الختن آتٍ كمحبٍ مجنون ليخلّص خليقته

الختن آتٍ كمحبٍ مجنون ليخلّص خليقته

إغناطيوس، مطران ديمتريادوس وألميروس

نقلها إلى العربية كمال كدر

آبائي وإخوتي المحبوبين، أبنائي المحبوبين بالمسيح

بعد أن أكملنا حلبة الصوم الكبير، قد وصلنا بنعمة الله إلى بداية النهاية أي الأسبوع العظيم المقدس.

طوال فترة الأربعين يوماً هذه، علمّتنا كنيستنا وأعدّتنا من خلال الخدم المقدسة المليئة بالتراتيل والقراءات الرائعة لهذه الرحلة المقدسة خلال الأسبوع العظيم، والذي يدعونا لنتبع المسيحَ الختنَ إلى آلامه الموقّرة وإلى قيامته الحاملة النور.

رغبة في أن أكون معكم في كل مرحلة من هذه الرحلة، إذ إن الأسقف لا يُفصل أبداً عن أبنائه الروحيين، أردتُ أن أشاطركم بعض الأفكار الأبوية البسيطة لتساعدنا جميعا في أن نحسّ بشكل أعمق معنى الأسبوع المقدس، إذ إننا نحمل اسم المسيح، وكيف يمكننا أن نعيش أكثر وعياً وأكثر قرباً من خَتَن الكنيسة، نحن أبناء الكنيسة بالأساس وبشكل رسمي؟

قد قيل سابقاً أن الأسبوع العظيم هو رحلة، وعظمة هذه الرحلة لا تقاس بمدى أيامها وساعاتها، بل بما يحدث فيها. لقد ضاق الوقت وأصبح مضغوطاً بشكل لا يسمح باستيعاب أعظم اللحظات الصادمة التي قد تعرفها البشرية.

خلال هذه الرحلة، وخطوة بعد خطوة، سوف نقترب ونكتشف ونأتي لمعرفة إلهنا المحبّ الذي جاء إلينا. لقد جاء كعاشق مجنون إلى ظلام خطيئتنا وارتدادنا، ليقدّم نفسه لخليقته. إنّه يدعو نفسه الختن، ويؤكد أن الحب الأعظم هو أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لِأَجْلِ أَحِبَّائِه” (يوحنا 15:13).

يأتي العريس، ليس فقط الآن وخلال الأحداث الكبرى التي سوف نشهدها في هذه الأيام المقدسة، لكن دائماً في الماضي والحاضر وفي مستقبلنا أيضاً. هذه المسيرة والحركة المستمرّة نحونا هي العشق الإلهي للبشرية، الذي ربّاه الابن قبل كل الدهور، والذي سوف يغذّيه باستمرار طوال العصور الآتية.

إنه كختن يدعو الجميع إلى اتحاد جوهري معه، اتحادٍ لا يقتصر على انفعال عاطفي عابر وسطحي كالذي نجده في هذه الأيام، بل في خبرة عميقة تتحقق طوال حياتنا. والسؤال: كيف سنستجيب لهذه الدعوة؟

ما يطلبه المسيح منا عبر الكنيسة هو دوام وأصالة شعورنا تجاهه، أن نكره الخطيئة ونجاهد بوعي وجدية ضدها، أن نميت ذهنيتنا الدنيوية واهتماماتها، أن نحاول جاهدين اقتناء التقوى والإخلاص والمحبة، والمحبة الأخوية، وكل الفضائل التي تنبع من الآلام الطوعيةلمخلصنا يسوع المسيح.

ها هوذا الختن يأتي في نصف الليل، يأتي مزيّناً بتألق بتواضعه الشديد للغاية الفريدة التي يجب أن تحدث في العالم. إنه يتقدم إلى وليمة العرس، إلى اعتقاله ومعاناته وموته. ومع ذلك، كلنا مدعوون منه، ليس لنتذكر ونشعر ببعض العواطف، لكن بتفاصيل الكنيسة في حياتنا، من الآن فصاعداً إلى أن نسافر ونُصلب معهمتيقظين وساهرين تماماً مثل العشاق الذين طوال الليل يتأمّلون في قلوبهم بمَن يحبّون، أو كعبيد شاكرين ينتظرون سيدهم، فلنفتح له أبواب قلوبنا ولندخل معه إلى قاعة العرس عملياً واختبارياً. دعونا إذاً لا نبقى خارج قاعة عرس المسيح.

أسبوع عظيم مبارك للجميع.

الصوم يصنع المعجزات

الصوم يصنع المعجزات

المتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلتها إلى العربية ينال ابراهيم

بهذا العنوان أصدرت صحيفة فيمابعددها الصادر بتاريخ 11/2/2010 دراسة لجامعة كريت أُجريت على 609 طفل من تسالونيك تتراوح أعمارهم بين ال5 و 15,5 سنة من بينهم 21,1% يصومون بحسب قوانين الكنيسة.

بروفسور الطب الوقائي والتغذية في جامعة كريت الطبية والمحرر العلمي لهذه المقالة (انطوني كاناتدس) اوضح ان الصوم لا يؤثر على التطور الطبيعي للأطفال كما اعتقد سابقا.

وكانت النتيجة الأكثر أهمية لهذه الدراسة أن الأطفال الذين صاموا الصوم كاملاً أو فقط جزءاً منه خسروا القليل من السعرات الحرارية مقارنة بمن لم يصوموا مطلقاً.

إضافة إلى ذلك سجلت أضرار صحية محدودة للأطفال الصائمين كالحموض الدسمة المشبعة وأمراض الهزال العضلي كانت أقل.

وهذا ما يعتبر أمر هاماً خصوصاً في بلد يعاني 22,5% من أفراده من البدانة، والصوم الذي يُعتبر العنصر الأساسي للحمية عند اليونانيين بإمكانه أن يكون أكثر الحلول صحية للبدانة.

وسنأخذ بعين الاعتبار ما كتبه الصحفي (ماخي تراسا) بأن الأنظمة الغذائية في الكنيسة الأرثوذكسية تبدو كصانعة للمعجزات عند الأطفال.

أوضحت الدراسات الحديثة في جامعة كريت أن 200 يوم من الصوم في السنة لا تشكّل خطراً على تطور الأطفال الممتنعين عن الوجبات الحيوانية ولكنه بالتأكيد عامل مساعد في تأمين الوزن الصحي المثالي ضد بدانة الأطفال المتزايدة.

وتضفي الكنيسة على الصوم طابعاً روحياً فهو ليس فقط لصحة الجسد بل ولصحة الروح أيضاً وبذلك يقدم الشخص قرباناً لله والكنيسة ويصبح فرداً من جيشها الروحي خاضعاً لقوانينها.

وبعيش الصوم نعي الخطيئة التي ارتُكِبت بأكل الثمرة المحرّمة والتي أفقدتنا العلاقة مع الله ونتّجه للحياة الأخروية القويمة حيث نغتذي بمجد الله الأزلي.

وبالصوم نحرّر أنفسنا من عبودية المادة ونتجه نحو روحية الأشياء وبهذه الطريقة نجهّز أنفسنا شخصياً للاحتفال بالأعياد التي تلي الصوم.

إذاً، فالصوم يصنع المعجزات فهو نافع للجسد والروح ويحرّر المرء من أهوائه ويجعله ابناً لله والكنيسة.

قوانين الصوم في عيد البشارة وأحد الشعانين

قوانين الصوم في عيد البشارة وأحد الشعانين

جون سانيدوبولوس

نقلتها إلى العربية صبا نعمة

تلقيت السؤال التالي ورأيت ضرورة توضيحه بشكلٍ عام تفادياً لأي لغط من حيث القوانين الكنسية.

السؤال:

جون، أردت أن أسألك حول أحد الشعانين وعيد البشارة. خاصةً حول الصوم فيما يخصّ تناول السمك في فترة الصوم الكبير. منذ سنوات حصل نقاش بين أبي وكاهن الرعية لأن كتاب البيذاليون [شروحات القديس نيقوديموس الآثوسي للقوانين الكنسيةالمترجم] ينصّ على أن تناول السمك يجوز فقط في يوم عيد البشارة خلال الصوم الكبير“. عندما يقع عيد البشارة خلال الأسبوع العظيم المقدس، يمكن تناول السمك في أحد الشعانين. بناءً عليه، فإننا أمام ثلاثة طبعات مختلفة للبيذاليون من حيث النسخات“: نسخة أبي من أواسط ١٩٣٠ باليونانية، نسخة الكاهن حوالي ١٩٩٠ بالإنكليزية ونسخة لكاهن آخر من أواسط ١٨٠٠باليونانية

المشترك بين الثلاثة هو قانون واحد في موضوع تناول السمك خلال الصوم الكبير: أنه يجوز تناول السمك فقط في عيد البشارة. ما يثير الانتباه ملاحظة ترد في أسفل الصفحة في النسخ الثلاث، أن كل شذوذ عن القانون يجعل الإنسان عبداً لمعدته “δουλος της κοιλιας”.

بعد البحث والتدقيق تمّ التوصّل إلى أنّه مع مرور السنوات اعتاد الناس على تناول السمك في أحد الشعانين لوقوع عيد البشارة في الأسبوع العظيم المقدس. في السنة اللاحقة لاعتبارهم أنهم تناولوا السمك في أحد الشعانين قبل سنة ومع وقوع عيد البشارة قبل الأسبوع العظيم المقدس تمّ تناول السمك في عيد البشارة و أحد الشعانين.

هذا ما أدّى إلى العادة الجديدةلتناول السمك في العيدين (أحد الشعانين وعيد البشارة). هل باستطاعتك جزم أي ممّا سبق؟

أخبروني أنّه تمّ التلاعب بكتاب البيذاليون بعد أن ائتمن أحدهم عليه لنشره منذ بضعة أجيال. اعتقد الأب أنّ هذا يفسّر التناقض الحاصل. ربما القانون كان بسماح تناول السمك في هذين اليومين قبل هذا التلاعب.

للمصادفة، فانّ الأب الذي بحوزته كتاب الشرع الكنسي الأقدم قال أنّ الأساقفة قاموا بإعطاء الحل طالما أنّه يتم بسريّة لعدم فضح الآخرين الذين يعتمدون قانون مغاير.

الجواب:

باعتقادي أنّ الملاحظة التي ذكرتها الواردة في البيذاليون هي من أقوال القديس نيقوذيموس الأاࣤثوسي، من المهم الأخذ بعين الاعتبار نظريّة التطورالتي شرحت من خلالها كيف أصبح مسموحاً يوم بتناول السمك في أحد الشعانين، لكن حتّى القديس نيقوذيموس صرّح أنّها تكهنات.فهذه النظرية تجزم أن ممارسة الكنيسة جمعاء والاكليروس المتعلم هي بموضع تساؤل من قبل أقليّة عندها شك فيما هو واضح من القوانين أّنه تقليد مهم.

مع ذلك لست متأكداً فيما إذا كان تقليداً قديماً أن إذا وقع عيد البشارة في الأسبوع العظيم المقدس يسمح بتناول السمك في أحد الشعانين بدلاً عنه، رغم أنه تمّ الامتناع عنه في أحد الشعانين في سنين عديدة). إلى حد علمي لا يوجد ما يؤكد ذلك.

غير أننا لا نعلم مصدر موضوع تناول السمك في أحد الشعانين، وبرأيي لا أظن أن له أي علاقة بعيد البشارة.

من العادات والتقاليد تناول السمك كما الزيت والنبيذ في سبت لعازر وأحد الشعانين، مع ذلك هناك من يمتنع عن السمك في سبت لعازر. على سبيل المثال، من العادات تناول الكافيار في روسيا في سبت لعازر، أمّا في اليونان يمتنعون عن السمك (يتناولون اللازاراكيا بدلاً عنه).

القديس ثيوذورس الستوذيتي كان يسمح لرهبانه بتناول السمك في يومي سبت لعازر وأحد الشعانين في القرن التاسع.

إن سبت لعازر وأحد الشعانين من الأعياد الكبيرة في الكنيسة، (ويأتيان في الأعياد الأخيرة الاثنا عشر الكبيرة. الفترة التي تفصل بين الصوم الكبير والأسبوع العظيم هي ذات طابع فصحيّ. سبت لعازر وأحد الشعانين من الأعياد المبهجة. لذلك يلبس الكهنة ملابس كهنوتية ذات طابع احتفالي (الأبيض، الذهبي والأخضر)، والمائدة المقدسة تغطّى برداء مزخرف بهيّ. سبت لعازر هو مقدمة للقيامة أمّا أحد الشعانين فهو مقدمة للملكوت السماوي.

بناءً للتقليد المقدس لدينا سبعة أعياد سيّديّة للسيد: رفع الصليب الكريم المحيي (أو الصليب المقدس) في الرابع عشر من أيلول، ميلاد ربنا والهنا ومخلصنا يسوع المسيح بالجسد (أو ميلاد المسيح( في الخامس والعشرون من كانون الأول، الظهور الالهي المقدس في السادس من كانون الثاني، أحد الشعانين الأحد قبل الفصح، الصعود أربعون يومًا بعد الفصح، العنصرة خمسون يومًا بعد الفصح، والتجلي في السادس من آب

إذا وقع أي من هذه الأعياد في يوم صوم، يسمح بتناول السمك (أو حتى يلغى الصوم نهائيًا)، ما عدا يوم رفع الصليب فهو يوم صوم كامل. والحال نفسه مع الأعياد الكبيرة الخمسة للسّيدة (الوالدية) التي من ضمنها عيد البشارة. عندما يقع عيد للسّيدة في يوم صوم، يسمح بتناول السمك، النبيذ والزيت باستثناء: إذا وقع عيد البشارة في الأسبوع العظيم المقدس، يسمح بتناول النبيذ والزيت (ما عدا السمك)؛ إذا وقع عيد البشارة في يوم الجمعة العظيم المقدس أو في السبت العظيم المقدس، يسمح بتناول النبيذ (ما عدا الزيت والسمك).

الأعياد السّيد تعتبر أعياد من الدرجة الأولىوأعياد السّيدة تعتبر من الدرجة الثانية“. هذا يعني أنّ أحد الشعانين هو عيد أهمّ من عيد البشارة، (من حيث الدرجات.)

من هنا يمكننا أن نفهم لما السمك مسموح في أحد الشعانين وبالتالي استخلاص تفسير لتطوّر الممارسة هو من غير الضروري.

بالنسبة لأنّ القوانين تسمح بتناول السمك في يوم واحد خلال الصوم الكبير، عيد البشارة، فهو لا يتعارض مع ممارسة تناول السمك في أحد الشعانين أو حتى في سبت لعازر. أحد الشعانين لا يقع في الصوم الكبير، بل هو جزء من الفترة الانتقالية بين الصوم الكبير والاسبوع العظيم المقدس. فالصوم الكبير ينتهي في يوم الجمعة قبل أحد الشعانين.

من هنا، فإنّ القانون الذي ينص على أنّ عيد البشارة هو اليوم الوحيد الذي يسمح خلاله بتناول السمك في الصوم الكبير، صحيح. من الواضح، أن اللغط الحاصل هو ما أدّى إلى نظريّة التطوّر“. زد على ذلك أنّ مصادر أرثوذكسية تقع في هذا اللغط. على سبيل المثال: على الموقع الإلكتروني OCA في الخامس والعشرين من آذار حيث نشر شرح عن عيد البشارة، يرد الخطأ التالي:” إنّه يوم من اثنين من الصوم الكبير حيث يسمح بتناول السمك (أحد الشعانين هو اليوم الثاني)”. لكن كما سبق وأشرنا أحد الشعانين لا يقع في الصوم الكبير.”

أخيرا من الصعب الجزم، أن هناك تلاعب أو لغط في البيذاليون، لذلك يجب القيام بدراسة حول الموضوع.

من أجل الوحدة

من أجل الوحدة

ييروثيوس (فلاخوس) مطران نافباكتوس

غالباً وفي العديد من الاجتماعات مع الناس حتّى ضمن الأجسام المجمعية الكنسية، يتمّ التعبير عن ضرورة الموافقة على أمر ما من أجل الوحدة، حتّى ولو كان لنا رأي مختلف حياله. وعلى هذا المنوال يصير أن هذه الأجسام المجمعية التي يشترك فيها هؤلاء الأشخاص يقررون بطريقة أخرى بعض الأمور مبررين ذلك بأنه من أجل الوحدة أو للوحدة.

هناك بعض الأفراد، السياسيين، الإكليريكيين، الذين يدّعون أنهم يكدحون من أجل وحدة الجسم الذين ينتمون إليه، وكأنّ الآخرين غير معنيين بها. تجدر الإشارة منذ البداية إلى أن الوحدة في المناولة والكنيسة هي بالمطلق الهدف الذي يغالباً وفي العديد من الاجتماعات مع الناس حتّى ضمن الأجسام المجمعية الكنسية، يتمّ التعبير عن ضرورة الموافقة على أمر ما من أجل الوحدة، حتّى ولو كان لنا رأي مختلف حياله. وعلى هذا المنوال يصير أن هذه الأجسام المجمعية التي يشترك فيها هؤلاء الأشخاص يقررون بطريقة أخرى بعض الأمور مبررين ذلك بأنه من أجل الوحدة أو للوحدة.

هناك بعض الأفراد، السياسيين، الإكليريكيين، الذين يدّعون أنهم يكدحون من أجل وحدة الجسم الذين ينتمون إليه، وكأنّ الآخرين غير معنيين بها. تجدر الإشارة منذ البداية إلى أن الوحدة في المناولة والكنيسة هي بالمطلق الهدف الذي ينبغي أن نعمل من أجله.

في الكنيسة، بشكل خاص، هذا هو هدفنا جميعاً، لأن هذا ما تمّ إنجازه في يوم العنصرة بحسب قنداق العيد: “عندما انحدر العليّ مبلبلاً الألسنة كان للأمم مقسِّماً، ولمّا وزّع الألسنة الناريّة دعا الكلّ إلى اتّحاد واحد“. هذا وظيفة الروح القدس الذي يعمل في الكنيسة. لهذا، وحدة الكنيسة هي خبرة العنصرة المقدسة، التي هي وحدة موجودة في لاهوت الرسل والآباء القديسين. مع هذا، من اللزوم الإشارة إلى أن الوحدة يمكن وجودها بين صانعي الشر ومؤلّفي المجموعات الإجرامية وهي تهدف إلى خلق الانقسامات و الانزعاج في المجتمع. هؤلاء الأشخاص يهتمون بوحدتهم لكي يمارسوا الشر من دون أن ينكشفوا. لهذا، الوحدة لوحدها ليست الهدف، بل مزيج الوحدة والحق.

في القداس الإلهي، يُشجَّع المؤمنون بالعبارات: “بعد التماسنا الاتحاد في الإيمان، لنودع ذواتنا وبعضنا بعضاً للمسيح الإله“. إن الوحدة في اللغة الكنسية ليست مجردة ولا غير مشروطة بل هي مرتبطة بالإيمان. إنها وحدة الإيمان كما أُعلِن من الله للقديسين ومرتبطة بشكل واضح بشركة الروح القدس، وعلى الأكيد تفترض مسبقاً إخضاع كامل حياتنا للمسيح. هذه الوحدة مباركة من الله وليست وحدة ممكن مشاركتها مع الهراطقة الذين يستندون إلى المنطق التأمّلي ليحاربوا العقيدة الأرثوذكسية.

في رسالته إلى أهل أفسس، ينصحهم الرسول بولس بأن يجاهدوا ليحفظوا وحدة الروح القدس المرتبطة بالإله الواحد بإيمان واحد ومعمودية واحدة، فيكتب: “…مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ“ (أفسس 3:4-6). إن وحدة الإيمان مرتبطة بالرب الواحد والإيمان الواحد والمعمودية الواحدة والجسد الواحد والروح الواحد.

إلى هذا، في مقطع آخر، يتحدث الرسول نفسه عن الوحدة في التألّه: “وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ“ (أفسس 11:4-13). هذا يعني أن الوحدة مرتبطة بمعرفة ابن الله، وهي تهدف إلى الكمال، إلى اكتساب قامة ملء المسيح التي هي التألّه.

تابع آباء الكنيسة في المنظور نفسه وجاهدوا للحفاظ على وحدة الكنيسة في الإيمان المعلَن، طاردين الهراطقة من الكنيسة، أولئك الذين قطّعوا وحدة الكنيسة بتعاليمهم الهرطوقية. لقد طُرحت اﻷناثيما على الهراطقة للتأكيد على وحدة الإيمان ووحدة الكنيسة. عندما أبعد الآباء الهراطقةَ عن الكنيسة لم يكسروا الوحدة بل دافعوا عنها. كل التفسيرات الأخرى، تتعارض مع عمل مجامع الكنيسة المسكونية.

يربط اﻷبّا دوروثايوس الوحدة بين المسيحيين بالإيمان الواحد: “ما من شيء يوحدنا كمثل الابتهاج بالأشياء نفسها والإيمان الواحد بيسوع المسيح“. هذه الجملة مرتبطة بمقاطع عديدة لدى الرسول بولس. فعلى سبيل المثال، هو يكتب إلى مسيحيي روما: “وَلْيُعْطِكُمْ إِلهُ الصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ أَنْ تَهْتَمُّوا اهْتِمَامًا وَاحِدًا فِيمَا بَيْنَكُمْ، بِحَسَبِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِكَيْ تُمَجِّدُوا اللهَ أَبَا رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَفَمٍ وَاحِدٍ.“ (روما 5:15-6). وعلى المنوال نفسه يكتب إلى الفيليبيين: “فَإِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي الْمَسِيحِ. إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ. إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي الرُّوحِ. إِنْ كَانَتْ أَحْشَاءٌ وَرَأْفَةٌ، فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا“ (فيليبي 1:2-2).

يحدد القديس إسحق السرياني المعنى الدقيق للوحدة الروحية في كتابته: “الاتحاد الروحي هو ذِكر غير محصور، يشتعل في القلب بشوق حار متواصل، مستمداً قوته من إتمام الوصايا لتوطيد ارتباطه بها، زهذا الإتمام ليس سيئاً ولا طبيعياً“ (نسكيات ص. 19). تتحقق الوحدة الروحية من خلال حفظ وصايا المسيح وهي تلهِب الشوق الإلهي في قلب الناس.

في المجتمع كلام كثير عن الوحدة بالرغم من اختلافات الآراء الموجودة، وهذا ما تهدف إليه الديموقراطية. السلطات المختلفة وبرامجها المختلفة التي تقسّم الأحزاب، المواقف المختلفة وعمليات الحزب الداخلية، التي تظهَّر في الانتخابات، حين يُعبَّر عنها بطريقة ديموقراطية تُعتَبَر عناصر وحدة. في الكنيسة تختلف الأمور. ليست الوحدة اتفاق نظرات سطحية، وبالواقع سقطت كل النظرات المخالفة للتقليد، بل هي ثمرة الروح القدس، شركة الروح القدس، ووحدة الإيمان.

وعليه، ليس ممكناً للكنيسة، من أجل الوحدة، أن تعكس الإكليسيولوجية الأرثوذكسية، واللاهوت الأرثوذكسي، وبالنهاية تقوّض الإيمان المعلَن بجملته.

عندما ينتشر الانحراف عن الإيمان، لا تعود الوحدة مسموعة جديرة بالثناء. وعلى العكس، مَن يحفظ الوحدة هو ذاك الذي يحفظ الإيمان المعلَن. على المنوال عينه، لا يمكن اتّباع الديبلوماسية في الشؤون الكنائسية وإنكار الآراء وتغييرها في كل مرة، ووصف هذه العقلية على أنها مساهمة في الوحدة.

نحن نعيش في زمن لا يمكن فيه السماح بانحطاط العبارات، خاصة معنى كلمة الوحدة، من أجل عقلية اصطناعية ديبلوماسية متبدلة تخفي عناصر النفعية ونواياها.نبغي أن نعمل من أجله.

مشكلة الألم

مشكلة الألم

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

لا يوجد في مجتمع اليوم المضطرب من لا يواجه ألماً في حياته ويتذوق كأس التجارب المر. إننا نرى الناس في كرب، وبؤس، وقهر، رازحين تحت ثقل الألم الرهيب، ووجوههم مكتئبة ولكن قلوبهم أكثر اكتئاباً. إنهم مقهورون ومتألمون. بسبب هذا الألم، أو بالأحرى، بسبب أنهم يتعاملون مع الألم بطريقة خاطئة، فإنهم يعانون من العديد من أمراض الجسد والنفس. بالتالي سوف نتناول بعض جوانب هذا الموضوع الكبير المختص بالمعاناة والألم في حياتنا.

1- الألم هو جزء من حياتنا

من المعروف جيداً أن الألم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحياة الإنسانية. لقد أعلن المسيح لتلاميذه أنهم سيتألمون كثيراً في حياتهم. “في العالم سيكون لكم ضيق” (يو33:16). إننا نجد هذه الحقيقة على مدار الكتاب المقدس وتعليم الآباء القديسين الذين هم خلفاء الرسل القديسين. لقد زار بولس الرسول وبرنابا الرسول لسترة، وأيقونية، وأنطاكية معاً يشدِّدان أنفس التلاميذ ويعظانهم أن يثبتوا في الإيمان، وأنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله“(أع22:14). وشهد بولس الرسول لمسيحيي كورنثوس مكتئبين في كل شيء، لكن غير متضايقين“(2كو8:4). التعليق المناسب على عبارة ولكن غير متضايقينسوف نتناوله فيما بعد في هذا الباب. إننا هنا نؤكد على حقيقة أن الحياة المسيحية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعاناة والألم.

لقد مر القديسون بالعديد من الآلام، والتجارب، والصعاب. يقول القديس نيكيتا ستيثاتوس تلميذ القديس سمعان اللاهوتي الحديث: “الحياة الحاضرة مملوءة بالمعاناة والألم بالنسبة للقديسين. إنهم يتألمون من الآخرين، ومن الشياطين“. إننا نجد نفس الشهادة في قول القديس اسحق السرياني: “لأنه من المستحيل عندما نكون عابرين طريق البر ألا نواجه الحزن، وألا يعاني الجسد من المرض والألم، وأن يبقى بغير مساس لو كنا نريد حقاً أن نعيش في الفضيلة“.

يصر الرسل والقديسون على هذه الحقيقة، لأن العديد من المسيحيين، مثل العديد من معاصرينا، يظنون خطأً أنه طالما نعيش حياة مسيحية فسنكون فرحين طوال الوقت. من المؤكد، كما سوف نرى فيما بعد، أن لدينا فرح وتعزية، لكن هذه التعزية، وهذا الفرح والارتياح يأتي من خلال اختبار الصليب. “أتى الفرح إلى العالم كله من خلال الصليب“. تأتي التجارب أولاً، ثم بعد ذلك الفرح، ونبتهج داخلياً على الرغم من التجارب الخارجية.

2- أسباب الألم

يجب علينا أن نوضح أن الألم له أسباب عديدة. إذ يتكلم الآباء القديسون من خبرة يعلِّمون أن الأسباب الرئيسية الثلاثة للألم هي الشيطان، والناس، والطبيعة الإنسانية الساقطة، بكل الأهواء الموجودة في قلوبنا. يكون الألم الآتي من الشيطان مؤلماً جداً، ويختبره أولئك الفاعلين الخير والذين يحاولون حفظ وصايا المسيح. يصف القديس دوروثيئوس حالة من هذا النوع من الألم غير المحتمل قائلاً:

في إحدى المرات بينما كنت لا أزال عائشاً في الدير، تألمت بحزن شديد غير محتمل، وكنت في حالة من الحزن والكرب لدرجة أنني كنت على وشك الموت. كان هذا الألم بسبب هجمة من الشياطين، وهذا النوع من التجربة أتى بسبب حسدهم. إن هذا الألم شديد جداً، ولكنه قصير، وثقيل، ومظلم، وعديم التعزية والراحة. وما لم تأتِ نعمة الله إلى النفس بسلاسة لن يحتمل أحد هذا الألم“.

يأتي أيضاً الألم من افتراء الآخرين وقذفهم لنا. عادة ما يستفزنا ذلك لكي نشكو من أن أولئك الذين، على الرغم من أننا عاملناهم بطريقة جيدة، يتصرفون بهذه الطريقة. أحياناً ما يضطهد الناس خدام الله، كما حدث في حالة الأنبياء والرسل القديسين، وبالتالي تسببوا في مشاكل وآلام. يكتب بولس الرسول إلى أهل كورنثوس: “ فإننا لا نريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة ضيقتنا التي أصابتنا في أسيّا، أننا تثقلنا جداً فوق الطاقة، حتى أيِسنا من الحياة أيضاً ” (2كو8:1).

ثم يوجد أيضاً الألم الناتج عن طبيعتنا الساقطة والأهواء الموجودة في قلبنا كما ذكرنا من قبل. يكتب الأنبا دوروثيئوس قائلاً أنه من الممكن أن نكون في حالة جيدة وأن نكون في سلام داخلي وهدوء، ثم يقول لنا أخونا شيئاً ما فنثور وننقلب عليه ونتهمه بأنه تسبب في مضايقتنا. “هذا الأمر سخيف وغير منطقي بالمرة. هل الشخص الذي تكلم زرع الهوى داخله؟ العكس صحيح: فقد أظهر المتكلم الهوى الموجود داخل المستمع، بحيث يستطيع الأخير التوبة لو أراد“.

هكذا تكون هذه هي الأسباب الثلاثة الرئيسية للألم التي تواجهنا في الحياة: الشيطان، والآخرين، وطبيعتنا الساقطة. النوعان الأولان يختبرهما القديسون، على حين أن النوع الثالث عادة ما يصيب أولئك الذين لم يتطهروا من الأهواء بعد. لا يؤثر الألم الناتج عن السببين الأولين على الحالة الداخلية للنفس، وبالتالي يتلقى المتألم نعمة كبيرة بقليل من الصبر. إلا أن السبب الثالث، على كل حال، يستطيع أن يتسبب في حالة رهيبة ما لم نكن حريصين. بالتالي، يوجد نوعان من الألم: خارجي وداخلي.

من الواضح أن الآباء الروحيين الذين مُنحوا موهبة التمييز يستطيعون تحديد أي نوع من الألم ناتج عن الشيطان، وأيهما ناتج عن الآخرين، وأيهما ينتج عن ذواتنا، وأي منها يكون بحسب مشيئة الله أو بسماح منه. هذا هو السبب الذي يجعل الآباء القديسين قادرين على شفائنا بصورة أكثر كفاءة من الأطباء النفسيين الذين لا يستطيعون التمييز بين هذه الأنواع والذين يرون كل شيء على أنه بسبب حالة الشخص النفسية الضعيفة.

3- فوائد الألم

إن الألم والمعاناة ضروريان جداً لأنهما شركة في آلام المسيح. لقد قيل الكثير في التعليم الأرثوذكسي عن التشبه بالمسيح. إلا أن هذا التشبه لا يكون من الخارج، ولا هو أخلاقي، ولكنه سري. ينبغي علينا أن نمر بما مر به المسيح، بما في ذلك التجارب والآلام التي عانى منها. يكتب بولس الرسول قائلاً: “الذي الآن أفرح في آلامي لأجلكم، وأكمِّل نقائص شدائد المسيح في جسمي لأجل جسده، الذي هو الكنيسة “(كو24:1). بحسب تعليق القديس ثيئوفيلاكتس رئيس أساقفة بلغاريا: “هذه العبارة تعني أنه ربما لو أن المسيح كان محتاجاً للألم ، إلا أنه مات قبل أن يدفع كل دين آلامه، بالتالي أنا بولس أدفع دين المسيح هذا وأخضع لهذه الآلام التي كان يتعين على المسيح الخضوع لها من أجلك ومن أجل كل الكنيسة المسيحية“. علم اللاهوت هذا الخاص بشركتنا في آلام وموت المسيح يوضحه بولس الرسول ثانية في إحدى رسائله قائلاً: “حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع لكي تُظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا. لأننا نحن الأحياء نُسلَّم دائماً للموت من أجل يسوع، لكي تظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا المائتِ. إذاً الموت يعمل فينا، ولكن الحياة فيكم ” (2كو4: 10-12).

تجلب الآلام والتجارب في حياتنا العديد من الفوائد. الألم هو إعلان جديد عن المسيح للإنسان. من خلال الألم يولد كيان جديد. يهيئ الألم الظروف الحقيقية لانفتاحنا على عالم آخر كان مخفياً فيما قبل.

يتكلم القديس مكسيموس المعترف كثيراً في كتاباته عن الوجود المفيد للألم والمعاناة، أو كما يصفهما، الآلام غير الإرادية“. بالنسبة للقديس مكسيموس تكون هذه الآلام غير الإراديةوسائل قوية للتطهير من الأهواء الإرادية“. هذا الألم الذي للآلام غير الإراديةالناتجة عن التجارب والصعاب يهزم قوة الأهواء. “يجلب كل ألم، سواء كان إرادي أو غير إرادي، الموت للذة الحسية التي هي أم الموت، بشرط أن يقبله المتألم بفرح. بخلاف احتمال الآلام غير الإرادية بصبر، نستطيع أن نحارب الأهواء الإرادية أيضاً عن طريق الألم الإلهي.

يكتب نفس القديس قائلاً: “تُرسَل التجارب للبعض لكي يتخلصوا من الخطايا السابقة، ولآخرين لكي يجتث الخطايا المرتكبة في الحاضر، وللبعض الآخر لكي يقتلع مقدماً الخطايا التي قد تُرتكب في المستقبل. تختلف هذه عن التجارب الحاصلة لكي تختبر الناس بنفس الطريقة التي اختُبر بها أيوب“.

يشترك القديس غريغوريوس بالاماس في نفس هذا المنظور عندما يقول تساعد البلايا المؤمن على التخلص من الخطايا، وعلى أن يكون متدرباً ومختبراً، وعلى أن يفهم بؤس هذه الحياة، وعلى أن يرغب بحرارة ويطلب باجتهاد التبني الأبدي كأبناء، والفداء، والحياة الجديدة بحق، والبركة“.

يقول داود الملك والنبي في أحد مزاميره: “في الضَيق رحَّبت لي ” (مز1:4). يقول القديس نيقوديموس الآثوسي: “كلما كان الشخص أكثر ألماً ومعاناة في العالم الحاضر كلما تسامى عقله فوق الحدود الضيقة لهذا العالم. إنه يتجاوز ارتفاع السموات، ويصل في النهاية إلى مكان فسيح متسع بلا قياس، وبمجرد أن يصل إلى هناك فإنه يبتهج ويجد الراحة في معاينة الله العذبة. حتى قبل انحلال جسده، يعيش حياة مباركة وسعيدة. لقد أشار الرب لذلك عندما قال: “في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم” (يو33:16). ورتل حبقوق في نشيده معلناً عن الراحة التي تنتج عن الألم قائلاً: “ لأستريح في يوم الضيق ” (حب16:3)”.

من خلال الألم نتذكر الله ونلجأ إليه، وبالتالي تتولد عطية الصلاة الثمينة بشرط أن نواجه الألم بالجدية اللازمة وفي الإطار الموصوف من قِبَل التقليد الأرثوذكسي.

كان القديسون واعين للفوائد الناجمة عن الألم. ولذلك، كما يقول القديس يوحنا السلمي، كانوا يعطشون للتجارب. يقول نفس القديس أن السمات المميزة لأولئك الذين وصلوا للكمال في الحزن المقدس هو العطش للإهانة، والاشتياق الإرادي للتجارب اللاإرادية…. طوبى للجياع إلى الألم والعطاش إلى الإهانة لأنهم سيشبعون من الطعام الذي لن يفنى“. لقد اشتهوا الألم لأنه كلما ازداد الألم كلما زادت التعزية. يكتب بولس الرسول قائلاً: “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، أبو الرأفة وإله كل تعزية، الذي يعزينا في كل ضيقتِنا، حتى نستطيع أن نعزي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي نتعزى نحن بها من الله.لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضاً” (2كو1: 3-5).

4- التعامل مع الألم

لقد قلنا فيما سبق أن الأمر الأكثر أهمية ليس وجود الألم من عدمه ولكن إن كنا نتعامل معه بطريقة جيدة أم بطريقة رديئة.

لو كُنا أصحاء روحياً، فإننا سوف نفعل ما فعله بولس الرسول نفسه وأوصى المسيحيين أن يفعلوه: “وليس ذلك فقط، بل نفتخر أيضاً في الضيقات، عالمين أن الضيق يُنشئ صبراً، والصبر تزكية، والتزكية رجاء، والرجاء لا يُخزي، لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا ” (رو5: 3-5). ينبغي علينا أن نفرح في الرب لأننا حُسِبنا أهلاً لأن نحتمل كل نوع من الألم والشقاء، سواء أتى من الشياطين لأننا نجاهد من أجل الفضيلة، أو أتى من الناس الأشرار لأننا نريد أن نمشي في طريق وصايا الله.

ينبغي علينا أيضاً أن نأخذ في الاعتبار أننا نستحق ليس فقط الألم الذي يصيبنا، بل ألاماً أكثر وأعظم. هذا جزء من التوبة: “علامة التوبة الحقيقية هي أن نعترف أننا نستحق كل التجارب، الخفية والظاهرة، التي تأتي علينا، بل وأعظم منها” (القديس يوحنا السلمي).تشفي التوبة الألم الناتج عن الضغوط الخارجية والألم.

أما من جهة الألم الناتج عن آخرين، ينبغي علينا ألا ننقلب على أولئك المتسببين فيه، لكن أن نحتمل الألم بصبر عالمين أن خيراً كثيراً سينتج عن ذلك.

إننا مع الأسف نتصرف مثل الكلب الذي يصفه الأنبا دوروثيوس قائلاً: “لقد قذفه شخص ما بحجارة فترك الشخص الذي قذفه وذهب ليعض الحجارة. إننا نفعل نفس الشيء، فنحن نترك الله الذي سمح لهذه المصائب أن تقع لكي يطهرنا من خطايانا، وننقلب على قريبنا قائلين: “لماذا قال لي ذلك؟ لماذا فعل بي ذلك؟“. وعلى الرغم من أننا نستطيع الاستفادة من مثل هذه المشاكل، إلا أننا نعمل ضد مصلحتنا متجاهلين حقيقة أن كل شيء يحدث بتدبير الله لأجل خير كل واحد منا“.

ترتبط إدانة النفس بالتوبة أيضاً. ينبغي على كل واحد منا أن يلوم نفسه، ويؤنب نفسه، ويرى نفسه مستحقاً للألم وأنه المتسبب الوحيد فيه. إننا نتألم داخلياً ونلحق الألم بالآخرين لأننا لا نلوم أنفسنا. أما بالنسبة لرجل الله، فمهما أصابه سواء أذى، أو إهانة، أو أي نوع من الألم، فإنه يرى نفسه على الفور مستحقاً له ولا يضطرب بالمرة. هل توجد حرية من القلق أعظم من ذلك؟” (أنبا دوروثيوس).

يختلف الألم عن الحزن. فالألم الخارجي يختلف عن الاكتئاب الداخلي. الحزن والاكتئاب، اللذان عادة ما يبتلعاننا، يكونان بديلين للحزن المقدس، الذي هو التوبة. إننا نعاني في هذه الأيام كثيراً ليس لأن لدينا تجارب كبيرة أو صغيرة، ولكن لأن التوبة تنقصنا. إننا مهووسون بالشعور بالاكتفاء الذاتي. هذا هو مصدر العديد من الأمراض النفسية بل وحتى الأمراض العضوية.

ينبغي علينا أن نتذكر باستمرار كلمات الرسول: “مكتئبين في كل شيء، لكن غير متضايقين. متحيرين، لكن غير يائسين. مضطهدين، لكن غير متروكين. مطروحين، لكن غير هالكين ” (2كو4: 8-9).

السنة الثانية عشرة، العدد الأول، تشرين الأول 2015

السنة الثانية عشرة، العدد الأول، تشرين الأول 2015

مختارات آبائية

أقوال من الآباء: التعليم والشهادة والصداقة

هل التكنولوجيا شرّ؟ القديس نيقولاي فيليميروفيتش

عظة

مصباح العفّة وزيتها، اﻷرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

مقارنة بين النسك في البوذية والديانات الشرقية والنسك في المسيحية الأرثوذكسي، اﻷرشمندريت زخريا

دراسات كتابية

هل قصص الكتاب المقدس أساطير؟ المتقدم في الكهنة جون بريك

دراسات آبائية

حكمةٌ من القدّيسين: التعامل مع الغضب والحقد والمرارة، الأب ثيودور ستيليانوبولوس

القديس نكتاريوس كمعلّم للشباب

رعائيات

قريبي والاستعداد للميلاد، الأب أنطوان ملكي

السنة الحادية عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2015

السنة الحادية عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2015

مختارات آبائية

مختارات، مجموعة من القديسين

أبطال روحيون

تواضع الشيخ صوفروني وفكاهته، الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

عظة

المحبة الحقيقية، اﻷرشمندريت توما بيطار

ﻻهوت

معنى النسك المسيحيّ، الأستاذ قسطنطين سكوتيريس

الإيمان والثقافة بحسب اﻷب جورج فلوروفسكي، اﻷب أنطوان ملكي

الأرثوذكسية: نظرية أم علاج؟ الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

رعائيات

العِصاب الروحي، اﻷب ميخا هيرشي

الإنترنت والخبرة الروحية، الشيخ أفرام الفاتوبيذي

السنة الحادية عشرة – العدد السابع – نيسان 2015

السنة الحادية عشرة – العدد السابع – نيسان 2015

مختارات آبائية

من رسالة إلى أخٍ في العالم، القديس موسى أوبتينا

من عظة أحد حاملات الطيب 1991، الميتروبوليت أنتوني بلوم

عظة

قوّة الكلمة الإلهيّة، الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

لماذا الخطيئة ليست مشكلة أخلاقية؟، الأب ستيفن فريمان

كيف عكست آلامُ المسيح سقوطَ آدم، جون سانيدوبولوس

عزلة الإنسان المعاصر، الأب ستيفان فريمن

لا تفعل بنفسك سؤاً، الأب أنطوان ملكي

مسكونيات

ملاحظات حول العمل المسكوني، الميتروبوليت هيلاريون

توحيد الفصح بين الشعبوية والهمّ الكنسي، الأب أنطوان ملكي

السنة الحادية عشرة – العدد الخامس – شباط 2015

السنة الحادية عشرة – العدد الخامس – شباط 2015

مختارات آبائية

كيف يخلص الإنسان في هذه الأزمنة؟

 دراسات آبائية

القديسان إسحق السرياني وباييسيوس الأثوسي والتفكير الإيجابي

الأب ميخا هيرشي

 عظة

التزام روح الفقر

الأرشمندريت توما بيطار

 حياة روحية

من الصمت إلى السكون

المتقدم في الكهنة جون براك

 الحسد

الميتروبوليت إيرثيوس فلاخوس

الصوم والزمان الحاضر

الأب رافائيل فاراشاك

رعائيات \ عائلة مسيحية

“العرس مكرّماً والمضجع بغير دَنَس”

عن نشرة كنيسة السابق، واشنطن

 النمو المتوقّف: تدمير الذكورة بالحضارة الإباحية

أوكتافيا راتيو

سقطة الإنسان

سقطة الإنسان

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

السقوط كان نتيجة عدم الخبرة ولامبالاة الإنسان المخلوق من الله. هذه جعلته يهمل اتحاده الشخصي وشركته مع الله الآب. وعملياً عدم الخبرة واللامبالاة جعلته يخون هذا الاتحاد مقتنعاً بأن بمقدوره أن يزهو بنفسه. لهذا يُنظَر إلى السقوط ويُسمّى على أنّه انفصال وانسحاب كل المخلوقات عن علّة الخليقة الأول، أي الله. الكون، بحسب الإعلان الإلهي، هو نتيجة وبالتالي لا وجود له من ذاته، بل هو موجود لأنه يسهِم في القوة والتدبير الإلهيين. وعليه، إذا انقطع ما هو مخلوق عن قوة الله الجامِعة فهو يتلَف ويموت.

إن تخلّي الكائنات عن الله أنتج كارثتين متساويتين بالقوة. الأولى هي الوقاحة ضد الله والارتداد عنه. الثانية هي الانفصال عن مصدر الحياة الأبدية الذي هو السبب الوحيد للوجود والتماسك. الإساءة نفسها سببت كارثة في الطبيعيتن البشرية والملائكية. لقد فقد الملائكة ليس معناهم وحسب، بل تغيّروا من الكائنات الأكثر جمالاً إلى وحوش مرعِبة وصاروا مثيرين للرعب والارهاب، من دون أيّ نيّة في التوبة أو العودة.

ومع أن الإنسان، الذي وقع ضحية الخبث الشيطاني، فقد حالة شِبه الإله ونُفي إلى الأرض، إلى وادي الدموع، إلا إنّه لم يفقد ميزة التوبة التي قد تحثّه على العودة.