في الإيمان

في الإيمان

الراهب نيكيفورس ثيوطوكي

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

عظيمة هي قوّة الإيمان، وعجيبة هي نتائجه، وربح المسيحيّ منه لا يُحدّ، لأنّه يخوّلنا حياة خالدة وملكاً أبديّاً. فإنّ الكتاب يقول: “لكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يو 31:20). وفي موضع آخر يقول: “آمن بالربّ يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك” (أع 31:16). وفي موضع آخر يقول: “من آمن واعتمد خلص” (مر 16:16)، فالإيمان والحالة هذه يخلّص. ويكفي أن يؤمن الإنسان لكي يخلُص. ولكن كيف يقول الكتاب الشريف نفسه “إنّ ابن الإنسان مزمع أن يأتي مع ملائكته وحينئذ يجازي كلّ واحد حسب أعماله” (متى 27:16). وقد قال في موضع آخر: “الذي يجازي كلّ واحد حسب أعماله” (رو 6:2). وقال أيضاً: “فيخرج الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيّئات إلى قيامة دينونة” (يو 29:5). فما بال الكتاب المقدّس تارة يقول إنّ الإيمان يخلّص الإنسان، وتارة إنّ الأعمال الصالحة تسبّب الخلاص، وهل أقوال الكتاب المقدّس يناقض بعضها البعض. أيّها الإخوة الأحبّاء لا تضلّوا، فإنّ التعاليم الإلهيّة هي غاية في الاتّفاق. فلا الإيمان وحده ولا الأعمال الصالحة بمفردها، بل اقتران الإيمان والأعمال الصالحة يخلّص الإنسان.
إنّ الإيمان يُقسم إلى قسمين عمليّ ونظريّ. فإيماننا يُدعى نظريّاً إذا آمنّا بتعاليم الإيمان بمجرّد عقلنا فقط بدون أن نعمل عملاً صالحاً. لا مراء أنّ إيماناً كهذا هو ميت وعديم الجدوى، ولا يقدر أن يخلّص الإنسان. قال يعقوب الرسول: “الإيمان إن لم يكن له أعمال هو ميت بذاته… ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد إنّ له إيماناً وليس له أعمال. هل يقدر الإيمان أن يخلّصه” (يع 14:2-17).
وأمّا الإيمان العمليّ فيقوم بأن نؤمن بما يعلّمه الإيمان، وأن نعمل الأعمال التي يفرضها علينا. وهذا هو الإيمان الذي يدعوه بولس الرسول “الإيمان العامل بالمحبّة” (غل 6:5). ومن ثمّ نستنتج أنّ الكتاب الإلهيّ عندما يقول “لكي إذا آمنتم تكون لكم حياة”، وأيضاً: “كلّ من آمن واعتمد يخلص” وما شابه ذلك من الآيات يكون كلامه عن الإيمان العمليّ العامل بالمحبّة أي المقرون بالأعمال الصالحة. وعندما سيقول: “إنّ الله يجازي كلّ واحد حسب أعماله” وما شاكل من الآيات، يريد بقوله “كلّ واحد” كلّ واحد من المؤمنين. وبقوله: “حسب أعماله” أي أعماله الناتجة عن الإيمان. ويحسن بنا أن نلاحظ هنا أنّ بولس الإلهيّ، بتدقيق عظيم جدّاً، يوضح هذا المعنى بواسطة الأمثلة الكتابيّة. فإنّه يمدح إيمان هابيل، ولكنّه يثني أيضاً على أعماله الصالحة أي على قربانه المقبول الذي قدّمه لله تعالى. ويمدح إيمان أخنوخ، ولكنّه يقرّظ أيضاً أعماله الحسنة. ويمدح إيمان نوح غير أنّه يثني أيضاً على جهاده في بناء السفينة. ويمدح إيمان إبراهيم على أنّه يعجب أيضاً من عظم طاعته لله. ثمّ يمدح على التتابع إيمان قدّيسين آخرين كثيرين، ويعظّم عجائبهم، ولكنّه في الوقت نفسه يخبر أيضاً عن أعمالهم العظيمة، ويقرّظ انتصاراتهم العجيبة قائلاً: “آخرون عُذّبوا. آخرون ذاقوا خبرة الهزء والسياط والقيود والسجن أيضاً. رُجموا نُشروا امتُحنوا ماتوا بحدّ السيف. طافوا بجلود غنم ومعز. معوزون مضايقون مجهودون. تائهون في البراري والجبال وثقوب الأرض” (عب 35:11-38). فمن هنا يتّضح لكم جليّاً أنّ الإيمان الخلاصيّ هو المقرون بالأعمال الصالحة. وإنّ الإيمان وحده من دون أعمال هو ميت وعديم الفاعليّة. كيف لا وقد قال يعقوب أخو الربّ صريحاً: “كما أنّ الجسد بدون روح هو ميت هكذا الإيمان بدون أعمال هو ميت” (يع 26:2).
أيّها المسيحيّ، أنت تفتخر بأنّك تؤمن. ولكن ما هو نفع إيمانك وأنت تعمل أعمالاً مخالفة للناموس. فإنّ الشياطين أيضاً يؤمنون ويرتعدون غير أنّهم لا ينتفعون شيئاً. أنت تؤمن أنّ الله قد أنزل الوصايا العشر، وإنّ كلّ من خالف واحدة منها هو بلا محالة سائر إلى العذاب، ومع ذلك نراك كلّ يوم تقريباً بدون خوف ولا حياء تحتقر كلّ وصيّة. فماذا، والحالة هذه، ينفعك إيمانك؟ أنت تؤمن أنّ الله تعالى قد فرض عليك في شريعته أن تحبّه من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك وأن تحبّ قريبك كنفسك، ثمّ تزدري بالله تعالى بمخالفتك ناموسه، وتظلم قريبك وتضرّه بكلّ طريقة. فما هي الفائدة، والحالة هذه، من إيمانك؟ أنت تؤمن أنّه إن لم يغفر للناس زلاّتهم لا يمكن أن يغفر الله لك خطاياك، ثمّ لأقلّ خطأ يبدو من أخيك تطلب أن تجازيه وتنتقم منه. أنت تؤمن أنّ الله يأمرك أن تحبّ أعداءك، وأنت مع ذلك تبغضهم وتضطهدهم حتّى الموت. فماذا ينفعك إيمانك وأعمالك؟ أنت تؤمن أنّ الله قد أمر قائلاً: “تعلّموا منّي لأنّي وديع ومتواضع القب” (متى 29:11)، وأنت تغضب وتتعجرف، فماذا ينفعك إيمانك؟ أنت تعلم أنّ الفقير يمثّل شخص المسيح، وأنّه مهما فعلته مع الفقير فقد فعلته مع الله نفسه القائل: “مهما فعلتم أحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتم” أتؤمن بهذا؟ تقول نعم، ومع ذلك تنظر الفقير، وتحوّل وجهك عنه، وترى المسكين وبدل الإحسان تشبعه شتائم. فماذا ينفعك إيمانك؟ أنت تؤمن أنّ حياة أخرى أبديّة تنتظرك، ومع ذلك تراك عائشاً مثل أبيقور (وهو فيلسوف يونانيّ نبغ في القرن الثالث قبل المسيح، وكان يذهب إلى أنّ غاية وجود الإنسان في هذا العالم هي التمتّع باللذّات ليس إلاّ)، فما هو نفع إيمانك؟ أنت تؤمن أنّه سيأتي يوم فيه يجلس الله على كرسيّ مجده ليدين المسكونة بأسرها، وإنّ الذين عملوا الصالحات سيذهبون إلى الحياة الأبديّة، والذين اقترفوا السيّئات إلى العذاب الأبديّ، ومع ذلك نراك تهمل أعمال الفضيلة كلّ الإهمال، وتخفّ إلى إتمام الرذائل والخطايا بنشاط. فماذا ينفعك إيمانك وأعمالك؟ بالحقيقة إنّ إيماناً كهذا لا يخلّص الإنسان. وقد قال يعقوب الرسول: “هل يقدر الإيمان أن يخلّصه” (يع 14:2). إنّ إيماناً كهذا هو ميت وناقص. لأنّ الإيمان يأخذ قوّته وكماله من الأعمال الصالحة. وقد قال يعقوب الرسول أيضاً في كلامه على إبراهيم “فترى أنّ الإيمان ساعد أعماله ومن الأعمال أُكمل الإيمان” (يع 22:2). وبالحقيقة إنّ هذا تعليم موحى به من الله وواضح وكلّيّ الصراحة. فإنّ الإيمان يساعدنا في إتمام الأعمال الصالحة، وهذه تخوّل الكمال للإيمان.
أيّها الإخوة الأحبّاء من المعلوم أنّنا نحن لم نرَ الربّ يسوع المسيح كالرسل، ولا جسسنا جنبه مثل توما، بل سمعنا فقط التعليم الإنجيلي، فآمنّا بأنّ هذا هو ابن الله ومخلّص االعالم. وقد غبّط الربّ الإله أولئك الذين لم يروا وآمنوا إذ قال: “طوبى للذين لم يروا وآمنوا” (يو 29:20). ولكن أنكون نحن مستحقّين لهذه الطوبى؟ أنحن أهل للطوبى لأنّنا لم نرَ وآمنّا؟ نعم، متى كان إيماننا عمليّاً، إيماناً عاملاً بالمحبّة، إيماناً مساعداً لإتمام الأعمال الصالحة، إيماناً بالأعمال الصالحة مكمَّلاً.
إنّ إيمانكم بنعمة إلهنا القدّوس ورحمته هو مؤسَّس على الرأي القويم، ومبنيّ على الحقّ. فاقرنوه بالفضائل المرضيّة لله تعالى، فتصيرون أهلاً للطوبى.
وختام الكلام أذكّركم بما أوصانا به الرسول الإلهيّ قائلاً: “كلّ ما هو حقّ كلّ ما هو جليل كلّ ما هو عادل كلّ ما هو طاهر كلّ ما هو مسرّ كلّ ما صيته حسن. إن كانت فضيلة وإن كان مدح ففي هذه افتكروا التي قد تعلّمتموها وتسلّمتموها وسمعتموها ورأيتموها فيّ فهذه افعلوا. وإله السلام يكون معكم آمين” (فليبي 8:4-9).

مشهد في التلفاز

مشهد في التلفاز

ربيع نصور

 

كثيراً ما نجلس نتحدّث عن هموم ومشاكل كنيستنا وعن أن فلاناً تسلّم هنا وهو غير مناسب، وأن آخراً فعل كذا هناك وهذا عيب، وأن الكاهن فلان تصرّف على ذاك المنوال وهو على خلاف مع فلان، وأنّ وأنّ… ولكن نادراً ما يخطر في ذهننا أننا على التفاهات واقفون، حتّى ولو كان لبعض المواضيع أهميتها ولا ضير في تناولها عند الحاجة إلا أننا نعطيها أكثر مما تستحق.
في إحدى الليالي، كنت منزعجاً من كثرة التفكّر في مثل هذه الأمور. هذا نتج عن خبر لفت انتباهي على شاشة التلفاز، فسارعت لرفع الصوت، إذ هزّني ما شاهدت وسمعت، وفي داخلي وقلب كياني، أحزنني من الأعماق. وهذا الخبر المرفق بالصورة كان تشرّد العديد من الناس في اليمن بسبب الحرب القائمة هناك الآن، وكيف أنّ لا مأوى لهم سوى خيم كادت تسقط فوق رؤوسهم من شدّة اهترائها، فلا حرّ الشمس تقي ولا برودة الليل تستر. رأيتهم ينتظرون دورهم ليشربوا ماءً من ذلك الخزان الحديدي الذي لا نعلم كم من الأمراض يحمل. رأيتهم يمسكون الرمال بأيديهم ويقلّبونها انتظاراً للفرج. رأيتهم يسترون عوراتهم بقطع مبعثرة من القماش. نعم! هزّني هذا المشهد. وقد يسألني الكثيرون: ألم ترَ قبلاً ما يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان من قتلٍ، وفي الصومال وجنوب أفريقيا من مجاعات، وفي السودان ودارفور من حروب مثل هذه؟ سأقول نعم. وأما لمَ الآن، فهذا ليس عندي جواب عليه، لكن على الأقل، أدركت الآن، ولو متأخراً، أننا قد أخطأنا في استخدام اسم ربنا يسوع المسيح، أننا قد قرأنا الإنجيل بشكل خاطئ، أننا أغفلنا مفاتيح الملكوت، تفلسفنا باللاهوت وبالكلمات الرنانة، حفظنا الآيات ونسينا معناها، حفظنا ترتيب الخدم ونسينا معنى الخدمة، مع أنّ أهمّ ما مارسه المسيح كان الاهتمام بالآخر المتألّم، وهذا ما لم ندركه إلا نظرياً. لقد نسينا أنّ لاهوت الكنيسة الأرثوذكسية هو لاهوت شفاء وليس لاهوت عقائد رنانة، لاهوت شفاء الأمراض وليس لاهوت المناصب والكرسي، لاهوت شفاء الأوجاع لا لاهوت القدح والذم، لاهوت شفاء النفس لا لاهوت الخطب والكلمات. هل نسأل ذواتنا كل يوم ماذا فعلنا لأجل الآخر؟ هل تساءلنا يوماً كم دمعة مسحنا اليوم عن خدِ حزين؟ هل فكّرنا يوماً كم مشروع إنساني أنجزنا إلى الآن من دون “الأنا”؟ هل تسعى مؤسساتنا إلى الخير العام؟ أبين همومنا اليومية أن نبحث عن متألم يريد الشفاء؟ هل زرنا المرضى حباً بهم وذكرناهم في صلواتنا في منازلنا ليشفوا من ألمهم؟ هل رأيناً متسولاً وحاولنا مساعدته ليس عطفاً بل حباً به وبيسوع الذي فيه؟ هل فعلنا اليوم أي خدمة إنسانية بدون مقابل؟ …..
لن أدخل بسرد تعاليم ربنا وكلمات الإنجيل لأثبت أو لأقول ما يجب فعله، فالجميع يعرف ما فعله ملك الملوك قبل أن يعلّمنا إياه بالقول وإلى مَن كان يتجه، ومع مَن كان يقف، و لماذا كان يفعل ما فعل، لكن ما أود قوله هو أننا يجب أن نعيد ضبط بوصلتنا لكي ندرك الطريق الذي يجب أن نسلكه للوصول إلى فرح ربنا الذي لا يمكننا أن نتذوّقه بمفردنا.

المسيحيّة في الغد

المسيحيّة في الغد

مجلّة النّور لعام 1947 *

اختارت النص وأعدته للنشر الإلكتروني راهبات دير مار يعقوب المقطّع – دده، الكورة

 

إنّ العالم اليوم يتطلّع من أعماقه إلى حياة جديدة هادئة. لقد ملّ العواصف الحمراء التي تجتاح البشريّة من حين إلى حين. لقد ملّت نفسه رؤية الإنسان يحطّمه الحديد والنّار بيد أخيه الإنسان.
وكثيرة هي الحلول التي يطلع بها علينا المفكّرون العالميّون، وكثيرة هي الطّرق التي يدعو إليها فلاسفة الجيل. كلّهم يدعو إلى الإخاء والسّلم ولكن بحلول شتّى. وهذه الحلول تتناول الإنسان من حيث هو جزء من العالم. إنّها تتناول الإنسان من حيث هو جزء من كلّ.
إنّ أحداً منهم لم يحاول أن يتعمّق أكثر فأكثر. إنّ أحداً منهم لم يحاول أن يتّصل بالإنسان من حيث هو شخص كلّ ليستطيع أن يتفّهم أعمق فأعمق كيانه الدّاخلي واتجاهاته الصميميّة.
نحن لن نستطيع أن نتوصّل إلى حياة هادئة رائعة ما لم نحافظ على قدسيّة الكيان الشّخصي ننظر إليه كشيء أساسي في الكيان العالمي.
نحن لن نتوصّل إلى حلّ مشكلتنا ما دمنا لا نريد أن نتفّهم النّفس البشريّة وأهواءها الأصليّة الكامنة فيها. لأنّ انفلات القوى البشريّة نحو الدّمار ليس مرجعه الأصيل أمّة من الأمم أو جماعة من الجماعات.
حقّاً إنّ الأمّة أو الجماعة أو بصورة أوسع الكتلة البشريّة هي كلّ شيء، ولكنّ الشّخص هو كلّ شيء في هذه الكتلة.
نعم إنّ انفلات القوى البشريّة ليس مرجعه أمّة أو جماعة إنّما مرجعه انبعاثات فرديّة واتجاهات شخصيّة، صحيحة كانت أم خاطئة، قويّة أم ضعيفة، تجمّعت وتكتّلت فشكّلت ذلك التّيار المندفع.
إذن إن أردنا أن نبحث في إنشاء عالم الغد، علينا أن نتفّهم قبل كلّ شيء الأهواء الشّخصيّة والقوى والإمكانيّات الفرديّة، وأن نسيطر عليها ونخلق منها أهواء وإمكانيّات أسمى وأنبل، وأن نوجّه القوى الشّخصيّة إلى غايات رفيعة جديرة بقدسيّة الإنسان. نعم إنّ الشّخص هو مشكلة اليوم.
نحن نريد سلاماً، فلنعرف كيف نخلق كيانات ينبثق عنها هذا السّلام. نحن نرغب بالطّمأنينة، فلنعرف كيف نُبدع أرواحاً خليقة أن تنشر حولها الهدوء والطّمأنينة.
يقول ستون تروبلد: “إنّ المسائل الكبرى التي نواجهها اليوم ليست مسائل حرب على عظَمِها، فما الحرب إلا عرض لداء مدنيّتنا. إنّ أهمّ مسألة في زماننا هذا هي المسألة الرّوحيّة فما لم تُحَلّ فإنّ مدنيّتنا تخفق”.
ويقول الدكتور هاري امرسون فوزديك: “.. إذا لم يكن قد كُتب علينا أن نلقي بأيدينا إلى التّهلكة، فلا بدّ من أن تقوم بيننا يقظة روحيّة تُحيلنا من الشّكّ السّاخر إلى الإيمان، ومن اليأس إلى الأمل، ومن الحقّ والانتقام إلى المحبّة والوئام. ولن تنقذنا ممّا نعانيه أيّة مؤسّسة سياسيّة عالميّة، وإن لم يكن لنا عنها غنى، وما من شيء سوى اليقظة الرّوحانيّة تتيح لنا الزّعماءَ العظام، والوعي العام الذي يحبوهم بالتأييد وهذا شيء يبدأ دائماً بالشّخص”.
إذن نحن اليوم بأشدّ الحاجة إلى روحيّة عميقة خلاقة تجدّد نفوسنا وتبعث فيها الرّاحة والطّمأنينة. نحن بحاجة إلى تيّار روحي عميق يقلب زوايا أنفسنا المتحجّرة ويبعث فيها حياة جديدة.
إنّ المسيحيّة التي خُلقت منذ ألفي سنة تقريباً، من عصر هيرودس الغارق في الظّلمة والدّماء، إنّ المسيحيّة التي خُلقت من هذا العصر دنيا من المحبّة والسّلام، لهي خليقة أن تحلّ مشكلة اليوم بروحيّتها المتدفّقة، فتُبدع فينا عناصر أصفى فأصفى ما دمنا نتصّل بها أعمق فأعمق.
“سلامي أعطيكم” يقول الرّبّ. سلام هادئ مطمئنّ ينساب حتى أعماق أعماق القلوب. فما أجمل ما أعطيت يا ربّ.
ففي ذلك الوقت الذي نعيش فيه بالمسيحيّة صميميّاً. في ذلك الوقت الذي تغمر فيه الرّوح المسيحيّة وجداننا وشعورنا ونشعر أنّنا نحيا بها ولها نعيش. عند ذلك نستطيع أن نتعرّف على سرّ الحياة الأبدي وطريق السّلام الخالد.
في ذلك الوقت الذي تلفّ فيه العالمَ المسيحيّةُ وتنفذ لكلّ أعماقه. في ذلك الوقت الذي نصبح فيه مسيحيّين بالماء والرّوح. في ذلك الوقت الذي يُدفَن فيه العالم في المسيح ليُبعَث جديداً، سنشهد انقلاباً هائلاً في جميع نواحي الحياة العالميّة روحيّة كانت أم مادّيّة.
فالعائلة الأرضيّة، التي تتأكّلها قوى النّزاع والخصومة والانشقاق، وتمزّق ألفتَها الطّبيعيّة أسبابٌ واهية سخيفة، هذه الأسباب التي منشؤها روحيّتنا المتفكّكة ونفوسنا الجافّة. فالعائلة الأرضيّة التي ستصبح في ذلك الحين عائلة مسيحيّة، ستتّحد روحيّاً لتؤلّف كنيسة صغيرة أساسها المحبّة والإيمان والتّفاهم المتبادل العميق على أساس التّعاون والاتحاد في الحقل الرّوحي الدّاخلي والعمل الدّنيوي الخارجي. فهذا الاتحاد الصّميمي يولّد فيها قوّة جبّارة تستطيع أن تواجه الحياة بأتعابها ومشقّاتها دون خوف ولا اضطراب.
وإنّ الحياة الدّاخليّة، البيتيّة، ضمن الأسرة المسيحيّة لرائعة حقّاً، وخليقة أن تجعل الإنسان يعرف أنّ الحياة تبدو سعيدة هانئة إذا عرف كيف يحياها.
العائلة المسيحيّة، داخليّاً، عشّ جميل يلفّ أفراخه بحنوّ وعطف فيهدهد آلامهم ويخفّف من أتعابهم. ففي هذا العشّ المسيحي الرّائع تذوب كلّ الآلام وتنصهر كلّ المتاعب وتُبعَث الحياة، الحياة المتدفّقة، في الإنسان الجديد.
وفي هذه الكنيسة الصّغيرة تظهر صورة الأب المسيحي الذي يزرع تعاليم الحقّ والحياة في الأرض الطيّبة أي أطفاله. وفي هذه الكنيسة تبرز شخصيّة المرأة المسيحيّة بروعة أخّاذة. المرأة المسيحيّة التي تُثبت وجودها في بيتها فتحصّنه بعطفها وحنانها، وتلقّن صغارها طريق الحياة النّيّرة الخالدة.
ومن هذه الكنيسة الصّغيرة يدرج إلى العالم الطّفل المسيحي وسط هالة من طهر ونور، بكلّ ما في نفسه من صفاء ونقاء، وبكلّ ما في قلبه من تطلّع إلى يسوعه الحبيب الذي كثيراً ما حدّثته عنه أمّه في بعض العشيّات. وإنّه ليعمل جاهداً لكي يتبع تعاليم يسوعه الطّفل لأنّه أحبّ كثيراً حياته الرّائعة وتعشّق أكثر وأشدّ محبّته للعالم، فأحبّ من أجله الحياة والعالم.
وإنّ هذا الطّفل المتحرّر من كلّ الأهواء التي تدوس كرامة الإنسان وقدسيّة النّفس الإنسانيّة. إنّ هذا الطّفل الذي سيشبّ ويترعرع في المسيح، لهو جدير أن يبرز إلى المجتمع كشابّ مسيحي، كشابّ أصبح بملء قامة المسيح.
نعم سيكون لنا عندئذ شباب، شباب ليسوا كأبناء اليوم المحطَّمي النّفوس وهم في مقتبل العمر. شبابنا اليوم لا يعرف الحياة الحقيقيّة لأنّه لم يجرّب أن يحياها كما يجب أن تحيا. شبابنا اليوم لا يعرف الحياة إلا كبهرجة وألوان، إنّه كطفل غرّته زجاجة برّاقة فتلهّى بها عن الألماس. الحياة كما هي حقيقة وكما يجب أن تكون، أبعد النّاس عنها أبناؤنا اليوم.
أمّا شبابنا المسيحي فهو جدير أن يعرف الحياة ولذّاتها الحقيقيّة ما دام يتصّل بها من النّاحية الأصليّة فيها. إنّه يعرف الحياة كفاحاً هائلاً، ولكنّ روحيّته القويّة ونشاطه المتجدّد سيكفل له إكليل الغار والنّصر.
إنّ هذه الملاهي لن تكون في عالم الغد المسيحي مقبرة الشّباب حيث تتحطّم فيها وتغيض الحيويّة ذلك العنصر الأساسي في كفاحنا وسط هذا المعترك الجبّار.
الشّباب المسيحي كلّه حيويّة ونشاط لأنّ روحه المتجدّدة في المسيح تجعله أعظم من أن تحطّمه الحياة ويخيفه الكفاح.
ومن هذا الشّباب المسيحي نستطيع ولا شكّ أن نخلق عالماً من حبّ وخير وسلام.
إنّ جميع الإمكانيّات الشّخصيّة التي نواجهها اليوم في سبيل تعاسة هذا العالم، تتوجّه كلّها حينئذ إلى إسعاد هذا العالم نفسه، وكلّ هذه القيم الاجتماعيّة الفارغة التي نتعبّدها اليوم، والتي تجعل من الحياة شيئاً أجوفاً ستتحطّم غداً وتنشقّ عن قيم أعلى وأنبل.
وبكلمة موجزة إنّ الأهواء الشّخصيّة سترتفع وتسمو، وإنّ النّفس الإنسانيّة ستصبح صافية طاهرة، والتّفكير الإنساني والعبقريّة الجبّارة التي تدمّر العالم اليوم هي التي ستبني غداً. هذا التّيّار الرّوحي سعادة هذا العالم ورخاؤه.
ومن هذا المجتمع النّبيل في اتجاهاته، الرّفيع في تفكيره نحصل على حياة مثلى.
فهذه النّفوس المتّحدة مع الله أو هذه الكنيسة الأرضيّة لن يكون فيها حقد ولا بغضاء.
المجتمع عبارة عن إخوة في المسيح. كلّنا أحبّاء وكلّنا إخوة وكلّنا واحد في المسيح الواحد.
تعالوا إليّ أيّها المتعَبون والثّقيلو الأحمال فأنا أريحكم”. منذ ألفي سنة رنّ في فضاء الأرض التّعسة هذا الصّوت الحبيب “تعالوا إليّ” إنّ المسيح يناديكم أيّها الجليليّون.
إنّه يناديكم من مزود الأبقار. إنّه يناديكم من أعلى الجلجلة، فتعالوا إليه أيّها المتعَبون لأنّكم ستلقون الرّاحة والهدوء. راحة النّفس الصّافية وهدوء النّفس المتّحدة مع الله.
عبثاً، أيّها الإخوة، تفتّشون عن الحقّ والحياة في زوايا العالم، لأنّه ليس هنالك حقّ ولا حياة إلا عند ذلك الصّوت الحبيب الذي يخترق الأجيال مجلجلاً: “أنا هو الحقّ والطّريق والحياة”.
كلّنا يريد أن يعيش بسعادة وهناء. ولكنّ أحداً منّا لم يفكّر كيف يجد هذه السّعادة وهذا الهناء. لأنّ روحه الجافّة لم تعد تسمع صوت الرّبّ، ولأنّ نفسه المتهالكة في أدناس هذه الأرض لم تعد تعرف الطّريق، الطّريق إلى السّماء، الطّريق إلى الفرح، إلى الغبطة اللامتناهية.
أيّها الجليليّون. لقد آن لنا أن ندفن مع المسيح الإنسان العتيق ونلبس الإنسان الجديد.
إنّ الكنيسة لم تنادِكم اليوم إلى عيد، إنّها لا تناديكم ولن تناديكم أبداً إلى بهرجة وسرور إلى فرح خارجي فقط. فنحن لا يهمّنا أن نعيّد بقدر ما يهمّنا أن يكون هذا العيد دعوة صارخة إلى حياة جديدة. الكنيسة لم تنادكم إلى عيد إنّما إلى قيامة، قيامة جبّارة تغمر كلّ شيء، قيامة نيّرة تنساب حتى أعماق القلوب. لنصبح كلّنا في المسيح والمسيح فينا.
” الرّب معي فمّما أخاف” يقول داوود النّبي. لا تضطربوا ولا تخافوا لأنّ الرّبّ معكم. أحبّوا المسيحيّة داخليّاً كما تحيونها خارجيّاً. كلّكم أقوياء وستنتصرون حتماً في التّجربة الأولى والثّانية والثّالثة كما انتصر المسيح من قبل على الشّيطان.
ليس شيء بالمستحيل، لأنّكم ولا شكّ رأيتم ما فعل فتيان الكنيسة (الحركة) وفتياتها من انقلاب صميمي في نفوسهم وفي بيئتهم وفي محيطهم.
حقّاً إنّهم لم يحقّقوا كلّ شيء ولكنّهم يجاهرون في تحقيق مثلهم الأعلى في هذه الحياة، ولن تقف أمامهم الأهوال الجبّارة ولا المصاعب أو الخطوب، لأنّ هذه المصاعب وتلك الأهوال لم تكن يوماً برّاً للنّفوس العظيمة. فالمصاعب والعقبات ليست إلا دفعاً عظيماً يدفع الإنسان العظيم إلى غايته بحيويّة أشدّ ونشاط أوفر.

* وردت في النص كلمة “الحركة” وليست “الكنيسة”، ولكن تمّ استبدالها في بعض النقاط لتعميم الفائدة.

هل من حياة روحية وقداسة في زمننا هذا؟

هل من حياة روحية وقداسة في زمننا هذا؟

الأرشمندريت كيرللس، رئيس دير آسكس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

جوابي المباشر على جزئَي السؤال هو “نعم” قوية. الله لم يتغيّر. يسوع المسيح هو نفسه أمس واليوم وغداً. طبيعة البشر لم تتغيّر أيضاً. منذ آدم، البشر مكرَّمون بهذه القوة على التحكّم بمصيرهم حتى أنهم يديرون ظهورهم لله والحياة الروحية وللسعي إلى القداسة. ولكن، إلى انتهاء العالم، سوف يوجد أشخاص، حتى ولو أقلية، يستنزلون نعمة الله على الأرض وعلى إخوتهم البشر. أن يستمر العالم هو إثبات على أنه ما زال هناك قداسة. يقول القديس سلوان: “أقول لكم أنه عندما لا يعود هناك على الأرض مصلّون، تكون نهاية العالم”.
بكلام آخر، الحياة الروحية، والقداسة التي هي ثمرتها، ليسا فقط من الماضي. يمكننا أن نرى القداسة في سابقينا ونتعلّم منهم، لكننا لا نختبر القداسة كمعرض في متحف تاريخي. إنها حقيقة معاشة نحن مدعوون إليها. كل إنسان يملك بعداً روحياً. الله ليس متحيزاً: يدعو كل واحد إلى الوجود بمحبة شخصية، ويهب كل إنسان القدرة للمشاركة في حياته. مستعملاً مصطلحات زمانه، قال القديس بطرس أننا مدعوون لأن نكون “مشاركين في الطبيعة الإلهية” (2بطرس 4:1). وهذه هي القداسة: “كونوا قديسين كما أنا قدوس، وأريد أن يكون لكم كل ما لي”. هذه هي دعوة الله لنا جميعاً، مهما يكن مكاننا في المجتمع أو رتبتنا في الكنيسة: من الشعب أو الإكليروس. يكتب القديس سلوان: “لكل واحد في هذا العالم عمل ليقوم به، سواء كان ملكاً أو بطريركاً، طباخاً، حداداً أو معلماً، لكن الرب الذي محبته تمتد إلى كل منا سوف يعطي مكافأة أعظم لمن يملك محبة أعظم لله”. وأيضاً: “لا يستطيع كل واحد أن يكون إمبراطوراً أو أميراً؛ وليس بمقدور كل واحد أن يكون بطريركاً أو رئيس دير أو قائداً؛ بل في كل طريق من طرق الحياة يمكن أن نحب الله ونكون مرضيين له، وهذا هو المهم فقط”.
الحياة الروحية هي الحياة التي تأخذ بعين الاعتبار البعد الروحي للكائنات البشرية. العمل على علاقتنا بالله ليس هواية عند بعض الأشخاص. كبشر نقول “هذا أو تلك هما من النوع المتديّن”. هذا ليس إضافة اختيارية. إنها ما يجعل حياتنا بشرية فعلاً. يقدّم علم الحياة وعلم النفس صورة ناقصة عندما يستثنيان التزويد الإلهي للطاقة في التركيبة البشرية. الإنسان الدهري هو مجرّد حيوان متفوّق، وبالواقع ما دون الإنسان. من دون مجهود روحي لا نصقل روحنا. لا تُمحى لكنها تخمد وتضمر وتُرفَض أو تُجحَد. فقط إذا ما سلكنا في حياة روحية نكون ذواتنا بالكامل، موحدي الأجزاء بالكامل كأشخاص. تتضمّن الحياة الروحية أوجهنا النفسية والجسدية. كل ما أفكّر به أو أمارسه على كل مستويات الوجود يؤثّر في نفسي. وعندما تلامس نعمة الله نفسي يتبارك تفكيري وإحساسي وجسدي أيضاً.
في البلدان الغربية بشكل خاص، كثيرون تركوا المسيحية. أحد الكتّاب الإنكليز (G.K. Chesterton) قال أنّه عندما لا يعود الناس يؤمنون بالحقيقة، يصيرون مؤمنين بأي شيء قبل أن يصيروا مؤمنين بلا شيء. وهكذا، الإيمان بالله يبقى حيث يُهجَر المسيح، لذا يوجد في كل البلدان مختلف أشكال الروحانيات. هذا الأمر ليس مفاجئاً، لأنّه “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، والجوع الروحي يتواجد حتى حيث هناك تشويش بالأفكار حول الكائن المطلَق. إلى هذا، هناك تشترك الطرق الروحية بالكثير من الأوجه. على سبيل المثال، جوهر التعليم الأخلاقي مشترك بين كل الأديان. الفروقات الأساسية بين الأديان لا تظهر دائماً في أول الطريق: فقط عندما نتقدم تتّضح التشعبات. بعض معاصرينا يعلّمون أنّك بقدر ما تتقدّم في أي دين، تميل الطرق إلى الالتقاء: لكن فعلياً العكس صحيح. إذاً، على الذين يبحثون أن يسعوا إلى الحقيقة ويجدوا السبيل القائمة على اللاهوت الصحيح، على رؤية حقيقية لله كما كشف نفسه لنا. من ثمّ، الحدس العميق سوف يثبت أن يسوع المسيح هو الطريق والحق والحياة.
إن ملء الحياة في الله متاح فقط في الإله-الإنسان، أي في الذي يشترك بطبيعتنا البشرية بينما عنده الطبيعة الإلهية كونه أحد الثالوث القدوس. تعطينا الكنيسة الأرثوذكسية نموذجاً أولاً: يمكننا أن نرى، نسمع، نلمس، ونتذوّق الكائن المطلق؛ يمكننا أن نختبر شذا كيان الله الفعلي. إذاً، يمكننا أن نمضي في طريق الكنيسة إلى النهاية بثقة. ما من طريق آخر، مهما سَمَت ممارساته وأخلاقياته وطموحاته، يصل إلى النهاية آمنًا. بالرغم من أنّه ما من إنسان محروم كليّاً من النعمة الإلهية، إلا إن ملء القداسة يتطلّب العقيدة الأرثوذكسية. تعليمنا لا يُفاق، لا يتخطاه الزمن، عنده ثمرة بالفطرة في أجيال وظروف وحضارات مختلفة. المسيحية هي لكل إنسان، يمكننا أن نفهم لماذا قال ترتليان أنّ “كلّ نفس مسيحية بالفطرة”.
إذاً، يمكن تحديد الحياة الروحية على أنّها “الحياة في المسيح”. فلنتوقف عند هذه النقطة للحظة. لقد استعمل القديس نيكولا كاباسيلاس هذه العبارة كعنوان لكتابه عن الأسرار. على مثاله، القديس يوحنا كرونشتادت، العجائبي الذي كان كاهناً متزوجاً وقد رقد في سنة 1905، أعطى عنواناً مماثلاً لـِ “يومياته الروحية” عندما طُلب نشرها. أحد الكتاب القريبين من عصرنا، دعا أحد كتبه التي يشارك فيها نفاذ بصيرته “حياته حياتي” (His Life is Mine). الكينونة “في المسيح” تعني الاندماج في جسده الفعلي، المَسح بروحه –المسيح تعني الممسوح-، التبنّي من أبيه السماوي. الإيمان المسيحي ليس فقط قول “نعم” لدستور الإيمان. إنّه يعني “لبس المسيح” (غلاطية 27:3). كيف؟ بالمعمودية التي يسبقها الاعتراف بالإيمان. بسهولة، نحن نعتبر أن هذه العطية العظيمة تُعطى على الأكيد، لكن الذين اهتدوا في الميدان أو كبالغين يمكنهم أن يخبرونا من خبرتهم أن المعمودية هي مرور من الظلمة إلى النور ومن الموت إلى الحياة. نحن ننسى أحياناً أن في المعمودية يقول لنا الكاهن “لقد اغتسلت، لقد تقدّست، لقد تبرّرت باسم الرب يسوع وبروح إلهنا”. هذه الكلمات السامية المأخوذة من رسالة القديس بولس إلى الكورنثيين، قد تبدو كمجرد صيغة طقسية إذا أهملنا تفعيل عطية النعمة الإلهية في حياتنا. إن بذور الحياة الروحية قد زُرعَت فينا. نحن “مُقَدَّسونَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، مَدْعُوِّونَ قِدِّيسِينَ” (1كورنثوس 2:1). هذه هي مهمتنا. إذا كنا واثقين من أننا “وجدنا الإيمان الحقيقي” فليس هناك ما نخشاه في كثرة الطرق الروحية المحيطة بنا، بالرغم من كونها مشوِّشة. “لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ.” (2تيموثاوس 7:1). إذا بقينا مخلِصين، وأغنينا باستمرار خبرتنا ومعرفتنا لحياة الكنيسة وتعليمها، سنكون في وضع أفضل لمساعدة مَن حولنا.
السؤال الأساسي دائماً: ماذا تفتكر بالمسيح؟ يذكّر الرسول يوحنا الذين يراسلهم، “بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ.” (1يوحنا 2:4). بالطبع، عرضُنا لما نفتكر به عن السيد سوف يكون متواضعاً؛ سوف يكون مليئاً بالمحبة والامتنان. يقول القديس سلوان: “الله محبة، وبالتالي ينبغي أن ينبع تعليم كلمته من المحبة. من ثمّ المعلّم والمستمع سوف يستفيدان. أمّا إن لم تفعل شيئاً غير الإدانة، فإن نفوس الناس لن تبالي بك، ولن يأتي منها أي خير”. بالطبع، ليس الكل مدعوين لأن يكونوا واعظين متفرّغين، لكن مَن يشهد للمسيح يكون كلامه عن مَن قدّم إمكانية أن يصير كل البشر أشخاصاً حقيقيين.
الحياة الروحية، بحسب العقيدة الأرثوذكسية، هي تعاون بين إرادتنا الحرّة وإرادة الله. أفضل سفراء المسيح هم الذين هيأتْهم حياتهم الروحية فيه ليتحدّثوا صلاتياً، حتى يرغب الآخرون بشرحهم لإيمانهم. “بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ” (1بطرس 15:3). إذا تكيّفنا مع السبيل التي عليها فقط يمكن أن نكتسب ما يسمّيه القديس بولس بجسارة فكر المسيح، لا يعني أن شخصيتنا تضيع. إلهنا واحد في الطبيعة وثلاثة في الأقانيم. يعلّمنا آباؤنا ألاّ نقسّم الطبيعة أو نخلط بين الأقانيم. والأمر نفسه في أن البشرية واحدة كما الله واحد. إذا عاش العالم في المسيح، تكون وصاياه الهدف الأول لكل شخص: محبة الله ومحبة القريب. لهذا، يكون كل إنسان أكثر ثباتاً وامتلاءً في علاقات محبة من غير ذوبان.
إنه لمنوِّر أن نقرأ عن الناس القديسين، سواء من المعلَنين أو غيرهم، كمثل شيوخ القرن العشرين يعقوب وبورفيريوس وكثيرين غيرهما. أذكر هؤلاء من القرن العشرين لأنه تقريباً “اليوم”، ولأنه قرن الآلام الكبيرة. في فكري رجال ونساء قديسون لا نعرفهم لأن القديس لا يلبس ملصقاً دعائياً يقول “انظروا إلي أنا قديس!”. إن درب المسيح هي درب التواضع، وقد يُكرّم البعض كقديسين فيما هم على الأرض، بينما غيرهم فلا. كنيستنا، بحكمتها، لا تمنح الاعتراف الرسمي لأي كان قبل مروره عبر بوابات الموت، وبالعادة ليس سريعاً بعد هذا. لذا من المبكر جداً الكلام عن قديسين من القرن الحادي والعشرين. ولكن إن نظرنا فقط إلى القرن العشرين فنرى أن هناك تنوع من الشخصيات والمستويات التربوية ودرجات التقوى في الشباب والخلفيات الدينية وغيرها. من ثمّ هناك طرق مختلفة من الحياة التي قادت إلى القداسة. جبل أثوس أعطى الكثيرين من القديسين العظماء أمثال سلوان الذي رقد في 1938؛ ولكن لم يكن كل قديسي القرن العشرين من الرهبان. هناك الملايين من الشهداء والمعترفين، من الرجال والنساء والأولاد، من الاتحاد السوفياتي؛ هناك كهنة رعايا، كمثل القديس نيقولا بلاناس، والقديسان الباريسيان الجديدان، ماريا سكوبتسوفا وديمتري كلابنين. هناك القديس نكتاريوس الذي تظهِر عجائبه المذهلة أن إلهنا إله حي وهو يعمل إلى الآن. هناك الكثيرون ممن تحمّلوا العذابات بإيمان، حتى وإن كانوا غير مشهورين، لكنهم الآن يجنون مكافأتهم ويصلّون من أجل العالم.
كل هؤلاء الناس قصدوا الخدم ذاتها وقبلوا نفْس الإيمان. مع هذا فهم يتنوعون كمثل حديقة فيها أنواع كثيرة من الزهور. إنهم يقدمون لنا البرهان على أن الله معنا ومتقبّل للجميع هنا والآن.
يعرف أصحاب التدريب العلمي أن البرهان يأتي بالدرجة الأولى بالخبرة. أفضل الطرق لدينا هي باختبار أن “إذا عشنا بحسب الجسد سنموت، أمّا إذا أمتنا أعمال الجسد بالروح فنحيا”. “الجسد” و”أعمال الجسد” تعنيان هنا القوى الأثيمة كالبغض والعجب والشهوة وغيرها من الأهواء، التي تسبب الانحلال وتغلق الباب أمام روح الله.
تتطلّب الحياة الروحية منّا بعض “الإماتة”. مثال على هذا هو الأصوام التي نلتزم بها معاً في بعض الأوقات من السنة الكنسية، هذا بالضبط لكي تساعدنا على الصلاة لتطهير قلبنا من الأهواء الشريرة. يقول هنا الرسول بولس “لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ:«يَا أَبَا الآبُ». اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ.” (1كورنثوس 13:8-16). عندما “رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَينا” (1بطرس 14:4)، يكون جلياً أن هناك حياة روحية وقداسة في هذه الأيام.