أقوال روحية – 2

أقوال روحية – 2

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

السلام

 

“سلاماً أترك لكم سلامي أعطيكم ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب” (يو 27:14) هذا كان سلام المسيح القائم لتلاميذه المضطربين والخائفين. الحوادث التي تبعت تسليم الربّ وآلامه تشير إلى حزن التلاميذ، هذا الحزن الذي زجّهم في بحر الاضطراب. لذلك بادرهم الربّ القائم بالسلام قائلاً “سلامي أعطيكم”.
كلّ قلب بشريّ، يعيش في عالم ملؤه الاضطراب، يحنّ إلى قليل من السلام. كثيراً ما يشعر المتعَبون من ثقل الأعمال، ووفرة المشاكل، وصعوبات الحياة وقساوتها بأنّهم يغرقون في مياه القلق والاضطراب. ألا نسمع في غالب الأحيان هذه العبارات: “لقد تعبت بما فيه الكفاية. دعوني في سلام. لا أريد أن أسمع أحداً يتكلّم، ولا مقدرة لي على الالتقاء بأحد. لا أريد شيئاً. لقد تعبت، تعبت، دعوني أرتاح. أشتاق إلى قليل من السلام، قليل من الهدوء، قليل من السكينة، أحنّ إلى السلام الداخليّ”.
سئلت مرّة زوجة رجل ثريّ جدّاً: “ماذا وجدت قربه؟” فأجابت: “لقد وجدت كلّ شيء قربه ما عدا الهدوء. أعطوني بضع غرامات من السلام، وسوف أهبكم كلّ خيرات زوجي وكنوزه”. ولكنّ السلام الداخليّ لا يُشترى ولا يباع بالمال، ولا حتّى بكلّ كنوز العالم. السلام الداخليّ يتحقّق فقط بالمعرفة الشخصيّة مع ملك السلام وبالعلاقة الحميمة معه، مع الربّ القائم الغالب القلق والاضطراب. من ينجح في تحقيق هذه المعرفة، وتوطيد هذه العلاقة، لا بدّ أن يصل إلى السلام الشخصيّ، لأنّ السلام ما هو إلاّ ثمرة علاقتنا الوثيقة مع سيّد السلام.
يشتاق الإنسان إلى تحقيق السلام الداخليّ لشخصه، ولكن بالأكثر لعائلته. لأنّ البيت ما هو إلاّ ميناء السكينة والهدوء، أو بالأحرى هكذا ينبغي أن يكون. ولكنّ العائلة، في أغلب الأحيان، تتحوّل من ميناء سلاميّ إلى محيط مضطرب هائج، إلى بحر يرغي ويزبد، فيشرف، عندئذ، مركب العائلة على الغرق. وهذا، للأسف، حقيقة مؤلمة جدّاً، فالاضطراب والقلق هما اللذان يسرحان ويمرحان بين أفراد عائلة هذا العصر. أعضاء عائلة اليوم مرهَقون يرزحون تحت وقر الضغط والتوتّر، والنتيجة… إلى غرفة العناية المشدّدة، أو أدوية مهدّئة للأعصاب، وأخرى لتنظيم دقّات القلب… الائتلاف النفسيّ غائب في العائلة. كلٌّ له اعتقاده الخاصّ، فهمه الخاصّ، رأيه الخاصّ، طريقته الخاصّة في الحياة. الكلّ يشتكي، والكلّ معه الحقّ. الأولاد يستبدّون بالأهل، والأهل يضغطون على الأولاد. النساء يتألّمن من أزوجهنّ، والأزواج يتحمّلون صعوبات نسائهم. وبرج بابل دائم الوجود في العائلة، يتمتّع بمداميك وطيدة صعبة التزحزح. كلّ العائلة تقف على شفير الحرب الداخليّة، فكلّ واحد مستعدّ أن يضع إصبعه على الزناد، متأهّباً للدفاع عن حقوقه. الحرب والتشوّش والاضطراب، وبالتالي التمزّق، هم الرفاق الدائمون لعائلة اليوم.
كلّ إنسان، إلى أيّ شعب أو عرق ينتمى، يشتاق إلى السلام ويطلبه، وهذه الحالة هي الحالة الأكثر ألماً. فالكلّ يتكلّمون عن السلام وهم متأهّبون للحرب. الكلّ يمسكون باليد الواحدة غصن الزيتون، وباليد الأخرى السلاح الأمضى فتكاً وقتلاً. الكلّ يتّخذون الحمام شعاراً لهم، وفي قلوبهم يغذّون صقراً خاطفاً. الكلّ يشتاق إلى السلام، بينما يتكالبون على حشو مخازن أسلحتهم بمختلف أنواع الأسلحة العصريّة المدمّرة.
لقد استغلّ المتشدّقون بالكلام عن السلام العطش والحنين إلى السلام الكائنين في أفئدة البشر، في حين لم يخدم هذا الكلام إلاّ مصالحهم الحربيّة. لقد ضلّوا الطريق!! لأنّ الكلام وحده لا يجلب السلام. ارجعوا أيّها المتشدّقون إلى الوراء، لقد تُهتم وأعوزكم الدليل الصحيح للسلام. السلام الحقيقيّ لا يوجد إلا قرب سيّد السلام، المسيح. نعم، المسيح القائم هو سيّد السلام. فيا كلّ من يشتاق إلى السلام الحقيقيّ هلمّ إلى المسيح، ويا كلّ من يبغي العيش في سلام داخليّ أو ضمن عائلته، أو ضمن العالم أجمع، اطلب التقرّب من المسيح لأنّه هو وحده ينبوع السلام والفرح والسكون.

أُسائل نفسي…

كثيراً ما نتذمّر متسائلين لماذا يشمل الحظ بعطفه البعض بينما يزدري بالبعض الآخر ومن جملتهم نحن؟! لا ينبغي، بالحيقة، أن يطرق ذهننا التذمّر، لأنّ الله لم يَعِدْنا، ولا أيّ كائن بشريّ أكّد لنا بأنّ طريق الحياة غير محفوف بالمصاعب والأشواك والصعوبات أو حتّى أحياناً بالفشل. وهذا ما يدعنا نسائل أنفسنا حين يطرق بابنا التذمّر: أين تواضعنا واستسلامنا لمشيئة العليّ؟ أين الإيمان بأنّه تعالى يعرف ما هو خيرنا أكثر من أنفسنا لأنفسنا؟ فعندما يتوفّر الإيمان نستطيع أن نستمدّ منه القوّة لمجابهة كلّ صعوبة أو مرض أو حتّى فقدان أيّ وجه حبيب بيسر وسهولة. من الممكن أن تقول لي ما أسهل الكلام والوعظ في حين أنّ مجابهة اللحظات الحرجة تفقد المرء أحياناً شجاعته وحتّى إيمانه. لن أظلم أحداً بادّعائي، ولكنّي أسائل نفسي لماذا فقدنا اعتمادنا على الله، وجعلناه يغيب من حياتنا، ومعه فقدنا كلّ ما هو قويم؟!!
قد ندّعي بأنّ فلاناً من الناس ظلمنا، فالجواب: أين تسامحنا؟ ولماذا جعلنا حسّ الغفران ينأى عن قلوبنا بعيداً بحيث لم نعد نشعر به؟ لماذا نريد أن يسامحنا الآخرون، أو يكونوا مستعدّين دوماً لمسامحتنا، على كلّ أفعالنا وإساءاتنا التي نراها صغيرة وعديمة الأهميّة في حين نرى هفوات الآخرين، مهما كانت بالفعل صغيرة وقليلة الشأن، صخرة كبيرة في أعيننا، ولا نقبل أن نسامحهم عليها بسرعة؟ لماذا طردنا حسّ المعروف بالجميل من داخلنا عندما يقدّم الآخرون لنا خدمة محبّةً بنا وعلى حساب وقتهم أحياناً بينما لا نفتأ عن تذكير الآخرين بأبسط تقدمة قدّمناها إليهم؟
ثمّ لماذا فقدنا الاحترام تجاه الله، الأهل، الأكبر منّا سنّاً ومركزاً، معلّمينا، مرشدينا، وبالإجمال تجاه كلّ إنسان؟ فعوض هذا الاحترام والوقار، بدأت تزهر وتعطّر أجواءنا قلّة الأدب والوقاحة والهزء والسخرية والاستخفاف بكلّ ما هو جميل ومقدّس وجوهريّ في الحياة.
أين اختفت الابتسامة والكلمة الحلوة الطيّبة؟ فإذا ابتسم أحدنا للآخر لا يصادف سوى الشكّ بالنوايا، والاستغراب من هذه الابتسامة التي لا ريب تخفي وراءها مأرباً يسعى إليه صاحبها!!! لذا لا بدّ من طرح هذا السؤال؟ لماذا فُقدت الثقة بين الناس يا ترى؟
أين هي المحبّة، السلام، الطيبة، الإنسانيّة، الاستقامة؟ في أيّ مرتع يُخصبون؟ إنّي لا أجد إلاّ الكراهية، الشرّ، المراءاة، الحروب، عدم الإنسانيّة. كيف ولماذا ضاع الفرح حتّى إنّنا دوماً حزانى معبّسين؟ لماذا تكدّست فوق رؤوسنا الشكاوي والاتّهامات على كلّ عمل نأتيه بضمير حيّ، وأحاطت بنا الشبهات من كلّ صوب بسبب كلمة بسيطة نتفوّه بها؟ أين هي البساطة في التعامل؟ أين اختفى الزمان حين كان الناس بسطاء مرتاحين مسرورين وإن كانوا ذوي دخل محدود أو قليل؟
ماذا نجد اليوم في مجتمعنا؟ لا شيء سوى اليأس والإحباط اللذين يسودان في كلّ مكان، وقد تحوّلت الحياة إلى صراع لتأمين المزيد من الخيرات الماديّة، والوصول إلى المراكز الاجتماعيّة وحتّى الروحيّة أحياناً. يسيطر الجشع، فما عاد الإنسان يكتفي بما يحقّق، بل يطمع دوماً إلى المزيد والمزيد، وكأنّه يقول أنا لن أشيخ ولن أموت، بل لديّ دوماً القوّة والزمن والإمكانيّة والشجاعة لتأمين ما يريحني. فهل حقّاً لن يموت، ولن يخلّف ما جمع لآخرين قد لا يعرفون قيمته؟
أيّها العزيز، أسئلة تواردت إلى ذهني ربّما تقود من يطالعها ليستفيق من غفلته، وينبته إلى جوهر الحياة الحقيقيّ، فيغيّر التصرّف والنظر إلى الأمور العامّة من الحياة، ويدرك أنّ كلّ إنسان يحمل صورة خالقه، ولذلك فهو جميل، وعليّ أن أرى هذا الجمال. ويحمل فكراً صالحاً في ضميره، وعليّ أن أصدّقه وأتمثّل بضميره الحيّ، وعندئذ تغدو الحياة أكثر صلاحاً وجمالاً وبساطة، لأنّها تحمل لمسات الله مبدعها.

هل من حياة روحية وقداسة في زمننا هذا؟

هل من حياة روحية وقداسة في زمننا هذا؟

الأرشمندريت كيرللس، رئيس دير آسكس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

جوابي المباشر على جزئَي السؤال هو “نعم” قوية. الله لم يتغيّر. يسوع المسيح هو نفسه أمس واليوم وغداً. طبيعة البشر لم تتغيّر أيضاً. منذ آدم، البشر مكرَّمون بهذه القوة على التحكّم بمصيرهم حتى أنهم يديرون ظهورهم لله والحياة الروحية وللسعي إلى القداسة. ولكن، إلى انتهاء العالم، سوف يوجد أشخاص، حتى ولو أقلية، يستنزلون نعمة الله على الأرض وعلى إخوتهم البشر. أن يستمر العالم هو إثبات على أنه ما زال هناك قداسة. يقول القديس سلوان: “أقول لكم أنه عندما لا يعود هناك على الأرض مصلّون، تكون نهاية العالم”.
بكلام آخر، الحياة الروحية، والقداسة التي هي ثمرتها، ليسا فقط من الماضي. يمكننا أن نرى القداسة في سابقينا ونتعلّم منهم، لكننا لا نختبر القداسة كمعرض في متحف تاريخي. إنها حقيقة معاشة نحن مدعوون إليها. كل إنسان يملك بعداً روحياً. الله ليس متحيزاً: يدعو كل واحد إلى الوجود بمحبة شخصية، ويهب كل إنسان القدرة للمشاركة في حياته. مستعملاً مصطلحات زمانه، قال القديس بطرس أننا مدعوون لأن نكون “مشاركين في الطبيعة الإلهية” (2بطرس 4:1). وهذه هي القداسة: “كونوا قديسين كما أنا قدوس، وأريد أن يكون لكم كل ما لي”. هذه هي دعوة الله لنا جميعاً، مهما يكن مكاننا في المجتمع أو رتبتنا في الكنيسة: من الشعب أو الإكليروس. يكتب القديس سلوان: “لكل واحد في هذا العالم عمل ليقوم به، سواء كان ملكاً أو بطريركاً، طباخاً، حداداً أو معلماً، لكن الرب الذي محبته تمتد إلى كل منا سوف يعطي مكافأة أعظم لمن يملك محبة أعظم لله”. وأيضاً: “لا يستطيع كل واحد أن يكون إمبراطوراً أو أميراً؛ وليس بمقدور كل واحد أن يكون بطريركاً أو رئيس دير أو قائداً؛ بل في كل طريق من طرق الحياة يمكن أن نحب الله ونكون مرضيين له، وهذا هو المهم فقط”.
الحياة الروحية هي الحياة التي تأخذ بعين الاعتبار البعد الروحي للكائنات البشرية. العمل على علاقتنا بالله ليس هواية عند بعض الأشخاص. كبشر نقول “هذا أو تلك هما من النوع المتديّن”. هذا ليس إضافة اختيارية. إنها ما يجعل حياتنا بشرية فعلاً. يقدّم علم الحياة وعلم النفس صورة ناقصة عندما يستثنيان التزويد الإلهي للطاقة في التركيبة البشرية. الإنسان الدهري هو مجرّد حيوان متفوّق، وبالواقع ما دون الإنسان. من دون مجهود روحي لا نصقل روحنا. لا تُمحى لكنها تخمد وتضمر وتُرفَض أو تُجحَد. فقط إذا ما سلكنا في حياة روحية نكون ذواتنا بالكامل، موحدي الأجزاء بالكامل كأشخاص. تتضمّن الحياة الروحية أوجهنا النفسية والجسدية. كل ما أفكّر به أو أمارسه على كل مستويات الوجود يؤثّر في نفسي. وعندما تلامس نعمة الله نفسي يتبارك تفكيري وإحساسي وجسدي أيضاً.
في البلدان الغربية بشكل خاص، كثيرون تركوا المسيحية. أحد الكتّاب الإنكليز (G.K. Chesterton) قال أنّه عندما لا يعود الناس يؤمنون بالحقيقة، يصيرون مؤمنين بأي شيء قبل أن يصيروا مؤمنين بلا شيء. وهكذا، الإيمان بالله يبقى حيث يُهجَر المسيح، لذا يوجد في كل البلدان مختلف أشكال الروحانيات. هذا الأمر ليس مفاجئاً، لأنّه “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، والجوع الروحي يتواجد حتى حيث هناك تشويش بالأفكار حول الكائن المطلَق. إلى هذا، هناك تشترك الطرق الروحية بالكثير من الأوجه. على سبيل المثال، جوهر التعليم الأخلاقي مشترك بين كل الأديان. الفروقات الأساسية بين الأديان لا تظهر دائماً في أول الطريق: فقط عندما نتقدم تتّضح التشعبات. بعض معاصرينا يعلّمون أنّك بقدر ما تتقدّم في أي دين، تميل الطرق إلى الالتقاء: لكن فعلياً العكس صحيح. إذاً، على الذين يبحثون أن يسعوا إلى الحقيقة ويجدوا السبيل القائمة على اللاهوت الصحيح، على رؤية حقيقية لله كما كشف نفسه لنا. من ثمّ، الحدس العميق سوف يثبت أن يسوع المسيح هو الطريق والحق والحياة.
إن ملء الحياة في الله متاح فقط في الإله-الإنسان، أي في الذي يشترك بطبيعتنا البشرية بينما عنده الطبيعة الإلهية كونه أحد الثالوث القدوس. تعطينا الكنيسة الأرثوذكسية نموذجاً أولاً: يمكننا أن نرى، نسمع، نلمس، ونتذوّق الكائن المطلق؛ يمكننا أن نختبر شذا كيان الله الفعلي. إذاً، يمكننا أن نمضي في طريق الكنيسة إلى النهاية بثقة. ما من طريق آخر، مهما سَمَت ممارساته وأخلاقياته وطموحاته، يصل إلى النهاية آمنًا. بالرغم من أنّه ما من إنسان محروم كليّاً من النعمة الإلهية، إلا إن ملء القداسة يتطلّب العقيدة الأرثوذكسية. تعليمنا لا يُفاق، لا يتخطاه الزمن، عنده ثمرة بالفطرة في أجيال وظروف وحضارات مختلفة. المسيحية هي لكل إنسان، يمكننا أن نفهم لماذا قال ترتليان أنّ “كلّ نفس مسيحية بالفطرة”.
إذاً، يمكن تحديد الحياة الروحية على أنّها “الحياة في المسيح”. فلنتوقف عند هذه النقطة للحظة. لقد استعمل القديس نيكولا كاباسيلاس هذه العبارة كعنوان لكتابه عن الأسرار. على مثاله، القديس يوحنا كرونشتادت، العجائبي الذي كان كاهناً متزوجاً وقد رقد في سنة 1905، أعطى عنواناً مماثلاً لـِ “يومياته الروحية” عندما طُلب نشرها. أحد الكتاب القريبين من عصرنا، دعا أحد كتبه التي يشارك فيها نفاذ بصيرته “حياته حياتي” (His Life is Mine). الكينونة “في المسيح” تعني الاندماج في جسده الفعلي، المَسح بروحه –المسيح تعني الممسوح-، التبنّي من أبيه السماوي. الإيمان المسيحي ليس فقط قول “نعم” لدستور الإيمان. إنّه يعني “لبس المسيح” (غلاطية 27:3). كيف؟ بالمعمودية التي يسبقها الاعتراف بالإيمان. بسهولة، نحن نعتبر أن هذه العطية العظيمة تُعطى على الأكيد، لكن الذين اهتدوا في الميدان أو كبالغين يمكنهم أن يخبرونا من خبرتهم أن المعمودية هي مرور من الظلمة إلى النور ومن الموت إلى الحياة. نحن ننسى أحياناً أن في المعمودية يقول لنا الكاهن “لقد اغتسلت، لقد تقدّست، لقد تبرّرت باسم الرب يسوع وبروح إلهنا”. هذه الكلمات السامية المأخوذة من رسالة القديس بولس إلى الكورنثيين، قد تبدو كمجرد صيغة طقسية إذا أهملنا تفعيل عطية النعمة الإلهية في حياتنا. إن بذور الحياة الروحية قد زُرعَت فينا. نحن “مُقَدَّسونَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، مَدْعُوِّونَ قِدِّيسِينَ” (1كورنثوس 2:1). هذه هي مهمتنا. إذا كنا واثقين من أننا “وجدنا الإيمان الحقيقي” فليس هناك ما نخشاه في كثرة الطرق الروحية المحيطة بنا، بالرغم من كونها مشوِّشة. “لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ.” (2تيموثاوس 7:1). إذا بقينا مخلِصين، وأغنينا باستمرار خبرتنا ومعرفتنا لحياة الكنيسة وتعليمها، سنكون في وضع أفضل لمساعدة مَن حولنا.
السؤال الأساسي دائماً: ماذا تفتكر بالمسيح؟ يذكّر الرسول يوحنا الذين يراسلهم، “بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ.” (1يوحنا 2:4). بالطبع، عرضُنا لما نفتكر به عن السيد سوف يكون متواضعاً؛ سوف يكون مليئاً بالمحبة والامتنان. يقول القديس سلوان: “الله محبة، وبالتالي ينبغي أن ينبع تعليم كلمته من المحبة. من ثمّ المعلّم والمستمع سوف يستفيدان. أمّا إن لم تفعل شيئاً غير الإدانة، فإن نفوس الناس لن تبالي بك، ولن يأتي منها أي خير”. بالطبع، ليس الكل مدعوين لأن يكونوا واعظين متفرّغين، لكن مَن يشهد للمسيح يكون كلامه عن مَن قدّم إمكانية أن يصير كل البشر أشخاصاً حقيقيين.
الحياة الروحية، بحسب العقيدة الأرثوذكسية، هي تعاون بين إرادتنا الحرّة وإرادة الله. أفضل سفراء المسيح هم الذين هيأتْهم حياتهم الروحية فيه ليتحدّثوا صلاتياً، حتى يرغب الآخرون بشرحهم لإيمانهم. “بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ” (1بطرس 15:3). إذا تكيّفنا مع السبيل التي عليها فقط يمكن أن نكتسب ما يسمّيه القديس بولس بجسارة فكر المسيح، لا يعني أن شخصيتنا تضيع. إلهنا واحد في الطبيعة وثلاثة في الأقانيم. يعلّمنا آباؤنا ألاّ نقسّم الطبيعة أو نخلط بين الأقانيم. والأمر نفسه في أن البشرية واحدة كما الله واحد. إذا عاش العالم في المسيح، تكون وصاياه الهدف الأول لكل شخص: محبة الله ومحبة القريب. لهذا، يكون كل إنسان أكثر ثباتاً وامتلاءً في علاقات محبة من غير ذوبان.
إنه لمنوِّر أن نقرأ عن الناس القديسين، سواء من المعلَنين أو غيرهم، كمثل شيوخ القرن العشرين يعقوب وبورفيريوس وكثيرين غيرهما. أذكر هؤلاء من القرن العشرين لأنه تقريباً “اليوم”، ولأنه قرن الآلام الكبيرة. في فكري رجال ونساء قديسون لا نعرفهم لأن القديس لا يلبس ملصقاً دعائياً يقول “انظروا إلي أنا قديس!”. إن درب المسيح هي درب التواضع، وقد يُكرّم البعض كقديسين فيما هم على الأرض، بينما غيرهم فلا. كنيستنا، بحكمتها، لا تمنح الاعتراف الرسمي لأي كان قبل مروره عبر بوابات الموت، وبالعادة ليس سريعاً بعد هذا. لذا من المبكر جداً الكلام عن قديسين من القرن الحادي والعشرين. ولكن إن نظرنا فقط إلى القرن العشرين فنرى أن هناك تنوع من الشخصيات والمستويات التربوية ودرجات التقوى في الشباب والخلفيات الدينية وغيرها. من ثمّ هناك طرق مختلفة من الحياة التي قادت إلى القداسة. جبل أثوس أعطى الكثيرين من القديسين العظماء أمثال سلوان الذي رقد في 1938؛ ولكن لم يكن كل قديسي القرن العشرين من الرهبان. هناك الملايين من الشهداء والمعترفين، من الرجال والنساء والأولاد، من الاتحاد السوفياتي؛ هناك كهنة رعايا، كمثل القديس نيقولا بلاناس، والقديسان الباريسيان الجديدان، ماريا سكوبتسوفا وديمتري كلابنين. هناك القديس نكتاريوس الذي تظهِر عجائبه المذهلة أن إلهنا إله حي وهو يعمل إلى الآن. هناك الكثيرون ممن تحمّلوا العذابات بإيمان، حتى وإن كانوا غير مشهورين، لكنهم الآن يجنون مكافأتهم ويصلّون من أجل العالم.
كل هؤلاء الناس قصدوا الخدم ذاتها وقبلوا نفْس الإيمان. مع هذا فهم يتنوعون كمثل حديقة فيها أنواع كثيرة من الزهور. إنهم يقدمون لنا البرهان على أن الله معنا ومتقبّل للجميع هنا والآن.
يعرف أصحاب التدريب العلمي أن البرهان يأتي بالدرجة الأولى بالخبرة. أفضل الطرق لدينا هي باختبار أن “إذا عشنا بحسب الجسد سنموت، أمّا إذا أمتنا أعمال الجسد بالروح فنحيا”. “الجسد” و”أعمال الجسد” تعنيان هنا القوى الأثيمة كالبغض والعجب والشهوة وغيرها من الأهواء، التي تسبب الانحلال وتغلق الباب أمام روح الله.
تتطلّب الحياة الروحية منّا بعض “الإماتة”. مثال على هذا هو الأصوام التي نلتزم بها معاً في بعض الأوقات من السنة الكنسية، هذا بالضبط لكي تساعدنا على الصلاة لتطهير قلبنا من الأهواء الشريرة. يقول هنا الرسول بولس “لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ:«يَا أَبَا الآبُ». اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ.” (1كورنثوس 13:8-16). عندما “رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَينا” (1بطرس 14:4)، يكون جلياً أن هناك حياة روحية وقداسة في هذه الأيام.