حول الهدوئية ومعاينة الله في رسائل الرسول بولس

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

عندما يقرأ المرء الكتاب المقدس والآباء القديسين بتأنٍّ وبفكر منفتح، من دون تحليلات تخمينية وفلسفية، يكتشف أن اللاهوت الذي أوحي إلى الرسل والآباء كان مادة إعلان واختبار، وأنهم بذاتهم اشتركوا في هذا الإعلان، بمعنى أنهم سلكوا بحسب تقليد الكنيسة. الهدوئية بمعناها الأرثوذكسي هي هدوء القلب وسلامه، وهي تقود بشكل لا يحتمل الخطأ إلى اللاهوت الاختباري، واللاهوت الإعلاني يدسر الكائن البشري بعمق أكثر في الهدوئية الأرثوذكسية المقدسة.

عندما نشير إلى هذه الأمور، يقدم اللاهوتيون المعاصرون اعتراضين. الأول هو أن الهدوئية، أو ما نسميه الهدوئية المقدسة، هو لعدد قليل من البشر، أي النساك والزاهدين فقط. الاعتراض الثاني هو أن الآباء القديسين غيّروا كلام المسيح والرسل ببعض الطرق. أي أنهم غيّروا أقوال الرسل لتتوافق بشكل أكبر مع التعليم النسكي، أو حتّى أنهم ربطوا هذه الكلمات بتصنيفات كيانية وبنظرة زمانهم إلى العالم، ما يعني أن الرسالة الآبائية ينبغي إسقاط الأسطورة منها (demythologized) حتى يصير ممكناً الرجوع إلى رسالة الرسل. كلا الاعتراضان على خطأ.

الاعتراض الأول خاطئ لأن ما يقوله التقليد الآبائي عن الهدوئية المقدسة لا يتعلّق بطريقة عيش النسّاك والزاهدين وحسب، بل يشكّل الحياة الروحية لكل المسيحيين الذين عليهم أن يسلكوا بحسب وصايا المسيح. كلّ مَن يقرأ الإنجيل بتأنٍّ يكتشف جو الهدوئية المقدسة بأكمله، وهو ما يرتبط بيقظة النوس، تطهير المَلَكَة العقلية من الأفكار والقلب من الشهوات الجامحة. بشكل أكثر عموماً، إنه يرتبط بتجدد الكائن البشري وتحوّله اللذي يتحقق بأسرار الكنيسة والحياة النسكية. في الحقيقة، الهدوئية المقدسة هي اختبار سر صليب المسيح وقيامته، التي على كل المسيحيين أن يعيشوها. طريقة الحياة هذه ليست امتيازاً لبعض الرهبان أو النسّاك، بل هي الحياة المسيحية التي يتبعها كل المسيحيين بدرجات متفاوتة.

الاعتراض الثاني أيضاً خاطئ، لأن الآباء لم يغيّروا رسالة الإنجيل والرسل. ببساطة، لقد استعملوا عبارات جديدة في بعض الأماكن، ليتعاملوا مع الهراطقة الذين عبّروا عن آرائهم باستعمال مُصْطَلَحَات زمانهم. لقد عاش الآباء القديسون في جو كلمة الإنجيل وتميّزوا بطريقة حياتهم الرسولية. لقد اختبروا معنى الحقيقة المستعلَنة. عند الضرورة استعملوا العبارات المعاصرة لهم. فالمعنى لا يتغيّر بل الكلمات فقط.

لكي نظهر أن الحياة الهدوئية هي طريقة الحياة الإنجيلية، سوف نترك جانباً تعليم الآباء القديسين ونركّز على تحليل التعليم الهدوئي عند الرسول بولس كما يظهر في رسائله. بهذا نؤكّد أن الرسول العظيم كان فعلاً لاهوتياً تجريبياً وهدوئياً كبيراً في الوقت نفسه. كل تعليم الآباء والفيلوكاليا موجود ملخصاً في تعليم الرسول بولس أو، ابتغاءً للدقة، كل تعليم النسكي والهدوئي للآباء الذين مارسوا اليقظة الروحية (الآباء اليقظون “neptic”) ولاهوت آباء الكنيسة الكبار هو تطوير لتعليم الرسل من خلال خبرتهم، تماماً كما نجده في الرسائل. كل القديسين عاشوا الخبرة نفسها.

نجد كلمة “هدوئية” ثلاث مرات في النص اليوناني لرسائل القديس بولس. في المرة الأولى تشير بشكل عام إلى طريقة حياة: ” فَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذلِكَ أَيْضًا لِجَمِيعِ الإِخْوَةِ الَّذِينَ فِي مَكِدُونِيَّةَ كُلِّهَا. وَإِنَّمَا أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَزْدَادُوا أَكْثَرَ، وَأَنْ تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ، وَتُمَارِسُوا أُمُورَكُمُ الْخَاصَّةَ، وَتَشْتَغِلُوا بِأَيْدِيكُمْ أَنْتُمْ كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ” (1 تسالونيكي 10:4-11). المرة الثانية تشير إلى طريقة العمل: ” فَمِثْلُ هؤُلاَءِ نُوصِيهِمْ وَنَعِظُهُمْ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِهُدُوءٍ، وَيَأْكُلُوا خُبْزَ أَنْفُسِهِمْ” (2 تسالونيكي 21:3). المرة الثالثة تشير إلى طريقة تصرّف النساء: ” بَلْ كَمَا يَلِيقُ بِنِسَاءٍ مُتَعَاهِدَاتٍ بِتَقْوَى اللهِ بِأَعْمَال صَالِحَةٍ. لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ بِسُكُوتٍ فِي كُلِّ خُضُوعٍ.” (1 تيموثاوس 10:2-11). واضح أن استعمال كلمة “هدوئية (hesychia)” ليس بالمعنى الذي يعطيه آباء الكنيسة اليقظون أي “علم الأفكار”، إماتة الأهواء وتحويلها، الصلاة النوسية، اليقظة، “فن السلام”، وغيره. في أي حال، بالرغم من أن الرسول بولس لا يستعمل عبارة “الهدوئية المُقَدّسة” بالمعنى الآبائي للكلمة، إنما مجمل مفهوم تعليمه يصف الحياة الهدوئية كما نكتشف من التحليلات التي ينبغي قراءتها في هذا الإطار.

من الفصل السادس من كتاب Μεταφράσεις: Μυστήρια και άσκηση، منشورات دير ميلاد السيدة، ليفاذيا، 2011، ص. 231-241

ماذا ينتظر الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة؟

الأب أنطوان ملكي

لم يكن مفاجئاً إعلان أن الكنيسة اليونانية قبلت استقلال “كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية”، خاصةً عندما يكون معروفاً حجم الضغط الذي تمارسه ثلاث جهات: القسطنطينية، الدولة اليونانية والدبلوماسية الأميركية بمختلف أدواتها المتوفرة. هذا يجعل كنيسة اليونان أول كنيسة تقبل هذا الكيان من بعد القسطنطينية التي أنشأته. المفاجئ في الإعلان هو أن المعترضين كانوا ستة أساقفة فقط لا يذكر البيان الرسمي أنهم اعترضوا بل أنهم طلبوا تأجيل التصويت. جدير بالذكر أن المجمع العام يضم 81 مطراناً لكن البيان لا يذكر عدد الحضور. أمّا الأخطر فهو التصريحات التي تبعت هذا الإعلان والتي تؤكّد أن أي قرار لم يُتّخَذ خاصةً وأنه لم يجرِ أي تصويت. هذه التصريحات الصادرة عن مطارنة كانوا في المجمع تنذر بأخطار على الكنيسة اليونانية وعلى الكنيسة الجامعة بشكل عام. وأخطر ما فيها أنها إشارات إلى 1) تعاظم تدخل السياسة في شؤون الكنيسة بشكل لا يحترم الحدّ الأدنى من مصلحتها أو حتى مظهرها كي لا يُحكى عن رسالتها، وهذا يتكرر في كل الكنائس، و2) أن عملية تدبيج القرارات وإعلانها بشكل ديماغوجي يظهرها وكأنها قرارات الكنيسة فيما هي بالحقيقة قرار رئاستها، وبالتالي يضع هذا الإعلان المعارضين، وعادة يكون التقليديون منهم، في خانة الخارجين على الإجماع ومثيري الشغب.

نظرياً، قد يكون مفهوماً أن تقبل كنيسة اليونان أو تدعم حق القسطنطينية في منح الاستقلال للكنائس المحلية نزولاً عند طلب هذه الكنائس أو طلب سلطاتها السياسية، علماً أن هذه التبعية تحوّل استقلالها الكامل (autocephaly) إلى مجرد استقلال إداري (autonomy) وحسب. لكن ما يبقى بلا تفسير، ولم يجب عليه لا منظرو هذا القبول ولا كلمة رئيس الأساقفة اليوناني التي وجهها إلى المجمع، هو كيف يتمّ قبول أبيفانيوس “ميتروبوليت” أوكرانيا وهو أصلاً مُسام على يد منشقّ مدان من كل الكنائس، وغيره من الإكليروس غير المُسام قانونياً.

من هنا أن لقرار كنيسة اليونان كلفة أعلى بكثير من أي خطأ ترتكبه القسطنطينية. فالكنيسة اليونانية تشكّل مرجعية علمية في الكنيسة الأرثوذكسية ليس لجهة أن غالبية مطارنة العالم الأرثوذكسي وبطاركته مرتبطون باليونان إما من جهة تخرجهم من مدارسها بل لأن لها علاقات دأبت كنيسة اليونان على توطيدها مع كل العالم. أستذكر هنا كلاماً لأحد الياروندات يقول: “أن تكون يونانياً أرثوذكسياً ليس امتيازاً ولا أفضلية بل هو رسالة (mission) وواجب”. وما يظهّر هذا الخطر في قرار الكنيسة اليونانية هو أن غالبية الإجابات التي أعطاها المطارنة للإعلاميين عند سؤالهم عن خلفية قرارهم تأتي في خانة الإثنية ودعم القسطنطينية في وجه الروس. حتّى الحجج التي كتبها الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، على ما له من موقع في العالم، لم تكن على المستوى المعهود منه في الصياغات اللاهوتية.

من جهة أخرى، الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة على موعد مع قطع علاقات جديد. إن الفذلكة اللاهوتية التي أوردتها الكنيسة الروسية كسند لقطع شركتها مع القسطنطينية تنطبق على كنيسة اليونان، إن لم يكن اليوم ففي التاسع عشر حيث يُتوقّع أن يشترك رئيس أساقفة اليونان ييرونيموس مع أبيفانيوس أوكرانيا في القداس في تسالونيكي. عندها ما انطبق على القسطنطينية ينطبق على كنيسة اليونان، وسوف تكون كنيسة موسكو ملزمة بقطع شركتها مع كنيسة اليونان. هذا الأمر أشار إليه بوضوح المطران إيلاريون مسؤول العلاقات الخارجية في الكنيسة الروسية في مقابلة معه في التاسع من تشرين الأول أي قبل إعلان قرار كنيسة اليونان بيومين. هذا القطع سوف يكون مؤلماً بشكل أكبر ويسبب شللاً أكثر أثراً في جسد الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة. فعلى سبيل المثال، ما سوف يكون موقف رافضي التعامل مع إكليروس “كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية”، ككنيستي أورشليم وصربيا، من إكليروس اليونان حين يكونون قد شاركوا مع الأوكرانيين في الخدم؟ هل سوف يستطيع بطريرك جورجيا والذين معه في كنيسته من الصمود أكثر أمام حملات الأميركيين المركّزة عليهم ليعلنوا قبولهم “كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية”؟ هل يستطيع أحد التنبوء بعدد اليونانيين، من إكليروس وعلمانيين، الذين سوف ينتقلون إلى كنيسة المسيحيين الأرثوذكس الحقيقيين في اليونان (التقويم القديم)؟ ألن يكون قبول اليونان هذا عاملاً تشجيعياً لدعاة كنيسة مكدونيا المستقلة وكنيسة الجبل الأسود المستقلة على الإصرار على انفصاليتهم؟

إن الأسئلة كثيرة، على المستويين اللاهوتي والإداري، إذا صحّ الفصل بين المستويين. من هنا أن المسؤولية الملقاة على أكتاف رؤساء الكنائس، وبشكل خاص الإسكندرية وأنطاكيا، مسؤولية جسيمة، حيث أنهم مطالبون بالتحرك والفعل بدل الاكتفاء بردة الفعل. إن عدم انعقاد لقاء رؤساء الكنائس، بغض النظر عن موقف القسطنطينية، سوف يفتح الباب للقسطنطينية لخلق المزيد من المشكلات. إن هذا اللقاء ضروري جداً إذ إن تزايد عدد الكنائس القابلة للكيان الأوكراني المستحدث، يهدد الكنيسة بأن تتحوّل إلى كنيستين بشكل أو بآخر، وهو صدع عامودي لن يكون سهلاً رأبه.

السنة الخامسة عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2019

مختارات آبائية

الشيخ أمليانوس سيمونوبترا، عن صلاة يسوع

مختارات عن الخلاص من باتيريكون دير أوبتينا

حياة روحية

الأرشمندريت ميثوذيوس (ماركوفيتش)، لنكون بسلام علينا أن نحفظ الوصايا

تلميذه يوحنا، عن الشيخ كلاوبا

ديمتري يوانو، نصِل إلى الله عبر أخينا

لاهوت

نيكولاوس كويوس، كيف يصنع الثالوث القدوس شخصاً؟

الأب لورانس فايرلي، لمَ الأرثوذكسية ليست ديناً

رعائيات

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، المعلمون المرضى: من هموم التعليم المسيحي

الأب غريغوريوس من دير القديس أرسانيوس، تكساس، الأبوّة الروحية وعلم النفس الحديث: بعض الأفكار

الأب أنطوان ملكي، عالم مجنون وكنيسة مصارعة

عن صلاة يسوع

الشيخ أمليانوس سيمونوبترا

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

هذا النص مأخوذ من تسجيل فيلم يتحدّث فيه الاب أمليانوس سيمونوبترا عن قوة صلاة يسوع في الحياة الروةحية الأرثوذكسية. كما يعطي إرشادات واضحة حول القراءة اليومية في الكتب الإلهية.

إن ألف كلمة من الصلاة المقروءة لا تحلّ مكان البضع كلمات في صلاة يسوع: “ربّي يسوع المسيح ارحمني”. أنظروا خمس (بالعربية أربعة) كلمات صغيرة.

علينا ان نقرأ أحد آباء الكنيسة. عشر دقائق تكفي، لا بل حتى خمسة إذا شئتم. واقرؤو ا غيرها خمس أو عشر دقائق في الكتاب المقدس. من العهد القديم أولاً… لأن العهد القديم هو الأساس… إنه الدعم، أساس الكنيسة وحياتنا. وسلامنا! إن لم نكن نعرف العهد القديم لن نفهم الله. لأن الله كشف ذاته هناك. ومن ثمّ كشف لنا قائلاً: “أنا ما أقوله هناك في العهد القديم”. “وهنا أكتب عن هذا”. إن لم نتمكن من تحديد هذه الأماكن، لن نفهمها.

إذا قلتم لي عبارة “الاحتلال الأجنبي” وأنا لا اعرف شيئاً عن هذا، لم أرَ حرباً، أنا ملك في بيتي… كيف لي أن أفهمها؟ ولكن عندما أعبر الحدود [الكلام في قبرص] وأرى الكنيسة التي أقفلوها ودمّروها، وأحرقوا قرميدها وهي الآن خربة… وأرى البيوت هناك، مهجورة، بشبابيك مخلّعة، مرمية على الأرض، محطّمة… عندها أفهم ما معنى “الاحتلال الأجنبي”…

أنا بحاجة لأن أصنع الربط: “ما معنى كل هذا؟” هذا ما يحدث مع العهد القديم. الرب كشف الكثير من الأمور هناك. وهناك ما يتعلّق بها في العهد الجديد وسير القديسين. لنقرأ قليلاً ونتعلّم أن نردد الصلاة. إن مئة ألف من كلمات الصلاة المقروءة لا تحلّ محلّ بعض كلمات الصلاة: “ربي يسوع المسيح ارحمني” انظروا إنها خمس كلمات صغيرة.

إنها مَجدَلة، شكر، توسّل، اعتراف، لاهوت وشهادة. هذه الصلاة تشمل كل شيء. الربّ يفهم حتّى ولو لم نفهمها. أنا استطيع ان اردد إلى ما لا نهاية: ” ربي يسوع المسيح ارحمني” وقد لا افهم شيئاً، لكن الربّ يفهم. الرب يفهم… وهذا هو الجزء الأهم، أنه يفهم. لذا علينا أن نردد الصلاة.

إنه لأمر سهل أيها الأحباء! إن اهتممنا به، سوف ترون، في خلال شهر، وبدون اي شك، كما ذكرتُ لكم، أن قلبكم يفرحّ! ما من إنسان طلب شيئاً من الله ولم يحصل. وإلا لما كان هو الله. لذا، عندما نقول له: “أعطني الصلاة يا رب، ضعها في قلبي”، ألن يفعل ذلك؟

سوف يعطينا السعادة، يمنحنا السلام، يهبنا الفرح الاحتفالي، والدموع. كل شيء.

كلّ ما تريد الحصول عليه من خلال هذه الكلمات، من السماء ومن الأرض، سوف تراه وسوف يكون لك كذلك. سواء كان شيئاً مخبّئاً أو مرئياً، سوف تحصل عليه والرب يمنحك إياه!

مختارات عن الخلاص من باتيريكون دير أوبتينا

القديس مكاريوس اوبتينا

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

– تكمن بداية خلاصنا في فهمٍ صادق لخطايانا وتوبيخنا لذاتنا وتواضعنا أمام الله الذي يتبعه تواضعنا أمام الناس. القلب المتخشع المتواضع لا يرذله الله (مزمور 50: 19). بالإضافة إلى ذلك، من الضروري أن ننكر ذواتنا (مرقص 8: 34)، أي أن نرفض إرادتنا وفهمَنا وأن نطيع رؤساءنا ومرشدينا، كما يعلّم الآباء القدامى.

– لقد أظهر الرب الطريق لكلّ من يسعى للخلاص: إتمام وصاياه التي وصلتنا في الإنجيل المقدس، والتي منها محبة الله والأخ. قال الرب: اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي (يو 14: 21). إن الآباء القديسين بعد أن أنجزوا رحلتهم بالأعمال على هذا المسار تركوا لنا إرشادات حول كيفية السير في هذا الطريق وأظهروا لنا طرقًا متعددة يمكن أن تساعدنا في تحقيق الخلاص وفقًا للاستعداد الداخلي لكل منّا. وكما أن الكبرياء هو سبب كل سقطة وشر وألم، فعلى العكس من ذلك، التواضع يهزم جميع الأهواء والخطايا ويجلب للإنسان الهدوء على حد تعبير الرب: تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. (مت 11: 29)

– كيف يمكننا إحراز تقدم على طريقنا إلى الخلاص؟ ماذا تعتقدون؟ أبالتغلب على مآثر كبيرة والاعتقاد أننا أحرزنا بالفعل تقدماً على طريق الخلاص، وبالتالي نواسي أنفسنا؟ لا، لأن تقدمنا يكمن في التواضع، عندما نفعل ما هو جيد، لا نبني أمل خلاصنا على أعمالنا الصالحة، بل نعتبر أنفسنا مجرد تراب ورماد.

– عندما نقوم بأعمال صالحة، إذا بدأنا نفتكر بأنفسنا عالياً، تؤخذ منا طاقة العمل الصالح ويُسمَح بأن تتغلب علينا الأهواء حتّى يتضع فكرنا، وبدأ نفكّر بأنفسنا على أننا أسوأ من كل المخلوقات. ألا تعرفون أن الرب يسعد أكثر بخاطئ واحد يتوب من إنسان بار ومتكبّر؟ أتفهمون الآن أن النذور الرهبانية وثيابنا الشخصية تصلح كوسيلة تساعد على اكتساب التواضع؟

– خلاصنا يشمل الإيمان والرجاء برحمة الله، وفي إيداعنا لذواتنا وبعضنا بعضاً للإرادة المقدسة.

– بدون توبيخ الذات والتواضع والصبر والمحبة، لا يمكن الخلاص؛ بينما من خلال هذه الفضائل، يصير جهادنا أسهل ويسقط خداع العدو.

– يكمن خلاصنا عند أخينا، كما هو موصى به: “لاَ يَطْلُبْ أَحَدٌ مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مَا هُوَ لِلآخَرِ.” (1 كو 10: 24).

لنكون بسلام علينا أن نحفظ الوصايا

الأرشمندريت ميثوذيوس (ماركوفيتش)

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الأرشمندريت ميثوذيوس هو أصغر رؤساء الأديار الأثوسيين عمراً. هو رئيس دير خيلاندار الصربي. حاورته أولغا أورلوفا لموقع orthochristian.com.

نقول “كُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ”

هناك مثل أظن أن الكثيرين يعرفونه عن شخص تشكّى إلى الله: “صليبي ثقيل جداً”. فظهر له ملاكه الحارس وقال له: “يا رجل، لمَ تبكي؟ لقد أرسلني الله لأعطيك الصليب الذي اخترتَه أنت لنفسك”. وفي تلك اللحظة ظهرت مجموعة كبيرة من الصلبان البشرية أمام أعين المتذمِّر. وإذ جال فيها كلها، شعر بشيء من الانزعاج إلى أن توقّف عند صليب متوسط المنظر فوقع ذاك على كتفه، فقال له الملاك “هذا هو الصليب الذي لديك الآن”.

يعلّم القديس دوروثايوس في تعاليمه: إذا كنتَ تقبل كل ما يجري في حياتك وكأنه من يمين الله، فسوف تكون دائماً في سلام وهدوء. لا يهمّ ما يجري فهو من اللهّ! المجد لله في كل شيء.

مع هذا، لنكون في سلام، علينا ان نحفظ الوصايا، وإلا فنحن ننقل مسؤولية غبائنا إلى الله. إن هذا النوع من الناس هم الذين يجدّفون عليه، تذكروا اللص المصلوب عن يسار المسيح. إن الصليب والتوبة هما باب الملكوت السماوي. من بعد أن اعترف اللص الحكيم: ربي اذكرني متى أتيت في ملكوتك قال له المسيح مباشرة: اليوم تكون معي في الفردوس (لوقا 42:23-43)، لكن الله لم يرفعه عن الصليب مباشرة، بل عانى اللص من العذاب وكُسرَت قدماه، اي أنه تألّم عن خطاياه.

وهنا يمكننا أن نقول العكس: مَن يطلَب منه كثيراً يعطى بدلاً عنه مع الفائدة.

إن العالم المعاصر يخشى الصليب ويتهرّب منه. لكن الرب يرسل الصليب للخلاص. إذا لم يكن هناك صليب فليس هناك قيامة مع المسيح. في النهاية، معنى رحمة الله الصليبية الشكل موجود في الفرح الفصحي الذي يستمر إلى الحياة الابدية.

عن الشيخ كلاوبا

تلميذه يوحنا

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

يقول الآباء القديسون أن الإنسان على طريق الخلاص يُجرِّبه الشيطان من ثمانية جهات: الأمام، الخلف، اليسار، اليمين، فوق، أسفل، من الداخل ومن الخارج.

1. يُجرَّب الإنسان من الخلف عندما يتذكّر بشكل مستمر الخطايا والأفعال الشريرة التي ارتكبها في الماضي، ويسترجعها من جديد في ذهنه، ويعيد ترتيبها، ويشركها، ويقنط بسببها، ويتأمّل بها حسياً. إن استذكار كيف أخطأنا في الماضي هو تجربة شيطانية.

2. عادةً يُجرَّب الإنسان من الأمام بالخوف من فكرة ما يخبئه المستقبل: ما سيحدث لنا أو للعالم؛ كم سنعيش؟ ماذا لدينا للأكل؛ إن كانت ستقع الحرب أو أي نوع آخر من الأحداث الخطيرة والمخيفة؛ وبشكل عام، عن طريق الزرع فينا لكل أنواع التخمينات والتقديرات والنبوءات وكل شيء آخر يثير الخوف من المستقبل.

3. يُجرَّب الإنسان من الشيطان من اليسار من خلال الدعوة لارتكاب خطايا واضحة، والسلوك والتصرّف بطرق معروف أنها خاطئة وشريرة، لكن الناس يقومون بها رغم ذلك. هذه التجربة هي دعوة مباشرة للخطيئة بشكل مفتوح وواعٍ.

4. هناك طريقتان يجرّب بهما الشيطان من اليمين. الأولى هي عندما ينفّذ المرء أعمالاً حسنة ولكن بنيّة وغرض سيئين أو ضارين. على سبيل المثال، إذا كان المرء يعمل بشكل حسن أو يتصرف بشكل جيد بسبب المجد الباطل، أو لكسب المديح، أو الحصول على منصب، أو تحقيق الشهرة، أو من أجل تحقيق بعض المنفعة لنفسه، يتبع ذلك أن الإنسان يقوم بالعمل الجيد بدافع الغرور، الجشع، أو الطمع. إن القيام بالأعمال الصالحة لأغراض سيئة هو خاطئ وعبثي. يشبّه الآباء القدامى هذا الأداء للأعمال الصالحة (كالصيام والصدقة) بجسد بلا نفس، طالما أن الغرض من إنجاز الفعل هو نفسه، بينما الفعل نفسه هو الجسد. لذلك، فإن أداء الأعمال الصالحة لأغراض شريرة هو في الأساس تجربة من اليمين، أي تحت ستار الخير. التجربة الشيطانية الثانية من اليمين تأتي من خلال العديد من الظهورات والرؤى، عندما يتلقى المرء رؤى الشيطان بشكل الله أو ملاك الله. يسمّي الآباء القديسون الوثوق بهذه الأطياف الشيطانية، أو قبول هذه الظواهر الشيطانية، الوهم أو الخداع.

5. علاوة على ذلك، يجرّب الشيطان الإنسان من الأسفل عندما يكون قادرًا على أداء الأعمال الصالحة أو الفضائل المقدّسة ولكنه كسول جدًا للقيام بذلك؛ أو عندما يعلم المرء أنه ينبغي بذل المزيد من الجهود والإعمال في جهادات النسك (في الفضائل والأعمال الصالحة)، ويكون قادرًا على القيام بذلك، لكنه لا يفعل ذلك بدافع الكسل، أو بأن يبحث عن أعذار للكسل. بالنتيجة يرفض الإنسان روحياً هذه الفضائل عندما يقوم بأقل بكثير مما يمكنه في الواقع القيام به.

كان الشيخ كلاوبا، من أجل شرح أفضل لنا، يحرّك يديه بالاتجاه الذي تجيء منه كل تجربة؛ ثم يكرر باختصار ما كانت التجربة التي وصفها للتو.

6. التجارب من الأعلى تأتي أيضًا بطريقتين. الأولى هي عندما يحمّل الإنسان نفسه جهادات نسكية تتجاوز قوته، وبالتالي يجهد نفسه بتهور. يحدث هذا، على سبيل المثال، عندما يكون الإنسان مريضًا فيفرض صيامًا يفوق قوته؛ أو عمومًا عندما يتغلب الإنسان على أي جهاد نسكي يتجاوز قدرته الروحية والبدنية. هذا العناد يفتقر إلى التواضع وهو اجْتِراء بشكل غير معقول.

تجربة أخرى من الأعلى تكون عندما يسعى المرء إلى تعلم أسرار الكتاب المقدس (وأسرار الله بشكل عام)، ولكن بشكل يفتقد للنضج الروحي. أي عندما يريد المرء أن يلج إلى أسرار الله في الكتاب المقدس (أو في القديسين والعالم والحياة عمومًا) لكي يشرح لاحقًا هذه الأسرار ويعلّمها للآخرين فيما هو غير ناضج من الناحية الروحية بما يكفي لفعل ذلك. يقول الآباء القدّيسون أن مثل هذا الشخص يريد مضغ العظام بأسنان طفل. يتحدث القديس غريغوريوس النيصي عن هذا في “حياة موسى”. يقول إنه لهذا السبب أمر الله الإسرائيليين، الذين كان ينقصهم الكمال، أن يأكلوا اللحم (الذي يشبه الحليب للأسنان) فقط من حمل الفصح ومع أعشاب مرّة من دون تقطيع أو أكل العظام، بل أن تُحرق في النار (أنظر خروج 8:12 و10 و46). هذا يعني أننا، نحن أيضًا، يجب أن لا نفسّر من الألغاز الموجودة في الكتاب المقدس (وفي إيماننا بالله عمومًا) إلا التي تتوافق مع نضجنا الروحي وأن نأكلها (نستوعبها) مع الأعشاب المرّة، أي مع كل ما تجلبه لنا الحياة (المعاناة والحزن)؛ لا ينبغي لنا أن نعضَ على أسرار الكتاب المقدس والمعرفة الإلهية وعناية الله، مثل الكثير من العظام الصلبة بأسناننا الصغيرة؛ هذه تكون عرضة للنيران فقط، أي أنها تصبح واضحة فقط في النضج الروحي البالغ وفي النفوس المتمرسة التي تم اختبارها بالنار الإلهية المفعمة بالنعمة.

7. يُجرَّب الإنسان من الداخل بما يمتلكه من قلبه وبما ينبع من القلب. صرح الرب يسوع المسيح بوضوح أنه من الداخل ، أي من قلب الإنسان، تخرج الأفكار والرغبات والشهوات الخاطئة وغير النقية (راجع متى 15: 19) وتجرّبه. لا تأتي التجارب فقط من الشيطان، بل أيضًا من الناحية الإنسانية، من النوايا والمهارات الشريرة والشهوات والرغبات والمحبة الداخلية للخطيئة التي تنطلق من قلب نجس.

8. أخيرًا، يفتح الباب الثامن للتجربة الشيطانية من الخارج، من خلال الأشياء والمناسبات الخارجية، أي من خلال كل شيء يدخل من الخارج عبر حواس الإنسان التي هي نوافذ النفس. هذه الأشياء الخارجية ليست شريرة في حد ذاتها، ولكن عن طريقها، يمكن الإيقاع بمشاعر الإنسان وتحريضه على الشر والخطيئة.

هذه هي إذاً الوسائل الثمانية التي بها تتمّ تجربة كل إنسان، بغض النظر عمّا إذا كان في العالم أو في عزلة.

بعد أن ينهي الشيخ كلاوبا سرد السبل الثمانية التي بها يُجرَّب الإنسان، يعيدها الشيخ كلاوبا باختصار ويضيف السبل والمناهج التي بها تُواجه كل تجربة. ففي وجه كل من هذه التجارب، من الخلف، من الأمام، من الشمال، من اليمين، من فوق، من أسفل، من الداخل ومن الخارج، على الإنسان أن يقاتل باليقظة أي بالانتباه والاهتمام ويقظة النفس والجسد، يقظة الروح وسهرها، الاتزان والتمييز، الانتباه للأفكار والأعمال، أو بكلمة أخرى الدينونة. من جهة أخرى، من خلال الصلاة الثابتة التي تستدعي اسم الرب يسوع المسيح والصلاة غير المنقطعة.

(هنا أضاف الأب بترونيوس العبارة اليونانية προσοχή και προσευχή”” أي كما يعبر عنها الآباء القديسون “بالانتباه والصلاة”)

بتعبير آخر، يضيف الشيخ، الآباء القديسون قالوا أن المعركة ضد الأهواء والتجارب تتألف مما يلي: حفظ فكر الإنسان وروحه وجسده من التجارب- هذا هو جهادنا النسكي من وجهة نظرنا الإنسانية؛ أما من الجانب الإلهي، يجب على الإنسان أن يستدعي بصلاة متواصلة معونة الرب الكلي الرحمة السيد يسوع المسيح، وهذه هي صلاة الهدوئيين الأساسية غير المنقطعة أي صلاة يسوع: “يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ!”

نصِل إلى الله عبر أخينا

ديمتري يوانو

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

يمكن تلخيص كل فكر الشيخ أميليانوس السيمونوبتري الأثوسي في التعليم الذي ” نصِل إلى الله عبر أخينا”. هذا هو الموضوع الرئيسي لمؤلفاته. ولكن ما الذي يعطي تواصلنا مع الآخرين أصالة وصحّة؟ يجب أن نقول في البداية أنه من بين أشياء أخرى نعرفها بالفعل، يجب أن تكون علاقتنا مع أخينا مشبَعة بروح من “التلطف”، والحساسية الشديدة، حتى لا نسبب لهم ولا أي جرح. هذا “التلطف” ليس مجرد ضرورة أخلاقية أخرى، كمثل الكثير من الأشياء الأخرى. إذا أردنا أن نتعلم كيف نتصرف بلباقة، فيجب علينا أولاً أن نفصل أنفسنا عن الأرضيات، أشياء الجسد، التي يجب ألا يتم تصنيفها بالتأكيد مع “الأساسيات”. “الدنيوي” هو كل شيء فيه روح اللؤم أو ضيق الأفق أو عدم الاستحقاق.

في الإشارة إلى الحياة في الدير، على الرغم من أن كل ما يقول له ما يناظره في حياة الناس العلمانيين، يقول الشيخ: “إذا سأل أحدهم عن الوقت وقيل له السابعة وعشرين دقيقة، ومن ثم أتى آخر وقال: لا إنها السابعة وخمس وعشرون دقيقة، فالأخير خاطئ ولا يحق له المناولة. ما الفرق الذي تحدثه خمس دقائق إضافة أو نقصاناً؟ إن زماننا هو الأبدية”. ما يعنيه الشيخ هو أن الأخوين في الدير دخلا في محادثة سمعها الثالث، الذي لم يكن على علم بالسبب الأكثر عمقاً لمحادثة الأخوين بهذه الطريقة. لربما كانا يريدان أن يعودا إلى الحديث، وقد يكون أن أحدهما ببساطة أراد أن يساعد الآخر على التخلص من فكرة سيئة أو انشغال ما فأعطاه الفرصة لأن يقول شيئاً آخراً. لمَ نتدخّل في محادثات غيرنا ونقطع شركة النفوس هذه ونحن نجهل المنظار الأكثر عمقاً، أي في القلب. إن لم يكن الخطأ على مستوى عالٍ من الخطورة بشكل يهدد انتظام الأخوية فلن يكون مبرراً للتدخل. لكن ما هو مخفي وراء هذا “التصحيح” هو تناقض أساسي. نقرأ ما يلي: “أي شخص يناقض أخاه ويزعزعه لا يستطيع أن يتقدم من المناولة”. (تجدر الإشارة إلى أن “روح التناقض” هي شغف يخفي الجدل العميق والغرور).

بطبيعة الحال، في العالم خارج الرهبنة، الأمور مختلفة، ونحن بين الحين والآخر نصحح الآخرين. ولكن هذا ربما لأننا اعتدنا على إسكات الآخرين بحضورنا، المفنرَض أنهم فرحنا، لأننا ضمنياً نريد أن نسمع صوتنا وحسب. نريد أن يتردد صوت رفضنا بِلا تبدأ كتصحيح لدقيقة معينة وينتهي بها المطاف في تصحيحٍ كاملٍ لوقت إخوتنا من البشر. وهذه المحاولة لتنظيم وقت الآخرين، والتي عادة ما تكون في شكل ثرثرة، خوف، أو حتى هدوء، من “حب الرئاسة والكلام البطّال”، تجرح أشخاصاً آخرين بشكل طبيعي. وإلى جانب ذلك، باستثناء الحالات النادرة، نحن أنفسنا مذنبون بعدم الدقة عندما نتحدث. هل هذا يعني أنه يجب على الناس تذكيرنا بهذا إلى الأبد من دون تمييز؟

في مخاطبته للرهبان، تابع الشيخ قائلاً إن كلّ مَن “ينخرط في الدردشة البطّالة، وفتات الأخبار” يلحق ضررًا كبيراً بأخيه. ما قصده هو أن الراهب قد يكون صلّى بحرارة، وكان يسعى جاهداً لتحقيق هذه الشعلة وهذا الدفء في صلاته، ثم فجأة يأتي شخص ما ويقول: ‘هل سمعت؟ في العالم، تصرف هذا السياسي أو ذاك بشكل غير قانوني…” ولكن لماذا هذه الملاحظة خطيئة؟ لأنها، بطريقة ما، غير مناسبة، إنها محاولة لتحويل الشخص الآخر عن الأمور الجوهرية إلى التفاهات.

لدى الراهب (وكل شخص) جهاده الداخلي المستميت من أجل الخير. إنه يخوض في كل دقيقة معركة حول ما يسميه الوجوديون “القلق الوجودي”. إنه محبوس في “خزانة قلبه”. إنه يتمتع “بداخلية” خاصة به كامتياز شخصي منحه الله له، وهو بالضبط ما يجب أن نتعلم احترامه قبل كل شيء. إذا كان شخص ما في دير، أو حتى في كنيسة، وركع وأدار رأسه نحو أيقونة، فهذا يعني أنه بعون الله، تمكن من ترك اهتماماته واختار “النصيب الصالح”. ألا ينبغي أن نكون على علم بهذا السر؟ سواء كنا نجرؤ على الاعتراف بذلك حتى لأنفسنا، فنحن جميعًا نريد أن يكون هذا التميز والتنوع عندنا محترماً. بالطبع، لن نضحك أو نخبر النكات أو نستمتع بها. ولكن كل هذا يمكن أن يحدث مع معرفة أن الآخرين لديهم الداخلية الخاصة بهم.

هذا هو السبب في أنه من الخطأ من جانبنا تجاهل رغبة الآخرين في أن يكونوا أنفسهم أو حتى القضاء عليها. نحن نحاول خنق حساسياتهم – غالبًا خوفًا من أن فقدان الارتباط الحقيقي مع الآخرين قد يؤدي إلى تحطيم تصوراتنا الخاطئة. لذلك عندما يخبر هذا الراهب أخاه عن هذا السياسي وذاك، على الرغم من عدم إدراكه، هو يهاجمه فعليًا من وجهة نظر نفسية دينامية ويوجه ضربة له.

كيف يصنع الثالوث القدوس شخصاً؟

نيكولاوس كويوس

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

لقد لوحظ من خلال البحث اللاهوتي في أكثر من مناسبة أنّ في الأرثوذكسية ارتباط بشكل لا ينفصم بين العقيدة والأخلاق، النظرية والتطبيق، والإيمان والحياة. كل دعوة إلى الجهاد الروحي لها أساس عقائدي قوي والعكس بالعكس: حياة لكنيسة المحبة والتواضع الروحية هي التي تنتج، بمعنى ما، الوجدان العقائدي لكل عضو على حدة وللكنيسة ككل.

يتبع الشيخ إميليانوس هذه القاعدة بدقة، كونه جزءًا من التقليد الآبائي في الروح القدس. يظهر هذا واضحاً في جزء كبير من تعليمه. ولكن يمكن القول بأن هناك نقطة واحدة يكون فيها هذا الرابط بين العقيدة والأخلاق أكثر وضوحًا وأكثر تفصيلًا. هذه هي بداية كتاب “خطاب حول اليقظة: تفسير القديس إيسيخيوس”[1]. في الصفحات من 4 إلى 6، قبل الولوج في دراسة معمّقة لجوهر الحياة النسكية واليقظة في الممارسة والنظرية، يتمكن الشيخ إميليانوس من اختصار التعليم الكتابي والآبائي حول الثالوث القدوس وخلق الله للإنسان .

إن آباء الكنيسة القدامى والحديثون يدركون بعمق أن حياة المسيحيين النسكية والأخلاقية هي ذات طبيعة وجودية وأخلاقية. ليست مطابَقَة للقواعد والأوامر وحسب، ولا هي حالة من التغاير الأخلاقي أو الخضوع من خلال الطاعة “العمياء” للوصايا الإلهية. إن جذور الخُلُق المسيحي هي في معرفة عميقة، تُحفَظ بتجربة جسم الكنيسة: أن خلق الشخص يتمّ ترتيبه وتحقيقه بواسطة أقانيم الثالوث الثلاثة أنفسهم.

يكتب الشيخ إميليانوس:

في لحظة استثنائية وفريدة من نوعها في التاريخ، رغب الآب السماوي في خلق العالم المادي. وبمجرد الانتهاء من ذلك، تابع إلى تكوين جسم الإنسان، بالتعاون مع أقنومي الثالوث الأقدس الآخرَين، ونفخ “نَفَس الحياة” فيه. وهكذا أصبحت خليقة الله “كائنًا حيًا” [2]. ثمّ توقف الله عن مجرّد الرفرفة فوق المياه [3] ودخل في العناصر المخلوقة والمادية والكائنات الحية. لقد سكن في كائن فريد سامٍ وهو أصبح ملك الخليقة وغايتها. الآن، سبب الخلق هو الله نفسه. منذ تلك اللحظة، صار لا مفرّ من التلازم، والسير نحو إدراك الله والاتحاد به، وصار من المستحيل الآن تصوّر الشخص البشري، صورة الله غير المرئي، بدون الروح القدس.

لذا، الروح القدس، كأحد أقانيم الثالوث القدوس، يعاون في ولادة كل شخص. جنباً إلى جنب مع الآب والابن، يعطي رحم الأم المواد المأخوذة من الأب والأم، فيكون الجنين الناشئ على هذا النحو جسداً وتراباً. نحن الناس نلد التراب: نحن تراب ونعود إلى التراب[4]. لهذا التراب، يعطي الوالدان كل قدرات وخصائص شخصياتهم، ويعطون أنفسهم صورة جسدهم.

ما فعله الآب السماوي مع أول شخص بشري، يفعله أيضًا عند ولادة كل واحد منا، والفرق هو أنه في حينه خلق التراب أولاً ثم نفخ فيه الروح القدس، بينما الآن يدخل الروح القدس الشخصَ بمجرد حدوث الحمل. لذا فمنذ اللحظة الأولى، يكون الجنين حيًا وشخصًا لأن فيه استنشاق الروح القدس. إن عنده تحكم عقلي، وهو صورة كاملة للألوهية، وحتى اللحظات الأخيرة، يحمل ملامح الطبيعة الإلهية والإنسانية بلا كلل وبلا هوادة. إلى هذا، يوجد اتصال في داخل الشخص بين الطبيعة البشرية والإلهية، كما هو الحال في المسيح.

ويترتب على هذا، أن عند ولادة كل شخص، هناك من ناحية أفعال إلهية، ومن ناحية أخرى مساهمة إنسانية، وفقًا لقول الله الرب وإرادته القديمة: ” أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا” [5]. الزوج والزوجة كجسد واحد “يَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا” [6] يتواصلان مع الروح القدس فيجمع الابن الكلي القدرة كلّ شيء ويضعه في رحم المرأة، وبهذه الطريقة يوجد شخص كامل، إله وإنسان. الأشخاص الجدد، الذين خلقهم الله وخُلقوا له، يُوهَبون في المعمودية الألوهية مع الحياة المواهبية حيث يصبح الروح القدس ميراث وجودهم. ومن ذلك الحين هم في حالة تحدٍ داخلي دائم من الروح القدس دائمًا ويعكسون من ذواتهم شرارات نور الألوهية. بهذه الطريقة ، يصبح تراب الأرض حياة مشعّة باليقظة”.

[1] الأرشمندريت إميليانوس سيمونوبترا Λόγος Περί Νήψεως: Ερμηνεία στον Άγιο Ησύχιοـ أثينا، 2007.

[2] تكوين 7:2

[3] تكوين 2:1

[4] أنظر تكوين 19:3

[5] تكوين 28:1

[6] تكوين 24:2

لمَ الأرثوذكسية ليست ديناً

الأب لورانس فايرلي

نقلته إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

بحسب الأب ألكسندر شميمن، المسيحية الأرثوذكسية ليست ديناً. يكتب في “من أجل حياة العالم”: “بالمعنى العميق، المسيحية هي نهاية كل الدين… لا تُقدّم المسيحية في أي نقطة من العهد الجديد كجماعة دينية أو دين. هناك حاجة إلى الدين حيث يوجد جدار فصل بين الله والإنسان. لكن المسيح، الإله والإنسان في آن معاً، حطم الجدار القائم بين الإنسان والله. لقد افتتح حياة جديدة وديناً جديداً”.

هذا المفهوم ليس جديداً بل هو موجود على مدى العهد الجديد. المسيح نفسه، بالرغم من تجذره في يهودية أيامه وحفظه للناموس اليهودي، أشار إلى ما هو أبعد منه: الحياة الجديدة التي أشار إليها الأب ألكسندر، حياة ممنوحة بالروح القدس (يوحنا 5:3-8، 37:7-39). لم يعد أتباعه بحاجة إلى هيكل وكهنوته وضحاياه للتواصل مع الله، سواء كان هذا الهيكل عبى جريزيم أو في أورشليم (يوحنا 21:4-23). جسده صار الهيكل الجديد (يوحنا 21:2). في تلك الحياة الجديدة، لم تعد قيود السبت مُطْلَقة (متى 16:12، يوحنا 8:5-11)، ولا عادت قوانين الطعام تمنع بعض المأكولات (مرقس 19:7). ففيما كان يعيش كيهودي أمين للعهد القديم، قدّم المسيح خمراً جديدة، شراباً أقوى من أن يُحتَوى في أوعية خمر ذلك العهد. أوعية الملكوت الجديدة صارت ضَرُورِيّة (مرقس 22:2).

هذا الاستبصار الأساسي هو مصدر رفض القديس بولس لليهودية. فاليهودية، بالرغم من أصلها الإلهي، توقفت عن الإيفاء بغرضها لأنها كانت ديناً. على غرار كل أديان العالم، كانت تتميّز ببعض المفاهيم الأساسية والثنائيات. كان عندها كهنوت يقدّم الذبائح الحيوانية والقانون هو أن الكهنو فقط هم مَن يقدّم الذبائح الطقوسية. عرفت اليهودية مبدأ المكان المقدّس، حيث كانت المحاكم الموسوية ومن ثمّ الهيكل، وأماكن لا يمكن دخولها إلا لأشخاص محددين (كقدس الأقداس الداخلي مثلاً). كان فيها تصنيفات “مقدس – طاهر – نجس”، وواضح أن النجس لا يستطيع تقديم الضحية إلى أن يتطهر. كما استعملت تصنيف “الطاهر – النجس” لبعض الأطعمة، محرّمة تناول بعض الحيوانات. باستعمالها التقويم القمري، أعلنت قداسة بعض الايام، أي انها مقدسة باتها، كالسبت، يوم البدر الكامل، والعبور. لم تتفرّد اليهودية بهذه الأمور بل كل أديان العالم تستعمل نفس التصنيفات. هذه لم تكن تصنيفات يهودية بل دينية. قد تختلف الأديان فيما بينها في تحديد الأيام المقدسة وما هي الأطعمة المسموحة ومَن هو المخوّل أن يتصرّف ككاهن يقدّم الذبيحة، لكنها تتفق بأن هذه التصنيفات أساسية وجوهرية.

هذه التصنيفات سمّاها الرسول بولس “أركان” (أنظر غلاطية 3:4، كولوسي 8:2 و20:2). لم تكن هذه خطأً بحد ذاتها، بل هي مثّلت إحجاماً وإقلاعاً عن الحياة الجديدة الممنوحة مجاناً بالمسيح بمعزل عن هذه التصنيفات. وهكذا علّم الرسول بولس أنّه لا يهمّ إن اعتبر الإنسان أحد الأيام بذاته أكثر قداسة من غيره (رومية 5:14)، وأن أي طعام نجس بذاته (رومية 14:14، 1تيموثاوس 4:4-5). لقد رأى أن التزام الغلاطيين بالتقويم اليهودي تطور مفزِع (غلاطية 10:4-11)، وقال أن خضوع الكولوسيين لقوانين الأطعمة النجسة ليس جديراً بالذين اتوا “مَعَ الْمَسِيحِ عَنْ أَرْكَانِ الْعَالَمِ” (كولوسي 20:2-23).

ولكن الآن وقد أتى المسيح ليخلّصنا، لم نعد عبيداً من بعد، ولا تحت أي دين بتصنيفاته الأساسية. في المسيح بلغ الجنس البشري ولم يعد يحتاج الدين. يمكننا أن نمتلك الروح القدس بدلاً عنه، وهو العهد والاشتراك في قوى الزمان الآتي.

من السهل تحريف المسيحية كدين مثل أي دين آخر. إذ لكل الأديان الرئيسية كتب (التوراة، الإنجيل، القرآن، البهاغافادغيتا “كتاب المولى” الهندوسي)، لكل الأديان إكليروس يقيم الخدَم (ربات، كهنة، أيمة)، ومبانٍ للعبادة (مجامع، كنائس، مساجد، معابد). هناك الكثير من الأشياء المشتركة في تعاليم الأديان، فكلها تقول بأن اللطف خير من القساوة، وبأن على الناس أن لا يقتلوا بعضهم البعض أو يزنوا. من السهل جداً إذاً للذين يدرسون الاديان المقارنة أن يتخيّلوا أن المسيحية تُقارَن بغيرها. ولكن كما راينا، ليس الأمر كذلك. الأمور التي تبدو نفسها وتشابه أشياء في الديانات الاخرى هي بالحقيقة ليست كذلك. هناك بالطبع تشابه ظاهري. ولكن الحقيقة الداخلية الأساسية تختلف، تماماً كما أنه يوجد تشابه ظاهري في أجساد كل البشر، فيما الفرق الحقيقي بينهم موجود في نفوسهم.

أحد أوجه الشبه الظاهرة بين المسيحية والدين هو أن كلاً من المسيحية والأديان لديهما فئة من الأشخاص الذين يؤمّون عندما يجتمع الجميع، ويؤدون مجموعة معيّنة من الطقوس. يُسمّونهم بالغالب “الكهنة”. في اليهودية والوثنية الإغريقية-الرومانية، كانت مهمتهم بشكل خاص تتحدد في تقديم الضحايا. إنه لأمر مهم أن عبارة “كاهن” لا تنطبق على الإكليروس المسيحي. نحن نسميهم “شيوخ” أو “خدّام (presbyters)، أو “رعاة”. يُشار إلى الكهنة اليهود بهذه العبارة (أعمال 7:6)، لكن ليس إلى الإكليروس المسيحي. هذا اللقب محفوظ في الكنيسة ليسوع المسيح وحده، فهو وحده الكاهن الأول والحقيقي والوحيد في الكنيسة. ويمكن أن نرى سبب ذلك، فالكاهن هو مَن يقدّم الضحية والضحية الحقيقية الوحيدة الموجودة لتخلّص وتحوّل هي ضحية جسد المسيح على الصليب. كل تقدمات الناموس الأخرى كانت مجرّد نبوءات، وعود، وصلوات لطهارة سوف تأتي لاحقاً. الكهنوت اليهودي، ومن منظار أوسع كل كهنوت الأديان الوثنية في العالم، وجد ملأه في المسيح. إنه الكاهن الحقيقي الذي قدّم نفسه ضحية حقيقية (عبرانيين 1:8-5). إن مَن يحملون مسؤوليات ليتورجية أو رعائية في كنيسته ليسوا كهنة بالمعنى الدقيق الملائم. إنهم لا يقدمون تقدمات كمثل ضحايا الكهنة اليهود والوثنيين لأن الضحية الوحيدة التي نحتاجها قد سبق تقديمها.

صحيح بالطبع أن عبارة “كاهن” كانت تُطبّق على مقيمي الإفخارستيا، أولاً على الأسقف عندما كان هو مقيم الذبيحة الرئيسي، ومن ثمّ على الرعاة عندما صارت هذه مهمتهم. هذه التسمية الشعرية لم تكن خاطئة لأنها استندت على رؤية أن مقيم الذبيحة يقدّم بالذِكر ضحية المسيح الحقيقية. وعليه، فالمحتفلون كانوا كهنة لا من حقهم الخاص، بل بسبب دورهم كرؤساء ليتورجيين للكهنوت الملوكي، أي جسد المسيح كاهننا الأعظم. إن الإشارة إليهم ككهنة عَنَت فقط أنهم يحتفلون بتذكارات الكنيسة التي فيها تقدمات، لا أنهم ذبحوا حيوانات وقدموها مع دمائها كضحايا على مذبح حجري وحسب. من هنا تسمية الإفخارستيا الضحية غير الدموية.

المسيحية ليست ديناً، والإكليروس الذي يقيم طقوسها ليسوا كهنة بالمعنى الضيق للكلمة. إن كهنوتهم يأتي من دعوتهم لإظهار ذبيحة يسوع المسيح الحقيقية المخلِّصة من خلال عبادة الكنيسة الجماعية. إنهم كهنة لا بحقهم الخاص بل بمشاركتهم المُسامة في كهنوت معلمهم السماوي. إن تشابه الاسم بين الكهنة المسيحيين وكهنة اليهود لا ينبغي أن يقود خطأ إلى الاعتقاد بأن المسيحية هي مجرد دين آخر. ليست المسيحية ديناً بل هي الحضور الأسراري لله المتجسد على الأرض.