عن الحركة المسكونية والدهرية

عن الحركة المسكونية والدهرية

القديس نيقوﻻ فيليميروفيتش

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

إن الدين المسيحي الذي ألهم أعظم الأمور التي امتلكتها أوروبا في كل نقطة من النشاط البشري، قد تدهور من خلال الشعارات الجديدة: الفردية، الليبرالية، المحافظة، القومية، الإمبريالية، والعلمانية، التي في جوهرها لا تعني شيئاً غير اجتثاث مسيحية (dechristianization) المجتمع الأوروبي، أو بعبارة أخرى، إفراغ الحضارة الأوروبية.

الليبرالية، المحافظة، الطقوسية، الحق، القومية، الإمبريالية، القانون، الديمقراطية، الاستبداد، الجمهورية، الاشتراكية، النقد العلمي، وأشياء أخرى مماثلة قد ملأت اللاهوت المسيحي، والخدمة المسيحية، ومنابر المسيحية وكأنّها الإنجيل المسيحي. في الحقيقة، الإنجيل المسيحي مختلف عن كل هذه الأفكار الدنيوية والأشكال الزمنية اختلاف السماء عن الأرض. هدف كلّ هذه الأفكار الدنيوية والأشكال الزمنية أرضي وجسدي، إنه محاولة متشنجة لتحويل التعاسة إلى السعادة من خلال تغيير المؤسسات. على الكنيسة ألاّ تبالي بهذه الأفكار بل أن تشير دائماً نحو فكرتها الرئيسية، والتي تتجسد في المسيح. هذه الفكرة الأساسية لم تعنِ يوماً تغيير الأشياء الخارجية، المؤسسات، بل التغيير الروحي. كل الأفكار المذكورة أعلاه هي مبادئ دهرية لعلاج شرّ العالم، دواء ضعيف للغاية لشفاء أوروبا المريضة، خارج الكنيسة وبدون الكنيسة.

ليست المسيحية متحفاً حيث يتم تعيين كل شيء من البداية، بل هي ورشة عمل لا يهدأ فيها هدير العمل.

في العالم المسيحي، الكنيسة الأرثوذكسية وحدها هي مَن يحمل الإنجيل على أنه الحقيقة المطلقة الوحيدة وهي لا تخضع لروح هذا العصرإن عندها فهماً مختلفاً لإنجيل المسيح فالغرب يفهمه كنظرية، أو إحدى النظريات، بينما الشرق يعتبره جهاداً نسكياً (podvig) وممارسة.

يُحكى عن أنّ كل طائفة تحتوي فقط جزءً من العقيدة المسيحية، أمّا الكنيسة الأرثوذكسية فوحدها تحتوي مجمل الايمان الحقيقي ووفرته الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ“(يهوذا 3). الرجاء بالمسيح يقوم على أساس الإيمان الحقيقي والكامل، لأنه مكتوب: الإيمان أولا، ثم الرجاء ومن ثم المحبة، وإلا فالبيت بلا أساس. وينطبق الشيء نفسه على الايمان بالآخرة الذي ورد في ذلك الإيمان من البداية. وبدون إيمان كهذا، من الصعب مقاربة المسيح بالحق، والمسيح هو الرجاء الكامل، ومثله المسيح الأخروي الذي سوف ينجز التاريخ البشري ويكون القاضي الأبدي. إن اتحاد جميع الكنائس لا يمكن أن يتحقق من خلال تنازلات متبادلة بل فقط عن طريق التزام الجميع بالإيمان الواحد الصحيح في مجمله، كما انتقل إلينا من الرسل وصاغته المجامع المسكونية. وبعبارة أخرى، يتحقق اتحاد الكنائس بعودة جميع المسيحيين في الكنيسة الواحدة غير القابلة للتجزئة التي ينتمي اليها أسلاف جميع المسيحيين في العالم كله خلال القرون العشرة الأولى بعد المسيح. إنه الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة.

عن الشيخ أفرام الكاتوناكي والمسكونية

عن الشيخ أفرام الكاتوناكي والمسكونية

د. ديمتريوس تسالانغيدس

في ما يلي سوف أقول شيئاً من الشهادة الشخصية. أنا ارتبط منذ عقود بالأب افرام الكاتوناكي، المعروف بروحيته وضميره. من اﻷمور التي اشتهر بها أيضاً بأنه صاحب تلفزيون روحي“. بالنسبة لي، لطالما ذهبت إليه في مناسبات عديدة بهدف طرح أسئلة معينة محددة جداً، في تسلسل معين، وباستخدام مفرداتي الخاصة. عند زيارته، ومن دون أن أطرح أيّاً من أسئلتي المقصودة، كان يعطيني ردوده، بالتسلسل الذي كنت أريده مستعملاً مفرداتي التي أفهمها. أنا أورِد ذلك بمثابة تجربة شخصية، لا كظاهرة غير مسبوقة، إذ إن العديد من الآخرين أيضاً يشهدون لذلك.

في إحدى المرات قبل ثلاثين عاماً تقريباً، كنت في ذلك الوقت أستاذاً شاباً في كلية اللاهوت في تسالونيكي، ذكرتُ له ما يلي: إن جو الحركة المسكونية يزدهر في كليات اللاهوت، خصوصاً في تسالونيكي، ما سبب لي مشاكل مزعجة وأسئلة، إذ أرى ذلك عند أساتذة محترمين. وبطبيعة الحال، فإن ردة فعل كلٍ من ضميري وعلمي هي ضد هذا اﻷمر. لكني، أرغب بردّ روحاني أبعد من الدرجة العلمية التي لديّ. وهذا الرد الروحاني لطالما طلبته في كثير من القضايا الأخرى. لهذا، سألته أن يخبرني عن طبيعة الحركة المسكونية، كما يراها، فأجاب مباشرة ومن دجون أي صعوبة:

هذا السؤال يا بنيّ، طرحه شخص آخر من قبل بعض الوقت. أنا من جهتي كنت هنا على هذه الصخور لمدة أربعين عاما لقد نسيت حتى لغتي اليونانية (لاحظ أنه قد أكمل المرحلة المتوسطة) وعلى هذا النحو، وأنا لم أنشغل بهذه المسألة ولكن، لأنه كان علي الرد – إذ قد سئلت عن ذلك، ولم يكن لدي أي علم بالأمر ذهبت إلى قلايتي وصليت طالباً من المسيح أن يُعلِمني ما هي المسكونية. تلقيّن ردّه، وهو أن الحركة المسكونية فيها روح شر وتهيمن عليها الأرواح النجسة.

فسألته ما الذي يثبِت ذلك. والجواب كان أن القلاية امتلأت بعد الصلاة برائحة لا تُحتَمَل أشعرته بأنه يختنق ويعجز عن التنفّس روحياً. سألته عمّا إذا كان هذا الحدث غير عادي بالنسبة له أو إذا كانت هذه هي الطريقة التي بها يجيب المسيح عن الحالات المماثلة، فأكّد لي بأن كل المسائل المتعلّقة بالشعوذة والأرواح الخبيثة، ينوّرني المسيح بهذه الحالة. في بعض اﻷحيان يكون الجواب منطوقاً، لكن في هذه المسألة، هذا كان جوابه وأنا واثق بشكل مطلَق بأن الحركة المسكونية ليس فيها الروح القدس بل روح خبيث“.

يمكن للمرء أن يقول بأنّ ما أقوله في هذه اللحظة هو لغاية ما وله طابع الانطباع المتعمّد. ولكن أريد أن أذكر بأنني شعرتُ بسعادة غامرة، لأن ما قاله لي الشيخ شخصياً، قد يعتبره البعض تسجيلاً من حاشيةتُقوية لشخص سبق أن نشر كتاباً تذكارياً عن شخص الشيخ وروحانيته وكلماته. لذلك، ما قد تمّ التصديق عليه هناك تمّ التحقق منه من قِبَل لاهوتيين ثُقات صادف أن سمعوا هذا الكلام شخصياً.

لم أذكر هذا علنياً إلى الآن، لكن اﻷمور اتّخذت منحى ألزمني على ذلك. بالطبع هذه الحادثة لعبت دوراً مصيرياً في تكوين موقفي من الحركة المسكونية. كأستاذ وعالِم، أنا طبيعياً ملزَم بتفحّص كل المسائل على أساس المعايير العلمية وتقديم الدليل العلمي، وهذا ما أقوم به في تعليمي، خطوة خطوة. مع هذا، أنا أعتبر هذه الشهادة ذات أهمية ﻷنها صادرة بطريقة مواهبية عن رجل لم يكن يعرف شيئاً عن الموضوع، لم يقرأ ولا سمع عنه، ومع هذا شهد بخبرته الروحية. أظن أن اﻷشياء تحكي بنفسها هنا.

ملاحظات حول الإعلان المشترك بين بطريرك روسيا والبابا

ملاحظات حول الإعلان المشترك بين بطريرك روسيا والبابا

الأب جورج مكسيموف

نقلتها إلى العربية جولي عطية

التقى غبطة البطريرك كيريل بالبابا فرنسيس في مطار هافانا بكوبا، نهار السبت في الثالث عشر من شباط 2016، وهو أوّل لقاء بين بطريرك روسي وبابا كاثوليكي عبر التاريخ. في الاجتماع الذي طال انتظاره، ناقش الاثنان عددًا من المسائل التي تواجه المسيحيين اليوم في العالم، والدور الذي يجب أن تؤديه كنائسهم في هذا المضمار. الإعلان المشترك الذي وُقّع من قبل الطرفين يلقي الضوء على مواضيع مهمّة، مثل ممارسة الاضطهاد والتمييز ضدّ المسيحيين في جميع أنحاء العالم، الفقر، احترام الحياة والأسرة، الوضع الكنسي في أوكرانيا، وغيرها من المواضيع. وقد ركّزت الوثيقة على وحدة المسيحيين، فأثارت جدلاً في أوساط الجانبين، وسبق وعلّق البعض عليها. من بين هؤلاء الأب جورج مكسيموف، وهو كاهنٌ مبشّر حيوي لا يكِلّ، خدمَ في العديد من البعثات في جميع أنحاء العالم. وقد كتب على صفحته على فايسبوك تقييمًا متوازنًا حول الوثيقة، مشيرًا إلى نقاط قوتها وضعفها:

في البداية، أودّ أن أتوجّه لمَن يندبون لمجرّد حدوث هذا اللقاء قائلين: “ضاع كل شيء، ضاع كلّ شيء، وأذكّرهم بأنه لم يَضِع شيءٌ. إنّ القوانين الكنسيّة تمنعنا من الاشتراك في الخدمة مع الهراطقة، والصلاة معهم، وطلب بركتهم، لكنّها لا تحرّم الاجتماع بهم. إذًا لم يتحوّل البطريرك إلى كاثوليكيّ عبر هذا اللقاء.

حول اللقاء

لم يكن بطريركنا مرسَلاً إلى هذا اللقاء من قبل المجمع أو مجلس البطاركة (على حدّ علمي)، إنما كان لقاؤه شخصيًّا. ومن الجيّد أنّ اللقاء لم يتخلّله أيّ نوعٍ من الخدم الليتورجية أو الصلوات المشتركة. يَظهر لنا أنّ البابا استقبل البطريرك كشخصٍ مساوٍ له، إذ لا نرى في الصوَر أنّ البطريرك رضيَ بأيّ خضوعٍ لمنصب البابا.

حول الوثيقة

يمكننا الموافقة على الكثير من الكلام الوارد في الوثيقة، مثل الدفاع عن المضطهدين والمعذّبين في الشرق الأوسط (8-10)، انتقاد الإسلام (13)، رفض التمييز ضدّ المسيحيين في الغرب (15)، دعوة البلدان الغنية إلى مساعدة الفقراء (17)، إدانة المثلية الجنسية (20) والإجهاض (21)، وضرورة حلّ مسألة الانقسام الأوكراني استنادًا إلى القوانين الكنسية” (27).

إلاّ أنه يوجد أيضًا في هذه الوثيقة تعابير مفروغ منها وخاطئة أحيانًا.

مثلاً: “نأمل أن يساهم لقاؤنا بإعادة هذه الوحدة التي يريدها الله، والتي صلّى من أجلها المسيح… (و) أن يُلهم المسيحيين في جميع أنحاء العالم الصلاة إلى اللهمن أجل الوحدة التامة بين أتباعه” (9). إنّ الوحدة تمّت بكمالها في كنيسة المسيح، لذلك نعترف في الدستور بالإيمان بـكنيسةٍ واحدة“. خرجتْ جماعاتٌ هرطوقيةٌ ومنشقةٌ من هذه الوحدة مع الكنيسة. ولا يمكن أن يسمّى أعضاء هذه الجماعات بأتباع المسيح، فهُم أتباع مَن يعلّمون تعاليمًا معاكسةً عن المسيح، ومَن أخرجوهم من وحدة الكنيسة.

ننحني أمام شهادةِ مَن قدّموا، على حساب حياتهم، شهادةً على حقيقة الإنجيل، مفضّلين الموت على إنكار المسيح. نؤمن أنّ هؤلاء الشهداء المعاصرين، الذين ينتمون إلى كنائس مختلفة لكن يتوحّدون في معاناتهم المشتركة، هم عهد وحدة المسيحيين” (12). يمكن لهؤلاء أن يكونوا عهدًا لوحدة المسيحيين فقط عندما نعلن أنّ الاختلافات العقائدية في إيمان كنائسهم عرضيّة. في الواقع، وحدها الوحدة في الحقّ يمكن أن تكون عهدًا لوحدة المسيحيّين، ولا تتحقّق هذه الوحدة عبر طمس الفروقات العقائدية، بل بالتحقيق فيها ورفض ما هو زائف في سبيل ما هو صحيح.

ما يثير الاهتمام هو التصريح بأنّ عمل البعثات لا يتضمّن أيّ شكلٍ من التبشير” (24). ليس واضحًا معنى ذلك. فمثلاً عندما يتمّ التبشير ضمن عمل البعثات باستعمالِ وسائل غير مناسبة (الإكراه، الرشوة، الخداع)، يمكننا الموافقة على التصريح أعلاه. إلاّ أنّنا قد نفهم من هذه الوثيقة، وبخاصّة من عبارة أيّ شكل، بأنه ممنوعٌ بشكلٍ عام إرشاد الكاثوليك إلى الأرثوذكسية، ما هو أمرٌ سخيفٌ بطبيعته. وتتكرّر المسألة في المقطع التالي: “أسلوب الوحدةالذي اتُّبع في القرون الماضية، بما يتضمّن من توحيدٍ لجماعةٍ مع أخرى عبر فصلها من كنيستها، ليس الأسلوب المناسب لإعادة الوحدة” (25). لكن إذا تمكنّا من إرشاد جماعةٍ من الكنيسة الكاثوليكية إلى الأرثوذكسية، ستستعيد هذه الجماعة الوحدة مع كنيسة المسيح، وإذا لم يتمّ ذلك، ستبقى هذه الجماعة في حالة انشقاقٍ عن الكنيسة.

إذًا، يعتمد مستقبل الإنسانية، إلى حدّ بعيد، على قدرتنا في هذه المرحلة الصعبة على الالتزام بروح الحق” (28). لكي نستطيع الالتزام بروح الحقّ، نحن والكنيسة الكاثوليكية، من الضروري أن تعترف هذه الكنيسة بالحقّ وتتخلّى عن عقائدها الخاطئة.

استقامة الرأي واستقامة الممارسة

استقامة الرأي واستقامة الممارسة

اﻷب أنطوان ملكي

أثارت مقالة المطران جورج خضر في جريدة النهار يوم السبت ١٩ آذار ٢٠١٦ بعنوان استقامة الرأيكمّاً كبيراً من ردود الفعل. فالبعض استنكر واﻵخر استغرب. هذا تألّم وذاك تفاجأ. البعض غضب وغيرهم خاب. الذين قرؤوا المقالة لاهوتياً وجدوا فيها قلّة دقّة. والذين قرؤوها رعائياً وجدوا فيها ضرراً. والذين قرؤوها من منظار تاريخي وجدوا فيها العديد من المغالطات. طبعاً بمقابل كلّ هؤﻻء مَن اعتبر المقالة قمّة في المحبة ﻷن لا تمييز طائفياً فيها ولا إدانة، وآخرون وجدوا راحة في أن يحصر المطرانُ اﻹيمانَ في صَلْب السيد، وقيامتِه، والثالوثوأن غير ذلك تفاصيل”.

إلى هذا، بدأت أرقام التعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي بالارتفاع، خاصةً مع تزايد عدد التعليقات من خارج أنطاكية، بغض النظر عن محتواها.

الواقع أن المطران جورج لم يقل في هذه المقالة شيئاً جديداً لم يقله من قبل، إنّما قدّم بالجملة ما قد سبق له تقديمه بالمفرّق. وأكثر من ذلك، أنه قال ما يمارسه كثيرون. قد يكون التقدم بالعمر جعله أكثر مباشرة وتبسيطاً. فهو يقول بتبسيط الكلام ليس من إختلاف جوهري في العقيدة بين المسيحيّين“. إذاً هذا القول تبسيط، لكنّه يعني أن كل ما عاشه المسيحيون منذ أول انشقاق حتّى اليوم، أو أقلّه منذ 1054 م. إلى اليوم، لم يكن ﻷسباب جوهرية أو عقائدية. إذاً، لماذا كان؟ أهو ﻷسباب سياسية؟ أهو خلاف على النفوذ كما يعتقد أغلب العامّة؟ هنا تأتي المغالطة التاريخية بقول المطران :”بصورة عامّة وأكيدة، المسيحيّون إيمانهم واحد أو كان واحدًا قبل أن تُعلن الكنيسة الكاثوليكية أوّلية البابا وعصمته عقيدة السنة الـ١٨٧٠“. إذا سأل أحدنا غوغل عن تاريخ انشقاق الكثلكة عن الكنيسة يكون الجواب 1054. وإذا سأل العلماء والمؤرخين يكون قبل ذلك، أي تاريخ بداية الجدل حول انبثاق الروح القدس من اﻵب أو من اﻵب والابن معاً. عندها بدأ التباعد. لكن المطران يجزم أن الانبثاق تفصيل لا أهمية له. وهنا من حق أي كان أن يتساءل: كيف يوصَف الوضع بين 1054 و1870، ألم يكن انشقاقاً؟

قول المطران نحن والكاثوليك والإنجيليّين، نقول في المسيح قولاً واحدًاقول غريب. مريم هي والدة اﻹله أي المسيح. فإذا كان مسيح الكثلكة وُلِد من عذراء حُبل بها بلا دنس، ومنه انبثق الروح القدس، بينما مسيح اﻷرثوذكسية وُلِد من عذراء أتت من زرع بشري، وهو أرسل الروح القدس الذي من اﻵب ينبثق، فكيف يكون قولاهما واحداً؟ كيف يقول المطران على صعيد الكلام في المسيح، كلّنا مستقيمو الرأي؟ هذا تعميم منافٍ للمنطق.

طالما أن كنيسة أنطاكية على ما هي عليه، ليس مجدياً الخوض في التقييم العلمي لهذه المقالة أو غيرها. هذا طبعاً إذا استطعنا أن نضع شخصنة اﻷمور جانباً. فأن تقول بأنّ المطران جورج خضر مخطئ هو قول لدى الكثيرين قد يساوي الهرطقة.

هنا، يستحضرنا ما كتبه الأرشمندريت توما بيطار في إحدى أوراقه الديرية: “عندما نقرأ في عظة ﻷحد الرؤساء (النهار، 29 كانون اﻷول، 2005) كلاماً عن الثالوث القدوس يقول فيه (والكلام للرئيس المذكور): <الابن مولود من الآب قبل كل الدهور وهو منه، ليس هو شخص آخر ولا هو شخص ثانٍ> نأسف ونعجب! أولاً ﻷنّ القول هرطقة سابليانية واضحة. ثانياً ﻷنّه لا تصحيح من الجهات الرسمية المسؤولة ورَدّ. ثالثاً ﻷنّ أحداً لا يبدو مُطالِباً بتصحيح علني لما قيل وﻻ ردّ عليه. وهذا يجعلنا نتساءل: أﻷنّ القول صدر عن رئيس لم يشأ أحد أن يعترض أم ﻷنّ الناس لا يقرأون وإن قرأوا لا يفهمون وإن فهموا لا يبالون؟! خشيتنا أنّ العقيدة باتت، في الوجدان، أدنى إلى اﻵراء ووجهات النظر. فإذا كانت العقيدة تؤخَذ بخفة، على هذا النحو، فأي حوار عقدي يعوّل عليه، بعد، في اللقاءات المسكونية؟!” [اﻷرشمندريت توما بيطار. الكنيسة والكنائس في فكر اﻷب جورج فلوروفسكي. الحركة المسكونية: من أين؟ وإلى أين؟ في اﻷرثوذكسية بين الحركة المسكونية وحوار الديانات (ثلاث مقالات)”. أوراق ديرية – 12. دير القديس سلوان اﻷثوسي. دوما. 2005. ص. 16.]

كلام اﻷرشمندريت توما ينطبق تماماً على قضية مقالة “استقامة الرأي”: الكاتب مطران، أي رئيس. اﻷرشمندريت أسف وتعجّب في 2005، والأمر نفسه اليوم، فاﻵسفون والمتعجّبون كثر.

في 2005، القول هرطقة سابليانية واضحة، واليوم الكلام لا حاجة لبرهان عدم موافقته للوجدان اﻷرثوذكسي والدليل ردود الفعل الكثيرة. في 2005، لا تصحيح من الجهات الرسمية المسؤولة ورَدّ، واليوم أيضاً، حتّى يصحّ التساؤل حول وجود جهات رسمية مسؤولة وما انشغالها: أهي المجمع، لا سوابق له بالردّ، أهي معهد القديس يوحنا الدمشقي، فالماضي يقول أنه صمت حين كان معنياً مباشرة (أبو غسان، الخوري بولس طرزي، مسرحية فادي تابت)، أهو اﻷديار، فقد أحجموا عن ذلك مجتمعين فكيف اليوم متفرقين؟

في 2005، لم يبدُ أحد مُطالِباً بتصحيح علني لما قيل وﻻ ردّ عليه، واليوم أيضاً، هناك الكثير من التعليقات، لكن أياً منها لا يطلب التصحيح أو الردّ، حتّى يجوز التساؤل عمّا إذا كان الدم ما يزال يجري في عروق هذه الكنيسة أم أنه تجمّد.

في 2005، تساءل اﻷرشمندريت: “أﻷنّ القول صدر عن رئيس لم يشأ أحد أن يعترض أم ﻷنّ الناس لا يقرأون وإن قرأوا لا يفهمون وإن فهموا لا يبالون؟!” هنا تكمن المشكلة اليوم، وعلى اﻷرجح أن اللامبالاة هي السائدة بين الناس، وهذه اللامبالاة هي نتيجة حتمية للإحباط الذي أصابهم. فأمام كثافة المشاركة مع غير اﻷرثوذكسيين في اﻷكاليل والجنازات وحتّى القداديس، على كل المستويات من الرؤساء إلى الشعب، وأمام ما يتمّ تناقله من صور لزياحات مشتركة في الشعانين أو في الفصح أو في غيرها، وأمام صور الجوقات تؤدّيفي معابد غير اﻷرثوذكس أو في المسارح، وأمام صور اﻷوركسترات في كنائسنا، مَن هو اﻹنسان الذي يُطلَب منه الحفاظ على رباطة جأشه وثباته والصمود أمام الخيبة واﻹحباط والشعور بالهزالة.

في 2005، وصف اﻷرشمندريت الوضع بأن العقيدة باتت، في الوجدان، أدنى إلى اﻵراء ووجهات النظر”، ماذا عن اليوم؟ أين العقيدة لا بل أين الممارسة؟

أيضاً في 2005، تساءل اﻷرشمندريت:”فإذا كانت العقيدة تؤخَذ بخفة، على هذا النحو، فأي حوار عقدي يعوّل عليه، بعد، في اللقاءات المسكونية؟!” اليوم، العقيدة والممارسة والتعليم كلها مأخوذة بخفة، علامَ يُعوَّل؟

كنيسة أنطاكية اليوم كومة حطب. اليبس منتشر في كل المفاصل والأغصان. تُخالَف العقيدة وما مَن يرفع الصوت. تُخالَف أصول الليتورجيا وما مَن يسأل. تُخالَف القوانين وما مَن يُحاسب. الزنا لا يُحاكَم، الشذوذ لا يُحاكَم، السرقة لا تُحاكَم، حتّى الخروج على الرئاسات ممكن، وما مَن يهتمّ. استقامة الرأي مُفتَقَدَة، وهذا ينتج عنه افتقاد استقامة الممارسة. الرجاء الوحيد هو أن الهواء والنور قادران على التسلل ما بين قطع الحطب. فلا بدّ وأن يأتي يمين الربّ عليها يوماً ما، فإمّا يحييها وإلا يجمعها ويلقيها في النار.

أخيراً، سؤال إلى اﻹكليروس الأنطاكيين الذين استفزهم كلام المطران جورج، لا من باب المزايدة ولا من باب الاستفزاز، بل من باب دقّ الناقوس: ألا تناولون غير الأرثوذكس؟ ألا تشتركون في أعراس في كنائس غير أرثوذكسية؟ ألا تقبلون بعرابين غير أرثوذكس؟ إذا كان الجواب نعممعناه أن في الممارسة التواء لا استقامة. استقامة الممارسة تنبثق من استقامة الرأي وتحضنها وتحصّنها. عندما تكون الممارسة مستقيمة يصير أكثر سهولة استيعاب الالتواء في الرأي وإصلاحه: “إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا(غلاطية 1:6). وهنا تكمن الصعوبة في كنيسة أنطاكية.

الهراطقة: شفاة غير مشفيّين

الهراطقة: شفاة غير مشفيّين

المتقدّم في الكهنة الأب جورج ميتالينوس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

ليست الهرطقةُ مجرّدَ خطأ فكريّ، وليس الهراطقةُ مجرّد مخطئين في إيجاد الحقيقة، فما يحصل في حالتهم أكثر عمقًا وأهميّة. هُم يعرفون الكتاب المقدّس حرفيًّا، وغالبًا بشكلٍ باهر، لكنّهم يفتقدون إلى أمرٍ أساسيّ، وهذا ما يميّزهم بشكلٍ جوهريٍّ عن الآباء: فَهُم يفتقدون إلى خبرة الروح القدس التي يملكها الآباء، وإلى الاستنارة الداخلية للروح، وذلك لأنّهم لم يسلكوا في مسيرة الكنيسة الشفائيّة.

خارجيًّا، قد يكونون بلا عيبٍ من الناحية الأخلاقية، لكنهم لا يملكون الروح في داخلهم. لذلك لا يعاينون ما يعاينه الآباء في الروح، ولو كانوا متقدّمين بشكلٍ مدهشٍ من الناحية الفكرية.

في الواقع، لا يخفى على أحدٍ أنّ جميع الهراطقة العظماء أبهروا العالم بمعرفتهم الواسعة وحكمتهم، وما زالوا يفعلون ذلك اليوم! إلاّ أنهم لا يملكون قلبًا نقيًّا، ولم يتحوّلوا إلى هياكلَ للروح القدس.

إنّ الهرطقة تفترض غيابًا للعلاج الشفائي أو ضعفًا فيه. ولهذا السبب، لاهوتُ الهراطقة عقلانيٌّ، هو فرضيّة علميّة منطقيّة ولعبة قياسيّة. ما يفتقد إليه الهراطقة هو خبرة التألّه التي زيّنت الآباء. لهذا لا يستطيعون أن يميّزوا الحقّ من الخداع في المواقف الدقيقة، إذ ليسوا قادرين على رؤية الحقّ في داخلهم، ولا يعرفونه في قلوبهم. من دون مركبةِ الصلاة الذهنية، لا يمكنهم الوصول إلى التمجيد، الذي هو كشف الحقّ كلّهعبر الروح القدس.

وهنا تظهر مأساة الهراطقة كلّهم، بخاصّة رجال الدين الهراطقة. فهؤلاء يريدون أن ينيروا وهم غير مستنيرين، يريدون أن يشفوا وهم غير مشفيّين، يريدون التكلّم باللاهوت وهم ملحدين (أي يعيشون بعيدًا عن الله الحقيقيّ). يمكننا تشبيه الهراطقة بالدجّالين والنصّابين المملوئين غشًّا. إلاّ أنهم أسوأ منهم: إنّهم أطباء يقدّمون علاجًا شفائيًّا مميتًا، ويقتلون الناس من الأبدية. هم صيادلة يبيعون أدويةً مسمَّمةً وفاسدةً وخطيرةً على الصحّة العامّة، لا على المستوى الجسديّ، بل على المستوى الروحيّ والأبديّ.

جورج فلوروفسكي: نهجه في المسكونية

جورج فلوروفسكي: نهجه في المسكونية

اﻷب أنطوان ملكي

اﻷب جورج فلوروفسكي (1893-1979) هو زعيم لاهوتيي القرن العشرين اﻷرثوذكسيين، بشهادة اﻷرثوذكس وغيرهم. المقالة الحاضرة وصف لنهجه في العمل المسكوني. فالرجل مثّّل اﻷرثوذكس في محافل مسكونية وفي حوارات مع غير اﻷرثوذكس، ومنهجيته أوصلته إلى استنتاجات عبّر عنها في كتاباته. التركيز هنا هو على خطاباته في اجتماعات مجلس الكنائس العالمي.

عَمِل فلوروفسكي على تأسيس مجلس الكنائس العالمي وأعماله ثبّتته بشكل واضح كلاهوتي معروف عالمياً وجعلته الصوت الأرثوذكسي المتقدّم في الحركة العالمية لإعادة توحيد العالم المسيحي. مع أن الكثيرين يحكمون عليه بأنه مثير للجدل، لكنه عُرف عالمياً كلاهوتي كبير في القرن العشرين ومن أكثر المفكرين عمقاً والخطباء فصاحة بين أرثوذكسيي زمانه.

في لقاءاته المسكونية، سعى فلوروفسكي إلى أن يصف، بعبارات واضحة ولا مساومة فيها، الموقف الأرثوذكسي من الأمور اللاهوتية الأساسية، في تضارب واضح مع نظرات الآخرين. عند نقطة ما، تساءل حول شرعية استعمال كلمة كنائس، التي تعني الجمع، في تسمية مجلس الكنائس العالمي. وقد اقترح إدخال الجملة التالية إلى النصوص الرسمية: “يشير اسم مجلس الكنائس العالمي إلى حالة لا ينبغي وجودها. نحن نتّفق على تسمية طوائفنا كنائس بمعنى لا يسمح به العهد الجديد”. في تقرير لاحق كان أكثر حدّة في تعبيره: “الطوائف المتفرقة ليس لها الحق بتسمية نفسها كنائس“. بالتأكيد، هذه اللغة المأخوذة من فهم محدد للكنيسة، في العهد الجديد، على أنها جسد المسيح الواحدة المقدسة في دستور الإيمان الأرثوذكسي. جسد المسيح واحد، وبالتالي الكنيسة واحدة. من وجهة النظر الأرثوذكسية هذه، يستحيل وجود أكثر من كنيسة لاستحالة وجود أكثر من جسد للمسيح. ما لدينا بالحقيقة هو إنقطاع في العلاقات في العالم المسيحي وانفصال في الوحدة المسيحية حول عقائد أساسية في الإيمان تؤدّي إلى اختلافات وافتراقات.

ذروة الأحداث المسكونية التي شارك فيها فلوروفسكي كان الجمعية الثانية لمجلس الكنائس العالمي في إيفانستون، إلينوي، ما بين الخامس عشر والحادي والثلاثين من آب 1954. الموضوع كان أن نبقى معاً لا يكفي، يجب علينا التقدّم“. لتحقيق ذلك وقفت الشهادة الأرثوذكسية في تناقض صارخ مع الآراء السائدة الأخرى. تحدث فلوروفسكي باسم الأرثوذكسيين: “لا يمكن لأي مسيحي تجاهل حقيقة الانقسام المسيحيأعظم إنجاز للحركة المسكونية الحديثة يكمن في الشجاعة للاعتراف بأن هناك خلاف كبير. لدغة المأساة المسيحية الفعلية هي حقيقة أنه في الوضع التاريخي الملموس، العديد من الانقسامات قد فُرِضَت، بالشكل الذي كانت عليه، وتحديداً ولاءً للمسيح وبالغيرة الصادقة على الإيمان الحقيقي“. الإعلان الأرثوذكسي كان صريحاً: “عودة الجماعات إلى إيمان الكنيسة القديمة المتحدة وغير المنقسمة، كنيسة المجامع المسكونية السبعة. هذه العودة هي وحدها ما ينتِج إعادة الوحدة المرجوة بين كل المسيحيين المتفرقين“. عبارات الأرثوذكسيين الصارمة أوضحت أن الطريق إلى الأمام هو بالفعل طويل وصعب. وكعلامة على أنّ المجموعة المسكونية تنوي على الأقل أخذ مقاربة الأرثوذكسيين للوحدة بجدية، أيّدت اللجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي مبادرة فلوروفسكي والأخرين بتبنّي الدراسة التقليد والتقاليد، وهي الموضوع الذي تطرق إليه فلوروفسكي بغنى وبتكرار في الكثير من كتاباته.

في أواخر حياته، أصيب فلوروفسكي بالخيبة من التجنب الظاهر للقضايا اللاهوتية الجوهرية التي كانت انشغاله الأساسي طوال حياته. بالحقيقة، لقد لاحظ تحوّل اهتمام قيادة مجلس الكنائس نحو القضايا الاجتماعية إلى درجة أن لقاءاتها صارت بلا أي صفة دينية أو مسيحية، والقرارات صارت تُتخذ من دون اهتمام بالعقيدة وبالتحديدات اللاهوتية، ومن دون إلمام بتاريخ الكنيسة وتقليدها والحضارة المسيحية. صار العارفون أو الذين قد يثيرون أي صعوبات بالعودة إلى مسائل التاريخ واللاهوت يُبعَدون ويُهَمَّشون. الاهتمام صار في إيجاد ما هو مشترك ونسيان الباقي. آلمه أنّ تناسي الفرق بين الجماعات المسيحية بهدف تحقيق الوحدة سيؤدّي إلى وحدة سطحية، غير واقعية وبالتأكيد لا تدوم. أحزنه أن قادة مجلس الكنائس العالمي فقدوا الاهتمام بالعقائد والمبادئ وصاروا عاجزين عن فهم أن لهذه الحقائق اللاهوتية بعداً وجودياً. وبدل أن تكون أعمالهم موجّهة بالعقيدة واللاهوت فضّلوا البرامج الإنسانية والأعمال والإجراءات العملية في العمل الاجتماعي لتحسين حالة العالم، ولكن ليس بالضرورة حالة الكنيسة. هذا دلّ على أن روح الدهرية تسربت إلى الحركة المسكونية.

إلى آخر رمق، لم يكف فلوروفسكي عن استبساله في التأكيد على أن لا تقدم مسكوني حقيقي إلا من خلال المناقشة اللاهوتية والدراسة على يد أجيال من اللاهوتيين الجديين.

الفردانيّة وضلالة الكاريزماتيك

الفردانيّة وضلالة الكاريزماتيك

المتقدّم في الكهنة مايكل جيليس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

أجيبُ اليوم على سؤالَين طرحَهما صديق لي مُستفسِرًا: أوّلاً، لماذا يدعو المسيحيّون التقليديون الكاهنَ بالأب؟ وثانيًا، لماذا نُصلّي للقدّيسين (أي لماذا لا نتوجّه بأنفسنا إلى الله)؟ إنّ صديقي مُطَّلعٌ على البروتستانتيّة المواهبيّة المعاصرة (الكاريزماتيك)، لذا أجيبه بالتالي:

يرتبط السؤالان بعضهما ببعض بأشكالٍ عدّة. لقد أصبحنا اليوم فردانيّين، فصار من الصعب أن نفهم ما يقوله بولس الرسول حين يَصِفُ الكنيسةَ بأنّها جسدٌ واحدٌ، يَعتمدُ كلُّ عضوٍ فيه على الآخر بالكلّية. نظنّ أنّ جميع الناس (الأصحّاء والطبيعيّين) قد وَصلوا إلى الدرجة ذاتها من معرفة الله والأمور الروحيّة، وأنّنا لا نحتاج إلى الاعتماد على غيرنا لنعرف الله جيّدًا. ثقافتنا علّمتنا أن نفكّر على هذا النحو، ويمكننا أن نُرجِع التطوّر الفلسفي لهذا الفكر إلى شخصٍ اسمه ايمانويل كانت Kant” (توفي 1804). فبالنسبة له، إذا كان أمرٌ ما صائبًا ومنطقيًّا وحقيقيًّا، يكون صائبًا ومنطقيًّا وحقيقيًّا بالنسبة للجميع. ويُسمّى هذا الفكر بـالحديث، ما يعني أنّه من نتاج مفكّري عصر الأنوار في أوروبا. أمّا وقد دخلنا في عصر ما بعد الحداثة، فقد بدأ المجتمع بالاعتراض على بعض هذه الافتراضات المتعلّقة بالمعرفة، بخاصّة المعرفة الروحيّة. إلاّ أنّ الإنجيليّة والبروتستانتيّة منطبعتان بعصر الأنوار، وبالتالي مقاربةُ البروتستانتيين لله فردانيّةٌ للغاية، مقارنةً بمسيحيّة ما قبل الحداثة التي كانت أكثرَ شراكةً في هذه المقاربة.

لنأخذ مثلاً القدّيس بولس الذي يعتبر علاقته بأولاده الروحيّين بمثابة علاقة أبٍ وأبناء، ويدعو القدّيس تيموثاوس بولده (2 تيم 1: 2)، ويقول للكورنثيّين إنّه أبوهم لأنّه وَلدَهُمفي الإيمان، ولهذا وَجبَ أن يصغوا إليه (1 كو 4: 15). إضافةً إلى ذلك، يطلب بولس الرسول باستمرارٍ صلواتِ مَن يكتب إليهم، ويؤكّد لهم بتواترٍ أنّه يصلّي من أجلهم. وكان هذا الفعلُ ذا قيمةٍ عند مسيحيّي عصرِ ما قبل الحداثة، فقد كان من المهمّ أن يصلّي الأبُ الروحيُّ (أو الأم الروحيّة) من أجل الشخص، إذ إنّ هذا الأخير لا يمكنه أن ينمو أو يُحفَظ من الأعداء الروحيّين من دون تلك الصلوات. وانطلاقًا من هذا الفكر، فإننا عندما ندعو أحدَهم بالأب، نعلن أنّ هذا الشخصَ أيقونةٌ عن الآب أو ممثّلٌ عنه، أو أنّه شخصٌ يحمل إلينا الآبَ السماويَّ و/أو يحملنا إليه. وينطبق المبدأ ذاته على لقب المعلّمأو السيّدأو الطبيب” (والذي يعني المعلّم باللاتينية). هناك معلّمٌ واحدٌ فقط، وهو الله (وهو أيضًا الأب وحده، والسيّد وحده). لكنّ الله بنى جسدَه، أي الكنيسة، على هذا النحو، ليعلّمَ بواسطة معلّمين بَشَر. إذًا، عندما ندعو إنسانًا بالمعلّم، فإننا نعلن أنّ هذا المعلّم البشريّ يأتينا بتعليمٍ من المعلّم السماوي، أو يحملنا إليه بطريقةٍ ما. وبما أنّ الله لا يتراجع عن عطاياه ودعواته (أي أنّه لا يسحبها)، وبما أنّ لا أحد يموت في المسيح، حتى ولو مات، لأنّ الجميع يعيشون في المسيح، فقد اعتاد الأبناء والبنات الروحيّون في الكنيسة اللجوءَ إلى آبائهم وأمهاتهم ومعلّميهم الروحيّين، طالبين إرشادهم ومساعدتهم وصلواتهم. يمكننا طبعًا أن نتوجّه إلى الله بأنفسنا، لكن لمَ لا نطلب أيضًا صلوات هؤلاء الرجال والنساء القدّيسين الذين أثبتوا، عبر قداسة حياتهم وتجلّيات النعمة فيها، أنّهم موهوبون، ومختارون من الله ليعملوا ويشفوا ويرشدوا، ويساعدوا بسبلٍ متنوّعة المبتدئين في الحياة الروحية؟

في الواقع، عندما نعتقد أننا ذاهبين إلى المسيح بمفردنا، قد نقع في نوعٍ من الضلالة من دون أن نعيَ ذلك، وهذا ما يجعلها ضلالة. تكمن الضلالة في ظنّي أنني قادرٌ بمفردي على تمييز ما يقوله لي الله أو ما يصنعه من حولي. إنها ضلالةٌ لأنّنا ننسى أنّنا سبق وكنّا على خطأ في مواقفَ كثيرة؛ إنها ضلالةٌ لأنّنا نقيس مدى كوننا على حقّ ومدى سماعنا الله استنادًا إلى خبرتنا غير الموضوعية، حتى وإن تضمّنت هذه الخبرة بعض الأحداث العجائبية أو الاستعلانات أو الخبرات. يعطي يسوع تحذيرًا مخيفًا عندما يقول في الأناجيل (أكثر من مرّة) إنّ الكثيرين سيدَّعون في دينونةِ اليوم الأخير أنّهم عرفوه، لأنهم تنبّأوا أو صنعوا أعمالاً عظيمةًباسمه، بينما هو سيقول إنّه لا يعرفهم. ويحذّرنا آباء الكنيسة وأمّهاتها مرارًا وتكرارًا من أخطار الروحانيّة القائمة على الإرشاد الذاتي. وقد قيل إنّ مَن يكون المرشدَ الروحيَّ لنفسه فهو يملك أحمقًا كمرشدٍ روحيّ.

وهناك وجهٌ آخرٌ لهذه المسألة: التواضع. من الصعب أن نقتني التواضع عندما نتّخذ قراراتٍ روحيّةً بمفردنا. أقول إنّ الروح يقودني، بينما أكون أنا مَن يقرّر ما يقوله الروحُ وكيف أفهمه وأطبّقه: أي ما زلتُ أنا المسؤول. وإذا ما اختبرتُ، بنعمة الله، إرشادًا عجائبيًّا أو استعلانًا قويًّا، قد أقول إنّ هذا كلّه من عمل الله، لكن يختبئ في عقلي اعتقادٌ بأنّ عمل اللهيتوّقف كثيرًا عليّ، أي على ما أميّز وأحسّ وأرى وأشعر. ولهذا لا يرتاح الكثير من المسيحيّين التقليديّين إلى أسلوب الكاريزماتيك في التكلّم عن العطايا الروحية، والتعليم عن كيفية اختبارها وعملها فيهم. أعي أنّ العديد من أتباع الكاريزماتيك أشخاصٌ جيّدون، حتى إنهم أشخاصٌ قدّيسون يبذلون أقصى جهدهم ليعلّموا استنادًا إلى خبراتهم الخاصّة وفهمهم للكتاب المقدس. إلاّ أنّ ذلك يبدو، انطلاقًا من منظور المسيحيّة في عصر ما قبل الحداثة، وصفةً من شأنها التلاعب والضلالة، ما يؤدي إلى الكبرياء الروحي أو الاكتفاء الذاتي، وكأنّه لا حاجة سوى إليّ أنا وإلى الروح القدس“. وهذا يُخالف تعليم العهد الجديد والمسيحية برمّتها حتى وقت قريب (من الناحية التاريخية). كلاّ، نحن نحتاج إلى صلواتِ الجسد كلّه وإرشاده وتعليمه، وإذا ما اختبرتُ نجاحًا شخصيًّا أو إرشادًا أو كشفًا عجائبيًا، فهذا بفضل صلوات أبي الروحي، وأولادي الروحيّين، وملاكي الحارس، وجميع القدّيسين الذين يشاهدونني ويصلّون من أجلي. أمّا عندما أسقط، أو تفوتني الإشارة، أو أعتقد أنّ الله يقول شيئًا هو في الواقع لا يقوله، فهذا لأنني اتّكلت على تمييزي الخاصّ، وعلى قدرتي على الإصغاء والمعرفة والفهم.

يَصعُب كثيرًا على الإنجيليّين والكاريزماتيك المعاصرين أن يفهموا هذه الفكرة، لكنّ النزعة الثقافيّة الحاليّة إلى فكرِ ما بعد الحداثة تساعد قليلاً. سمعتُم مثلاً عن النظريّة القائلة إنّ الفراشة عندما تخفق جناحيها في ناحيةٍ من العالم، قد تسبّب عاصفةً في الناحية الأخرى (أي أنّ العالم متّصل بطريقةٍ لا يمكننا إدراكها). ويعلّموننا أيضًا أنّ الكائنات الحيّة مرتبطةٌ بعضها ببعض بأشكالٍ لا يستطيع علمُ الأحياء وحده أن يفسّرها، وأنّ الأجزاء الأصغر حجمًا (الذرّات) والأجزاء الأكبر حجمًا (الكواكب) تعمل وفق قوانين لا تنطبق على الأجزاء الفيزيائية التي فيما بينها. لقد أدّى فكرُ عصرِ ما بعد الحداثة إلى إعادة اعتبار حكمة الشيوخالتي كانت في مجتمعاتِ ما قبل الحداثة، وإلى الوعي أنّ مقاربة الواقع بطريقةٍ فردانيّةٍ علميّةٍ منطقيّةٍ بحتة، لا تنطبق على العديد من المجالات، بخاصّةٍ مجالَي العلاقات الإنسانيّة والروحانيّة. وهناك بالطبع جانبٌ سلبيٌّ لهذه العودة، يكمُن في اعتبار المسيحيّة الحديثةشرًّا، لأنها مرتبطةٌ بما تسبَّب به التوسّع والاستعمار الأوروبي من قبائح وحماقات، في آخر 300 أو 400 سنة.* إلاّ أنّ الأرثوذكسية ليست المسيحيّة الحديثة، بل هي مسيحيّة ما قبل الحداثة. وهي تعتبر أنّنا نحتاج إلى قريةٍلتنشئةِ إنسانٍ مسيحيّ، لا مجرّد قرية أشخاصٍ يعيشون في الزمان والمكان ذاتهما، إنّما قرية تضمّ جميع آبائنا وأمّهاتنا الذين سبقونا.

عندما نذهب إلى الله، نذهب مع الكلّ، لا بمفردنا. وهنا يفيدنا أن نطّلع على تصوير الملكوت في كتاب الرؤيا. الملكوت مكانٌ مكتظٌّ. في الملكوت، لست وحدي مع يسوع، بل هناك طغماتُ الملائكة والشهداء والشيوخ وبحرٌمن كلّ قبيلةٍ ولغة. أظنّ أنّ فهمنا لله، كنتيجةٍ للحداثة، بات ضيّقًا، فإننا لا نستطيع أن نتخيّل إلهًا يكون على علاقةٍ مباشرةٍ مع الشخص كجزءٍ من الكلّ. نخاف أن نضيع إن كنّا من ضمن الكلّ، عضوًا منهم، وبحاجةٍ إليهم. وأظنّ أنّنا نخاف أن نخسر شخصيّتنا إذا كنا جزءًا من الجماعة. إلاّ أنّ الأمر ليس كما نعتقده، فكما أنّ الله كائنٌ في ثلاثة أقانيم، كذلك خُلقنا نحن البشر ليكتمل شخصنا فقط عندما نكون واحدًا مع جسد الجماعة في المسيح. الله هو أبونا، ونحن أولاده. الله هو الزوج ونحن الزوجة. الله رأسنا ونحن جسده. إنّ علاقة الله بكلّ واحدٍ منّا حميمةٌ وشخصيّة، لكنها كذلك مع الإنسان الذي يعتمدُ على الكلّ ويرتبط عضويًا بهم. نحن متّصلين، بالله وبعضنا ببعض. تكتمل علاقتي مع الله عندما أكون جزءًا من الجماعة، لا جزءًا مستقلاً (كالبرغي في الآلة)، بل جزءًا عضويًّا (كالكِلية في الجسد)، حيث حياة كلّ عضوٍ تسري أيضًا في الأعضاء الأخرى.

ولذلك، دعوتُنا أحدهم بالأب أو بالمعلّم هي إقرارٌ بأنّ الأبَ والمعلّمَ الوحيد يأتي إلينا في رجالٍ ونساءٍ ومن خلالهم، هؤلاء هم آباؤنا وأمّهاتنا ومعلّمونا، يحملوننا إلى الأب والمعلّم الوحيد. كذلك، إنّ صلاتنا للقدّيسين ومعهم هي إقرارٌ بأننا لسنا وحدنا، وبأننا لا نستطيع أن نبقى بمفردنا ونكون في الله في الوقت عينه. إنّ الأمهات والآباء والمعلّمين الذين يعيشون في هذه الحياة الوقتيّة، يصلّون لي ويساعدونني ويرشدونني إلى المسيح، وهم يستمرّون بالصلاة لي وبمساعدتي وإرشادي إلى المسيح بعد أن يتركوا هذا العالم الساقط. الفرق الوحيد هو أنّهم يصيرون في الملكوت، لا ينهكهم الجسد أو تشتّتهم الأهواء أو يحدّهم نقصُهم. يكونون في المسيح بالكلّية، وحيثما يكون المسيح يوجدون، ومهما يفعل يفعلون فيه.

* الجدير بالذكر أنّ المسيحيّة (الحديثة) تسبّبت بكلّ قباحات هذه الحقبة وحماقاتها. والأهمّ من ذلك هو أنّ العديد من التطوّرات في حقول الطبّ وحقوق الإنسان والاهتمام بالمهمَّشين، والتي كانت من نتاج الفكر المسيحي وتحفيزه، يتمّ نزع جذورها المسيحيّة عندما يتم التكلّم حاليًّا عن أصولها.

علاقات الكنيسة اﻷرثوذكسية مع الكنائس المسيحية اﻷخرى على أساس القرارات اﻷرثوذكسية

علاقات الكنيسة اﻷرثوذكسية مع الكنائس المسيحية اﻷخرى على أساس القرارات اﻷرثوذكسية

الميتروبوليت خريسوستوموس سافاتوس

أ. بعد أن أُعطيت البنود الواردة في جدول أعمال المجمع المقدس الكبير شكلها النهائي، بحيث يكون الاجتماع في أقرب وقت ممكن، و يكون لمدة قصيرة، حيث يتمّ التعامل مع عدد محدود من القضايا، بحسب ما أعلن ميتروبوليت خلقيدونية الراحل الشيخ مليتون، نظّم الاجتماع التمهيدي للمجمع المنعقد في جنيف، في عام 1976، قائمة العناصر من الاجتماع الأرثوذكسي العامّ اﻷول في رودس (1961) إلى عشرة مواضيع، من بينها إثنان:

1) العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية وبقية العالم المسيحي، و

2) الأرثوذكسية والحركة المسكونية.

على الرغم من أن كِلا هذين النصّين قد تمّت دراستهما وأشير إليهما بالإجماع كمرجعين إلى المجمع المقدس الكبير للكنيسة الأرثوذكسية الجامعة، كنصوص موافق عليها في الاجتماع التحضيري الثالث عام 1986، (28 تشرين اﻷول – 6 تشرين الثاني)، فإن بطريركية موسكو، وذلك قبل انعقاد مؤتمر الرؤساء (ما بين 6 و9 آذار 2014 في الفنار)، أعربت عن حق خطياً بأنّ هذه النصوص وغيرها تحتاج إلى تحديث وإعادة صياغة. تمّ قبول هذا الرأي بالإجماع في مؤتمر الرؤساء المذكور أعلاه، وهكذا تقرر إنشاء اللجنة المشتركة الخاصة التي، في الأشهر الستة الأولى من عام 2015، قامت بمراجعة هذين النصين. تمّ الموافقة والتوقيع على مسودة مشروع موحدة نهائية في الاجتماع التحضيري الخامس الذي عُقد في شامبيزي، جنيف، في تشرين اﻷول الماضي. فالآن، النص النهائي الشامل، بعنوان العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية وبقية العالم المسيحيسيتمّ إرساله إلى المجمع المقدس الكبير للموافقة بالإجماع.

إن التحضير للمجمع الكبير، [1] يتمّ في سياق عملية منسقة تبيّن بوضوح، من جهة، الاهتمام المناسب واليقظ للبطريركية المسكونية لكي تثبت بالوجه الأكثر اكتمالاً الوحدةَ الصلبة للكنيسة الأرثوذكسية، في ما يتعلق بشركة الإيمان واحترام التقليد والنظام الكنسيين؛ ومن جهة أخرى، التعامل الواعي والمسؤول مع هذه المشاكل الحديثة من قِبَل كامل الكنيسة الأرثوذكسية من خلال دورها المتميز والفعال. لأن دراسة هاتين الوثيقتين المشار إليهما أعلاه وصياغتهما تتعلّقان ببعض القضايا التي تهمّ كلّ جسد الكنيسة الأرثوذكسية، فهما تتطلبان ليس الاهتمام وحسب بل أيضاً الموضوعية الكاملة أثناء الأعمال التحضيرية للمجمع الكبير للكنيسة الأرثوذكسية الجامعة.

ب. قبل مناقشة عملية مراجعة وتحديث هذه النصوص، من الضروري تقديم محتواها وتحليله، في ما يتعلق بالعلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية والطوائف المسيحية الأخرى.

1. في النص المعنوَن الكنيسة الأرثوذكسية والحركة المسكونية، يتم تحديد المبادئ الإكليسيولوجية الأرثوذكسية في اثنتي عشر فقرة. على أساس هذه المبادئ يتمّ، من جهة، وصف هويتها الإكليسيولوجية، ومن جهة أخرى يتمّ تحديد مشاركتها في ما يُعرف بالحركة المسكونية.

على وجه الخصوص، يشدد النص على أن الكنيسة الأرثوذكسية هي حاملة إيمان وتقليد الكنيسة الواحدةالجامعة المقدسة الرسولية والشاهدة لهما“(المادة 1)، في حين أن الخروج عن تقليد الكنيسة الأصلي الذي حدث بعض الأحيان هو بسبب المفاهيم المختلفة بشأن الوحدة والفهم الأساسي لمادة الكنيسة وطبيعتها (§2a). إن الصيغ الحالية تمثّل تجاوزاً للمفاهيم السابقة، سواء في ما يتعلّق بالحصريات الطائفية كما بالأفكار التي تعبّر عن مبادئ الشمولية الكنسية. فالوحدة لا تتحقق بأي نوع تراكمي ينشأ من دمج المفاهيم المماثلة أو غير المماثلة، بل على أساس الإيمان المُعبّر عنه في الأسراروالمضبوط ضمن حدود التسلسل الرسولي والتقليد الآبائي كما هو مُصاغ في المجامع المسكونية (2B راجع، ج).

إن الاتّزان اﻹكليسيولوجي الذي تتمتّع به الكنيسة الأرثوذكسية والموصوف أعلاه، فرض عليها المشاركة في كل جهد لاتحاد الجميعواستعادة وحدة المسيحيين الضائعة، من خلال تحقيق الوحدة في الإيمان (راجع §2c) كما فعلت ولا تزال تفعل، من وقت ظهور البدع الأولى في الكنيسة إلى اليوم حيث تعارض الصياغات الحديثة والانحرافات والمفاهيم الهرطوقية المعاصرة.

إن مشاركة الكنيسة الأرثوذكسية في الحركة المسكونية، كما هو معروف، وخصوصاً في أجهزتها المختلفة، يتمّ تحديدها بحسب طريقة فهم أعلى الأجهزة لدورها ووجودها، كما من فهم هوية الحركة المسكونية نفسها. هذا هو الحال بصفة خاصة فيما يتعلق بالتنظيم الأساسي لهذه الحركة، كما يُعبّر عنه في مجلس الكنائس العالمي (WCC)، ويصف النص طريقة المشاركة في هذا المجلس الأعلى بشكل بياني.

بالرغم من أن الكنيسة الأرثوذكسية هي واحدة من الأعضاء المؤسسين لمجلس الكنائس العالمي إلا إنها لم تقبل أبداً فكرة مساواة الطوائفولا وحدة الكنيسة كنوع من التكيف الطائفي” (§6). ﻻ تعتبر الكنيسة اﻷرثوذكسية أن مجلس الكنائس العالمي هو كنيسة شاملة أو أن بإمكانه أن يكون ذلك (§7). كل ما تراه هو فرصة لتسهيل تواصل مختلف الطوائف والتقاليد مع بعضها البعض وتعزيز الحوار بينها، بهدف دراسة ومناقشة القضايا التي تمس الوحدة المسيحية (§7) والتي ترى أنها ليست شؤوناً للاتفاقات اللاهوتية بل أيضاً للتقارب في المواقف والآراء التي تهمّ العالم والناس في كل فترة من التاريخ (راجع §6). علاوة على ذلك، يُشار إلى بعض الصعوبات في النص الحالي، وهي قد نشأت أثناء انعقاد الجمعية العامة السادسة في فانكوفر، كندا (1983)، والتي أشار إليها بعض الكنائس الأرثوذكسية الأعضاء في مجلس الكنائس العالمي، تؤكّد في الوقت نفسه على أنه من الضروري أن يكون هناك شهادة أرثوذكسية ذات مغزى، فضلاً عن المساهمة اللاهوتية الاستثنائية كشروط ضرورية ستوفر للكنائس الأرثوذكسية فرصة لتسلك على أساس أنها مساوية للأعضاء الآخرين في مجلس الكنائس العالمي، على أساس الهوية الإكليسيولوجية الخاصة، فالحال ليس دائما على هذا المنوال نظراً للهيكلية الإجرائية التي تنظم تشغيل مجلس الكنائس العالمي“. لهذا السبب، تقرر ما يلي: ‘يجب أن تُجرى التعديلات اللازمة الجديدة لتكون الكنيسة الأرثوذكسية قادرة على تقديم شهادتها ومساهمتها اللاهوتية للمجلس، كما يتوقع المجلس منها، وفقاً لما تمّ بالفعل الاتفاق عليه بين الأعضاء الأرثوذكسيين (توصيات صوفيا) (§11).

في هذا التقدم نحو التطبيق النهائي للنقاط المذكورة أعلاه في النص، كما نحو مساهمة خلاقة وشهادة من جانب الكنيسة الأرثوذكسية، جاء وجوب إدارة مجلس الكنائس العالمي بأكمله على أساس التقليد والإيمان الرسوليين (راجع §12). وقد بذلت جهود مماثلة لإشراك الكنيسة الأرثوذكسية في إطار لجنةالإيمان والنظام، حيث على الكنائس الأرثوذكسية إيجاد سبل تنسيق جهودها بشأن المعايير الإكليسيولوجية للمشاركة في الحوار اللاهوتي المتعدد الأطراف المستمر. ولتحقيق كل ما سبق، فقد تقرر على أساس أرثوذكسي شامل، تقديم مقترحات صوفيا (1981) ونصوص اللجنة الخاصة (2002)، التي تحتوي على توصياتالكنائس الأرثوذكسية لمجلس الكنائس العالمي ومشاركتهم فيه [2].

وبالتالي فإن توصيات صوفيا واللجنة الخاصة [3] هي تحديثات وإضافات ومواقف لازمة، من جهة قد تم الاعتراف بها من قبل جميع الأرثوذكس وتمّت موافقتهم عليها بالإجماع، ومن جهة أخرى تعكس تماماً مبادئ الهوية الإكليسيولوجية ووعي الأرثوذكسية لذاتها، وخاصة فيما يتعلق بمشاركتها في هذه المنظمات الدولية المتعددة الطوائف. أما في ما يتعلّق بالتوصيات الحاضرة:

أ) تمّ الاتفاق على إعادة تقييم الإطار المؤسساتي لمشاركة الكنيسة الأرثوذكسية في مجلس الكنائس العالمي، على أساس المقترحات الأرثوذكسية بشأن اتخاذ القرارات بتوافق الآراء، ولا سيما في القضايا الاجتماعية والأخلاقية. لقد تمّ الاعتراف بالهوية الإكليسيولوجية الخاصة بالأرثوذكسية في الحوار المسكوني الحديث، وخاصة في ما يتعلّق بالاختلافات اللاهوتية والإكليسيولوجية التي تميزها عن مختلف التقليدات والطوائف المسيحية. كما تمّ التأكيد على وجوب تجنّب كل أشكال الصلاة المشتركة وتحديد طريقة اشتراك الأعضاء الأرثوذكس في عمليات صنع القرار.

ب) في النص الثاني العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية وبقية دول العالم المسيحيالتأكيد على موقف الكنائس الأرثوذكسية الإيجابي من الحوار حول وحدة العالم المسيحي، على أساس التقليد المشترك للكنيسة القديمة (§3). الفقرتان (6 و 7) من النص تصفان المبادئ المنهجية العامة التي على أساسها تُجرى المناقشات اللاهوتية الثنائية.

على وجه الخصوص، تمّ التأكيد على أنه في سياق المناقشات اللاهوتية، تهدف المنهجية المتّبعة إلى حلّ للخلافات اللاهوتية المزمنة أو أي تعديلات جديدة كما إلى البحث عن النقاط المشتركة للإيمان المسيحي، مع افتراض إبقاء أعضاء الكنيسة على علم بالتطورات التي تستجد في المناقشات. إذا ثبتت استحالة تخطي بعض الفروقات اللاهوتية المحددة، يستمر الحوار اللاهوتي، بعد أن يُسجّل الخلاف حول هذه القضية وتُعلَم جميع الكنائس الأرثوذكسية المحلية، بحيث أن كل شيء يكون كما ينبغي أن يكون. كما لوحظ أنه، إذا ما دعت الحاجة، بسبب طبيعة بعض المشاكل اللاهوتية في أي مناقشات ثنائية، يمكن تغيير المنهجية ذات الصلة. من الواضح إذن، أن في إجراء المناقشات اللاهوتية، الهدف المشترك هو الاستعادة النهائية للوحدة في الإيمان الصحيح والمحبة. مع هذا، من الصحيح أن الخلافات اللاهوتية والإكليسيولوجية القائمة تسمح بترتيب أسبقية الصعوبات التي ينطوي عليها تحقيق هذا الهدف المعلن في الأرثوذكسية ككلّ. إن تباين المشاكل في كل مناقشة ثنائية يتطلب إجراء تعديلات على المنهجية التي لوحظت، ولكن ليس أي تغيير في الهدف، لأن هذا هو واحد ونفس الشيء في كل الحوارات.

وبالإضافة إلى الفقرتين أعلاه، وكوحدة فرعية، يلي وصف للمناقشات مع الأنجليكان، الكاثوليك القدامى، الكنائس الشرقية (أو غير الخلقيدونية)، الروم الكاثوليك واللوثريين والمصلحين، ويتمّ التركيز على المشاكل اللاهوتية الخاصة بكل حالة كونها العناصر المحددة التي سببت الصعوبات والمشاكل أثناء سير كل من الحوارات.

في هذا النص، هناك تقييم كنسي دقيق بشكل خاص، من جهة، للمسار المستقبلي للحوارات، ومن جهة أخرى، للاحتمالات الواردة. إن آفاق الحوار اللاهوتي مع الأنجليكان انحسرت بالفعل [4]، بعد قرارهم سيامة النساء كهنة وأساقفة (1977 و 2013 و 2014)، في حين أن الحوار مع الكاثوليك القدامى توقف[5]، بعد سيامة النساء في بعض المجتمعات المحلية من الكاثوليك القدامى واعتماد المناولة المشتركة من دون الشركة في الإيمانكشرط أساسي. أما الحوار مع غير الخلقدونيين، أي الكنائس الشرقية القديمة، فهو في مرحلة التقييم النقدي للقضايا الرعائية والليتورجية [5]، في حين أن الحوار مع الكاثوليك [7] تطغى عليه أنشطة الاقتناص، كما صعوبات فهم وظيفة اﻷوليّة وتطبيقها ضمن سياقات المجمع وبُنى الكنيسة.

وأخيرا، فإن الحوارات مع اللوثريين [8] والبروتستانتيين [9] قد فتحت آفاقاً جديدة لإعادة النظر في مواقفهم اللاهوتية الأساسية من الكنيسة والأسرار المقدسة، لكنّ تبنّي سيامة النساء قد ضيّق آفاق هذا الحوار، على الرغم من التقارب اللاهوتي الكبير الذي عبِّر عنه في النصوص اللاهوتية المشتركة، في ضوء التقليد الآبائي.

انعقد، في مركز البطريركية المسكونية الأرثوذكسي في شامبيزي جنيف، الاجتماع اﻷول للجنة الأرثوذكسية الخاصة المشتركة، بين التاسع والعشرين من أيلول والرابع من تشرين اﻷول 2014، بهدف استعراض نتائج المؤتمر التحضيري للمجمع الأرثوذكسي الكبير وإعادة النظر في النصّين المشار إليهما أعلاه.

في إطار استكمال وجهات النظر والمواقف، تقرر أن الأفضل دمج النصّين مع حذف فقرتين من النصوص السابقة. هاتان الفقرتان تصفان أعمال وأنشطة بعض اﻷجهزة، ولا سيما مجلس الكنائس العالمي، وفيهما وصف لمسار مختلف الحوارات اللاهوتية الثنائية. وقد تمّ حذف هاتين الفقرتين لكونهما مراجع تاريخية ليس إﻻ، ولم تقدما شيئاً ذا أهمية بالنسبة لقيمة النص الجديد الذي سوف يقيّمه الأرثوذكس جميعاً في المستقبل.

في النص الجديد الموحد، الذي صُدِّق ووُقِّع في اللقاء التحضيري الخامس (10-17 تشرين الأول 2015)، سادت نفس الشروط المسبقة الإكليسيولوجية واللاهوتية، وبذل جهد لإظهار كامل عملية مشاركة الكنائس الأرثوذكسية المحلية في الحركة المسكونية واللاهوتية والحوارات اللاهوتية الثنائية باعتباره قراراً بالإجماع وتعبيراً عن ضمير الكنيسة الأرثوذكسية العالمي ومظهرًا من مظاهر الوحدة الأرثوذكسية الشاملة.

[1] Nellas, Ἡ Ἁγία καί Μεγάλη Σύνοδος τῆς Ὀρθοδόξου Ἐκκλησίας. Σκέψεις γιά μιά θεολογική θεώρηση καί προετοιμασία της, Thessaloniki 1972; Ant. Papadopoulos, Ἡ Ἐκκλησία τῆς Ἑλλάδος ἔναντι θεμάτων πανορθοδόξου ἐνδιαφέροντος κατά τόν εἰκοστόν αἰῶνα, Thessaloniki 1975; Metropolitan Damaskinos of Switzerland, Πρός τήν Ἁγίαν καί Μεγάλην Σύνοδον. Προβλήματα καί Προοπτικαί, Athens 1990.

[2] Cf. Saben Todor, The Sofia Consultation-Orthodox Involvement in the World Council of Churches, Genova, 1982. Metropolitan Amvrosios of Kalavryta and Aigialeia – G. Galitis, «Ἔκθεσις τοῦ ἐν Γενεύῃ ἀπό 26ης Αὐγούστου ἕως 3ης Σεπτεμβρίου συνελθούσης Συνελεύσεως τῆς Κεντρικῆς Ἐπιτροπῆς τοῦ Παγκοσμίου Συμβουλίου Ἐκκλησιῶν», ἐν ΕΚΚΛΗΣΙΑ Π΄ (2003), pp. 6-10. Protopresbyter Stefanos Avramidis, «Οἱ ἀξιώσεις (desiderata) τῆς Ὀρθοδόξου Ἐκκλησίας ἔναντι τοῦ Παγκοσμίου Συμβουλίου Ἐκκλησιῶν», ἐν ΠΒ΄ ΕΚΚΛΗΣΙΑ (2005), pp. 302-12. A. Vasileiadou, Ἡ συμμετοχή τῶν Ὀρθοδόξων στό ΠΣΕ ὑπό τό φῶς τῶν Ἀποφάσεων τῆς Εἰδικῆς Ἐπιτροπῆς. Τό ἱστορικό καί ἡ θεματολογία τῆς Εἰδικῆς Ἐπιτροπῆς γιά τή συμμετοχή τῶν Ὀρθοδόξων στό ΠΣΕ, Θεσσαλονίκη 2005. On the work of the Special Commission, βλ. Great Protopresbyter Georgios Tsetsis, «Εἰσαγωγή στή “Special Commission”. Οἱ ἀπαρχές καί τό ἔργο τῆς Εἰδικῆς Ἐπιτροπῆς γιά τήν Ὀρθόδοξη συμμετοχή στό Παγκόσμιο Συμβούλιο Ἐκκλησιῶν», in Θεολογικές Σπουδές καί Οἰκουμένη, μέ εἰδική ἀναφορά στή συμμετοχή τῆς Ὀρθόδοξης Ἐκκλησίας στούς διαχριστιανικούς διαλόγους καί τό μέλλον τους (ed. V. Stathokosta), Athens 2003, pp. 63-70. Georgios Laimopolos, «Εἰδική Ἐπιτροπή (Special Commission) γιά τήν Ὀρθόδοξη συμμετοχή στό Παγκόσμιο Συμβούλιο Ἐκκλησιῶν: Mία θεολογική ἐκτίμηση τῶν ἐπιμέρους ζητημάτων της», ibid., pp. 94-107.

[3] For the final text of the Special Commission regarding the participation of the Orthodox in the W.C.C. (in Greek), see Ὀρθόδοξη Θεολογία καί Οἰκουμενικός Διάλογος, ed. P. Vasileiadis, pubd. by Apostoliki Diakonia, Athens 2005, pp. 207-70.

[4] See V. Stathokosta, «Ὁ θεολογικός διάλογος Ὀρθοδόξων καί Ἀγγλικανῶν στόν 20ό αἰῶνα. Ἀφορμή γιά προβληματισμό γιά τό παρόν καί τό μέλλον τῶν διμερῶν θεολογικῶν διαλόγων τῆς Ὀρθοδοξίας», in Ἐπιστημονική Ἐπετηρίς Θεολογικῆς Σχολῆς τοῦ Πανεπιστημίου Ἀθηνῶν ΜΕ΄ (2010), pp. 443-63. Idem, «Relations between the Orthodox and the Anglicans in the Twentieth century : A Reason to Consider the Present and the Future of the Theological Dialogue», in Ecclesiology 8 (2012), pp. 350-74.

[5] G. Liantas, Ὁ διμερής θεολογικός διάλογος Ὀρθοδόξων καί Παλαιοκαθολικῶν, Thessaloniki, 2000.

[6] Cf. Christodoulos Konstantinidis, «Ἀξιολογήσεις καί προοπτικαί τοῦ διαλόγου μεταξύ τῆς Ὀρθοδόξου Ἐκκλησίας καί τῶν Ἀρχαίων Ἀνατολικῶν Ἐκκλησιῶν», in ΘΕΟΛΟΓΙΑ 51 (1980), pp.. 22-48, 222-47; A. Papavasileiou, Κριτική ἀποτίμηση τοῦ Θεολογικοῦ Διαλόγου μέ τούς Ἀντιχαλκηδόνιους, Lefkosia 2015.

[7] G. Konidaris, «Περί τήν Διορθόδοξον Ἐπιτροπήν τῆς Γενεύης (1968) καί τάς προϋποθέσεις τοῦ Θεολογικοῦ Διαλόγου τῆς Ἀληθείας μεταξύ τῆς Καθολικῆς Ὀρθοδόξου καί τῆς Ρωμαιοκαθολικῆς Ἐκκλησίας [Ἡ μεθόδευσις τοῦ Θεολογικοῦ Διαλόγου μετ’ ἀνεκδότων ἐγγράφων]», in Ἐπιστημονική Ἐπετηρίς τῆς Θεολογικῆς Σχολῆς τοῦ Πανεπιστημίου Ἀθηνῶν Κ΄ (1975), pp.. 329-402. Metropolitan Chrysostomos of Peristeri, Ὀρθοδοξία καί Ρωμαιοκαθολικισμός. Ὁ ἀρξάμενος θεολογικός διάλογος, Athens 1981. G. Liantas, Διορθόδοξος Διακονία τοῦ Οἰκουμενικοῦ Πατριαρχείου καί τῆς Ἐκκλησίας τῆς Ἑλλάδος καί ἡ συμβολή τῶν δύο Ἐκκλησιῶν στούς διμερεῖς θεολογικούς διαλόγους μέ τή Ρωμαιοκαθολική Ἐκκλησία καί τήν Ἐκκλησία τῶν Παλαιοκαθολικῶν, Thessaloniki 2005. Metropolitan Chrysostomos (Savvatos) of Messinia, «Θεολογική προσέγγιση τοῦ Κειμένου τῆς Ραβέννας», in ΕΚΚΛΗΣΙΑ ΠΣΤ΄(2009), pp. 544-8. Archimandrite Apostolos Kavaliotis, Ὁ διμερής Οἰκουμενικός Διάλογος Ὀρθοδόξων καί Ρωμαιοκαθολικῶν ὑπό τήν πραγματικότητα τῶν δυσχερειῶν τῆς οὐνίας καί τοῦ πρωτείου, Athens 2014.

[8] Deacon Theodoros Meïmaris, «Ἀξιολόγησις καί προοπτικαί τοῦ 30ετοῦς Διεθνοῦς Θεολογικοῦ Διαλόγου Ὀρθοδόξων καί Λουθηρανῶν (1981-2011)» in ΘΕΟΛΟΓΙΑ 83 (2013), pp. 185-222.

[9] Cf. Metropolitan Chrysostomos (Kalaïtzis) of Myra, Περί τάς διμερεῖς θεολογικάς συναντήσεις μεταξύ θεολόγων τοῦ Οἰκ. Πατριαρχείου καί τῆς Εὐαγγελικῆς Ἐκκλησίας τῆς Γερμανίας ἐν ὄψει τῆς Ζ΄ ἀναλόγου συναντήσεως, Ἐν Καβάλᾳ 3-11 Ὀκτωβρίου 1984, Athens 1986.

اﻷب جورج فلوروفسكي كمثال للمسكوني الأرثوذكسي

اﻷب جورج فلوروفسكي كمثال للمسكوني الأرثوذكسي

الأب أنطوان ملكي

يجمع الدارسون على أنّ فلوروفسكي هو مهندس المسكونية الأرثوذكسية في القرن العشرين. وبحسب تعبير ماثيو بيكر فإن فلوروفسكي جمع بين الشهامة نحو غير الأرثوذكسيين والالتزام الراسخ بالأرثوذكسية الآبائية، مظهراً الشجاعة لتحدي أيّ محاور، سواء كان رئيساً أرثوذكسياً أو الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي. لقد حافظ فلوروفسكي على التزامات مسكونية ثابتة لكنّه حذّر من أيّ مسعى مسكوني من شأنه أن يرسّخ التبسيط العقائدي أو يمنح امتيازاً للعمل المشترك على حساب المواجهة اللاهوتية.

انخرط فلوروفسكي في العمل المسكوني منذ 1926 عن طريق برداييف في باريس، حيث كان يجتمع أسبوعياً مع كبار المفكرين الكاثوليك والبروتستانت. من ثمّ انضم إلى جماعة القديسين ألبان وسرجيوس[1]. لقد قدّم أوائل مقالاته اللاهوتية في هذه الأطر. سيم كاهناً في 1932 ومن ثمّ أمضى قسماً كبيراً من السنوات العشر التالية في بريطانيا محاضراً حيث لاقى حماساً كبيراً.

توسّعت هذه النشاطات مع مؤتمر الإيمان والنظام في آدينبرغ [2] حيث انتُخِب فلوروفسكي ممثلاً للأرثوذكس في لجنة الأربعينالتي كُلِّفَت كتابة مسوّدة نظام مجلس الكنائس العالمي. في اجتماع أمستردام سنة 1948، لعب فلوروفسكي دوراً رئيسياً، أدّى إلى تعيينه في اللجنة المركزية وانتخابه في اللجنة التنفيذية لمجلس الكناس العالمي، حيث خدم إلى سنة 1961. لقد بقي الأب فلوروفسكي مبدئياً وجريئاً في الاجتماعات المسكونية لغاية عقده الأخير. آخر عمل له كان اجتماع لوفان (Louvain) في 1971.

لقد كان لمسكونية فلوروفسكي جذور عميقة في فلسفته التاريخية. تجنّب فلوروفسكي التجريبية الصرفة والمأسسة المباشرة التي ينادي بها المثاليون، بهذا شدد ليس فقط على الشكل المفسَّر للحقائق، بل أيضاً على الطابع الاصطناعي للتصنيفات التي بحسبها تُفسّر الخبرة. يعتبر فلوروفسكي أن الشخص الفاعل يخضع للتاريخ رافضاً أن يمنح أي صفة شخصية للعِرق أو الأمة أو الحضارة. “الكلّالتاريخي هو رابطة دائمة التبدّل من الأشخاص المتفاعلين. التعاضد الحقيقي موجود في المسيح الذي فيه وحده الحرية تحتلّ نفس مكانة الفرادة العضوية، وهذه هي وحدة أخروية تتخطّى الحقائق الطبيعية وتُبنى تاريخياً بالإيمان والأسرار. لهذا، شدّد في منتصف عشرينيات القرن العشرين على أن الإيمان بالمسيح ما يزال يجمع الشرق والغرب المسيحيَين في إطار تشديده على خطورة الانشقاق وتصارع عقائد الخلاص.

هذه النظرة جعلت فلوروفسكي معارضاً شرساً لكل محاولات تفسير الانقسام بين المسيحيين بالإشارة إلى نماذج نفسية – ثقافية، سواء لتضخيم الانقسامات أو التقليل من أهميتها. فقد رفض كلّ الأفكار القائلة بتعذر تلافي الانقسامات ومعها الميل بالعودة إلى طرح صِلات مهمة بين الأحداث. فالجماعات المسيحية مكوّنة من أشخاص أحرار لذا لا ينبغي الاعتقاد بأن تاريخ العقائد يتبع أنماطاً منطقية كالاستدلال أو التطور العضوي. وعلى هذا الضوء بالتحديد، لا يمكننا التصرف وكأن الأحداث لم تقع بالرغم من أنه كان ممكناً تلافيها أو تخطيها، فالصراعات التاريخية ولّدَت في وقت لاحق عقائد كانت حاسمة في تقاليد محددة. في النهاية، كان لفلوروفسكي منظور تاريخي متغيّر لكنه قد يكشف توافقاً مقبولاً بشكل أوسع.

يرى فلوروفسكي أنّ المشكلة هي أن الانشقاق هو ظاهرة تناقض: الكنيسة واحدة أما العالم المسيحي فمقسوم. الإيمان بيسوع المسيح كإله ومخلّص يخلق رباطاً وجودياً مع أن الانقسامات ليست أقلّ وجودية، مشيراً إلى الافتراقات ليس فقط في المحبة ودستور الإيمان بل أيضاً في اختبار هذا الإيمان. في عبارة الإخوة المنقسمينيأخذ النعت الوزن نفسه الذي يأخذه الإسم. إن المسكونية الحقيقية تتطلّب لاهوتاً غير عادي.

يظهر التناقض الذي يراه فلوروفسكي في التمييز بين حدود الكنيسة القانونية والمواهبية. في مقال نشره في 1933 عنوانه حدود الكنيسة، رفض الميل لدى بعض الأرثوذكس نحو الإفراط في الصرامة والذي يؤدّي إلى إنكار بشكل قاطع وجود الأسرار خارج الحدود الشرعية. فقد اعتبر أن التدبير المتعلّق بتقبّل غير الأرثوذكسيين في الكنيسة رأياً لاهوتياً مشكوكاً فيه وليس تعليماً كنسياً. فيما يلجأ غالبية الشرقيين إلى القوانين وحسب، يدعو فلوروفسكي إلى مقاربة الموضوع على ضوء اللاهوت بشكل صحيح، ويوجّه اللاهوتيين الأرثوذكسيين إلى تبنّي لاهوت أوغسطين حول انشقاق الأسرار [3]. فالحدود القانونية لا يمكن إهمالها ما يعني أن الشركة في المناولة من دون شركة الإيمان مستحيلة. مع هذا، فالمشكلة المسكونية الأولى لدى فلوروفسكي تكمن في روما. على عكس لوسكي، يرى فلوروفسكي مسألة انبثاق الروح القدس (الفيليوكفيه) على أنها محض قانونية ويرفض محاولة إظهار أن البابوية تنبثق من الفيليوكفيه معتبراً هذا الاستنتاج غير ثابت تاريخياً. فبالنسبة له إن توليف النظرة اللاهوتية للثالوث لدى الكابادوكيين وأوغسطين غير مستحيل وأن الحاجز الأساسي هو ادّعاءات البابوية التي تعكس عقيدة خاطئة عن الكنيسة. ومع هذا فإن فلوروفسكي واضح في اعتباره أن روح الله ما يزال يتنفس في الكثلكة بينما يميّز في الإصلاح الفراق مع الكهنوت ونظام الكنيسة التاريخي.

فيما دفع فلوروفسكي الحوار المسكوني نحو الإكليسيولوجيا، أكّد أن الانقسامات القائمة تمتد إلى مجمل الإيمان بما فيه عقيدة الله والمسيح ومريم والإنسان وما يعني ذلك من فهم للتاريخ. لاحظ فلوروفسكي تاريخية مفرطة في الوعي التاريخي لدى الكاثوليك، وكأنّ صعود السيّد كان علامة خروجه من التاريخ وترك الساحة لنائبه ليحكم. على العكس لاحظ فلوروفسكي في البروتستانتية أخروية مفرطة فيها اختزال للتاريخ حيث يُعطى الجهاد الإنساني قيمة أدنى وتصير الأسرار رموزاً من العهد القديم وبالنتيجة لا يتمّ الاعتراف بالرؤية التاريخية للكنيسة. الطلاق الذي أقامه الإصلاح بين أورشليم وأثينا هو ابتعاد آخر أشار إليه فلوروفسكي في إطار دعوته للعودة إلى الرومية المسيحية التي تبنّاها آباء الكنيسة شرقاً وغرباً حيث يعطون الماورائيات المسيحية مكانها الصحيح بدلاً من ربط المعرفة بالإيمان بشكل مطلق على غرار ما قام به اللاهوتيون الجداليون.

اعتبر فلوروفسكي أن إنعاش اللاهوت الآبائي واسترجاعه هو أمر حاسم. من هنا يُفهَم انتقاده منذ 1937 للروس في تغرّبهم عن مصادرهم الليتورجية وقطع وثاقهم عن جذورهم في اللاهوت الآبائي كما لتبنّيهم روحية التقليد المذلّللغرب ما يجعل المواجهة المسكونية مستحيلة. البديل عند فلوروفسكي لم يكن الانعزال بل اللقاء الحرّمع الغرب، لقاءً يقوم على ما تمّ استعادته من الأرضية المشتركة على أساس اللاهوت الآبائي والمجمعي التقليدي، الذي تدّعي الأرثوذكسية الحفاظ عليه. إن هذه الرؤية تضمّ مفهومه للتحليل الآبائي الجديد والمسكونية الآنيةEcumenism in time” التي شدد عليها.

تبحث المسكونية الآنية الماضي المشترك في التقليد الرسولي سعياً إلى استعادة الفكر المشتَرَك“. من أهمّ لحظات الفرح عند فلوروفسكي كانت قرار لاند Lund في 1952 بسحب الأسلوب اللاهوتي المقارَن الطائفي لصالح مقاربة أكثر تاريخية. هدف فلوروفسكي كان عودةً مسكونيةً إلى الإيمان الكامل والترتيب الرسولي في كنيسة المجامع المسكونية السبعة الجامعة الرسولية بما ينتِج الوحدة المنشودة. لا ينبغي أن تُفهَم هذه الوحدة بشكل أخروي وحَسب، لأنها موجودة كحقيقة تاريخية مستمرّة. الأرثوذكس ملزَمون بالاعتراف بقناعتهم بأن الكنيسة حفظت الإيمان الرسول بشكل كامل. بيان أوبرلين (1957) الذي كتبه فلوروفسكي يفصّل هذه النقاط. جدير بالذكر أن هذا البيان ما يزال أفضل تعابير فهم الذات الإكليسيولوجي عند الأرثوذكس في الحركة المسكونية.

هدف هذا البحث هو تسليط الضوء على مثال بات العالم اﻷرثوذكسي يفتقده. فالحركة المسكونية اليوم، وتحديداً مجلس الكنائس العالمي، انحرفت كثيراً عن ما خطط لها مؤسسوها ومنهم الأب جورج فلوروفسكي. لقد بات ممثلو الأرثوذكسية في الحوار المسكوني مسكونيين أكثر منهم أرثوذكسيين. لم يعد الحضور الأرثوذكسي في مجلس الكنائس وغيره من المحافل المسكونية يحمل أيّ شهادة، بالتالي لا يحمل أيّ تأثير. من هنا ضرورة العودة إلى المثال الأول حيث الحضور يعني الشهادة، وهذا ما يستدعي إيجاد قنوات حوار جديدة غير المجالس التي انحرفت وهي تجرف أعضاءها معها.

مراجع

Matthew Baker. Neopatristic Synthesis and Ecumenism: Towards the “Reintegration” of Christian Tradition. http://www.fellowshipofstmaximos.org/wp-content/uploads/2014/07/ Baker_FINALVer___16_VI_12.docx3-libre.pdf

Matthew Baker and Nikolaos Asproulis, ‘Secondary Bibliography of Scholarly Literature and Conferences on Florovsky’, in ΘΕΟΛΟΓΙΑ: The Journal of the Holy Synod of the Church of Greece, 81/40, Vol. 4 (2010), pp. 557–396.

[1] تأسست جمعية القديسين ألبان وسرجيوس سنة 1928 لتشجيع التلاقي بين المسيحيين، خاصة الأنكليكان والأرثوذكس. أخذت اسمها من القديسي ألبان أول شهد اء بريطانيا والقديس سرجيوس رادونيج شفيع روسيا. حالياً مركزها أوكسفورد في بريطانيا ولها فروع في بلغاريا والدانمارك واليونان ورومانيا وروسيا والسويد. تصدر Sobornost وهي دورية مهمّة كما تنظّم مؤتمراً سنوياً حول شؤون تهمّ المسيحيين.

[2] انعقد مؤتمر اﻹيمان والنظام في أدينبرغ بين 3 و18 آب 1937، أهدافه العمل على إعلان وحدة كنيسة يسوع المسيح ومخاطبة الكنائس للعمل نحو الوحدة المنظورة في الإيمان والإفخارستيا المعبّر عنها في العبادة والحياة المشتركة في المسيح”.

[3] يقوم ﻻهوت أوغسطين اﻷسراري على التمييز بين قانونيتها وفاعليتها. ما أراد فلوروفسكي تطبيقه هو هذا الفصل بين قانونية الأسرار في الغرب والتي يعترف بها الشرق ولكن فاعليتهاهي الناقصة بفعل الانشقاق وابتعاد الغرب عن الخبرة اﻷصيلة التي حفظها الشرق.

حول زيارة البابا بيندكتوس السادس عشر إلى قبرص عام 2005

حول زيارة البابا بيندكتوس السادس عشر إلى قبرص عام 2005

الميتروبوليت أثناسيوس أسقف ليماسول

ترجمة حنا سموع بالمشاركة مع راهبات دير سيدة كفتون

سؤال: لماذا أثارت الكنيسة والشعب فضيحة تتعلّق بزيارة البابا بنيدكتوس السادس عشر الوشيكة إلى الجزيرة؟

جواب: أظنّ أنّ زيارة البابا إلى قبرص ستُسبب عدّة مشاكل في وجدان المسيحيّين الأتقياء. قد يكون من الأفضل لو لم يأتِ، لأنني أظنّ أنّها لن تنفعنا بأيّ شكلٍ من الأشكال، علمًا بأنّني لم أرَ أيّ تدّخل إيجابيّ، في ما يتعلق بقضايانا الوطنيّة، من قبل الفاتيكان حتّى الآن. لقد أثارت اضطرابًا بما فيه الكفاية، كنّا بغنى عنه في هذا الوقت.

سؤال: هل نحن في خطر ما؟

جواب: لا أقول إنّنا في خطر بقدوم البابا، أو أننا سننحرف عن ايماننا، أو أنّه سيتم إخضاع الكنيسة الأرثوذكسية، ولكنّها أثارت مختلف الجماعات (المنشقّة) من أتباع التقويم القديم ” Old Calendarists” ليتهمونا بالمساومة، وبأنّنا خالفنا مبادئ الإيمان الأرثوذكسيّ، كما أنّ الموضوع أثار تساؤلات كثيرة. طبعًا، إنّ البابا دعاه رئيس الجمهورية ، ثمّ قدّم موافقته رئيس الأساقفة.

سؤال: هل ناقشتم هذا الأمر مع المجمع المقدس؟

جواب: في المجمع المقدس الأخير، طُرِحَ موضوح الحضور في المناسبات المشتركة مع البابا أو الاحجام. أمّا أنا فرفضت المشاركة، وقلت إنني لا أعرف شيئًا بل علمت عن زيارة البابا من الصحف.

سؤال: هل تعلم عادة الأخبار من الصحف؟

جواب: لقد زاد رئيس أساقفة قبرص من امتيازاته، ونحن بالتأكيد لا نريد له التدخل في شؤوننا، على كل حال سنحتفظ بحقنا الشخصيّ وهو أنّنا لا نعلم أن البابا آت، وأنّني لو سُئلتُ لأعلنت رفضي الشخصيّ، لأنّ هذا الأمر سيتسبّب في انتهاك نفوس المسيحيين الأرثوذكسيين الأتقياء والأبرياء، وهذا ما أراه سيحدث.

سؤال: ألا ينبغي التواصل بين الكنائس؟ نحن نعيش في القرن الحادي والعشرون، كما أنّنا في الاتحاد الأوروبي.

جواب: لا مانع من الحوار مع أيّ إنسان، حتى ولو كان غير أرثوذكسيّ أو من أي ديانة أخرى. ولكن الحوار أمر، وأن تستقبل البابا على أنه أسقفٌ قانونيٌّ أمر آخر. وهو بالنسبة إلينا نحن الأرثوذكسيّين، هرطوقيّ وبخارج عن الكنيسة، وبالتالي ليس حتى بأسقف.

سؤال: هل هذا بسبب الانشقاق؟

جواب: إنّ البابا خارج عن الكنيسة منذ عشرة قرون، هو ليس أسقفًا قانونيًّا، ولا علاقة له على الإطلاق بكنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدسة الرسوليّة.

يختلف الأمر بين استقباله كأسقف قانونيّ أو محاورته كخارج عن الأرثوذكسيّة، بغية أن نكشف له حقيقة الإيمان الأرثوذكسيّ والتقليد.

سؤال : لقد التقى البطريرك المسكوني مع البابا وبدأ الحوار بين الكنائس.

جواب : كما قلت سابقًا، ليس الحوار أمرًا سيئًا عندما يُبنى على افتراضات صحيحة. ولكن من الخطأ أنّ نقول لهؤلاء الناس إنّنا نعترف بهم ككنيسة، وأنّ البابا أسقف وأخ لنا في المسيح والكهنوت و(الإيمان). لا يمكنني قبول هذا الكلام لأنّنا نكذب، بما أنّ جميع الآباء القدّيسين يعلّمون العكس. إنّ البابوية عبارة عن هرطقة، ومصدر كبير لكثير من البدع الأخرى التي تُربك العالم كله اليوم.

قال أحد القديسين المعاصرين يوستينيوس بوبوفيتش في تاريخ الجنس البشري هناك ثلاث سقطات مأساوية: سقطة آدم، وسقطة يهوذا تلميذ المسيح ، وسقطة البابا الذي كان أول أسقف للكنيسة. لقد سقط عن الإيمان الرسوليّ وقطع من الكنيسة الرسولية وجذب معه حشدا كبيرا من الناس إلى يومنا هذا.

سؤال: ماذا يقول البابا عن الأرثوذكس؟

جواب: قال البابا اننا نحن الأرثوذكس نعاني من نقص

سؤال: هل الله واحد؟

جواب: نعم الله واحد وكنيسة الله هي واحدة لذلك نقول في قانون الإيمان (أؤمن ) بكنيسة واحدة، جامعة، مقدّسة رسوليّة. هذه هي الكنيسة الأرثوذكسيّة ، لا يوجد عدّة كنائس.

سؤال: أليس من الغرور أن تنظروا إلى الأمور بمنطق نحن ولا أحد؟

جواب: كلا ليس غرورًا. على سبيل المثال، عندما يقول لك الإيطاليّيون ليسوا يونانيّين” – وهذه هي الحقيقة أنت لا تسيء إلى الآخر. وإن قلتُ للآخر لا يهمّ أن تكون كاثوليكيًّا وأننا جميعًا ننتمي إلى الكنيسة ذاتها، فأنا أضحك عليه، بما أنّ الآباء القدّيسين كلّهم يعلّمون أنّ كنيسة المسيح الجامعة والمقدسة الرسولية هي واحدة.

سؤال: لماذا نحن الكنيسة الوحيدة وليس البابوية؟

جواب: لأنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تحافظ على إيمان الرسل، و خبرة الأنبياء الراسخة حتى أيامنا هذه. يا للأسف، حين انفصلت البابوية عن الكنيسة أضافت كثيرًا من العقائد الهرطوقيّة، وغير القويمة إلى الإيمان القويم، فغيرّوا دستور الإيمان النيقاويّ، والأخطر أنّهم رفعوا البابا إلى مستوى ممثّل الله الأعلى والوحيد على الأرض، وراحوا يزعمون أن البابا معصوم عن الخطأ، ومن ليس في شركة مع البابا، فهو ليس في شركة مع الله. وهم يعلّمون هذا الأمر رسميًّا في مجامعهم.

إنّها هرطقة أن تُضافَ إلى دستور الإيمان، أمورٌ وتعاليم كاذبة كثيرة لم يكتبها الآباء القديسون. هذا هو واقع الأمور.

سؤال: كيف تتعامل الكنيسة الأرثوذكسية مع الهراطقة؟

جواب: بكثير من المحبة، نحن نحب البابا ، نحب البابويين ، تمامًا كما نحب أي إنسان. نحن لا نحتقرهم ولا نرفضهم كأشخاص، إنّما نرفض بدعَتَهم وهرطقتهم، ولا نقبل تعاليمهم الكاذبة وضلالهم. ولأنّنا نحبّهم علينا أن نقول لهم الحقيقة.

طبعا كل واحد له حقيقته….

لهذا السبب يأخذ الحوار مكان هامًّا، لإثبات المصادر التاريخية التي اعتمدت عليها الكنيسة للحفاظ على الإيمان الرسولي والخبرة الرسوليّة للقدّيسين.

سؤال: هل تظنّون أنّ الحوار يمكن أن يأتي بنتائج؟

جواب: ممكن ولكن إن تم بشكل صحيح واستنادًا على الافتراضات الصحيحة، ولكن يا للأسف، ما يحصل اليوم لا يأتي بنتائج، ولهذا السبب مرّت سنون عدّة من النقاشات من دون الوصول لأيّة نتيجة.

سؤال: كل ّواحد يستمع إلى نفسه وحسب

جواب: كان ينبغي أن يشرعوا في الحوار بوضع أنفسهم في ضمانة المكوث تحت راية الكتاب المقدّس، بتواضع ومحبّة، من أجل إثبات حقيقة المسيح. وبهذه الطريقة تَسُهُل الأمور.

سؤال: هل يتمّ الحوار بتواضع ومحبة؟

جواب: لا أعلم. أنا لا أشارك في الحوارات، ولكن لم أرَ أيّ نتائج هامة بعد القرارات التي أصدروها. قامَت حركة توزّع كتيّبات معارضة للبابا، ويستعدّون للاحتجاجات. ولا أوافق أيًّا منها. لا يجوز إظهار الوقاحة والفظاظة والسلوك الرديئ. التعبير عن الرأي أمر، واللجوء إلى تدابير بشعة أمر آخر. لا ننسى أنّنا نعيش في دولة ديمقراطية. بصراحة، وقبل كل شيء، أنا أرفض مجيء البابا إلى قبرص، وأقول في نفسي إنّ البابا هرطوقيّ، وأنّه ليس أسقفًا، وهو ليس مسيحيًّا أرثوذكسيًّا. هذا ما يقوله الآباء القديسون. إذا كنت مخطئا أنا مستعد لأصحّح خطئي، ولكن بناء على الآباء القديسين وليس على ذهنيّة العولمة. أن أعارض مجيء البابا لا يعني أنني خارج الكنيسة كما يزعم بعضهم.

سؤال: ولكن بإعلان هذه الأقوال، ألا تصبّون زيتًا على نار الذين تعثّروا أصلا من زيارة البابا؟

جواب: نحن نتفوّه بما يجب علينا قوله بكامل المسؤولية والإخلاص، ولا نشعل النيران. وأنا لا أريد أن أبدو وكأنّني موافق لوجود البابا في قبرص وليس لدي مشكلة. فلقد واجه رئيس الأساقفة خلافاتنا بطريقة ديمقراطية جدا خلال المجمع.

سؤال: هل وافقتُم زيارة رئيس الأساقفة إلى الفاتيكان؟

جواب: نحن لم نُسأل، وهو لم يكن مضطرًّا لأن يسألنا. لقد علمنا بزيارته من خلال الصحف. ولكن ماذا نتجَ من زيارته إلى الفاتيكان؟

سؤال: لم أفهم.. ألم يعلمكم بشيء؟؟

جواب: أجل، لقد أبلغنا.. ولكنّني شخصيًّا لست مهتمّا بالأمر. إنّ البابا يتحدّث دائمًا بطريقة رسميّة، ويقول الأشياء التي تناسب منصبه، كقوله الآن إنّه آتٍ إلى قبرص. ولكنّه لن يقوم بعمل هامّ، لأنه ليس زعيم الكنيسة، بل شخصيّة سياسيّة، ولا يستطيع أن يخالف المؤسسة السياسية والنظام القائم.

هل دافع البابا عن الكنيسة الأرثوذكسية؟ لقد مرّ بنا كثيرون من الغزاة، ولكن متى دافع عنّا؟ ناهيك عن معاناتنا، خلال حكم الفرنجة، من ظلم الباباوات وقراراتهم التي أمرت بإبادتنا. هذا المساء احتفلنا بعيد 13 شهيد من مدينة Kantara قُتلوا بأمر من الفاتيكان. ولقد قضينا 400 عام من العبودية القاسية تحت حكم الفرنجةولكنّني لن أعود إلى الماضي، فالأسباب التي أردّ بها هي لاهوتيّة بحتة. عندما تمّت سيامتي أُسقفًا، تعهدتُ الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسيّ.

سؤال: أليس الكهنة الذين سيستقبلون البابا محافظون على الإيمان القويم؟

جواب: قال بولس الرسول إنّ أولئك الذين يأكلون ذبائح الأوثان يجب ألا يدينوا الذين لا يأكلون، وكذلك أنا أيضا لا أريد أن أدين الذين سيشاركون لأنني لا أريد أن أدان بسبب عدم المشاركة.

سؤال: الأحد الماضي تمت قراءة بيان من قبل المجمع المقدّس في الكنائس، وتأثّر الناس عميقًا عندما ذكرَت أسماء رؤساء الكهنة الأعضاء واحدًا فواحدًا.

جواب: كل واحد منا قرر إصدار بيان يحثّ الناس على التضامن، والبقاء في كنائسهم، وعدم الاستماع إلى أصحاب التقويم القديم “Old Calendarists” الذين تم فصلهم من الكنيسة القانونية.

ما لم يوضّحه البيان، هو أنّنا لم نكن جميعًا على علم بدعوة البابا.

سؤال: في رأيكم، ما هدف البابا من زيارته إلى قبرص؟

جواب: كما تعلمين، بأن الباباوات يواجهون مشاكل وأزمات جدّية، مع كل الفضائح التي تُنشَر في الإعلام.

سؤال: كالتحرش بالأطفال؟؟

جواب: لا أرغب في تسميتها، ولكنّ الصحافة تنشر كل يوم أشياء محزنةأنا لا أودّ أن أمنعهم من التعبير، ولكن في ظنّ البابا أنه الأول والنائب الوحيد للسيد المسيح على الأرض، لذلك هو تحت هذا النوع من الرقابة.

سؤال: لقد قال البابا إنّه يريد زيارة الأماكن المقدّسة متّبعًا خطى بولس الرسول.

جواب: عدا عن ذلك بولس الرسول لم يكن يتنقل بسيارة مصفّحة يصل سعرها إلى خمسمئة ألف يورو، وحسب ما قرأت على الحكومة القبرصية أن تشتري السيارة للبابا، كي يتنقل بها خلال اليومين اللذين سيمضيهما هنا.

أنا شخصيا تعثّرتُ بهذا، فسّيارة مصفّحة لا تليق بنائب المسيح….كما لا يجوز أن يتحمّل الناس عبء ثمن كهذا في وسط أزمة اقتصادية.

سؤال: لقد قال المبعوث البابوي إنّ البابا آتٍ إلى قبرص، كي يطوّر أسس المبادئ المسيحية ويعزّزها، ويريد أن يسير في خطى بولس الرسول، ويلتقي الإخوة في الكنيسة الأرثوذكسيّة بروحانيّة ومحبّة كبيرتَين.

جواب: ليس لدينا شك في نيّة البابا أو قصده من الزيارة، ربما يكون قد شابه بولس الرسول وعرف هو نفسه الغنى الحقيقيّ الموجود في الكنيسة الأرثوذوكسيّة، نحن نصلي كي يعود إلى الكنيسة الأرثوذكسية، ويصبح أسقف أرثوذكسيًّا من جديد، كما قبل الانشقاق. هذه هي الطريق الوحيدة إلى الوحدة.

سؤال: ماذا في تخمينكم هو جدول الأعمال الخفيّ؟

جواب: إن الفاتيكان لا يقوم بأعمال وتحركات من دون غاية أو هدف، فكل رحلة للبابا يكون لها هدف وهو تقديم البابا على أنه الزعيم العالميّ للمسيحية، على كل حال في هذه اللحظة هو ليس بأسقف قانونيٍّ ولا بأرثوذكسيّ، لذلك هو ليس بموقع يسمح له بإبراز نفسه على أنه الأسقف الأوّل.

سؤال: هل من الممكن أن يكون لديه مصالح سياسية؟

جواب: لا أعرف، أظنّ ذلك. نحن القبارصة ليس لدينا أي مكاسب سياسية من زيارة البابافقط الكثير من النفقات وهيجان في الضمير الإيماني.

سؤال: رئيس الأساقفة (البطريرك) قال إنّ كل من رفضوا زيارة البابا سيضعون أنفسهم خارج الكنيسة.

جواب: لا أعلم ما صرّح به رئيس الأساقفة، ولكنّني لا أرى أنّ كل من يرفض زيارة البابا سيضع نفسه خارج الكنيسة. أنا أرفض الزيارة بكلّ جرأة، ولستُ خارج الكنيسة.

مَهلاً! مهلاً!

جواب: الكنيسة، كما يؤكّد رئيس الأساقفة نفسُه، تتّبع الديمقراطية. ولكن أن تجادل في احترام متبادل، يختلف تمامًا عن اللجوء إلى سلوك غير لائق.