… وانحرفت المحبّة!

الأرشمندريت توما بيطار*

 

يا إخوة، الرّبّ يسوع يطالبنا بأن نحبّه أكثر من آبائنا، وأمّهاتنا، وأبنائنا، وبناتنا، بحسب الجسد. لِمَ ذلك؟! في الظّاهر، يبدو كأنّه يشاء أن يُحَبَّ فوق كلّ إنسان، في هذا العالم. لكن، في العمق، إذا لم نحبّ الرّبّ الإله فوق كلّ إنسان، فمن المستحيل علينا أن نحبّ أيّ إنسان، في هذا العالم. المحبّة الحقيقيّة تبدأ، أوّلاً، بمحبّة الله. لماذا؟! لأنّنا، بعدما سقطنا، صرنا لا نعرف كيف نحبّ. بتنا، بمحبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر، تَمَلُّكـِيّين. الأب والأمّ يحبّان أولادهما، في العمق، عن تملّك. وهذا يعني أنّهما يحبّان كلٌّ نفسَه في الآخرين. ما دام الإنسان يطلب أن يملك على الآخرين، فإنّه يحبّ نفسه فيهم. وهذه، في الحقيقة، ليست محبّة، على الإطلاق! لا شكّ في أنّ هناك مشاعر، ولا شكّ في أنّ هناك عواطف. لكنّ المحبّة شيء، والعواطف والمشاعر شيء آخر! المحبّة تتضمّن مشاعر وعواطف. لكنّ المشاعر والعواطف لا تصنع محبّة! هذا، بالضّبط، ما فعله السّقوط بنا: جعل محبّتنا لبعضنا بعضًا بمثابة تعلّقٍ عاطفيّ وانفعاليّ.

الرّبّ يسوع، حين يطلب أن يُحَبّ فوق كلّ إنسان؛ فهذا، بالضّبط، ليعلّمنا كيف نحبّ كلّ إنسان محبّة حقيقيّة. الرّبّ يسوع هو المعلِّم؛ ونحن، من دونه، لا نعرف أن نحبّ. لذلك، حين أراد أن يعلّمنا كيف نحبّه، قال لنا: “مَن يحبّني، يسمع كلامي” (يو14: 24)! بطاعتنا للوصيّة، بسلوكنا في الوصيّة، نتعلّم أن نحبّ الله. ومتى أحببنا الله، تيسّر لنا أن يحبّ بعضنا بعضًا. هذا هو الطّريق. لا يظنّنّ أحد أنّ الطّريق يمرّ بالآخرين ليصل إلى الله! الطّريق، في الحقيقة، يمرّ بالله ليصل إلى الآخرين. بغير ذلك، يظنّ الإنسان أنّه يحبّ سواه، والحقيقة أنّه يطلب ما لنفسه في سواه، على نحوٍ عاطفيّ، وانفعاليّ، وتعلّقي! تعلّق النّاس بعضهم ببعضهم الآخر هو من باب التّملّك. ولماذا التّملّك؟! أحيانًا، لأنّنا نشعر بأنّنا نحتاج إلى الأمان، نتعلّق بإنسان آخر؛ لكنّ القصد يكون ذواتنا، لا الآخرين. من الأمثلة على هذا الشـّرخ الّذي حدث، بعد السّقوط، في حياة الإنسان، بين الحبّ والمشاعر والأحاسيس، أنّ هناك ملايين البشر، اليوم، يقتنون الكلاب والقطط، ويظنّون أنّ الحيوانات تحبّهم، ويتعاطون معها كأنّ هناك علاقة محبّة بينهم وبينها! هذا انحراف! والمحبّة، من دون الله، هي، أيضًا، انحراف، في هذا العالم؛ لأنّ الإنسان، سواء أأحبّ إنسانًا آخر، وتعلّق به، وعلّق عليه الآمال والمشاعر والعواطف، أم تعلّق بحيوان؛ فالموضوع واحد، لأنّه، في كلا الحالتين، يطلب ما لنفسه! يطلب نفسه، سواء في البشر أم في الحيوانات. وهذه ليست محبّة كما يشاء الرّبّ الإله أن تكون المحبّة. المحبّة، بحسب تحديد الرّسول بولس، لا تطلب ما لنفسها (1كور13: 5)! من المناسب جدًّا لكلّ واحد منّا أن يقرأ، ولو مرّة في الأسبوع، ما كتبه الرّسول بولس في المحبّة، في الإصحاح الثّالث عشر من الرّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس. ما هي المحبّة؟! نحن نظنّ أنّ المحبّة تحصيلٌ حاصلٌ، وليس الأمر كذلك، أبدًا! الإنسان يحتاج، بعد السّقوط، إلى إعادة تأهيل. والرّبّ يسوع يطلب أن يُحَبّ فوق كلّ إنسان، لا لأسباب أنانيّة، بل لأنّه يريدنا أن نتعلّم كيف نحبّ من جديد؛ لأنّه هو محبّة، هو المحبّة، هو معلِّم المحبّة! هو يعرف ما نحن جاهلون! لهذا السّبب، مَن أحبّ أبًا أو أمًّا، أو أخًا أو أختًا، أو ابنًا أو بنتًا، أكثر من الله؛ فهذا معناه أنّه يتعاطى مع الله بصورة رديئة! يحاول أن يقتني الله كما يقتني النّاس، وكما يقتني الحيوانات، وكما يقتني الأشجار! علاقته بالله تكون فاسدة، حتّى لو صلّى وصام. ما دام، في قرارة نفسه، يحبّ ولو إنسانًا واحدًا أكثر من الله، فمحبّته لله غير سليمة. لهذا السّبب، مسار تفكير الإنسان المؤمن مختلف عن مسار تفكير الإنسان في هذا العالم. مَن يؤمن بالله، مَن يؤمن بيسوع، عليه أن يقدّم الله على كلّ إنسان، وليس ذلك فقط، بل أيضًا عليه أن يقدّم الله على نفسه؛ لأنّ المشكلة هي أنّ الإنسان يطلب، دائمًا، ما لنفسه! فإذا قدّمنا الله على الآخرين، ولم نقدّمه على أنفسنا؛ فإنّنا لا نكون قد صنعنا شيئًا، على الإطلاق! لهذا السّبب، نصوم، ونصلّي، ونتعب. الإنسان الّذي يطلب الله لا يطلب راحة لنفسه، بل وجه الله. لذلك، الإنسان المؤمن، عمليًّا، هو إنسان تَعـِب، في كلّ وقت؛ وطبعًا، ضمن حدود. لهذا قيل: “بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السّموات” (أع14: 22)! بالضّيق، والضّيق الكثير!

على الإنسان، في نهاية المطاف، أن يعمل، دائمًا، على تخطّي نفسه. مثلاً، أقول: “قد تعبت النّهار كلّه، وأنا في حاجة إلى أن أخلد إلى النّوم”. أدخل إلى غرفتي عند الثّانية عشرة ليلاً، وأقول: “أنا مُتعَب، ولا أستطيع أن أصلّي”؛ فألقي بنفسي على الفراش، وأنام. قد نعتبر أنّ هذا الأمر بسيط. هذا الأمر ليس ببسيط، على الإطلاق! “أنا مُتعَب”، هذا ممكن جدًّا. الإنسان، في هذه الأيّام، يتعب كثيرًا. لكن، إذا وصلت إلى غرفتي وأنا مُتعَب، فالسّؤال: “هل أقدّم نفسي على الله، أو أقدّم الله على نفسي؟!”. في معظم الحالات، النّاس يقولون: “لا نستطيع أن نصلّي لأنّنا مُتعَبون”؛ ومن ثمّ، يقدّمون أنفسهم على الله، ويخلدون إلى النّوم. هؤلاء، في الحقيقة، لا يصلّون. الإنسان، مهما كان مُتعَبًا، إذا وقف ليصلّي، وأخذ يرسم إشارة الصّليب على نفسه، وبدأ بالكلام الإلهيّ، ورفع نفسه قدر استطاعته: وقف، ورفع نفسه إلى فوق، وبدأ يقول الصّلاة؛ قد لا يكون مُدرِكًا عقليًّا معنى ما يقول، وقد يكون شعوره بأنّه شبه مخدَّر بالنّوم والتّعب. هذا ممكن. لكن، متى بدأ بغصب النّفس، بذكر اسم الله، فبإمكانه أن يأخذ الكتاب ويقرأ. لا يهمّ، أبدًا، أن يفهم شيئًا! يفهم ما يستطيع فهمه، لكنّه يغصب نفسه ويقف قدّام الله، ويبدأ بالصّلاة على هذا النّحو، ويرسم إشارة الصّليب على نفسه، ويضرب مطّانيّة صغيرة، ويصلّي، ويقول الكلام الإلهيّ. بعد قليل، ماذا يحدث؟! يحدث شيء عجيب جدًّا! الإنسان، من حيث لا يدري، يجد نفسه مرهَقًا وكأنّ جسده سيسقط في كلّ لحظة. لكنّ هذا مجرّد شعور! فإذا استمرّ غاصبًا لنفسه، فإنّه، بعد قليل، يجد نفسه في سلام، في راحة لا يعرف من أين تأتي! ولا يكاد ينهي الصّلاة، حتّى يلاحظ أنّ هناك شيئًا ما قد استضاء في ذهنه، وأنّ راحة قد انبعثت في نفسه! إذًا، الصّلاة تريح ولا تُتعب، إنّما براحة من فوق، براحة من روح الله. وإذا كان ذهن الإنسان مُعتـِمًا بسبب وَهَنِ الجسد، فإنّه (أي ذهنه)، بالصّلاة، يستضيء بنور الله! هذا شيء عجيب! ومتى خلد الإنسان، بعد الصّلاة، إلى النّوم، يكون كالطّفل، ينام نومًا هانئًا، فيه صلاة طيّبة، وفيه حضور طيّب لله؛ وكأنّه يغسل، في تلك الدّقائق الّتي يقف فيها قدّام ربّه ويصلّي، كلَّ ما اجتمع عليه من أتعاب، في كلّ نهاره!

الإنسان مدعوّ إلى أن يتخطّى نفسه! لا يمكنه أن يقدّم نفسه على الله ويكون في الرّاحة. ليكون في الرّاحة، عليه أن يقدّم الله على نفسه. والله، إذ ذاك، هو الّذي يعطيه أن يرتاح. ولا يرتاح بمعنى أنّ تعبه يتبدّد، بل بمعنى أنّ الله ينفخ روحه فيه. هكذا، نتعلّم أن نقدّم الله على أنفسنا، وأن نتمّم الوصيّة، وأن نحبّ الله فوق أنفسنا؛ ومن ثمّ، أن نحبّ الآخرين محبّة حقيقيّة، بالمحبّة الّتي نستمدّها من الله، ويبثّها الله بالصّلاة فينا.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

*عظة في السّبت 12 أيلول 2009 حول متّى10: 37- 42، 11: 1

 

Leave a Reply