رموز في الكنيسة

رموز في الكنيسة

الخورية سميرة عوض ملكي

 

حدّق أحد الأولاد في أعلى الأيقونسطاس (حامل الأيقونات) حيث يوجد الصليب وسأل والده: لماذا رُسمَت بعض الحيوانات حول الصليب يا أبي؟

فتحيّر الوالد من هذا السؤال ولم يدرِ بماذا يجيب فقال: دعْنا نسأل الكاهن وهو يجيبك عن سؤالك.

فهرع الولد إلى الكاهن متلهّفاً لطرح السؤال عليه والحصول على الجواب. أخذ الكاهن الولد بين ذراعيه وأجلسه في حضنه وقال: إن سؤالك جميل حقّاً، فالكثير من الناس ينظرون إلى الصليب ولا يلاحظون ما لاحظتَه أنت. كما أن ليس كل الكنائس يرسمون هذه الحيوانات حول الصليب. فهذا يختلف من كنيسة إلى أخرى. لكن قل لي هل تعرف ما هي هذه الحيوانات؟

– نعم، إنها نسر وأسد وثور.

– وماذا ترى أيضاً؟

– أرى إنساناً بهيئة ملاك.

– هل تعلم ما هي الكتب التي يحملها كل واحد منهم؟

– كلا يا أبتي!

– إنها الأناجيل يا بنيّ.

– الأناجيل! ولماذا يحملون الأناجيل؟

– هذا هو أساس موضوعنا. بأيّ منهم تريد أن نبدأ؟

– بالنسر

– النسر يرمز إلى الإنجيلي يوحنا. فكما يحلّق النسر في السماء، هكذا حلّق الرسول يوحنا في اللاهوت إذ يتكلّم دائماً عن يسوع على أنّه ابن الله وهو الله، كما أنّه يتعمّق بالحوارات بين الربّ يسوع والله الآب.

– والأسد؟

– الأسد يرمز إلى الإنجيلي مرقس. فأنت تعلم أنّ زئير الأسد، أي صوته، قوي جداً في الغابة. هكذا كان صوت القديس يوحنا المعمدان الذي يبدأ القديس مرقس إنجيله بالكلام عنه في الآية “صوت صارخ في البرية”.

– والثور؟

– يرمز الثور إلى الإنجيلي لوقا الذي يبدأ إنجيله بالحديث عن الهيكل حيث كانت تُقَدَّم الذبائح والمحرَقات التي هي بدورها رمز للذبيحة الإلهية الحقيقية يسوع المسيح الذي افتدانا بدمه الكريم على الصليب

– بقي لدينا الإنسان الملاك

– حسناً! الإنسان الملاك يرمز إلى الإنجيلي متّى لأنّه يتكلّم كثيراً عن ملاك الرب في بداية إنجيله كما أنّه يسرد الكثير من القصص المتعلّقة بيسوع المسيح على أنّه ابن الإنسان. هل رأيتَ الآن يا بنيّ لماذا تحمل هذه الرموز الأربعة الأناجيل؟

– نعم يا أبتي! لقد علمت الآن أنّها ترمز إلى الإنجيليين الأربعة. لكن بقي سؤال صغير وأخير.

– تفضّل يا بنيّ

– إني أرى حمامة مرسومة فوق الباب الملوكي أي الباب الوسطي فإلامَ ترمز هي أيضاً؟

– إنّها ترمز إلى الروح القدس. ونحن نراها تُرسَم في أيقونات عديدة كأيقونة البشارة وأيقونة الظهور الإلهي والتجلّي. كما أنّها تذكّرنا بانتهاء الطوفان أيام نوح وبدء عهد جديد من الربّ.

تنهّد الولد بفرح وقبّل يدَ الكاهن وشكره من كل قلبه، فباركه الأب ورجع مع أبيه مسروراً.

ما هي صورة الله التي يجب أن يعرفها الطفل

ما هي صورة الله التي يجب أن يعرفها الطفل

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

أشهر الأخطاء السلبيّة وتأثيراتها على صورة الله التي تتكوّن لدى الأطفال

الصورة الأولى

** ما هو السبب:

في أنّ الطفل يرى صورة الله الحنون بأنّه قاسٍ يمسك عصًا بيده ويصعب إرضاؤه جدًّا:

1)    ترديد كلمة: يسوع سوف “يزعل” منك.

2)    ترديد كلمة: لأنّك عملت كذا، فسوف يعمل الربّ يسوع معك، أيضًا، كذا.

3)    تعليل سبب مرضه أو فشله (إن كان في الدراسة أو بأيّ عمل آخر)، وكلّ ما يتعرّض له هو نتيجة ما ارتكبه من أخطاء تجاه الله.

4)    ذكر كلمة “الربّ أخذه لعنده” حينما ينتقل شخص يحبّه.

** النتيجة:

تبدأ أن تتكوّن هذه الصورة تدريجيًّا لدى الطفل مرورًا بالمراحل الآتية:

1)    خوف شديد من الله، ولذلك يصبح الطفل عنيدًا في كلّ ما يتعلّق بالله.

2)    لا مبالاة الطفل الظاهرة، والتي يعبّر عنها بقوله: “وهل يوجد الربّ يسوع فعلاً في السماء لكي “يزعل” منّا؟!

** الصورة الحقيقيّة والعلاج:

1)    الله يحبّ كلّ واحد منّا ولو أخطأ. فهو يحبّ خليقته، ولكنّه لا يحب الخطأ “لأنّ الله غير مجرِّب بالشرور وهو لا يجرّب أحدًا” (يع 1: 13).

2)    الانتقال إلى السماء بالوفاة وليس “الربّ أخذه” وإنّما هو انتقال إلى حياة أخرى أجمل من هذه الحياة أعدّها الله لكلّ الذين يحبّونه. ولكن، هناك وقت محدَّد لكلّ واحد منّا لكي يسافر فيه إلى السماء.

الصورة الثانية

** ما هو السبب:

في أنّ الطفل يرى صورة الله القريب منّي بعيدًا أو كأنّه موجود وغير موجود:

1)    لو كنت تصلّي كما يجب، فالله سوف يحقّق لك حالاً ما تريد، ولكن لا يحدث ما يريد!

2)    الله لا يراه أحد أبدًا، فهو في السماء، بعيدًا جدًّا عنّا.

3)    عندما يطلب الطفل طلبًا ما من الربّ، ثمّ يسألك عن عدم الاستجابة، فتجيبه بأنّ الله يهتمّ بكثير من الناس، ويسرع في تلبية طلباتهم، ولذلك عليك بالانتظار ليأتي دورك!!

** النتيجة:

1)    يفقد الطفل هويّته كونه ابن الله، إذ كيف يكون ابنًا لأب لا يشعر بوجوده؟

2)    يشعر أنّه دون الآخرين ويستحوذ عليه صغر النفس (وبخاصّة كلّما كان سنّه صغيرًا)، ويحسّ أنّ قيمته عند الله ضئيلة، لا بل مهمَلاً.

3)    يشعر بهوّة عظيمة بينه وبين الله، فهو يعيش على الأرض بينما الله يعيش في السماء فقط.

** الصورة الحقيقيّة والعلاج:

1)    درّبْ طفلك على أنواع استجابات الصلاة، ولا تقل أنّ طلبه سيتحقّق حالاً، فهناك استجابة بعدم الاستجابة.

2)    الله في كلّ مكان. أمّا فكرة الله أنّه في السماء فقط، فهذا فكر غير مسيحيّ.

3)    عرّفْه بمثل الابن الشاطر ليعرف قيمة النفس الواحدة عند الربّ.

الصورة الثالثة

** السبب:

صورة الله الذي يحسّ بنا، يراها الطفل بأنّ الله لا يفرح لفرحه ولا يشعر بما يمرّ به:

1)    عدم مبالاة الأهل، أو مدرّس التربية الدينيّة، بأيّ نجاح يمرّ به الطفل ويجعله سعيدًا.

2)    عدم تذكير الطفل بفرح الربّ بما يفعله.

** النتيجة:

1)    يتكوّن لدى الطفل صورة عن الله بأنّه لا يهمّه أيّ حدث يمرّ به، ولا يشعر معه.

** الصورة الحقيقيّة والعلاج:

1)    فرحُك بنجاحه يجعله يشعر بفرح السماء له.

2)    قولُك له بأنّ الربّ يحبّه دائمًا ويفرح به دائمًا لا سيّما عندما يفعل أمورًا حسنة.

الصورة الرابعة

** السبب:

صورة الله الذي يحبّ بلا شروط يراها الطفل معكوسة أي أنّ الله يحبّ محبّة مشروطة:

1)    قولُك له بأنّ الربّ سيحبّك أكثر لو عملت (هذا العمل الحسن)، فأنت ولد صالح لأنّك… (وهنا أعطِه صفة حسنة).

** النتيجة:

1)    أخطر صورة عن الله لدى الطفل عندما تكون بأنّ الله يحبّه وفقًا لمزاجه (أي لمزاج الله) أو في الوقت الذي يكون فيه الطفل هادئًا مثلاً.

2)    تتكوّن لدى الطفل فكرة بأنّ الله يحبّ الأولاد المطيعين، مثلاً، الذين يسمعوا كلام والديهم فقط.

** الصورة الحقيقيّة والعلاج:

1)    الله لا يشترط عملاً ما لكي يحبّنا فهو الذي خلقنا، وهو أبونا.

2)    أعطِه مثل الابن الشاطر، وكيف أنّ الأخ الأصغر لم يكن ولدًا حسنًا لكي يحبّه أبوه، ومع ذلك أحبّه وغفر له.

أحبّاءنا،

–       الله يعرفكم باسمائكم.

–       الله يهتمّ بكم منذ ولادتكم وحتّى نهاية أعماركم.

–       احذروا أن تجعلوا أطفالكم يشعرون كما قيل: “صرنا أيتامًا بلا أب” (مرا 5: 3).

–       احكوا لأطفالكم عن الله من الكتاب المقدّس بسرور وفرح.

–       يجب أن تشعروا أنتم، أوّلاً، بوجوده الحيّ في حياتكم، لكي يشعر بذلك أطفالكم.

–       صحّحْوا نظرتكم إلى الله قبل أن تقدّموها لأطفالكم لئلاّ يروا فيكم صورة الله مشوَّهةً.

 

الأولاد والطاعة

الأولاد والطاعة

الشيخ تداوس سترابولوفيتش رئيس دير فيتوفنيكا، صربيا

نقلها إلى العربية ريتشارد صبوح

 

الطاعة تبني والإرادة الذاتيّة تهدم. يجب على الولد أن يتعلّم أن يكون مُطيعًا لأهله ولله. سيذكر كلام أهله كلّ حياته وسيحترم دائمًا أجداده، وليس هؤلاء فقط بل الناس الأصغر سنًّا أيضًا. سيكون مهذّبًا وحريصًا مع الجميع. للأسف، عائلات قليلة ينشئون أولادهم بهذه الطريقة.

الشرّير يسبّب الارتباك في عقول أولادنا ويحاول إحزانهم. يجبّ أن يتعلّم الأولاد الطاعة، خاصّةً قبل عمر الخمس سنوات، لأنّه في هذا العمر تتكوّن شخصيّاتهم. فأثر الطريقة التي تكونّت فيها شخصيّاتهم يبقى معهم بقيّة حياتهم. يجب أن يعلّم الأهل أولادهم الطاعة الكاملة في هذه المرحلة من حياتهم. إذا قال أحد الأهل شيئًا، يجب أن يكون الجواب: “مهما تقول”. اليوم للأسف الأهل لا يعلمون هذا لا بل يعلّمون أولادهم العكس تمامًا.

إذا قال الأهل “إبقَ هنا” فالولد يجب أن يبقى حيث قيل له. لكنّه ولد في النهاية، ولا يستطيع البقاء في مكان واحد. ما يحصل عادةً أنّ الأهل يضربون الولد لعصيانه. هذه ليست طريقة حسنة لتعليم الولد الطاعة. قد تكون أحيانًا ردّة فعل ضروريّة، لكن يجب أن تكون بمحبّة ويجب أن يشعر الولد بهذه المحبّة. لا ينبغي أبدًا أن يضرب الأهل أولادهم بغضب. لأنّه إذا بدأت بمعاقبة أحدٍ وأنت غاضب، لن تصل إلى أيّ مكان. ستؤذي الشخص الذي أمامك، ونفسك أيضًا. إذا أردتَ أن تضع أحدًا على السكّة الصحيحة، يجبّ أن تعلّمه وتنصحه. يجب أوّلًا أن تتّضع وتكلّمه بمحبّة كبيرة. سيقبل إرشادك إذا أُعطِيَ بمحبّة. لكن إذا شئتَ أن تفرض إرادتك الذاتيّة بأيّ ثمن، لن تحقّق شيئًا أبدًا. هذا ما يسبّب ردّة فعل سيّئة عند الأولاد. إذا كان الولد غير مطيعٍ، فالحلّ ليس في ضربه.

الأهل يقسون على أولادهم لأصغر الأمور، وكأنهم لا يعرفون أنّ التكلّم بهدوء ولطف ممكن. عندما يجب أن يضع الأهل حدودًا لولد، يجب أن يشعر الولد بوجود محبّة وراء الصرامة. إنّه خطأٌ كبير أن نعاقب الأولاد في اللحظة التي يخطئون فيها، إذ لن تكون ردّة فعلهم جيّدة. يجب أن ننتظر أن يهدأوا، ومن ثمّ بكثير من المحبّة، نقول للولد أنّه أخطأ ويجب أن يقبل شكلًا من العقاب. إذا تكرّر الأمر نفسه، يُعطى الولد عقابًا أقسى، وبهذه الطريقة، يتعلّم.

إنّ مشيئة الله تعمل فينا عبر أهلنا أو من خلال معلّمينا ومديرينا. إذا كنّا بحاجة أن نصلح تصرّف ولدٍ، فيجب أن نصنع هذا بكثير من المحبّة والإنتباه. إذا كان الأمر الوحيد في بالنا أن نغيّر حياة الولد، فقد أعطيناه صفعةً بأفكارنا. لاحظتُ هذا كرئيس دير: لقد رأيتُ مرارًا أحدًا من الإخوة لا يتصرّف بشكل صحيح، لكن في اللحظة التي أكون فيها على وشك أن أعطيه الملاحطة، أشعر أنّني قد أعطيته صفعةً.

تستطيع أفكارنا أن تكون اقتحاميّة وذات قوّة كبيرة. هذا يصحّ بشكلٍ خاصّ عن أفكار الأهل. يحتاج الأهل أن يكونوا بنائّين مع الكثير والمسامحة عن كلّ شيء. نستطيع أن نسامح الآخرين فقط إذا كانت أفكارنا حسنة وجيّدة. إذا كنّا نمتلك أفكارًا موجّهة نحو إصلاح أخطاء الآخرين، فنكون كمَن يضربهم. بغضّ النظر كم يكون الشخص قريبًا منّا، سيبتعد، لأنّنا قد صفعناه بأفكارنا. ونعتقد أنّ أفكارنا هي لا شيء!

نعاقب أولادنا، لكن بالحقيقة لا حقّ لنا في فعل ذلك، لأنّنا فشلنا في تعليمهم الطريق الصحيح. مرّةً كتبت لي طبيبة: “أنجبتُ ابنًا من زوجي، الذي هو طبيب أيضًا. ابننا حطّم ثلاث سيّارات – الحمد لله أنّه ما زال حيًّا. الآن يريدنا أن نشتري له سيّارة أخرى، لكنّنا لم نعد نقدر أن نشتري. عندما نعود إلى البيت من أشغالنا، يحاول أن يحصل على المال منّا، حتّى بالقوّة. ماذا أستطيع أن أفعل لمعالجة هذه المشكلة؟” قلتُ لها أن الوحيديَن الذَين يُلاما هما نفسيهما. كان لهما ابنٌ وسمحا له أن يفعل ما يشاء، حتّى منذ كان صغيرًا جدًّا. عندما كان صغيرًا، طلباته كانت أقلّ كلفة، أمّا الآن فقد كبرَ وأصبحت طلباته أكبر. الشيء الوحيد الذي يستطيعان الآن فعله هو إعطاء ابنهما الكثير من المحبّة والإهتمام لربّما يعود إلى رشده ويُدرك أنّ الشيء الذي اهتمّ به أهله هو مصلحته. ليس من طريقةٍ أخرى غير المحبّة. هل ترون من هذا المثل كيف نحسّن حياتنا وحياة الذين حولنا، من خلال أفكارنا؟ نرجو أنّ جهودنا في هذا الإتجاه ستأتي بأثمار.

أسئلة حول العلم ونظرية التطوّر

أربع أسئلة حول العلم ونظرية التطوّر

نيقولاوس مطران ميسوغيا ولافريوتيكي

درس الميتروبوليت نيقولاوس مطران ميسوغيا ولافريوتيكي الفيزياء في جامعة تسالونيكي وحصل على البكالوريوس سنة 1976، وبعد الخدمة العسكرية تابع دراساته في هارفرد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (M.I.T.) حيث حصّل الماجيستير، وتابع تحصيله في برنامج مشترك بين الجامعتين فنال الدكتوراه في الهندسة الطبية. من ثمّ عمل في آن واحد لمستشفى كنسي وفي الناسا. علّم أيضاً في جامعة هارفرد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومن ثم انتقل إلى التعليم في كلية الطب في كريت وفي جامعة أثينا. من ثمّ عاد إلى بوسطن حيث حصّل الماستر في الدراسات اللاهوتية من معهد الصليب المقدّس للاهوت، ودكتوراه من جامعة تسالونيكي في أخلاقيات علم الحياة.

ما يلي هو أربعة أسئلة طُرِحَت على المطران مع جوابه عليها

سؤال: كمؤمن بالله، ما هي نظرتك نحو مَن يريد أن يتعاطى البحث الحديث، خاصةً البحث الذي يتحدّى الله في النهاية، كمثل الهندسة الجينية وعلم الكونيات أو طبّ الأعصاب؟

جواب: البحث العلمي المعمول لتحدي الله مُصاب بمرض التحامل. البحث العلمي هو لاكتشاف الحقيقة العلمية. أين المشكلة إذا كان هناك مَن يريدون أن يوسّعوا آفاق أفكارهم ومعرفتهم؟ بهذه الطريقة يقتَرَب من الله بشكل أفضل. الله ليس إيديولوجيا علينا الدفاع عنها بمختلف السُبُل بل نحن نؤمن به لأنه هو الحقيقة. بهذا المعنى، حتى الحقيقة العلمية تكشفه لنا. إذا كان هناك أي شكّ به فالوقت مناسب للبحث عنه. المؤمن الذي يخاف من البحث العلمي يخاف من الحقيقة. وقد يكون مؤمناً لا يؤمن.

سؤال: ماذا لديكم لتقولوا عن نظرية التطور؟ ألا تعارض تعليم الكنيسة؟

جواب: بما يتعلّق بهذا الموضوع، يقوم تعليم الكنيسة على كتاب التكوين الموحى به. هذا ليس كتاباً عن الفيزياء أو علم الحياة. الأمر المهم الذي يحكي عنه ليس إذا كان الله صاغ الإنسان من التراب وأين وجده، بل أن الإنسان وُجِد “على صورة الله ومثاله”. كل شيء آخر هو تفصيل. كيف للعلم أن يقلب هذا؟ وابعد من ذلك، إذا كان العلم يحسّن فهمنا لهذا العالم وصورتنا عنه لماذا علينا أن نوقفه. أقصى ما يمكننا قوله هو أننا نفهم بعض الأمور بشكل أفضل.

إن مشابهة الإنسان لله هي أننا مصنوعون بالحياة الإلهية ومنقوشون بهدف هدف هذه المشابهة. هذا لا يستطيع العلم أن يغيّره، مع أن بعض العلماء يحاولون ذلك بغرور.

سؤال: إذاً لا يهمّ إن كان الإنسان يتحدّر من الحيوانات؟

ما يهمّ هو الأصل الإلهي للإنسان وعلاقته بالله، أي أن الله خلقنا وليس كيف خلقنا. وأيضاً، الخطر ليس أن الإنسان يتحدّر من الحيوانات بل أن يصير مثلهم: “وَالإِنْسَانُ فِي كَرَامَةٍ لاَ يَبِيتُ. يُشْبِهُ الْبَهَائِمَ الَّتِي تُبَادُ” (مزمور 12:49). إذا كانت غايتنا هي أن نصير على صورة الله، أنحاول أن نثبت أننا حيوانات؟ المشكلة إذاً ليست الإثبات العلمي لنظرية التطور بل الالتزام بتفسيرها الحرفي المريض. هذا التفسير لا يبرهن عدم وجود الله بل يؤكّد قصر النظر المتّقد عند الإنسان. استبدال الغرض الإلهي بالانحطاط الأحمق إلى حيوان! ولا حتّى الحيوانات يعجبهم ذلك.

سؤال: لكن عندنا تشابهات مهمّة مع الحيوانات ونحن بحاجة لإيجاد أهميتنها.

يفاجئني الاهتمام بمشابهتنا الحيوانات. لو كان هناك اهتمام مماثل بقربنا من الله، كم كانت الأمور تتغيّر. علينا أن نكتشف معنى هذا القرب. هناك تشابه مع الحيوانات. جسدنا بطريقة او بأخرى يشبه الحيوانات الرئيسية، حتّى أنه يمكننا أن نعلّم الحيوانات الفضائل الغريزية. هناك الكثير من الأمثلة في الكتاب المقدس. المسيح نفسه قال في العظة على الجبل “انظروا إلى طيور السماء” وبأي طريقة يمكننا تقليدهم. لكن ما يهمّ هو اختلافنا عن الحيوانات. الإنسان نفس-جسداني. هذا هو مصدر قيمته. آن الأوان لتوجيه اهتمامنا بعيداً عن مشابهتنا للحيوانات نحو إمكانية مشابهتنا لله.

كيف نُنشئ زاوية أيقونات في بيتنا؟

كيف نُنشئ زاوية أيقونات في بيتنا؟

سيرج ألكسيف

نقلها إلى العربية ريتشارد صبوح

الكميّة والنوعيّة شيئان مختلفان. من البساطة أن نفترض أنّه كلّما زادت الأيقونات المقدّسة في البيت المسيحيّ الأرثوذكسيّ، تكون حياة العائلة أكثر تقوى. إنّ مجموعة أيقونات وصُوَر ورزنامات دينيّة غير مرتّبة وتغطّي مساحات كبيرة ممكن أن تؤثّر سلبًا على حياة الإنسان الروحيّة. وقد تتحوّل مجموعة أيقونات غير مدروسة إلى شيءٍ من دون معنى، ولا يبقى لهدف الأيقونة الصلاتيّ أيّ مكان. لا شكّ أنّ وجود عدد كافٍ من الأيقونات في بيتنا شيءٌ ضروريّ، لكن ضمن المعقول.

في الماضي، في الريف والمدينة، كان بيت كلّ عائلة أرثوذكسيّة يحتوي على رفّ من الأيقونات، أو أيقونسطاس كامل، في أكثر مكان مرئيّ من البيت. وهذا المكان حيث توضَع الأيقونات يُسمّى الزاوية الأماميّة أو الزاوية الجميلة أو الزاوية المقدّسة أو مكان الله.

بالنسبة للمسيحيّين الأرثوذكس، الأيقونة ليست فقط تصويرًا للربّ يسوع المسيح أو والدة الإله أو القدّيسين أو أحداث من التاريخ المقدّس وتاريخ الكنيسة. الأيقونة هي صورة مقدّسة؛ أي أنّها خارج نطاق الحقيقة الإعتياديّة، ومقصدها هو فقط الإتّصال بالله. تاليًا الغاية الأساسيّة من الأيقونة هي الصلاة. الأيقونة نافذة من عالمنا، العالم الأرضيّ، على العالم العلويّ. هي كشف الله في الشكل واللون.

هكذا، الأيقونة ليست فقط إرثًا عائليًّا يُسلَّم من جيل إلى جيل، بل هي شيءٌ مقدّس يوحّد جميع أعضاء العائلة في الصلاة المشتركة؛ لأنّ الصلاة معًا تحصل فقط إذا كان الواقفون قبالة الأيقونات قد سامحوا بالتبادل أخطاء بعضهم البعض وحقّقوا الوحدة.

اليوم، طبعًا، التلفاز – الذي هو في ذاته نافذة على عالم الأهواء البشريّة المتنوّعة – أخذ مكان الأيقونات في البيت. فُقِدت غاية الأيقونة العائليّة، وتقليد الصلاة المشتركة في البيت، ووعي العائلة ذاتها ككنيسة صغيرة.

قد يسأل المؤمن المسيحيّ الأرثوذكسيّ اليوم: أيّة أيقونات يجب أن أقتنيها في بيتي؟ كيف أرتّبها؟ هل أستطيع أن أستخدم نُسخًا من الأيقونات؟ ماذا أفعل بالأيقونات القديمة المهترئة؟ بعض هذه الأسئلة بحاجة إلى أجوبة واضحة دقيقة، بينما بعضها لا يتطلّب توصيات صارمة.

أين يجب أن نضع الأيقونات في البيت؟

في مكان حرّ ويمكن البلوغ إليه. الإيجاز في هذه الإجابة سببه واقع الحياة. طبعًا من الأفضل وضع الأيقونات على حائط الغرفة الشرقيّ، لأنّ الشرق كمفهوم لاهوتي له دلالة خاصّة في الأرثوذكسيّة.

“وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ” (تكوين 2: 8).

“تَطَلَّعِي يَا أُورُشَلِيمُ مِنْ حَوْلِكِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَانْظُرِي الْمَسَرَّةَ الْوَافِدَةَ عَلَيْكِ مِنْ عِنْدِ اللهِ” (باروخ 4: 36).

“ثُمَّ رَفَعَنِي رُوحٌ وَأَتَى بِي إِلَى بَابِ بَيْتِ الرَّبِّ الشَّرْقِيِّ الْمُتَّجِهِ نَحْوَ الشَّرْقِ” (حزقيال 11: 1).

“لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى الْمَغَارِبِ، هكَذَا يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ” (متّى 24: 27).

لكن ماذا يجب أن نفعل إذا كان على الجهة الشرقيّة من المنزل نوافذ أو أبواب؟ في هذه الحالة، نستعمل الحائط الجنوبيّ أو الشماليّ أو الغربيّ.

لا يجب أن نخلط بين الأيقونات والأشياء الجماليّة ذات الطبيعة العالميّة، كالتماثيل ومختلف أنواع الصُوَر، إلخ. من غير المناسب وضع الأيقونات على رفّ كتب، إلى جانب كتب لا تشارك الإيمان الأرثوذكسيّ شيئًا أو التي تعارض التعليم المسيحيّ. لا يجوز أبدًا وضع الأيقونات إلى جانب ملصقات أو رزنامات تصوّر فنّانين أو ريّاضيّين أو رجال سياسة – أوثان وصوَر العصر الحاضر. هذا لا فقط يقلّل من الإحترام والوقار للصوَر المقدّسة إلى حدّ غير مقبول، بل أيضًا يضع الأيقونات المقدّسة في مساواة مع صوَر وأوثان العالم المعاصر.

يمكننا تزينن زاوية الأيقونات في البيت بأزهار حيّة. تقليديًّا تُحاط الأيقونات الكبيرة بمنديل. هذا التقليد قديم وله  أساس لاهوتيّ. بحسب التقليد، ظهرت صورة للمخلّص بشكل عجائبيّ على منديل خلال حياته على الأرض، من أجل مساعدة إنسان في ألم. بعد أن غسل المسيح وجهه، مسحه بمنديل نظيف، فظهرت عليه صورة وجهه. أُرسِل المنديل إلى الملك أبجر الذي كان مصابًا بالبرص في مدينة إيديسّا في آسية الصغرى. وإذ شفي الحاكم، اعتنق هو وحاشيته المسيحيّة، والصورة غير المصنوعة بيد ليسوع المسيح ثُبّتت على لوح دائم ورفعَت فوق بوّابات المدينة.

في الماضي، 29 آب، وهو اليوم الذي تعيّد فيه الكنيسة لنقل الصورة غير المصنوعة بيد لربّنا يسوع المسيح من إيديسّا إلى القسطنطينيّة سنة 944،  معروفٌ بين الشعوب بعيد المنديل، وفي بعض الأماكن كانت تُبارَك الأقمشة والمناديل المصنوعة من غزل الصوف. هذه المناديل المطرّزة كانت تُحفظ لاستعمالها في زاوية الأيقونات.

كذلك، كانت الأيقونات تُحوَّط بالمناديل لاستعمالها في الأكاليل وتكريس الماء. هكذا، مثلًا بعد خدمة تكريس الماء، عندما يرشّ الكاهن الأيقونات بمياه مقدّسة، كان الناس يمسحون الأيقونات بمناديل خاصّة ويضعونها في زاوية الأيقونات. هناك عادة في الإحتفال بِعيد دخول الربّ إلى أورشليم (أحد الشعانين)، تُبقي إلى جانب الأيقونات أغصان صفصاف تمّت مباركتها في الكنيسة، حتّى أحد الشعانين في السنة التالية. من المعتاد أنّه في العنصرة، يوم الثالوث القدّوس، تُزيّن البيوت والأيقونات بأغصان البتولا كرمز للكنيسة المُزدهرة، حاملة قوّة الروح القدس المملوءة نعمة.

ما هي الأيقونات التي يجب أن تكون في بيتنا؟

من الأساسيّ وجود أيقونتَي المخلّص ووالدة الإله. أيقونة الربّ يسوع المسيح التي تشهد على التجسّد وخلاص كلّ البشر، وأيقونة والدة الإله – الأكثر كمالًا بين البشر، التي صارت مستحقّة للتألّه، وهي أكرم من الشاروبيم، وأرفع مجدًا بلا قياسٍ من السيرافيم – هما جزءٌ أساسيّ من البيت المسيحيّ الأرثوذكسيّ. أيقونة المسيح المُختارة عادةً للصلاة في البيت هي أيقونة المسيح الضابط الكلّ (المصوّرة من أعلى الخصر).

مَن يملك مكانًا أكثر في البيت قد يضيف إلى زاوية الأيقونات، أيقونات لقدّيسين مكرّمين عديدين. للشعب الأرثوذكسيّ في روسيا تقليد في تكريم خاصّ للقدّيس نيقولاوس الصانع العجائب. تقريبًا في كلّ بيتٍ أرثوذكسيّ أيقونة له. أيقونات القدّيس نيقولاوس الصانع العجائب والمخلّص ووالدة الإله، احتلّت دائمًا مكانًا مركزيًّا في البيوت المسيحيّة الأرثوذكسيّة. الشعب يكرّم القدّيس نيقولاوس كقدّيس مُعطى له نعمة خاصّة. هذا يعود بشكلٍ كبير إلى أنّ كلّ خميس – بحسب تيبيكون الكنيسة – مُخصّص، بالإضافة لرفع الصلاة للرسل القدّيسين، للقدّيس نيقولاوس الصانع العجائب أسقف ميرا في ليكيا.

من بين أنبياء الله القدّيسين، أيقونة النبيّ الياس لها مكانٌ بارز عند المؤمنين. وبين الرسل القدّيسين، تبرز أيقونات القدّيسَين بطرس وبولس هامتي الرسل. من بين شهداء الإيمان المسيحيّ، أكثر ما نصادف أيقونات القدّيس العظيم في الشهداء جاورجيوس اللابس الظفر والقدّيس الشهيد العظيم بندليمون الشافي. يُنصح أيضًا بوضع أيقونات للإنجيليّين القدّيسين، وللقدّيس يوحنّا المعمدان، ولرئيسَي الملائكة القدّيسَين جبرائيل وميخائيل، وأيقونات الأعياد، لزاوية أيقونات كاملة في البيت.

اختيارنا الأيقونات لبيتنا هو دائمًا أمر شخصيّ. أفضل مَن يساعدنا في هذا الإختيار هو الكاهن – الأب الروحيّ للعائلة – ومنه، أو من كاهنٍ آخر يجب أن نطلب النصح.

أمّا بالنسبة لنسخ الأيقونات والصوَر الفوتوغرافيّة (للأيقونات)، فأحيانًا من المنطقيّ أكثر إمتلاك نسخة جيّدة من أيقونة، من امتلاك أيقونة مرسومة ذات نوعيّة سيّئة.

يجب أن يحافظ كاتب الأيقونات على موقف متطلّب في عمله. تمامًا كما الكاهن لا يخدم الليتورجيا دون التحضير الواجب، كاتب الأيقونات يقارب خدمته بوعيٍ كامل لمسؤوليّته. للأسف، في الماضي واليوم، نرى أمثلة بشعة عن صُوَر لا تشبه الأيقونات. هكذا، إذا كان تصويرًا معيّنًا لا يستدعي إحساسًا بالتقوى وحضور القداسة، أو إذا كان مشكوكًا فيه لاهوتيًّا أو أداءه التقنيّ ليس احترافيًّا، يكون من الأفضل عدم شراء هذه الأيقونة.

لكن تستطيع نسخًا للأيقونات القانونيّة، ملصقة على سند قويّ ومكرّسة في الكنيسة، أن تحتلّ مكانًا شريفًا في الأيقونسطاس البيتيّ.

كيف وبأي ترتيب يجب أن نرتّب الأيقونات؟ هل هناك قواعد صارمة بهذا الشأن؟

في الكنيسة نعم. أمّا بالنسبة لزاوية الصلاة في البيت، نقتصر الكلام في بعض القواعد الرئيسيّة.

مثلًا، مجموعة أيقونات موضوعة من دون تجانس، من دون ترتيب، تستدعي إحساسًا مستمرًّا بعدم الرضى والرغبة في تغيير كلّ شيء – ما يشتّت غالبًا عن الصلاة.

كما هو ضروريّ أن نذكّر بمبدأ التراتبيّة: مثلًا، لا نضع أيقونة لقدّيس مكرّم محّلّيًّا فوق أيقونة للثالوث القدّوس، أو المخلّص، أو والدة الإله، أو الرسل. ومثلما على أيقونسطاس كلاسيكيّ، أيقونة المخلّص يجب أن تكون عن اليمين، وأيقونة والدة الإله عن اليسار.

ماذا يجب أن يكون موقفنا تجاه الأشياء المقدّسة؟

كما أنّ القداسة هي أحد صفات الله (إشعياء 6: 3)، فهي أيضًا تنعكس في قدّيسي الله وفي الأشياء المادّيّة. لذلك، تكريم القدّيسين، والأيقونات والأشياء المقدّسة، كما السعي الشخصيّ للشركة الحقيقيّة مع الله، هي تجلّيات لأمر واحد.

“وتكونون لي قدّيسين لأنّي قدّوس أنا الربّ” (لاويّين 20: 26).

الأيقونات في العائلة كانَت تُحفَظ دائمًا بتكريم خاصّ. بعد المعموديّة، يضعون الطفل مقابل أيقونة، والكاهن أو ربّ البيت يقرأ صلوات. الأهل يباركون ولدهم بأيقونة لمتابعة دراسته، أو حين يذهب في رحلات بعيدة، أو ينخرط في الخدمة العامة (كالجيش مثلاً). وكعلامة لقبول الأهل بالعرس، كانوا يباركون للعرسان بأيقونات. وأيضًا، مغادرة شخص لهذه الحياة يحصل في وجود أيقونات.

من غير اللائق الدخول في مجادلات أو القيام بتصرّف غير محترَم أمام صوَر القدّيسين. يجب أنّ نرسّخ احترامًا لائقًا للصور المقدّسة في الأطفال منذ الصِغَر.

ماذا يجب أن نعمل إذا صارت أيقونة في حالة غير قابلة للإستعمال ولا يمكن إعادة ترميمها؟

لا يمكننا، تحت أي ظرف، أن نرمي أيقونة ببساطة، حتّى لو لم يتمّ تكريسها. الشيء المقدّس، ولو فقد شكله الأصليّ، يجب أن يعامَل دائمًا باحترام.

إذا كانت حالة الأيقونة قد تراجعت مع العمر، يجب أن تُؤخذ إلى الكنيسة للحرق في محرقة الكنيسة. إذا كان هذا مستحيلًا، نحرق الأيقونة بأنفسنا ونطمر الرماد في مكان لن يُلوّث أو يُعكَّر، مثلًا في مقبرة أو تحت شجرة في الحديقة.

الوجوه التي تُقبل علينا من الأيقونة تنتمي إلى الأبديّة. فلنرفَع صلواتَنا إليهم، ناظرين نحوهم، طالبين شفاعاتهم. نحن، الساكنين في العالم الأرضيّ، لا يجب أن ننسى أبدًا نداء مخلّصنا الأبديّ للتوبة، والكمال، وتألّه كلّ نفس بشريّة.

الصلاة كوسيلة لتربية الأولاد

الصلاة كوسيلة لتربية الأولاد

جون سانيدوبولوس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

لطالما وُجدت، إلى حدّ ما، “هوّة بين الأجيال”، لأنّ “الاختلافات بين الناس هي طبيعية بالاستناد إلى العمر والمواهب الروحية والخبرة والحالة الروحية “، كما يشير المتروبوليت يروثيوس الذي من نافباكتوس في دراسته البارزة تحت عنوان “العلاقة بين الأهل والأولاد”(1989). اليوم، في عصر تسوده أزمة على صعيد القيم والمؤسّسات والقيادة والناس، نجد أيضًا أزمة متعددة الأوجه في العلاقة بين الأهل والأولاد.

في سبيل تخطّي هذه المصاعب والفروقات، علينا أن نتحلّى بالجدّية والهدوء وخاصّة بالمحبة. نحتاج أيضًا إلى معيار ثابت في الحياة، وذلك نادر اليوم، في عصر نعيش فيه بضياع كبير. فماذا يمكن للأهل أن ينقلوا لأولادهم، وكيف يتوصَّلون إلى وفاق معهم، بينما، هم بدورهم، يعيشون حالة ضياع ويحتاجون المساعدة أوّلاً؟

ما هي الصلاة؟

كتب القدّيس يوحنا السينائي في كتابه السلّم إلى الله قائلاً: “الصلاة هي حوار الانسان مع الله واتحاده به، وتأثيرها يرفع العالم ويجلب المصالحة مع الله… هي… جسر فوق الاغراءات، حائط في وجه المحن، سحق للصراعات (مع الشياطين)،… مصدر للفضائل، وسيلة لاقتناء النعم الروحية …، استنارة النوس، فأس ضدّ اليأس، إعلان للأمل، علاج للحزن…، تخفيف للغضب،…دلالة على الحالة الروحيّة للشخص  (الدرجة 28). تفترض الصلاة القلبية حبًّا واهتمامًا للذين تُرفع من أجلهم (في هذه الحالة الأولاد)، كما تفترض ثقة بالذي تُرفع إليه (أي الله)، الثقة بأنّ لديه الحب والقوّة لمساعدتنا.

عندما نتكلّم عن الصلاة كأسلوب حياة للأهل، نتكلّم عن أولئك الأهل الذين يعيشون الصلاة، الذين هم أناس صلاة وشعب الله وشعب الكنيسة، والذين يملكون أبًا روحيًّا ويشاركون بانتظام في الأسرار، ويعيشون حياتهم باهتمام روحي.

الأسلوب الأكثر فعاليّة

إنّ الأسلوب الأكثر فعاليّة في تربية الأهل لأولادهم هو استعمال أقلّ كلمات ممكنة والتربية بواسطة المثل. كتب الأب باييسيوس الآثوسي في رسائله قائلاً: “مغبوطون هم الأهل الذين لا يستعملون كلمة “لا تفعل” مع أولادهم، بل يكبحون الشرّ بواسطة حياتهم المقدّسة التي يقلّدها الأولاد ويتبعون المسيح بشهامة روحيّة وبفرح. لقد تكلّم قدّيسون عدّة عن الدور الايجابي الذي تؤدّيه قداسة الوالدين في حياة الولد. بالتالي، حين يكون الوالدان مصلّيين، هما يعيشان الصلاة، يحيان في المسيح والمسيح يحيا فيهما. حينها، يمكنهما إيصال المسيح إلى أولادهما.

الوالدان الحقيقيّان ليسا مجرّد من ولدا ابنًا بالجسد، إنّما من يربّيانه بطريقة صحيحة. هما أُنشئا بحسب المبادئ والقيم الارثوذكسية، ويعرفان أنّ سبب وجودنا على هذه الأرض هو في كوننا وارثي ملكوت الله، الأمر الذي يتحقّق فقط باستعمال الطرق الشفائيّة التي حدّدها التقليد الآبائي الارثوذكسي: التطهّر، الاستنارة والتمجيد. إنّنا، بتطهير قلوبنا من الأهواء الخاطئة، نستنير بالروح القدس ونصبح متّحدين بالله عبر نعمته. عندما ينشئ الوالد ابنه متّخذًا هذا الهدف بعين الاعتبار، وهو بأنّه مدعوّ لأن يكون “إلهًا بالنعمة”، حينها، وكما يقول القديس باسيليوس الكبير، سيتّخذ كلّ شيء موقعه المناسب ويكتسب معناه الحقيقي.

الأمور المهمة أولاً

إنّ الانسان المصلّي الذي يجاهد الجهاد الحسن لاقتناء الفضيلة، هو الأنسب، بمؤازرة الله، لتزويد أولاده بالتربية الحقيقية. هذا الانسان يعتبر الآخر شخصًا فريدًا ويحترم حريّته. كتب المتروبوليت يروثيوس قائلاً: “يجب أن تتميّز علاقتنا مع أولادنا بالحب والحرية، اللذين عليهما، في الواقع، أن يتلازما وأن يعبّر عنهما سويًّا: الحب الذي لا يحترم الحرية هو تسلّط، والحرية من دون حب حقيقي هي فوضى”. ويضيف:” يبرّر الأهل عادة كلّ تصرّف لهم بمدى محبّتهم لأولادهم. بالطبع، الحبّ عظيم ، فكما يقول آباؤنا القديسون إنّ الحب ثمرة اللاهوى، لذا فهو يتطلّب تطهيرًا للقلب”. ثمّ يضيف قائلاً: “وأيضًا، يبرّر الأولاد عادة تصرّفاتهم بأنّهم أحرار في فعل ما يشاؤون، وبالتالي لا يقبلون إرشاد والديهم. إلاّ أنّ الحريّة ليست في فعل ما أشاء، وهي ليست مجرّد اختيار حرّ، الحريّة الحقيقيّة يعبّر عنها بالحبّ.

يعتبر الانسان المتواضع نفسه أسوأ من الجميع ولا يدين بسهولة أخطاء الآخرين. وإن فعل ذلك فإنّما بهدف تأديب الولد وبنائه وليس بهدف إيذائه وتبرير أنانيته (أنانية الولد)، كما يقول الكتاب: “ليؤدّبني الصدّيق ويوبّخني” (المزمور 141: 5).

الانسان المحبّ والمتواضع يعرف كيفيّة المسامحة والصبر والإصغاء للآخرين. لكن بدلاً من هذه الفضائل، غالبًا ما نجد في داخلنا ما يقابلها من الرذائل. إنّنا نميل في أيامنا هذه إلى أن نحمل، بأنانيّة، الضغينة والحقد. تتمحور حياتنا حول التوتّر الذي نراكمه على أنفسنا من دون بساطة وصوابية في وجهة النظر. كما أنّنا نحبّ التكلّم على أنفسنا وعلى آرائنا، رافضين التغيّر والإقرار بأخطائنا.

الانسان المصلّي لا يغضب بسهولة، بل هو حليم ومسالم. هو يعرف المعاناة والبهجة الحقيقية، لأنّ الألم يهذّب الروح ويمنحنا الفرصة لتمجيد الله في وقت يكون ذلك آخر ما يُتوقّع منّا. إذا وصل أحد الوالدين إلى البيت غاضبًا وحزينًا أو فاقدًا السيطرة، سينتشر هذا الفيروس في المنزل مثل مرض معدٍ. إنسان الله عنده إيمان ويثق بالله لا بأفكاره وقدراته الخاصّة. الإنسان المؤمن لا يقع في اليأس والإحباط، اللذين هما ثمرة الكبرياء، بل يعترف بفشله بتواضع ويلتفت إلى الله طالبًا العون، كما يقول الأب باييسيوس: “عندما نوكل الله بكلّ شيء، فهو يكون مُجبَرًا على مساعدتنا”.

هذه هي صفات الوالد الناضج والروحاني الذي لا يكون أنانيًّا وقاهرًا أو مفرط الاهتمام. يدرك أنّ أولاده ليسوا ملكًا له. -هم لا ينتمون إلينا، نحن لم نخلقهم بأنفسنا بل كنّا مشاركين في الخلق مع الله. نحن نساعد في وهب الجسد لكنّ الله هو واهب الروح-. لا يضع نفسه أولاً، لا يعطي وعودًا كاذبة، لا يقمع ويسيطر ويصدر باستمرار تعليقات سلبية وانتقادات.

أخيرًا، الوالد الناضج والروحاني لا يكلّم أولاده عن الله فقط، إنّما بالأخصّ يكلّم الله عن أولاده. فالصلاة، بالنسبة له، هي راحة وليست عبءًا. يدرك أنّ وطأة النضال يجب أن تُسلَّم للصلاة وألّا تقتصر فقط على الكلام.

الأمل موجود

إضافةُ، علينا أن نفهم أنّ الشباب لا يفتّشون عن عالم فيه وفرة من السلع الاقتصادية، بل عن عالم خالٍ من الملل” (المتروبوليت يروثيوس). ينشأ الملل عندما لا يجد الانسان معنى لحياته. كتب الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، مؤسّس العلاج بالكلمة: ” قام مجلس التعليم الاميركي ببحث (استطلاعات) شمل 171500 طالب، 68.1 % منهم أجابوا بأنّ الهدف الأسمى في الحياة هو إيجاد فلسفة حياة ذات معنى”.

يفتّش الشباب ذوي الاهتمامات الروحيّة عن أجوبة لأسئلتهم الوجودية: من أنا؟ من أين اتيت؟ إلى أين أنا ذاهب؟ ما هو معنى حياتي؟ هل هناك حياة بعد الموت؟ ما هو الهدف من حياتي؟ ليس المجتمع المعاصر في موقع مناسب للإجابة على هذه الأسئلة المشروعة ومساعدة الشباب.

يُزدرى، عن جهل وحكم مسبق، بأجوبة الكنيسة السليمة والمثبتة، خاصّة وأنّ عدوّ خلاصنا، الشرير، يدفع الناس للانشغال بمعرفة كاذبة وبأساليب ومعتقدات، بغية الإجابة على هذه الأسئلة وإعاقة خلاصهم.

لقد سئم الأولاد من النزعات الاستهلاكية والعلمانية والمادية، وأصبحوا، بسهولة، ضحايا لمخاطر عدّة محيطة بهم. كآباء، نحن مدعوّون لتوجيههم إلى مَثَل المسيح. هذا ليس سهلاً، لكنّ قوّة الله بإمكانها أن تحوّل الناس وتملأهم، حين يبدو كل شيء آخر مستحيلاً. بواسطة هذا الأسلوب، يمكننا سدّ تلك الهوّة الموجودة بين جيل وآخر.

John Sanidopoulos holds a BA in Religious Studies from Hellenic College and an M.T.S and Th.M from Holy Cross School of Theology

القداسة والتقديس

القداسة والتقديس

الخورية سميرة عطية

من أمالي مادة سير القديسين

  1. القداسة:

القداسة صفة من صفات الله وهو مصدرها وهكذا يرد في الكتاب المقدس عن الله أنه قدوس لأنه منزه عن الخطيئة والفساد ويمجّد من الملائكة بتسبيح لا ينقطع إلى الأبد “قدوس، قدوس، قدوس”. أما الإنسان فهو ليس قدّيساً من نفسه ولكنه يتقدّس بالمشاركة في قداسة الله وهذا لا يتم بقوى الإنسان الذاتية ووسائله بل بفعل نعمة التقديس الإلهية.

التقديس هو فعل ينتج عن المشاركة بين الله والإنسان، الله هو المقدّس بالدرجة الاولى، لذلك يفصل الكتاب المقدّس بين المقدِّس وهو يسوع المسيح وبين المقدَّسين وهم البشر المؤمنين (عب11:2). التقديس هو عمل الثالوث القدوس الذي يتمّ بشركة الروح القدس (2تسا2: 13) عبر المقدّس الذي هو المسيح.

  1. التقديس:

التقديس حقيقة وواقع: جميع المسيحيين دون استثناء هم قدّيسون لأنهم تقدسوا.

  • بالمعمودية: بالماء والروح.
  • بالميرون: بالمسح أي بهبة الروح القدس، ونلاحظ أن المسح بالميرون يسمى أيضاً “الختم” لأنه بالمسح تتغلغل نعمة الروح القدس إلى أعماق الإنسان (أف1: 13).
  • بسرّ الشكر الإلهي: الذي يتم بفعل الروح القدس كما يظهر ذلك بوضوح من كلمات الخدمة الإلهية “محولاً إياه بروحك القدوس”.
  • – بوسائل النعمة الإلهية المتنوعة

إن فعل التقديس الحاصل حقيقة، لا يتم فقط بواسطة الأسرار الإلهية التي هي بداية التقديس (رو8: 73). تلزم أيضاً محاولة الإنسان الشخصية. لذلك يتوجه الله إلى من وُهبوا هذه النعمة بقوله: “كونوا قديسين لأني أنا قدوس”، “كونوا كاملين” ….. كذلك القديس بولس يذكر “فإذا كنا نحيا بالروح فعلينا أن نقتفي آثار الروح” (غلا5: 25) الإنسان يقتفي آثار الروح عندما يحيا حياة الفضيلة وأما حياة الخطيئة فإنها تطفىء الروح (1تسا5: 19). الخطيئة لا تطفىء الروح وحسب بل تفقد الإنسان نعمة التقديس الموهوبة له من الله.

في العهد الجديد نلاحظ التركيز على دعوة الإنسان إلى العيش بحسب الروح وتجنّب الحياة بحسب الجسد مع تحليل مفصّل لكلا الحالتين وبيان النتيجة التي تقود اليها كلّ منهما. أنظر (غلا5، 19)، (رو8: 13)، (1تسا4: 3،8)، (أف1: 14)، 2كور3: 6)، (2تسا2: 13).

يتضح لنا من الآيات المذكورة أنه بقدر ما يحيا الإنسان بحسب الروح، يميت أعمال الجسد ويغتني بشركة الروح القدس إلى أن يتقدّس كليّاً (1تسا5: 23).

إن جهاد الإنسان هذا للتنقي من الاهواء مدعوم بنعمة الروح القدس. القديس مرقس الناسك يقول: “لا يمكننا أن نقوم بأي عمل في سبيل قداستنا بمعزل عن النعمة”.

ما هو دور الإنسان في التقديس؟

التقديس نعمة من الله يجاهد الإنسان ليحصل عليها وجهاده يهدف الى:

  • المحافظة على نعمة القداسة المعطاة له أولاً لذلك يقول القديس بولس “… بل أقمع جسدي وأستعبده، مخافة أن أكون أنا نفسي مرفوضاً بعدما وعظت غيري” (1كور: 27:9).
  • العمل بمشيئة الله ليكون قادراً أن يحصل على قداسة أكمل أو أعمق. أي المشاركة الكاملة بنعمة الثالوث القدوس، لذلك يقول القديس بولس: “بسبب هذا أحني ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة في السموات وعلى الأرض. لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن ليحلّ المسيح بالإيمان في قلوبكم وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله”.
  • التألّه:

التألّه بحسب تقليد الكنيسة الارثوذكسية هو هدف الله من خلق الإنسان. ولكن الإنسان بسبب سقوطه في الخطيئة لم يتمكن من الوصول إلى التأله. لذلك وجب أن يتجسّد ابن الله الكلمة. نقرأ في طروبارية البشارة: “…، لقد خاب آدم قديماً فلم يعد الهاً كما كان قد اشتهى، فصار الإله إنساناً لكي يصير آدم الها…” ويؤكد القديس غريغوريوس اللاهوتي أن “الغني يفتقر، يفتقر من أجلي بالجسد، لكي أغتني أنا بألوهته” (كلمة في الظهور الإلهي). وكذلك القديس اثناسيوس يقول أن المسيح “تجسد لكي يؤلهنا”.

التألّه ليس تغييراً للطبيعة البشرية ولكنه سموّها وارتقاؤها.

  • كيفية وصول الإنسان إلى التألّه:

مع أن قاعدة التبنّي هي الحصول على الخلاص بالمسيح عن طريق الأسرار ولكن التألّهلا يتم فقط بالمشاركة في هذه الأسرار بل يُكتسَب بالجهاد ضد الشيطان ومعاثره وممارسة الفضائل والأعمال الصالحة. والقديسون بصفة خاصة هم المجاهدون والنساك.

يتنقّى الإنسان في جهاده ضد الشيطان بتغلّبه على أهوائه: أي بعدم الغضب، بالاتّضاع، بعدم محبة المال، بالصوم، بالعفة، ويرضي الله بقدر ما يسلك بحسب مشيئته بالصلاة، بالتوبة وبمحبته له من كل قلبه وذهنه.

إن تنقية الإنسان لذاتّه وممارسته للفضائل ليست هي الهدف بحد ذاتها ولا تكفي لأن يصل الإنسان إلى التألّهبل إنها الواسطة فقط إلى ذلك وهي ما تجعل الإنسان مؤهلاً لتقبل عطية الله، وهذا ما نفهمه جلياً من أقوال الآباء: يقول القديس باسيليوس الكبير “الذين يتخلّون عن الأرضيات مرتفعين فوقها يصبحون مستحقين للشهادة لعطية الروح القدس”. وفي المجال نفسه يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث: “أن الأعمال الصالحة مشكورة ولكنها تنتهي إلى الصفر وتتلاشى عندما يتوقف ذاك الذي يؤديها عندها ولا يسعى لأن يتناول من قداسة الله، لأن كل الأعمال الصالحة تتمّ في سبيل الوصول إلى هذا الهدف”. (الكلمة16،4)

هذا التقليد الذي لم يتغير، نجده أيضاً عند القديسين الحديثين، القديس سيرافيم ساروف يكتب: “أن الصلاة والصوم والسهر وكل الأعمال المسيحية مهما تكن جيدة بحد ذاتها وبالرغم من أنها وسائل ضرورية للحصول على شركة الروح القدس ولكنها ليست هي وحدها هدف الحياة المسيحية. هدف الحياة المسيحية هو نيل نعمة الروح القدس” (من حديث مع موتوبيلوف).

  • ما هو التألّه:

مما سبق يتضح لنا أن التألّه هو شركة الروح القدس. والآباء يتكلمون بوضوح عن التألّه بشركة الروح القدس. وهذه الشركة تتمّ بنعمة الله فقط وليس في جوهره. وأما الفرق بين القديسين الذين هم في شركة الروح القدس وبين البشر الآخرين الذين تظهر من خلالهم أعمال الروح القدس، فهو شاسع كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس. لأنه طالما بقي الشرّ في الإنسان وطالما أنه لم يتنقَّ كلياً لا يستطيع أن يتقبّل موهبة الروح القدس. ولهذا يدعى القديسون : “صديقين كاملين” “حاملين المسيح” “حاملين الروح” المتوشحين بالله، هياكل الله. ومن هنا نفهم القول “عجيب الله في قديسيه” “وفي القديسين تستقرّ وتستريح”.

  • نتائج التألّه:

بشركة الروح القدس يتألّه الإنسان بكليّته (انظر 1تس5،23) أي بالروح وبالقوى (بالأفعال) وكذلك بالجسد.

أ – تألّه النفس (التفكير والإرادة):

إن البشر يصلون إلى التألّه، يعيشون بحسب الروح كما ذكرنا سابقاً والدعوة (كونوا قديسين، لأنني انا قدوس) (1بطرس16:1) أو (كونوا رحماء لأن اباكم رحوم) (لو36:6)، ليست سوى دعوة إلى الإرتقاء بالفكر والإرادة إلى فكر الله وإرادته.

وتتحقق هذه الدعوة بتألّه الإنسان حيث يعود ليأخذ الصورة الأولى والمثال الذي منحه إياه الله عند الخلق. عند القديس مكسيموس المعترف نجد أن الإنسان لا يصبح فقط صورة المسيح الحية، بل هو المسيح نفسه بالنعمة أو بالتمثّل”. نتيجة هذا التألّه هو عودة الإنسان إلى حالة ما قبل السقوط واستتباب السلام بينه وبين الحيوانات المتوحشة وعوامل الطبيعة.

وهكذا نجد قديسين يسيرون على وجه الماء ويتصرّفون إزاء الحيوانات المتوحشة وكأنها أليفة وهي تخضع لهم مثلاً (القديس أنطونيوس، جراسيموس الأردني، سيرافيم ساروف…).

بالتألّه يكتسب القديسون المحبة الكاملة، التواضع، الإستنارة، محبة الحقيقة، وهكذا يصلون باستنارتهم بالروح القدس إلى مستوى الوحدة في جوهر تعليمهم وإن اختلفت أساليب تعبيرهم التي يفرضها الزمان والمكان.

ب – تألّه القوى (الأفعال):

إن تألّه القوى هو نتيجة طبيعية لتألّه النفس. بالتألّه يمتلىء الذهن والقلب والإرادة والجسد بنعمة وقوة الله. المتألّهون لا يسمّون ويرتقون بالطبيعة فقط ولكنهم يكتسبون القوة الإلهية ذاتها كما يقول القديس غرغوريوس بالاماس. وبهذه الطريقة تصبح أقوال الإنسان، قواه وأعماله تعبيراً عن النعمة والقوة الإلهيتين. ويؤكد القديس نفسه أن المتألهين يتصرفون باسم الله وعوضاً عنه كما الملائكة القديسين” (الفصل التاسع عشر من الشركة المؤلّهة).

القديس باسيليوس الكبير يعلّمنا بوضوح “أن النفوس الحاملة الروح تتخفف وتصبح روحانية وليست هي فقط بل أنها تشعّ بالنعمة نحو غيرها أيضاً (عن الروح القدس الفصل التاسع).

ما هي القوى الإلهية التي تلاحظها عند القديسين؟

  • – نعمة معرفة خفايا القلوب.
  • – النبؤة: أي معرفة ما سيحدث مستقبلاً.
  • – القدرة على اجتراح العجائب المختلفة مثلاً: شفاء المرضى، إخراج الشياطين… الخ وهذا ما وعد به السيد: “الحق أقول لكم، إن من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم منها” (يوحنا14: 12).
  • – الحياة الإلهية: إن الحياة الإلهية هي البرهان الرئيسي على تألّه الإنسان كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس. فبما أن التألّه هو شركة الروح القدس لذلك فإن الذين استحقوا التألّه يقبلون مواهب وثمار الروح القدس، ومن بينها تأتي بالدرجة الأولى المحبة التي هي بحسب القديس بولس أفضل الطرق (1كور12،31) وأعظم المواهب (1كور13،13) ورباط الكمال (كولو3،14). لذلك فالقديسون هم أهل المحبة قبل كلّ شيء.

بعد كل ما تقدّم نجد من الضروري أن نذكر أنه بالرغم من أن نعمة الروح القدس تكون ساكنة في القديسين دائماً، إلا أنهم لا يتصرّفون دائماً بالقوة والفعل الإلهيين، ولكن كما يقول القديس باسيليوس الكبير “بحسب الحاجة” (عن الروح القدس الفصل 26). أي أنه في الأحوال العادية يتصرف القديسون كبشر عاديين بسيطين. ونلاحظ أن القديسين ليس فقط لا يسعون إلى فعل العجائب، بل على العكس، إذ إنهم يحاولون تجنبها. خاصة أنه من أهم ميزاتهم التواضع وعدم الأنانية ويعتبرون الضجة التي تثار حول شخصهم وإسمهم خسارة لهم وهذا ما يميّزهم بشكل جذري عن الدجالين والمدّعين.

جـتألّه الجسد:

من أهم نتائج التألّه هو تقدّس الجسد وتألّهه. الجسد ليس سجناً للنفس كما يعلّم أفلاطون. وليس له هدف أرضي فقط. “أما الجسد فليس للزنى بل هو للرب والرب للجسد” (1كور 13:6). الجسد يجب أن يكون هيكلاً لله. وهيكل الله مقدس. إذن فالجسد يجب أن يتقدس بالكلية بالتألّه. وبالتألّه فقط يصل الجسد إلى كامل قيمته وليس في النظريات الإنسانية الحديثة. يقول القديس سمعان اللاهوتي بالحديث عن تألّه الجسد: “إن النفس التي أصبحت بتقدسها أهلاً لأن تكون شريكة في النعمة الإلهية، تستمر بالضرورة بتقديس كامل هيكلها. لأنها حيث تكمن في هذا الهيكل وتوجد في كافة أعضائه. لذلك فنعمة الروح القدس، عندما تسكن في النفس تسكن أيضاً في هيكلها. ولكن طالما بقيت النفس في هذا الهيكل فإن الروح القدس لا ينقل هيكلها بالكامل إلى مجده لأنه من الضروري أن تكون لها حريتها وأن تبدي رغباتها وتظهر إرادتها إلى أن تنتهي حياتها الأرضية. وعندما تنفصل النفس عن الجسد يتوقف الجهاد. فإن انتصرت النفس وانفصلت عن الجسد حاملة إكليل عدم الفساد، حينئذ تسكن نعمة الروح القدس وتقدس بالكلية هيكل هذه النفس ولذلك نجد عظام وبقايا القديسين تفيض أشفية تداوي كل ضعف.

إن انفصال النفس عن الجسد يحرر الإثنين معاً من حاجة كل منهما إلى الآخر ومن تأثير أحدهما على الآخر وبذلك فإن النعمة الإلهية تفعل في كليهما بدون أي عائق حيث يصبح الإثنان بكليتهما لله تسكن فيهما النعمة الإلهية بعد أن قضيا حياة لائقة بالألوهة عندما كانا معاً. أما عند الدينونة العامة فإن الجسد أيضاً يكتسب عدم الفساد الذي منحه الله للنفس عند تقديسها (الكلمة الرابعة – الفصل الرابع).

القديس أثناسيوس يقول في ذلك أيضاً: “إن النعمة الإلهية توجد في نفوس وفي أعضاء القديسين” (شرح المزمور 117).

كذلك القديس مكاريوس يقول: “كما تمجّد جسد المسيح عندما تجلّى على الجبل بالمجد الإلهي وبالنور الذي لا يغرب، كذلك تتمجّد أجساد القديسين وتلمع. وكما أن المجد الكائن في جسد المسيح أشرق مضيئاً، كذلك أيضاً تفيض قدرة المسيح في ذلك اليوم وتشعّ خارج أجسادهم (الكلمة15،38).

وكلما كانت المساهمة في شركة الروح القدس أغنى كلما ازدادت قداسة الأجساد أيضاً. القديس يوحنا الذهبي الفم يقول: “بالموت لا تتغرب أجساد القديسين عن النعمة التي كانوا يحيون بها، بل تزداد بها” (في مديح أحد الشهداء).

نتائج تألّه الجسد هي:

أ – لمعان الوجه: أول إنسان لمع وجهه كان موسى (خروج34، 29 – 35) ثم القديس أنطونيوس، سيسوي، موسى الحبشي، وآخرون…..

ب – انتقال نعمة التقديس باللمس: هكذا نجد أن ما مسّ جسد القديس بولس لم يكن مقدساً فحسب بل كان ينقله أيضاً إلى الآخرين (أع19:12).

جـ – إفاضة الطيب: من القديسين المفيضين الطيب: الشهيد ديمتريوس، نيلوس، سمعان، نيمانيا الذي أسس دير خيلانداريوس، القديس الشهيد اغثانجلوس، القديس سيرافيم ساروف… وغيرهم…. .

د – عدم فساد البقايا المقدسة: لدى الكنيسة الأرثوذكسية العديد من بقايا القديسين التي لم ينل منها الفساد بالرغم من الزمن الطويل الذي مرّ عليها. نذكر مثلاً بقايا: القديس اسبيريدون، ديونيسيوس، جراسيموس، الإمبراطورة ثيوذورة…

هـ العجائب التي تجرى بواسطة البقايا المقدسة

و – تمجيد الجسد في الحياة الحاضرة وبعد القيامة العامة.

توصية أمّ

توصية أمّ

القدّيسة مرتا أمّ القدّيس سمعان العجيب

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

السلام لك، يا ولدي، من الربّ الإله أبينا كلّنا الذي اصطفاك، وسبا قلبك منذ عهد الأقمطة، فأحببته بثبات، وبقيت راسخًا في محبّته، وفي الإيمان المستقيم. لا أغالي إن قلت إنّي أشعر بالعظمة والفخار، أنا غير المستحقّة بين سائر النساء، لأنّي أمضي في سبيلي، وقد تركتك كاملاً بلا غضن ولا عثرات أمام الربّ. لم أمدحك طيلة حياتي خوفًا عليك، لأنّ الكبرياء سقطة عظيمة، ولقد قال النبيّ: “إنّ يوم ربّ الجنود على كلّ متكبّر ومتعالٍ، وعلى كلّ مرتفع فيُحَطّ” (إش 12:2). صلّ، دائمًا، لأمّك عساها تجد رحمة لدى الربّ الديّان، وإلى الدائمة البتوليّة والدة الإله لتشفع بي، فأحظى بالعفو والغفران. إنّي، وحتّى هذه الساعة، ما تزال صلواتي الحارّة ترتفع إلى عرش الربّ من أجل خلاصك، فبادلني أنت، أيضًا، هذه المنّة، وتوسّل دومًا من أجلي.

في كلّ ذبيحة إلهيّة، وأمام كلّ مذبح مقدّس قدّمتُ بخورًا، وسكبتُ دموعًا، ليمنحك الحنّان صبرًا لإتمام شوطك في هذه الحياة بإيمان. وإلى كلّ هيكل مقدّس هرعتُ، ولساعات طويلة تضرّعتُ ليسندك شهداء المسيح وقدّيسوه، ويؤازروك. أكرمتُ وجه كلّ إنسان قدّيس، طالبة منه أن يرفع الابتهالات من أجلك. جهاداتي وأتعابي كي تصبح كاملاً قُبلت كثمار زكيّة لدى الربّ. رأيت فيك كلّ ما يدعو إلى المباهاة، ولكنّني لن أُكثر من الإطناب الآن “إذ لا خير فيه” (2كو 1:12)، بل قدّم آيات الشكر للرؤوف القلب الذي أغدق بها عليك، هو القادر على أن يجعلك أهلاً لأعمال برّ أعظم وأكمل. كلّ ما اشتهته نفسي كأمّ رأيته فيك، فلا يغرّنّك، إذًا، عزّ الدنيا، ولا تبكِ على الزائلات، “وافطن لما هو فوق لا لما هو على الأرض” (1كو 2:3)، ولا تستضف النميمة داخلك، وتنجرّ وراء عدم إيمان البعض، جالبًا الغمّ لنفسك، لئلاّ ينطبق عليك قول النبيّ: “وعلى الأرض سعى لسانهم” (مز 9:72). انعكف على الصلاة من أجل الجميع بحرارة، وماثل المحبّ البشر الذي سأل بتواضع جزيل من أجل صالبيه: “يا أبتي اغفر لهم، لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون” (لو 34:23).

“لا تحوّل وجهك عن فقير” (طو 7:4)، ولا تتغاضَ عن المُجهَدين بما أنّك أنت، أيضًا، تتألّم حاملاً صليب المسيح. لا تنس ضيافة الغرباء، واشترك في أحزان الجميع، وبخاصّة اليائسين، حسب المكتوب: “أمل أذنك إلى المسكين وأجِبْهُ برفق ووداعة” (سي 8:4). كن طويل الأناة، لأنّنا كلّنا نزلاء على هذه الأرض، ولن يذهب الصبر على الفقراء هباء. “لا تدع الكبرياء تستولي على أفكارك وأقوالك، لأنّ الكِبَر مبدأ كلّ هلاك” (طو 14:4)، والتواضع يغلب الموت. كن رحومًا قدر طاقتك، لأنّ الرحمة “تنجّي من كلّ خطيئة ومن الموت، ولا تدع النفس تصير إلى الظلمة” (طو11:4). ليكن الحقّ ترسًا لك، وكن كاملاً غير محابٍ للوجوه كدأبك، وكتلميذ حكيم عاقل لمعلّمك الإلهيّ اذكر العالم أجمع بصلواتك أمامه. اذكر، أوّلاً، مدينتك وسكّانها برّمتهم، ولا تنس، في صلواتك، أباك الروحيّ لأنّه يكنّ لك محبّة جمّة، ويتعب من أجل خلاصك. وصلّ، أيضًا، من أجل راحة نفس والدك بالجسد، وتوسّل من أجل والدتك التي ولدتك لكي تحظى بغفران خطاياها.

المعرفة والتفوقية عند الأطفال

المعرفة والتفوقية عند الأطفال

ماريا قبارة

المقدمة:

يقول الأب بورفيريوس الرائي:”تبدأ تنشئة الأولاد من لحظة تكوينهم، فالجنين يسمع ويشعر وهو في أحشاء أمّه. إنّه يسمع ويرى بعينيّ الأم، يُدرك تحرّكاتها  ومشاعرها، رغم أنّ فكره لم يكن قد نما”. ويولد هذا الإنسان مزوّداً بالاستعدادات التي تجعل منه كائناً قادراً على التكيّف مع البيئة المحيطة به، وأهم هذه الاستعدادات هي القدرة على التعلّم والمعرفة، وإدراك الأشياء، والتي بدونها لا يمكن أن تنمو وتتطور القدرات الأخرى. وتبدأ عمليات التعلّم أو المعرفة عند الإنسان منذ الصغر، وتستمر طوال حياته، فالحياة داخل الرحم مهمة جداً. فماهيّة المعرفة وتعلّم الطفل تتفاوت من طفل إلى آخر في كثير من الأحيان، كما ارتباطها بالذّكاء الذي يملكه والتفّوق الذي يحصّله.

ماهيّة المعرفة:

جاء في الكتاب المقدّس: “الآن حكمة ومعرفة” (2أي10:1). المعرفة ضرورية للحياة مع الله الكليّ المعرفة “المعلم الإنسان المعرفة”(مز10:94)، الذي يحبّ الحكماء الممتلأون من  المعرفة “الحكماء يذخرون معرفة” (مز14:10)، “شفاه الحكماء تذّر معرفة” و”لسانهم يحسن المعرفة” (مز7:15) (أم2:15). الحكيم عند الله هو الذي يقبل الإرّشاد ويتعلّم بذي فهمٍ ويكتسب الفضيلة ” وفي الفضيلة معرفة” (2بط5:1)، فالمعرفة خير والجهالة شرّ ” أمّا الشرّير فلا يفهم معرفة” (أم7:29).

ومن المعرفة مخافة الله “روح المعرفة ومخافة الرّب” (اش2:11)، والإنسان الذي يحبّ التأديب هو الذي يحبّ روح المعرفة (أم1:12)،  أمّا الذين يجدون المعرفة ينجون (أم 9:11).

من تزداد معرفته هو الإنسان الذكّي المتوَّج بهذه المعرفة (أم18:14)، والله منذ البدأ خلق الإنسان على صورته ومثاله عارفاً الخير والشرّ (تك22:3، 5).

فالمعرفة هي الفهم “خر31:35) والحكمة والعلم، فعليك بأذنيك إلى كلمات المعرفة فهي متاع ثمين، وفضلها ظل الفضة (جا12:7).

من هو الطفل المتفّوق وكيفية تعلّمه؟

لقد استخدم البعض هذا المصطلح ليعبّر عن الأطفال الذين يحصلون على درجة عالية في اختبارات الذكاء، ومن هؤلاء العلماء “تيرمان” إذ اعتبر الموهوب هو من لا تقل نسبة ذكائه عن 140. أما “هولبخورت” و”بيرت” فقد عرّفا الموهوب بأنّه من تزيد نسبة ذكائه عن 130. وهناك فريق ممّن يرون أنّ اختبارات الذكاء غير كافية لتحديد الموهوبين. فالكائن الحيّ يمثل وحدة تتكامل فيها المميزات الجسمية والوجدانية والإدراكية ولا يمكن الحكم على الكائن الحيّ بقياس ناحية منها دون اعتبار النواحي الأخرى. ونتيجة لهذا، يرى ” ثورندايك” وغيره، أن يُضاف إلى اختبارات الذّكاء: آراء المدرّسين، وسجّلات المدرسة، واختبارات القدرات العقلية.

تقول روث سترانغ :(Ruth Strang) في كتاب تربية المتفوّق أنّ المفاهيم المرتبطة به:

(The national society for the study of education)

إنَّ التفّوق مظهرٌ متكامل لنمو الطفل الكلّي، وهو متصل بجميع مظاهر النمو. وبالرغم من الاختلاف الظاهر بين الطفل المتفّوق والطفل العادي في بعض مراحل النمو، وفي بعض المجالات، فليسَ هناك وجود لإختلاف كليّ.

“فالطّفل طفل ولو كان متفّوقاً”، إنَّ التفّوق متعدد الجوانب ومتعدد النماذج، إذ تجد أطفالاً موهوبين في ضمن المتفوقين عقلياً. كما تجد أنماطاً مختلفة في الشخصيات بين الأفراد الموهوبين في الموسيقى والفنون والعلوم والقيادة وهم قبل كلّ شيء متفوقون في المعرفة ومستوى الإدراك عندهم عالٍ وله درجاته المختلفة. فالتفّوق يتَّخذ أشكالاً عدّة معتمداً على الظروف الخاصة.

إنَّ الأطفال المتفوقين ليسوا جماعة متجانسة، إذ توجد فروق فردية بين الأطفال المتفوقين أنفسهم، والتفّوق موجود في درجات مختلفة. ويمكن القول بأنّه يتدرج في الموهبة البسيطة إلى أعلى مستويات العبقرية.

التفّوق متدرج في تقدمّه وتطوّره منذ الولادة حتى النضج، فهو ينمّي ذاته بواسطة استجابات الفرد للمؤثرات البيئية. ويمكن أن يُقضى عليه بواسطة الحرمان المتزايد من الحبّ والعطف، ومن النقص في المؤثرات الفكرية، ومن الفرص المحدودة للعلاقات الاجتماعية. وفي ظلّ الظروف الجيدة، ينتظر أن يحافظ المتفوقون على مستواهم الفطري العالي في العفوية والأصالة والإبداع والتحصيل.

إنّ أوجه التفّوق للمرحلة الابتدائية التعليمية تتمثل في السلوك العلني الظاهر التالي:

  1. التفّوق في الذكاء
  2. التفّوق في العلوم
  3. التفّوق في المواهب الخاصة
  4. التفّوق في القيادة الاجتماعية

1- التفّوق في الذكاء:

إنَّ للذكاء تعريف بثلاث فئات واضحة هي:

الفئة الأولى: وهي التي اعتبرت الذكاء قدرة عقلية فردية عامة في جميع العمليات العقلية، فمثلاً يقول وودرو: “الذكاء هو القدرة على التكيف العام مع المشكلات الحياتية”.

الفئة الثانية: وهي التي تعتبر الذكاء ليس قدرة واحدة بل هي قدرتين أو ثلاث.

الفئة الثالثة: وهي التي تعتبر الذكاء مجموعة من العوامل أوالسمات تزيد عن ثلاثة.

الذكاء يتأثر في نشأته ونموه بالتفاعل القائم بين المحددات الوراثية والمثيرات البيئية، ويُولدُ الفردُ وهو مجهزٌ بدوافع وقوى وقابليات متباينة. والاختلاف القائم بين الأفراد في الذكاء عائدٌ إلى مدى استخدام الأفراد لعقولهم في التنظيم والادراك والمقارنة والتفسير للبيئة المحيطة بهم. وهكذا فالذكاء يخضع للتعلم والاكتساب. ولكنّ قدرات الفرد قد تقف حائلاً إذ إنَّ الفرد يملك قدرات معينة وباستطاعته أن ينميها، كما له حدوداً وراثية لا يمكن أن يتخطاها، وهناك عوامل مهمّة مؤثرة على الذكاء أهمها: عوامل الوراثة والبيئة الأسريّة أو العائلية والعمر الزمني والجنس والمستوى الذي ترقى إليه العمليات العقلية.

2- التفّوق في العلوم:

يذكر “هيثنسون” في كتابه: تربية الأذكياء، أنّ التقصير في العلماء والرياضيين ظاهر في الميدان التربوي، ومن دون نسبة عالية من الرياضيين والعلماء فإنَّ التعليم التكنولوجي المُنتَظَر سيكون على شفير الهاوية، لذلك يؤكّد أهمية اختبار الأفراد الأذكياء وتقديم الفرص التربوية لهم، لأنّهم المؤهَّلون لأن يكونوا رجال المستقبل ورواد العلم والتقدم التكنولوجي المُنتَظَر.

يشير “براندوين” Paul brandwin إلى أنّ القدرة العلمية تحتوي ضمناً القدرات التالية:

1-             القدرات الشفهية

2-             القدرات الاستدلالية

3-             القدرات العددية

يقول: إنّ نمّو الطفل المتفّوق يتأثر فعلياً بالخبرات المتنوعة وبالظروف البيئية المحيطة به. ويبدو أنّ التعرف على الطفل المتفّوق في العلوم في المرحلة الابتدائية ليس أمراً عسيراً، فالقدرات العقلية التي هي الأسس العملية في العلوم يمكن قياسها وتشخيصها باتّباع بعض الاختبارات العقلية. ويمكن اكتشاف القدرة العلمية أيضاً بواسطة الملاحظات الدورية المستمرة من قِبَل المعلمين، ومراقبة النشاطات والمشروعات التي يختارونها بعيدة عن المواد المنهجية المقرّرة. ويتميّز الطفل المتفّوق في العلوم عن أقرانه بالخصائص التالية:

1-             نجاحه في الحساب وتقدمه المستمر

2-             قراءته المبكرة وميله إلى المطالعة في كتب الاختراعات العلمية والاكتشافات

3-             ممارسته المشروعات والنشاطات الإضافية الخاصة

4-             صرفه وقتاً معتبراً في إنجاز وتنفيذ مواضيع مهمة بالنسبة له

فالفرد الذي يتصّف بهذه الصفات لابد أن يكون في طريقه لاكتساب مهنة في العلوم.

3- التفّوق في المواهب الخاصة:

الشخص المتفوّق هو الشخص الموهوب كما أنَّه الشخص العبقري، فالتفوق من ثمَّ يضمّ عبارة الموهوب والعبقري بين طيّات معناه. ولا يُستساغ القول بأنّ الشخص موهوب وليس متفوقاً. ولكن يصّح القول بأن تفوّق هذا الشخص هو في المجال الموسيقي مثلاً ولكن نسبة ذكائه تقترب من المتوسط وهذا التشخيص يعني بأنّ الفرد يملك الموهبة الموسيقية، وأبدعَ في الموسيقى ولكنّه بحاجة إلى رعاية لتنمية التفكير الخلّاق المبدع لديه، وأنَّ بعض قدراته بحاجة إلى تدريب وعناية. ولابدَّ من الملاحظة بأنّ النقص الاجتماعي والعاطفي والصحي قد يرتبط بالذكاء والمواهب الخاصة، ولقد دلَّت الأبحاث على وجود مثل هذا الارتباط، وأكدت بأنّ الارتباط هذا غير طبيعي، لأنّه ليس من الضروري أبداً أن يكون العبقري أو الموهوب مجنوناً أو غريب الطَّبائع، وهو لذلك بحاجة لمعالجة خاصة.

4- التفّوق في القيادة الاجتماعية:

تعود الصفات الفردية للتفّوق في القيادة إلى عوامل رئيسية ثلاثة:

1- العوامل الجسمية:

ويعني بها العوامل الشكلية الخارجية أيّ الوزن والطول والصحة والمظهر الخارجي، وقد أتت نتائج الاختبارات سلبية، إذ نفت وجود عوامل جسمية تميّز القائد من الفرد العادي.

2- الذّكاء:

ويعني به القدرة العقلية العامة والقدرة الشفوية المجردة، خاصّة وأنّ النشاطات الاجتماعية والثقافية والرياضيّة تتطلب مهارات عقلية فائقة، بالإضافة إلى القدرات الشفوية المجرّدة.

3- الثّقة بالنفس:

تُبيّن نتيجة الأبحاث أنَّ العامل النفساني، أيّ الثقة بالنفس، له الأثر في تكوين القائد الاجتماعي. كما أظهرت ارتباطاً مرتفعاً بين ثقة الفرد بنفسه والقيادة الاجتماعية.

أمّا التلميذ القائد فيتميّز بمايلي:

– تفوقه على أقرانه في العمر الزمني الواحد

– مشاركته للقيام في معظم الأعمال داخل الصف وخارجه

– تمتّعه بقدرة فائقة على الملاحظة الدقيقة

–  فضوله للقيام بالأعمال والتعرف على الأشياء

–  خياله

رعاية الموهوبين في المنزل:

تُبيّن نتائج عديدة من الدراسات التي أُجريت على الموهوبين أنَّ الظروف المنزلية الملائمة، لها أهمية كبرى في تقدم نموهم، ففي مقارنة عُقدت بين أفراد في مجموعة تضم ستمائة منهم، قُسّمت إلى قسمين: 1- الأكثر نجاحاً، 2- الأقل نجاحاً

وُجد أنَّ الأفراد الأكثر نجاحاً يتميزون عن الآخرين بظروف منزلية أكثر استقراراً من نواحي دوام رباط الزوجية وثقافة الأبوين. والمساواة بين أفراد العائلة والصحة العقلية الممتازة التي تدلّ عليها قلة حالات الشذوذ في الأقارب. وهكذا يظهر أثر التربية المنزلية، فالطفل في حاجة إلى الجوّ المنزلي الذي يُثير الابداع والابتكار ويُشعره بالانتماء ويشجّع فيه مواهبه الخاصة. وقد يتأخر نمو بعض قدرات الأطفال الموهوبين نتيجة للظروف المنزلية غير الملائمة، فكثير من الآباء تعوزهم القدرة على معرفة تفوق أبنائهم بسبب نقص معلوماتهم عن خصائص مراحل النمو المختلفة، أو لجهلهم بالنتائج المترتبة على إهمال نواحي التفّوق عند الأطفال، أو لعدم معرفتهم بطرق تنمية هذه القدرات وتوجيهها الوجه السليم. فقد يظهر طفل موهوب في الخامسة من عمره بقدرات عقلية جديدة بالنسبة لطفل في الثامنة أو التاسعة، ومن ناحية النمو الاجتماعي يكون هذا الطفل متفّوقاً على أقرانه من نفس عمره ولكن ليس بنسبة تفّوقه العقليّ.

التعاون بين المرشد المدرسّي والأسرة:

تُعتبر المدرسة المؤسسة التربوية التي يقضي فيها الطلبة معظم أوقاتهم. وهي التي تزودهم بالخبرات المتنوعة، وتهيؤهم للدراسة والعمل، وتعدّهم لاكتساب مهارات أساسية في ميادين مختلفة من الحياة، وهي توفّر الظروف المناسبة لنموّهم جسميّاً وعقليّاً واجتماعياً.. وهكذا فالمدرسة تساهم بالنمو النفسي للطلبة وتَنشئتهم الاجتماعية والانتقال بهم من الاعتماد على الغير إلى الاستقلال وتحقيق الذات.

إلّا أنَّه في كثير من الحالات نرى أنَّ المدرسة تنظر إلى الطلبة كما لو كانوا مجموعة متجانسة لا تَمايزَ فيها ولا تفرّد. وبذلك فهي تغفل سماتهم العقلية والنفسية والاجتماعية ولا تراعي الفروق في استعداداتهم ومعرفتهم وقدراتهم واتجاهاتهم ومواهبهم. فالطالب المثالي النموذجي هو الذي يبدي اهتماماً بالدراسة واحتراماً لقوانين وأنظمة المدرسة والعاملين فيها.

ونجد في كثير من الأحيان أنّ المدرسة لا تفهم حاجات الطالب ومشكلاته الدراسية والمدرسية، ولاتتهيأ لمواجهة متطلبات نموه العقلي والمعرفي والاجتماعي، بل تقف في وجهه وتتهمه بالكسل، ومن ثمّ يُظهر الطالب سلوكيات لا تتناسب مع المعايير الاجتماعية السائدة. وتأخذ هذه السلوك أشكالاً مختلفة سلبية تظهر في الصف كاللهو والتمرّد والتوترات الانفعالية وعدم الرغبة في المدرسة والهروب منها. كلّ ذلك يزيد من قلق الطالب واضطرابه وينعكس سلباً على تحصيله الدراسي. وأمّا الأهل فهم يشتكون من حالات ضعف مستوى أبنائهم وتحصيلهم. غير مدركين للأسباب الحقيقية الكامنة وراءها أو سبل علاجها، وقد يلجأ البعض منهم إلى الأسباب القسّرية وغير التربوية لحثّ أبنائهم على الاجتهاد وكثيراً ما تكون النتائج سلبية.

من هذا المنطلق جاءت خدمات الإرشاد المدرسي في المدارس كوسيلة فعّالة من أهم وسائل التربية المتطورة، في عصر تتغير فيه الاحتياجات بتسارع مذهل، وتتصاعد فيه المشكلات في البيئة المدرسية والعائلية والاجتماعية والحياتية. ونذكر من المشكلات الشائعة التي قد يعاني منها الطلبة على سبيل المثال: مشكلات التقصير الدراسي، مشكلات الاستعدادات والميول والتي تؤثر في نجاح الطالب دراسياً، ضعف الدافعية للدراسة، عادات الدراسة الخاطئة، صعوبات التعلم، وغيرها من مشكلات قد تعود أسبابها إلى عوامل تربوية ونفسية واجتماعية أو اقتصادية أو صحية. ولابد من القول بأنّ الخدمات النفسية والتربوية لا تحقق الأهداف المرجوة منها إلاَّ من خلال التعاون والتنسيق بين المرشد المدرسي والمدرسة والأهل معاً. ومساعدة الأهل للمرشد المدرسي أساسية في فهم مشكلات أبنائنا وفي علاجها.

يوميات طفل موهوب عمره ثلاث سنوات:

قال يوماً جيزيل: “ثلاث سنوات هي نوع من النضج”.

أعرف أن أشدّ انتباه الكبار إليّ. أعرف كيف أعبّر عن مشاعري أو عن انزعاجي تجاه الأشخاص الكبار والأولاد الآخرين من أترابي. أحب أن أقود الأولاد الذين هم في مثل سني وأن أتفّوق عليهم، أشعر بالفخر والمجد عندما أنجح بالقيام بشيء معقد. أتوقع نتائج أعمالي. والمفاهيم المجردة لم تعد تخيفني. أستطيع أن أتخيل أشياء حتى لو لم أرها. أستعين بخيالي لاختراع طرق جديدة في اللعب. أصعد السلالم بوضع رجل بعد الأخرى على كلّ درجة وأنزل بوضع الرجلين معاً على كلّ درجة ولكنني أقفز عند الدرجة الأخيرة. أطرح الأسئلة بدون توقف. أعرف أننّي صبي وأعرف اسم عائلتي. يمكنني أن أكرّر جملة من ستة مقاطع وأن استخدم الجمع مع مفردات عددها 300كلمة. موهبتي هي الرسم وأرسم سواء طُلب منّي أم لا. فأرسم دائرة أو صليباً. حتى أننّي أحاول أن أرسم شخصاً. لا أبوّل تحتي في السرير ولكنّي بحاجة إلى بعض الملاطفة في المساء.

كيف تكون الحياة داخل الرحم؟

عندما سمعت إليصابات سلام مريم وهي تلقي عليها التحية ارتكض الجنين في بطنها وامتلأت من الروح القدس… وقالت… فإنّه عندما بلغ سلامك إلى أذنيّ ارتكض الجنين بابتهاج في بطني!. (لوقا41:1-44)

إنَّ أحاسيس الجنين قد أتى على ذكرها الانجيل نفسه، ثم طمست فيما بعد لعدّة قرون. ولم يعدّ اكتشاف روعة وغنى الحياة “قبل الولادة” إلّا مؤخراً. إنَّ الجنين هو “شخص” يرى ويسمع ويشعر ويتذوق ويتحرك… الخ. فالولادة إذاً تبدو كحلقة من الحياة التي بدأت فيما بعد على كلّ المستويات الحسيّة.

التربية على ضوء الكتاب المقدس

1. دور الأهل في التربية:

إنَّ حياة الوالدَين داخل البيت وحدها تحمي وتُنشئ أولاداً صالحين. يجب على الوالدَين أن يُعطوا أنفسهم لمحبة الله أولاً. يجب أن يصيروا بوداعتهم، وبصبرهم، وبمحبّتهم لبعضهم قدّيسين بالقرب من أولادهم. وأن يضعوا كلّ يوم خطّاً جديداً وشوقاً جديداً، وغَيرة ومحبّة للأولاد. سوء تصرُّف الأولاد ينتج عن خطأ الأهل بشكل عامّ. لا النصائح ولا النظام ولا القساوة تخلّص الأولاد. إن لم يتقدس الوالدَين، إن لم يجاهدوا، يرتكبوا أخطاءً كبيرة وينقلوا الشرّ الذي في داخلهم. فسلوك الأولاد له علاقة مباشرة بحالة الأهل.

2. دور المدرسة في التربية:

أنتم التربويّون تنقلون القلق سراً إلى الأولاد وتؤثرون عليهم من حيث لا تدرون. بالإيمان يرحل القلق. نقول في الطلبات: “لنودع أنفسنا وبعضنا بعضاً وكلّ حياتنا للمسيح الإله”.

الحاصل مع الأهل يمكن أن يحصل مع التربويّين. في المدرسة تستطيعون أن تساعدوا الأولاد بالصلاة والقداسة. يمكن أن تظلّلهم نعمة الله وبها يصيرون أولاداً صالحين. لا تحاولوا تصحيح الحالات السيئة بطرق بشرية، لأنّ ذلك لا يأتي بأيّ نفع. اطلبوا النعمة الإلهية للجميع، لتذهب إلى أعماق نفوسهم، لتبدّلهم وتغيّرهم. هذا يكون مسيحياً. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:”وكلما خَبِرنا الحياة نشعر ونزداد قناعة بأنَّ تربية الأولاد درجة من الفضيلة تؤدي إلى سلوك روحي وإلى منهج مقدس”.

قابلوا الأولاد بمحبة الأطفال المميَّزة. عندما تدخلون الصفّ اغمروا بنظرتكم كلّ الأولاد، صلّوا ثمّ تكّلموا مقدِّمين لهم ذواتكم. عندما تقومون بهذه التقدمة في المسيح، سوف تفرحون. هكذا ستتقدَّسون أنتم مع الأولاد. ستعيشون داخل محبة المسيح وداخل الكنيسة، لانّكم تصبحون صالحين داخل العمل.

  1. نظرة الآباء:

إنَّ الدواء والسرّ الكبير لتقدّم الأولاد ومعرفتهم هو التواضع. الثقة بالله تُعطي ضمانة مطلقة. الله يريد أن نقود الأولاد إلى التواضع. لن نقوم نحن بشيء ولا الأولاد من دون التواضع. علينا أن ننتبه عندما تشجِّعون الولد. يجب ألاّ تقولوا له: “أنت ستحقّق كلّ شيء، أنت مهم، أنت متفوق!…..”، لأننّا بهذا الكلام لا نفيد الولد بل ينتج عنه نتيجة ذلك الكبرياء، بل أن نقول له: “يابنيّ، المواهب التي لديك من تفوّق وعلم ومعرفة هي نِعَمٌ قد وهبك إيّاها الله. صلِّ ليُعطيَك الله قدراتٍ لكي تزرعها وتُنميَها وتنجح بها. ليُعطيَك الله نعمته”.

المديح للأولاد مؤذٍ. فكلّ من يمدحُنا، يضلّنا ويفسد طرق حياتنا. فالمديح لا يهيئ الأولاد لأيّة صعوبة في الحياة، فينشأون غير متأقلمين اجتماعيّاً فيتيهون وفي النهاية يفشلون. الآن فسد العالم. يقولون للولد كلّ أنواع المديح. علينا ألأّ نزعجه ولا نعاكسه ولا نضغط عليه. يتلقّى الولد هذا ولكنّه لا يستطيع أن ينفعل حقاً حتى وفي أصغر صعوبة، وفي ايّة لحظة يعاكسه أحد، ينفجر غضباً، فيفقد طاقته. الأهل هم أولّ من يتحمَّل فشل الأولاد في الحياة ومن ثَمّ المعلّمون والأساتذة، لأنَّهم يمدحونهم باستمرار. يقولون لهم أقوالاً ذاتية وأنانية. لا يجلبونهم إلى روح الله، يبعدونهم ويغرِّبونهم عن الكنيسة.

لا يُبنى الأولاد بالمديح المتواصل على تفّوقهم وعلى مواهبهم، بل بهذا يصبحون أنانيين ومحبيّن للمجد الباطل والفارغ. يرغبون أن يُمتدحوا من الجميع باستمرار في حياتهم كلّها حتى ولو كان المديح كذباً. نقود الأولاد بالمديح منذ صِغرهم إلى الأنانية والكبرياء.

إنّ المديح على التفّوق وعلى كثرة المعرفة والمواهب يجعل الإنسان فارغاً ويطرد نعمة الله. فتفكير مجتمع اليوم يُسيء إلى الأولاد. له نفسية أخرى، تربية أخرى، تتوجَّه إلى أولاد ملحدين. هذا التفكير يقود إلى الاستقلالية.

يتعلَّم الأولاد من الآباء الروحييّن. تعليم الآباء الروحييّن يعلّم أولادنا عن الاعتراف، عن الأهواء، عن الشرور كيف كان ينتصر القدّيسون على ذواتهم الشرّيرة، وكيف يصيرون متواضعين، وينسبون مواهبهم إلى الله.

الخاتمة:

وهكذا تتضح أهمية هذه المرحلة –مرحلة ما قبل المدرسة وأثناءها- ودور المنزل في تكوين شخصية الطفل وفي وضع أسس صحته الجسمية والنفسية وعلاقته الاجتماعية بوجه عام. وأن يبتعد قدر الامكان عن التكبر نتيجة هذا التفّوق والمعرفة الحاصل عليهما، بل أن يحسب الآخر أكثر ذكاءً وأرفع مستوى في كلّ شيء وينسب لله كلَّ معرفته لأنَّ محبته تفوق المعرفة (أف19:3). أيّ بكلمة كما يقول القدّيس دوروثاوس غزة في كتاب التعاليم الروحية: أن نحسب أنفسنا أدنى من كلّ الناس. وأن ننسب إلى الله الأعمال الصالحة. هذا هو التواضع الكامل عند القدّيسين. وهو يُولد في النفس بتطبيق الوصايا. انظروا إلى الأشجار المحمَّلة بالأثمار. هذه الأثمار تجعل الأغصان تميل وتنحني إلى أسفل. بينما الغصن الذي لا يحمل ثمراً ينتصب في الهواء وينمو سوياً. وهناك أيضاً أشجار لا تحمل ثمراً  كونها تنمو مستقيمة نحو السماء، ولكن إذا علّقنا بها حجراً، جذبها إلى أسفل وأخذت تعطي ثمراً. هكذا النفس كلما تواضعت أنتجت ثمرَ التفوق والمواهب، وكلما أثمرت تواضعت. لأنّ القدّيسين كلما اقتربوا من الله رأوا أنفسهم خطأة.

المراجع

-الأب برفيريوس الرائي، مقالات روحية مختارة،  إصدار دير مار ميخائيل نهر بسكنتا، 2004

-القديس دوروثاوس غزّة، التعاليم الروحية، المقالة الثانية في التواضع، تعريب الارشمندريت افرام كرياكوس، طبعة ثانية منقحة1996

-أديسون، ويلارد. تطوّر نمو الأطفال، ترجمة ابراهيم حافظ وغيره، القاهرة، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 1962

-روسَّان، ليونيل. التفتُّح النفسي-الحركي، تعريب د. جورجيت الحداد، بيروت-لبنان

-جينس آرثر وآخرون. علم النفس التربوي، ترجمة ابراهيم حافظ وغيره، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1958

-صالح، أحمد زكي. خصائص النمو ومطالبه في علم النفس التربوي، 1968

-عبد القادر طه، فرج. أصول علم النفس الحديث، الطبعة الثالثة، 1999

-فهمي، مصطفى. سيكولوجية الطفولة والمراهقة، القاهرة.

التعليم الديني

التعليم الديني

الأب أنطوان ملكي

في مجتمعنا أربعة مصادر للتربية الدينية عند الأولاد: البيت والكنيسة والمدرسة ووسائل الإعلام. تقع على البيت المسؤولية الكبرى لكونه هو مَن يحدد مدى تأثير الكنيسة على الأولاد وهو مَن يختار المدرسة ويحدد المقبول والمرفوض من وسائل الإعلام. أمّا وسائل الإعلام فهي تحمل روح هذا الدهر الذي إما يقوم ضد الدين، أو يحمل الدين مشوَّهاً، كأن يصير عيد الميلاد عيد البابا نويل، وعيد الفصح عيد البيض وغيره، إضافةً إلى كثافة فكر العصر الجديد (New Age) حيث يصعب إيجاد شبكة أو محطة لا تبثّ برامج السحر والشعوذة وأفلام الخرافات التي لا تزرع في فكر الأولاد إلا الوهم والخيال السلبي، حتّى لا نذكر الخوف والرعب والكوابيس. هذه الخرافات، وإن لم تكن تعليماً دينياً إنّما تحمل إشارات متى ربطها الولد بما يتعلّم عن الإيمان، يتشوّه الإيمان نتيجة اختلاطه بهذه الأفكار الخبيثة. فهذا الفكر يجعل الولد أكثر تقبّلاً للتنجيم والسحر والاعتقاد بالقوى الخارقة، ما يسهّل عليه الاتّكال عليها، وهذا ما يتنافى مع الإيمان الصحيح. وما يجعل الأمر أكثر خطورة أنّ هذا التوجّه يتخطّى وسائل الإعلام والاتّصال إلى الكتب المدرسية. فكتب أدب الأطفال مثقلة بقصص الجنيّات والخرافات. وأسوأ ما في هذه القصص أنّها توحي إلى الأولاد بوجود جنيّات صالحة ما يجعلهم أكثر تقبلاً، لا بل أكثر تشوقاً، إلى هذه الجنيات. وهنا يأتي دور المصدر الثالث للتربية الدينية الذي هو المدرسة. فالمدرسة، سواء قدّمت تعليماً دينياً أو لم تقدّم، تؤثّر على تربية الأولاد دينياً وإيمانياً. وهنا يأتي دور الأهل في اختيار في أيّ مدرسة يريدون أولادهم، وأي منهاج إيماني يريدون لأولادهم.

فالمدرسة التي تقدّم تعليماً دينياً لا بدّ أن تقدّم ما تؤمن به إدارتها. من هنا، طبيعي ألا تقدّم المدارس التي لا تنتمي إلى كنيستنا تعليماً متطابقاً مع إيماننا بشكل كامل. يبقى أنّ مدارسنا تقدّم إيماننا بشكل مباشَر أو غير مباشَر. فالتعليم الديني غير المباشر يتلقّاه أولادنا في كلّ لحظة. كلّ ما تقوم به المدرسة له تأثير على تشكّل موقف الأولاد الإيماني: طريقة معاملتهم، عدم التهاون مع قلّة الأخلاق، منطق الإدارة والمعلّمين، ثياب العاملين في المدرسة، نوعية النشاطات التي تنظّمها، ومحتوى التعليم بحد ذاته. فكتب العلوم والتاريخ والأدب تجمل تعليماً دينياً غير مباشر، على المدرسة أن تعرف ما تختار منه. أمّا بالنسبة للتعليم الديني المباشر، فهناك عدد من الأسئلة التي من المفيد طرحها حول جدوى القداس الأسبوعي في المدرسة للإجابة على ما يدور في فكر التلاميذ؟ ما جدوى تحويل ساعة التعليم الديني إلى ساعة ترتيل؟ أيّ كتاب نستعمل في التعليم الديني وأيّ لجان تربوية ومنسقين يسهرون على اختيار هذا الكتاب؟ لماذا تُعطى سائر ساعات الدوام أهمية، فيتمّ اختيار أفضل الكتب والمعلمين ذوي الاختصاص، فيما ساعة التعليم الديني لا تخضع للتقييم ونعطيها لمَن نحتاج إلى إكمال دوامه؟ أغلب الأولاد في المدرسة لا يناقشون إيمانهم مع أهلهم، أو يأتون من رعايا ليس فيها تعليم ديني ولا حركة الشبيبة الأرثوذكسية، مَن يعطيهم الفرصة لطرح أسئلتهم إن لم تفعل المدرسة؟ أليس الصف، بالنسبة للمراهقين خاصةً، المكان الذي يحبّون أن يناقشوا فيه همومهم؟ أليس الصف مكاناً ملائماً لتفتح الكنيسة حواراً مع مراهقيها؟
من الضروري أن يُعطى الوجه البشاري للمدرسة حقّه فلا يُستَثنى أيّ صف من ساعة يُتاح خلالها للأولاد الاحتكاك مع آباء روحيين ومعلّمين مؤمنين مختَبَرين دارسين. فساعة التعليم الديني، وإن يكن منهاج الدولة لا يلحظها مباشرة، ينبغي أن تكون ثابتة في منهاج مدارسنا، وأن تُعطى حقّها، وإلا ما الفرق بين مدارسنا وغيرها من المدارس؟ وهنا دور الكنيسة التي هي المصدر الأول للتعليم، من خلال حياتها برعاياها ومؤسساتها وحركتها. فالبيت ينقل تعليم كنيسته التي تحضنه وترعاه وتؤمّن له المدرسة التي تكمّل عمله. هذا ما يُرجى، وهذا ما يكون، إن صمدَت المدرسة في وجه فكر هذا الدهر ووعَت مسؤوليتها نحو الكنيسة ونحو التلاميذ. أن تُدار المدارس كمصالح وشركات ليس مسيحياً، وأن تكون الأخلاق وحدها مقياس اختيار القيّمين، من إداريين ومعلّمين، لا يكفي. فالشفافية والتهذيب والصدق ليست قيمة إضافية بل هي أبسط ما يُطلَب ممن يمثّل الكنيسة. لا ينبغي أن يغيب همّ البشارة من أمام أعين كل العاملين في مدرسة الكنيسة. وهنا نعود إلى دور البيت في عملية التعليم الإيماني. فالأهل، متى اختاروا لأولادهم مدرسة الكنيسة، عليهم أن يتعاملوا كشركاء ومسؤولين لا كزبائن، وأن ينفتحوا على الإدارة وينقلوا إليها ما يعانون أو يتساءلون، وعلى الإدارة أن تستمع وتقبل وتتعاون على التغيير. على الأهل أن يفهموا أن كل إنسان وكل مؤسسة معرّضون للخطأ، ومتى وقع الخطأ لا يكفي التململ بل ضروري التحرّك لإصلاح ما يمكن إصلاحه والحد من انتشار الخطأ، سواء بالحوار مع الإدارة أو بنقل معاناتهم إلى المطران وهو المدير الأعلى لكل المدارس.ش