هل يحيا المسيح داخلك؟

هل يحيا المسيح داخلك؟

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

لن نتطرّق إلى السؤال إن كنت تذهب إلى الكنيسة في الأعياد، أو إن لم تهمل تعميد أطفالك، أو إن كنت تصلّي في المنزل… قد يمارس المرء هذه الأشياء كلّها، ولكنّنا، رغم ذلك، نتوجّه إليه بهذه الأسئلة التي لا بدّ منها لكلّ مؤمن ليفحص نفسه على ضوئها: هل يعيش المسيح معك في المنزل مع عائلتك أو مع أهلك؟ هل الإيمان المستقيم هو حيّ في أفراد عائلتك في عصرنا الحاضر؟ هل تسود محبّة الربّ داخلكم؟ هل تعيش الرحمة الحقيقيّة؟ هل للتواضع مكان في قلوبكم؟ هل لنعمته وللعلاقة الحميمة معه وجود في بيتكم؟
أظنّ أنّ الجواب على هذه الأسئلة هي المشكلة الكبرى التي نعاني منها جميعاً.
لو يتساءل كلّ واحد منّا، أو يسأل أفراد عائلته إن كان المسيح يحيا فيه، ترى ماذا سيكون الجواب؟
أنت، يا أخي ويا صديقي، هل تحسّ بالمسيح في داخلك، وكيف تحسّ به؟ هل هو قريب منك أو بعيد عنك؟ هل أوقاتك مفعمة بالروح الإلهي، روح المسيح الحيّ؟ وهل تشعر بروحه حيّاً، قويّاً داخلك، وهل يغمرك هذا الروح مرّة أو مرّتين أو ثلاث مرّات على الأقلّ في العام؟ هل تشعر بحلاوة الخدم الكنسيّة التي تواظب على حضورها، هذا إن كنت فعلاً مواظباً، كخدم الفصح، مثلاً، أو الميلاد، أوهل تتبخّر هذه الحلاوة بمجرّد خروجك من الكنيسة؟
بالحقيقة، يا أخي، لا يوجد نصف حضور للمسيح. فإمّا أنّ يحلّ فيك بملئه، ويحيا داخلك، ويعيش معك في كلّ لحظات يومك وحياتك، أو إنّه لا يحيا، وبالتالي، فأنت لا تتنفّس الحياة الحقيقيّة، بل، ولا تحسّ بملء الحياة الحقيقيّة.
إن كان المسيح يحيا فيك، ستكون محبّتك حقيقيّة وفعليّة لا بالكلام فقط.
إن كان المسيح يحيا فيك، سوف تحسّ بالفرح، وسيكون فرحك حقيقيّاً حتّى إنّك لا تستطيع أن تطرده خارجاً عنك مهما طرقت بابك المصاعب.
إن كان المسيح يحا فيك، ستكون لحظات حياتك وساعاتها وأيّامك مملوءة بالمغزى، وتعرف من أين أتيت، وإلى أين سينتهي المطاف بك، ولا تعود تفتّش عن صدف نجاح في الحياة، لأنّ لك هدف واضح أمامك تسير نحوه.
إن كان المسيح يحيا فيك، فلن تُطغِكَ الأحزان والمشاكل، وحتّى المصائب، بل تخرج منها كما يخرج الذهب من كور النار نقيّاً لامعاً، وثميناً.
إن كان المسيح يحيا فيك، سيهيمن السلام داخلك، ملء السلام. ولا تعود مهمّات الحياة تقلقك، أو تأمين ضروريّاتها يربكك، وحتّى الخوف من المستقبل والمجهول لا يخيفك، لأنّك وضعت كلّ ثقتك في محبّته، محبّة الآب السماويّ.
إن كان المسيح يحيا فيك، ستغدو مسامحة الآخرين ضرورة حياتيّة معاشة، لأنّ ذاك الذي يستريح داخلك، في قلبك، في نفسك، ويتردّد اسمه على شفتيك هو الذي سيكرّر لك قوله: “يا أبتاه اغفر لهم لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون”.
إن كان المسيح يحيا فيك، سوف ترى عجائبه في كلّ مجريات حياتك اليوميّة، هذه العجائب التي لا يستطيع الآخرون رؤيتها، وإن رأوها، لا يفهموها مدّعين بأنّها “من صدف الحياة”.
إن كان المسيح يحيا فيك، في فكرك، في قلبك، يحيا أيضاً في كلّ ما تجابهه في يومك مهما كانت الظروف أو الأحوال أو الطوارئ.
إن كان المسيح يحيا فيك، سوف تجده معك عندما تكون في المنزل، في المكتب، أو في أيّ مكان عمل لك. ويرافقك أيضاً حتّى عندما تكون في عطلة من أعمالك.
إن كان المسيح يحيا فيك، تغدو حياتك كلّها صلاة واحدة. تعيش حياة روحيّة قويّة وحارّة ومنتصرة على ذاتك وأناك، حياة نعمة، لأنّه بصلاتك تتّحد مع الله الآب، وتتلقّف من لدنه ملء المحبّة الإلهيّة، المحبّة التي تُفرغ الذات من ملئها لتمتلئ من ملئه هو.
إن كان المسيح يحا فيك، سوف تتذكّر على الدوام إكليل الظفر الذي سيكلّل يوماً هام المجاهدين الأمناء محبّة بالمسيح.
أرأيت، إذاً، يا أخي ويا صديقي، أنّ كلّ شيء ، الآن وفي المستقبل، أيّ في الحياة الحاضرة وفي الأبديّة، سيكون على أحسن ما يرام إن كان المسيح يحيا داخلك.
قد تقول لي: إنّي أتردّد على الكنيسة بانتظام، وأنا إنسان صالح لا أؤذي أحداً، ولا أرتكب أيّة جرائم، ولا أقوم بما يسيء إلى القريب، ولا أتفوّه بالأكاذيب، ولكنّي، مع ذلك، لا أحسّ بأنّ المسيح يحيا فيّ، فأنا لا أراه، ولا أجده إلاّ في الكنيسة، فأيقونته هناك تجعلني أعي وجوده، وأحسّ بحضوره، وأمّا في الخارج، فأين أجده؟!! إنّي أقدّم إحساناً للفقراء، وبخاصّة في الأعياد الكبرى، وأحس بذلك بالفرح… ولكنّه فرح لا يدوم طويلاً… وبالإجمال، فأنا أفضل من كثيرين أعرفهم وأعيش معهم، فأنا لست، مثلاً، مثل…
توقّف، يا صديقي، توقّف، لأنّك سوف تقع في سقطة الفرّيسيّ الذي كان يصلّي مع العشّار ويقول: “أنا لست مثل هذا العشار”. ألعلّك تريد أن أن تعرف كيف، أو إلى ماذا تحتاج كي يحيا المسيح داخلك؟ ها أنا أقول لك، فاسمعني:
الخطوة الأولى هي أن تتوب توبة صادقة وحقيقيّة، وأن تعرف خطاياك لا بيأس بل بتواضع العشّار، وأن تعترف بها أمام الله، لأنّك باعترافك هذا تربح رحمة الله. واعلم أنّك بصلاتك وتضرّعك إلى الله تجعله السيّد الوحيد لحياتك، وهكذا ترتمي في أحضانه، واضعاً حياتك بين يديه من دون شروط. وأخيراً إن استسلمت لإرادته قائلاً له في كلّ أمر “نعم” سوف يهتمّ هو بكلّ حياتك، حتّى بصغائر الأمور وتفاصيلها، لا بل، وبكلّ شيء.
أرأيت، يا صديقي، كلّ هذا يتوقّف على مدى صحّة علاقتك مع المسيح، وتسليمه المستمرّ لحياتك، وإيمانك المطلق بمحبّته، واستمراريّة تواصلك معه بالصلاة والمطالعة، وتطبيق الوصايا والاشتراك بأسرار الكنيسة وبخاصّة سرّ الشكر الإلهيّ.
أتمنّى، يا أخي ويا صديقي، أن نتمكّن، أنا وأنت، من أن نجيب بصدق وثقة على السؤال: هل يحيا المسيح داخلك؟ بكلمة (نعم) يحيا المسيح فيّ ومعي، وهيّا لتراه حيّاً فعّالاً من خلال حياتي وأفعالي وإيماني…
أسأل الربّ أن يعضدك، يا أخي ويا صديقي، وليكن هو حياتك. آمين

هل من حياة روحية وقداسة في زمننا هذا؟

هل من حياة روحية وقداسة في زمننا هذا؟

الأرشمندريت كيرللس، رئيس دير آسكس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

جوابي المباشر على جزئَي السؤال هو “نعم” قوية. الله لم يتغيّر. يسوع المسيح هو نفسه أمس واليوم وغداً. طبيعة البشر لم تتغيّر أيضاً. منذ آدم، البشر مكرَّمون بهذه القوة على التحكّم بمصيرهم حتى أنهم يديرون ظهورهم لله والحياة الروحية وللسعي إلى القداسة. ولكن، إلى انتهاء العالم، سوف يوجد أشخاص، حتى ولو أقلية، يستنزلون نعمة الله على الأرض وعلى إخوتهم البشر. أن يستمر العالم هو إثبات على أنه ما زال هناك قداسة. يقول القديس سلوان: “أقول لكم أنه عندما لا يعود هناك على الأرض مصلّون، تكون نهاية العالم”.
بكلام آخر، الحياة الروحية، والقداسة التي هي ثمرتها، ليسا فقط من الماضي. يمكننا أن نرى القداسة في سابقينا ونتعلّم منهم، لكننا لا نختبر القداسة كمعرض في متحف تاريخي. إنها حقيقة معاشة نحن مدعوون إليها. كل إنسان يملك بعداً روحياً. الله ليس متحيزاً: يدعو كل واحد إلى الوجود بمحبة شخصية، ويهب كل إنسان القدرة للمشاركة في حياته. مستعملاً مصطلحات زمانه، قال القديس بطرس أننا مدعوون لأن نكون “مشاركين في الطبيعة الإلهية” (2بطرس 4:1). وهذه هي القداسة: “كونوا قديسين كما أنا قدوس، وأريد أن يكون لكم كل ما لي”. هذه هي دعوة الله لنا جميعاً، مهما يكن مكاننا في المجتمع أو رتبتنا في الكنيسة: من الشعب أو الإكليروس. يكتب القديس سلوان: “لكل واحد في هذا العالم عمل ليقوم به، سواء كان ملكاً أو بطريركاً، طباخاً، حداداً أو معلماً، لكن الرب الذي محبته تمتد إلى كل منا سوف يعطي مكافأة أعظم لمن يملك محبة أعظم لله”. وأيضاً: “لا يستطيع كل واحد أن يكون إمبراطوراً أو أميراً؛ وليس بمقدور كل واحد أن يكون بطريركاً أو رئيس دير أو قائداً؛ بل في كل طريق من طرق الحياة يمكن أن نحب الله ونكون مرضيين له، وهذا هو المهم فقط”.
الحياة الروحية هي الحياة التي تأخذ بعين الاعتبار البعد الروحي للكائنات البشرية. العمل على علاقتنا بالله ليس هواية عند بعض الأشخاص. كبشر نقول “هذا أو تلك هما من النوع المتديّن”. هذا ليس إضافة اختيارية. إنها ما يجعل حياتنا بشرية فعلاً. يقدّم علم الحياة وعلم النفس صورة ناقصة عندما يستثنيان التزويد الإلهي للطاقة في التركيبة البشرية. الإنسان الدهري هو مجرّد حيوان متفوّق، وبالواقع ما دون الإنسان. من دون مجهود روحي لا نصقل روحنا. لا تُمحى لكنها تخمد وتضمر وتُرفَض أو تُجحَد. فقط إذا ما سلكنا في حياة روحية نكون ذواتنا بالكامل، موحدي الأجزاء بالكامل كأشخاص. تتضمّن الحياة الروحية أوجهنا النفسية والجسدية. كل ما أفكّر به أو أمارسه على كل مستويات الوجود يؤثّر في نفسي. وعندما تلامس نعمة الله نفسي يتبارك تفكيري وإحساسي وجسدي أيضاً.
في البلدان الغربية بشكل خاص، كثيرون تركوا المسيحية. أحد الكتّاب الإنكليز (G.K. Chesterton) قال أنّه عندما لا يعود الناس يؤمنون بالحقيقة، يصيرون مؤمنين بأي شيء قبل أن يصيروا مؤمنين بلا شيء. وهكذا، الإيمان بالله يبقى حيث يُهجَر المسيح، لذا يوجد في كل البلدان مختلف أشكال الروحانيات. هذا الأمر ليس مفاجئاً، لأنّه “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، والجوع الروحي يتواجد حتى حيث هناك تشويش بالأفكار حول الكائن المطلَق. إلى هذا، هناك تشترك الطرق الروحية بالكثير من الأوجه. على سبيل المثال، جوهر التعليم الأخلاقي مشترك بين كل الأديان. الفروقات الأساسية بين الأديان لا تظهر دائماً في أول الطريق: فقط عندما نتقدم تتّضح التشعبات. بعض معاصرينا يعلّمون أنّك بقدر ما تتقدّم في أي دين، تميل الطرق إلى الالتقاء: لكن فعلياً العكس صحيح. إذاً، على الذين يبحثون أن يسعوا إلى الحقيقة ويجدوا السبيل القائمة على اللاهوت الصحيح، على رؤية حقيقية لله كما كشف نفسه لنا. من ثمّ، الحدس العميق سوف يثبت أن يسوع المسيح هو الطريق والحق والحياة.
إن ملء الحياة في الله متاح فقط في الإله-الإنسان، أي في الذي يشترك بطبيعتنا البشرية بينما عنده الطبيعة الإلهية كونه أحد الثالوث القدوس. تعطينا الكنيسة الأرثوذكسية نموذجاً أولاً: يمكننا أن نرى، نسمع، نلمس، ونتذوّق الكائن المطلق؛ يمكننا أن نختبر شذا كيان الله الفعلي. إذاً، يمكننا أن نمضي في طريق الكنيسة إلى النهاية بثقة. ما من طريق آخر، مهما سَمَت ممارساته وأخلاقياته وطموحاته، يصل إلى النهاية آمنًا. بالرغم من أنّه ما من إنسان محروم كليّاً من النعمة الإلهية، إلا إن ملء القداسة يتطلّب العقيدة الأرثوذكسية. تعليمنا لا يُفاق، لا يتخطاه الزمن، عنده ثمرة بالفطرة في أجيال وظروف وحضارات مختلفة. المسيحية هي لكل إنسان، يمكننا أن نفهم لماذا قال ترتليان أنّ “كلّ نفس مسيحية بالفطرة”.
إذاً، يمكن تحديد الحياة الروحية على أنّها “الحياة في المسيح”. فلنتوقف عند هذه النقطة للحظة. لقد استعمل القديس نيكولا كاباسيلاس هذه العبارة كعنوان لكتابه عن الأسرار. على مثاله، القديس يوحنا كرونشتادت، العجائبي الذي كان كاهناً متزوجاً وقد رقد في سنة 1905، أعطى عنواناً مماثلاً لـِ “يومياته الروحية” عندما طُلب نشرها. أحد الكتاب القريبين من عصرنا، دعا أحد كتبه التي يشارك فيها نفاذ بصيرته “حياته حياتي” (His Life is Mine). الكينونة “في المسيح” تعني الاندماج في جسده الفعلي، المَسح بروحه –المسيح تعني الممسوح-، التبنّي من أبيه السماوي. الإيمان المسيحي ليس فقط قول “نعم” لدستور الإيمان. إنّه يعني “لبس المسيح” (غلاطية 27:3). كيف؟ بالمعمودية التي يسبقها الاعتراف بالإيمان. بسهولة، نحن نعتبر أن هذه العطية العظيمة تُعطى على الأكيد، لكن الذين اهتدوا في الميدان أو كبالغين يمكنهم أن يخبرونا من خبرتهم أن المعمودية هي مرور من الظلمة إلى النور ومن الموت إلى الحياة. نحن ننسى أحياناً أن في المعمودية يقول لنا الكاهن “لقد اغتسلت، لقد تقدّست، لقد تبرّرت باسم الرب يسوع وبروح إلهنا”. هذه الكلمات السامية المأخوذة من رسالة القديس بولس إلى الكورنثيين، قد تبدو كمجرد صيغة طقسية إذا أهملنا تفعيل عطية النعمة الإلهية في حياتنا. إن بذور الحياة الروحية قد زُرعَت فينا. نحن “مُقَدَّسونَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، مَدْعُوِّونَ قِدِّيسِينَ” (1كورنثوس 2:1). هذه هي مهمتنا. إذا كنا واثقين من أننا “وجدنا الإيمان الحقيقي” فليس هناك ما نخشاه في كثرة الطرق الروحية المحيطة بنا، بالرغم من كونها مشوِّشة. “لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ.” (2تيموثاوس 7:1). إذا بقينا مخلِصين، وأغنينا باستمرار خبرتنا ومعرفتنا لحياة الكنيسة وتعليمها، سنكون في وضع أفضل لمساعدة مَن حولنا.
السؤال الأساسي دائماً: ماذا تفتكر بالمسيح؟ يذكّر الرسول يوحنا الذين يراسلهم، “بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ.” (1يوحنا 2:4). بالطبع، عرضُنا لما نفتكر به عن السيد سوف يكون متواضعاً؛ سوف يكون مليئاً بالمحبة والامتنان. يقول القديس سلوان: “الله محبة، وبالتالي ينبغي أن ينبع تعليم كلمته من المحبة. من ثمّ المعلّم والمستمع سوف يستفيدان. أمّا إن لم تفعل شيئاً غير الإدانة، فإن نفوس الناس لن تبالي بك، ولن يأتي منها أي خير”. بالطبع، ليس الكل مدعوين لأن يكونوا واعظين متفرّغين، لكن مَن يشهد للمسيح يكون كلامه عن مَن قدّم إمكانية أن يصير كل البشر أشخاصاً حقيقيين.
الحياة الروحية، بحسب العقيدة الأرثوذكسية، هي تعاون بين إرادتنا الحرّة وإرادة الله. أفضل سفراء المسيح هم الذين هيأتْهم حياتهم الروحية فيه ليتحدّثوا صلاتياً، حتى يرغب الآخرون بشرحهم لإيمانهم. “بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ” (1بطرس 15:3). إذا تكيّفنا مع السبيل التي عليها فقط يمكن أن نكتسب ما يسمّيه القديس بولس بجسارة فكر المسيح، لا يعني أن شخصيتنا تضيع. إلهنا واحد في الطبيعة وثلاثة في الأقانيم. يعلّمنا آباؤنا ألاّ نقسّم الطبيعة أو نخلط بين الأقانيم. والأمر نفسه في أن البشرية واحدة كما الله واحد. إذا عاش العالم في المسيح، تكون وصاياه الهدف الأول لكل شخص: محبة الله ومحبة القريب. لهذا، يكون كل إنسان أكثر ثباتاً وامتلاءً في علاقات محبة من غير ذوبان.
إنه لمنوِّر أن نقرأ عن الناس القديسين، سواء من المعلَنين أو غيرهم، كمثل شيوخ القرن العشرين يعقوب وبورفيريوس وكثيرين غيرهما. أذكر هؤلاء من القرن العشرين لأنه تقريباً “اليوم”، ولأنه قرن الآلام الكبيرة. في فكري رجال ونساء قديسون لا نعرفهم لأن القديس لا يلبس ملصقاً دعائياً يقول “انظروا إلي أنا قديس!”. إن درب المسيح هي درب التواضع، وقد يُكرّم البعض كقديسين فيما هم على الأرض، بينما غيرهم فلا. كنيستنا، بحكمتها، لا تمنح الاعتراف الرسمي لأي كان قبل مروره عبر بوابات الموت، وبالعادة ليس سريعاً بعد هذا. لذا من المبكر جداً الكلام عن قديسين من القرن الحادي والعشرين. ولكن إن نظرنا فقط إلى القرن العشرين فنرى أن هناك تنوع من الشخصيات والمستويات التربوية ودرجات التقوى في الشباب والخلفيات الدينية وغيرها. من ثمّ هناك طرق مختلفة من الحياة التي قادت إلى القداسة. جبل أثوس أعطى الكثيرين من القديسين العظماء أمثال سلوان الذي رقد في 1938؛ ولكن لم يكن كل قديسي القرن العشرين من الرهبان. هناك الملايين من الشهداء والمعترفين، من الرجال والنساء والأولاد، من الاتحاد السوفياتي؛ هناك كهنة رعايا، كمثل القديس نيقولا بلاناس، والقديسان الباريسيان الجديدان، ماريا سكوبتسوفا وديمتري كلابنين. هناك القديس نكتاريوس الذي تظهِر عجائبه المذهلة أن إلهنا إله حي وهو يعمل إلى الآن. هناك الكثيرون ممن تحمّلوا العذابات بإيمان، حتى وإن كانوا غير مشهورين، لكنهم الآن يجنون مكافأتهم ويصلّون من أجل العالم.
كل هؤلاء الناس قصدوا الخدم ذاتها وقبلوا نفْس الإيمان. مع هذا فهم يتنوعون كمثل حديقة فيها أنواع كثيرة من الزهور. إنهم يقدمون لنا البرهان على أن الله معنا ومتقبّل للجميع هنا والآن.
يعرف أصحاب التدريب العلمي أن البرهان يأتي بالدرجة الأولى بالخبرة. أفضل الطرق لدينا هي باختبار أن “إذا عشنا بحسب الجسد سنموت، أمّا إذا أمتنا أعمال الجسد بالروح فنحيا”. “الجسد” و”أعمال الجسد” تعنيان هنا القوى الأثيمة كالبغض والعجب والشهوة وغيرها من الأهواء، التي تسبب الانحلال وتغلق الباب أمام روح الله.
تتطلّب الحياة الروحية منّا بعض “الإماتة”. مثال على هذا هو الأصوام التي نلتزم بها معاً في بعض الأوقات من السنة الكنسية، هذا بالضبط لكي تساعدنا على الصلاة لتطهير قلبنا من الأهواء الشريرة. يقول هنا الرسول بولس “لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ:«يَا أَبَا الآبُ». اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ.” (1كورنثوس 13:8-16). عندما “رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَينا” (1بطرس 14:4)، يكون جلياً أن هناك حياة روحية وقداسة في هذه الأيام.