. الكتاب عبارة عن رسالة تضمّ عرضاً من أربعة أجزاء يقدم فيها إرشادات جوهرية للكهنة والأساقفة حول كيفية رعاية كنائسهم إنجيلياً وبحكمة وكيفية تدبير حياتهم أخلاقياً. في هذه الرسالة يقدم القديس غريغوريوس رأيه حول مؤهلات الراعي الجيد ومواقفه وخياراته وأنشطته، إذ بحسب تعبيره ، الكهنة هم “أطباء القلب”ـ

الجزء الأول

من غريغوريوس إلى أخيه الجزيل الوقار الأسقف يوحنا

أيها الأخ العزيز، أنت توبّخني باحترام لطيف ومتواضع لأني رغبت بالهرب من أعباء الرعاية بالتخفّي. الآن، خشية أن تظهر هذه الأعباء خفيفة للبعض، أشرح لك، بكتابتي هذا الكتاب، كم أراها مرهِقة، حتى أن مَن لا يملكها لا يسعى بشكل أحمق للحصول عليها، ومَن كان متهوراً للبحث عنها يشعر بالفهم عند حصوله عليها

ينقسم الكتاب إلى اربعة مقالات منفصلة، حتى تصل رسالته إلى فكر القارئ بطريقة منتظمة، خطوة خطوة. إن طبيعة الحالة تتطلب أن المعالجة المتأنية لطريقة مقاربة موقع الناموس الأعلى، وعند بلوغه عن جدارة، كيف ينبغي العيش فيه؛ كيف ينبغي تعليم الآخرين بحياة الاستقامة؛ وكيف تكون الممارسة الملائمة لوظيفة التعليم، وبأي يقظة ينبغي إدراك الضعفات الشخصية في كل يوم. كل هذا ينبغي مناقشته خشية أن ينقص التواضع عند تسلّم السدّة، إذ تتغير طريقة العيش عند قبول الرتبة، والتعليم يعرّي حياة النزاهة، والاختيال يغالي في تقدير التعليم

لهذا السبب، قبل أي أمر آخر، ينبغي أن يلطّف الخوفُ الرغبةَ بالسلطة، وعندما يبلغ إلى هذا الموقع مَن لم يطلبه، فلتزكِّه طريقة حياته. من ثم أيضاً، من الضروري أن تُذاع النزاهة التي تظهِرها طريقة عيش الراعي بالكلمة المحكية. وأخيراً، علي أن أضيف أن اعتبار ضعفنا الذاتي ينبغي أن يغضّ من كل عمل ننجزه، كي لا يفرغه انتفاخ الكبرياء من قيمته في عيني القاضي المتخفي

ولكن لأن هناك الكثيرين ممن تنقصهم الخبرة مثلي وهم لا يعرفون كيف يقيسون قدرتهم، وهم يشتهون أن يعلّموا ما لم يتعلّموه، وهم يقدّرون حِمل السُلطة بطريقة خفيفة تتناسب مع جهلهم للمسؤولية البعيدة المدى، فليكن لهم التبكيت عند بداية هذا الكتاب. إذ في افتقادهم للتدريب وضبط النفس يطلبون أن يبلغوا كرامة المعلّم فعليهم أن يرتدعوا عن المغامرة الرعناء على عتبة خطابنا هذا

الفصل الأول: لا يجازفنّ أحد بتعليم أيّ فنّ إلا إذا كان قد تعلّمه من بعد تفكير عميق

بأي تهور إذاً يضطلع غير الكفوء بالخدمة الرعائية، وقد رأى أن إدارة النفوس هي فن الفنون. إذ مَن هو الذي لا يدرك أن جراح الفكر هي أكثر تخفياً من جراح الجسد الداخلية؟ إلى هذا، بالرغم من أن أولئك الذين لا معرفة عندهم بقدرة العقاقير يترددون في إعطاء ذواتهم صفة أطباء الجسد، إلا إن أناساً يجهلون تماماً الأصول الروحية، لكنهم غالباً لا يخشون من إعلان أنفسهم أطباء للقلب، وعليه بأمر إلهي، أولئك الذين هم الآن في أعلى المراكز التي تتيح لهم إظهار الاحترام للدين، بعضهم يسعى إلى المجد والاحترام من خلال التظهير الخارجي للسلطة في الكنيسة المقدسة. إنهم يتعطشون إلى الظهور كمعلمين ويحرصون على التسلط على الآخرين، وكما تشهد الحقيقة: يُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الأَوَّلَ فِي الْوَلاَئِمِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ (متى 6:23)

هؤلاء الأشخاص هم قطعاً غير مستحقين للقيام بجدارة بما يتعهدون به، أي مهمة الرعاية، لأنهم بلغوا الالتزام بالتواضع بالادعاء فقط؛ إذ، يظهر جلياً أن في هذا الالتزام، ما يزوّده اللسان هو الرطانة الخالصة عندما يتمّ تعلّم أمر فيما قد عُلِّم عكسه. ضد هؤلاء ومَن يشبههم يشتكي الرب بلسان النبي: هُمْ أَقَامُوا مُلُوكًا وَلَيْسَ مِنِّي. أَقَامُوا رُؤَسَاءَ وَأَنَا لَمْ أَعْرِفْ (هوشع 4:8). إنهم يحكمون بانتفاخهم الذاتي وليس بإرادة الحاكم العليّ؛ إنهم لا يتأيدون بالفضائل ولا هم مَدعوون إلهياً، بل هم متحرّقون بجشعهم، يستولون على السلطة العليا بدلاً من تحقيقها

مع هذا فإن القاضي الداخلي يتقدم ويهملهم في آن واحد، لأن الذين يحتملهم بألم، هو يهملهم بحكم إدانتهم. لهذا، هو يقول حتى لبعض الذين يأتون إليه وقد اجترحوا معجزات: اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ! إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! (متى 23:7). إن عدم صلاحية الرعاة هذه يوبخها صوت الحق بلسان النبي: هُمْ رُعَاةٌ لاَ يَعْرِفُونَ الْفَهْمَ (إشعياء 11:56). وأيضاً الرب يشجبهم بقوله: أَهْلُ الشَّرِيعَةِ لَمْ يَعْرِفُونِي (إرمياء 8:2). لهذا، الحق يشتكي لكونه غير معروف عندهم، ويحتجّ لأنه لا يعرف صف الرؤساء الأعلى الذين لا يعرفونه، لأن مَن لا يعرف الأمور التي للرب ينبذه الرب، كما يقول بولس: وَلكِنْ إِنْ يَجْهَلْ أَحَدٌ، فَلْيُجْهَلْ! (1كورنثوس 38:14)

إن عدم صلاحية الرعاة هذه في الحقيقة غالباً ما تتفق مع صحارى الخاضعين لهم. فإن كانوا هم ليس عندهم نور المعرفة بسبب خطئهم نفسه، فإن تابعيهم، بسبب حكم حازم، أيضاً يتخبّطون بجهلهم

لهذا السبب، فإن الحق بشخصه يقول في الإنجيل: هَلْ يَقْدِرُ أَعْمَى أَنْ يَقُودَ أَعْمَى؟ أَمَا يَسْقُطُ الاثْنَانِ فِي حُفْرَةٍ؟ (لوقا 39:6). وبالتالي، فإن كاتب المزامير في كونه نبياً، لا كتعبير عن أمنية، يقول: لِتُظْلِمْ عُيُونُهُمْ عَنِ الْبَصَرِ، وَقَلْقِلْ مُتُونَهُمْ دَائِمًا (مزمور 23:69). فهؤلاء الأشخاص هو العيون الموضوعة في واجهة الكرامة العليا، وقد تعهدوا مسؤولية إظهار الطريق، بينما تابعوهم والمتعلقون بهم فهم المُتون. فعندما تكون العيون معماة يكون المتن منحنياً، إذ عندما يخسر المتقدمون نور المعرفة فعلى الأكيد ينحني التابعون من حَمل ثقل خطاياهم

الفصل الثاني: لا ينبغي أن يحمل مهمة الحكم مَن لم يحقق في طريقة عيشه ما تعلمه بالدرس

إلى هذا، هناك مَن يستقرئون الأصول الروحية باجتهاد حصيف، لكنهم في الحياة يسلكون دائسين على ما استحوذوا عليه بفهمهم. إنهم يهرعون إلى تعليم ما قد تعلّموه، لكن لا بالممارسة، فيدحضون بسلوكهم ما علّموه بالكلمات. بِالنّتِيجَة، عندما يسير الراعي عبر أماكن منحدرة، يبلغ القطيعُ الذي يتبعه الجرفَ. لهذا، يتشكّى الرب بلسان النبي من معرفة الرعاة التافهة بقوله: أنْ تَشْرَبُوا مِنَ الْمِيَاهِ الْعَمِيقَةِ، وَالْبَقِيَّةُ تُكَدِّرُونَهَا بِأَقْدَامِكُمْ؟ وَغَنَمِي تَرْعَى مِنْ دَوْسِ أَقْدَامِكُمْ، وَتَشْرَبُ مِنْ كَدَرِ أَرْجُلِكُمْ! (حزقيال 18:34). الواضح هو أن شرب الرعاة الماء الأكثر صفاءً يكون حين يمزّون بالفهم المناسب جداول الحق، بينما أن يعكروا الماء بأقدامهم هو حين يشوّهون دراسات التأمل المقدس بحياة شريرة

بالطبع، الخراف تشرب الماء التي عكّرتها هذه الأقدام، عندما لا تتبع الرعايا التوجيه الذي تسمعه، بل فقط تقتفي أثر الأمثلة الشريرة التي تراها. في وقتِ هم متعطشون لما يسمعون إلا أنهم يُضلَّلون بما يجري، فهم يمتصّون الوحل مع ما يتجرعون وكأنهم قد شربوا من ينابيع مياه ملوثة. بالنتيجة، هذا أيضاً كتبه النبي: الكهنة الفاسدون هم فخ خراب لشعبي (أنظر هوشع 1:5 و8:9)

وأيضاً يقول الرب بالنبي عن الكهنة: كَانُوا مَعْثَرَةَ إِثْمٍ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ (حزقيال 12:44). إذ ما من أحد يسبب الأذى للكنيسة مثل ذاك الذي يتصرّف بشكل شرير بعد أن أحرز لقب قداسة أو درجة قداسة. ما من أحد يحتمل أن ينفّذ هذا الإثم، أو أن يجعل الجرم ذا النتائج البعيدة المدى مثالاً، في حين أن الخاطئ يُشرَّف احتراماً لرتبته. لكن كل مَن لا يستحق سوف يهرب من حمل هذا الذنب العظيم إذا أصغى بأذُن القلب المنتبهة إلى ذاك القول: مَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ (متى 6:18). يرمز حجر الرحى إلى دورة الحياة العالمية المتعِبة ولجة البحر ترمز إلى الدينونة الأخيرة. لهذا، إذا حطّم رجل من لابسي مظهر القداسة الآخرين بالكلمة أو المثال، فمن المؤكد أن الأفضل له لو أن أعماله الأرضية التي قام بها بغطاء دنيوي تضغط عليه حتى الموت، في حين أن رتبته المقدسة قد جعلتها قدوة خاطئة للآخرين؛ فعلى الأكيد عقاب جهنم كان أقل ضراوة عليه لو أنّه سقط بمفرده

الفصل الثالث: عبء السلطة. وجوب تجاهل كل الضيقات والخوف من الرخاء

لقد قلنا الكثير لنظهِر كم هو عظيم عبء السلطة، خوفاً من أن مَن لا يستحقها يدنّس هذه السدّة المقدسة، وباشتهائه المقام يأخذ على عاتقه رفعة شأنٍ تقود إلى الهلاك. لهذا السبب، وباهتمام أبوي يكرر يعقوب هذا النهي: تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي (يعقوب 1:3). لهذا السبب، حتّى الوسيط بين الله والإنسان، وهو الفائق المعرفة والفهم حتى على الأرواح السماوية والذي يسود في السماء منذ الأزل، رفض أن يكون له مملكة أرضية. فقد كُتب: وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ (يوحنا 15:6). ومَن يقدر أن يمارس سلطاناً أسمى على البشر بشكل خالٍ من الإثم كمثلِ مَن سلطانُه هو على رعايا خَلَقَها بنفسه؟

ولكن كونه أتى بالجسد ليس ليفتدينا بآلامه وحسب بل ليعلّمنا بحياته مقدماً مثالاً للذين يتبعونه، فلم يأتِ كملك بل هو مضى طوعياً ليُعلَّق على الصليب. لقد ترك المجد المُعطى له واختار ألم الميتة المخزية، حتى أن أعضاءه يتعلّمون أن يهربوا من ملذات هذا العالم لا أن يخافوا أهواله، أن يحبوا الضيق من أجل الحق، أن يحجموا عن الرخاء لأنه يستبيح القلب بالمجد الباطل، بينما الضيق يطهّره بالألم. في الأول يصير الفكر مزهواً؛ في الآخر حتى ولو صار مزهواً أحياناً فهو يواضع نفسه. في الواحد ينسى المرء مَن يكون وفي الآخر يُستَرجَع، حتى ولو قسراً وبحكم الظروف، إلى تذكّر مَن يكون. في الواحد، حتى أعماله السابقة الحسنة تتحوّل إلى لا شيء، في الآخر، تُمحى الأخطاء، حتى الطويلة الزمان منها. إنها لَخبرة مشتركة أن في مدرسة الضيقات يُجبَر القلب على تهذيب نفسه؛ أما عندما يبلغ الرجل السيادة العليا فهو يتغيّر على حين غرة وينتفخ بخبرة موقعه الرفيع

فهكذا شاول عندما أدرك بالبداية عدم استحقاقه هرب من شرف المنصب، لكنه عاد وتسلّمه، وانتفخ من الغرور (أنظر 1ملوك 21:10-23). باشتهائه الإكرام أمام الشعب، وتمنّيه ألا يُلام أمامهم، أبعد ذاك الذي مسحه ملكاً (أنظر أيضاً 1ملوك 30:15، 35). وأيضاً داود، الذي كان مرضياً بكل أعماله لحكم ذاك الذي اختاره، ما لبث أن اندفع إلى الكبرياء الجارحة، بعد أن صار عبء التزاماته على عاتقه، وأظهر ذاته قاسياً وحشياً في قتله رجل، كونه كان متهتكاً بضعف في اشتهائه امرأة (أنظر 2 ملوك 2:11). والذي عرف كيف يرثي للأشرار تعلّم بعد ذلك أن يلهث، من دون تأخير أو تردد، نحو قتل حتّى الصالح. في الحقيقة، في البداية لم يكن موافقاً على إسقاط مضطهده الأسير بين يديه، لكن لاحقاً بعد أن خسر جيشه المنهَك، قتل حتّى جنديَّه المخلص. ذنبه في الحقيقة أخرجه بعيداً من عِداد المختارين، لولا أن جلده بالسياط أعاده إلى الصفح

الفصل الرابع: الانشغال بحكم الآخرين يشتت تركيز الفكر

غالباً ما يحدث أنه عندما يحمل رجل عبءَ الحكم، أن قلبه ينشغل بأمور مختلفة، ويصير فكره موزّعاً على اهتمامات كثيرة ويصير مشوشاً، ويجد نفسه غير ملائم لأيّ منها. لهذا السبب يعطي أحد الحكماء تحذيراً متحفظاً بقوله: يَا بُنَيَّ، لاَ تَتَشَاغَلْ بِأَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ (ابن سيراخ 10:11)، إذ بالحقيقة لا يستطيع العقل أن يركّز على متابعة أي أمر عندما يكون موزّعاً على الكثير من الأمور. عندما يسمح لنفسه بالتجول في الخارج بسبب الاهتمامات المتطفلة عليه، فإنه يفرغ نفسه من احترام النفس الثابت. إنه يشغل نفسه بوضع الأمور الخارجية في الترتيب، وفي إهماله لذاته فقط، يعرف كيف يفكّر بالعديد من الأمور من دون معرفة نفسه ذاتها. إذ عندما يشغل نفسه أكثر من الضروري بما هو خارجي، يصير كمَن ينشغل برحلة لكنه ينسى مقصده؛ فينتج عن ذلك أنه يتغرّب عن امتحان النفس إلى درجة أن يجهل الأذى الذي يعاني منه، أو أن يعي الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها. حزقيا، على سبيل المثال، لم يدرك أنه كان يخطأ عندما عَرَض بيت ذخائره وأطيابه للغرباء الذين أتوا إليه، وبالتالي حلّ عليه غضب القاضي، ولعنة نسله، بسبب ما اعتقد أنه عَمِله بشكل شرعي (2ملوك 12:20-18)

غالباً، عندما يتوفر الكثير من الموارد، وتُنجزَ الأمور التي تجلّها الرعايا لمجرد إنجازها، يرتفع الإدراك بالأفكار، ويتحرّك غضب القاضي الكامل بالرغم من عدم ارتكاب أي عمل سافر. ذاك لأن مَن يقضي هو في الداخل وما يُحكَم عليه أيضاً في الداخل. لذلك، عندما نخالف في القلب لا يعلم الناس ما نحن فيه، لكن القاضي هو شاهد على خطيئتنا. ملك بابل، على سبيل المثال، لم يكن خطؤه الغرور وحسب حين جاء ليلقي كلمات متعجرفة، إذ إنه سمع من فم النبي التوبيخ قبل أن يطلق العنان لغروره (أنظر دانيال 21:4-24). لقد كان قد طهر نفسه من خطيئة الغرور عند إعلانه للشعوب الخاضعة له الإله القدير الذي هو أسخطه (أنظر دانيال 95:3-100). من بعد هذا، مبتهجاً بنجاح قوته ومسروراً بإنجازاته العظيمة، فضّل في زهوه نفسه أولاً على كل الباقين، ومن ثمّ منتفخاً من التفاخر قال: أَلَيْسَتْ هذِهِ بَابِلَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا لِبَيْتِ الْمُلْكِ بِقُوَّةِ اقْتِدَارِي، وَلِجَلاَلِ مَجْدِي؟ (دانيال 30:4). هذا الكلام قوبل علناً بعقاب غاضب أججه غروره الخفي

فالقاضي الصارم يرى أولاً بشكل غير منظور ما يوبخه لاحقاً بالعقوبة المعلَنة. ولهذا أيضاً، حوّله القاضي إلى حيوان غير عاقل، عزله عن المجتمع البشري، وربطه بوحوش الحقل مجرداً من فكره الصحيح حتى بحكم صارم وعادل وبشكل جلي يخسر منزلته كرجل، وهو الذي قدّر نفسه فوق كل البشر

لذلك، عندما نعرض هذه الأمثلة، فليس لتقبيح الرتبة نفسها، ولكن لتحصين القلب الضعيف ضد الطمع. لن يكون لدينا إلا الفائق التأهّل لهذه الرتبة، للمغامرة لانتزاع الحكم الأعلى، ولن يكون لدينا رجال يتعثرون على أرض واضحة، فيما يتطلعون لوضع أقدامهم على الهاوية

يتبع

التعليم الديني المطوّل

لكنيسة الله الشرقية الأرثوذكسية الجامعة

المعروف أيضاً بتعليم

القديس فيلاريت درودزوف موسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا التعليم راجعه وأقرّه المجمع المقدس (الروسي) ونشره ليتمّ استعماله للتعليم في المدارس كما ولكل المسيحيين الأرثوذكسيين (موسكو، المطبعة المجمعية، 1830)

مدخل إلى التعليم الديني الأرثوذكسي

تعليمات أولية

ـ1ـ ما هو التعليم الديني الأرثوذكسي؟

التعليم الديني الأرثوذكسي هو تعليم عن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي، ينبغي تعليمه لكل مسيحي، لتأهيله لأن يرضي الرب ويخلّص نفسه

ـ2ـ ما معنى كلمة تعليم ديني (Catechism)؟

إنها كلمة يونانية ، تعني التعليم، أو التوجيه الشفهي، وقد كانت قيد الاستعمال منذ زمان الرسل للإشارة إلى أن التعليم الأساسي في الإيمان الأرثوذكسي ضروري لكل مسيحي (لوقا 4:1، أعمال 25:18)

ـ3ـ ما هو الضروري لإرضاء الله وخلاص النفس؟

في المقام الأول، معرفة الإله الحقيقي والإيمان الصحيح به؛ في المقام الثاني، حياةٌ وفقًا للإيمان، وأعمال صالحة

ـ4ـ لماذا الإيمان ضروري في المقام الأول؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، من دون الإيمان يستحيل إرضاء الله (عبرانيين 6:6)

ـ5ـ لماذا يجب أن تكون الحياة وفقًا للإيمان، والأعمال الصالحة منفصلة عن هذا الإيمان؟

لأنه، كما تشهد الكلمة الإلهية، فإن الإيمان بدون أعمال ميت (يعقوب 20:2)

ـ6ـ ما هو الإيمان؟

بحسب تعريف القديس بولس، الإيمان هو الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى (عبرانيين 1:11) ؛ وهذا يعني، الثقة في الغيب كما لو كان قد شوهد، بينما الثقة في ما يؤمل وينتظر كما لو كان حاضرًا

ـ7ـ ما هو الفرق بين المعرفة والإيمان؟

تعمل المعرفة على أشياء مرئية ومفهومة. الإيمان يعمل على الأشياء غير المرئية وحتى غير المفهومة. تستند المعرفة إلى الخبرة وإلى فحص موضوعها؛ لكن يستند الإيمان إلى تصديق شهادة الحقيقة. المعرفة تنتمي بشكل صحيح إلى العقل، رغم أنها قد تعمل أيضًا على القلب؛ ينتمي الإيمان أساسًا إلى القلب، على الرغم من أنه ينتقل عبر العقل

ـ8ـ لماذا الإيمان ضروري للتعليم الديني وليس المعرفة فقط؟

لأن الهدف الرئيسي من هذا التعليم هو أن الله غير مرئي وغير مفهوم، وأن حكمة الله مخبأة في لغز؛ وبالتالي، أجزاء كثيرة من هذا التعليم لا يمكن قبولها بالمعرفة، ولكن قد يتم تلقيها بالإيمان. الإيمان، كما يقول القديس كيرلس الأورشليمي، هو العين التي تنير ضمير كل إنسان؛ إنه يعطي الرجل المعرفة. لأنه، كما يقول النبي، إذا لم تصدقوا فلن تفهموا (إشعياء 9:7)

ـ9ـ هل يمكن الاستفاضة في توضيح ضرورة الإيمان؟

القديس كيرلس يوضح ذلك: الإيمان ليس شيئًا عظيمًا فقط بيننا نحن الذين سمعوا باسم المسيح؛ لكن كل شيء يجري في العالم، حتى من البشر الذين لا صلة لهم بالكنيسة، يتمّ بالإيمان. الزراعة تأسست على الإيمان. لأن من لا يؤمن بأن عليه أن يجمع من ثمار الأرض لا يأخذ على عاتقه أعمال الزراعة. البحارة يقودهم الإيمان عندما يسلّمون مصيرهم إلى لوح طفيف، ويفضّلون المياه غير المستقرة على الأرض الأكثر استقرارًا. إنهم لا يسلّمون أنفسهم لتوقعات غامضة، ولا يحتفظون لأنفسهم إلا بالإيمان الذي يثقون به أكثر من أي مرساة. (العظة الخامسة)

حول الإعلان الإلهي

ـ10ـ من أين تُستمّد عقيدة الإيمان الأرثوذكسي؟

من الإعلان الإلهي

ـ11ـ ماذا يُقصَد بعبارة الإعلان الإلهي؟

هي ما أعلنه الله بذاته للبشر، لكي يؤمنوا به عن حق وللخلاص ولكي يمجّدوه كما يليق

ـ12ـ هل أعطى الله هذا الإعلان لكل البشر؟

لقد أعطاه للجميع، لكونه ضروري للجميع على السواء وقادر على جلب الخلاص للجميع. لكن، لكون البشر ليسوا جميعاً مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله، فقد اعتمد على أشخاص محددين كمذيعين لإعلانه، ليبلّغوه إلى كل الذين يرغبون بتلقّيه

ـ13ـ لماذا ليس جميع البشر مؤهّلين لتلقّي الإعلان مباشرة من الله؟

بسبب تلوثهم الآثم وضعفهم في الجسد والنفس معاً

ـ14ـ مَن هم مذيعو الإعلان الإلهي؟

آدم، نوح، موسى وغيرهم من الأنبياء تلقّوا وكرزوا ببدايات الإعلان الإلهي؛ لكن ابن الله المتجسّد، ربنا يسوع المسيح، هو مَن أنزل الإعلان إلى الأرض بملئه وكماله، ونشرَه في كل العالم بتلاميذه ورسله

يقول الرسول بولس في بداية الرسالة إلى العبرانيين: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ”(عبرانيين1:1-2)

والرسول نفسه يكتب ما يلي في الرسالة إلى الكورنثيين: ” بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ… فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. (1كورنثوس 7:2-8، 10).

ويكتب الإنجيلي يوحنا في إنجيله: ” اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (18:1)

ويسوع المسيح نفسه يقول: ” كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.” (متى 27:11)

ـ15ـ ألا يستطيع الإنسان من ثمّ أن يمتلك أي معرفة لله من دون إعلان خاص منه؟

قد يحصّل الإنسان بعض المعرفة لله من معاينة الأشياء التي خلقها لكن هذه المعرفة غير كاملة ولا كافية ولا يمكن أن تخدم إلا للتهيئة للإيمان، أو كمساعدة نحو معرفة الله من إعلانه

“لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.” (رومية 20:1)

“وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ.” (أعمال 26:17-28)

في ما يتعلّق بالإيمان بالله، فيسبقه فكرة أن الله كائن، وهي فكرة نكوّنها من الأشياء المخلوقة. عند دراسة خلق العالم بِانْتِباه، ندرك أن الله حكيم وقوي وصالح؛ كما أننا ندرك أيضًاً صفاته غير المرئية. عِبر هذه الوسائل، نُقاد إلى الاعتراف به على أنه الحاكم العليّ. إذ نرى أن الله هو خالق العالم كله، ونحن جزء من العالم، فهذا يعني أن الله هو خالقنا أيضًا. على هذه المعرفة يتبع الإيمان، وعلى الإيمان العبادة. (القديس باسيليوس الكبير، الرسالة 232)

حول التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ16ـ كيف ينتشر الإعلان الإلهي بين البشر ويُحفَظ في الكنيسة الحقيقية؟

عبر قناتين: التقليد الشريف والكتاب المقدّس

ـ17ـ ماذا يُقصد بالتقليد الشريف؟

إن التقليد الشريف هو إسم يشير إلى عقيدة الإيمان، ناموس الله، الأسرار، والطقوس كما تسلّمها المؤمنون الحقيقيون ومتعبّدو الله بالكلمة والمثال الواحد من الآخر، ومن جيل إلى جيل

ـ18ـ هل يوجد أي مستودع للتقليد الشريف؟

إن المؤمنين جميعاً متّحدين في تقليد الإيمان الشريف، جمعياً وبالتتابع، بمشيثئة الله يؤلّفون الكنيسة، وهي المستودع الأكيد للتقليد الشريف أو كما يعبّر القديس بولس “كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ.” (1 تيموثاوس 15:3)

وهكذا يكتب القديس إيرينايوس: يجب ألا نطلب الحقيقة من بين أمور أخرى نطلبها من الكنيسة؛ لأن فيها، كما في خزانة كنز غني، وضع الرسل في ملئها كلّ ما يتعلق بالحقيقة، حتى كل مَن يسعى يتمكن من الحصول منها على طعام الحياة. إنها باب الحياة

(ضد الهراطقة، lib. iii. c. 4.)

ـ19ـ ما الذي نسمّيه الكتاب المقدس؟

بعض الكتب المكتوبة بالروح القدس عبر البشر المتقدّسين بالله، المسمّين أنبياء ورسل. هذه الكتب تُسمّى على نحو مشترك الإنجيل

ـ20ـ ماذا تعني كلمة إنجيل؟

إنها كلمة يونانية، وتعني الكتب. يشير الاسم إلى الكتب المقدسة تستحق الاهتمام أكثر من غيرها

ـ21ـ أيّ هو الأقدم: التقليد الشريف أو الكتاب المقدس؟

أقدم وأول وسيلة لنشر الإعلان الإلهي هو التقليد الشريف. منذ آدم إلى موسى لم يكن هناك كتب مقدسة. ربنا يسوع المسيح نفسه أوصَل عقيدته الإلهية ووصاياه إلى رسله بالكلمة والمثال، وليس بالكتابة. الطريقة نفسها اتّبعها الرسل الذين في البداية نشروا الإيمان في كل اتجاه وأسسوا كنيسة المسيح. ضرورة التقليد تتضح أكثر من هنا، حيث لا يمكن إتاحة الكتب إلا لجزء صغير من الجنس البشري، ولكن التقليد هو للجميع

ـ22ـ لماذا إذاً ومتى أعطي الكتاب المقدس؟

لهذه الغاية، حتى يُحفَظ الإعلان الإلهي وبشكل دقيق وثابت. في الكتاب المقدس نقرأ كلمات الأنبياء والرسل بشكل دقيق وكأننا عشنا معهم وسمعناهم، مع أن آخر الكتب الكقدسة كُتِب قبل ألف وعدة مئات من زمننا

ـ23ـ أعلينا أن نتبع التقليد الشريف حتى ولو عندنا الكتاب المقدس؟

علينا أن نتبع التقليد الشريف الذي يتوافق مع الإعلان الإلهي والكتاب المقدس، كما علّمنا إياه الكتاب المقدس. يكتب الرسول بولس: “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا (2تسالونيكي 15:2)

ـ24ـ لمَ التقليد ضروري حتّى إلى اليوم؟

كمرشد إلى الفهم الصحيح للكتاب المقدس، للخدمة الصحيحة للطقوس، وللحفاظ على الطقوس المقدسة والخِدَم في نقاوة تأسيسها الأصيلة

عن هذا يتحدّث القديس باسيليوس الكبير: “بعض العقائد والوصايا التي تحتفظ بها الكنيسة موجودة لدينا كتعليمات مكتوبة. لكن البعض تلقيناه من التقليد الرسولي، عن طريق التسلسل سرياً. فلكلٍّ من الأول والثاني نفس القوة في التقوى، وهذا لا يعارضه كلّ مَن كان لديه معرفة قليلة جدًا بفرائض الكنيسة؛ لأننا إن كنا نتجرأ على رفض العادات غير المكتوبة، كما لو أنها ليست ذات أهمية كبيرة، فكأننا بلا إكتراث نقبّح الإنجيل، حتى في أهم النقاط، أو بالأحرى نجعل تعليم الرسل مجرّد اسم فارغ. فلنذكر أولاً، على سبيل المثال، العادة الأكثر شيوعًا لدى المسيحيين الأوائل، وهي أن على الذين يؤمنون باسم ربنا يسوع المسيح أن يميزوا أنفسهم بعلامة الصليب: مَن الذي علم هذا بالكتابة؟ التوجّه نحو الشرق في الصلاة، أي كتاب عندنا يقول ذلك؟ كلمات استدعاء الروح القدس لتحوّل الخبز في القداس ولكأس البركة، مَن من القديسين ترك لنا هذا كتابةً؟ وكأننا غير راضين عن تلك الكلمات التي سجلها الرسول أو الإنجيل، ولكن قبل وبعدها نتلو صلوات أخرى أيضًا، نعتبر أنها ذات قوة كبيرة للسر، مع أننا تلقيناها من التعليم غير المكتوب. استناداً على المنوال نفسه، إلى أي كتاب مقدّس نحن نبارك الماء للمعمودية، والزيت للمسحة، والشخص المعتمد نفسه؟ أليس استناداً إلى تقليد صامت وسرّي؟ ماذا أكثر من ذلك؟ إن ممارسة مسحة الزيت نفسها، أي كلمة مكتوبة عندنا عنها؟ من أين أتى قانون التغطيس ثلاثاً؟ وما تبقى من طقوس المعمودية وطرد الشيطان وملائكته؟ من أي كتاب مقدس مأخوذة هذه؟ أليست كلها من هذا التعليم الخاص وغير المنشور الذي حفظه الآباء بعيداً عن الفضول والبحث المدنِّس، كوننا تعلمنا أولاً الحفاظ على قداسة الأسرار بصمت؟ فكيف كان من المناسب نشر عقيدة هذه الأمور كتابةً، والتي قد لا يطّلع عليها غير المعتمدين؟ 

يتبع