فيروس كورونا والكنيسة

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، مطران نافباكتوس

نقلها إلى العربية كمال كدر

السؤال 1: ما هو الفيروس التاجي (covid-19)؟

الجواب: إنه فيروس، مثل معظم الفيروسات، يتكون من الحمض النووي الريبي (RNA)، ويستخدم بنية ونواة الحمض النووي للخلايا (DNA) لكي يعمل.

من المعروف أن المعلومات الوراثية من الحمض النووي (DNA)، الموجودة في نواة الخلية، يتم نقلها إلى الحمض النووي الريبي الموجود في السيتوبلازما، ثم يتم تحويلها إلى بروتينات. تعتبر عملية النسخ والاستنساخ نوعاً من الانتقال وهي الأساس المركزي لعلم الأحياء.

ولذلك، فإن التدفق العكسي للمعلومات من (RNA) إلى (DNA) يعطل هذا الأساس المركزي. بكلمات بسيطة، يشبه عمل الفيروس الشخص الخاطف، الذي ليس لديه طائرته الخاصة، ولا يعرف كيف يطير، لكنه يستخدم أدوات الطائرة والطيار لغرضه الخاص.

السؤال 2: لماذا هذا الخوف الهائل من الفيروس التاجي (covid-19)؟

الجواب: هناك العديد من الفيروسات، مثل الإيدز والتهاب الكبد والإنفلونزا والإيبولا والسارس وما إلى ذلك، والتي وجد العلم طرقاً لمواجهتها. عندما اندلعت المشكلة في أوائل التسعينات مع فيروس الإيدز، أصيبت البشرية بالذعر. وفي اليونان تم إنشاء لجنة وطنية للتوعية من الإيدز، والتي أصبحت مركز السيطرة على الأمراض الاستثنائية. في هذه الفترة كنت ممثل كنيسة اليونان، وأنا أتابع، منذ ذلك الحين، القضايا المتعلقة بالعدوى ذات الصلة، حتى أنني كتبت كتابًا بعنوان: الإيدز، طريقة حياة.

أذهل الفيروس التاجي المجتمع العلمي لكن ستتم مواجهته علمياً قريبًا. حتى ذلك الحين يجب أن نكون حذرين ونصلي.

السؤال 3: كيف تبرر الذعر الناجم عن فيروس كورونا؟

الجواب: في الواقع، وبصرف النظر عن الفيروس التاجي (covid-19)، هناك أيضًا فيروس الذعر الذي يتحدث عنه المختصون بالعلوم الإنسانية والاجتماعية وعلماء النفس.ـ

يفسَّر الذعر بما قلته سابقًا، وفي الوقت نفسه يتم تفسيره بالخوف من الموت. الشخص الذي يحب الحياة يريد أن يعيش أطول فترة ممكنة إذ يخشى الموت. هذا هو ذعر الموت المزعوم. ليس هو الحال الآن مع الفيروس التاجي (كورونا)، ولكن الموت يقترب منا دائمًا بطرق متنوعة.ـ

يرتبط الخوف من الموت بكل مرض يقود الإنسان نحو نهاية حياته. يؤكد هايدجر[1] أن الإنسان يعمل بطريقتين، الأولى في ما يسمى بالطريقة اليومية، وهي مرتبطة بالقدرة والسلطة والصحة والنشاط الاجتماعي، أما الأخرى فهو بالطريقة الوجودية، التي ترتبط بحصول المرض و اقتراب الموت.ـ

عندما يدخل الإنسان إلى المستشفى بسبب مرض ما، تبدأ على الفور الأسئلة الوجودية، مثل مسألة معنى الحياة ومعنى الموت. وتُطرح العديد من الأفكار، مثل من هو المسؤول عن الوضع الذي وصلنا إليه، وبالتالي، ينشغلون بما يسمى “اللحظات الحدودية في حياتهم”، والتي تتحدث عنها الفلسفة الوجودية وعلم النفس الوجودي، لهذا السبب لا ينبغي معالجة المرضى جسديًا فحسب، بل كليًا.ـ

السؤال 4: ما هو الموت؟

الجواب: الموت ليس فقط ما يحدث في نهاية الحياة البيولوجية، بل هو قابلية الفساد وقابلية الموت الكامنة في الكائن البيولوجي ككل.ـ

أظهرت البيولوجيا الجزيئية أنه من بين 25000 جينة في الخلية البشرية، منذ اللحظة الأولى لتخصيب الخلية، هناك أيضًا جينات الشيخوخة (الموت) وجينات المرض. فمنذ اللحظة الأولى للحمل البشري، وقبل تمايز الخلايا الجذعية، وقبل نشوء الأنسجة والأعضاء، وقبل تكوين بنية الجنين، فإن هذه الجينات توجد بالفعل. وهذا يعني أن الموت هو “عبء” بيولوجي ونفسي نحمله منذ اللحظة الأولى من تكويننا إلى الأزمات التدريجية التي توصلنا للموت.ـ

السؤال 5: كيف نتعامل مع مشكلة الفيروس التاجي (covid-19)؟

الجواب: تتم الإجابة على عدة مستويات. العلم يقوم بدوره، وأعتقد أنه سيكون لدينا تطورات تبعث على الأمل في هذا المجال. تحاول الدولة بمؤسساتها تقييد انتشار المرض، لأن الفيروس لا يميز بين الإنسان والمواطن. كما تصب وزارات الصحة كل اهتمامها في مسألة تعاملها مع هذا المرض على أنها “مسألة حرب” لأنه عدو داخلي بحق. من ناحية أخرى يجب على المواطن مواجهته على المستوى الشخصي. بالطبع، في هذا الوقت الحرج، يجب علينا احترام وتكريم الأطباء وهيئة التمريض الذين يعملون بكل المسؤولية ووعي وشجاعة.ـ

السؤال 6: كيف نتعامل مع المرضى بشكل خاص والمجتمع بشكل عام في خضم المعاناة الناجمة عن الأسئلة الوجودية؟

الجواب: أكدّتُ سابقاً أن الدولة ومؤسساتها تتخذ القرارات اللازمة لحماية المواطنين. لكن هذا لا يكفي، لأن الإنسان ليس آلة، ولا حتى آلة حية، لكنه كائن ينشغل بمعنى الحياة ومعنى الوجود، يتساءل في كثير من الأحيان لماذا يجب أن يحمي نفسه من المرض إذا كانت الحياة لا معنى لها بالنسبة له. غالبًا ما يعبّر مدمنو المخدرات عن أنفسهم بهذه الطريقة، فعندما ننصحهم بالحذر يجيبون: “لا أريد أن أكون حذراً، لأن الحياة لا معنى لها بالنسبة إلي”.ـ

لذلك، لا يمكن للمرء أن يتعامل مع مثل هذه المواقف إلا من خلال تدابير موجهة إلى جسم الإنسان بشكل مباشر، كما لو كان الإنسان آلة بيولوجية، لكنه أيضاً بحاجة إلى دعم نفسي وروحي. لقد عرفنا هذا بالفعل أثناء مرورنا بالأزمة الاقتصادية[2]، وكان العديد من السياسيين والاقتصاديين يقولون إن الاقتصاد يحتاج أيضًا إلى علم النفس لتتم السيطرة عليه. وهنا أتساءل: إذا كان الاقتصاد يحتاج إلى علم النفس، ألا يحتاج المرض لعلم النفس الوجودي للتعامل معه؟

أكد فيكتور فرانكل[3] على أن البشر يشغلهم “ثالوث مأساوي”، الألم والذنب والموت. لذلك، يجب أن تتفاعل كل أنواع العلوم في معالجة المشكلة التي تنشأ عند الانسان حتى لا يُعتبر المرء مجرد آلة بيولوجية.ـ

السؤال 7: كيف ترى رد فعل الكنيسة على المشكلة التي نشأت اليوم؟

الجواب: أعتقد أن الكنيسة تفاعلت ولا تزال تتفاعل بهدوء واتزانٍ كبيرَين وهذا مرتبط بألفي عام مضت من الخبرة، في حين أن الحكومات لديها من الخبرة حوالي مائتي عام فقط.ـ

وهكذا، تفاعلت البطريركية المسكونية، وكنيسة اليونان، وكنيسة كريت، وكذلك الكنائس الأخرى، بكل مسؤولية وجدية، لأنها تعتبر الإنسان على صورة الله، الإنسان الذي لديه احتياجات بيولوجية، ولكن قبل كل شيء، لديه الاحتياجات النفسية والروحية أيضاً، من ناحية أخرى، فالكنائس لديها الوسائل التي تعالج بها جميع هذه القضايا.ـ

السؤال 8: ما هي الخبرة الطويلة للكنيسة التي تتحدث عنها؟

الجواب: كما تعلمون، ظهرت على مر القرون العديد من الأمراض، ولم يكن العلم متطوراً كما هو اليوم. أما الكنيسة فكانت تتخذ دائمًا التدابير اللازمة للتعامل مع الأمراض الجسدية، وأيضًا لتلبية الاحتياجات الروحية لكل شخص.ـ

نأخذ، على سبيل المثال، مرض الجذام[4]. فقد كان مرضًا فظيعًا، ولم يكن له علاج لقرون عديدة وكان معديًا، لذلك كانوا يفصلون المرضى عن المجتمع ويضعونهم في الحجر الصحي بعيدين عن المجتمع.ـ

اهتمّ آباء الكنيسة بشكل خاص ليس فقط في علاج المرض، بل وأيضًا في علاج المريض الذي كان صلب اهتمامهم. فقد أوجد القديس باسيليوس الكبير مكاناً خاصاً لمرضى الجذام. وفي حين كان هذا المرض معديًا، إلا أنه كان يحتضنهم بنفسه ليُظهر لهم الحب.ـ

أعتقد أن ما وراء الفيروس التاجي وأي فيروس هو إنسان يعاني من مشاكله الوجودية والروحية وأسئلته عن الأبدية، ولهذا لم أرتبك بسبب فيروس العنصرية الاجتماعية أو فيروس الذعر الذي يحصل. لقد أكد كارل جاسبر[5] على أن البشر بشكل عام، وخاصة المرضى، بحاجة إلى “اتصال وجودي فعلي”.ـ

السؤال 9: في الآونة الأخيرة، كثُرتْ الأحاديث عن مسألة تقييد وإيقاف الخدمات الكنسية، وبشكل خاص عن موضوع الاشتراك بالمناولة المقدسة، فما هو رأيك؟

الجواب: بادئ ذي بدء، أودّ أن أقول أن الكنيسة تعمل بطريقة متناسقة. لدينا “قيادة كنسية” وهي المجمع المقدس، برئاسة غبطة رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان ييرونيموس، وأعتقد أنه يعالج القضية بمسؤولية وجدية. هم الذين يجب أن نستمع إليهم في المقام الأول كأساقفة ورجال دين، فالكنيسة ليست هيئة غير منظمة، بل لديها مؤسسات تتخذ موقفًا بشأن القضايا الناشئة.ـ

لقد قلت سابقاً أن الكنيسة لديها خبرة كبيرة على مدى ألفي عام في التعامل مع هذه القضايا. وهكذا أوصت بأن نستمع للمتخصصين ومؤسسات الدولة التي تتعامل مع هذه القضية، وقررت تعليق نشاطها الرعوي، ونصحت بالحجر الصحي للمسنين والمرضى في منازلهم، ولكنها، وبطرق أخرى مختلفة، تركت النافذة مفتوحة للبشر للتواصل مع الله.ـ

وكما نحتاج إلى تهوية منازلنا، أي فتح النوافذ لتحديث الهواء والسماح بدخول أشعة الشمس، كذلك تكون الكنيسة كالنافذة في حياتنا، تنعش هواءها المصاب، وتساعد على رؤية أبعد وتسمح لشمس أخرى بدخول حياتنا، مما سيقتل الجراثيم والفيروسات الروحية.ـ

فيما يتعلق بالمناولة المقدسة، تتمتع الكنيسة أيضاً بقدر كبير من الخبرة على مدى زمن طويل. فكما هو الحال في التخصصات العلمية، حيث يتم التأكيد على القيمة العظيمة للببليوغرافيا أي المصادر المراجع المستعملة، كذلك لدى الكنيسة “ببليوغرافيا” خاصة بها، والتي تقول أنه في المناولة المقدسة، يُعطى المسيح الذي هو الحياة الأبدية والشافي أمراضنا الروحية، وأحيانًا الأمراض الجسدية، لا يمكن إجبار الكنيسة على إنكار هويتها.ـ

السؤال 10: كيف ترى رأي بعض الذين يوصون بعدم القدوم إلى الكنيسة ويحذرون من مساهمة القدسات الإلهية خوفًا من انتقال الفيروس التاجي؟

الجواب: توصي الكنيسة دائمًا أن من يريد أن يتناول بأن يفعل ذلك في ظل ثلاث شروط يُعبَّر عنها في العبارة “بخوف الله وإيمانٍ ومحبة تقدَّموا”. فكل فعل في الكنيسة بحاجة إلى تهيئة بمعنى آخر أن يتم ضمن قواعد روحية معينة. برأيي الشخصي رأيت أنه في السنوات الأخيرة بات الكثيرون يعيشون بدون هذه القواعد والشروط الروحية مثل التوبة والاعتراف والصوم، وقد أزعجني ذلك. لهذا، أحث المؤمنين على عدم المناولة بدون تهيئة ضمن تلك القواعد والشروط الكنسية الضرورية.ـ

لكن، كما قلت سابقًا، يناول الكهنة المرضى من دون الاعتقاد أنهم ينقلون الأمراض إلى باقي الناس أو أنهم أنفسهم سيصابون بالأمراض. ومن الأمثلة الجديرة بالذكر الكنائس المقامة في المستشفيات، حيث يتناول فيها المرضى والأصحاء وجميع أعضاء الكنيسة من نفس جسد ودم الرب يسوع المسيح، على الرغم من مختلف الفيروسات والجراثيم الموجودة حولها.ـ

وقد لاحظنا أيضًا، ما أثنى عليه الجميع حتى الآن، كيف عمل الكهنة ومساعدوهم في المصحات والمستشفيات الحاوية العديد من الأمراض المعدية وغيرها من الأماكن، ولذلك لا أفهم ما تغير منذ ذلك الحين.ـ

السؤال 11: هناك من يجادل بأن الهلع والخوف من المناولة المقدسة لا علاقة له بإيمان الإنسان المسيحي. ماذا تقول عن ذلك؟

الجواب: تتعلق كل القضايا في حياتنا وطريقة تعاملنا معها بإيمان الشخص وتظهر مدى الإيمان الحقيقي بالله. المحبة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان، فلا يوجد محبة بدون إيمان أو إيمان بدون محبة. لكن الكنيسة تتعامل مع كل القضايا بطريقة رعائية، وبالطبع فإن التوبة هي عنصر من عناصر الروحانية الأرثوذكسية.ـ

السؤال 12: ما هي وجهة نظركم النهائية بشأن القضية التي أثيرت؟

الجواب: أعتقد أن الهدوء والحكمة والجدّية ضرورية، وسيجد كل شيء طريقه. وأعتبر أن فيروس الذعر وما يسمى “بجنون العظمة” أسوأ من الفيروس التاجي. سيتخذ المجمع المقدس القرارات المناسبة مع تطورات هذه القضية، لكننا بعد الاحتياطات اللازمة، نحتاج إلى الثقة بالعناية الإلهية.ـ

* مقابلة بتاريخ 14-3-2020

[1] مارتن هايدغر: فيلسُوف أَلَمَّانِي. ولد في أواخر القرن التاسع عشر. وجّه اهتمامه الفلسفي إلى مشكلات الوجود والتقنية والحرية والحقيقة.ـ

[2] هي أزمة مالية عصفت بالاقتصاد اليوناني منذ عام 2010مـ

[3] فيكتور إميل فرانكل: طبيب أعصاب وطبيب نفسي نمساوي. هو أحد مؤسسي شكل من أشكال العلاج النفسي الوجودي. يصف في كتابه الشهير الانسان يبحث عن المعنى تجربته كسجين في معسكرات الاعتقال النازية، والتي قادته إلى اكتشاف المعنى في كل أشكال الوجود، حتى في الأشكال الأشد قسوة، وبالتالي إلى اكتشاف دافع للاستمرار بالحياة. أصبح فرانكل شخصية أساسية في مجال العلاج النفسي الوجودي، ومصدر إلهام كبير لعلماء النفس الإنسانيين.ـ

[4] الجذام أو ما يعرف بمرض “هانسن” هو مرض يسبب تقرحات جلدية حادة ومشوهة، وتلف الأعصاب في الذراعين والساقين ومناطق الجلد حول الجسم، وهو مرض معدي ـ

[5] كارل تيودور جاسبر: فيلسوف ألماني وبروفيسور في الطب النفسي. ينتمي إلى التيار المؤمن في الفلسفة الوجودية. فضّل كارل جاسبر خط الوسط الذي يجمع بين العقل والإيمان، والعلم والدين في قضايا مناقشة العلاقة بين العلم والإيمان، أو الفلسفة والدين.ـ

في هذه الأيام الصعبة

كاهن في كنيسة اليونان الأرثوذكسية

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

كل ما يتعلق بالحياة الروحية، أياً كان ما نختبره داخل الكنيسة، يمكن التعامل معه بطريقتين: الأولى هي عدم إشراك القلب في أي منها على الإطلاق. كل شيء رسمي، نظري ومنطقي. يبقى القلب غير ملموس أبدًا، القلب غير مَعني أبدًا بكل ما يحدث في الحياة الروحية. بعبارة أخرى، يبعد الناس قلبَهم عن قصد عن ما يجري وبهذه الطريقة يمكنهم الشعور بأنهم، في الأساس، يتحكمون بالأشياء. هذا فخ عظيم، لأنه عندما نكتشف أن قلوبنا خارج الأشياء، ندرك أننا أيضًا في الخارج، وأننا لسنا جزءًا من حياة الكنيسة، من حياة الروح.ـ

والطريقة الأخرى هي أن ترى قلبك مشاركاً في الأشياء، ما يعني أن لكل ما يحدث خارجيًا تداعيات داخلية، في القلب. بعبارة أخرى، كل ما يحدث خارجيًا، بالحقيقة سواء في الكنيسة، في عبادة الكنيسة، أو شخصيًا في جهاد كل واحد منا، يجب أن يُنظر إليه على أنه يتسلل إلى وجودنا، إلى قلبنا، شاملاً قلبنا، ملزماً لنا على أساس شخصي. فمن ثم يكتسب كل شيء إحساسًا شخصيًا، وظيفة شخصية، كل شيء حقيقي الآن، كل شيء يؤثر على الشخص، وكل شيء يعكس ماهية ما نختبره.ـ

الانتقال من الرسمي إلى الجوهري، أي الانتقال من منطق الأشياء إلى فهم شخصي، إلى حياة القلب، ليس بالأمر السهل على الإطلاق. علينا أن نواضع ذواتنا. وحدهم المتواضعون لديهم حياة في القلب. الفخورون يقيّمون كل شيء منطقيًا، مسنودين كما هم بالغطرسة. ولكن عندما نتواضع، يصبح كل شيء فينا حقيقة. يصبح للقلب الآن خبرات، ويبدأ بتكوين المشاعر والعواطف الروحية، ويبدأ كل شيء في حياتنا في أن يصبح حقيقة. ثم، وللمرة الأولى، نكتشف أن لدينا حياة شخصية، وحياة روحية، وحياة روحية شخصية. علاوة على ذلك، يكتسب شخص الله اهتمامنا على المستوى الشخصي، ليس على المستوى الداخلي النفعي، بل على المستوى الشخصي.ـ

كل شيء له صدى فينا. هذا هو المكان الذي سنرى فيه مدى وجود الله في حياتنا، حيث سنرى مدى انفتاحنا على روح الله، أو مدى ترسّخ مخاوفنا وانعدام أماننا ومنطقنا البشري في داخلنا. سنرى مقدار المساحة المتاحة لوجود الله فينا، إلى أي مدى نشعر بخطايانا، ومدى عمق هذه الخطيئة فينا كعائق لعلاقتنا مع الله وإلى أي مدى تعرّض حياتُنا الشخصية وجودَ الله فينا. ثم يأخذ كل شيء بعدًا شخصيًا. فالألم والتوبة هما مسألة شخصية جداً وحقيقية جداً.ـ

إن الصلاة هي شيء حقيقي لأنها تضمّ صرخة الروح إلى الله، ولكنْ الصرخة الصادقة التي تنبع من داخل الإنسان، وليس من فكره. كل شيء حقيقي الآن. نعيش الآن حقيقتنا الخاصة أمام الله. لكن هذا سبقته مرحلة طويلة وصلنا خلالها إلى التواضع، حتى نستطيع أن نسمع قلوبنا بأنفسنا، حتى نكون نحن بأنفسنا على اتصال بقلبنا.ـ

أقول كل هذا حتى نفهم أن أيامنا هذه صعبة إلى حدٍ ما، من الناحية الخارجية، لأننا تحت ضغط ظروف خارجية. إنه وقت مناسب لكل منا لأن يعرف مدى نشاط شخصيته وعملها في حياته الشخصية، ومدى نشاط هويته وعملها شخصيًا، وقلبه شخصيًا، ومدى تأثره شخصيًا بعلاقته بالله، ومدى قدرته أن يجاهد من خلالها مع مخاوفه وصعوباته، وإلى أي مدى يمكنه، بالإيمان والمحبة والثقة بالله، ضبطَ الأفكار المعادية التي تنشأ ضده. إلى أي مدى كل هذه الأشياء حقيقية في حياته.ـ

ألم يحن الوقت لنرى كيف هي حياتنا الروحية نحن المسيحيين؟ كم من الإيمان الحقيقي بالله لدينا؟ إلى أي درجة يتلاشى الخوف في مواجهة الإيمان؟ ما مدى صدقنا تجاه الله؟ كيف نعيش تجربة الله داخل أنفسنا؟ إلى أي مدى يشعر كل واحد منا بخطيئته كعائق ويتألم ويبكي عليها؟ إلى أي مدى نشعر بوجود الله كقوة؟ في كثير من الأحيان يكون من الصعب تَرْك وجودنا بين يديه. كل هذا يبرهن مَن نحن حقًا.ـ

عندما تأتي علينا مثل هذه التجارب، عندما تأتي الأشياء التي تكيّف الضغط على الوجود البشري، إنها فرصة لنا جميعًا لمعرفة من نحن حقًا تجاه الله. من نحن حقًا عندما نواجه ضميرنا. من نحن عندما نواجه وجودنا. الآن، إنها فرصة لنا أن نرى مدى قوة الإيمان في صلاتنا. كم هي حقيقية. إلى أي مدى تنفتح على الله فعلياً. مدى اعتمادها على الثقة. كم تشعر بالراحة أمام الله، حتى ولو كان في الخارج معارك وضغوط. إنها فرصة لكل واحد منا أن يرى ما نريده حقًا داخلنا. كيف تبدو شخصيتنا. كيف هي حياتنا الشخصية تجاه الله.ـ

لدينا فرصة عظيمة الآن. لماذا؟ لأننا غالبًا ما نقرأ في سِيَر القديسين عن أعمالهم وجهاداتهم وصعوباتهم وإنجازاتهم والحلول التي وجدوها للضغوط التي تعرّضوا لها. ولكن في كثير من الأحيان نفهم هذه الأشياء عاطفيًا ومنطقيًا وليس واقعياً ووجوديًا. يأتي وقت في حياتنا عندما تطرق حقيقة الحياة بابنا وتريد أن تعرف ما قمنا به حتى الآن. ماذا حققنا؟ من نحن حقاً؟ من نحن في ذاتنا؟ أي ثقل أخلاقي لدينا في حياتنا الروحية؟ـ

لقد شعرت اليوم بحدّةٍ مدى أهمية استغلال مثل هذه اللحظات. ليس لطرد الخوف، ولكن لنرى ولنشعر بأنفسنا مكشوفين، حقيقيين، عراة أمام وجه حقيقة الله.ـ

الأشياء التي تضغط علينا تأتي وتروح. ستأتي، ولكن بعد ذلك ستمضي، كما تفعل الأشياء. لكن علينا أن نستفيد من كل هذا. يجب أن نكون جزءًا من حقيقة الله وهذا يجب أن يصبح حقيقتنا. ببساطة، يجب أن نحارب كل ما هو مريض فينا، ضعيف، أجوف ومنافق. أولاً، يجب محاربة هذه. وهذه تُحارَب في ظلمة زنزانتنا العميقة. إنه هناك حيث يمكن محاربتها. هذا هو المكان الذي ترى فيه من أنت حقًا.ـ

أصلّي من كل قلبي أن نخرج مستفيدين إلى حد كبير من صروف الدهر هذه التي يعاني منها بلدنا والعالم بأسره، أكثر تواضعًا أمام الله، أكثر حقيقة أمام الله وأمام ضميرنا. وسيهتم الله بكل ما تبقى. على أي حال، هو وعد بذلك. من ثمّ نجد السلام حقًا: عندما نستسلم بأمانة لقصد الله ولحضوره.ـ

أصلي من كل قلبي أن تكون هذه الأيام مثمرة لنا جميعاً.ـ

* تسجيل لعظة في القداس السابق تقديسه في 11 آذار 2020.ـ

Source: https://pemptousia.com/2020/03/on-these-difficult-times/

انتبه لنفسك!

الأرشمندريت نيكن كوتسيذيس

نقلتها إلى العربية اسرة التراث الأرثوذكسي

إن وحدة النفس والفكر هي ما يجعل وجودنا البشري خاصاً. لم يكن هناك يوماً أي إنسان مثلك تماماً، ولن يكون هناك أبداً. كل واحد منا فريد وغير قابل للتقليد عبر تاريخ الجنس البشري بأكمله.ـ

طبعاً هناك مَن يثير فكرة أن أحداً ليس قابلاً للاستبدال، وهذا خطأ. إذا كنا نقصد العمل فلا نحكي عن استبدال بل عن تعاقب. في العمل، يمكن استبدال الناس، أما في وجودنا الخاص فهناك لا يمكن استبدالنا.ـ

لهذا السبب بالذات يحكي المسيح في الإنجيل عن قيمة نفسنا: “لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟” (متى 26:16).ـ

كتذكير يُعيننا في وضع نفسنا في المكان المناسب بحسب مشيئة الله، لننظر ماذا يقول القديس باسيليوس الكبير في تفسيره لقول العهد القديم: “احْتَرِزْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ قَلْبِكَ كَلاَمٌ لَئِيمٌ” (تثنية 9:15): انتبه لنفسك لا لأشيائك ولا لما هو حولك. نحن نفس وفكر. جسدنا وأحاسيسه ملك لنا. ما حولنا هو المال، الفنون، وكل ما تبقى من مكوّنات الحياة. لذا انتبه على أن يبقى كل تلوّث الخطيئة بعيداً عن نفسك وبالمقابل زيّنها بكل فضيلة.ـ

انتبه لنفسك حتى تستطيع أن تميّز صحة نفسك من مرضها بسبب الخطيئة. هل الخطيئة عظيمة وثقيلة؟ أنت تحتاج إلى الاعتراف والصوم والتوبة. إذا كانت المخالفة صغيرة فيجب أن تكون التوبة على نفس القياس.ـ

انتبه لنفسك عندما يكون كل شيء في حياتك يسير على ما يرام وجميلاً، لأن في هذا خطر أن تتكبّر وتزهو. ردد دائماً ما قاله العشار: “يا رب ارحمني أنا الخاطئ”. انتبه لنفسك عندما لا تسير الحياة حسناً معك، إذ عندها تكون في خطر اليأس والقنوط الروحي. تذكّر أنت مخلوق على صورة الله فلديك قدرة روحية لا كالآخرين. لذا قل “ربي أعنّي”.ـ

لننتبه لنفوسنا حتى نمتلئ من فرح ربنا يسوع المسيح وسلامه.ـ

المناولة بين العلم ووهمه

الأب أنطوان ملكي

لم يعرف المسيحيون طريقةً للمناولة منذ إنشاء الكنيسة إلى منتصف القرن التاسع عشر، إلا الكأس المشتركة. تعددت استعمالات هذه الكأس: فالأرثوذكس والشرقيون يناولون منها بالملعقة، الكاثوليك يغمّسون القربان فيها، ومجموعات كبيرة من الأنكليكان والبروتستانت يشربون منها بالتداول. مع انتصاف القرن التاسع عشر، عرف العالم نظرية الجراثيم، وقد كانت غالبية الميتات في ذلك الحين بسبب الأمراض المُعدية، فاشتهرت هذه النظرية وانتشرت حتى وصلت إلى الكنائس. بدأت الأسئلة تُطرَح حول صوابية المناولة من الكأس المشتركة خاصةً حيث تواجد أصحاب الغايات. ففي أميركا مثلاً، أخذ الأمر بعداً آخراً لأن في غالبية الكنائس الكاثوليكية والأنكليكانية والبروتستانتية كان على السود أن ينتظروا إلى أن ينتهي الكاهن من مناولة البيض. لهذا انضمّ المطالبون بالمساواة إلى المطالبين بإلغاء الكأس المشتركة. ولم يكن هذا الأمر قد انتهى في أيام مارتن لوثر كينغ الذي وصف الساعة الحادية عشرة من يوم الأحد على أنها قمة العزل في المسيحية الأميركية. النتيجة كانت أن المناولة صارت في أقداح فردية، أي لكل متناوِلٍ قدح.ـ

لم تتأثر الكنيسة الأرثوذكسية بهذه التغيرات بل بقيت المناولة كما كانت لألفي سنة. من بعد التغيير في الغرب، صارت تظهر في الكنيسة بعض الأصوات المنادية باستبدال الملعقة والكأس لكنها لم تصل إلى حد التأثير على الكنيسة بشكل أدّى إلى مناقشتها في أي من مجامع الكنائس. في الربع قرن الأخير، عرف العالم يعرف عدة موجات صنفتها وكالة الصحة العالمية كأوبئة، تقريباً كل سنتين: انفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير وغيرها من عائلةال(H) والإيبولا والسارس. في القرن العشرين عرف العالم موجات قاتلة كثيرة من الرشح الإسباني الذي حصد خمسين مليون إنسان، والملاريا التي حصدت الملايين، والسل والآيدز وغيرها.ـ

في كل مرة كان العالم يواجه هذا النوع من الأمراض كانت ترتفع أصوات من داخل الكنيسة الأرثوذكسية تتساءل حول صحة المناولة بالملعقة الواحدة من الكأس الواحد، لتنتهي منادية إلى ضرورة تغيير هذه الطريقة استناداً إلى ضرورة مواكبة العصر والتكيّف مع العلوم الحديثة وغيرها. وكانت تمضي هذه الموجات وتخفت هذه الأصوات وكأنها لم تكن، ليس لأنها أصوات غير مسموعة ولا لأن الكنيسة الأرثوذكسية حقل سلطة الإكليروس ولا لأن التقليديين يسيطرون على الكنيسة. السبب المنطقي والعلمي الوحيد الذي يجعل هذه الأصوات نحاساً يطن هو أنها لم تثبت علمياً، أي أنه وخلال كل هذه الموجات الوبائية وقبلها الكثير مما عرفته الكنيسة في الألفي سنة الماضية، لم يُسجَّل أي حالة انتقال لعدوى بالمناولة لا إلى علماني ولا إلى كاهن، مع التأكيد على أن الإكليريكيين أكثر عرضة من العلمانيين بحكم أنهم “يتلمذون” الكأس بعد القداس. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الكهنة يختبرون في كل قداس، حتى في أصغر الرعايا، حالات عديدة تثير التساؤل “العلمي”. ولو أن الكهنة يقعون في تجربة التعاطي مع ما يعاينون بمنطق المجهر، لأُغلِقَت الكنائس من زمان.ـ

لكن الواضح هو أن ما تطرحه الكورونا اليوم أوسع بكثير مما سبق الإشارة إليه. فالكنيسة اليوم عرضة لضغوط خارجية قوية من الحكومات التي تريد تلافي الأسوأ وبالتالي تعتبر أن الكنائس كتجمعات قد تكون مكاناً مناسباً لانتقال العدوى وانتشار المرض. هذا الكلام يصعب رفضه بالعقل العلمي، ولهذا أعلنت بعض الكنائس توقفها عن إقامة الخدَم العامة لفترات مختلفة. طبعاً بمقابل هذا الكلام هناك موقف في الكنيسة يرفض التوقف عن إقامة الخدم التي هي عمل الكنيسة وهويتها. من هنا اختلفت المواقف بين مرجع وآخر في كنيسة وأخرى، لكن ما ينبغي التنبيه إليه هو أن الخطر في التجمع والازدحام وليس في المناولة. من هنا أن موقفاً ثالثاً برز في بعض الكنائس بأن الحضور أصلاً اختياري، كما عبّر رئيس اساقفة اليونان بقوله أننا لا نحفظ سجلات حضور في الكنيسة، وفي دعوة بطريرك الكرج إلى تكثيف الصلوات. والفكر نفسه يظهر في موقف كنيسة أنطاكية التي عبّرت في بيانها: “يقيم الكاهن في الرعايا الصلوات والقداديس بمشاركة المرتّل وخادم الكنيسة، دون ما يمنع مشاركة أيٍ من المؤمنين”.ـ

يدّعي أبناء الكنيسة المطالِبون باستبدال الملعقة أو الكأس بأن كلامهم علمي. تتلخّص حججهم بأن على الكنيسة أن تغيّر مواكبة للعصر، وأن الخبز والخمر بعد تحولهما لا يفقدان طبيعتهما الأصلية ويبقيا مادة قابلة لنقل المرض، وأن التغيير ضروري لكسر التسلط التاريخي للإكليروس، وأن التغيير ممكن لأن الملعقة والكأس ليسا منزَلين… إذا قُبِل هذا الكلام على أنه علمي، لا بدّ من أن نسأل عن المنهجية العلمية. لا يكون الكلام علمياً لمجرد أنه يتبع تركيبة منطقية، بل يكون علمياً إذا اقترن بالوقائع والبراهين المستندة إلى الاختبار المتكرر. لم نصل إلى دراسة واحدة تحدّثت عن انتقال عدوى من الكأس المشتركة، عند أي من الطوائف المسيحية. في المقابل، ممكن توثيق ما لا يقلّ عن دزينة من المقالات التي تقول أن لا إثبات علمياً على انتقال أي عدوى في الكأس المشتركة، وكلها أوراق علمية صادرة إما في مجلات محكمة أو في مؤتمرات مختصّة. لم يؤدِّ البحث عن مقالات تقول عكس ذلك إلى أي نتيجة. يوجد عدد من المقالات التي تشكك بانتقال العدوى في الكأس أو الملعقة، لكنها ليست من أصحاب اختصاص، وللأسف أن غالبيتها للاهوطيين (عبارة لاهوطي هي تسمية أطلقها الميتروبوليت بولس المغيّب مطران حلب على الكتّاب اللاهوتيين حين يخرجون عن تقليد الكنيسة، وكان يحذّر طلاب اللاهوت من تحويل اللاهوت إلى لهط، واللهط في تاج العروس هو “ما يُسمع ولا يُعتقد ولا يُكذّب”، أي الكلام الذي لا معنى له).ـ

في الختام، عندما شفى الرب مخلع كفرناحوم قال له “مغفورة لك خطاياك”، أما “قم واحمل سريرك وامشِ” فجاءت “على البَيعة” كما نقول في العامية. غفران الخطايا هو العمل الإلهي، المعجزة، أما المشي فهو عمل مواكب. وتعليم الكنيسة الأرثوذكسية يقول أننا في كل قداس نشهد معجزة تحوّل الخبز والخمر إلى جسد الرب يسوع، سواء احتفظت المادة بخصائصها أو لا، وبغض النظر عن مادة الكأس والملعقة، وحتّى عن حاملهما ومدى طهارته أو تسلطه. لهذا نحن نؤمن بأن عدم نقل العدوى يأتينا “على البَيعة”. مَن يرى غير ذلك فليأتِنا ببراهين أو فليبقَ نحاساً يطنّ إلى أن يتوب أو يتعب أو يموت.ـ

التقاء الإيمان المسيحي بالكورونا: ازدهار الإيمان بالوحدة والسكون والألم

آريك هايد

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

بالنسبة لبعض المسيحيين، هذه الأفكار قديمة وربما بلا معنى. الشعور الشعبي الذي يطلقه الكثيرون اليوم هو أن المسيحية هي انتصار مستمر في معركة لم نخضها أبدًا، معركة لم نكن بحاجة لخوضها أبدًا، لأن المسيح دفع ثمن المعاناة عنّا. مهمتنا هي ببساطة أن نستلقي في النِعَم ونحاول ألا نسمَن.ـ

إنها لفكرة جذابة، خاصة بعد مرور عقود من السلام والازدهار دون أي تقطّع خطير: لا أوبئة، لا حرب وطنية، لا انهيارات في سوق الأسهم، لا مجاعة واسعة النطاق، وما إلى ذلك. بشكل عام (باستثناء قضايا الصحة الشخصية) أكثر ما يُقلق المرء في مكان كالولايات المتحدة الأمريكية هو الحفاظ على الرفاهية. ففي هذه الثقافة، دليل البرَكَة ليس مَن يستطيع أن يتحمل المعاناة أكثر، بل من يستطيع أن يتجنب قدراً أكبر من المعاناة.ـ

ليس من النادر سماع المسيحيين يلومون الصعوبات على نقصِ الإيمان. غالبًا ما يشيرون إلى المسيح على أنه المثال النهائي للحياة التي تعيش بوفرة وصحة – فهو يعِد بأن “يعطي الحياة، وتكون حياة أوفر”. لذلك، إذا كانت حياة المرء مليئة بالمشاكل، لا بدّ أن هذا بسبب نقص الإيمان.ـ

إذا لم تُوضع هذه العقلية في سياق أكثر اكتمالًا، فهي تستدعي إنكارًا بعيد المدى أو جهلًا تامًا لما يعنيه المسيح بقوله “احمل صليبك واتبعني” مع الوعود الإضافية بالمحاكمات والاضطهاد من أجل العيش ببِرّ.ـ

بالنسبة للكثيرين منا، الفيروس التاجي هو أول لقاء واجهنا فيه تهديدًا وجوديًا فوريًا وعالميًا؛ تهديد كبير بما يكفي للكشف عن الضعف الفعلي للبشرية. يكتشف الكثيرون لأول مرة أن الموت والمصيبة أمران ممكنان بالرغم من أن المسيح عانى عنّا. هذا أمر محزن بالنظر إلى أن المسيحيين يجب أن يكونوا الأكثر معرفة بالحياة الحقيقية، مع الطبيعة الحقيقية لوجودنا في العالم.ـ

في كثير من الأحيان يسمع المرء الملحدين يسخرون من المسيحية على أنها عكاز الضعفاء، وراحة المحدودين فكرياً. وأن المسيحيين يؤمنون بالقصص الخيالية ويعيشون في واقع بديل وهمي. إذا أزلنا قلب المسيحية الحقيقي يصير هذا الاستهزاء صحيحاً تماماً. إذا كان المرء يعتقد أن المسيحية هي إنقاذ من المعاناة ويقظة أخلاقية، أو حفل كوكتيل روحي أبدي، أو مجرد تبديل حراس في صباح يوم أحد، فهو بالحقيقة يؤمن بالقصص الخيالية. لقد كانت المسيحية ودائماً طريق الوحدة والسكون والخبرة والمعاناة – بأفضل طريقة ممكنة.ـ

الاعتزال ـ

عندما نعود إلى سيرة إبراهيم ورحلته من أرضه، إلى موسى والأربعين سنة في الصحراء، إلى إيليا وأليشع واعتزالهما النسكي على جبل الكرمل، إلى يوحنا المعمدان وعيشه على الجراد والعسل في البرية، أو أي عدد من الآباء القديسين وحياتهم في النسك، نكتشف بسرعة أن الاعتزال والإيمان هما أخوان بالدم من البداية إلى النهاية.ـ

وضع المسيح معايير الاعتزال ليس فقط خلال تجربته، بل في حياته اليومية العادية، إذ كان يقضي كل المساءات وحيداً في الصلاة. نتذكر أنه قبل آلامه مباشرة صلّى وحيداً لساعات عديدة، فيما كان انتظار تلاميذه الأكثر ورعاً وصلابة طويلاً. عندما عجز تلاميذه عن طرد الشياطين علّمهم المسيح “أن هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم”.ـ

إن المؤمن الذي لا إلفة له مع الاعتزال قد لا يجد الإيمان الأصيل الذي اختبره قطيع المسيح عبر الأجيال. إن حالة العالم اليوم تقدّم إلى حد كبير فرصة إلزامية لهذا اللقاء، لكن على المرء أن يستعمله طوعياً ويتلافى صرف النظر الشائع عندما يبدأ الضجر الذي يصعب تلافيه.ـ

السكون ـ

السكون وأخته التوأم اليقظة هو نتيجة الاعتزال بالشكل الصحيح. السكون، كما يحدده التقليد الأرثوذكسي، هو الحالة الداخلية من “الهدوء أو الطمأنينة العقلية والتركيز الذي ينشأ بالتلازم ويتعمق مع ممارسة الصلاة النقية وحفظ القلب والفكر. إنه ليس الصمت وحسب، بل هو موقف من الإصغاء لله والانفتاح عليه” (الفيلوكاليا).ـ

إن السكون واليقظة حاسمان جداً حتّى أن المسيح نفسه برهن ضرورتهما خلال تجربته في البرية. على خلاف آدم الذي استعمل اعتزاله بشكل يفتقر للحكمة، المسيح استعمله لينمّي السكون ما سمح له أن يغلب كل تجارب الشيطان. لم يستدعِ المسيح قوى فائقة من فوق، بل بالأحرى هو احتمل كل الخدع الشيطانية باليقظة الساهرة والصلاة.ـ

الخبرةـ

الإيمان المسيحي ليس مجرد مجموعة عقائد أو قوائم تدقيق موضوعية في الأرثوذكسية والابتداع ولا هو علم روحي. الإيمان هو الدخول، الاشتراك، “المشاركة في الطبيعة الإلهية” (2بطرس 5:1). وهناك طريقة واحدة للمشاركة في طبيعة الله، وهي الحضور. لا يستطيع الإنسان أن يشترك في الله من خلال تأملات وحسب، ولا بتحليل مفاهيم مجردة عن الله، ولا بتركيز الفكر في الماضي أو المستقبل. إن المشاركة ممكنة فقط في خبرة الحاضر. هل سمع أحد أن إنساناً امتلأت معدته من فكرة السندويش، أو دفئ من مفهوم النار؟ تماماً كما النَفَس يؤخَذ في الآن، المشاركة في الله تتطلب نوعاً من الحضور الذي لا يمنحه سوى الاعتزال والسكون.ـ

الألم ـ

قد يكون الألم أحد أوجه الإيمان المُساء فهمها بشكل كبير. كيف يتصرف المسيحي المعاصر المتكيّف مع التسلط العلمي على الطبيعة والإشباع الفوري، مع إيمان لا يُعلي الألم المتأتي عن السلوك الصالح وحسب، بل ويشجعه؟ هنا يوجد خياران: أ) إنكار الألم وتطوير عقيدة تعِد بالعكس، أو ب) تثمينه كوسيلة للخلاص. الفكرة الأخيرة هي بعيدة عن حيّز القبول اليوم وكثيرون يعتبرونها دليلاً على الاختلال العقلي.ـ

لكن من دون هذه النظرة الصحيحة للألم يضيع الإيمان. فهم الرسول بطرس أن المؤمن يكمل ويثبت ويتقوى إذ “يتألّم يسيراً” (1بطرس 10:5)؛ وأن إيمانه يتأصّل ويصير “أثمن من الذهب” لأنه حزن “يسيراً بتجارب متنوعة” (1بطرس 10:6-11). آمن بطرس بأن على المرء أن يفرح “كما اشتركتم في آلام المسيح” كدليل على أن “روح المجد والله يحل عليكم” (1بطرس 12:4-14).ـ

الرسول بولس تباهى بأنه لا يفتخر إلا بأنه يعرف المسيح “وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ”، “الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ” (فيليبي 8:3-10). وبالطبع في العبرانيين يعلّم أن المسيح نفسه تكمّل بالآلام (10:2). ما هذا إلا مثال بسيط عن التعليم الكتابي عن الألم، وبعد الكتاب هناك فعلياً تعليم وأمثلة لا تنتهي من الآباء القديسين.ـ

إذا فكّر المرء بالأمر كرياضة، مَن يستطيع أن يقلل من ضرورة الألم؟ كل رياضيٍ يحتمل التمرين القاسي، والضغط، وامتحان العضلات والتقرّح الناتج؟ يفهم الرياضي أنه بقدر ما يفتت العضلة ويبنيها، ثم يعيد تفتيتها وبناءها مجدداً، ومجدداً، يصير أكثر قوة، وبالتالي تزداد فرص ربح الجائزة. إن الألم الذي يحتمله خلال بناء الجسد مفهوم على أنه إنتاج للقوة عند الرياضي الجدّي. وهذا بالطبع سبب استعمال الرسول بولس للرياضيين كتمثيل للحياة الروحية.ـ

من جديد، جرثومة الكورونا ألزمت العالم بحالة من الاعتزال. يمكن أن يكون الاعتزال مرعِباً ويرافقه عذابات طبيعية، وإلا لما كنا نستعمل الاعتزال لمعاقبة المجرمين، لكن تحويل العزلة إلى وحدة هو تعديل بسيط بالمقاربة. وبما أن الكثير من الإيمان لا يمكن الوصول إليه من دون الوحدة، فإن هذا التعديل يمكن أن يؤدي إلى انبعاث رائع عند الكثيرين من ابناء الله.ـ

تعاطي الأرثوذكسي مع الكورونا

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

يقبع البشر اليوم تحت الخوف من الكورونا، وبخاصة ضعاف المناعة منهم. البعض يعيش أشكال مختلفة من القلق، كإنهاء العام الدراسي أو تزايد عدد المحتاجين أو انهيار الأسواق وتوقفها أو ازدياد أعداد العاطلين عن العمل أو المشاكل المتزايدة الناشئة عن الإغلاق القسري للأعمال. وآخرون مشغولون بأمور دون ذلك كتأمين المواد الحياتية وغيرها. ولكن مهما كانت درجة الخوف أو القلق ومصدرها، فالجميع يتفقون على أن العالم لم يعد كما كان قبل شهرين.ـ

فأمام التجربة التي رمتنا فيها الكورونا ماذا يُفتَرَض بنا، كمؤمنين أرثوذكسيين، أن نعمل؟ أن نفكر؟ من أجمل الإجابات على هذه الأسئلة قولٌ لأحد الآباء متوجهاً إلى رعيته بأن إيماننا أعطي لنا من الله ليقوينا خلال الأوقات الصعبة في حياتنا.ـ

كل القوانين الروحية التي نلتزم بها خلال الصوم بالتحديد، وخلال حياتنا، تهدف إلى تأصيلنا في محبتنا لله وإيماننا به لمواجهة لحظات كالتي نمرّ بها الآن. نحن نصوم لننقّص من محبتنا لذواتنا ونزيد من محبتنا لله. نحن نزيد صلواتنا وخدمنا الكنسية لنزيد إيماننا. نحن نساعد المحتاجين لنقوي محبتنا لبعضنا البعض. وفي قيامنا بكل هذه الأعمال، نتعلّم أن نركّز حياتنا حول الله، وحول ما جاء ليحققه هنا وما يقوم به يومياً من أجلنا.ـ

هذا الإيمان هو بمثابة منارة وسط ضباب الحياة السميك. إنه يبقى ثابتاً ومستقراً. الإيمان أهّل رجالاً ونساءً كثيرين أن يثبتوا عبر التعذيبات التي تعرّضوا لها. إنه ما جعل الجنس البشري يصمد عبر كل الأوبئة والحوائج التي في أوقات مختلفة سيطرت على الكون وأمسكت الجميع في الخوف. إن هذا الإيمان هو ما سوف يسمح مجدداً لكل واحد منا في الأسابيع المقبلة أن يرى بوضوح ويثبّت الآخرين العاجزين عن أن يروا ما فوق هذا الضباب السميك الذي نزل على العالم. خلال هذا الوقت من التشوش والغموض، حيث انقلبت حياة الكثيرين، لا بدّ من تقديم بعض الأفكار والتوجيهات لنفكّر فيها فيما نعبر هذه الأيام.ـ

أولاً، لا يحتاج المؤمن إلى متابعة الأخبار أربعاً وعشرين ساعة على سبعة أيام، لأن التخمة بالمعلومات تؤذي العالم أكثر من الوباء نفسه. نعم، ضروري أن نعرف ونتثقّف لكن من الضروري أن ننتبه لئلا يتحوّل الوباء إلى هوس، وهو أمر خطر على النفوس لكنه قابل للتحقق بسرعة. على المؤمن أن يكتفي بأن يعرف المستجدات مرة أو اثنين في اليوم. من بعدها يطفئ التلفزيون وكل تطبيق قد ينقل إليه الأخبار. فليستمع للترتيل، ويقرأ الكتاب المقدس، ويغذّي فكره بالأمور الإلهية.ـ

من الضروري أن لا ننسى أن الذعر يأتي من ضعف الإيمان بالله وبمحبته لنا. الاستعداد والجهوزية والانتباه ضرورية لكن لا ينبغي أن يكون للذعر مكان في قلب المسيحي. متى أحس بشيء من الذعر فليجرِ إلى زاوية الأيقونات (إن وجدَت) ويؤدّي سجدة أمام أيقونة السيد ويسأله الغوث وقوة الإيمان الضرورية للتغلب على الخوف واليأس.ـ

ثانياً، على المؤمن أن يحفظ هدوءه من أجل غيره وخاصةً غير المؤمنين. هنا يأتي تعليم القديس سارافيم ساروفسكي: “اكتسب روح السلام وسوف يخلص ألف من حولك”. عندما نصلي، في الكنيسة أو فردياً، فلنحرص على ان تبقى فكرة الكورونا خارجاً. ففي الصلاة نحن ندخل سرياً إلى ملكوت السماوات حيث لا يوجد جراثيم. لتبقى اهتمامات المرض وكل المخاوف خارجاً في العالم حيث تنتمي.ـ

ثالثاً، القداس الإلهي هو ما ينبغي على المؤمن الحفاظ عليه بكل قواه خاصةً أمام التجارب التي يطرحها عليه الكلام عن انتقال الأمراض وكأن ما في الكأس المشتركة هو مجرد مادة.ـ

رابعاً، على المؤمن أن يتوقع اضطهادات. فإيمانه سوف يخضع للتجربة خلال الجائحة. كما أنه سوف يكون هناك اضطهاد من مصدرين: الخارج والداخل. اضطهاد الخارج ينفذه الذين لا يعرفون قوة القداس وضرورة سر الشكر مع أن بعضهم قد يكون من الذين ينادون ببنوتهم للكنيسة. أما اضطهاد الداخل فيأتي من الشكوك التي يزرعها المعاند في ما يمارسه المؤمن.ـ

من الأمور الجوهرية التي ركّز عليها المضطهدون من داخل الكنيسة هي المناولة في زمن الكورونا. السبب الرئيسي لطرح السؤال هو الخوف من انتقال العدوى. التقليديون يقولون أن لا مكان للعدوى أو للتلوث أن يعبر في الكأس المقدسة أو أن تحمله الملعقة المشتركة، ويعزون ذلك إلى أسباب مختلفة بعضها مقنع بحسب منطق القرن الحادي والعشرين وبعضها لا. الليبراليون يصرون على أن الكأس وما فيها جميعاً قابلة لنقل الجراثيم لأنها بالرغم من استعمالها التقديسي إلا أنها تبقى على طبيعتها، وهي ليست السر بل أدوات للسر، وبالتالي لا مانع من إيجاد بدائل تراعي المتطلبات الصحية في ظل الوباء المتفشي.ـ

من هنا أن التطرق إلى هذا ليس سهلاً. فمن جهة، غالبية البشر المعاصرين أضعف من أن يتقبّلوا قول التقليد من دون مناقشة وتشكيك وعثرة. هذه الغالبية تعاني مع إيمانها البسيط بسبب تدخل العقل لديها، وهي تعرف معاناتها الروحية.ـ

في التقليد هناك دلالات كثيرة على استحالة أن تكون المناولة مصدر مرض. الكثيرون من الكهنة المتنقلين يخدمون في أماكن لا تستوفي شروط النظافة والصحة كالسجون حيث يختلط حامل السلّ مع مريض الإيدز مع مَن يعاني من أمراض موسمية وأمراض اللثة والفم وغيرهم. يعجز الكهنة بعد عدة سنوات من الخدمة عن إحصاء عدد المرات التي تناولوا فيها من بعدِ أناس يحملون مختلف أنواع الجراثيم في أفواههم. مع هذا، في الماضي لم يكن أحد يستسهل التشكيك بالكأس المقدسة كما يجري الآن، والواقع أن هذه مسألة تواجه الكنيسة الأرثوذكسية من قبل انتشار الوباء الأخير.ـ

في تاريخ الشعب المؤمن، في كنائس روسيا واليونان وصربيا وحتى في بلادنا، قصص عديدة عن رفض الشعب للتطاول على المناولة سواء من الكهنة أو من غيرهم، حتى أن بعض الوقائع تحكي عن عنف شعبي ضد المتطاولين، أو أقله فرز لهم من الجماعة. اليوم نجد العكس، فهناك “متعلّمون ومثقّفون” يمزّقون الكهنة الذين يناولون، وهم في كبريائهم يستعينون بالإعلام ضد كنيستهم وكهنتهم محولين الكهنة الملتزمين بإقامة القداديس ومناولة الشعب المؤمن إلى مجرمين في أعين الدولة والمجتمع. وفي كل هذا، يدّعون الغيرة على الكنيسة، ولا يترددون بالتباهي بأن همهم هو الإنسان، وكأن الكنيسة لا تهتمّ به بل هي في عالم آخر، ولكن بعض متفوهيهم واضحون بأنهم يرون في القداديس والمناولة مسرحاً يمارس فيه الكهنة “سلطتهم”، وبالتالي ينبغي تجريدهم من هذه السلطة.ـ

هنا السؤال، كما عبّر عنه العديد من رؤساء الكهنة في كل أصقاع الأرض، ماذا يبقى من هوية الكنيسة إذا امتنعت عن إقامة القداديس؟ يمكن القول بحرية ضمير أن إيمان الإنسان المعاصر تضعضع، إذ خسر بساطته مع التقدم التكنولوجي والقيَم التي كرّسها. من أوجه هذه الضعضعة تطور “علوم” النفس، ولهذا كان لا بدّ من تجريد المناولة من قدرتها على شفاء الجسد حتى يتبعها تجريدها من القدرة على شفاء النفس، وتكفّ الكنيسة عن أن تكون بيت الشفاء. وعندها ما الحاجة للمناولة وحتى للكنيسة نفسها؟ـ

إن الوضع القائم صعب لكنه ليس جديداً على الكنيسة. سوف تنتهي أزمة الكورونا وتنتهي معها هذه التجارب، ويعود المشككون إلى حيث أتوا. يصف القديس اغناطيوس المتوشح بالله محاربي المناولة المعاصرين في رسالته إلى الإزميريين إذ يوصيهم: “اعتبروا مَن يحمل فكرة مخالفة لنعمة يسوع المسيح التي حلّت علينا مضاداً لفكر الله… يبتعد عن الصلاة وسرّ الشكر حتى لا يقرّ بأن سر الشكر هو جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألّم من أجل خطايانا والذي اقامه الله بصلاحه. أولئك الذين يرفضون عطية الله يموتون في مجادلاتهم” (2:6-1:7). هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم.ـ

الكورونا وبرج بابل

الأب أنطوان ملكي

تبدأ الكنيسة الأرثوذكسية الأسبوعَ الرابع من الصوم بالسجود للصليب المقدس، وهي بذلك تشدد على أن الصليب في وسط الأرض كما هو في وسط الصوم. في صلاة المساء من يوم الخميس في هذا الأسبوع، بعد أن ترتل الكنيسة “إذ قد استحقينا أن نشاهد صليبك المقدس ونصافحه بفرح”، تقرأ قصة برج بابل من كتاب التكوين (1:10-9).ـ

في هذه القصة، نتعلّم كيف انتشر الجنس البشري على وجه الأرض. لأن البشر، في كبريائهم، رغبوا ببناء برج طويل يصل إلى السماء، لكن الله بلبل ألسنتهم. إن هذه الرواية هي نقطة تحول عظيم في تاريخ البشر الذين بعد الطوفان مالوا عن الله وسعوا إلى تمجيد جهودهم الخاصة، متناسين السلام الداخلي الذي منحهم إياه الله بعد الطوفان. لهذا يفهم المسيحي أن تنوّع لغات البشر هو رحمة كبيرة من الله، إذ منعهم من التكاتف معًا من أجل الشر، وعلّمهم التواضع. من هنا أن ارتفاع الصليب بدلاً من البرج هو لتذكير الإنسان بأن علاج الطرد من الجنة هو بهذا الصليب، وليس بأي أمر آخر.ـ

العديد من آباء الكنيسة حكوا عن برج بابل منذ القديس أفرام السرياني إلى اليوم. القديس يوحنا الروماني[1] الراقد حديثاً في 1960، يحدّثنا بكلام نفهمه جيداً لأنه من عصرنا. للقديس رسالة بعنوان “برج بابل اليوم” من كتاب سيرته يقول فيها:ـ

“بعد الطوفان ابتعد الناس مجدداً عن الله، ولأنهم ابتعدوا صاروا مجدداً يتوقّعون طوفاناً. لهذا قرروا بناء برج بابل أو القلعة البابلية. وقد شاؤوا أن يبنوها أعلى من الغمام حتى لا تعود المياه مصدر تهديد لهم. وبسبب هذه العتاهة بعثر الله ألسنتهم وما عادوا قادرين على إتمامه.ـ

الناس في هذا العصر ليسوا أفضل من ناس ذاك الزمان. اليوم، الجميع يعرفون أنهم ابتعدوا عن الله، وهم يتوقّعون عقاباً من السماء. ولكنهم بدلاً من اختيار فلك الخلاص، أي الكنيسة، بالإيمان القويم والتوبة، وبدلاً من السعي إلى الله، هم متسمّمون بالحضارة يبنون من جديد برجاً لأنفسهم كما في بابل قديماً. إن ’برج بابل’ زماننا ليس بناءً من حجر وقرميد، بل هو السباق المحموم إلى الاختراعات.ـ

يقول الناس أن اختراع السيارات والأسلحة جعل حياة الإنسان أكثر سهولةً وضَمِن أمانها، أي حفظه. ولكن كم هو خاطئ هذا الرأي! في النهاية، واضح جداً أن على قَدْر تحديث العالم وزيادة الاختراعات ازداد الشر وصارت حياة الإنسان أكثر مرارة ومحفوفة بالمخاطر. لم يكن الناس يوماً ملتاعين من القلق واليأس كما في أيامنا، عندما ازدادت الحضارة.ـ

وكما ترون، إن هذه الحضارة الزائدة بأزيائها الجديدة، علّمت الناس بأن يتجولوا عراة، أي أنها قضَت على الحياء فيهم. لقد علّمت الناس أن يكفّوا عن البحث عن الله أي أنها أخمدت الإيمان المقدس. لقد علّمت الجكام أن يخدعوا الشعب بِمَكر، وأن يستعبدوهم بشكل أكثر لا إنسانية من أيام فراعنة مصر. بتعبير آخر، إن العطش إلى الحضارة قمع الحقيقة وحرية الناس. إن الحضارة الكاذبة علّمت الناس كيف يخترعون، أي اختلقت الأسلحة الأكثر رعباً لمسح الناس وبالتالي أطاحت بالمحبة خارجاً من العالم.ـ

العلم الحديث أتاح للإنسان أن يطير في الهواء ويسافر على الماء في قلاع عائمة. العلم أعطى الإنسان جناحي طير ورِجلين من حديد لكي يندفع على طريق الباطل ولكنه سدّ عليه طريق الصلاة. لقد بنى العلم الحديث أبنية عملاقة على طريق الكنيسة فيما عبّد بالأسفلت طريق المعصية ورشّها بالزهور. بفضل سرعة السيارات قصرَت المسافات بين البلدان وتقاربت آذان الناس بالهواتف والراديو. الفنون الحديثة دللت الأجساد وقرّبتها لكنها أبعدت الله عن القلوب. العقل تقدّم لكن القلب بَرَد. العلوم أخصبَت لكن الإيمان يعاني الخسران. حضارة اليوم قصّرَت ثياب الناس وقصّت ذقونهم وشعرهم ومن ثم مَحَت الأديار عن وجه الأرض.ـ

وهكذا باختصار، هذا الخطر أي الحضارة أو التقدم، لا يترك لكل المولودين على الأرض ما يتباهون به: كما لم يكن من قبل أبداً، هذه الحضارة غمرت الأرض بالدموع، وسّعت المقابر في الحروب بشكل مرعب، فرشت الأفق بدخان المحركات، وملأت السماء بطيور عملاقة ذوات مناقير معدنية، جاهزة لتبخير العالم. ولكي تكسب وقتاً لإنجاز “برج بابل”، أي الاختراعات العلمية، فإن مقاولي البلدان المسمّنة يدعون دائماً إلى مؤتمرات سلام. لكن الله، إذ رأى حنكتهم، شوّش عقولهم كما شوّش الألسنة البابلية، فلن يكونوا قادرين بعد الآن على فهم بعضهم البعض”[2].ـ

بحسب نظرة القديس يوحنا الروماني، كل اختراع يزيد برج بابل ارتفاعاً. رقد القديس قبل أن يصل العالم إلى الدور العليا من البرج. لم يتسنَّ له أن يقرأ عن حرب النجوم، الاستنساخ، الرجال الآليين، أشباه الناس (humanoids)، الهندسة الجينية، البشرية المعززة (Augmented Humanity)، وهب الأعضاء، والأنثروبولوجيا الرقمية (digital anthropology). رحل قبل أن يأتي التواصل الاجتماعي وحتى قبل الإنترنت ولم يرَ الناس يتباهون بأنهم جعلوا العالم قرية صغيرة تشدّها الألياف الضوئية كما تغطيها شبكة طيران تصل إلى كل مكان.ـ

لم يعِش قديسنا أيضاً ليتعرّف على الكورونا. على تلك الجرثومة التي عطّلت شركات الطيران وأعادت القرية الصغيرة دولاً تغلق حدودها على بعضها، حتى أن بعضها يتخلى عن أبنائه ولا يسمح لهم بالعودة إليه. مجتمعات تضطر إلى اختيار مَن يموت. اقتصادات الدول تهتز، وشركات ضخمة وعالمية تصرِف موظفيها. برج بابل مهدد لأن الذين بنوه يتبادلون التهم والتشكيك في مَن هو الذي أنتج الجرثومة. الطب الذي تنطّح بأنه صار قريباً من تركيب إنسان جديد، يقف مشتتاً أمام جرثومة صغيرة. كمية المعلومات التي ترد يصعب حصرها خاصة مع الكم الكبير من التناقضات التي فيها.ـ

برج بابل مهدد لأن اللغة الواحدة التي سعت إليها البشرية في العلوم ليست لغة الله، بل لغة العقل والمنطق والبحث والمنهجيات والنفعية والتجارة. أُلِّه العقل وأُلِّه العلم وأُلِّه الإنسان إلا الإله الحقيقي بات مُبعَداً، منسياً أو مستغلّاً. برج بابل قد لا توقعه الكورونا، لكنها تدعو العالم ليعيد النظر بأولوياته وحججه ومشاريعه. إنها مرحلة. ونحن واثقون أن في النهاية الله يقوم ويحكم في الأرض لأنه يملك جميع الأمم.ـ

[1] القديس من رومانيا مولود 1913 بدأ حياته الرهبانية في دير نيمتس في رومانيا ثم انتقل إلى دير القديس جاورجيوس الخوزيبي في فلسطين حيث بقي إلى حين رقد في 1960. كان راهباً صارماً وأباً روحياً منّ الله عليه بعدة فضائل. علم مسبقاً بموعد رحيله. في 1980 كُشف قبره فوُجِد جسده غير متحلل. في 1992 أعلنت الكنيسة الرومانية قداسته. له قصائد ورسائل عديدة.ـ

[2] Orthodox Life, Vol. 34, No. 5 (September-October 1984), pages 16-30. Translated from the Romanian by Borislav P. Svrakov.

النأي بالنفس: إلى أين؟

الأب أنطوان ملكي

في ٢٠٠٥، نأت أنطاكية بنفسها عن خلع البطريرك ايرينايوس وكانت واحدة من اربع كنائس لم تسر مع التوافق الروسي القسطنطيني على الخلع، خاصة أن السبب الوارد كان بيع الأراضي وكأن إيرينايوس كان أول البطاركة البائعين أو آخرهم. موقف أنطاكية كان واضحاً بأننا لا نتدخل في الكنائس الأخرى خاصة لسبب غير عقائدي

لماذا توافق في حينه الروس والفنار؟ الفنار كان محركاً كالعادة من معلميه في وزارة الخارجية الأميركية. وكما العادة تكفلت وزارة الخارجية اليونانية بجلب الكراسي اليونانية الأخرى. أما الروس فلماذا وافقوا؟ لأن في ٢٠٠٥ كانت الكنيسة الروسية خارج روسيا لم تتحد بعد مع الكنيسة الأم أي بطريركية موسكو وكان في تصرفها كل المؤسسات الروسية في فلسطين من أديار ومضافات. والأهم أنها كانت ترفع رئاسة ايرينايوس الذي احتضنها. هذه المؤسسات لا تخدم الحجاج الروس وحسب بل لديها أيضاً اليهود الروس. وهم مجموعة تقدر بثلاثمئة الف من الروس الذين جلبتهم الجمعيات الروسية إلى فلسطين على أنهم يهود. لكنهم بعد وصولهم رفضوا أن تكون اكاليلهم إلا في الكنيسة وألا يعمدوا اطفالهم، وعند انضمامهم إلى الجيش رفضوا قسم اليمين على التوراة فقط بل طلبوا العهد الجديد أيضاً.

ما معنى وجودهم؟ إنهم رعية بهذا الحجم ويرعاهم بطريرك غير متمسك بيونانيته ومنفتح على العرب حتى أنه فتح لهم مدرسة الصليب المقدس، هذا أثار حمية اليونان والقبارصة الذين رأوا في ايرينايوس خطراً على عملهم. بالمقابل، الروس الذين كان يتضاعف عدد حجاجهم لم يستسيغوا أن يكون حجاجهم في يد آخرين، فانخرطوا في العملية ممنين النفس بأن يأتي بطريرك منفتح عليهم. لما عادت الوحدة الروسية مع عودة روكور إلى الكنيسة الأم، تغيرت التوجهات الروسية، وجاء تبادل المصالح بين فلاديمير بوتين وإسرائيل، كما الاضطهاد الأميركي غير المباشر عبر تبني القدس عاصمة لإسرائيل ومن بعده صفقة القرن التي تنتزع الكثير من الممتلكات من يد الكنيسة، لتنقل كنيسة أورشليم إلى معسكر الروس

قد يكون الكلام أعلاه مقلقاً الكثيرين ممَن لم تسبق لهم هذه القراءة. لذا لا بد من طرح السؤال التالي: متى كانت الكنيسة متحررة من التأثيرات السياسية؟ الجواب هو لم تكن يوماً كذلك. إنما الفرق أن رجال الكنيسة لم يكونوا خاضعين للسياسيين كما هم اليوم، فكانوا يسمون الأمور بأسمائها عندما تتعلق بالإيمان، والأمثلة كثيرة من القديس مرقس أسقف أفسس إلى دوسيثاوس بطريرك أورشليم، وصولاً إلى خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان

الكثير من الأزمات التي تواجه الكنيسة الأرثوذكسية اليوم ذات أصول سياسية لكن الرئاسات بدل أن تبقيها خارجها تجتذبها إلى الداخل فتصير الأزمة كنسية. طبعاً لا يتساوى الجميع بالأدوار، فالدور الذي يلعبه بطريرك القسطنطينية برثلماوس الأول غير مسبوق، حتى في عزّ ايام تناغم البطاركة والأباطرة البيزنطيين أو البطاركة والسلاطين العثمانيين. فهو اليوم يتكئ على السياسة الخارجية الأميركية مطبّقاً عليهم وعلى نفسه صفة المسكونية بمعناها الجغرافي الوضعي. كنسياً، تكمن أزمة أوكرانيا وتلوح أزمة الجبل الأسود ومكدونيا في ادعاء البابوية عند البطريرك المسكوني

بالنسبة لنا الأرثوذكس العرب، في كنيستَي أنطاكية والقدس، فعندنا أزمة قطر، التي هي سياسية بامتياز، صممها وأخرجها ونفذها الأميركيون مستعملين ثيوفيلوس بطريرك القدس الذي هو أصلاً صنيعتهم. أنطاكية ابتلعت الطعم وأعلنت قطع الشركة التي صفق لها كل الشياطين وكل المتعاونين معهم. أين حل قضية قطر؟ مَن يحكم في صحة ادعاءات القدس أو أنطاكية؟ لا حلّ لقضية قطر إلا بمجمع مسكوني، فهل يجوز أن تستمر الشركة مقطوعة إلى حينه؟ وماذا لو تدخلت السياسة مجدداً في المجمع المسكوني وحكم بأن لأورشليم الحق في ما عملته، فهل تقاطع أنطاكية كل الكنائس؟

نأت أنطاكية بنفسها مرة جديدة عن لقاء عمان، الذي انعقد أصلاً في عمان لكي تحضر أنطاكية. بغيابها خسرت فرصة المطالبة بصوت عالٍ بالعمل على جلاء غياب المطران بولس، كما خسرت فرصة التقارب مع الأورشليميين بشكل قد يفتح كوة للحوار الثنائي والتوصل إلى صيغة تعيد الشركة. إلى هذا، فوتت أنطاكية الفرصة على تسجيل شهادة للحق في الكنيسة. صحيح أن الاجتماع لم يقل لبرثلماوس الأول أنه لا يحق له أن يدّعي البابوية لكن مجرد انعقاد اللقاء يعني هذا الكلام. وأكبر الخسارات الأنطاكية هي أنها وسّعت عزلتها وصارت خارج المعسكرَين. أن يقرر المجتمعون الاجتماع المقبل في القدس، يعني أنهم لن ينتظروا أنطاكية. وبالمقابل، المعسكر الأول أصلاً لم يحسب لها حساباً ولهذا قاطعت لقاء كريت

قد لا يوافق كثيرون على هذا الكلام. لكن هناك خوف عبّر عنه العديد ممن كتبوا. قد تختلف الصور بحسب الزوايا لكن لا أحد ينكر الخطر. قد يرى البعض أن النأي بالنفس أبعد بعض الأخطار، لكن هذا النأي المتكرر يزيد من وضعية العزلة. في القرن الحادي والعشرين، ليس سهلاً التعاطي الجماعي مع العزلة، خاصةً لجماعة بحجم أنطاكية وواقعها. فما بين التقلقل السياسي في شرق المتوسط، وتيارات الإسلام، وتماهي الكثلكة والبروتستانتية مع أجندات الدول التي وراءهما، قد تجد أنطاكية نفسها وحيدة بدفاعات محدودة، ما يجعل هامش الخيارات ضيقاً. وهنا الخطر

لماذا يترك المؤمنون الكنيسة

الأب أنطوان ملكي

وقعتُ على موضوع كتبه الكاهن الكاثوليكي بيل باكمان عنوانه “لماذا يترك الكاثوليك الإيمان؟” وقد شاركه أحد الإكليريكيين الأرثوذكس على صفحته على فايسبوك. وقد وجدتُ في هذه العجالة، التي يكتبها صاحبها بصدق وبعين ثاقبة شجاعةً يفتقدها كل المسيحيين بمختلف طوائفهم

يذكر الكاهن بيل أنه في الكهنوت منذ اثنين وعشرين سنة وأنه قرأ عدداً مؤخراً غير قليل من المقالات حول سبب ترك الأجيال الثلاثة الأخيرة للإيمان الكاثوليكي بشكل جماعي. لذا أراد أن يشارك نظريته الخاصة بناءً على تجاربه الخاصة وما رآه وقرأه من الآخرين، خاصةً وأنه ينتمي لأحد هذه الأجيال. ويذكر في البداية أنه لفترة ما في شبابه انتقل إلى اللاأدرية لكنه عاد إلى الإيمان

يستعمل الكاتب عبارة “الجناية” ليصف بعض الأعمال التي قامت بها الكثلكة وأدّت إلى طفرة هذه الأجيال من الكنيسة. ما يلي هو تسلسل هذه الجنايات بشكل مختصر

الجناية الأولى هي تناسي أن الله أسمى من البشر. ويستعمل عبارة ترويض الله بجعله على صورة الناس. يقول الكاتب “حولناه إلى معالِج لطيف وغير فعال مهمته الرئيسية هي تمكين سلوكياتنا والتربيت على ظهرنا لتمردنا عليه” وبذلك لم يعد هناك حاجة للتركيز على الله

من نتائج هذه الجناية اختفاء مفهوم الخطيئة الشخصية وحلول مفهوم الخطيئة الاجتماعية أو المُجْتَمَعِيّة مكانها. هذا ما أدّى إلى التخلّي عن الاعتراف الشخصي واستبداله بالاهتمام بالعدالة الاجتماعية. وبعد أن تمّ تجاوز الله والخطيئة تم ترويض الشيطان وكل ما كان يُعتبر شيطانياً. ولم يعد هناك حاجة للخوف من الشيطان الذي صار شبيهاً بالكرنفال. الاستغناء عن الله والشيطان أدى إلى التخلي عن الأم المباركة والقديسين والمسبحة وكل مقومات الحياة التخشعية ما استتبع سقوط الإحساس بما هو شيطاني وكل الطقوس التي كانت لمحاربته

هذا معناه أن الحرب الروحية أسقِطَت وحلّ مكانها الدعوة إلى اللطف. بهذا خسر المؤمنون سلاحهم ومقاومتهم، ما أدى إلى تجريد الليتورجيا والتربية من كل ما هو متسامٍ فيهما. التركيز في القداس لم يعد على الله بل على البشر، فصار الصلاة لتبرير الذات لا لعبادة الله. يتوقف الكاتب عند تعدد الاختبارات التي أجريت على القداس وعلى التغيرات التي خضع لها والانتقال من التعليم الإيماني إلى الأخلاقيات وكثافة الغناء، وهذه كلها تمّت لجذب الناس لكنها أبعدتهم

الأمر نفسه صار في التربية حيث لم يعد هناك تعليم عن ما هو متسامٍ، وصارت الهوية الدينية مضرة بالتربية. لم يعد موضوع التربية أن المؤمنين هم شعب الله وما ينتظر منهم، بل توقف التعليم عند الأخلاقيات العمومية. حتى الأخلاقيات صارت موضوعية، فصار تحديد النسل مسموحاً، والمساكنة مقبولة، والتعاطي مع الأجساد جسدانياً، حتى صار ممكناً اعتبار الدين مجرد شعور بالراحة

كنتيجة لهذا التغير صارت الديانات الشرقية ونسكها هواية الكهنة الكاثوليك والرهبان والسبب أن القلب البشري بحاجة لشعور بالسمو، ليس موجوداً في الكثلكة، ولهذا صار الناس يعتبرون أنفسهم روحيين ولكن غير دينيين. وهذا انتقل من جيل إلى الذي بعده والذين تربوا عليه صاروا آباء أنفسهم. هؤلاء ربّوا أبناءهم على أن السعادة مكفولة من الله من دون حاجة لبذل الجهد، وبالتالي يمكن التركيز على السعادة في العالم. هذا استبدل السعادة الأبدية بالسعادة البائدة

يتطرق الكاهن بيل إلى التربية الكاثوليكية في المدارس كما في البيوت، فيرى أن السعي إلى الثروة واللذة والسلطة والشرف صارت نقاط التركيز، وصارت تُعطى التكريس الذي كان سابقاً لله. بدل العبادة صار الأهل يختارون الرياضة والرقص والرفاهية. لم تعد الهوية الكاثوليكية مهمة لا في المدارس ولا في الرعايا. في التعليم تساوى الدين مع الأخلاق وكلاهما خاضعَين للرغبة الشخصية

خسارة العلاقة مع السامي أدّت إلى خسارة الصِلة التي تظهر في النقص بعدد الكهنة. الفضائح الجنسية ليست المرض بل أحد عوارضه وهي أصلاً تنمو حيث لا سمو، ويتساءل كيف يكون المتحرش أو من يغطيه مؤمناً

في النهاية يرى أن هناك واقع يجب أن يتغيّر وأن يظهر هذا التغيير في القداديس والعائلات والرعايا والمدارس. والتغيير يجب أن يقوم على تذكّر الله وما يريده من الكنيسة. وهذا لا يتمّ إلا باسترجاع هذا الحس بسمو الله

ما أهمية هذا المقال؟ هذا الوضع ينطبق على الأرثوذكس إلى حد كبير. في الكثير من اليوميات بتنا نفتقد إلى الله في عليائه. افترضنا أننا إذا أنزلناه نجعله أكثر قرباً من الناس، وبهذا تصرفنا عنه. وكأنه بحاجة إلى مَن يقرّبه أو يحدد له موقعه. نسينا أنه يكفي أن نسير معه وهو يقودنا، إذ افترضنا أننا نقوده. كثيرون منا، وخاصةً ممن هم في مواقع قيادية على كافة المستويات، باتوا لا يميّزون بين مصلحتهم ومصلحة الله. الكاهن بيل يحكي عن تدجين الله عند جماعته، ونحن في جماعتنا كثيرون يستغلّون الله. كل هذا وللناس أعين وللإعلام أعين وآذان

نحن بحاجة إلى التغيّر. إنه جزء من مسعانا. نحن لا نجمد. نحن نتقدم من التطهر إلى الاستنارة إلى التمجيد. لطالما آمن آباؤنا بأن هذا الطريق خطّي، بالرغم من تعرجاته، لكننا اليوم بتنا نتعامل مع كل شيء على أنه دائري، خاصة الخطيئة والتوبة، صرنا نراهما في دورة، ولهذا ندور في مكاننا كأفراد وجماعة

التغيير يجب أن يقوم على تذكّر الله وما يريده من الكنيسة، وأن يظهر في الليتورجيا والعائلات والرعايا. إلى الرب نطلب

الرعاية – 2

القديس غريغوريوس الكبير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

كتاب الرعاية (المعروف باللاتينيةLiber Regulae Pastoralis ) هو أحد أعمال القديس غريغوريوس الكبير الأكثر شهرة. الكتاب عبارة عن رسالة تضمّ عرضاً من أربعة أجزاء يقدم فيها إرشادات جوهرية للكهنة والأساقفة حول كيفية رعاية كنائسهم إنجيلياً وبحكمة وكيفية تدبير حياتهم أخلاقياً. في هذه الرسالة يقدم القديس غريغوريوس رأيه حول مؤهلات الراعي الجيد ومواقفه وخياراته وأنشطته، إذ بحسب تعبيره ، الكهنة هم “أطباء القلب”ـ

الفصل الخامس

حول أن الذين في موقع السلطة العليا يمكن أن يستفيد الآخرون بمثال فضائلهم، لكنهم يفرّون منها من أجل سلامهم

يوجد موهوبون بدرجة عالية من الفضائل ويُعظّمون بمواهب عظيمة لتدريب الآخرين؛ رجال لم تتلطخ غيرتهم للعفة، أقوياء في عفّتهم، مفعَمون بمواسم المعرفة، متواضعون في صبرهم الطويل المعاناة، منتصبون في ثبات السلطة، متلطّفون في نعمة السماحة المُحِبّة، صارمون وغير منثنين في العدل. في الواقع، عندما يرفضون حمل السلطة العليا عندما يُدعَون إلى ذلك، يحرمون أنفسهم، في غالبية الحالات، من المواهب التي تلقّوها لا من أجلهم فقط بل ومن أجل الآخرين أيضًا

عندما يهتم هؤلاء بمصلحتهم الشخصية، وليس بمصلحة الآخرين، فإنهم يفقدون هذه المزايا إذا ما رغبوا بالاحتفاظ بها لأنفسهم. ولهذا قال الحقّ لتلاميذه: “لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل. وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ” (متى 14:5-15). ولهذا السبب قال لبطرس: “يا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟” وعندما أجاب بطرس مباشرة بأنه يحبه قال له: “ارْعَ غَنَمِي”. إذا كانت الرعاية شهادة على المحبة، فإن صاحب فيض الفضائل إذا رفض إطعام قطيع الله، يُدان بفقدان محبة الراعي العُلوي. لذلك ، يقول بولس: “إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ.” (2كورنثوس 14:5). وهكذا يقول موسى أن الأخ الباقي يجب أن يأخذ زوجة شقيقه الذي مات بدون أطفال، وأن يربّى الأطفال باسم أخيه؛ “فَإِنْ أَصَرَّ وَقَالَ: لاَ أَرْضَى أَنْ أَتَّخِذَهَا. تَتَقَدَّمُ امْرَأَةُ أَخِيهِ إِلَيْهِ أَمَامَ أَعْيُنِ الشُّيُوخِ، وَتَخْلَعُ نَعْلَهُ مِنْ رِجْلِهِ، وَتَبْصُقُ فِي وَجْهِهِ، وَتُصَرِّحُ وَتَقُولُ: هكَذَا يُفْعَلُ بِالرَّجُلِ الَّذِي لاَ يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ. فَيُدْعَى اسْمُهُ فِي إِسْرَائِيلَ «بَيْتَ مَخْلُوعِ النَّعْلِ»” (تثنية 8:25-10)

الآن، الأخ المتوفى هو الذي قال بعد مجد القيامة: “اذهب قل لإخوتي” (متى 10:28)؛ لأنه مات بدون أبناء ولم يملأ بعد عدد المختارين. مطلوب من الأخ الباقي أن يأخذ الإمرأة لأن من الأفضل أن يُسنَد الاهتمام بالكنيسة المقدسة إلى ذاك القادر على قيادتها أيضاً. إذا أثبت عدم رغبته، فالمرأة تبصق في وجهه، لأن كل مَن لا يهتمّ بعون الآخرين بالمواهب التي تسلّمها، فهو مستهجَن من الكنيسة أيضاً لما عنده من حسنات، وكما هو مذكور، فهي تبصق في وجهه وتخلع نعله من رِجل واحدة، حتى يُدعى بيته بيت مخلوع النعل، لأنه مكتوب “… حَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ” (أفسس 15:6)

إذن، إذا كنا نحرص على إخوتنا وعلى أنفسنا، فإننا نحمي كل قدم بحذاء. لكن الرجل الذي يفكّر فقط بمصلحته، متجاهلاً مصلحة إخوته، ويخسر الحذاء بعار ، كما من قدم واحدة

وهناك الذين مُنِحوا مواهب عظيمة، كما ذكرنا، في حرصهم على السعي إلى التأمّل فقط، يرفضون أن يكونوا في خدمة الإخوة بالوعظ؛ إنهم يحبون الانسحاب بهدوء راغبين في أن يكونوا وحدهم للتأمل. إذا حُكم عليهم من خلال سلوكهم بشكل صارم، فهم بالتأكيد مذنبون بما يتناسب مع الخدمة العامة التي كانوا قادرين على تحملها. في الواقع، ما هو الموقف الفكري الذي يتكشّف في مَن باستطاعته أن يؤدي خيراً عاماً واضحًا في قيامه بمهمته، ولكنه يفضل خصوصيته على منفعة الآخرين، مع أنه يرى الابن الوحيد للآب العلوي قد جاء من حضن أبيه إلى وسطنا لكي ينفع الكثيرين؟

الفصل السادس

الرجال الذين يفرّون من عبء الرئاسة تواضعاً، يكونون متواضعين حقًا عندما لا يقاومون الأحكام الإلهية

هناك بعض الذين يهربون من هذا العبء بسبب التواضع فقط: إنهم لا يرغبون في أن يكونوا مفضَّلين على الذين يعتقدون أنهم أقل شأناً منهم. إن تواضعهم أصيل حقًا في نظر الله، شريطة أن يكون مصحوبًا بالفضائل الأخرى وألا يكونوا عنيدين في رفض تولّي ما هو مطلوب القيام به بشكل نافع. لأن الذي يفهم أن حكم الإرادة العليا له هي أن يتسلّم القيادة ومع هذا يرفض فهو ليس متواضعاً حقاً. لكن عندما يُفرَض عليه القضاء الأعلى وطالما أنه منعَم عليه بهذه المواهب التي بها ينفع الآخرين، عليه نزولاً عند رغبة الله ومن دون علة المكابرة، أن يهرب منها في قلبه ويطيع بالرغم من أن الطاعة هي على عكس ميله

الفصل السابع

كما يحدث، فإن بعض الرجال الجديرين بالثناء يرغبون بمهمة الوعظ، وآخرون ممن هم على نفس القدْر يُدفَعون إليها مكرَهين

في بعض الأحيان، على الرغم من ذلك، هناك مَن يرغب بشكل جدير بالثناء بمهمة الوعظ، في حين أن آخرين لا يقلون عنه مقاماً يُدفعون إليه بالإكراه. نرى هذا بوضوح عندما ننظر إلى حالة اثنين من الأنبياء، أحدهما قدّم نفسه تلقائيًا لمهمة الدعوة، بينما الآخر عارض خوفاً. على سبيل المثال، عندما سأل الرب من يجب أن يرسل، قدّم أشعياء نفسه من تلقاء ذاته، قائلاً: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي» إرمياء، من ناحية أخرى، أُرسِل لكنه كان متردداً بتواضع في أن يكون مُلزماً بالذهاب، قائلا: «آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ»ـ

لاحظوا كيف أعطى هذان الشخصان كلامًا مختلفًا خارجيًا، مع أنه لم يخرج من نبعَين متعاكسين من المحبة. فهناك مبدأان للمحبة، أحدهما مبني على محبة الله، والآخر على محبة الأخ. فإشعياء، إذ رغب بالحياة الفعّالة في مهمة الوعظ، تحرّك برغبته في أن ينفع إخوته. أما إرمياء، فكان يتشوّق بغيرة إلى محبة خالقه، لكن في الحياة التأملية. فاعترض على إرساله. إذاً ما رغب به الأول مشكوراً انكمش عنه الآخر محموداً. الأول خاف أنه بالتعليم قد يخسر منفعة التأمل الهادئ؛ الآخر خشي أنه من دون التعليم قد يتأذّى بغياب العمل الشاق

الآن، علينا أن نتأمّل بتأنٍّ في هذا في كلتا الحالتين: إن الذي احتج لم يقاوم كلياً، والذي رغب في أن يكون مرسَلاً، رأى نفسه متطهراً توقّعاً بجمرة من المذبح (أنظر أشعياء 6:6). مَن لم يتطهّر لا ينبغي أن يجرؤ على القيام بالخدم المقدسة؛ والذي تطهّر بنعم سماوية، عليه ألا يقاوم بفخر تحت ستار التواضع

بما أنه من الصعب للغاية إدراك أن الشخص قد تطهّر، فمن الأسلم رفض مهمة الوعظ، ومع ذلك، كما قلنا، قد لا تُرفَض عن قصد عند إدراك أن وجوب القيام بها هو من الإرادة السماوية. لقد تمم موسى كلا الالتزامين بشكل مثير للإعجاب، فهو قد أطاع رغم عدم رغبته في قبول مشيئة الجمهور الكبير العليا. فهو ربما كان ليفتخر إن تولّى قيادة عدد لا يحصى من الناس دون خوف، ومن جديد، كان ليفتخر، لو أنه رفض إطاعة أمر الخالق. لكنه في الحالتين كان متواضعاً وفي الحالتين مطيعاً، سواء في عدم إرادته أن يتقدم على الشعب عندما نظر إلى نفسه فقط، وعندما وافق متكلاً على قوة الذي أمره

إذاً، من هذه الأمثلة، فليفهم المندفعون كم يكون ذنبهم عظيماً إذا كانوا محرّكين برغبات ذاتية ولا يحجِمون عن التقدم على الآخرين، وإذ يرون أن الرجال القديسين يخشون أن يقبلوا قيادة الشعب حين يأمر الرب بذلك. موسى ارتعد مع أن الرب أصر عليه ليتقدّم؛ ومع هذا فإن رجلاً ضعيفاً يسعى إلى عبء هذه المسؤولية، ووارد جداً أنه يسقط تحت هذا العبء، مستعد أن يكون مغموراً بوضع كتفيه تحت أحمال الآخرين! إنه يعجز عن حمل أعماله، فيما هو يزيد من العبء الذي يحمله

الفصل الثامن

في ما يختصّ بالذين يطلبون الأوليّة ويستنسبون قول الرسول لخدمة طمعهم

الآن، وكما يحدث دائماً، إن الذين يسعون إلى الأوليّة يطلبون الدعم لطمعهم، فيستغلّون قول الرسول: “إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ، فَيَشْتَهِي عَمَلاً صَالِحًا” (1تيموثايوس 3:1). ولكن، فيما يمدح هذا الابتغاء، للحين يحصر مديحه بإضافة سبب للنظر شزراً مضيفاً: “يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ” (2:1). وإذ يتابع معدداً الفضائل الضرورية، يشرح معنى “بلا لوم”. لذا هو يقبَل الرغبة لكنه يحذّر هؤلاء الأشخاص بهذه القاعدة وكأنه يقول: “إنني أثني على ما تطلبون، لكن تعرّفوا أولاً على ما تطلبون، خشية أن بتجاهلكم تأخذون الأمور على قياس لياقتكم، فتصبحون أكثر استحقاقاً للوم والإهانة، في كونكم تسرعون لأن تظهروا للجميع على قمة الشرف”

المعلم الكبير في فن القيادة يحث تابعيه بالموافقة على رغبتهم، لكنه يردعهم بالخوف، حتى يلجم مَن يسمعه عن الفخر، وبالثناء على المهمة المنشودة يؤهلهم لشكل الحياة المطلوب. مع هذا، علينا أن نلاحظ أن هذا قد قيل في وقت كان فيه المتقدم على الشعب، كائناً مَن كان، هو الأول في أخذه إلى تعذيبات الشهادة. إذاً، كان السعي إلى الأسقفية جديراً بالثناء من حيث أن الحاصل على القيادة كان بلا شك تنتظره أقسى العذابات. لهذا السبب، مهمة الأسقف توصَف بأنها عمل صالح عندما يُقال: مَن يشتهي الأسقفية يشتهِ عملاً صالحاً. بالمقابل فإن الرجل يشهد ضد نفسه إذا كان يشتهي مركز الأسقف، اي مجد ذلك الشرف، وليس خدمة العمل الصالح. فالرجل لا يفشل كلياً في محبة المركز وحسب، بل هو يكون جاهلاً له إذا كان يشتهي المركز الأعلى ويفرح لخضوع الآخرين في ثنايا افكاره، ويفرح لسماع المديح ويحس أن قلبه يموج من الشرف ويسعد في سعة رغده. إذاً، ما يسعى إليه هو الربح العالمي تحت غطاء ذاك النوع من الشرف، بينما الكسب العالمي ينبغي أن يكون قد أتلِف وعندما يفتكر العقل في أن يلتقط أعلى حالات التواضع لكي يقوّم كبرياءه، فهو يغيّر الطبيعة الداخلية لما كان مشتهىً خارجياً

الفصل التاسع

إن فكر الذين يسعون إلى التقدّم، بالغالب سوف يغري ذاته بمواعيد خيالية بإتمام أعمال حسنة

بالإجمال، إن الذين يبتغون السلطة الرعائية يقدّمون لذواتهم بعض العمل الحسن أيضاً، ومع أن لديهم هذه الرغبات بتحريك من الكبرياء، إلا أنهم يشغلون أنفسهم بفكر أنهم سوف يقومون بأعمال عظيمة. لكن المحرّك المخبّأ في الداخل هو شيء وما يجري على سطح فكرهم الواعي هو شيء آخر. هذا لأن الفكر غالباً ما يكذب على نفسه في ما يختص بنفسه، ويجعل نفسه يؤمن بأنه يحب العمل الحَسَن فيما هو فعلياً لا يحبه، وبأنه لا يتمنى المجد الدنيوي فيما هو بالواقع يتمناه. إن التشوق إلى مركز القيادة يثير الخوف أثناء السعي إليه لكنه يتحوّل طيشاً بعد الحصول عليه

في السعي إلى المركز، يكون العقل في ارتياعٍ من أنه لن يحصل عليه، لكن عندما يصل المركز فجأة، يفتكر العقل أن ما تحقق هو حق. فمن ثمّ، عندما يبدأ العقل بالتمتع، بطريقة دنيوية، بمركز الحظوة الذي حصل عليه، فهو ينسى بسهولة كل الأفكار الروحية التي كانت لديه قبلاً. وعندما يبدأ الفكر بالانحراف بشكل غير منتظم، ينبغي توجيهه بدقة للعودة إلى نشاطاته السابقة؛ وإذا تفكرّ الانسان بما عمله حين كان خاضعاً للسلطة فهو، كمتقدّم، يعرف مباشرة ما إذا كان يستطيع أن يعمل ما اقترح عمله، لأن الانسان عاجز إلى حد ما عن تعلّم التواضع فيما هو في موقع الوجاهة، إن لم يكن قد امتنع عن التصرف بكبرياء عندما كان في موضع الخضوع. إنه لا يعرف كيف يهرب من المديح عندما يفيض، إذا كان قد صبا إليه حين لم يكن يُمتَدَح. هو على الأكيد يعجز عن التغلب على طمعه عندما يتمّ تقديمه لدعم الكثيرين، إذا كانت موارده لا تكفي لدعم ذاته وحده. لهذا، فليكتشف كل واحد من حياته السابقة أي نوع من الرجال هو، إلا إذا كانت أفكاره تخدعه في تعطشه إلى الرئاسة

غالباً جداً، عندما يحصل على مركز القيادة، تفتر ممارسة الأعمال الصالحة، على الرغم من أنها قد سبق الحفاظ عليها عندما كانت الحياة غير مشوشة، إذ حتّى البحار غير المتمرس يستطيع قيادة سفينة في بحر هادئ، لكن في بحر تقحمه الأنواء حتّى البحار المتمرّس يضطرب كثيراً. وبالواقع، ما هي السلطة في موقع الرئاسة غير عاصفة في الفكر، فيما سفينة القلب في اهتزاز دائم من عواصف الأفكار، وهي مُقادَة بلا هوادة إلى الأمام وإلى الوراء، إلى أن تقف على الصخور المجابهة من خلال فيض مفاجئ من الكلمات والأعمال؟ كيف إذاً يمكن القيام بأي عمل في وسط هذه المخاطر، كيف يمكن التمسك بعمل إن لم يكن المتقدم الآتي إلى القيادة بالإلزام فائضاً بالفضيلة، والذي تنقصه الفضيلة يتراجع عن الوصول إليها حتى تحت الضغط؟ إذا تردد الأخير كلياً فلينتبه أنه لا يخفي في منديلٍ المواهب التي تلقاها، وإلا سوف يُحاكم على أنه أخفاها. إن إخفاء المواهب في المنديل هو بالطبع وضعُها في حالة من عدم الحركة. مع هذا، في حال أن أحداً يريد أن يتسلّط على الرغم من عدم ملاءمته، فلينتبه ألا يُعامَل بمثال عمله السيء، يصير كالفريسيين عثرةً للمجاهدين لأن يدخلوا الملكوت. هؤلاء، بحسب كلمات السيد “لا يدخلون ولا يتركون الآخرين يدخلون”. عليه أيضاً أن يعتبر أنه كرئيس مختار هو يتبنّى قضية الشعب لذا هو يأتي كطبيب لإنسان مريض. من ثمّ، إذا في ممارسته بقيت الآلام تصارع فيه، فبأي وقاحة هو يسرع ليشفي المصاب فيما القروح تغطي وجهه؟