الدين والعلم والتكنولوجيا: منظور أرثوذكسي

الميتروبوليت كاليستوس وير

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

حول الكتاب

الكتاب هو مقابلة أجراها مايكل وكاتينا ميخائيل في اوكسفورد، بريطانيا، في 20 تشرين الأول 2014. بعد تفريغها راجعها الميتروبوليت ووافق على صدورها في كتاب في 18 تشرين الأول 2016. الأسئلة أعدها مايكل ميخائيل وهو استاذ مشارك في قسم الكومبيوتر وتكنولوجيا المعلومات من جامعة وولونغونغ في أوستراليا وحائز على عدد من الشهادات ومن بينها اللاهوت. كاتينا هي زوجته وهي أستاذة في كلية الهندسة في الجامعة نفسها. لكل منهما، كما لهما مجتمعَين، عدد من الكتب والمقالات في عدة حقول

أ. الدين والعلم والتكنولوجيا

هل تفرّق بين عبارتي العلوم والتكنولوجيا؟ وهل هناك فرق بين العبارتين بنظرك؟

العلم، كما أفهم العبارة، هو محاولة منهجية لفحص الواقع. لذلك بهذه الطريقة، يمكنك الحصول على العديد من أنواع العلم المختلفة. وتنشغل العلوم الفيزيائية بدراسة البنية المادية للكون. العلوم الإنسانية تدرس البشر. لذا، هدف العلم، كما أفهمه، هو الحقيقة. في الواقع، المصطلح اللاتيني (scientia) يعني المعرفة. إذن، العلم هو محاولة من خلال استخدام دماغنا المفكّر لفهم العالم الذي نعيش فيه والعالم الموجود داخلنا. التكنولوجيا، كما أفسّرها، تعني تطبيق العلم بطرق عملية، وإنتاج أنواع معينة من الآلات أو الأدوات التي يمكن للناس استخدامها. لذلك، العلم يوفّر الأساس للتكنولوجيا

ماذا لدى الدين ليقوله عن مسائل العلوم والتكنولوجيا؟

أنا لا أسمّي الدين علماً رغم أن بعض الناس يفعلون ذلك، لأن الدين، ببساطة، لا يعتمد على استخدام عقولنا المفكّرة بل يعتمد أيضًا على وحي الله. لذلك يعتمد الدين عادةً على كتاب مقدس من نوع ما. إذا كنتَ مسيحيًا فهذا يعني الكتاب المقدس والعهدين القديم والجديد. إذا كنت مسلماً، فهو العهد القديم والقرآن

لذا فإن العلم على هذا النحو لا يستند إلى أي وحي خارجي، إنه تفحّص للحقائق التجريبية المعروضة علينا. لكن في حالة الدين، لا نعتمد فقط على دماغنا المنطقي، بل على ما كشفه الله لنا من خلال الكتاب المقدس، وفي حالة المسيحي الأرثوذكسي من خلال الكتاب المقدس والتقليد. التكنولوجيا شيء نود لو نحكم عليه في ضوء معتقداتنا الدينية. ليست كل الأشياء، المتاح لنا تطبيق معارفنا العلمية من خلالها، جيدة بالضرورة. التكنولوجيا في حد ذاتها لا تستطيع تزويدنا بالمعايير الأخلاقية التي نرغب في تطبيقها. إذاً الدين هو شيء يمكننا من خلاله تثمين قيمة التكنولوجيا أو غير ذلك

يمكن أن نصل إلى القول بأن العلم والدين قد يكونان في صراع؟ أو على الأقل هناك نقطة قد يصبحان غير متوافقين أحدهما مع الآخر؟

لا أؤمن أن هناك صراع جوهري بين العلم والدين. لقد أعطانا الله عقلاً مفكّراً، ووهبنا مَلَكات بها نجمع البراهين وننظّمها. لهذا، بشكل مبدئي، كل الحقائق من الله. لكن قد يكون هناك طرق محددة لاستعمال العلم قد نعتبرها خاطئة على أساس ديني. لذلك ليس هناك صراع أساسي، بل ربما هناك بالممارسة تصادم معين. يمكن أن تنشأ المشاكل عندما نحاول الإجابة عن أسئلة غير علمية بحتة بوجهة نظر الدين. يمكن أن تنشأ عندما يتخطى العلماء فحص الأدلة إلى تشكيل أحكام قيمية قد تتعارض مع الدين. أرى الصراع ينشأ، ليس من العلم كمسعي وراء الحقيقة، بل من العلموية*، وأعني بذلك الرأي القائل بأن أساليب البحث العلمي تجيب حكماً على جميع الأسئلة التي قد نود طرحها. قد تكون هناك مجالات حيث العلم لا يمكن أن يعطينا الجواب. على سبيل المثال، هل ننجو من الموت؟ هل هناك حياة مستقبلية؟ هذا بالنسبة لي سؤال ديني. ولا أعتقد أن إيماننا بالحياة المستقبلية يمكن إثباته من خلال العلم، كما لا أعتقد بإمكانية دحضه بواسطة العلم. على المنوال نفسه، إذا قلنا أن الله خلق العالم، فمن وجهة نظري هذا تعبير ديني لا يمكن إثباته أو دحضه بالعلم. لذا فالدين والعلم يسعيان إلى الحقيقة ولكن على مستويات مختلفة وبأساليب مختلفة

  • العلموية = (scientism)

هل في التقليد اليهودي-المسيحي أي مبادئ أو أمثلة تشير إلى استعمالات التكنولوجيا أو إساءة استعمالها؟

أحد أهم عناصر التقليد اليهودي-المسيحي هو احترام الشخص البشري. كمسيحيين، نحن نؤمن بأن كل شخص هو ذو قيمة لا محدودة في عيني الرب. كل شخص فريد. الله يتوقّع من كلٍّ منا شيئاً لا يتوقعه من آخر غيره. نحن لسنا تكراراً لنماذج. كل واحد منا مخلوق على صورة الله ومثاله، ونحن نحقق هذه الصورة المثال، كل على طريقته. البشر فريدون أساساً لأنهم يملكون الحرية. لهذا عندهم خيارات. وهذه الخيارات الشخصية لكل واحد تحدد أيّ نوع من الأشخاص هو. الآن، أيّ تكنولوجيا تنتقص من شخصيتنا، أو تقلل من قيمتنا كبشر، أراها خاطئة. على سبيل المثال، التدخل بعقول الناس عن طريق التجارب الطبية، أراه بوضوح عملاً صالحاً. لكن الاختبارات التي تمّ تنفيذها من مختلف الحكومات في القرن العشرين، سواء بالشيوعية أو في ألمانيا النازية، أعتبرها إساءة استعمال للتكنولوجيا لأنها لا تظهر الاحترام الملائم لتكاملية الشخص البشري. إذاً، هذه هي امتحاني الأعظم: كيف تحط التكنولوجيا من قدر شخصيتنا؟ واضح أن حريتنا يجب أن تكون مضبوطة لأن علينا أن نحترم حرية الآخرين. وبالتالي، الكثير من السياسة هو موازنة دقيقة بين حرية وأخرى. لكن التكنولوجيا يجب أن تُستَعمَل دائماً لتحسين حريتنا لا لطمسها

كيف فهم العالم القديم التكنولوجيا واستعملها؟

بحسب المعنى الأوسع للتكنولوجيا، أعتقد أنه لا يمكن أن يكون لديك حياة إنسانية متحضرة بدون بعض أشكال التكنولوجيا. إذا اخترت أن تعيش في منزل قمت ببنائه بنفسك أو قام شخص آخر ببنائه لك، بدلاً من العيش في كهف، فهذا يعني بالفعل استخداماً للتكنولوجيا. إذا كنت ترتدي ملابس منسوجة من الكتان، بدلاً من جلود الغنم أو جلود الماعز، فهذا أيضاً استخدام للتكنولوجيا. بهذا المعنى، التكنولوجيا ليست شيئًا حديثًا، لقد ظهرت إلى حيز الوجود منذ أن بدأ الناس في استخدام النار والطبخ، على سبيل المثال. من الواضح أن كمية التكنولوجيا الموجودة في العالم القديم كانت أقل بكثير مما لدينا اليوم. أفترض أن معظم التغييرات التكنولوجية قد حدثت خلال الـمئتي عام الماضية: إمكانية السفر بالسكك الحديدية، بالسيارة، ثم بالطائرة؛ القدرة على استخدام الهواتف والآن على التواصل عبر الإنترنت. هذا كلّه تطور حديث. لذلك لدينا تطوير للتكنولوجيا، أكبر بكثير مما سبق وجوده في العالم القديم. هذا يجلب منافع ومخاطر. يمكننا السفر بسهولة والتواصل بجميع أنواع الوسائل الجديدة. هذا في حد ذاته يمنحنا الفرصة للقيام بالمزيد، لكن المنافع ليست تلقائية. هناك دائمًا ما يتعلّق بكيفية استخدامنا للتكنولوجيا. لماذا نسافر بسرعة من مكان إلى آخر؟ ما هو هدفنا؟ عندما نتواصل مع الإنترنت، ما الذي نود إيصاله للآخَر؟ لذلك تأتي الأحكام القيمية على أساس كيفية استخدامنا للتكنولوجيا. تبدو لي إمكانية استخدامها موافقة بشكل كامل للتقليد المسيحي. ولكن بقدر ما تزداد التكنولوجيا تعقيدًا، يزداد حجم ما يمكن عمله من خلالها، ويزداد عدد الأسئلة المُثارَة حول صوابية القيام بهذه الأشياء. لذلك لدينا مسؤولية أكبر من تلك التي كانت على عاتق الناس في العالم القديم، ونحن نرى مخاطر إساءة استخدام تكنولوجيانا، وأورد تلوث البيئة كمثال. يرجع الجزء الأكبر من الأزمة البيئية إلى الاستخدام الخاطئ لمهاراتنا التكنولوجية. لا ينبغي أن نتخلّى عن استخدام هذه المهارات، لكننا بحاجة إلى التفكير بعناية أكبر في كيفية استخدامها ولماذا

ما هي أشكال تأثير التكنولوجيا على ممارستنا الدينية؟ أهناك أي إيجابية متأتية من هذه الممارسة؟

واحد من المكاسب الإيجابية بشكل واضح هو سهولة تواصلنا. بإمكاننا تبادل الأفكار بيسر أكبر. لقد حصل تقدم ضخم في القرن الخامس عشر من اختراع الطباعة. لم تعد بحاجة لكتابة كل شيء باليد بل صار ممكناً إصدار أي شيء بآلاف النسخ. والآن ثورة كاملة دخلت عبر استعمال الحاسوب الذي يجعل المكاتبة أيسر بكثير. لكننا مجدداً أمام تحدٍ: هذا التقدم التكنولوجي يمنحنا قوة أكبر لكن كيف نستعملها؟ لدينا اليوم معرفة لم تكن لدى الأجيال السالفة، معطيات كمّية وبيانية وتكنولوجية وعلمية لم تملكها الأجيال السابقة. لكن على رغم من امتلاكنا اليوم معرفة أكبر، فالسؤال هو إذا كنا نملك حكمة أكبر. الحكمة تتخطّى المعرفة، والاستعمال الصحيح للمعرفة صار أكثر صعوبة. فلنأخذ مثالاً من أخلاقيات علم الحياة: يمكننا الآن أن نتدخل في عمليات الولادة بطريقة لم تكن ممكنة في الماضي. أنا لست خبيراً على الإطلاق، لكن قيل لي إنه من الممكن أو قريبًا سوف يكون ممكناً أن يختار الوالدان جنس أطفالهم. لكن علينا أن نسأل: هل هذا مُسْتَحَبّ؟ هل من الصواب، من وجهة نظر مسيحية، أن نتدخل في سر الولادة بهذه الطريقة؟ جوابي هو أنه لا ينبغي السماح للآباء باختيار جنس طفلهم. هذا يتجاوز مسؤوليتنا الإنسانية الصحيحة. هذا شيء يجب أن نتركه بين يدي الله، وأخشى أن تنشأ مشاكل اجتماعية خطيرة إذا بدأنا في اختيار ما سيكون لدينا، أبناء أو بنات. هناك مجتمعات تُعتبر فيها الفتيات أقل شأناً، وفي الوقت المناسب قد ينشأ اختلال خطير بين الجنسين. هذا مجرد مثال واحد على إتاحة التكنولوجيا لبعض الأمور، لكننا كمسيحيين على أساس تعاليم الكنيسة لدينا معايير أخلاقية معينة، وهي تقول بأن هذا ممكن ولكنه ليس الشيء الصحيح الذي يجب القيام به

التكنولوجيا بحد ذاتها، بل العلم بحد ذاته، لا يمكن أن تخبرنا ما هو الصواب أو الخطأ. نذهب إلى أبعد من التكنولوجيا، وأبعد من أساليب العلوم الصارمة، عندما نبدأ في التعبير عن أحكام قيمية. ومن أين تأتي قيمنا؟ إنها تأتي من معتقداتنا الدينية

يتبع

لمَن يؤثِر الخلاص

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

ابتعدْ بكل ما أوتيت من قوة عن الناس الذين لا تعود معاشرتك إياهم بأية منفعة عليك، رهباناً كانوا أم علمانيين. هؤلاء، وإن بدوا شيوخاً كسا الشيب رؤوسهم وملأت التجاعيد وجوههم، فإنهم بزينة الجسد هذه (مظهر التقوى) يلحِقون الأذى بمَن يعاشرهم. أما أنت، ولو لم تتأثر بهم البتة، نظراً لطباعك الحسن، فسوف تتأذى من جيث لا تدري، يتراخى ذهنك وتتسلّط عليك الكبرياء العائدة من الهزء بهم.

عندما ينفصل عبد الله عن الأرضيات، فإنّه لا يعرف أن يتكلّم كلاماً غير ضروري لئلا يتشتت فكره. وهكذا، يجاهد بحسب قدرته على مماثلة الله في النقاوة والبِر، وبهذه الطريقة يجد الله دوماً حاضراً لسماعه.

إن الكلام البطال يسبب الأذى لعبد الله. فبمقدار ما يقترب فمه من العالم يبتعد عن الله الكلي القدرة. هذا ما أعلنه أشعياء النبي محقّراً ذاته أمام رؤية الملك رب الجنود: “ويحٌ لي، فقد هلكت، لأني رجل دنس الشفتين”. فمن أين اقتنى النبي هذا الدنس؟ فإنه يضيف: “وأنا مقيم بين شعب دنِس الشفاه” (أش 5:6). إذاً يستحيل ألا يتلوث الذهن من الكلام البطال. وكلما اقتربنا من اللقاءات الباطلة، كلما اعتدنا عليها وسررنا بها فتطبق علينا. وهكذا فالكلام البطال يؤدي إلى الكلام المؤذي، والكلام الخفيف يؤدي إلى الكلام الثقيل الذي يصمّ آذان الله عن صلاتنا ويتأخر عن تلبية طلباتنا لأننا تأخرنا عن حفظ وصاياه أو لم نحفظها مطلقاً. “من يصرف أذنه عن سماع الريعة، فصلاتُه أيضاً رجسة” (أم 9:28).

ثمّة مَن يقول لمحبي الله: اهرب من المدينة وفِرّْ إلى الجبال، فتنجو كالعصفور. أما اليوم، فأقول لمَن يسعى إلى خلاص نفسه: اهرب من وسائل التواصل الجديدة (الانترنت). لا تودّ أن تسمع، ولا تودّ تقصّي ماذا قيل. فالشياطين لن تترك أيّ كلمة صغيرة تسمعها، بل إنها بواسطة هذه الكلمة تُميت نفسَك. لا تودّ أن تسمع عن إساءات غريبة، لأن معرفة السيئات ستنطبع في نفسك. إن اقتضى على محبّ االله أن يغوص في صفحات التواصل، فليسرع في إنهاء عمله وليقف بد ذلك أمام الله بتوبة صادقة لئلا يخسر حرارة الصلاة والدالة في الطلبات. وفي جمعه للمعرفة، لا يغص من موقع إلى آخر، كالمتفرّج أمام واجهات المحلات، لئلا يسقط في نكبة البطالة، ويبتعد عن مجد الله مسلوبَ الحرية ومتعبَد دوماً للقاءات السرّية مجتنياً فضة وطيناً ووحلاً عوض عن الذهب. أمّا القابعون على الشاشات لوقت طويل، فإنهم يعانون من انكساف النور الإلهي في قلوبهم. فالبعض منهم تضربهم غربان على وجوههم، والبعض تعانقهم نسوة عاريات يتحدثن معهم على آذانهم، والبعض الآخر يصفعهم صبيان عراة ويوسّخون وجوههم ببراز بشري. ومنهم مَن يحملون سكيناً يقطعون لحماً بشرياً ويعطونها للرهبان ليأكلوا. وهكذا، كلّ بحسب هواه ترافقه شياطين مختصّة تعمل في ذهنه. هذا كله تجلبه اللقاءات الطويلة والقصيرة التي أصبحت اليوم ضرورة. مَن كان حكيماً استطاع أن يعبر ويخلص.

أما عن المقالات اللاهوتية وقراءة الكتب المقدسة وصور الليتورجيا والاحتفالات الكنسية (على الانترنت)، فإذا لم تكن حذِراً فكلها تقذف بك في جب حوت المجد الباطل. بهدف الرعاية والتبشير، تُباح القدسات ويعرَّض جسد المسيح ودمه في القداس الإلهي للمهزلات التي لم تعترض المسيح عندما صُلب وذُبح ومات. والذي كان سرّاً حميماً بين حبيبين يؤمنان ببعضهما البعض، يصير على الوسائل الجديدة بدافع الرعاية والإرشاد، مباحاً أمام الجميع فيفقد قسمته تماماً كالعذراء التي تتعرّى وتخرج من بيتها. طبعاً حسنٌ أن ننفع مَن يسألعن طريق الكلمة والصورة، ولكن الأجدى نفعاً أن نساعدهم عن طريق الصلاة والعمل (الفضيلة). “وليكن الكلام دوماً مطيّباً بملح إلهي” (كولوسي 6:4). ولنهرب من الدينونة ومن المجد الباطل كما يهرب الواحد من الأفعى؛ لأن مَن تلسعه الأفعى فإما أن يموت أو يتعافى بصعوبة. فلتكن حربنا أمام جبهة واحدة وليس أمام جبهات عديدة. كَم أراد أن يخلص، بعد أن كان أنكر الشيطان وكل أعماله وكل أباطيله، عليه أن يكون محترزاً على نفسه من كل ما يجعله يتطلع إلى الوراء ليعود وينكر المسيح. عليه أن يموت عن الكلام البطال الذي يدفعه إلى تدمير رحمة الله المسكوبة عليه، وعن المجد الباطل هروبه من الشيطان. لأن المجد الباطل يدفع بتلميذ المسيح لأن يكون عاصياً فيرفض “الوداعة وتواضع القالب”. وإذا كانت المساكن في القديم تتميز بين المدينة والصحراء، فاليوم كلنا نقطن “المدن”. فلنجعل منها صحراء لنعيش مع الله كما عاش الأنبياء في الطريق الضيق الصعب، حتى نحقق رغبة مسيحنا. وبهذا يأتي الروح القدس المعزّي ويسكن فينا ويجعلنا مخلَّصين ومخلِصين لمخلّصنا يسوع المسيح، له المجد إلى الأبد. آمين.

السنة السادسة عشرة، العدد الثاني، تشرين الثاني 2019

مختارات آبائية

من باتيريكون آباء أوبتينا، طريق الخلاص

القديس الشيخ دانيال الكاتوناكي، إرشادات للشباب الأرثوذكسي في الحياة الروحية

الشيخ إميليانوس سيمونوبترا، كيف نقرأ الكتاب المقدّس؟

أسرة التراث الأرثوذكسي، من الشيخ أفرام الفيلوثايوي

الأب جورج كابسانيس الأثوسي، المسيح والمسألة الاجتماعية

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي، لمَن يؤثِر الخلاص

حياة روحية / دراسات إنجيلية

أسرة التراث الأرثوذكسي، النزاعات: نظرة أرثوذكسية

الأب أنطوان ملكي، عن يوسف الخطيب وحياتنا

رعائيات

الأب أنطوان ملكي، غلطة الشاطر بألف

مسكونيات

الأب أنطوان ملكي، أزمة تتعمّق ووحدة تتمزّق

طريق الخلاص

من باتيريكون آباء أوبتينا

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

القديس أناتولي أوبتينا

من دون الشتاء لا ربيع، ومن دون الربيع لا صيف. هكذا ايضاً هو الأمر في الحياة الروحية: بعض التعزية، ومن ثم قليل من الحزن، وهكذا شيئاً فشيئاً تتكوّن طريق الإنسان إلى الخلاص

القديس نيكن أوبتينا

لو كان باستطاعة الإنسان تعليم طرق الرب، أي تعليم كيف نحيا لنخلص، لكان اللاهوتيون المتعلّمون أول المخلَّصين. لكن في الحقيقة، لا تجري الأمور على هذا المنوال، اي أن كثيرين من العالِمين لا يسيرون على درب الرب… لكن ما المطلوب من المرء ليتعلّم طرق الرب؟ من الضروري أن يكون الإنسان حليماً، متواضعاً، ومن ثم يعلّمه الرب كيف يسلك دربه. إن معرفة هذا الأمر ضرورية جداً في الزمان الحالي حيث ندرة المرشدين ساطعة. واضع نفسَك بمعونة الله، كُن حليماً، لا تضمر أي شر نحو إخوتك وهيئ نفسك لتقبّل التعليم الإلهي من خلال الحياة الوديعة الصالحة والرب نفسه سوف يعلّمك طرقه.

إذا كان كل ما تقوم به هو انتظار الظروف الملائمة لخلاصك، فلن تباشر بالسلوك في الحياة التي ترضي الله.

عندما يتعلّم إنسان اللعب بالكمان، فالأصوات التي يصدرها في البداية تكون غير ممتعة، خاطئة وحادّة… لكن تدريجياً يكتسب اتقانها، ويبدأ بتعلّم العزف، وتصير الأصوات أكثر انضباطاً، وفي النهاية تخرج الأصوات الناعمة الجميلة في موسيقى بهية. الواحد ينجح في هذا سريعاً، الآخر يأخذ وقتاً اطول، بينما الأخير بالرغم من كل الجهود لا يتحسن اداؤه، فكل صوت يخرج مخالفاً لما يرغب به. الحاجة هي للصبر. والأمر هو على هذا المنوال في الحياة الروحية. يريد الإنسان امراً ما، لكنه يقوم بالحقيقة بشيء مختلف كلياً عمّا يريده. عقله يريد شيئاً بينما حواسه تطلب شيئاً آخراً. والإنسان يرى ويحس بألم بأن هذا كله خطأ، فيفهم أن ما يقوم به ليس جيداً وأن الأمور ليست على ما ينبغي أن تكونه، فيفقد حماسته إذ يرى أنه لا ينجح في جهاده ضد أهوائه وأن حياته الروحية لا تتحسن. لكن لا؛ لا ينبغي بالمرء أن يصير قانطاً. علينا الاحتمال… علينا أن نلزِم ذواتنا بصبر على أن نتمم كل برٍّ من أجل الرب، وبجديّة نرصد أحاسيسنا وأفكارنا وأعمالنا، ونطلب معونة الرب إلهنا ونبلغ حالة من التواضع وندرك بأننا لا ننجح بشيء بأعمالنا من دون المعونة الإلهية. وعندما يتهيأ في النهاية إناء النفس والجسد، عندما تنضبط أوتار إنشاده بكل طرق التواضع والصبر والتقوى… يأتي الوقت وتُسمَع أغنية رائعة، ويتدفق صوت الحياة الروحية العذب، وكثيرون يرون ويجزعون وينتظرون الرب، لأن هذا الغناء الذي لا يُوصَف يأتي كنتيجة لاتحادنا بالربّ.

القديس أمبروسيوس أوبتينا

إن بداية خلاصنا تكمن في تخلينا عن أهوائنا ومفاهيمنا، وتحقيقنا لما يريد الله.

إن أحكام الإنسان أمر وأحكام الله أمر آخر. يقول الرب بنبيه: لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ (أشعياء 9:55). بحسب الفكر البشري، تبدو طريق الخلاص سهلة هادئة وسلامية، بينما بحسِّ الكتاب المقدّس، فإنها محزنة كربة وضيقة (متى 14:7). “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا” (متى 34:10)، لكي أفصل بين محبي الله والباذخين، والمتواضعين عن محبي العالم. وكحقيقة، فإن خلاصنا بحسب القديس بطرس الدمشقي يكمن بين الخوف والرجاء، حتى لا نكون متكلين على ذواتنا ولا نيأس، بل بإيمان صالح ورجاء برحمة الله ومعونته قد نسلك في حياة باحترام لوصايا الله. أنتم تسعون إلى حالة للنفس على الأرض سلامية بالكامل، يحثّكم على ذلك مَن يجربنا عن جهة اليسار أي عن الجهة المقابِلة. وبالإضافة إلى ذلك، أنتم تعتقدون بذلك بسبب قلة خبرتكم الروحية، لأن هذه الحالة هي شيء ينتمي إلى الزمان الآتي، بينما في العالم فسيكون لكم ضيق (يوحنا 33:16) كما قال الرب لتلاميذه وللجميع من بعدهم.

لديك نقطة ضعف معينة: أنت تخرج عن طريق الرب البسيطة إلى العديد من المسارات المختلفة، في حين أن الكتاب المقدس والتجربة نفسها يثبتان أنّ من الضروري تبسيط طريقة الحياة الإنجيلية، والجمع بين الوصايا الأصغر والفضائل في الأكبر. يقول كاتب المزامير الإلهي: كل طرق الرب رحمة وحق (مزمور 10:24)… من هنا وصاعداً فلنضع أساساً ثابتاً ولا نحيدنّ عن طريق المسيح إلى تفاصيل متنوعة، بل فلنجمعنّ معاً كل الأمور المهمة في واحد: أن نحب الرب بكل نفسنا ونكون في سلام ووقار مع الجميع، غير مفتكرين بسوء أو بشك في أيٍّ كان.

إرشادات للشباب الأرثوذكسي في الحياة الروحية

القديس الشيخ دانيال الكاتوناكي

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الرسالة التالية هي رد على رسالتين كتبهما أخَوان إلى القديس الأثوسي يطلبان الإرشاد في حياتهما الروحية. الهدف الأولي للشيخ دانيال كان تشجيعهما على الابتعاد عن الرذيلة وعلى محبة الفضيلة المرضِية لله.

إلى الأخوين المحبوبين قسطنطين ويوحنا

أصلي من أجلكما من كل نفسي

استلمت رسالتيكما مؤخراً، بفرح عظيم، وقد قرأتهما بحماس كبير وانتباه. من واجبي أن أجيب عليكما وأرشدكما كما يليق. لهذا، سوف أوجّه ردّي إليكما سوية بما أنكما أخوان محبان لله وتتقاسمان الحاجة الروحية نفسها إلى الاسترشاد والتربية. لهذا أنتما ملزمان لا بالسؤال وحسب بل أيضاً بالإصغاء لما قاله الآباء.

صحيح أنني حزنت عند قراءتي في الرسالتين أنكما كنتما مهمِلَين في التزامكما ووقعتما في الكثير من الحماقات الصبيانية. لكنني كنت فائق الفرح بأنكما عدتما إلى التوبة وطلبتما أن أوجّهكما إلى طريق تأخذانها للتوبة، لكي تحصلا على رحمة الله الفائق الصلاح، الذي أحزنتماه بسوء سلوككما الصبياني.

ليس من الغريب الإساءة إلى الله والابتعاد عن طريق وصاياه المستقيم؛ كل الطبيعة البشرية تنزلق بسهولة وغالباً ما تقع في الخطيئة. ومع ذلك، فإن البقاء في الشر هو خطأ فادح، ويجب علينا أن نكون منتبهين للغاية إذ الويل لنا إذا وُجِدنا بلا توبة عند مغادرتنا.

من بين الطرق المتعددة التي يستعملها الشيطان، عدو الإنسان ومُفسِد نفوسنا، لخداع الذين يطبّقون المسيحية الأرثوذكسية بشكل صحيح، وبخاصة الشباب، هي في تقديم فخ آخر استطاع من خلاله خداع الكثير من الشباب وأخذهم نحو الهلاك الكامل.

يعرض الشر أولاً هذا الفخ تحت غطاء ظاهرُه صالح وودّي ما يجعله يبدو مغريًا للشباب، حاثّاً إياهم على الحرية والضحك والمزاح والإيماءات والبزه في الكلام، وفي النهاية على تعاطي الكحول بشكل سيء. هذه جميعها لا تبدو كارثية للعالم، ولكنها تتميز كوسيلة “للحرية” تحت الرعاية السياسية والذكية. وهكذا إذ يتأقلمون مع العادات السيئة يصيرون ممتلئين بالأهواء ويسخر منهم الشياطين والناس معاً. إن ظلاً سميكاً يغطي الفخ وبتبريرات مجرّدة يبدو أن كل هذه هي خطايا صغيرة جداً وبعد مرور هذا الزمن سوف يتم تداركها كلها، ففي النهاية هذه الأمور وحدهم النساك والرهبان يستطيعون تلافيها.

لو أنهم يستطيعون سبر غور المنزلَق الذي تجلبه هذه الادعاءات، لأرادوا أن يبتعدوا عن هذه الادعاءات والذرائع التي ترافقها كما عن أفعى مميتة. إن غاية الشيطان المغوي هي أولاً في أن يزرع في الشاب كل هذه الخطايا الصغيرة، وهكذا بالتالي يشلّ حواسه محرضاً إياه على الهذر والصور القبيحة والمزاح والسكر التي جميعها تلِد الأهواء كافة.

أتوسل إليكم أن تسألوا بانتباه أحد الأصدقاء المتحمسين الخليعين غير التائبين لأن يخبر كم كيف اقتيد إلى هذه الأهواء الفاحشة. في جوابه سوف تتعلمان أن سبب الأهواء الرئيسي وبدايتها كانا نتيجة بدايته الأولى في عدم الاهتمام وإهمال الأسباب المذكورة أعلاه. كما أن الأهواء الجسدية تأتي من إهمال الأمور الصغيرة، كذلك ايضاً في المجال الروحي: من الحماقة الصبيانية يأتي المرء إلى مستوى عدم التوبة وفقدان الرجاء.

صحيح أن الرب يسوع المسيح، إذ يرى انحراف الطبيعة البشرية، يستقبل الخاطئ العائد بذراعين مفتوحين. في الوقت عينه يقول: “انتبهوا وصلوا إذ لا تعرفون اليوم ولا الساعة حين يأتي ابن الإنسان”. إنه يحثّنا على أن نكون دوماً مستعدين وأن يكون في مصباحنا زيت التوبة حتى لا نُترَك خارج الخدر كالعذارى الجاهلات. صحيح أن التوبة موجودة عندما يكون الشاب طاهراً يتحاشى الصحبة السيئة والسكر، فإذا انحرف قليلاً تأتي التوبة سريعاً لتمحو خطايا الشباب. بينما من خلال العادات السيئة يصير الجسد عبداً للخطيئة وتصير التوبة صعبة وقليلون جداً هم القادرون على التحرر من فخاخ العدو المعقدة.

إذ قد عرفتما هذه الأمور أيها الحبيبين قسطنطين ويوحنا، فمن هذه اللحظة وكرمى الله، اخضعا لما يهدئ حواسكما وليس للمزاح ولا النكات ولا السكر ولا الرفقة السيئة التي منها يضيع خوف الله وتقعان في أسر شيطان محبة الذات والتهتك. بل بالأحرى اختارا الحياة الفاضلة بحسب الله، متمثّلين بأبيكما الروحي في كل شيء. إنه الوحيد الذي سوف ينشئكما في حالة ترضي الله ويظهِركما مستقبلاً كمواطنَين سماويين.

لكي تقطعا طريق الرب بثبات عليكما أن:

تظهِرا طاعة عظيمة وثقة وقبولاً نحو أبيكما الروحي، كاشفَين له الحقيقة دائماً.

امتنعا كلياً عن الثرثرة والمزاح، لأنه كما ذكرنا، حيث الثرثرة يختفي خوف الله.

فليكن لكما وقت في كل مساء للصلاة التي يحددها أبوكما الروحي.

عندما تكونان في الكنيسة، ركزا كلياً على القداس الإلهي لكي تدخل نعمة الروح القدس إلى قلبكما.

احفظا من دون تقصير كل الأصوام التي حددتها الكنيسة ولا تتشبها بطرق جيل اليوم المفسدة

بقدر الإمكان، تلافيا الخمر وبخاصة المشروبات الكحولية التي تثير أهواء الجسد

عندما يتوفر وقت حر اقضياه في قراءة كتب الآباء.

انتبها من بعض الآباء الروحيين الذين يدّعون تعليمكما الفضائل والتوبة لكنهم يدخِلون الشهوانية باستبعادهم الأصوام وصرف الشباب عن النسك والاعتدال وقراءة النصوص اللآبائية، ويتكلمون ضد الحياة الرهبانية. لا فائدة من ذكر الأذى الذي يجلبه هذا للشبان، لأني رأيت كثيرين انخدعوا بهذه النصائح فصاروا فرائس للجهل.

فليكن فيكما توقير عظيم وخاصة لسيدتنا والدة الإله التي سوف تقودكما دوماً على طريق خلاصكما.

في الختام، أقبلّكما ببر

الراهب دانيال الكاتوناكي

كاتوناكيا، الجبل المقدس، 19 حزيران 1902

orthodoxyouthresources.com/2019/06/counsels-in-spiritual-life-for-orthodox.html

كيف نقرأ الكتاب المقدّس؟

الشيخ إميليانوس سيمونوبترا

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

حين يقرّر أحدهم أن يدرس الكتاب المقدّس بطريقةٍ غير فعّالة وعقليّة، يخلق الكراهية والخلافات. لماذا؟ لأنّ المقاربة العقليّة للكتاب المقدّس لا تساعدنا على أن نلتفت إلى خطايانا ونفكّر فيها، بل تجعلنا نركّز على مشاكل ومفاهيم مرتبطةٍ بدراسة الكتاب، فتتحرّك قدراتنا المنطقيّة والعقليّة من دون أيّ هدفٍ حقيقيّ. “المعرفة” بحدّ ذاتها لا تضيف شيئًا، بل على العكس، تشجّع الفرد على التثقّف وتنمية رؤيته الخاصّة للأمور؛ تنمّي اكتفاءه الذاتيّ بآرائه الشخصيّة، فيسعى إلى تبريرها وفرضها على الآخرين. هذا النوع من المقاربة للكتاب يضعك فجأةً في صراعٍ مع الآخرين؛ فهو يجعل مشيئتك وآراءك تتعارض مع مشيئتهم وآرائهم، ما يدفعك إلى الاختلاف معهم ومجادلتهم ومعاداة إخوتكَ. عندما تملؤني آرائي الخاصّة حول الأشياء، أصبحُ غير قادرٍ على اقتبال أيّ شيءٍ من الله.

إنّ الطريقة الصحيحة هي أن نقرأ الكتاب المقدّس ببساطة، وأن نسمح لله بأن يقول لنا ما يريد أن يقول لنا. أن تقرأ الكتاب المقدّس بهدف جمع المعلومات شيءٌ، وأن تقرأه لأنّك تريد أن تقتني محتواه الحقيقيّ، أي الروح القدس، شيءٌ آخر. هذا النوع من المعرفة هو حياة الله (يو 17: 3)، هو دخول الله إلى حياتنا وبسط يديه عليها؛ هو نزول الله وسكناه بيننا. يمكننا أن نميّز إذا ما كانت دراستنا للكتاب المقدّس أصيلةً أم لا، استنادًا إلى كميّة الدموع التي نذرفها خلال دراستنا. بالطبع، بإمكاني أن أقرأ الكتاب المقدّس من دون ذرفٍ للدموع ومن دون إحساسٍ قويّ بخطايايَ، ولكن مع رجاءٍ بأنّ نعمة الله ستخترق قلبي القاسي عبر قراءتي للكتاب المقدّس. إذًا، اقرأ الكتاب لكن لا تنسَ خطاياك، ولا تحوّل الكتاب إلى موضوعٍ للبحث العقليّ، لأنّه سيتوقّف حينها عن أن يكون كلام الله، وستبدأ باعتباره أمرًا بشريًّا. يجب أن يكون معيار دراستك كالتالي: ينبغي أن تجلب قراءتك للكتاب المقدّس السلام إلى قلبك، والشركة مع الله، ومحبّة الأقرباء، والوعي لخطيئتك، أي أن تدرك كم أنّك غير مستحقّ وغير مستعدّ للوقوف أمام الله.

* من كتاب “حول الأنبا أشعيا”

الشيخ أفرام الفيلوثايوي

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

من رسائل الشيخ أفرام الفيلوثايوي

<أتوسّل إليكم يا ابنائي، بمحبة الله، ألاّ تنقطعوا عن صلاة مسيحنا، ولا للحظة. يجب أن تتمتم شفاهكم اسم يسوع بشكل مستمر، وهو الاسم الذي يدمّر الشيطان وكل ألاعيبه. نادوا المسيح بلا انقطاع وه سوف يهبّ بإخلاص إلى مساعدتنا. كما أنه يستحيل أن نمسك بمكواة أو حتى الاقتراب منها وهي حمراء حامية، الأمر نفسه يحدث مع نفْس مَن يقول صلاة يسوع بحرارة. الشياطين لا تقترب منه، وكيف لها أن تجروء؟ لأنهم إن اقتربوا منها، سوف يحترقون بالنار الإلهية التي في الإسم الإلهي. كلّ مَن يصلي يستنير وكلّ مَن لا يصلّي يظلِم. الصلاة هي مزوّد النور الإلهي. لهذا كل مَن يصلّي حسناً يصير مُشِعاً، وروح الله يسكن فيه.

إذا اقترب منا القنوط أو اللامبالاة أو الفتور وما شابه.، فلنصلِّ بخوف وألم ويقظة نوسية عظيمة وسوف نختبر مباشرة معجزة التعزية والفرح بنعمة الله. لا يستطيع المرء الذي يصلّي أن يحمل أي ضغينة نحو أي كان او أن يرفض الغفران له عن أي خطأ كان. الكل سوف يصير رماداً عند اقترابه من نار صلاة يسوع. إذاً يا أولادي، جاهدوا في صلاة مسيحنا الخلاصية والفدائية حتى تتألّقوا وتتقدسوا؟. أيضاً صلوا من أجلي أنا الخاطئ البطال حتى يكون الرب رحوماً على فيض خطاياي، كما على هفواتي التي لا تُحصى؟>

مَن هو الشيخ

وُلِد في فولوس من أعمال اليونان سنة 1927 باسم يوحنا موراييتيس. وصل إلى جبل أثوس في 1947 حيث التقى الشيخ أرسانيوس الذي أعلن أن السابق المجيد قد ظهر للشيخ يوسف (القديس يوسف الهدوئي) في الليلة السابقة وقال له “أنا أجلب إليك حَمَلاً. ضمّه إلى حظيرتك”.

بقي في طاعة الشيخ يوسف الهدوئي إلى حين رقاده سنة 1959 ومنه تعلّم فنّ الخلاص. من ثم صار الشيخ أفرام متقدماً على مجموعة من ثمانية رهبان نَمَت حتى صاروا أربعين في أقل من عقد من الزمن. في 1973، طلب من مجلس الجبل أن ينتقل مع أخويته إلى دير فيلوثايو لتعود الحياة إلى الجماعة المجاهدة هناك. من ثمّ كرر الأمر لملء أديار كسيروبوتامو وكونستامونيتو وكاراكاللو. كما طُلب منه ملء اللافرا الكبير لكنه اعتذر، وبقي الأب الروحي للأديار الأربعة. استعفى من رئاسة دير الفيلوثايو في 1990 وانتقل إلى أميركا حيث أسس بسرعة كبيرة شبكة من الأديار استجابة لطلب المؤمنين ودعوات الرؤساء المحليين. بلغ عدد الأديار التي أسسها في الولايات المتحدة وكندا 17.

عُرف الشيخ أفرام في كل العالم كحامل للتقليد الآبائي الهدوئي وناقل له. النكهة الأثوسية الصارمة التي زرعتها أدياره في أميركا أثارت الكثير من الجدل. يفهم المتابع لوقائع هذا الجدل، أن سببه لم يكن صرامة المثال الأثوسي بل دهرية المجتمع الأميركي، وعلى رأس محاربيه بعض الإكليروس والجمعيات المعادين للرهبنة (وهم موجودون في كل الكنائس وفي كل الأزمنة). بلغ الأمر أن سمّي أبناؤه الروحيين بالأفراميين، واتّهم بمعاداة السامية، وبأنه ضد الزواج ومعادٍ للرعايا ووصفه البعض بأنه غورو. أما محاربوه من اللاهوتيين فاستندوا إلى أنه يعلّم عن المحطات الجمركية ليعتبروه رواقياً. كل هذا قابله الشيخ افرام بالصمت ما ضاعف أعداد أبنائه الروحيين وأعداد المؤمنين الذين يقصدون أدياره للاسترشاد، وبخاصة دير القديس أنطونيوس في أريزونا حيث كان يعيش هو، وحيث رقد بالرب في الثامن من كانون الأول 2019.

ترك الشيخ أفرام أثراً كبيراً في كل الكنيسة في العالم. في جبل أثوس هو أحيا أربعة أديار أي خمس أديار الجبل. في أميركا، كثيرون من كل الكنائس والجنسيات يطلبون الاسترشاد والاعتراف في الأديار التي أسسها والتي تذكر اسمه في كل يوم. له كتابات وتسجيلات كثيرة ومنها ما نُقل إلى العربية. فليكن ذكره مؤبداً وليشفع فينا.

المسيح والمسألة الاجتماعية

الأب جورج كابسانيس الأثوسي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

بقدر ما يتطهر الناس من أهوائهم تزداد قدرتهم على الشركة الحقيقية مع الله والآخرين.

إن الذين يتبنّون نظرة رومانسية وخارجية عن الشخص البشري ينقلون الشر من الشخص إلى المجتمع، ولهذا السبب يدّعون أن أي تحسن في المجتمع سيؤدي إلى تحسن في الناس. ولكن، من دون أن ننكر أهمية التأثيرات الاجتماعية على الناس، نحن الأرثوذكس نعطي الأولوية لتحوّل الشخص من خلال التوبة والنعمة الإلهية.

من الخطأ الفادح أن نريد تغيير المجتمع من دون السعي أولاً لتغيير أنفسنا. من السذاجة على الأقل أن نصدّق أن التغيير في بعض المؤسسات الاجتماعية سيحدِث أيضًا تغييرًا في الأشخاص إن لم يتوبوا.

المرضى يخلقون مجتمعات مريضة والمجتمعات المريضة تزيد المرضى سوءًا. محاولة حل الأمراض الاجتماعية دون علاج المرض الشخصي هي ببساطة ترحيل للمشكلة، ورفضٌ لقبول مسؤوليتنا الشخصية، وتهرّب من التوبة واستسلام لأنانيتنا وتردد في رؤية أنفسنا كما نحن بالفعل. من المهم أن نتذكر أن الرب جعل التوبة الشخصية شرطًا للدخول إلى ملكوته.

كما علينا ألا نتغاضى عن عمل الشيطان في تفكيك المجتمعات كما في الأشخاص وفي انتشار الشر بشكل عام. إن التبسيط الإنسانوي للمشاكل الاجتماعية ينكر وجود الشيطان. لكن الإنجيل والخبرة المسيحية يظهِران مدى انخراط الشيطان بشكل فعّال في الأوضاع الشخصية والاجتماعية، ومعه الحاجة إلى الجهاد ضده كما لمجانبة الأرواح الشريرة وإخراجها. إن التعرّف على الأرواح هو هبة لبعض الكهنة والرهبان والعلمانيين، ينبغي استعمالها لتجنيب المسيحيين الوقوع في الفخاخ التي ينصبها لهم الشرير إذ يظهر بهيئة الصلاح.

نحن نشدد على قدرة القوى المعادية للشركة وللمجتمع ليس لنثبِت استحالة التغلب عليها، بل لنظهر ضرورة أن يأخذها المسيحيون المجاهدون بعين الاعتبار. لقد غلب المسيح هذه القوات حتى أن بقدرته وبمؤازرة النعمة الإلهية، يمكن للمسيحيين أن يشاركوا في هذا الانتصار.

***

هذه هي نقطة اختلاف جهاد المسيحيين عن كل جهاد آخر. المجتمع الذي ترجو الأنظمة الإنسانوية، المثالية والمادية، خلقَه هو مجتمع متمحور حول الإنسان. مجتمع المسيحيين محوره الرب المتجسّد. الوسائل التي يستعملها الإنسانويون أيضاً محورها الإنسان، بينما تلك التي يلجأ إليها المسيحيون فمحورها الإله الإنسان. قاعدة النظام الاجتماعي المسيحي هي التواضع، بينما نجد في أساس النظام الإنسانوي الكبرياء والاكتفاء الذاتي واستبعاد الله. هذا تكرار لخطيئة آدم: السعي إلى الألوهة من دون الله.

قد لا يكون من الصدفة أن هذين النظامين، الرأسمالية والشيوعية، ومندرجاتهما الاقتصادية، أصولهما في الغرب الهرطوقي، وقد سبقتهما محورية الإنسان الدينية في عصمة البابا والفيليوكفه (عقيدة انبثاق الروح القدس من الآب والابن). لا ينبغي أن يغيب هذا عن فكر الأرثوذكسي أو مَن كان أرثوذكسياً في السابق عندما يهملون التقليد الأرثوذكسي بتهاون، غالباً بسبب الجهل وابتغاءً للالتزام بالأنظمة الغربية.

حقيقة أن المجتمع غير المسيحي هو بشري صرف يجرده من إمكانية حمل السلام إلى نفوس الناس لأنه يتركنا غير متصالحين مع أبينا السماوي، وبالتالي ليس فيه تركيز. فلنتذكّر كلمات القديس أوغسطينوس التي تعبّر عن الخبرة البشرية: “أنت خلقتنا أيها الرب لذاتك، وقلبنا دوماً غير مستقر إلى أن يجد راحة معك”.

إن أنظمة المجتمع الملحدة تساعدنا على إيجاد حلول لبعض المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، لكن ليس لإقامة علاقة حقيقية وجوهرية مع الله والناس الآخرين. إنها لا تجيب فعلياً على أسئلتنا الوجودية، وبخاصة مسألة الموت. الناس مستقرّون بيسرٍ لكي يموتوا. ومع أن هذه الأنظمة، وبخاصة الماركسية، تتصف بمسيحانية قوية دهرية، إلا إنها بالواقع لا تقود من الموت إلى الحياة وبالتالي ما تخلقه هو إناس مأساويين لا رجاء لهم. في بعض الأحيان، يكون بعض النشاط الإنسانوي أو الريادي نتيجة محاولة نسيان مشكلتنا الأساسية، أي الموت، وتخليصنا من القلق والفراغ والرتابة التي تميّز حياةً منفصلة عن مصدرها الذي هو الإله الثالوثي.

لهذا السبب، بالرغم من أفضل النوايا عند أشخاص نبلاء جاهدوا وضحّوا بأنفسهم من أجل مُثُلهم فإن هذه الأنظمة ضد الشخص البشري بشكل جوهري. فباسم مجتمع أفضل وأكثر عدالة، تقوم هذه الأنظمة كعائق أمام شركتنا الكاملة مع الله، مع أن هذه الشركة هي في آخر المطاف الأمر الوحيد الذي يشبِع ويكمّل طبيعتنا. إن هذه الأنظمة تحصرنا في الأبعاد المحظورة لكونٍ مغلَقٍ آلي متجردٍ ومادي يحجب عنا رؤية السماوات. بالحقيقة، أي معنى يكون للحياة إذا كنا حيوانات متطورة ولسنا صور الله؟ إذا كنا محكوم علينا الموت من دون أي إمكانية للاشتراك في حياة الله الداخلية؟

النزاعات: نظرة أرثوذكسية

المتقدم في الكهنة أندريه ليموشونوك

أسرة التراث الأرثوذكسي

كيف ترى الأرثوذكسية النزاعات بشكل عام؟ وبشكل خاص، ماذا عن النزاعات بين الأشخاص أو في داخل الشخص بذاته؟ كيف تنظر الأرثوذكسية للعنف بكل أشكاله؟ ما هي وجهة نظر الأرثوذكسية في الحروب والصراعات؟

على هذه الأسئلة يجيب المتقدم في الكهنة أندريه ليموشونوك الأب الروحي لدير القديسة أليزابيت بما يلي:

أول نزاع جرى في الكون كان عندما لم يثبت إبليس في المحبة، ولم يثق بالله، وأهمل المجد والجمال اللذين منحهما الله له، وقرر أنه لا يريد طاعة الله من بعد. لقد أراد ان يصير هو نفسه إلهاً. الثالث بين الملائكة انفصل عن الله، بحسب تعليم الكنيسة. مع هذا، انتصر الملائكة الصالحون، وقام الملاك ميخائيل، أحد المحاربين للمسيح، برمي إبليس إلى العالم السفلي.

الرب ليس مع القوة بل مع الحق. لهذا، النزاعات هي ظاهرة حتمية عن العالم الذي انحرف بعيداً عن الله.

النزاع الثاني كان عندما لم يثبت الإنسان في المحبة ورمى اللوم في ذلك على الله خالقه. إن طبيعتنا موبوءة بالخطيئة، وبالتالي علينا أن نحرّك ذواتنا في كل وقت لنسمرّ في العمل الجاد لأن ملكوت السماوات يتألّم من العنف.

أما عن النزاعات مع الآخرين، فإن كنا نتكلم عن أعداء بلادنا أو الذين يريدون أن يمنعونا عن ممارسة إيماننا، فعلينا أن نقاتلهم. نحن نعرف أن القديس سرجيوس رادونيج أرسل اثنين من رهبانه إلى جيش ديمتري دونسكوي واستشهدا في المعركة. نحن نعرف أيضاً أن الكنيسة تبارك الدفاع عن حدود البلاد والإيمان والأمة. الجنود الذين سقطوا خلال الحرب الوطنية الكبرى وغيرهم ممن ماتوا في خدمة أمتهم، مقبولون في الملكوت السماوي. لا ترضى الكنيسة أن نكون سلبيين وغير معنيين بما يتعلّق ببعض أشكال الشر.

حالياً، هناك حرب روحية مستعرة. على الكنيسة أن تنخرط في هذه المعركة وتعمل ما هو ممكن لمساعدة الناس على إيجاد الله والمباشرة بحياة مسيحية جديدة. مستقبل العالم برمته يتوقف علينا. كل ما يجري في العالم هو تتمة لتلك الحرب التي اندلعت بعد النزاع الأول.

الشيطان يعمل أي شيء بمقدوره ليبعد الناس عن الله ويقسّمهم وبشكل خاص يجردهم من كل فرص العيش في الملكوت السماوي وخدمة خالقهم. هذا هو لبّ الصراعات بين الأشخاص. يقول الرسول بولس: “لأني أعلم أن فيّ يعيش شخصان… (أنظر رومية 17:7-23). هذا الشخصان يتحاربان مع بعضهما البعض. علينا أن نكون واضحين في أي طرف نأخذ. لقد اعتاد فيودور دوستويفسكي على القول أن القلب البشري هو ساحة حرب حيث الشيطان يقاتل الله ليسيطر على القلب. لا يستطيع المرء أن يكون مراقباً عاجزاً.

يحتاج الإنسان لمعونة الله ليستوعب جوهر النزاع. إذا أصرّ كل واحد على حقه فهذه خطيئة إذا دافع المرء عن الآخرين، إذا دافع عن إيمانه ومعتقداته، فهذا أمر على كل مسيحي أن يعمله. ما أن نصير مسيحيين من خلال سر المعمودية، نصير محاربين للمسيح. إن حربنا ليست مع لحم ودم. إنها ضد أرواح الشر. هذا ما يخبرنا به الرسول بولس. هذه الحرب، الحرب اللامنظورة، تستمر حتى نَفَسك الأخير على الأرض.

عن يوسف الخطيب وحياتنا

على ضوء إنجيل الأحد بعد الميلاد

إعداد الأب أنطوان ملكي

“وَبَعْدَمَا انْصَرَف المجوس، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً:«قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ». فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ”. هذا ما نقرؤه من الكتاب المقدس في الأحد الذي يلي عيد الميلاد وهو محدد ليوسف الخطيب. هناك في المسيحية أكثر من موقف من يوسف كليم الملائكة. فالغرب في تعليمه عن عائلة مقدسة يعطي يوسف مكانة لا يشير إليها لا الكتاب المقدس ولا التقليد. واضح قول الكتاب المقدس “قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ” الذي لا يقول خذ امرأتك والصبي أو ابنك، وبالتالي لا مكان للحديث عن “عائلة مقدسة” تضمّ يوسف ومريم ويسوع. فيسوع “بلا أم من جهة أبيه وبلا أب من جهة أمه”. هذا هو التجسد الذي عيّدنا له في الميلاد.

نعرف أن يوسف كان مترملاً. لكن انخراطه في مسيرة الخلاص كرّسه وكرّس معه عائلته الكبيرة. فكلاوبا الذي كان أحد الرسل السبعين وقد ظهر له الرب على طريق عمواص كان أخاه. أما أبناؤه الذين نعرفهم فهُم الرسول يهوذا والرسول يعقوب أخو الرب الذي صار أول أسقف لأورشليم وسالومة حاملة الطيب التي كانت أمّ ابني الرعد الرسولين يعقوب ويوحنا. يوسف كان فاهماً أنه وكيل لكلمة الله وبهذا يمكن اعتباره أول اليهود المهتدين إلى المسيحية. فهو حين تشكك من حمل مريم عاد فأطاع الملاك و”أخذها إلى خاصته” منخرطاً في خدمة الطاعة للرب وللمخطط الخلاصي. وبعد ميلاد يسوع كرر طاعته إذ “أَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ”.

من هذه الرحلة إلى مصر والعودة منها يمكننا أن نرى اتكال يوسف الكامل على الله وثقته بتدبيره. يخبرنا التقليد أن يوسف لم يكن يعرف مصر ولا أقارب له فيها ولا معارف. لكنه ببساطة تبع الرب يوماً بيوم. حتى في عودته أطاع ولم يمر بأورشليم ولا باليهودية بل ذهب إلى الجليل إلى الناصرة. في كل هذا الوقت تصرّف يوسف على أساس الثقة البسيطة بكلمة الله. لم يكن عنده ضمانات ولم يطلبها، ولا انشغل بما ينتظره في كل يوم. لكنه وثق بإعالة الله يومياً لأنه كان يعرف أن الله يعطيه حاجته طالما هو يسلك في طاعته. هذا الموقف طوّبه الرب يسوع المسيح بعد ثلاثين سنة في عظته على الجبل. فيوسف إذ قد سمع كلمة الله وحفظها باتكال ثابت على تدبير الله، يُحسَب بين الأبرار. فهو كخطيبٍ لمريم صار حامياً لها وللطفل الإله الإنسان الذي ولدته. وبهذا الدور صار كالملائكة الذين عملوا على تمام سر الخلاص، وكما يذكر التقليد هو استمر في هذا العمل حتى بعد موته، إذ إنه أخبر الذين في الجحيم عن مجيء المسيح والخلاص المنتظَر.

في كل ما نعرف عن سني يوسف المئة وعشرة نرى صورة التواضع والبِر وأعلى درجات الصلاح. فهو قد ربّى وحمى وغذّى الرب المتأنّس ووالدته الدائمة البتولية بطريقة تلزِمنا على تقديره ومديحه وطلب شفاعته، لأن الرب على الأكيد لا يهمل تمجيد مَن أحبّه بهذا المقدار والشكل. إن يوسف قد غمرت نتوءات النجارة يديه أما نفسه فقد ارتفعت بالمعرفة الإلهية وهذا ظاهر في ثقته بالله الثابتة والغالبة للشك والتي تضعه أمامنا مثالاً لامعاً عن كيف ينبغي أن ننظم حياتنا: حياةً تقوم على الثقة بالله والاتكال عليه واتّباع كلمته.

إن زماننا هو زمان العبيد البطالين الخائفين أن يخسروا نعومة أيديهم لهذا نحن مترددون نطلب راحتنا في كل شيء ونضع الشروط حتى على الله. إن نعومة الأيدي تعكس ضحالة النفوس المتهرّبة من الجهاد ومن الالتزام. لهذا ينتصب يوسف الخطيب أمامنا مثالاً يعلّمنا أن الإيمان بالمسيح والإخلاص له يكونان بالأعمال وليس بالكلام وحسب.

* عن نشرة الكرمة