لاهوت التحرير

لاهوت التحرير

الأب أنطوان ملكي

مدخل

قد يجد الأرثوذكسي التقليدي صعوبة في التعامل مع لاهوت التحرير. والسبب يتأتّى من استعمال عبارة لاهوت لتسمية هذه. فأرثوذكسياً، معنى كلمة “اللاهوت” هو طبيعة الله، لذا اللاهوت يبدأ من الله وليس من الإنسان، يبدأ من الوحي ومن ثمّ يظهر أو يتجسّد في الواقع. أمّا لاهوت التحرير فقد عكس الآية والمسار. من هنا أن هذا البحث لن يناقش التسمية، بل سوف يسعى إلى تسليط الضوء على نشوء هذا الفكر وانتظامه وتفاعله، وماآل إليه في حضن الكثلكة، وإرهاصاته في الكنيسة الأرثوذكسية.

اهتمام لاهوت التحرير الأول هو الوضع الاجتماعي للإنسان، فهو دعوة لتحرير الفقراء والمقهورين اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وتحرير الكنيسة مما لحق بها من شوائب وأساليب تسلطية. إذاً، المحور في لاهوت التحرير هو الإنسان لا الله. وهذا التحوّل في مركز الاهتمام يتيح الاجتهاد والابتداع. يرى بعض المدافعين أن لاهوت التحرير هو لاهوت نبوي لأنه يقوم بعمل الأنبياء كون عمل النبي هو أن يرى الواقع ويعلن رأي الله فيه ويتخذ القرارات العملية لمواجهته. وعليه فإنّ لاهوت التحرير هو تعبير عن الفعل الاجتماعي وليس عن الخدمة الاجتماعية. فالفعل الاجتماعي يبحث في علاج أسباب المشكلة أما الخدمة الاجتماعية فهي مد يد المساعدة للمحتاجين للتخفيف من جوانب المشكلة التي يعانون منها. وهنا يُقدّم المثل التالي: إعطاء السمكة (المال) للمحتاج هو خدمة اجتماعية، بينما إعطاء السنارة (تعليم حرفة) هو فعل اجتماعي يجعل الإنسان يعيش حياة كريمة مستقلة. من جهة أخرى يرى البعض أن لاهوت التحرير هو نتاج التلقيح الفكري بين الكثلكة والماركسية والتفاعل بينهما لإقامة الفردوس على الأرض. فلاهوت التحرير جعل الدين أكثر اهتمامًا بالإنسان وبالمجتمع، وهو يحاول القيام بمهمة مزدوجة تبشر بالفردوس في الأرض وفي السماء ولا يؤجل سعادة الإنسان.

بعض التاريخ

ظهر لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية التي عرفت المسيحية الكاثوليكية عن طريق الاستعمار الأوربي. في القرن العشرين، صارت تلك الأنحاء مركز الكثافة الكاثوليكية، وفي الوقت عينه انتقل استعمارها إلى يد الأميركيين الذين بلغ بهم الأمر حد التدخل العسكري في بعض البلدان. وكسائر الدول المستعمَرة، النتيجة الأولى للاستعمار هي ظهور التفاوت الطبقي الكبير حيث يزداد الأغنياء غنىً ويزداد الفقراء فقرًا وتسيطر القلّة من الناس على ممتلكات الغالبية.

كل هذا ترافق مع انحياز الرئاسة الكاثوليكية إلى المستعمرين منذ وصولهم إلى القارة الجديدة. فروما رأت في الاستعمار وسيلة لنشر الإيمان الكاثوليكي، حتّى أنها أصدرت عدداً من المراسيم البابوية نددت بالحركات الاستقلالية في بدايات القرن التاسع عشر. ومن منتَجات المجمع الفاتيكاني الأول تأكيده على سلطة الكنيسة ضد الحركات الوطنية التي تنادي بالاستقلال. ومع الاستعمار الأميركي دخلت الإرساليات الإنجيلية لتتخذ نفس موقف الكثلكة التي تحولت آنذاك إلى عنصر تهدئة تجنبًا لبطش السلطة وإيثارًا للسلام والسعي إلى إقناع الشعب بالرضا بالأمر الواقع والتسليم للمشيئة الإلهيَّة، إلى أن توالَت الثورات في دول المنطقة وابتدأ التفاعل مع الماركسية والشيوعية. هذا التطور ترافق مع التغير السياسي لصالح الطبقات الوسطى والفقيرة في بعض البلدان وقيام حكومات شعبية وظهور أحزاب مسيحية كحزب الديموقراطية المسيحية في تشيلي الذي وصل إلى الحكم وكان أول نظام ديموقراطي في القارة طبّق نظامًا اشتراكيًا مسيحيًا.

وجد بعض رجال الكثلكة أن ما تفعله السلطات الجديدة يتطابق مع الدعوة الإنجيلية إلى الحرية والعدل والحق والمساواة. فبدأت بعض المواقف من كهنة هنا وهناك بالظهور إلى أن تبلورت في ما سُمي لاهوت التحرير حيث تكرّس مئات الرهبان والكهنة لخدمة المطالب الشعبية والبحث عن دور الكنيسة في التحوُّل الاجتماعي الجديد.

بدأت بذور لاهوت التحرير بالظهور منذ 1955،  في لقاء لأساقفة أمريكا اللاتينية في ريو دي جانيرو حيث بدأ اهتمام رجال الكثلكة بمشاكل الفقراء وتكونت عدة حركات شعبية مثل حركة الطلبة المسيحيين، وحركة العمال المسيحيين، وحركة الفلاحين المسيحيين، وحركة التعليم الأساسي. على عكس المجمع الفاتيكاني الأول، اهتم المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965م) بالنقد الذاتي  في هذا الإطار ومن بين الستة عشر وثيقة التي أصدرها عدد منها اهتمّ بإعادة تنظيم الكثلكة وناقش قضايا العدالة الاجتماعية والتنمية وبهذا أعطى شيئاً من الشرعية للاهوت التحرير. من المهم الإشارة إلى قرار الرئيس العام للرهبنة اليسوعية في 1966 بالانخراط الجاد في العمل الاجتماعي، كون اليسوعيين تاريخياً هم ذراع الاستعمار الفكري والديني.

في 1968 انعقد مؤتمر ميديللين في كولومبيا وهو محطة تاريخية في الكثلكة. رأى المؤتمر أن كل شعوب أميركا اللاتينية تعيش في سجن كبير وبالتالي هناك ضرورة لتحرير هذه الشعوب من هذا السجن الكبير المظلم. وهكذا صار لاهوت العبودية مقدمة للاهوت التحرير وابتدأ التبشير بإنجيل الفقراء. وقد حاضر جوستافو جوتييريز واستعمل تعبير “لاهوت التحرير”. صدر عن المؤتمر وثيقتان باسم العدالة والسلام، واعتبر المؤتمرون أنها ليست ساعة الكلام بل ساعة الفعل والعمل، ارتكازاً إلى ثلاث مفاهيم لبناء المجتمع الجديد:

1. إثارة الوعي لدى الجماهير لكيما تدرك أهمية التغيير.

2. التحرير من الظلم والفقر والقهر.

3. المشاركة في الإصلاح.

في 1969، طُلب من جوتييريز إعداد تقرير عن لاهوت التنمية لكنه رأى استحالة الحديث عن لاهوت التنمية بدون الحديث عن لاهوت التحرير. في الوقت عينه، كان ليوناردو بوف، متأثراً بالكاريزماتيك، ينتقد علناً انغلاق الكنيسة وجمودها في مواجهة مشاكل الفقراء ما عرّضه إلى المحاكمة على يد راتزينجر، الذي صار لاحقاً البابا بندكتوس، وأجبر على الصمت إلى 1986 حيث عاد إلى الكلام عم لاهوت التحرير بحرية.

في 1971 صدر كتاب جوتييريز  بعنوان “لاهوت التحرير” الذي اعتبر أن التحرير يتحقق على ثلاث مراحل:

1. مرحلة التحرير الاجتماعي الاقتصادي للمجتمع حتى تتساوى الطبقات

2. مرحلة تحرير الفقراء حتى يساهموا في توجيه دفة الأمور في البلاد

3. مرحلة تحقيق الأخوة الإنسانية بين الجميع بناء على الإيمان المشترك للكل

وهنا لا بد من التعليق على أن خلو هذه النقاط من أي إشارة لاهوتية أو عقدية أو دينية، فما شدد عليه هو إدانة وقوف الكنيسة إلى جانب الأغنياء وأعاد قراءة الكتاب المقدَّس مركزاً على المقاطع التي تهتم بقضايا الفقراء والظلم والحرية، وفي الفصل الأخير حكى عن الفقر الروحي والفقر المادي معتبراً أن الفقر (المادي) هو “وضع فاضح” يهدم كرامة الإنسانية وضد الإرادة الإلهية.

أيضاً في 1971 صدر كتاب ليوناردو بوف الفرنسيسكاني “يسوع المحرر. ودراسة نقدية لعلم المسيح”. وفي كتابه، انتقد بوف اللاهوت السكولاستيكي الجديد الناتج عن الفاتيكان الثاني، واللاهوت السياسي،ولاهوت الرجاء،  وركّز على لاهوت التحرير قارئاً الكتاب المقدَّس قراءة نقدية مركّزاً على الإطار التاريخي الذي كُتب فيه النص، وكيفية تطبيقه على أوضاع أمريكا اللاتينية. كما رأى بوف ضرورة التركيز على المسيح بصفاته الإنسانية ووضعه البشري وتضامنه مع الفقراء أكثر من التركيز على صفاته الإلهية لأن لاهوت التحرير يرتبط بالأرض أكثر من بالسماء. من هنا أن تفسير الكتاب المقدَّس يجب أن يراعي الأولويات التالية:

1. أولوية “علم الإنسان” على “علم الكنيسة” لأن الغاية هي الإنسان الذي سُلبت إنسانيته أكثر من الكنيسة التي لا تقوم بدون الإنسان

2. أولوية الأمل والمستقبل على الأمر الواقع من دون إهمال الواقع بل تجاوزه لما هو أفضل

3. أولوية النظرة النقدية على النظرة العقائدية، لأن العقيدة جامدة تدافع عن المؤسسات وتبررها، بينما النظرة النقدية تعمل على تطوير هذه المؤسسات الكنسية وتطوير فهمها للإنجيل

4. أولوية الأمور الاجتماعية على الأمور الشخصية

من المثير للملاحظة أن بوف يشير إلى أن يسوع المحرر دعا وما زال يدعو إلى التوبة التي هي تحوُّل باطني عند الجماعة والأفراد على السواء، وهذا التحوُّل هو في العقلية كما في المواقف وهو يقتضي أن يتحوَّل الشخص إلى طاقة ثورية تسهم في تثوير العالم.

ومن ثم ما بين 1972 وأواخر الثانينيات انعقد أكثر من مؤتمر ظهر خلالها ما عاشته الكثلكة من صراع سببه انتقال الثقل من أوروبا إلى أميركا اللاتينية ومن تأثر بالماركسية ومن انتشار لاهوت التحرير خاصةً مع نجاح بعض الثورات ووصول بعض الكهنة إلى مراكز سياسية مهمة كنواب ووزراء على الرغم من تحريم الفاتيكان لذلك وربطه بموافقة الرئاسة. وفي المقابل كان المحافظون يعيدون تجميع أنفسهم وتركيب التيار المضاد للاهوت التحرير الذي أوصل يوحنا بولس الثاني ومن بعده بندكتوس إلى عرش الكثلكة.

في 1976، قامت اللجنة اللاهوتية الدولية بتكليف من البابا بولس السادس بدراسة حول لاهوت التحرير وأصدرت وثيقة وأربعة تقارير ملحقة. جاء في مقدمة الوثيقة الإشارة إلى علاقة لاهوت التحرير بالفاتيكان الثاني وظهور تيارات مختلفة تنتمي للاهوت التحرير والخوف من تسييس البشارة والتأثير على وحدة الكنيسة. وأشارت الوثيقة إلى أن نقطة انطلاق لاهوت التحرير هي انتشار الفقر وغياب العدالة. وأن ظهور نمط جديد من اللاهوت يحمل فهماً جديداً للملكوتالذ صار يشمل الأرض ويثير عدداً من الصعوبات كخطر إخضاع كل شيء للمناقشة والتسيّيس والتركيز على التنديد النبوي كما كان يفعل أنبياء العهد القديم في مواجهة الظلم، والتركيز على بعض وجوه اللاهوت الكتابي كقراءة العهد القديم من زاوية علاقته بموضوع التحرير، ودراسة العهد الجديد بما يوصل إلى استخلاص معنى التحرير المسيحي. وأخيراً تطرقت الوثيقة إلى مكانة الله والإنسان في عملية التحرير، ومعنى التحرير الشامل، و العلاقة القائمة بين ترقية الإنسان وخلاصه ورفض الكنيسة التزام الكهنة بالسياسة ورسالة العلماني. واختتمت الوثيقة  ببعض التحفظات على لاهوت التحرير.

من ثمّ توالَت الوثائق الصادرة عن  مجمع العقيدة الإيمانية والتي تنتقد لاهوت التحرير وتساويه بالماركسية وتتهمه بتحويل المسيحية إلى مجرد عنصر من عناصر التعبئة على الثورة. ووصف راتزينجر لاهوت التحرير بأنه هدام ما أثار ردات فعل. ةمن أهم ما كُتب ضد لاهوت التحرير بحث كتبه البابا يوحنا بولس الثاني شخصياً وفيه إدانة واضحة لهذا التيار. لكن النتيجة الفعلية لهذه المواقف لم تكن في مصلحة الكثلكة فعلياً، بل استغلّها العنصرانيون الكاريزماتيك بتغطية من المستمرين الأميركيين بشكل بات انتشارهم خطراً على الكثلكة، وقد يكون هذا الواقع من أهم أسباب الضغط الذي أدى إلى استقالة بندكتوس المحافظ وانتخاب فرنسيس المتحرر.

وقبل التطرق إلى قراءة أرثوذكسية للاهوت التحرير تنبغي الإشارة إلى أن عدداً من التيارات انضوت تحت راية هذا اللاهوت ومنها:

التيار الروحي الرعوي الذي يلتزم بمبادئ الإنجيل

التيار المنهجي الذي يعتمد على العلوم الإنسانية مثل علم الاجتماع وعلم الإنسان وعلم الاقتصاد.. إلخ

التيار الاجتماعي الذي يركز على التحليل الاجتماعي

التيار التاريخي الذي يدعو لإعادة قراءة تاريخ أمريكا اللاتينية والعلاقة بين النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي والصراع الطبقي والأخذ بالتحليل الماركسي

التيار السياسي الذي يدعو ليس العلمانيين فقط، بل الكهنة أيضًا لممارسة السياسة

تيار الكنيسة الشعبية، والذي يعتبر أن كنيسة الشعب هي مصدر الحرية المسيحية

التيار الخريستولوجي الذي ينظر للسيد المسيح على أنه محرر الإنسان من الظلم والقهر والفقر

التيار التربوي الذي يركز على التعليم، فيسهل للإنسان المتعلم الحصول على حريته

تيار النقد الذاتي وهو مكوَّن من مجموعة غير متجانسة

وقد تفرَّع لاهوت التحرير إلى “لاهوتات” محلية أو مفصّلة بحسب الحاجة ومنها: لاهوت كوريا – لاهوت أفريقيا – لاهوت السود – لاهوت التحرير الفلسطيني – لاهوت المجاعات – لاهوت المجتمعات المسيحية – لاهوت تحرير عربي إسلامي مسيحي – لاهوت تحرير إسلامي.

جدير بالذكر أن حدثين في السنوات الأخيرة حرّكا دعاة لاهوت التحرير إلى العودة إلى الحديث عن لاهوت التحرير وهما 1) الربيع العربي الذي رأوا فيه فرصة للتحرر، ولم يلحظوا مَن يقف وراءه ويحركه، و2) انتخاب الباب فرنسيس.

في الختام، يمكننا أن نلخص أهم مشاكل لاهوت التحرير بما يلي:

– الطريق الذي سلكه لاهوت التحرير معاكس للتقليد وللاهوت، فبدل من أن ينطلق من الوحي الإلهي إلى الواقع البشري قام بالعكس وبهذا هو لاهوت إنسانوي، لا بدّ أن يؤدّي إلى التضليل. وكما أن ظاهرة الظلم هي نتيجة عدم الفهم والالتزام المسيحيين وليس العكس، فالحرية الحقيقية هي الحرية الروحيَّة وليس العكس.

– في المسيحية يأتي البعد الاجتماعي بعد البعد الروحي. فما من مبدأ يعلو على “أحبب قريبك كنفسك”، وما من وصف للقريب أفضل مما قدمه السيد في مثل السامري الشفوق. من هنا أن ما يكثر لاهوتيو التحرير من وصفه هو تكرار وقصور عن المسيحية الفعلية في أغلب الأحوال.

– بمقابل اهتمام لاهوت التحرير بالفقراء والمظلومين اجتماعيًا تهتمّ المسيحية بكل الناس لأن همّها هو الغنى الروحي والتحرير من قهر الخطايا. وهذا مثال زكّا في الكتاب المقدّس كما مثال المرأة التي سكبت الطيب على رجلي السيد، وكثيرة هي القصص في التقليد وسير القديسين عن الأغنياء الذين خلصّهم اهتمام الكنيسة بهم.

– إن دفع التحليل إلى حد الدقّة العلمية، على ما ينتج عنه من جدال، يظهِر أن لاهوت التحرير هو إلحاد صريح لاستبداله الله بالإنسان ورفعه القادة (ومنهم غيفارا مثلاً) إلى درجة الأنبياء، ووصف زعماء حركات التحرير الوطني بالملائكة (ماذا عن الملاك أبو عمار؟)، وتصوير الملكوت على الأرض (بما ينفي الإيمان بالحياة الثانية وبالتالي لا يعود هناك دينونة)، واعتبار الثورة إيماناً ومساواة الصليب بالبندقية والكنيسة بالحزب الثوري والتجسد بالشعب والأرض، وغيرها..

– من أكبر مشكلات دعاة لاهوت التحرير (في الكثلكة كما في الأرثوذكسية) أنهم عندما يباشرون بانتقاد الكنيسة يتكلّمون وكأنهم لا ينتمون إليها ويصل بعض المتحمسين منهم إلى حد عدم الاعتراف بها كبُنية وإطار، وبهذا يلتقون كثيراً مع المنطق الماركسي الذي يكون قاسياً وغير عادل تجاه الكنيسة

– ينادي لاهوت التحرير بقبول التحليل الماركسي، وبالتالي الفلسفة الماركسية بكل مكوناتها ومنها أن الدين أفيون الشعوب. ما يعني أن لاهوت التحرير ضمنياً هو ضد الأديان وضد المسيحية بشكل خاص. إلى هذا يتبع قبول منطق لاهوت التحرير قبول كل المنطق الإنسانوي الذي يقوم فعلياً على ما يسمّى “ثالوث الهدم” المكوّن من ماركس ونيتشه وفرويد، الذي يستدعي تفصيل تأثيره فصولاً ليس هذا مكانها الآن.

– لا تستطيع المسيحية التي تحترم حرية الإنسان وممتلكاته أن توافق تحت أي مسمى على إجبار الأغنياء على التوزيع للفقراء وإلا يكون عملها اغتصاباً لثروتهم، كما أنها لا تستطيع أن تقرّ العنف حتّى من أجل تحرير الفقراء والمظلومين بل تسعى إلى أن يدرك كل إنسان دوره.

– أخيراً، في أميركا اللاتينية لم يحقق لاهوت التحرير أهدافه، بل تحوَّل إلى حركة مواهبية (كاريزماتيك) رأى فيها الناس تطبيقاً للاهوت التحرير. أمّا في مناطق أخرى من العالم، ومنها لبنان، فقد تحوّل قسم كبير من دعاة لاهوت التحرير إلى أبواق تنادي بما لا تفعل حتّى أن بعضهم استزلم لأصحاب رؤوس الأموال من أجل المركز والصفة السياسية.

خاتمة

التطور الأخير هو أن أعلن البابا فرنسيس قداسة المطران السلفادوري أوسكار روميرو الذي قتله مجهول أثناء ترؤسه للقداس في 24 آذار 1980. لم يصل التحقيق إلى تحديد القاتل إنما أبرز المتهمين هو النظام السلفادوري في ذلك الحين الذي كان تابعاً للأميركيين، والذي ارتكب جرائم لا تقلّ بشاعة عن قتل أسقف أثناء القداس. روميرو كان رمزاً من رموز لاهوت التحرير وقد أدانه الفاتيكان في أكثر من مناسبة، ورفض البابا يوحنا بولس الثاني اعتباره شهيداً من أجل إيمانه، لأنه كان يعتبر أن لاهوت التحرير ليس إيماناً مسيحياً، وقد كرر هذا الرفض البابا بندكتوس. إلا إن البابا فرنسيس في مسيرته، التي تظهر أنه من خط لاهوت التحرير، طوّب روميرو قديساً ومن بعده راهبتين من فلسطين. من هنا يمكننا توقع أن تكرّ سبحة المطوّبين من كوريا والصين وغيرها من المناطق حيث يختلط الاضطهاد الديني بالاضطهاد الاجتماعي والسياسي، وبالتالي يصير تمييز الشهادة عن الاغتيال أكثر صعوبة.

رأى عدد من المحللين، من مسيحيين وغير مسيحيين، أن البابا فرنسيس يصالح الفاتيكان مع أميركا اللاتينية وأن ما يقوم به هو اعتذار مباشر للحرب التي شنّتها الكنيسة ضد “لاهوت التحرير”. إذا صحّ هذا التحليل ففي المستقبل القريب سوف يصير ممكناً الكلام علناً، عمّا هو قائم بتخفٍّ في الكثلكة، من كهنوت نسائي وزواج مثليين وقبول بالإجهاض لكونه حاجة اقتصادية وبالجنس قبل الزواج لأنه نتيجة طبيعية للنمو الجسدي عند الشاب والفتاة.

هل الأرثوذكس معزولين عن هذه التطورات؟ الجواب يأتي.

مراجع

Rev. Dr. Stanley S. Harakas. The Stand of the Orthodox Church on Controversial Issues. http://www.goarch.org/ourfaith/controversialissues

Alexander Negrov. An overview of liberation theology in orthodox Russia. http://www.hts.org.za/index.php/HTS/article/viewFile/437/336

Ambrose Mong Ih-Ren.  Towards an Orthodox Theology of Liberation: An Examination of the Works of Nicolas Berdyaev. http://orthodox-theology.com/media/PDF/IJOT2.2013/Ih-Ren-Orthodox-Theology-of-Liberation.pdf

Stephen Hayes. Orthodoxy And Liberation Theology. http://www.khanya.org.za/orthlib.htm

Gustavo Gutiérrez. A Theology of Liberation: History, Politics, and Salvation. Orbis Books, 1988

الأب وليم سيدهم اليسوعي. لاهوت التحرير في امريكا اللاتينية: نشأته، تطوره، مضمونه. دار المشرق.

حلمي القمص يعقوب. كتب مدارس النقد والتشكيك والرد عليها. 2004

ملاحظات حول العمل المسكوني

ملاحظات حول العمل المسكوني

الميتروبوليت هيلاريون

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

مقتطف من محاضرة ألقاها الميتروبوليت هيلاريون مطران فولوكولامسك، رئيس دائرة العلاقات الخارجية في البطريركية الروسية، في جامعتي وينشستر وكامبردج في 5 و6 شباط 2015. العنوان الأصلي للمحاضرة الكاملة هو “هل من مستقبل للعمل المسكوني؟”

حالياً، الحوار بين المسيحيين بلغ مرحلة حيث السؤال المطروح عليّ كموضوع للمحاضرة، “هل من مستقبل للعمل المسكوني؟” يكتسب موقعاً خاصة. فالظاهر أنّه بعد عقود من الحوار يتوقّع الإنسان التقاءً ملموساً حول بعض المواقف. فبالرغم من كل ذلك، لم يحدث هذا اللقاء، إذ لم تتحقق استعادة الوحدة التي أمر بها الربّ بين المسيحيين. على العكس، في هذه الأثناء، الفروقات بين الأرثوذكس والكاثوليك من جهة، كما الفروقات ضمن العالم البروتستانتي نفسه من جهة أخرى، صارت أكثر خطورة مما كانت عليه قبل خمسين أو سبعين سنة عندما كانت الحركة المسكونية في طفولتها. إلى هذا، فالاختلافات الحالية لا تقتصر على الأمور العقائدية التي تجري مناقشتها في اللجان الخاصة الثنائية والمتعددة الأطراف. الاختلاف اليوم يلامس مجال الأخلاق، وهو المجال الذي يمكن للشهادة المسيحية ألا تتأثّر بالضرورة بالاختلاف العقائدي. ما هو سبب هذه الاختلافات وهل من إمكانية لتخطيها

أحد أهمّ التحديات التي جابهت العالم المسيحي بأكمله في العقود القليلة الأخيرة هي العلمنة (secularism). إن تاريخها يعود إلى الثورة الفرنسية، مع هذا، لم يبلغ الوعي العلماني إلى الهيمنة على كل مستويات المجتمع الغربي إلا في القرن العشرين. إن أفكاره، المرتبطة بلا انفصام بفلسفة المادية والإلحاد، بدأت بأسر أفكار لا الفلاسفة وحسب بل السياسيين أيضاً. إن خطاب العديد من السياسيين والشخصيات الاجتماعية يتحوّل أكثر عدائية للمسيحية في دعواتهم إلى إخراج الدين من الحياة العامة ورفض المعايير الأخلاقية الأساسية المميزة لجميع التقاليد الدينية الأساسية

تحمل العلمانية اليوم في أوروبا طابع التشدد من حيث أنها تشوه الأشياء والرموز الدينية المقدسة. أحد الاتجاهات الرئيسية لهذا النشاط في الوقت الحاضر هو التدمير المنهجي للفهم التقليدي للزواج والأسرة. هذا ما تؤكده الظاهرة المعاصرة للمساواة بين ارتباط مثليي الجنس بالزواج التقليدي، من خلال الدعاية القوية لهذا النوع من العلاقة ومنح الأزواج من نفس الجنس الحق في تبنّي الأطفال وتنشئتهم

لقد تغير أيضاً الموقف من فكرة الحياة الإنسانية كقيمة لا يمكن تعويضها. القتل الرحيم قانوني في عدد من البلدان، والخروج الطوعي من الحياة لأسباب طبية هو أيضاً قيد النظر، حتّى للرضع. الإجهاض، أي قتل الأطفال في رحم الأم، صار قانونياً وهو يشكّل منذ فترة طويلة القاعدة. إن طريقة الحياة المنتشرة في صفوف الشباب: عبادة الاستهلاك، الفوضى الأخلاقية، الإباحية الجنسية والفهم الخاطئ للحرية كلها تُبرَّر بحجة أن من المفتَرَض أن يكون لكل إنسان الحق في السعادة الشخصية

من وجهة نظر تعاليم الكتاب المقدس هذا كلّه دليل على أزمة روحية عميقة في الحضارة المعاصرة. إن مفاهيم الخير والشر صارت أكثر غموضاً من أي وقت مضى في المجتمعات التي كانت، حتى وقت قريب، تعتبر نفسها مسيحية. لقد ضلّ الشخص البشري طريقه في العلاقة مع العالم الخارجي وصار أعزلاً في مواجهة أهوائه. لقد رُفِعَت حقوق الأفراد إلى موضع أعلى من مصالح الغالبية العظمى من السكان، ما يؤدي إلى تعاظم التوتر الاجتماعي

جواب الكنائس المسيحية على هذه التحديات ماذا ينبغي أن يكون؟ فمن الواضح يجب أن يقوم على الوحي الإلهي وحده كما تسلّمناه في الكتاب المقدس. فالكتاب المقدّس هو الأساس المشترك الذي يجمع كل الطوائف المسيحية، بما في ذلك الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت. يجوز لنا اتخاذ مقاربات مختلفة جوهرياً في تفسير الكتاب المقدس، ولكن لدينا كتاب مقدس واحد، وتعليمه الأخلاقي واضح تماماً

في نفس الوقت نرى كيف أنّ بعض الكنائس المسيحية تفضل الاسترشاد بمعايير أخرى في تعاملها مع القضايا الأخلاقية. إن وجود مؤثّرات، غير لاهوتية بل اجتماعية وحتى سياسية، على العقيدة الأخلاقية يجعلها على نحو متزايد بعيدة عن تلك التي نجدها في صفحات العهد الجديد، أي في الرسالة التي حملها المسيح والرسائل التي كتبها القديس بولس

إن التحدث عن نظام واحد من القيم الروحية والأخلاقية المقبولة من جميع المسيحيين أصبح الآن أكثر صعوبة. يوجد اليوم نسخ مختلفة من المسيحية التي يعبّر عنها مختلف الطوائف. من هذا المنظور جميع المسيحيين في هذا العصر يمكن تقسيمهم إلى مجموعتين: التقليدية والليبرالية. إن ثغرة كبيرة تفصل بين التقليديين والليبراليين ليس مثله ما يفصل الأرثوذكس والكاثوليك أو الكاثوليك والبروتستانت. يؤكد بعض القادة المسيحيين أن على الكنيسة أن تكون على قدر كافِ من الشمولية حتى تدرك المعايير السلوكية البديلة وتباركها رسمياً. التقليديون، بدورهم، يتّهمون الليبراليين بنبذ المعايير المسيحية المشتركة الأساسية وتمييع أسس التعاليم الأخلاقية المسيحية

تعتقد الكنيسة الأرثوذكسية بأننا في هذه الحالة لا نتعامل مع تقليدية عفا عنها الزمن بل مع الإخلاص للوحي الإلهي الوارد في الكتاب المقدس، وبالتالي مع أصالة البشارة المسيحية. وإذا كان المسيحيون المسمّون ليبراليين يرفضون الفهم التقليدي للقواعد الأخلاقية، فهذا يعني أننا نواجه مشكلة أكثر خطورة إذ يتّضح أننا منقسمون ليس فقط على القضايا التي تحمل طابعاً “تقنياً”، من وجهة نظر العالم الخارجي، وتتصل حصراً بالحوار المسيحي الداخلي. حالياً نحن منقسمون حول جوهر هذا الشهادة الذي نحن مدعوون لحملها إلى العالم الخارجي. نحن لم نعد نتكلم بصوت واحد، لم نعد نبشّر بتعليم أخلاقي واحد، لم نعد قادرين على تقديم دفاع مشترك موحد من المبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها حياة الجماعات المسيحية على مر القرون، وعليها تمّ بناؤها

توحيد الفصح بين الشعبوية والهمّ الكنسي

توحيد الفصح بين الشعبوية والهمّ الكنسي

الأب أنطوان ملكي

 

يمكن تعريف الشعبوية كنوع من الخطاب الذي يدغدغ عواطف الجماهير لكسب تأييدهم وللحفاظ على نسبة معينة تعطيهم مصداقية وشرعية. وعكس الشعبوية هو تقديم المعلومات والأرقام والبيانات بشكل يخاطب عقل الناس لا عواطفهم

لماذا الكلام عن الشعبوية؟ لأننا في فترة فصح 2015، قرأنا عدة أخبار عن احتفالات عشوائية توحّد فيها تعييد الفصح بين المسيحيين في بعض المناطق، وهذه الأخبار رافقها كلام يأتي ضمن الخطاب الشعبوي الذي يسعى إلى وحدة اجتماعية تضمن للمجتمع بعض أشكال سلامه أو أوهامه، لا ضمن الخطاب الرزين الساعي فعلاً إلى وحدة إيمانية ضمانتها المسيح

ورد على على صفحة koura.org من الفايسبوك خبر منه “ترأس الأب الياس نصار خدمة الآلام في كاتدرائية مار جاورجيوس الدهليز في أميون بمعاونة المونسينيور الماروني جورج عبود وكل من الآباء الموارنة شارل قصاص ٬ جورج عبود ٬ يوسف الزغبي وميلاد مخلوف ولفيف من الشمامسة. وخدمت جوقة الرعية في حضور حشد من الشخصيات والمؤمنين. وفي المناسبة ألقى الأب نصار عظة نوّه فيها بالوحدة المسيحية٬ والخدمة التي جمعته مع آباء من الكنيسة المارونية. متمنياً أن يلقى هذا المشهد اهتمام قادة كنائس العالم ويعملوا على توحيد الكنيسة كما الآباء فيها والمؤمنون موحدون”

في الإطار نفسه ورد على شاشة الأو تي في خبر عن صلاة مشتركة في عيد الفصح في ضهور الشوير في تقرير أعدته غريس ميخائيل، ونشرته صفحة tayyar.org. من أهم ما ورد في الخبر أن “أبناء الضهور العلمانيين هم من منظمي الحدث، وهم نموذج بتمسكهم بإيمانهم لا للطائفية”، عن لجنة توحيد عيد الفصح في ضهور الشوير يقول فريد الصباغ: “نشاطنا بضيعتنا ديني محض، ونحن اصحاب فكرة الطائفة 19 وهي التي تدعو للعلمانية، ولأن كلّ إنسان حرّ بايمانه. وليكون الوطن هو جامع كل المواطنين”. وتقول أحدى السيدات: “نحن بضهور الشوير ما اكتفينا بالوحدة الكنسية، كان عندنا على عيد الميلاد وحدة وطنية وتجسدّت بتراتيل مسيحية اسلامية بكنيسة بضهور الشوير”. خادم رعية الشوير للموارنة الأب جوزف مخلوف يقول: “لا اعتراض من رؤسائنا، ومطران الكاثوليك الحالي والذي سبق يؤيدون ذلك، وكذلك مطران انطلياس المارونية”

الشعبوية في هذا الكلام واضحة وضوح الشمس: ما علاقة العلمانية بنشاط ديني محض؟ ما علاقة الطائفة 19 باحتفال الطوائف الأخرى خاصةً إذا كانت تدعو إلى العلمانية؟  ما علاقة كل هذا بالوطن الذي هو للجميع؟ واضح أن العبارات تعكس انفصاماً خطيراً يفرغها من كل معانيها المباشرة أو التي يمكن استخلاصها

يرى الباحث الفرنسي بيير أندريه تاغييف أن الشعبوي قد لا يهدف بالضرورة إلى تضليل الآخرين لأنه يبدأ أصلاً بتضليل نفسه. فالشعبوية تزعم أن “السياسة شيء سهل ويمكن إدراكه بالنسبة للجميع وأن اعتباره معقداً يعود إلى مكيدة وضعها النخبويون لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار” [1]. هذا الوصف ينطبق تماماً على كلام الخوري الياس نصار الذي يرى أن دعوته لكهنة الموارنة للمشاركة في صلاة في كنيسته، مخالفين قوانين كنيستهم كما يخالف هو قانون كنيسته، إنما هي دعوة بطولية “رسولية” يريدها أن تضمّ العالم كلّه. كذلك ينطبق هذا التوصيف للشعبوي على كل ما ورد في تصريحات المعنيين في تنظيم هذه الاحتفالية في ضهور الشوير

أين الهمّ المسيحي؟

بدايةً، الوحدة المسيحية لم تعد سؤالاً بل هي مسعى فعلي تلتزم به كل المجموعات المسيحية في كافة مناطق العالم. فالانقسام ليس حكراً على لبنان والشرق الأوسط، وإن يكن أبناء الشرق الأوسط يتحسسون جسامة الانقسام أكثر من غيرهم بسبب من تركيبتهم الاجتماعية، حيث نسبة الزيجات المشتركة بين الأرثوذكس والموارنة مرتفعة وحيث يلتقي الروم الأرثوذكس والكاثوليك في كثير من الأصول والفروع العائلية. على الأكيد، لا يتوقع أحد من الكاثوليكي الإسباني أو من الأرثوذكسي اليوناني أن يعرفا قيمة الانقسام المسيحي وتأثيره على الحياة اليومية والعمل الرعائي في سلوك المسيحيين، حتى ولو كانوا أساتذة في اللاهوت. من هنا، قد يكون ضرورياً أن يكون حضور مسيحيي المناطق المختلطة أكبر في جلسات الحوار

لكن الأخبار كالتي وردت أعلاه تطرح أسئلة عن مدى النفع الذي قد تقدمه لقضية الوحدة المسيحية. فالوحدة المسيحية هي القضية وليس توحيد تاريخ الفصح، واختزال الوحدة بتوحيد العيد هو مقاربة دهرية لا تمتّ إلى الإيمان بصلة

تقتضي المقاربة الدهرية لأي أمر أن يكون معياره هذا الدهر. ولكي لا نطيل الشرح وندخل في صلب الموضوع، المقاربة الدهرية لتعييد الفصح تجرّده من العمق في معانيه الروحية وتأخذ ما يطفو على الوجه منها لتضعه في قالب قابل للتبدل بحسب الأفراد والمجموعات والمجتمعات. فأن يصير عيد الفصح عيد البيض قد لا يتعدّى كونه ضعفاً تربوياً قد يكون في خلفيته دهرية إنما هي بالغالب سطحية. أما تصوير الاختلاف بين الشرق والغرب في تاريخ التعييد للفصح على أنه أسوأ من الانقسام أو كأن كل ما في الانقسام هو تاريخ العيد، فهو خطر ومذوّب للحق. فالغرب انشقّ عن الشرق في 1054 ميلادية، واعتمد التقويم الغريغوري في 1594. فيكون عدد التعييدات بعد الانشقاق في نفس التاريخ 540 أما التعييد في تاريخين مختلفين فهو 421. هل كان هناك وحدة خلال ال540 سنة المذكورة؟ لا لم يكن؟ لماذا لم يجد الناس أزمة في الأمر؟ لأن الهمّ كان الوحدة وليس التعييد

كلّ المتحمسين اليوم لتوحيد العيد أسبابهم اجتماعية لا لاهوتية. طبعاً، أسباب اختلاف تواريخ العيد ليست لاهوتية. الأمر اللاهوتي الوحيد في شأن تاريخ العيد هو قانون المجمع المسكوني الأول الذي يمنع التعييد مع اليهود أو قبلهم، وهذا ما خالفه الغرب ما يزيد على الستين مرة في ال421 سنة الماضية. وحتّى الأسباب الاجتماعية التي يوردها المتحمسون لتوحيد العيد في بلادنا، رفضها الموارنة لأنهم يرون أن وحدتهم الداخلية أهم من الوحدة الاجتماعية. فقد سمح البابا يوحنا بولس الثاني لكاثوليك الشرق بأن يعيدوا مع الأرثوذكس إذا ارتأوا ذلك، وهذا ما حصل في عدة أماكن كوادي النصارى وصافيتا في سوريا وضهور الشوير في لبنان. أما الموارنة فكان رأيهم ما نفع أن أعيّد أنا والمسيحي الآخر في لبنان في يوم لا يعيّد فيه الموارنة في الغرب وعددهم أكثر من نصف الموارنة في العالم. هذا سؤال لا يمكن طرحه على الأرثوذكس المتحمسين لتوحيد العيد لأن ما يجري هو أن الكاثوليك يأتون إليهم وليس العكس. وقد يتباهى بعضهم ظاناً أنه غلب الكاثوليك، وهذا موقف أسوأ من موقف مَن يرفض توحيد العيد. فمَن يرفض التوحيد قد يكون غيوراً على الكنيسة أو قد يكون غيرَ محب للآخرين، أما مَن يرى أنه غلب الكاثوليك إذ عيّدوا معه فهو مراءٍ يقول غير ما يضمر

كل التواريخ هي اصطلاحات. الوحدة الحقيقية تتخطى الكلام. الوحدة الحقيقية هي في الحق والحق هو تعليم الكنيسة كما سلّمه الرب للرسل والرسل للآباء، أما أخطاء الأفراد والجماعات أو فضائلهم فتأثيرها أن تخفي الحق أو تظهّره لا غير. لقد توصّل الأرثوذكس اليوم إلى القناعة بأن الحروب الصليبية يجب ألا تمنع الوحدة المسيحية، لكن في المقابل ينبغي أن يتخلّوا فعلياً عن العقلية التي أدّت إلى قيام هذه الحروب. المشاكل التي يواجهها العالم اليوم، من تلك التي يطرحها العلم إلى تلك التي تستغلها الأنظمة السياسية مروراً بكون المسيحيين هم المجموعة الأكثر تعرضاً للاضطهاد في القارات الخمس، سواء رأى الناس أن أسبابها أخلاقية أو غير ذلك، كل هذه المشاكل جعلت المسيحيين من كل الطوائف يعترفون بوجوب توحيد خندقهم في وجه كل المحاولات التي تسعى لمسح وجه المسيح عن هذا العالم وتسليمه إلى ضده. لكن توحيد الخندق لا يعني وحدة الكنيسة إلا إذا عاد الفهم العقائدي اللاهوتي واحداً ومشتركاً

فقد المسيحيون الوحدة لأسباب لاهوتية والوحدة تعود عندما يعود المسيحيون إلى الاتفاق حول هذه الأسباب. السياسة لا تصنع وحدة وتاريخ الكنيسة يثبت أن كل المحاولات التي استعان فيها أحد الأطراف المسيحية بالحكّام للتوصل إلى وحدة أنتجت رداً عكسياً، منذ أول انشقاق في انطاكية إلى كل ما جرى في أوروبا على يد الجرمان ومن ثم الهنغار والبولنديين وصولاً إلى الأوزتاشي في كرواتيا وإلى ما يحاوله أوكرانيو الغرب اليوم

يجري اليوم في العالم نشاطات كثيرة محورها الخدمة المشتركة ونتائجها تدفئ القلوب. وفي المقابل تقوم نشاطات عديدة لا تبث إلا الاشمئزاز والقلق. مطلوب موقف واضح من الرئاسات الكنسية، لأن الشعب بغالبيته تنقصه الثقافة الإيمانية. كاهن ضهور الشوير قال أنّ لا اعتراض من الرؤساء وسمّى مطراني الروم الكاثوليك والموارنة ولم يذكر مطران الأرثوذكس. هل هذا يعني أن موافقته مضمونة أو أن الاحتفال أُقيم من غير علمه؟ هل استحصل خوري أميون على إذن من مطرانه قبل أن يتكرّم بدعوة كهنة الموارنة؟ في الحالين، إذا كان الأمر جرى من دون معرفة الرئاسة الكنسية الأرثوذكسية، فتكون المخالفة مضاعفة ويجب أن يُصار إلى وضع حد لها. أما إذا كان الاحتفالان أقيما بموافقة الرئاسة، فسلسلة الأسئلة تطول، بدءً من العلاقة مع الكنائس الأرثوذكسية الأخرى، وصولاً إلى مستقبل الأرثوذكسية في بلاد لا تعرف شيئاً عن مستقبلها

[1] أمير طاهري. “تقديم الشعبوية باعتبارها سياسة”. جريدة الشرق الأوسط، الاربعـاء 24 رجـب 1428 هـ 8 اغسطس 2007 العدد 10480. http://archive.aawsat.com

تحديد القداسة: طريقة الكثلكة والمنهج الأرثوذكسي

د. ألكسندروس كيرو*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن التغطية الإعلامية لقداس الفاتيكان في السابع والعشرين من نيسان (2014) كان تقريباً بلا مثيل سابق، ومثله أيضاً كان سبب الحماس، ألا وهو أن بابوين يترأسان إعلان قداسة بابوين آخرين. في الخدمة التي طالت ساعتين والتي حضرها أكثر من خمسين رئيس دولة، ألف أسقف، وشاهدها أكثر من مليون متفرّج، أعلن البابا فرنسيس، ومعه البابا الفخري بندكتوس السادس عشر، قداسة سلفين بابوين: يوحنا الثالث والعشرين ويوحنا بولس الثاني.

إن الاهتمام الكوني الناتج عن الطقس المنظّم بتأنٍّ، طقس إعلان قداسة بابوين أنتج ارتفاعاً إضافياً لشعبية فرنسيس المرتفعة أصلاً. هذا الإعلان المزدوج للقداسة هو عمل غير مسبوق وقد أظهر مهارات فرنسيس السياسية والقيادية الاستثنائية. بالواقع، المجاز الأساسي في التحقيق الصحفي تركّز حول الفطنة الدبلوماسية لدى البابا فرنسيس، الذي رفع عصاه ببراعة في وجه كل من الكاثوليك التقدميين والمحافظين، بإكرامه لكل من المجموعتين باباها المحبوب: ففي النهاية هو ترأّس في نفس الوقت إعلان قداسة البابا الليبرالي يوحنا الثالث والعشرين الذي أسّس حركة إصلاح الكثلكة، أي الفاتيكان الثاني في مطلع الستينيات من القرن الماضي، ويوحنا بولس الثاني أي البابا المحافظ بشدة الذي أوقف الإصلاح. مسؤولو الفاتيكان كانوا سريعين في التقليل من أهمية المهارة السياسية التي تضمّنها الإعلان المزدوج للقداسة، إلا إن الحقيقة تبقى أنّ النية خلف هذه الحيلة كانت منح السلطة لفرنسيس فيما هو يتقدّم نحو توطيد نظرته الخاصة للكثلكة، متحررة من ظلّ كلّ من البابوين يوحنا ويوحنا بولس.

قد لا يكون مفاجئاً أن اهتمام أغلب المعلّقين بالأبعاد الدينية للإعلان المزدوج كان أدنى بكثير من الاهتمام الذي أبدوه بالأوجه السياسية والرمزية والتاريخية للحدث. لقد غابت تقريباً قضايا الإيمان عن أغلب مناقشات الإعلان كما غاب كلّ شرح للقداسة بحدّ ذاتها. مع أن القديسين مركزيّون في تعاليم كل الكنائس الرسولية، إلا إن فهم القداسة ومعناها ليسا متشابهين في الكثلكة والأرثوذكسية. إلى هذا، الاختلافات في فهم القداسة تؤكّد وجود افتراق أساسي في اللاهوت والنظرة إلى العالم بين الكنيستين الشرقية والغربية.

هذا التمييز يمكن تصويره بمقارنةِ مقاربة كل من الأرثوذكسية والكثلكة للقداسة. كيف تصيّر الكثلكة شخصاً ما قديساً؟ يصير الإنسان قديساً في الكثلكة الرومانية من خلال عملية رسمية للإعلان. لإتمام العملية ينبغي تحقيق خمس أحكام مع ما يتعلّق يها من الخطوات. تشرف على كل خطوة في العملية دائرة محددة في الفاتيكان تتعامل مع نظام إسباغ القداسة. أولاً، ينبغي مرور خمس سنوات على موت المرشّح للقداسة قبل الابتداء بالعملية التي تؤدّي إلى إعلان القداسة. ثانياً، بالاتفاق مع مسؤولي الفاتيكان، يباشر أسقف الأبرشية التي مات فيها المرشّح تحقيقاً في حياة المرشح ليحدد ما إذا كان الميت خادماً لله، أي إذا ما كان قد سلك بقداسةِ حياةٍ كافية لقبول ترشّحه للقداسة. ثالثاً، تقوم لجنة بابوية “مجمع دعاوى القديسين” بتقييم الدلائل والتوصيات المقدمة من أسقف الأبرشية، وتحديد ما إذا كان المرشح قد أثبت أنه عاش حياة من البرّ البطولي، وترفع استنتاجاتها للبابا. لبلوغ المرحلة الرابعة، أي التطويب، يجب أن تتحقق لجنة من كبار مسؤولي الفاتيكان من أن معجزة واحدة على الأقلّ قد تكون تمّت بصلوات المرشّح كاستجابة لطلب شفاعته. الخطوة الخامسة هي إعلان القداسة. بالرغم من أنه ليس مطلوباً من الشهداء سوى معجزة محققة واحدة، فإن معجزة ثانية مرتبطة بصلوات المرشّح بعد تطويبه هي الشرط الرسمي الأخير لإعلان القداسة أي لأن يعلن البابا هذا الشخص قديساً.

قد يكون لدى الطريقة الكاثوليكية المنظّمة لتحديد القداسة كلّ سِمات العملية التشريعية أو القضائية الفعاّلة والمنطقية، لكن لا علاقة لها بروح القداسة المسيحية وتقليدها. خلال الألفية المسيحية الأولى اعترفت الكنيسة بقديسين من دون اللجوء إلى أي إجراء رسمي أو قانوني لإعلان القداسة. في الفترة المبكِرة من حياة الكنيسة اختير القديسون بناءً على هتاف الشعب المؤمن. لمدة ألف سنة، في أراضي المسيحية الشرقية كما الغربية، كانت جماعات المؤمنين المحلية تذكر الرسل والشهداء وغيرهم في اجتماعاتها الليتورجية، تستدعيهم في صلواتها، توقّر رفاتهم، وتؤمن بأنهم مَركَبات للروح القدس. لقد عرفت الكنيسة الأولى ستّةَ أشكال أو فئات من القديسين بحسب دورهم في حياة الكنيسة: أجداد المسيح والأنبياء، الرسل والإنجيليين، الشهداء والمعترفين، آباء الكنيسة ورؤسائها، النساك والرهبان، الأبرار والمتقدّسون في المسالك الأخرى من الحياة. لكن الكنيسة لم تطوّر أيّ إجراء جامد وقضائي لإعلان القداسة.

ما تعليل انفصال الغرب عن تقليد الكنيسة المسيحية القديم الجامع؟ عندما بدأت البابوية بتأكيد طموحاتها إلى سلطة عليا على كل المسيحية، بدأت كنيسة الغرب بتحريك عملية متصلّبة قادت إلى تغرّب روما عن أصولها الأرثوذكسية. ببساطة، اهتمام البابوية بالقوة والسلطة الكنسية العليا يشرح سبب إصرار روما منذ نهاية القرن العاشر على أن يتمّ تسجيل القديسين بصورة منهجية رسمية ليصادق عليها البابا. لتبرير اغتصاب البابوية لسلطة تحديد القداسة والسيطرة عليها، طوّرَت الكنيسة في الغرب طريقة قانونية للغاية ودقيقة بالظاهر لتحديد مَن هم القديسون، وما زالت هذه الطريقة قيد الاستعمال إلى اليوم في الفاتيكان. وبما يتفق مع تطلعات إلى السلطة المطلقة والقوة، انتقلت كنيسة الغرب لإخضاع كامل الإجراء القانوني إعلان القداسة لسلطة البابا الاستبدادية. بتعبير آخر، احتفظ البابوات لأنفسهم بامتياز يتيح لهم التخلي عن أو تغيير أيٍ من المتطلبات أو الإجراءات بحسب إرادتهم.

لم تطوّر الكنيسة الأرثوذكسية أيّ نظام قانوني للقداسة. بالواقع، هذه الممارسة تتناقض مع التقليد الأرثوذكسي القائم على التكامل الكليّ بين العقيدة والممارسة. تستمر الأرثوذكسية باتّباع مبادئ ومواثيق الكنيسة الأولى. إذاً، كيف تصيّر الكنيسة الأرثوذكسية إنساناً ما قديساً؟ تعمل الكنيسة الأرثوذكسية من افتراض أساسي بأن الكنيسة لا تصيّر قديسين بل الله وحده. بهذا المعنى، إعلان القداسة في الكنيسة الأرثوذكسية لا يتضمّن منحاً للقداسة. على الأصحّ، الكنيسة بملئها تسلّم بصحّة أن الشخص هو قديس من قبل، وهذا مفهوم منبثق من مبدأ لاهوتي قوامه أن المرء يكتسب القداسة بالتألّه أي العيش بالتناغم مع نعمة الله إلى حدٍ تصير فيه القداسة كاملة.

جورج بابيس، اللاهوتي اليوناني المعروف، يوضح أن للرئاسة الكنسية، خاصةً البطريرك المسكوني، دور رئيسي يلعبه لصيانة إعلان القداسة من التعسّف، ويقدّم لنا خلاصة ممتازة عن الطريقة الأرثوذكسية التي هي تقليد يكرّم ويحترم دور الشعب المركزي في تحديد القداسة: “لا تتبع الكنيسة الأرثوذكسية أيّ إجراء رسمي للاعتراف بالقديسين. بالأصل، تقبل الكنيسة كقديسين أولئك الذين احتملوا الشهادة من أجل المسيح. القديسون هم قديسون بنعمة الله، وليسوا بحاجة للاعتراف الكنسي الرسمي. الشعب المسيحي، إذ يقرأ حياتهم ويشهد على اجتراحهم المعجزات يقبلهم ويكرّمهم كقديسين. القديس يوحنا الذهبي الفمّ، اضطُهِد ونُفي من قبَل السلطات المدنية والكنسية، قُبِل كقديس في الكنيسة إذ نادى به الشعب. القديس باسيليوس الكبير أعلنه الشعب قديساً في الكنيسة مباشرة بعد موته”.

بقدر ما هم القديسون أساسيون لتاريخ وتعاليم الكنيسة، يتّخذ التناقض الصارخ، بين نظام الكثلكة والطريقة الأرثوذكسية في تحديد القداسة، أهمية بذاته ومن ذاته، كما بالنسبة لما يكشفه حول نقاط الاختلاف الواسعة والعميقة بين الجماعتين، حيث من جهة تتبنّى الكثلكة القوننة والتركيز على الخلاص بالمنطق والطاعة والإجراء، بينما الأرثوذكسية تؤمن بالفداء من خلال الحرية والنعمة وسرّ الله.

الكثير من القديسين مشترَكون بين الأرثوذكسيين والكاثوليك، كما أنهم يشتركون في توقير القديسين في حياة المسيحيين. في الوقت عينه، تتباعد كنائس الشرق والغرب حول مفهوم الطريق إلى القداسة. التوفيق بين الجوهر مقابل النهج المتعلق بالقديسين والقداسة هو فرق لم يتمّ التعبير عنه كخلاف لاهوتي مفتوح، وبالتالي هو أمر يحمل إمكانيةً لحوار وقرار لا يثيران النزاع ويفتح الطريق نحو الردم المستمر للهوة بين القسطنطينية وروما. إن حوار المحبة المعبَّر عنه في حجّ الإخوة، رحلة البطريرك المسكوني برثلماوس والبابا فرنسيس إلى أورشليم، يطرح إمكانيات لترميم الجراح في جسد الكنيسة المسيحية. إن فعل شفاء مثل هذا سوف يكون عجائبياً بالطبع، وهو عمل لطالما كُرِّم القديسون، الأرثوذكس والكاثوليك، ووُجِّهَت لهم المحبة من أجله.

* د. ألكسندروس كيرو هو أستاذ تاريخ في جامعة ولاية سالم الأميركية حيث يدرّس عن البلقان وبيزنطية والإمبراطورية العثمانية

رسالة رعائية حول اللقاء الأخير بين البطريرك المسكوني والبابا في أورشليم

نيقولاوس، مطران ميسوغيا ولافريوتيكي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

في أحد الآباء القديسين، كتب الميتروبوليت نيقولاوس، مطران ميسوغيا ولافريوتيكي، رسالة رعائية مفيدة ومتزنة، حول اللقاء الذي تمّ بين بطريك القسطنطينية وبابا روما بمناسبة العيد الخمسين لرفع الحرم بين الأرثوذكس والكاثوليك.

إلى كهنة الرعايا الورعين والشعب التقي في أبرشيتنا المقدسة

أيها الآباء والإخوة

لقد أنهينا لهذه السنة موسم الفصح وها نحن الآن ننتظر العنصرة. إن نفوسنا تتنقّل بين فرح قيامة السيد ورجاء نعمة الروح القدس. “المجد لله على كلّ شيء“. أتمنّى للجميع نعمة المعزّي الغنيةوكما هو الحال دائماً، توتر الانقسامات بيننا يتبعه تحدي الوحدة والجهود المشتركة، حتّى أننا معاً نواجه انقضاض حياتنا اليومية التي لا تطاق

إلى هذا، لقد خُتم الأحد الماضي حدثٌ ذو وجه كنسي: اللقاء بين بطريركنا المسكوني برثلماوس وبابا روما فرنسيس في أورشليم، أمام القبر المقدس، بعد خمسين سنة من رفع الحرم. لقد غطّت وسائل الإعلام الحدث وتكلّمت عن المحبة والمصالحة والمسامحة والفهم المتبادَل والتقدم في العلاقات بين الكنائس. بعض الأصوات الأخرى تحدّثت عن خيانة الإيمان والتسوية والولاء لمبادئ العصر الجديد والتوفيقية العالمية.

لأن كلاً من هذه الأشياء قد يعبّر بحد ذاته عن جزء من الحقيقة، لكنها معاً قد تكفّن أسرارها أو تقود أفكارنا وحسّنا الإيماني في الاتجاه الخاطئ، شعرتُ على ضوء مسؤوليتي الروحية بالحاجة إلى التواصل معكم كوني أسقف هذه الأنحاء.

مَن يستطيع أن يجادل بأن المحبة والمسامحة والمصالحة هي مفاهيم مضادة لحقيقة الإنجيل؟ ما الفائدة من المحافظة على الحرم لقرابة الألف سنة، وقد حُرِم المجتمع وقُطِع من جسد كنيستنا المقدسة ملايين من الغربيين على مدى القرون إلى اليوم؟ من جهة أخرى، كيف يمكننا أن ننكر الانقسام الرهيب في القرن الحادي عشر والذي أدّى إلى الانتشار غير المسؤول للعقائد والتعاليم الهرطوقية التي صارت متجذّرة في مجمل حياة المسيحية الغربية وفي آخر الأمر شوّهت وجه المسيح مدمرة روح الإيمان ومسببة انهيار معنى السر؟ كيف يمكننا أن ننكر النتيجة التي هي انحطاط الإيمان إلى حد قبول آراء مسيحية متنوّعة، حيث استُبدِل مجتمع الله بعاملين اجتماعيين، والكنيسة صارت ديناً، واللاهوت صار تخميناً، والإعلان الإلهي صار حججاً كلامية من دون أي مقاومة جوهرية؟

لا نظلم الحقيقة إذا قلنا أن الغرب بعد قطع الشركة مع كنائس الشرق، وفي الجوهر انفصاله عن الجسد الكنسي، تغرّب واقتيد بشكل لا يمكن تلافيه إلى الضلالات، ومزّق الإيمان في كلٍ من اعترافه وخبرته وأضعَفَ عملَ النعمة، لأنّه استبدلها بالجهاد الأخلاقي. هذا ما قاله قديسون أمثال غريغوريوس بالاماس ومرقس أفيانيكوس (أسقف أفسس) اللذين جاهدا كثيراً لكي يجلبا إلى النور الاختلافات بين الأرثوذكسية (الرأي المستقيم) والبابوية ذات الرأي الفاسد (cacodoxy).

إن البرهان على أن الغرب ما زال إلى اليوم يسبح، بشكل لا شك فيه، في بحر من الأخلاقيات الفاسدة والخديعة والمعتقدات الهرطوقية، هو أنه يجد صعوبة في فهم القديسين اللاهوتيين المذكورين أعلاه، كما في فهم الأرثوذكسية، ما ينتج عنه أن تواصلَنا مع الغرب يتطلّب حوارات لا تنتهي ولا تحسم أيَّ أمر. لهذا مسؤوليتنا الأولية هي في أن لا نواجه وندين تراثهم ذا الرأي الوخيم، بل بمحبة وألم واتّضاع أن نعترف بالإيمان الأرثوذكسي ونفعّله في داخلنا.

ما يفصلنا في الجوهر أيها الإخوة الأحباء ليس تأكيد الأولوية ولا نتائجها التاريخية الحزينة كالحملات الصليبية، ولا حتى الجراح العميقة المسببة من خديعة الاتّحادية (Unia) المنظّمة، ولا حتى الأنواع المختلفة من الممارسات الليتورجية والأسرارية. بالطبع، كل هذه الأمور هي مخالفات عظيمة وقد سببت جراحاً عميقة، لكن يمكن حلّها في كنيستنا. لهذا السبب، مبادرات المسامحة في هذالاتّجاه هي مباركة بالتأكيد طالما لا تتعارض مع استقامة الخُلُق والعقيدة الأرثوذكسيين.

أسوأ ما في الأمر هو أن مفاهيم مثل السرّ، النعمة، التواضع، المحبة، الحقّ، واللاهوت صارت عبارات مجرّدة من معناها الروحي وجُفِّف محتواها، وقد أنزِلَت إلى مجرّد عبارات دهرية ذات غطاء ديني. وبالنتيجة، شوّهت هرطقة الغرب وجهَ المسيح وجعلت وجه الإنسان بشعاً. كيف لنا أن نتجاهل هذه الأمور؟ نحن لا نتجاهلها ولا ينبغي أن نتجاهلها. مع هذا، إلى جانب كل هذه الأمور يوجد حقيقة مأساوية. خطأ الغرب الفاجع يتمّ تحويله إلى الشرق. لقد فقد الغرب إيمانه. الشرق ما زال إلى اليوم يتمسّك بالإيمان الأرثوذكسي، لكنني أتساءل إلى أي مدى نحن نعيشه؟ وإذا كانت حياتنا غريبة عن إيماننا، نكون ربّما أسوأ منهم لأنهم فقدوه عن جهل. فبدل الصراخ بنبرات هجومية ضد الغرب، ربّما ينبغي أن نوبّخ أنفسنا؟ بالحقيقة، ما نفع الدفاع عن إيمان ليس مثبّتاً في حياتنا؟ أي منفعة هي في توبيخ الآخر الذي وُلِد وتربّى بتلك الطريقة، حين لا نوبّخ تناقضنا؟

قد تكون الحاجة بشكل رئيسي في العلاقات بين المسيحيين، ليس إلى توبيخ ضلال الغرب بلا هوادة، ولا من جهة الأخرى إلى الاندفاع في إظهار علاقات وديّة غير ناضجة، بل بالأحرى إلى الاعتراف الصريح بالإيمان الأرثوذكسي وتوجيه الدعوة المتواضعة للغربيين إلى هذا الإيمان. في نهاية المطاف، قد يحيا الغربيّ الإيمانَ بشكل أفضل من شخص حافظ عليه ولم يعِشه في حياته اليومية، فهم يجهلون الخُلُق (الروحية) والتعليم لكنهم قد يكونون جديّون في البحث عن الحقيقة. ما نحتاجه هو الوحدة في التواضع بالنسبة لنا نحن الأرثوذكسيين والاعتراف بمحبتنا للعالم وغير الأرثوذكسيين.

قبل لوم الآخرين على أخطائهم علينا أن نتوب على قلّة شهادتنا. إن لم يرَ الآخرون الفرقَ في حياتنا كيف لهم أن يتعرفوا على عقائدنا؟ إن لم يعترف الغرب باتّضاعٍ بانحرافاته العقائدية وحاجته للعودة إلى ملء الحق، ومن الجهة المقابلة إن لم يحيَ الشرق الأرثوذكسي بركةَ ثروته اللاهوتية التي هو مسؤول عنها، ولا يميّز الحاجة إلى التوبة عن شهادته غير المنسجمة مع لاهوته، فلن يكون للحوارات والصلوات غير الناضجة واللقاءات المشتركة أي صفةٍ سوى الدهرية في التخاطب، فيما هي تعمّق الالتباس وتبعد كلاً منا عن الحق الخلاصي.

أيها الإخوة، اِسْهَرُوا. اثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ. كُونُوا رِجَالاً. تَقَوَّوْا. لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ.” (1كورنثوس 13:16-14).

مع الدعاء والمحبة الوافرة في الرب

نيقولاوس، مطران ميسوغيا ولافريوتيكي

نتواصل ولا نشترك

نتواصل ولا نشترك

الأب توماس فامفينيس

 

توجد في بعض الأحيان بعض الإشارات السياسية أو الاجتماعية في بعض نصوص الإدارة الكنسية،  ولكنها لا تأتي أبداً من دون التعديلات والتوضيحات الضرورية. هذا أمر يشير إلى مقاربة خارجية بعض الشيء للكنيسة، مقاربة غريبة عن محتوى الكنيسة. فالكنيسة ليست مؤسسة سياسية، ولا هي حزب سياسي ولا أي شكل من أشكال الاتحادات الثقافية أو الخيرية. لقد تأسست أسرارياً لا قانونياً. إنها كائن حي لا مؤسسة.

الكنيسة موجودة ككائن حي إلهي – بشري وهي منخرطة سياسياً في التاريخ البشري، لكن هدف سياستها هو الملكوت ولهذا نحن نقبل الرب يسوع كمخلّص (فيليبي 20:3).

إذاً، الكنيسة هي في العالم وفي الوقت نفسه خارجه. عليها ينطبق تعليم القديس يوحنا الذهبي الفم لرعاتها إذ يحضّهم على أن يكونوا في داخل مشاكل العالم وفي الوقت عينه فوقها، أن يحملوا هذه المشاكل مع الشعب، لكن أن يكونوا أحراراً من ضغينة هذا العالم المفسِدة.

إذاً، بالنسبة لجسد الكنيسة الحي ما من تكهّن حول انطواءات وانبساطات قد تشغل بال الأحزاب والاتحادات السياسية. تكمن المشكلة في أعضاء الكنيسة ورعاتها، أي في درجة كونهم أعضاء ناشطين أو محتَملين فيها. الكنيسة، في شخص قديسيها، لا مشكلة لديها في ما يتعلّق بعلاقاتها الجدلية مع الشعب، فهي تتعايش مع العالم وتخاطبه، لكنها لا تشترك معه في أعمال “الظلمة” غير المثمرة، بل على العكس إنها توبخها (أفسس 11:5).

إن وجود الكنيسة في العالم خلاصي وحاسم. إنها تخلّص وتقدّم النقد دون أن تنتقد بعنف.إنها تفصل بين الحق والبهتان، بين الحياة الحقيقية والزائفة. هي لا تعلن نقدها بكلمات لاذعة وخطابات عدائية، على الرغم من أن هذا الأسلوب ينفع أحياناً في تحريك الضمير النائم، بل هي تعلن نقدها بحضورها، بعمل الإيمان (2تسالونيكي 11:1) وبالإيمان العامل بالمحبة (غلاطية 6:5). إنها تشعّ بنور خيّر هو أيضاً مميّز لأفكار القلب ونيّاته (عبرانيين 12:4). لهذا السبب يبتعد عنها أولئك العالقون في أعمال الأذى.

الاحترام لا يعني القبول

ضمن هذا الجو الذي تكثر فيه الإعلانات عن المجتمعات المتعددة الثقافات، نحن مجبَرون على العيش مع شعوب مختلفة، وتقاليد مختلفة عنا، عائدة كلها أو بعضها إلى أديان أخرى. المحبة المسيحية، وليس شرعة حقوق الإنسان، ترغمنا على أن نكون منفتحين على الجميع، نحترمهم جميعاً ونَقبَلهم كصور لله. مع هذا، هذه المحبة نفسها، التي هي قوة طبيعية عند الإله الثالوثي، وليست مجرد شعور تافه أو إيديولوجيا، ترغمنا على عدم قبول أي هرطقة أو أديان مغرورة.

نحن نحترم كل ما يعتبرونه مقدساً عندهم، دون أن يعني هذا الاحترام أننا نتبنّى كل ما يرونه مقدساً. نحن نحترم اختلافهم الديني لكننا لا نبدّل إيماننا من أجلهم.

بشكل أساسي نحن نحترم حريتهم التي هي الجوهر الذي تُنتهك حرمته، فيما نتابع حياتنا لحقيقة إيماننا الخالصة بالكائن الإلهي البشري لكنيستنا.

البابا في لبنان

البابا في لبنان

الأب أنطوان ملكي

قد يوحي عنوان هذه العجالة بأنها خبر إعلامي، لكن الأكيد أنها ليست كذلك، بل هي محاولة للفت النظر إلى بعض الأمور بمناسبة زيارة بابا روما إلى لبنان. فالخبر حول هذه الزيارة صار الجميع، كباراً وصغاراً، يعرفونه من الأخبار والدعايات والتحضيرات. فالرجل هو رئيس الكثلكة في العالم، بالإضافة إلى كونه رئيس دولة الفاتيكان التي، مع كونها أصغر الدول، تمثّل بالنسبة للكثيرين من العاملين في الدبلوماسية العالمية رمزاً للمحافظة على الأخلاق والقيَم في ميدان السياسة الذي يفتقد هذه الأمور. من جهتنا نحن، هل الأمر مهم لنا؟ نعم، بالطبع هو مهم. فالبابا هو رئيس جماعة مسيحية نحن نصلّي ونعمل ونحاور بهدف استعادتها إلى الوحدة في كنيسة المسيح، وهذا أمر وإن خضع لدبلوماسية البعض، إلا إن كثيرين، في بلادنا كما في كل العالم، يقاربونه بصدق ومحبة ورجاء بأن تأتي الوحدة، وفي أيامنا. من جهة أخرى، زيارة البابا مهمة لإخوة لنا في هذا المجتمع، يتطلّع الكثيرون منهم بصدق إلى أن تكون فرصة للتعبير عن إيمانهم ورجائهم وثباتهم في هذه الأرض. ونحن من إيماننا بشركتنا الاجتماعية والإنسانية معهم، ومن تطلعنا إلى الوحدة الحقيقية، نهتمّ لهذه الزيارة.

من هنا لا بدّ من لفت النظر إلى بعض الأمور حتّى لا تطغى العاطفة البشرية على العقل، ولا يلتهم الإعلام المعرفة، ولا تخفي القشور اللب النافع، فننتهي إلى الخسارة بدل الربح. فنحن، كهنة أو علمانيين، قد نُدعى إلى المشاركة في بعض النشاطات ضمن إطار الاحتفاء بهذا الزائر المهم، ومن هنا نرجو أن تكون هذه المشاركة مساهمة في التقارب بين الإخوة، من دون تخطٍ لأي فَرق أو خلط لأي تمايز. فما يجمعنا بالكاثوليك هو التسلسل الرسولي الواحد والأصل الواحد، والشركة التي دامت الألفية الأولى كلها. أمّا الاختلاف معهم فهو عقائدي، ولا يستطيع أحد أن ينكر تأثيره على تطور كل من الجماعتين ونظرة كل منهما إلى الأرض والسماء والدولة والعلاقات الاجتماعية بين الناس وغيرها. وهذا الاختلاف لا ينفي وجود الكثير من القضايا التي تشكّل حقلاً مشتركاً للشهادة المشتركة في هذا الزمن الدهري ذي التجارب الكثيرة. لذا، مقاربة هذه القضايا لا تكون بفكر دنيوي لا يرى في الجماعات المسيحية في الشرق إلا أقليات عليها أن تتقارب لتحتمي ببعضها، ولا بفكر ذمّي يرى أن على الجماعات المسيحية أن تسترضي أحداً ليحميها، ولا بفكر تبسيطي يكرر أنّ الاختلاف العقائدي هو مجرد خلاف بين كهنة طامعين بكراسٍ دنيوية. إن مقاربة الأمور المشتركة تكون بفكر واثق من أنّ المعونة هي من عند الله خالق السماء والأرض، وهو الوحيد الذي يحمي ولا حاجة للمؤمن أن يسترضي أحداً غيره، وأنّ هذه المقاربة تؤدّي إلى الخير عندما تكون بفكر ثابت في سعيه إلى الوحدة الحقيقية التي تقوم على حلّ الاختلافات لا على تخطيها، لأنها بطبيعتها اختلافات عقائدية تمسّ الإيمان، وليست اختلافات حضارية أو ثقافية أو اجتماعية. فتوحيد العيد لا يخلق وحدة حقيقية، والاشتراك العشوائي بالأسرار هنا وهناك لا يخلق وحدة، بل اللياقة والترتيب هما يهيئان الأرضية للقلب المتخشّع مصحوباً بالفكر المستنير الذي يبحث عن الوحدة ويجدها. عسى أن تكون هذه الزيارة فرصة يبرهن فيها جميع مسيحيي لبنان أن صلاتهم للوحدة تنبع من قلب خاشع وفكر مستنير، يسمعها الرب فيبارك ويعين.

الوحدة في الحق

الوحدة في الحق

توماس أودن

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

توماس أودن هو دكتور في اللاهوت، أميركي من جماعة الميثوديين المتحدين، وهو مدير تحرير “المسيحية اليوم Christianity Today “، وكاتب ومحرر لعدد من الكتب من أهمها سلسلة “التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدس” الذي نُقل عدد من أجزائه إلى العربية، من منشورات جامعة البلمند وتوزيع تعاونية النور.

الحوار عندما يتجنّب الحقيقة

لا يسعى المؤمنون التقليديون إلى تكوين مجتمع للمناقشات، من شأنه الطموح إلى أن يكون نسخة دينية عن الأمم المتّحدة. انهم لا يرون الاتحاد العضوي هدفاً نهائياً، خاصةً إذا خُفِّض هذا الهدف إلى مجرّد مراوغة خطابية وترقيع تنظيمي. ما يريدون رؤيته هو الاعتراف الحيّ بيسوع المسيح محوّلاً الخبرة البشرية الشخصية والاجتماعية. حيثما يرون ذلك، يعرفون إلفتهم العميقة معه مباشرة من قلوبهم. حيثما لا يسمعون ذلك، يعرفون داخلياً مدى غربة هذه التجارب وبُعدها.

إن إغراءات الحوار غالباً ما تشدّ المؤمن نحو المشاعر غير الموضوعية وتبادل المجاملات، والمساومات المؤسساتية. إن نماذج التفاعل التي تجعل هذه الإغراءات تزدهر هي التحكيم أو التفاوض وهي تبعدنا عن الحقيقة المعلَنَة بيسوع المسيح، وهي الحقيقة التي كلّ المؤمنين مدعوون إلى الاشتراك بها بالإيمان. لذا، ينبغي ألا يكون مفاجئاً أنّ كل المسيحيين التقليديين يميلون نحو اعتبار الحوار غير المنضبط كتجربة.

للمسيحيين الملتزمين تاريخ طويل من الخبرة مع الإحباط وعدم جدوى الحوار غير المنضبط وغير الوارد في الكلمة المكتوبة. غالباً ما يقودنا هذا إلى السؤال عن الحقيقة أكثر منه إلى مسألة كيف “نشعر”، وكيف يمكننا استيعاب مصالحنا المتنافسة أو التفاوض عليها. هذا يختلف عن مسألة الحقيقة المُعلَنَة في الإنجيل الذي يولّد وحده وحدة المؤمنين.

إذا كانت حقيقة الإنجيل هي المسألة المحورية في الوحدة المسيحية بالنسبة للمسيحيين التقليديين، فإن الشهادة الرسولية التي تُعرَف بيسوع المسيح هي الخطوة الأولى نحو الوحدة. كل حوار آخر، مهما بدا متجرّداً، هو بالحقيقة انحراف، ادّعاء بالبحث عن الحقيقة، وخدعة تستبدل النزاهة بالكلام النرجسي.

ما يبدو دعوة بريئة وكريمة إلى الحوار، قد يصل فعلياً إلى حدّ التخلّص من التحديد المسبق وإحلال ما نحسّ به في خبرتنا مكان مسألة الحقيقة. بهذه الطريقة، يصير الحوار أداة للتلاعب متشكلة بالفعل في الأماكن الخطأ. الملتزمون في كل العالم يسعون إلى وحدة في الحق، لا وحدة منفصلة عن الحق، ولا وحدة تحلّ محل الحق، بل وحدة في حقيقة الكلمة المعلَن.

الجدال المسكوني المحافظ والتخطيط المسكوني عرضة للاختلال عبر سوء الفهم الأساسي للعلاقة بين الوحدة والحق: إنهما لا يسعيان إلى الوحدة على أساس الحق. بشكل خاص، هناك أربع مواقف مسكونية معاصرة هي المختلّة، لا بل هي تزيد من فرص الشقاق المسيحي. لقد سادت هذه المواقف الأربعة في المسكونية الليبرالية، مستنبطة الشقاق من غير تعمّد، فيما كل منها هو غلطة في الترابط السببي:

1. اذا استطعنا التلاقي فقط على بعض المعايير الأخلاقية المشتركة، فسنحقق بذلك وحدة المؤمنين.

2. ذا استطعنا أن يكون لها نفس المشاعر أو الخبرات المسكونية المنفتحة، فسوف نحس بوحدتنا.

3. إذا استطعنا أن ننفتح على الحوار وحسب، فسوف ننمو نحو الوحدة.

4. إذا دمجنا المؤسسات المنفصلة استناداً إلى ذكريات مختلفة يخلقها الروح، فسوف نختبر وحدتنا من خلال مؤسسة، وبالتالي علينا الآن أن نجدد التزامنا ببقايا المسكونية المؤسساتية.

تتشابه كل هذه المحاولات بطريقة واحدة: إنها تضع الوحدة قبل الحقيقة. انهم يهدرون الحقيقة من أجل تحقيق وحدة سطحية. كلهم مخطئون. مع الجهود الرامية إلى الوحدة المسيحية، تفرّخ كل أشكال خيبة الأمل ما أدّى إلى الاضطراب المسكوني الذي يضربنا. كل هذه الاختلالات سببها واحد: أنها تقيم الوحدة على شيء غير الحق، بتلافيها الأساس الوحيد الذي منه تنبثق الوحدة المسيحية، ألا وهو الكلمة المعلَنة التي تُسمع بالروح القدس وتُقتَبَل بالإيمان.

الوحدة المسيحية

الوحدة المسيحية

الأب أنطوان ملكي

أصل هذا النصّ مساهمة في ندوة نظمتها أسرة العاملين في مركز طرابلس لحركة الشبيبة الأرثوذكسية، ألقيَت في بشمزين في 11 شباط 2007. أضيفت بعض التعليقات والملاحظات على النص الأصلي.


الكنيسة: حدودها ووحدتها

يُطرَح اليوم سؤال حدود الكنيسة أعضائها، كونها جسد المسيح ومكان تجلّي الروح، وحول ما إذا كانت منحصرة في “الكنائس الأرثوذكسية” أم هي تمتد لتشمل كنائس أخرى، كالمنضمّة إلى مجلس الكنائس مثلاً.

هذا سؤال لا مكان له في التفليد الأرثوذكسي ومع هذا، فإن الوفود الأرثوذكسية إلى الحوارات المسكونية قد أجابت عليه أكثر من مرة. وأكثر هذه الأجوبة وضوحاً هو ما يُعرَف اليوم ببيان أوبرلين، الذي أصدره وفد أرثوذكسي في أميركا الشمالية في العام 1957 وكان يرأسه الأسقف أثيناغوراس كوكيناكيس وبين أعضائه الأب جورج فلوروفسكي، أول لاهوتيي الأرثوذكسية في القرن العشرين بامتياز.

نحن نعترف في دستور الإيمان بأننا نؤمن “بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية”. تظهر لنا هذه الكلمات مميزات الكنيسة بدقة. إذاً، الكنيسة واحدة وليس هناك كنائس عديدة. هذا لأنها جسد المسيح الإلهي-البشري. فالمسيح له جسد واحد ولا يمكن أن يكون له أجساد عديدة وبما أن الرأس واحد فالجسد واحد أيضاً. نستدلّ على هذا من قول المسيح للرسول بطرس الذي اعترف بألوهيته: “أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي” (متى 18:16). هنا كلمة ‘كنيسة‘ موجودة بصيغة المفرد وليست بصيغة الجمع. إلى هذه، هناك نقاط أخرى كثيرة تشير إلى هذه الحقيقة وتُظهر بوضوح أن كنيسة المسيح واحدة.
عبّر السيّد عن حقيقة أحدية الكنيسة بصورة القطيع والراعي. كون الراعي الذي يقود الخراف واحد، وكل الخراف تؤلّف قطيعاً واحداً، يعني أن وحدة الكنيسة قائمة بغضّ النظر عن عدد المؤمنين الكبير وعدد الكنائس المحلية المتحدة والمرتبطة معاً بإيمانها وحياتها. فالكنيسة المحلية ليست واحدة من كنائس عديدة، لكنها كنيسة المسيح كاملة. من جهة أخرى، الرعايا لا تفكّ وحدة الكنيسة، لأنّ كل رعية هي الكنيسةُ مصغرةً. والشيء نفسه ينطبق على القطيع، أي جسد المسيح. يعلن الكاهن قبل أن يدعو المؤمنين إلى المناولة أنّ المسيح “يُجزأ ولا ينقسم”، وبالتالي عندما نتناول الأسرار المقدسة، لا نأكل جزءً من المسيح بل المسيح كاملاً، لأن المسيح “موزع على كل الأجزاء بدون انفصال”. وهكذا، بالرغم من وجود كنائس محلية ورعايا عديدة، وحدة الكنيسة قائمة ولا تنفكّ هذه الوحدة إلاّ بالهرطقة. هذا يعني أنّ هناك كنيسة واحدة وهناك أعضاء أو جماعات ينفصلون عنها وينسحبون منها. أحدية الكنيسة لا تُفقد في هذه الحالة، بل الأعضاء المهرطقون ينفصلون عن هذه الأحدية، ولا يعودوا ينتمون إلى جسد المسيح الواحد.
وحدة الكنيسة داخلية وهي تنبعث أولاً وقبل كل شيء من صلتها بالمسيح، وثانياً من الإيمان المشترك الذي هو حياة، وثالثاً من العبادة المشتركة. وبهذا تكون الكنيسة المكان الوحيد للخلاص. نحن في الكنيسة نكون أكيدين أننا سوف نبلغ الشركة مع المسيح والوحدة معه ونصبح أعضاء حقيقيين له. بالطبع، إمكانية المشاركة في النعمة موجودة أيضاً خارج الكنيسة لأن الروح يهبّ حيث يشاء، إنما فقط في الكنيسة يستطيع المرء أن يكون عضواً في جسد المسيح، يأكل جسده ويشرب دمه.
وعليه، الذين يفصلون أنفسهم عن الكنيسة لا يكسرون وحدتها بل هم أنفسهم يُقطَعون منها ويخسرون إمكانية الاتحاد مع جسد المسيح الإلهي-البشري، وبالتالي يصيرون عاجزين عن ممارسة الفضائل الإنجيلية. ففي الكنيسة يستطيع المرء أن يحيا الفضائل الإنجيلية. لهذا السبب، بدون إيمان حقيقي صحيح لا يوجد محبة حقيقية ولا عدالة حقيقية ولا سلام حقيقي: كل هذه تبقى صفات بشرية، قد يكون فيها من الأخلاق أكثر مما فيها من النعمة وعمل الروح. من هنا، مهمة المسيحي الأولى هي البقاء على اتحاد بالكنيسة، من أجل حفظ الإيمان كاعتراف وحياة في المحبة والحق. ولا بدّ من التشديد هنا على تلازم المحبة والحق. فاليوم، بهدف دعم تقارب الأرثوذكس من غيرهم عِبر الحوارات اللاهوتية الثنائية أو الجماعية ضمن مختلف الأطر، ومنها مجالس الكنائس، تمّ اللجوء، حاضراً وفي الماضي، إلى حجتين أساسيتين: 1) إظهار المحبة لغير الأرثوذكس و2) الشهادة للإيمان الأرثوذكسي. وكون المحبة، في كل الأحوال، لا يمكن فصلها عن الحق، عندما لا يترافق حوار المحبة مع حوار الحق، أي أن الحوار لا يؤدّي بالأطراف الذين خارج الكنيسة إلى لقاء المسيح وكنيسته وقبولهم بالحقيقة الخلاصية التي هي المسيح وكنيسته، يصبح حوار المحبة شركاً خطراً يقود إلى لامبالاة (indifference) توفيقية وانفصالية عن وحدة الإيمان وشركة الروح القدس، أي أنّه يفصل الإنسان عن الخلاص. يتساءل كثيرون: أيمكن للمحبة أن تكون ضد الحق؟ الجواب هو نعم، فقد تكون المحبة هوى وخديعة.
الهرطقة هي غياب الحقيقة، هي الخديعة، هي تسلّط الشيطان، وهي تمزيق حقيقة الكنيسة. في العلاقات المسكونية، تُستَعمَل كلمة محبة بغزارة فيما الحقيقة مغيّبة. الجو السائد هو أنّ الحقيقة موضوع للبحث، أي أن أياً من الكنائس لا تحمل الحقيقة وحدها بل ينبغي أن تشارك في البحث عنها. لكن الحق هو غير ذلك، فالكنيسة المسيحية الأرثوذكسية الجامعة ليست في حالة بحث عن الحقيقة لأنها تمتلكها، وينبغي عليها إعطاؤها بمحبة إلى غير الأرثوذكس المحرومين منها أو الذين شوهوها. إن شهادة الإيمان المنشودة لم تتحقق. لا يمكن للإنسان أن يفترض أنّه سوف يشهد للإيمان الأرثوذكسي ويبشّر به، إذا كانت بداية عمله مساومة على الإيمان وإنكار لفرادة الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية ووضعها في الخانة نفسها مع الهرطقات والانشقاقات.
يوجد اليوم كلام كثير عن وحدة الكنيسة، وحدة الكنائس، الكنيسة الجامعة، الكنيسة العالمية. هذه تعابير عديمة القيمة لاهوتياً إذ لا نستطيع التحدث عن وحدة إلا وحدة الإيمان. لا نستطيع الكلام عن كنائس منفصلة ومجاهدة لبلوغ الحق والوحدة، إنما عن الكنيسة التي هي دائماً متحدة مع المسيح ولم تفقد الحق يوماً، وعن أشخاص وجماعات انفصلوا عنها.
بعض الأشخاص الذين يتحدثون عن وحدة الكنائس يستعملون حتى التخمة صلاة المسيح الكهنوتية، الموجودة في إنجيل يوحنا، وخاصةً سؤال المسيح للآب بأن يكون تلاميذه واحداً: “ليكونوا واحداً” (يوحنا20:17-22). ولكن قراءة النص بانتباه تكشف أن الكلام هو عن جماعة متفقة في الإيمان وليس إشارة إلى وحدة بين جماعات ذوات إيمان مختلف. كلّ الآباء الذين فسّروا هذا المقطع حكوا عن الاتفاق داخل الجماعة الواحدة التي تشترك بالإيمان الواحد. هذا ما ينبغي إعلانه دون دبلوماسية لأنه حق ولا ينتقص من المحبة. فالحق أرفع من المحبّة، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “إذا رأيتم التقوى تتألّم في مكان ما، لا تقدّموا الاتفاق (homonoian) على الحق، بل التزموا بشجاعة حتى إلى الموت… ولا تخونوا الحق في أي مناسبة” (1). إلى هذا، هو ينصح مشدداً: “لا تقبَلوا أي عقيدة منحولة تحت ستار المحبة” (2). إن الدبلوماسية السائدة في العمل المسكوني هي إنكار للحق الذي يكافح كثيرون من غير الأرثوذكس لإيجاده، كما أنّها تغلق الباب أمام كل الساعين إلى الحقيقة في آن واحد.

الكنيسة والحركة المسكونية

وهنا لا بدّ من التعليق على فكرة يوردها المدافعون عن العمل المسكوني في شكله الحالي، وهي أنهم في عملهم يطبّقون ما نردده في الطلبة الثالثة من السلاميّة الكبرى: “من أجل… اتّحاد الجميع”. هذا القول خاطئ إذ إن “الجميع” الذين نذكرهم ليسوا المسيحيين غير الأرثوذكسين. هذا واضح من النص اليوناني حيث ترد العبارة ” της των πάντων ενώσεως”. فالجميع هي ” πάντων pandon”، وهي في حالة الجر لجمع المذكر، بينما الكنيسة في اليونانية “εκκλησίας” مؤنّثة. من هنا أن الجميع تعود هنا إلى الأفراد. إلى هذا، فعبارة “اتّحاد الجميع” مأخوذة من رسالة الرسول بولس إلى أفسس (13:4) “إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ”، وفي تعليق القديس ثيوفيلاكتوس البلغاري على هذا المقطع من الرسالة يقول: “نحن نبلغ وحدة الإيمان أي نظهر أصحاب إيمان واحد أي لا يختلف أحدنا مع الآخر لا في أمور العقيدة ولا في طريقة الحياة. نكون في وحدة الإيمان الحقيقية عندما نمتلك جميعنا الرأي الصحيح في شؤون التعليم ونحفظ وحدة المحبة” (تعليق على العهد الجديد). صلّى الرب في صلاته الكهنوتية: “وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ، لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا” (يوحنا 20:17-21). “هؤلاء” تعود إلى الرسل. بحسب القديس سمعان التسالونيكي، في تعليقه على هذا المقطع، صلاتنا من أجل “اتّحاد الجميع” هي من أجل الوحدة الروحية السرية بين أعضاء الكنيسة “الوحدة في الإيمان الصحيح والمحبة والحياة المرضية لله”. وحتى لو اعتبرنا جدلاً أن “الجميع” تعني الكنائس، فإن كل الرسل والآباء، وخصوصاً القديسين باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم، لا يستعملون كلمة “كنيسة” للإشارة إلى مجموعة منشقّة أو هرطوقية، بل عبارة كنائس هي للإشارة إلى الكنائس المحلية، كما في رسائل الرسول بولس (أنظر 1كورنثوس 2:1 أو غلاطية 2:1)، أو الكنائس التي يذكرها الرسول يوحنا الإنجيلي في الرؤيا (1:2-8). طبعاً هذا لا يعني أننا لا نذكر المنشقين أو الهراطقة، فنحن نصلّي من أجل رجعتهم وعدم توسّع انشقاقهم، سائلين السيد أو طالبين شفاعة والدته أو القديسين. ففي قداس القديس باسيليوس نطلب من السيد “أوقف شقاقات الكنائس، ردّ الضالين، اجمعْ المتفرقين…”، وفي الجزء الثاني من تقاريظ جنّاز المسيح نطلب من العذراء مريم “يا نقيّة، يا طهور، يا والدة الإله، أبعدي عن الكنائس الانشقاق، واشمليها بهدوء وسلام”.

منذ ولادة الحركة المسكونية لم ينجح الأرثوذكس، بالطرق الرسمية، ولم يسعوا أصلاً، بضمّ ولا شخص واحد إلى الإيمان الأرثوذكسي. في المقابل، حصلت انضمامات أفراد، ومن هؤلاء الأفراد نجوم لامعة في عالمنا الأرثوذكسي كمثل الأرشمندريت سارافيم روز والميتروبوليت كاليستوس وير والأستاذ جان كلود لارشيه وكثيرون غيرهم. كما حصلت انضمامات جماعية في الغرب، بالرغم من الاتجاه الخاطئ السائد الذي يشجّع عليه التقارب المسكوني بأنّه ينبغي أن يبقى الكلّ حيث يولدون، بانتظار الوحدة المتوقّعة بين “الكنائس”.

إذاً الكلام عن الشهادة للإيمان الأرثوذكسي دعاية أكثر منه واقع. لقد نتج عن هذا التصادق الطويل الأمد مع غير الأرثوذكس، لا بل والاندفاع نحوهم، تغرّب عن الفكر الأرثوذكسي وتعتيم له، حتى أنّنا صرنا نعامل الهرطقة على أنّها الحقيقة، والهراطقة على أنهم مستقيمو الرأي، ونعتَرف بأصالة كل المعموديات وغيرها من الأسرار، ونكتفي بكلام الآخرين فنسرع نحوهم وهكذا، خطوة خطوة نتقدّم من اللقاءات إلى الصلوات المشتركة فإلى الشركة في الأسرار، حيث يمارسها الكثيرون مع أنهم يعلنون غير ذلك.

وفي كلام المدافعين عن النشاط المسكوني أنهم يعرفون أن الوحدة غير ممكنة في الدنيا بل هي شيء آت في الملكوت. هذا منافٍ للتقليد والكتاب المقدس. فنحن الأرثوذكس متّحدون مع المسيح منذ اليوم ولهذا نحن نتناول جسده ونشرب دمه. أمّا في الملكوت، فالكنيسة الظافرة هي كنيسة المجاهدين المخلِصين الذين لم يحيدوا عن الحمل حين كانوا على الأرض. هذا يعني أن الوحدة إن لم تتحقق هنا فلن تكون هناك. طبعاً، ليس المقصود هنا الكلام عمّن يدخل الملكوت ومَن يبقى خارجه، فهذا للرب وحده. المهم هو أن الوحدة تبدأ من هنا، وإذا لم تكن هدفاً منظوراً فلمَ التعب والجهد؟

هل من “تعاون” مع غير الأرثوذكسيين؟

الجزء الثاني من الموضوع هو للإجابة عمّا إذا كان التعاون بين “الكنائس” في منطقتنا أمر مستحبّ، وفي حال الإيجاب ما هي حدوده.

قبل التطرّق إلى الجزء الثاني من الموضوع أي إلى التطبيق، لا بد من التوقف قليلاً عند تقييم سريع للوضع الأرثوذكسي العام والأنطاكي بشكل خاص.

نحن نعاني اليوم من الدهرية في الكنيسة والمجتمع. الدهرية في الكنيسة، تكمن أولاً في اعتبار الإيمان ديناً وفي اعتبار الكنيسة مؤسسة دينية. هذان الاعتباران في خلفية العقلية المعاصرة، سهّلا مساواة الكنيسة بكل المجموعات الأخرى التي تسمّي نفسها كنيسة، ومنها مثلاً المجموعات التي تزوّج المثليين – بخلاف تعليم الكتاب المقدس – فيما تعتبر نفسها كنائس وبعضها عضو في مجالس الكنائس. من جهة أخرى هذان الاعتباران، أي اعتبار الإيمان ديناً واعتبار الكنيسة مؤسسة دينية، يساهمان في إنزال الإيمان إلى مستوى الرأي، والرأي قابل للمناقشة والتشكيك.

في تبنّي العقلية الدهرية في العلاقات بين المسيحيين، نرى أنه يصير سهلاً الاعتراف بوجود كنائس، فيما الأصل والحقيقة هو وجود كنيسة واحدة. وما لا يعترف به الأغلبية الساحقة من ممارسي الحوار، ومن بينهم أرثوذكسيون، هو أن الكنيسة الأرثوذكسية هي هذه الكنيسة.

ويتبع هذا الأمر، كنتيجة للدهرية، انشغال الحوارات المسيحية بمناقشة المشاريع والنشاطات وقوانين الانتخابات، فيما العقيدة مهمَلة ومحرّم الغوص فيها. ما يدفع إلى ذلك عوامل كثيرة منها العاطفي والسياسي. ففي العامل السياسي أن خوف بعض الأرثوذكس من الاضطهاد، لأنهم أقلية أو لأنهم أهل ذمة، يدفعهم إلى التهاون في أمور الإيمان من أجل وحدة شكلية لن تؤمّن للدهريين إلا شعور وقتي بالأمان مصدره الانتماء إلى جماعة أكبر عدداً، فيما تعرّض الإيمان للذوبان. هذا الكلام نسمعه كثيراً ممن صاروا يجاهرون بأن التمسّك بالأصول، كمثل رفض المناولة المشتركة والعراب غير الأرثوذكسي والصلوات المشتركة، هو تعصّب ليس في مصلحتنا لأننا صرنا أقلية وينبغي أن نتجمّع. هنا لا بدّ من التساؤل: أين الرجاء وأين الشهادة، لا بل حتى أين العلم ودراسة التاريخ؟

أما في العامل العاطفي، فالكلام الكثير عن المحبة يأتي في هذا الإطار. لكن لا محبة حقيقية من دون الحق وإلاّ تكون المحبة مداهنةً وديبلوماسيات ومصالح. أين انعدام المحبة في القول بأن الكنيسة الأرثوذكسية هي الكنيسة؟ هل عدم مناولة غير الأرثوذكس قلة ضيافة وبالتالي انعدام للمحبة؟ إن إقحام العامل العاطفي في موضوع الحوار بين المسيحيين هو قمع لكلمة الحق. كثيرون يصمتون خوفاً من أن يقال لهم بأنهم غير محبين متعصبون متزمتون ويعيشون في عقلية الانشقاق.

تقوم الدهرية على استغلال النفسانيات والعواطف. وطغيان الدهرية على الحوار بين المسيحيين يجعل الكلام عن المحبة في غير مكانه ويجعل نتائجه مسيئة للكنيسة. في عصر دهري كالذي نحن فيه، هناك إغراء قوي لاستنساب كل شيء وللتضحية بإيماننا على مذبح التسامح العالمي لحساب وحدة مسكونية مفهومة بشكل خاطئ.
من جهة أنطاكية، فالخطر محيق بها وخطوط دفاعها تتهاوى الواحد بعد الآخر. هناك ازدواجية في الخطاب، والخطاب يعني التعليم. في ما بيننا نقول شيئاً وفي اللقاءات مع الآخرين نقول غيره. يصل الأمر بنا إلى اعتبار أن أسباب الانشقاق كانت خطأ ما يعني أن كل الآباء على مدى خمسة عشر قرناً كانوا مخطئين. وتأتي الممارسات لتشهد على هذا الوضع: فهنا كنيسة مشتركة يتناوب عليها الكهنة فيما المؤمنون هم أنفسهم، وهناك جناز مشترك، وهنا إكليل ومناولة مشتركة وعرّابون كيفما اتفق، والزواج المختلط سيف مسلط على رؤوسنا في كل يوم. مَن ليس في هذا الخط نوصمه بالتعصّب والتزمّت. كلّ هذا دون أن يقطع أحد كلمة الحق باستقامة. في إنطاكية إمعان في الدهرية وتبنٍ لطرائق دهرية لا تؤدّي إلى الخلاص وتطلق العنان لشهوة الراغبين في امتطاء الكنيسة وصولاً إلى هذا المنصب أو ذاك، أو إلى هذا المركز أو ذاك. كلّ هذا محاكاةً للطوائف الأخرى، بغضّ النظر عن الموقف الإيماني الذي طالما تفرّدت إنطاكية الأرثوذكسية بحمله. وفوق كلّ هذا، لم تجنِ إنطاكية الأرثوذكسية من هذا الانفتاح إلا الانقسامات والتخوين، حتى لا أقول القمع أحياناً.
مع هذا، كل تعاون يهدف إلى تحسين وضع البشرية الساقط مقبول وحدوده محددة في بيان آباء الجبل المقدّس في 30 كانون الأول 2006: أن كثرة اللقاءات المشتركة، خاصة إذا كان فيها صلوات مشتركة، من دون استيفاء وحدة الإيمان كمتطلب أساسي، قد تخلق، من جهة، انطباعات مغلوطة عن وحدة ما، مما يبعد غير الأرثوذكسيين الذين يرون الكنيسة الحقيقية في الأرثوذكسية، ومن جهة أخرى يثلم الحسّ العقائدي عند الكثير من الأرثوذكسيين. وأخطر من هذا، قد تدفع هذه اللقاءات بعضاً من الأرثوذكسيين الأتقياء، القلقين جداً من الانتهاكات الأخيرة للقوانين المقدسة، إلى أن ينفصلوا عن جسم الكنيسة ويخلقوا انشقاقات جديدة”.
من هنا أننا إذا التقينا بغير الأرثوذكس لكي ننقل إليهم الشهادة على إيماننا وتقليدنا، فهذا عمل مقدّس. إذا التقيناهم لكي نعبّر لهم عن احترامنا وحريتنا، فهذا عمل نبيل. أمّا إذا التقيناهم لكي نوزّع كنز الإيمان الحقيقي حصصاً ونتقاسمه معهم، فهذا عمل لا ورع فيه.
من هنا، بعد تحديد حدود المشاركة، ضروري التساؤل عن أشكال التعاون الممكنة. فإذا كان الخدمة الإنسانية المشتركة، هناك خبرات سابقة غير مشجّعة مليئة بالاقتناص. وفي مطلق الأحوال، ما دام الإطار إنسانياُ لماذا نقحم الكنيسة فيه؟ الكنيسة لا تمارس عملاً إنسانياً بل تمارس عمل المحبة والرحمة. وإذا كان كتاب تعليم مسيحي مشترك، فما حصلنا عليه كارثي. ليس للأرثوذكسية فيه وجود. هو أقرب إلى كتب العصر الجديد NEW AGE منه إلى المسيحية. وقد أصدرت مدارسنا الأرثوذكسية حكمها عليه إذ لم تعتمده. أما الحلقات التعليمية المشتركة فلا يبدو أنها مبررة. إذا كنا نختلف في العقيدة كيف نشترك بالتعليم؟ إذا حكينا عن حلقات إعداد للزواج يكون الأمر ممكناً إذا اعتبرنا أن الإعداد للزواج يقوم به طبيب نفساني وطبيب نسائي. أما إذا عدنا إلى مبدأ هذه الحلقات، أي إلى النظرة إلى الزواج، هل نستطيع أن نعلّم نظرة الكثلكة التي ترى الزواج دنساً لذا تحرّمه على الكهنة اللاتين. النشاطات المشتركة للشبيبة قد تكون ممكنة إذا ارتضينا إفراغها من محتواها الإيماني. وعندها ما الحاجة لأن ترعى الكنيسة ما هو موجود. الدنيا مليئة بأماكن النشاطات غير الإيمانية. يقترح البعض كتاب تاريخ مشترك. هل تاريخنا مشترك؟ هل يقرأ غير الخلقيدونيين والموارنة التاريخ كما نقرؤه؟ الجواب هو لا. لو قرأ غير الخلقيدونيون التاريخ كما نقرؤه لما اعترض أحد على الوحدة المبتورة مع السريان. وأخيراً، الصلوات المشتركة ممنوعة بحسب القوانين الكنسية. ليست الليتورجيا وحدها الممنوعة، بل حتى الدخول إلى كنائس غير الأرثوذكس ممنوع لمَن يريد أن يحفظ ضميره نقياً من ناحية القوانين الكنسية. ما يحصل في أسبوع الصلاة من أجل الوحدة، أو حتى في الجنانيز والأعراس غير شرعي. أن يصدر عن أحد مجامع الكنائس المحلية قرار ينظّم هذه الأمور لا يجعلها بالضرورة شرعية. الشرعية هي في التوافق مع القوانين الكنسية وآباء الكنيسة الذين دفعوا دماً حتى علّموا ولم يكتبوا تشريعات لمجرّد تنظيم الأمور.

ختاماً، يلجأ بعض الذين يعتاشون من الحوار المسكوني إلى مجابهة المحافظين بالسؤال التالي: مَن نصّبكم وكلاء على الأرثوذكسية أو محتكرين لها. الموضوع ليس سباقاً على تملّك الأرثوذكسية، بل هو أعمق من ذلك، إنه موضوع خلاص. إذا طوّبنا الناس على اعتقاداتهم لا نكون محبين بل محابين. إن لم نكن في الحق فنحن في الكذب وما نفعله للآخرين وكأنّه حق وهماً يكون. قد نظن أننا على انفتاح وقد نكون صادقين في مشاعرنا، لكن الصدق لا يعني الحق، هناك صدق في الكذب متى ألِفَته نفوسنا، عواطفنا إذ ذاك زائفة. المحبة والحق وجهان لحقيقة إلهية واحدة. المحبة تقيم في الحق والحق يقيم في المحبة، المحبة حق متجسّد والحق إعلان محبة. الحق دواء والمحبة شفاء.


(1) (On the Epistle of St. Paul to the Romans, Homily 22, verse 18, PG 60, 611)

(2) (On the Epistle of St. Paul to the Philippians, Homily 2, verse 10, PG 62, 191)

رد في كلمات على مقالة “حوار حول الأرثوذكسية”

رد في كلمات على مقالة “حوار حول الأرثوذكسية”

ربيع نصور

قرأنا بسعي وجهد مشكورين من الأب أثناسيوس بركات ترجمةً لحوار حول الأرثوذكسية والذي يظهر فيه شخص يبحث عن الحقيقة و أرثوذكسي مستقيم الرأي يملك الحقيقة، بادئ ذي بدء إنه ليس هناك من رأي أرثوذكسي موحد في الكثير من القضايا وهذا ربما دليل عافية على قدر ما هو دليل مرض إلا أن هذا الاختلاف في الآراء و المواقف لا ينسحب البتة على الأمور العقائدية، أقله حتى وقتنا الراهن، وذلك لإدراكنا أرثوذكسياً أن العقيدة فيها خلاص ولولا ذلك لما كلفتنا_ أي العقيدة _ شهداء ومعترفين بهذا المقدار.

أجل إني أؤمن أن في العقيدة بُعدٌ خلاصي و لهذا أردت هنا الرد على ما جاء في الحوار المذكور آنفاً لما يحويه من خطأ خلاصي عقائدي بالإضافة لتعليقي على بعض القضايا الأخرى بغية تبيان أن هناك آراء أخرى أرثوذكسية مختلفة وهذا ما سأعالجه في مقال آخر.
مما لا شك فيه أنني لا أسعى بجوابي هذا أبداً لهرطقة أي شخص إنما حرصاً مني على نقاوة الإيمان و عدم تسرب أفكار خاطئة بإطار أرثوذكسي في مفاهيم شبابنا، كما لا أدعي أني الوحيد الذي يملك الحقيقة و المدافع عنها فأطلب من الجميع تقبل ردي من باب الغيرة الخلاصية و المحبة الخالصة لكنيستي ليس إلا.
في العدد الرابع من السنة السادسة /كانون الثاني2010 قسم المسكونيات من مجلة التراث الأرثوذكسي الالكترونية، يأتينا الأب فلاديمير موسّ بالحوار حول الأرثوذكسية القسم1، السؤال رقم 8 /غير مرقمين/ في السطر الأخير من الجواب بما يلي ” فإن الخطيئةَ الأصلية (أو الجدية نسبةً إلى الجدَّين آدم وحواء) تُمحى، فقط، في جرن المعمودية” و هذا خطأ لاهوتي عقائدي كبير دخيل بتأثير غير أرثوذكسي على فكرنا لأنه بمراجعة بسيطة للمفهوم الأرثوذكسي للمعمودية لن نرى أي تعبير يدل على ذلك بل على العكس سنجد دحضاً واضحاً لهذه الفكرة التي دخلت بتأثير كاثوليكي تأثّر بدوره بالمغبوط أغسطين ونجد هذا واضحاً في قول الأب منير سقاّل عندما يتحدث عن الخطيئة الجدية في المفهوم الكاثوليكي فيقول: ” لو حددنا أن العماد هو ” السر الذي يمحو الخطيئة الأصلية ” لابتعدنا عن الحقيقة . هذا اللاهوت الخاص بالخطيئة الأصلية وبالعماد ليس تقليدياً في الكنيسة (الكاثوليكية) ولا يجد جذوره في الكتاب المقدس ، بل علمه القديس اغسطينوس : العماد يمحو الخطيئة الأصلية التي تطبع كل إنسان منذ ولادته . نحن لا ننكر الخطيئة الأصلية ، ولكن اقتصار العماد على محو الخطيئة الأصلية يؤدي إلى طريق مسدودة وإلى التباس . بينما يجب أن ننظر إلى الناحية الإيجابية . فالنور هو الذي يرينا الظلمة إذ يخلصنا منه ، فالاتحاد الذي يدخلنا فيه العماد يكشف التفرقة التي يجنبنا إياها . ” المعمودية هي … رباط الوحدة السري القائم بين الذين تجددوا به) ” ح م 22 )، العماد إذاً هو أصلاً الانتماء إلى جسد المسيح، إلى العيلة الإلهية ” أبناء حبل بهم من الروح القدس ومولودون من الله ” ( ك 64 ) ، هذا الانتماء هو المفعول الأول وهو الذي يمحو الخطيئة الأصلية ، كما أن حلول النور هو الذي يقصي الظلمة ، كما يمحو الخطايا الشخصية عند البالغين لكن الميل إلى الشر يبقى في المعمدين “.(1)
إن قبولنا بالخطيئة الجدية خطيئة لكافة البشر سيوقعنا بنظرة ظالمة لله المنزه عن الظلم، فهو لا يمكن أن يحمّل البشرية أخطاء بعضهم، أخطاء أسلافهم … و هذا ما يشجبه بصراحة كتاب الدليل الرعائي للأسرار الذي يؤكد بعبارة صارخة في مقدمة حديثه عن معاني سر المعمودية فيقول: ” والمعمودية ليست محواً لخطيئةٍ جديةٍ ورثناها من آدم، إنها الولادة الجديدة من فوق بعد أن صار الإنسان يولد بطبيعة فاسدة مستعبدة للموت”(2).
و إذا ما أمعنا النظر في فكر اللاهوتي الأرثوذكسي العظيم نقولا كابسيلاس في كتابه “الحياة في المسيح”(3) لا نجد إلا تأكيداً على أن المعمودية في حقيقتها الأولى والأخير هي ولادة في كنيسة المسيح ولو حملت ما حملت من غفران الخطايا وذلك لأن الحياة في المسيح يسوع قائمة على توبة دائمة من قبلنا و غفران دائم من قبل ربنا.
أما قديسنا الذهبي الفم يوحنا، ففي عظاته عن المعمودية يبين لنا حقيقة هذه الولادة التي هي عربون دخول في الحياة الروحية، في شركة هذه الجماعة التي أعلنت أن يسوع المسيح هو ربها ومخلصها(4).
وبالتفتيش في زاد الأرثوذكسية(5) سنجد أن لا رابط البتة بين المعمودية وخطيئة الجدين الأولين. بل المعمودية هي دفن لإنساننا العتيق لنلبس الجديد، ندفن فيها ونقوم مع الرب يسوع، ولأني في الحقيقة لست بصدد شرح سر المعمودية بل بصدد تبيان الخطأ الوارد لذلك لابد لي من أن أعود لكتاب مرشدنا الكبير كوستي بندلي ” الله والشر والمصير” الذي يقولها كما الدليل الرعائي بكل صراحة ووضوح في معرض حديثه عن انتقال الخطيئة الجدية ” ليست القضية قضية خطيئة ارتكبها أحد الأسلاف وانتقلت إلينا، فالإنسان في المنظور الأرثوذكسي، لا يولد مذنباً، إنما قضية مناخ خطيئة نولد فيه وننشأ ونحيا.”(6)
إن الكنيسة الأرثوذكسية فهمت معنى حديث الرب يسوع مع نيقوديموس حول الولادة من فوق ولادة الماء والروح (يو 3 : 1 – 16) كما و فهمت بوضوح كلمات الكتاب المقدس حول خطيئة الجدين الأولين، وكيف أن الجنس البشري حمل نتائج هذه الخطيئة من ضعف وموت وحزن وألم وشهوة… وقطع للشركة الإلهية من قبل البشر وكيف كان الفداء عربون لعودة هذه الشركة من قبل الإله. كما وعت أيضاً إلى أن الإشكال الكبير في مفهوم الخطيئة الجدية عند غير الأرثوذكسيين يكمن أولاً في فهم حالة الإنسان الأولى(7) وثانياً في النظرة للشخص البشري /الإنسان/. فالله المحبة، الله العدل، لا يمكن أن يدين الناس على أعمال غيرهم، ويحاسبهم على خطايا لم يقترفوها و هذا ما نجده على لسان رسوله بولس :” الذي يجازي كل واحد على حسب أعماله” (رو2: 6) وليس أعمال غيره. (8)

1. سقال، الأب منير. العماد، اندماج في موت يسوع وقيامته.. http://www.talimmasihi.com/ahadis_other_030.htm

2. الدليل الرعائي للأسرار، بطريركية انطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس. مؤسسة دبس. 1996. ص 30.

3. كابسيلاس، نقولا. الحياة في المسيح. ترجمة البطريرك الياس الرابع. تعاونية النور الارثوذكسية. 2002.

4. الذهبي الفم، القديس يوحنا. في المعمودية. ترجمة البطريرك الياس الرابع.

5. أليفيزوبولوس، الأب أنطونيوس. زاد الأرثوذكسية. منشورات النور 1997.

6. بندلي، كوستي. الانجيل على دروب العصر 12، الله والشر والمصير.تعاونية النور. ط2. 2007. ص 131.

7. أمالي الأب جورج عطية، البلمند.

8. الكتاب المقدس ، ترجمة فاندايك.. 2000.