السنة الثالثة عشرة، العدد التاسع، حزيران 2017

السنة الثالثة عشرة، العدد التاسع، حزيران 2017

مختارات آبائية

القديس نيقولا فيلميروفيتش، ما معنى احمل صليبك؟

الشيخ سمعان كاراغيوبولوس، ما هي مشيئة الله إذاً؟

شهادات

الشيخ يعقوب من آفيا، العلاقة بين القديس باييسيوس والشيخ يعقوب تساليكيس

الميتروبوليت نيقولا مطران ميسوغيا، جبرائيل، طالب الفلسفة الملحد في الجبل

الميتروبوليت نيقولا مطران ميسوغيا، آباؤنا الأثوسيون المباركون المتوشحون بالله

لاهوت

الأب أنطوان ملكي، الكنيسة والعمل السياسي بحسب الأب جورج فلوروفسكي

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، الهرطقة بحسب الأب يوحنا رومانيدس

الأرشمندريت أثناسيوس أناستاسيو، مجمعكريت: وقائع الانحراف المتعمّد

الأب أنطوان ملكي، دور الشعب في الكنيسة الأرثوذكسية

رعائيات

الأب أنطوان ملكي، ملاحظات حول الشفاعة

ما معنى: احمل صليبك؟

ما معنى: احمل صليبك؟

القديس نيقولاوس فيليميروفيتش

المسيح قام، حقاً قام

ما معنى: احمل صليبك؟ إنها تعني القبول الطوعي، على يد التدبير الإلهي، لكل وسائل الشفاء الممنوحة لنا حتّى ولو كانت مُرّة.

أتقع عليك الكوارث؟ كُنْ مطيعاً لمشيئة الله، كما كان نوح.

أمطلوب منك أن تضحّي؟ سلّم نفسك ليَدَي الله بنفس إيمان إبراهيم عندما مضى ليضحي بابنه.

أتتعرّض ممتلكاتك للخراب؟ أيموت أبناؤك فجأة؟ احتمل العذاب كلّه بصبر، ملتصقاً بالله بقلبك، كما فعل أيوب.

أتخلّى عنك أصدقاؤك وتجد نفسك محاطاً بالأعداء؟ احتمل من دون تبرّم، وبثقة بأن معونة الله هي في متناول يدك، كما فعل الرسل.

أمحكوم عليك بالموت من أجل المسيح؟ كن شاكراً لله لهذا الشرف، كمثل الآلاف من الشهداء المسيحيين.

ما من شيء تسعى إليه ولم يكن من قبل، وبالأرجح أنك سوف تتبع مثال الكثيرين، الرسل والقديسين والمعترفين والشهداء، الذين عملوا مشيئة المسيح.

فمن ثمّ يجب أن نعلم، أننا في سعينا إلى صلبنا، يطلب الرب أن يُصلَب الإنسان العتيق، الإنسان المصنوع من الشر وخدمة الخطيئة. إذ بهذا الصلب، الإنسان القديم المشابه للحيوان يوضَع للموت، والإنسان الجديد الذي على صورة الله وغير المائت، يُقام إلى الحياة.

لكن ما هي مشيئة الله؟

لكن ما هي مشيئة الله؟

الشيخ سمعان كراغيبولوس

نسمع بين الفينة والأخرى الناس يقولون: “لكن، ما هي مشيئة الله؟ أنا لا أعرف ما يريده الله.”

ما الذي لا تعرفه؟ ألا تعرف، مثلاً، أن عليك أن تصلي قليلاً أكثر مما تصلي الآن؟ أأنت بحاجة إلى أن يخبرك أحد بذلك؟ ألا تعرف أن الصلاة القليلة التي تقوم بها يجب أن تكون من كل قلبك؟ ألا تعرف أنه لا ينبغي بك أن تجاوب أحداً، أو أن تتوجّه إليه بطريقة تحزنه؟ ألا تعرف أن عليك أن تساعده؟ ألا تعرف أن عليك أن تسامحه؟ أن تحتمله؟ أن تحبه؟ أن تصلي من أجله؟ ألا تعرف أن عليك أن تكون صبوراً؟ وأن عليك ألا تغضب؟

اعمل ما تعرفه. والله، إذ يرى تصرفك الصادق لمعرفة إرادته باستمرار، سوف يجد، في كل مرة، طريقةً يوضح فيها لك ما لا تعرفه.

أن نبدأ كل مرة من جديد لا يعني أننا سوف نقوم بأمور لا نتوقعها. بالأحرى، سوف نقوم بأشياء نعرفها، أشياء مألوفة، لكن بروح أخرى، وميل آخر.

فيما ندرس الموضوع برمته سوف نفهم ويكون لنا بداية جديدة، اليوم ، غداً، واليوم الذي بعده؛ وهذا لا ينتهي. ما من أحد سوف يتعب يقول: “أنا تعبت من تكرار البداية“. على العكس، سوف تشعر بداخلك أن هذا ضروري كل يوم. وهذا سوف يكون شهادة، علامة، برهاناً، بأن قطعة أخرى من لاوعيك خرجت من القبو المظلم وهي الآن تحت سيطرتك. عند هذه النقطة تضعها تحت نعمة الله حتّى أنها تتقدّس. كل ما هو شرير، كل ما هو مشوّه، يتبدد ويتطهر بالنعمة، وروحك وحدها تبقى طاهرة.

وهكذا، كل لحظة، في كل محطة، أن تتذكّر أنك بدأتَ من جديد وأنّك مجدداً سلّمت نفسك إلى الله، فسوف تحاول أن لا تترك هذه القطعة التي فيك تغلبك، ولا أن تفعل ما تدفعك إلى فعله. لكن ماذا بعد؟ تعمل ما يعمله القديس، ما يقول لك يسوع أن تعمل.

على هذا المنوال أنت تكون في كل لحظة ضمن إرادة الله وليس ضمن إرادتك.

العلاقة بين القديس باييسيوس الأثوسي والشيخ يعقوب تساليكيس

العلاقة بين القديس باييسيوس الأثوسي

والشيخ يعقوب تساليكيس

شهادة الأب الراهب يعقوب

كنتُ علمانياً، تلميذاً في الثانوية الكنسية في لاميّا، سنة 1986، أحمل اسم يوحنا. كنت أنوي الذهاب إلى الجبل المقدس وزيارة الشيخ باييسيوس، ببركة شيخي يعقوب تساليكس، لكي أطلب النصح منه حول أن أكون راهباً أم لا.

لقد كان الشيخ يعقوب يوقّر الشيخ باييسيوس كثيراً، وعندما قصدته، أعطاني شيئاً لأوصله كبركة وقال لي: “قلْ للشيخ باييسيوس، عندما تصل إلى تسالونيكي، بأن عليه أن يأتي ليرانا. فمن جهتي يا يوحنا، صعب عليّ أن أذهب لرؤية الشيخ، لأن عليّ أن أعبر جبالاً وودياناً والبحر، فيما صحتي لا تسمح بذلك، هذا كي لا أذكر أن الشيخ باييسيوس قديس أمّا أنا فخاطئ وغير مستحق“. من ثمّ أعطاني خمسة آلاف دراخما لأضيء له شمعة في كنيسته.

في الجبل المقدس، التقيت الشيخ أمام بابه. ما أن رآني، وقد كنت برفقة أحد الآباء الرهبان، قال لي: “أهلاً، جيد أن نراك“.

بعد أخذ البركة، قال لي: “إذاً، ماذا تظن؟ أسنسيمك راهباً؟أجبته: “أبونا، عندي مشكلة مع أهلي“. فقال لي: “اسمع ما أقوله لك، اتركْ أهلك يبكون لشهر أو اثنين، حتى لا تبكي أنت إلى الأبد، وقبل أن تفقد الكنز.” كان يشير بالكنز إلى الشيخ يعقوب، وهذا كله من دون أن أكون قد فاتحتُه برغبتي في أن أكون راهباً.

وإذْ أردت أن أقول شيئاً، قاطعني: “معك بركة الأب يعقوب من دير القديس داود في آفيا. يا بنيّ، هؤلاء هم القديسون الذين يكافحون اليوم ويصلّون بتواضع ومحبة. أنا لا أستحق أن أرى عملاق الأرثوذكسية، ولقاؤه أيضاً بعيد جداً، وهذا يتطلّب جهاداً والكثير من الجهد. لأن الله منحنا المحبة ونحن نتواصل روحياً.”

فسألته: “أعندي بركة بأن أسجد في كنيسة قلايتكم؟فأجاب لا ليس ضرورياً.”

فأجبته أنها للتبرّك، فقال لي: “لا يا بنيّ، قد يكون الشيخ يعقوب أعطاك خمسة آلاف دراخما، لكن ماذا بعد، ماذا أعمل بها وأنا راهب؟

لم يتركني أسجد. أعطاني مسبحة صلاة وصليباً صغيراً لأوصلها إلى الشيخ.

عند عودتي إلى الدير استقبلني الشيخ يعقوب بفرح. أعطيته البركة من الشيخ باييسيوس فبادرني بالقول: “الخمسة آلاف دراخما التي لم يقبلها الشيخ باييسيوس، ولم يتركك تسجد وتضعها في كنيسة القلاية، خذها معك لمصاريفك في مدرسة لاميّا“.

أصبتُ بالذهول وسألته: “يا أبونا، كيف تعرف ذلك؟فأجابني هامساً في أذني: “يا بنيّ، نحن نتواصل روحياً.”

جبرائيل، طالب الفلسفة الملحد في الجبل

جبرائيل، طالب الفلسفة الملحد في الجبل

الميتروبوليت نيقولا مطران ميسوغيا

قبل عدة سنوات، تقرّب مني أحد الطلاب. أخبرني أنه كان ملحداً، على الرغم من كونه متردداً جداً كان عنده عزم الساعي الجدّي، كان يعرف أنه سوف يكون راضياً إن آمن لكنه لم يستطع. حاول لسنوات من دون نتيجة. لقد تحدّث إلى متعلّمين وأساتذة، من دون أن يشبع عطشه إلى شيء ما مهم. سمع عني وأراد أن يشاركني حاجته الوجودية. سألني عن برهان علمي لوجود الله.

سألته: أتعرف التكاملات (integrals) أو المعادلات التفاضلية (differential equations)؟

أجاب: للأسف لا، أنا أدرس الفلسفة.

فقلت له ممازحاً: هذا معيب! لأن البرهان الذي عندي هو من خلالها.

لم يرتَح لجوابي وصمت لبرهة. فقلت له: انتبه، أنا آسف أني مازحتك، الله ليس برهاناً حسابياً ولا هو معادلة. لو كان أيّ شيء من هذا القبيل لكان كل المتعلمين يؤمنون به. هناك طرق أخرى للتقرب من الله. أنت تعرف. هل سبق لك أن زرت الجبل المقدس؟ أقابلت في حياتك أي راهب ناسك؟

أجابني: لا يا أبتي، لكني لأني سمعت الكثير، أنا أفكّر بالذهاب إلى هناك. حتّى أن باستطاعتي أن أذهب غداً، إذا طلبتَ مني ذلك. أتعرف أيّ شخص متعلّم أستطيع أن ألقاه؟

ماذا تختار؟ متعلّم بإمكانه أن يصيب عقلك بالدوار أو شخص يمكن أن يوقظك وهو قديس؟

أريد متعلّماً لأني أخاف القديسين.”

فأجبته: “علاقة الإيمان هي مع القلب، لمَ لا تجرّب قديساً؟ ما اسمك؟، فقال جبرائيل“.

أخبرته كيف يذهب إلى عند راهب ناسك. أعطيته الطريق لإيجاده وكل التوجيهات الضرورية، حتّى أني رسمت له خريطة. “عليك أن تذهب وتخبره بما أخبرتني. قلْ له أنا ملحد، لكني أريد الإيمان بالله، أريد برهاناً على وجوده“.

فقال لي: “أنا خائف وخجلان، فسألتُه: “لمَ أنت خائف وخجلان من الرجل المتقدّس وليس منّي؟

بعد أيام ذهب ووجد الناسك يتحدّث إلى شاب في فناء داره. على الجهة المقابلة كان أربعة آخرون ينتظرون على بعض جذوع الشجر. وجد جبرائيل بينهم مقعداً مؤقتاً. بعد أقل من عشر دقائق انتهى الشيخ من محادثته مع الشاب.

سأل: “كيف حالكم يا فتيان؟ هل أخذتم بعض الحلوى التركية؟ أشربتم ماء؟، فأجابوا شكراً أيها الشيخ، بدماثة مهذبة.

قال لجبرائيل: “تعالَ إلى هنا، مختاراً إياه من بين الآخرين. “سوف آخذ الماء وأنت تأخذ علبة ​الحلوى التركية، وتقترب مني حتى أوشوش إليك بسرّ: لا بأس أن يكون الإنسان ملحداً، لكن أن يكون لك اسم ملاك وملحد؟ إنها المرة الأولى التي أرى فيها شيئاً من هذا“.

كاد جبرائيل أن يُصاب بنوبة قلبية عند سماعه هذا الكلام. كيف استطاع أن يعرف اسمه؟ مَن أخبره بمشكلته؟ بالنهاية، أهذا ما كان الشيخ يريد إخباره؟

فسأل وهو بالكاد يستطيع أن يتمتم: “أبونا، أأستطيع التحدث إليك لبرهة؟

استمع، الوقت متأخر. خذ الحلوى التركية، اشرب بعض الماء، واذهب إلى اقرب دير لقضاء الليل“. “أبونا، أرغب بالتحدث إليك، أليس ذلك ممكناً؟

ما عسانا نقول، يا بنيّ؟ ما سبب مجيئك؟

أخبرني جبرائيل: “عند طرحه هذا السؤال عليّ، أحسست بتنفسي يتسارع مباشرة. فاض الإيمان في قلبي. راح عالمي الداخلي يزداد حرارة. من دون أي محاججة، كانت الشكوك تزول. من دون أي كلام، من دون وجود جواب قاطع. كل «إذا»، «لماذا» و«لكن» أبيدَت مباشرة، وكل ما تبقى كان «كيف؟» و« ماذا الآن؟»”

نكزة خفيّة من قديس أعطت أفكاره ما عجز عن إعطائه إنسان متعلّم. قديس لم يتخرّج إلا من الصف الرابع في المدرسة الابتدائية. لدى القديسين الكثير من الاستنارة. إنّهم يعملون عليك، لكنك لا تشعر بأي ألم خلال العملية. من دون أن يفتحوا أحشاءك يقومون بعملية الزرع. من دون أن يستعملوا سلماً، يرفعونك إلى قمم لم تطأها قدماك. من دون أن يتعِبوا دماغك يزرعون بذار الإيمان في قلبك.

آباؤنا الأثوسيون المباركون المتوشحون بالله

آباؤنا الأثوسيون المباركون المتوشحون بالله

الميتروبوليت نيقولاوس ختزينيكولاو

إن أكرام القديسين هو عنصر أساسي في التقليد والحياة الأرثوذكسيين. من خلال الكنائس المكرّسة لهم، من خلال الصلوات التي تعبّر عن أنهم في الأبدية، من خلال الخدم الشعرية، من خلال سِيَرهم المثيرة للاهتمام، من خلال استدعاء أسمائهم المتكرر، هم أشخاص أحياء بشدة من أجلنا ونعمتهم تتدخل في حياة المؤمنين مشددة داعمة ومقدِّسة.

ليس غريباً أن تتوجّه الكنيسة إلى القديسين كمجموعات لا كأفراد فقط. على هذا الأساس، نحن نكرّم الأطفال الذين قتلهم هيرودس، آباء المجامع المسكونية، وأولئك الذين استشهدوا جماعياً خلال الاضطهادات المختلفة. لذا، بالنسبة لنفس أبينا المبارَك القديس نيقوديموس الأثوسي، النفس الحساسة الشاعرية الرهبانية، كان من الصعب الامتناع عن إظهار مواهبه وإكرام كل جماعة الآباء المتوشحين بالله، من رهبان نساك، الذين لمعوا حقيقةً في الجبل المقدس. إنه حق وواجب أن تُقَدِّر الكنيسة في كل العالم حياتهم وأن تعطيهم الشرف، وأن يُقَدَّم نموذجهم الأرضي ونعمتهم الإلهية إلى كل المؤمنين للاستيحاء والتقديس. هكذا كُتبَت هذه الخدمة الرائعة والخليقة الروحية، خدمة آبائنا المباركين المتوشحين بالله الذين لمعوا في الجبل المقدس“.

الشيخ المعاصر، القديس باييسيوس، اعتاد أن يقول أنه لو لم يكتب القديس نيقوديموس الأثوسي أي شيء آخراً، أو لم يعرف أي شيء آخراً، مجرّد أنه ألّف هذه الخدمة الرائعة كان كافياً لإقناعنا بقداسته ونعمته المميزة. ففيما هذه الخدمة تمدح القديسين الأثوسيين، تثبت أيضاً قداسة كاتبها بطريقة مميزة.

إن حياة القديس الأثوسي مختلفة جداً وبطريقة مهيبة ويمكن التعرّف إليها من غيريةطبيعتها. ما من شيء يشبه الجبل المقدس في كل تاريخ العالم. إنه مختبر فريد للقداسة. إنه تنوّع من سبل التفاني الكامل، التي تقود كلها إلى قمة أعظم التحولات. في الوقت نفسه، إنها طريق باتجاه واحد تنتهي بمعاينة جلال الله ورؤية مجده.

كشعر تسبيحي، خدمة الآباء الاثوسيين هي تحفة بالفعل. المؤلفون الأثوسيون السابقون، كمتياس الفاتوبيذي ويواصاف الديونيسي والراهب الكاهن أثناسيوس والراهب دانييل وكلاهما من كاتوناكيا، قدّموا ألحانهم المتناغمة من خبرتهم الأثوسية، وقد مزجوا المواهب بالعطايا ووضعوا الكلمات لموسيقى نعمة نادرة

عندما يمكن صياغة سرّ حقيقة الله الذي لا يمكن تفسيره ولا التعبير عنه في الكلمات، عندها يمكننا أن نتحدث عن خبرة الاستنارة. ولكن عندما يُعَبّر عن هذه الحقيقة من خلال أداة الشعر الذي لا يُوازى، وتُضبَط على الموسيقى بإلهام نادر ومن ثمّ تُذاع بصوت استثنائي، فإنها تجلب إلى البهجة الروحية والسمو السري كل قلب متواضع مختَرَق بالشوق الإلهي ومتحوّل بالمحبة الإلهية

الكنيسة والعمل السياسي بحسب فلوروفسكي

الكنيسة والعمل السياسي بحسب فلوروفسكي

الأب أنطوان ملكي

يمكن إيجاد معنى الإكليسيولوجيا عند فلوروفسكي في آخر مقالة يوراسية كتبها في 1923 وعنوانها العهدان“. في هذه المقالة تخلّى عن التحليل الفلسفي الثقافي متوجهاً نحو التأمّل الإكليسيولوجي الفعلي مشدداً على أنّه لا الآباء ولا المجامع يعطوننا تحديداً كاملاً للكنيسة، لأن خبرة الكنيسة أوسع وأعمق من العقيدة المحددة. الكنيسة هي خليقة جديدة وحقيقة أخروية.

الاعتراف بالإيمان بالكنيسة هو الاعتراف بهذه الخليقة الجديدة غير المنظورة غير المنفصلة عن الكنيسة المنظورة. فالكنيسة المنظورة ومن ضمنها الرئاسات والأسرار هي الإعلان التاريخي لكنيسة اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ“.

يتميّز هذا الإعلان بالوحدة في الحرية والمحبة. يقارن فلوروفسكي بين مثالين من الوحدة التاريخية: الأول هو وحدة الروح وميزته الجرأة الحرّة الشخصية البطولية. والثاني هو محاولة خلق منظمة خالية من الخطأ بشكل سحري تلتزم خارجياً معياراً مجرداً صالحاً عالمياً. تقف وحدة الجنس البشري في الكنيسة في وجه كل البرامج السياسية الكبيرة التي ترنو إلى التغيير الإنساني، التي ما هي سوى خديعة فارغة بمكونات هذا العالم وليست للمسيح.

بالنسبة لفلوروفسكي، إن ترجمة الوحدة المسيحية إلى منظمات سياسية مثل أخوية الشعوبوالسلام الدائم، ليست سوى وهم مروّع وطوباوية غرّقا رجاء الحياة الأبدية وأظهرا بشكل أساسي الطبيعة الدهرية للمثال الديني الاجتماعي. فأهداف هذه المنظمات ما هي إلا محاولات لتنظيم ملكوت الله على الأرض واستباق وقتي لليوم حين سوف يكون الله الكل في الكل. هنا الإسخاتولوجيا تُختَزَل في أنها مرحلة طبيعية من مراحل منطق التطور في التاريخ وتصغير الرجاء المسيحي إلى دائرة العالم المنظور المحدّد بانتظار التحوّل الشامل في المجتمع.

في المقابل يشير فلوروفسكي: “إن الرجاء المسيحي موجّه بالكامل نحو المجيء الثاني“. لا يمكن نشر الإنجيل كقانون لتنظيم المجتمع المثالي. تظهر صورة الله في الشخص وليس في الدولة، دون أن يعني هذا اللامبالاة أو عدم الفعالية في العالم. فالرجاء المسيحي يُعبَّر عنه في محبة القريب، لا كفعل شخصي بل كعمل عام أيضاً. يستلهم الأب فلوروفسكي مثالين هما القديسة يوليانا من دير لازارافو والقديس تيخن الزادونسكي معتبراً إياهما حملة الثقافة الدينية التي هي الشكل الوحيد لحكم الله. فهذه مهمة معيارية من الابداع الشخصي وليست نظاماً تمّ فرضه. الكنيسة الرسولية تتصرّف كمثال لمحبة الأعداء واللطف لا الاضطهاد. هذا ما يميّز الروح الكنسية الأصيلة عن برامج الاستبداد الدينيالسياسي. لكن هذه المحبة تختلف عن محبة الكائنات الحية الطبيعية، إنّها ثمرة الروح التي تشكّل الكائن الإلهي – البشري. وهي ليست طوباوية إذ بترجّي المجيء الثاني اعتراف حادّ بالشر.

تعرف الكنيسة أن أبناءها لا يتصارعون مع لحم بل مع رئاسات وسلاطين لا تستطيع أن تتخيّل الله الكلّ في الكلّ قبل الدينونة. هناك أب حقيقي للكذب سوف يتمّ طرده بشكل نهائي في الأيام الأخيرة، هو يُخرَج اليوم بالصلاة والصوم والأسرار ومحبة الآخرين من دون أنانية، إنها وحدة التضحية على الجلجلة. الكنيسة المنظورة هي بذرة مدينة الله التي تُشَيَّد في التاريخ من خلال الأسرار. يستنتج فلوروفسكي أنّ طريقة التدبير الإلهي لملكوت الله هو في الخدمة الأسرارية لا في السياسات المسيحية.

في كل هذا نجد فلوروفسكي مشيراً إلى الاختلاف بين الكنيسة والعالم، بين النعمة والطبيعة، وعلاقة النعمة بين الناس والله. إن رباطات الدم والثقافة العضوية يجب إلغاؤها وتحويل طبيعتها (transubstantiated) بولادة جديدة ضمن الكنيسة. عجز اللحم والدم عن ميراث الحياة الأبدية ينطبق أيضاً على الثقافة.

يرى فلوروفسكي الهرطقة البيلاجية في التشبيه الشعبي للكنيسة بالأمة، وفي مفهوم التطوّر الطبيعي للثقافة المسيحية. قد يكون لثقافة ما أصول مسيحية لكن يستحيل امتصاص المسيحية في مجرى الدم. إن كنسنة (churching) الثقافة هي أمر لا يتحقق بمبدأ طبيعي، وليس كل مكونات ما يسَمّى بالثقافة المسيحية سوف يكون في الملكوت، بل الكثير منه سوف يكون نصيبه الظلمة البرانية. فالكنيسة هي هدف التظر الاجتماعي ولكن هدف ليس من هذا العالم. فالتمييز بين اليوناني والإسكيثي قد أزيل في المعمودية بينما الاختلاف بين العالم المبارَك في الكنيسة والعالم خارج الكنيسة ما زال موجوداً.

إن فلوروفسكي، برفضه لهذه الغواية الأوراسية تشكّل لديه التمييز الحاسم بين العضويوالتاريخيوالذي طوّره لاحقاً في مقالة عنوانها التطور والتخلّق المتوالي (Epigenesis)” كتبها سنة 1930. إن هذا التمييز هو بداية تكوّن فكر فلوروفسكي الإكليسيولوجي حيث الكنيسة هي كيان إلهي إنساني مركزه المسيح وقادر على توليد الثقافة فقط عندما تتخطّى حقائق العِرق والأمة بأساسها الأسراري ومداها الكوني وتوجهها الأخروي نحو ملكوت الله. إن هذه الرؤية تقلقل كل مخططات الحتمية وتشجّع فلسفة للتاريخ فيها الثقافات تُخلَق بشكل مستمر من خلال النشاط الروحي الحرّ للأشخاص البشريين.

الهرطقة بحسب الأب يوحنا رومانيدس

الهرطقة بحسب الأب يوحنا رومانيدس

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

منذ تأسيس الكنيسة ظهرت هرطقات مختلفة وعالجتها الكنيسة بالشكل المناسب من خلال تقليدها المجمعي. الهرطقة يصوغها شخص واحد أو جماعة من الأشخاص، الذين يروجون لتعاليم مختلفة وهكذا ينشؤون مجموعات هرطوقية، تكون في البداية فاعلة ضمن الكنيسة وفي النهاية تترك الكنيسة وتصير فاعلة خارجها، إضافة إلى أنها تجاهد ضد الإيمان المعلَن.

تتضمّن عبارة هرطقةنظرة منحرفة عن تعليم الدين الرسمي، وتعليم الكنيسة. بتعبير آخر، إنها نوع آخر من التعليم. في رسالته إلى شيوخ أفسس، أشار الرسول بولس إلى الهراطقة الذين سوف ينشأون ضمن الكنيسة: “لأَنِّي أَعْلَمُ هذَا: أَنَّهُ بَعْدَ ذِهَابِي سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لاَ تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّةِ. وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلاَمِيذَ وَرَاءَهُمْ.” (أعمال 29:20-30).

كما يشير أيضاً الرسول بولس إلى الهرطقات التي انتشرت حتّى في كنيسة الفترة الأولى: “لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَكُمْ بِدَعٌ أَيْضًا، لِيَكُونَ الْمُزَكَّوْنَ ظَاهِرِينَ بَيْنَكُمْ.” (1كورنثوس 19:11). إن ظهور الهرطقات يجرّب المسيحيين ويمتحنهم لأنه يكشف ثباتهم.

في رسالة أخرى، يشير الرسول إلى وجوب مواجهة الهرطوقي: “اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ. عَالِمًا أَنَّ مِثْلَ هذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ.” (تيطس 10:3-11).

عالجت الكنيسة الأولى الهرطقات شخصياً كما مجمعياً. جابه الرسول بولس في رسائله الكثير من هذه التعاليم الأخرى، لكن الكنيسة نفسها عقدت مجمع الرسل في أورشليم لتعالج طريقة إدخال اليهود الراغبين بالمعمودية إلى الكنيسة (أعمال 6:15-29). هذا المجمع الرسولي الأول صار نموذجاً لكل المجامع التي تمّ عقدها لاحقاً في الكنيسة

الهرطقة، في علاقتها بالتعليم العقائدي للكنيسة الأرثوذكسية، هي بالعادة تعليم مختلف مجمّع ومُصاغ بعقائد أخرى. لكن، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العقائد (أي التعاليم النظرية) مرتبطة بالحياة والممارسة، تكون الهرطقة مرتبطة بطريقة حياة الذين يبشرون بها. مثلاً، الرأي بأن الكلمة (Logos) هو خليقة الله الآب، يعني أن مَن يعلّم هكذا، لا يملك معرفة روحية حقيقية لله، لأنه لو كان بالحقيقة لاهوتياً، معايناً لله، لكان يعرف أن المسيح كإله هو غير مخلوق، لأن مجد الطبيعة الإلهية غير مخلوق. وعليه، إنه مجرّد متفلسف، منظّر، وليس معايناً لله.

الهرطقة عادةً تحدّ ذاتها بالتعليم النظري، والهرطوقي هو ذلك الذي ينحرف عن العقائد التي ثبتتها الكنيسة. مع ذلك، علينا أن نتفحّص الهرطقة من جهة بعدِها الداخلي؛ لأن، تماماً كما أن العقائد هي تعبير عن الإعلانات والالتزام بالعقائد يقود إلى الاختبار، كذلك الهرطقات هي انحرافات عن الإعلانات وفي الوقت عينه خراب الطريق إلى التألّه. إنها كمثل مستشفى عاجز عن علاج الإنسان.

عندما تواجه الكنيسة هرطقة، المعيار هو أن الهرطقة هي كل ما ينقلب على خبرة العنصرة، حين أعلِن ملء الحقيقة، إنها عندما ينقطع مسار الإنسان نحو التألّه. لهذا السبب تكون الهرطقة خطرة.

إن الانقلاب على خبرة العنصرة يتمّ لأن الهراطقة ينكرون تعليم آباء الكنيسة المستنيرين بالله، أي بالتخلي عن الحقيقة المعلَنة هم يتّكلون بشكل أساسي على منطقهم وتخمينهم.

إنهم يبدلون التقليد، استناداً إلى أشكال منطقية ألّفوها بأنفسهم. إنهم يظهِرون ثقة بمنطقهم الذاتي أكبر من الثقة بخبرة معايني الله، لهذا هم يتصوّرون الأشياء بمنطقهم ويربطونها بالحقيقة العائدة لله. كل الهرطقات مشتقة من نوع الأساس الخاطئ هذا.

هذا يعني أن الهراطقة يتّكلون على فلسفتهم المفعمة بالأفكار والتخمينات والتخيلات، ولا يتّكلون على إعلانات الله. وكونهم يتّكلون على المبادئ الفلسفية هم بالحقيقة ينكرون التعليم الذي يؤدّي إلى معاينة الله.

ليست الأريوسية هرطقة من جانب العلم النظري والتخمينات السيئة وحسب. إنها هرطقة لأنها تسعى إلى هدم التعليم عن التألّه. إنها تعجز عن فهم جوهر التألّه والعلاقات بين المخلوق وغير المخلوق وغيرها. إلى هذا، لا يمكن للهرطقة أن تحوّل العقيدة إلى خبرة لأن عقيدتها تبقى دوماً خبرة سيئة لا يمكن أن تكون خبرة التألّه. وإذا راقب الإنسان كل الهرطقات، سوف يفهم بديهياً أن معايير الهرطقة روحية. الهرطقات هرطقات لأنها لا تقود الإنسان إلى حيث ينبغي. ولا يمكن للهرطقة أن تقود الإنسان إلى الحياة الروحية اللائقة.

تنبع الهرطقة من غياب الطهارة الروحية (κάθαρσης) والاستنارة. عندما لا يكون الإنسان مستنيراً، يكون خطر وقوعه في الهرطقة وشيكاً، لأنه سوف يخلط بين الله وأفكاره الشخصية عن الله.

لا يمكن أن يتوصّل الهرطوقي إلى معرفة الله، لأنه لا يعرف طريقة معرفة الله (Θεογνωσία). لكل علم نظريته التي يثبّتها اختبارياً والتحقق من كل تجربة يقود إلى تلك النظرية نفسها.

لا يملك الهرطوقي طريقة التطهر والاستنارة والتمجيد، ولهذا يستحيل أن يتعلّم الإنسان طريقة التألّه منه. تتألّف الهرطقة من العجز عن التمييز بين قوى المخلوق وغير المخلوق؛ أيضاً، إنها تنبع من نوس مظلِم. ولأن الفكر مظلم يتفكّر الإنسان لاهوتياً بحسب ما يتخيّله وما يعاينه. ومع ذلك، اللاهوت الآبائي ليس من النوع المولع بالتأمّل. الآباء الروحيون لا يخمنون وحسب؛ ولو كانوا كذلك لما كان هناك أي سبب لأي كان لينجو من الشيطان، بينما النجاة من مكايد الشيطان ممكنة.

لا تختص الهرطقة بالأمور العقائدية وحسب، بل أيضاً بالسلوك الروحي. مثلاً، تقسيم الحياة المسيحية إلى نظرية (عقيدة) وتطبيق (نسك) هو وهم. هناك مَن يقبلون العقائد ويرفضون متطلبات العقيدة.

“Empirical Dogmatics of the Orthodox Catholic Church according to the oral lessons of Fr. J. Romanides” – Vol.B

“مجمع” كريت: وقائع الانحراف المتعمّد

مجمعكريت: وقائع الانحراف المتعمّد

الأرشمندريت أثناسيوس أناستاسيو

كتب الأرشمندريت أثناسيوس أناستاسيو مقالةً مطوَلة عنوانها«مجمع» كريت: وقائع الانحراف المتعمّد“. الأرشمندريت أثناسيوس هو رئيس دير الميتيورا الكبير، خرّيج جامعة تسالونيكي، معروف جداً بحضوره الفعّال في الكنيسة وفي تقديم شهادة إيمانية مميزة. له عدد من المقالات والعظات وأعمال أخرى. هو من الذين يرفعون الصوت ضد الخطر المسكوني المعاصر.

الأب بيتر هيرز، مترجم مقدمة الترجمة الإنكليزية، يرى في أن هذه المقالة هي إلى حدٍ بعيد السرد التاريخي الأكثر اكتمالاً والتحليل الروحي لمجريات مجمعكريت. إنها تعطي القارئ نظرة عامة كما ونظرةً داخلية إلى كل الأحداث المؤدية إلى المجمعوما جرى خلاله، مع التركيز على انخراط كنيسة اليونان.

تبدأ الرسالة بتسليط الضوء على دور الشعب في الحفاظ على الإيمان، لأنه يرى أن الشعب كان مغيّباً عن التحضير لهذا «المجمع». ولتسليط الضوء على دور الشعب هذا يستشهد بعدد من القديسين ومن الآباء واللاهوتيين المعاصرين. فبرأيه أن منظمي هذا المجمع لم يلتزموا تقليد الكنيسة وحوّلوا المجمع إلى مؤسسة مستقلّة محورها الأسقف بما يتوازى مع البنى الكاثوليكية، وهنا الخطر من إيجاد أولّ من دون مساوين في الشرق الأرثوذكسي ويصير المجمع معصوماً في قراراته.

من ثمّ ينتقل إلى وصف التقنيات التي اتبعها المنظمون إذ تجاهلوا الشعب، الكهنة، الرهبان وغالبية الأساقفة ويورد شهادات عن تعرض بعض المعارضين للقذف والترهيب والهزء على يد المجموعة المنظّمة بهدف تمرير أمور لا تتفق مع الروح (Ethos) والتقليد الأرثوذكسيين. ويلاحظ أن هؤلاء الأشخاص أنفسهم، من أساقفة وكهنة وأكاديميين ولاهوتيين، هم دائماً المنتَقون ممثلين للكنائس في الحوارات اللاهوتية ومؤتمرات كافة الأرثوذكس. وأيضاً على القنوات الإعلامية هم الضيوف ومديرو صفحات الإنترنت، المشجعون الذين يغطّون المؤتمرات والندوات والمنتديات العالمية وعلى الإنترنت بمداخلات ومساهمات ومقالات.”

ويستنتج الأب أثناسيوس أن المجمع هو نشاط مسكوني بامتياز وأن كل ما يطال فيه الأرثوذكس هو لتهيئة الجو المسكوني المناسب لقبول الأرثوذكس بما قبل به الكاثوليك في الفاتيكان الثاني. وهو يقيم موازاة مطوّلة بين المجمعين. وهنا يسرد مطولاً تاريخ تسرب الفكر المسكوني إلى الأرثوذكس منذ بداية القرن العشرين حتى قيام هذا المجمع، محدداً الأحداث والأشخاص والتواريخ.

ومن الأخطار المحدقة الناتجة عن مجمع كريت هي بث إكليسيولوجيا جديدة قوامها كل ما سبق الترويج له من نظريات الفروع، واللاهوت التعميدي من نتاجات المسكونية بعد الفاتيكان الثاني. ويتوقّف عند عدد من التصريحات لداعمي المجمع حيث يصفون المعترضين على التقارب مع الكاثوليك بالهراطقة ومعتبرين أن على المجمع في كريت معالجة هرطقة التعصب.

يتوقف الأب أثناسيوس عند موقف الجبل المقدّس وكنيسة اليونان، حيث يرى أنهما تعرّضا لنوع من الابتزاز بهدف الإسكات. كما يتوقف عند الخلل الذي أصاب مجمع كنيسة اليونان جراء تصرّف وفدها في المجمع بغير ما أوكِل إليه.

ختاماً في تقييمه للمجمع يرى أن «مجمع» كريت فشل في إظهار وحدة الأرثوذكسيين وإثباتها، كما ادُّعي أنه سوف يكون، بل على العكس أدخل الأرثوذكسيين في تجربة مؤلِمةزاد الانقسامات والمعارضات والتنافسات والعداوات. ألعاب الرؤساء السياسية، حتّى من دون أن تؤدّي إلى أي انتصار واضح، سببت ضرراً مدمّراً في الكنيسة الأرثوذكسيةإن غياب أربع بطريركيات تمثّل أكثر من نصف الأرثوذكسيين في كل أنحاء العالم، ألحقت جرحاً قاتلاً بصورة الوحدة وبالمجمع بشكل عام.”

كما أنه يطرح عدداً من الأسئلة التي تسلّط الضوء على دور البطريرك المسكوني في الإصرار على عقد المجمع بالرغم من غياب عدد كبير من الكنائس واعتراض غيرها. ويستنتج أن هذا «المجلس» باطل وقراراته لا سلطة ملزِمة لها على المؤمنين. لهذا السبب، ضمير مؤمني الكنيسة اليقظ رفض قبول أعمال هذا المجمع“. لقد أبطل هذه الأعمال بالممارسة.”

عند قراءة هذه الدراسة، يجد المؤمن الكثير من النقاط التي تنطبق على وضع كل الكنائس الأرثوذكسية، وتحديداً الكنيسة الأرثوذكسية الناطقة بالعربية، سواء لجهة تغييب الشعب واختيار الممثلين في المحافل الخارجية، والأهم هو في كيفية تسلل الفكر المسكوني إلى الكنيسة وتكوّنه وتقدّمه على الفكر التقليدي، وأدوار بعض الأشخاص والأحداث الذين قد يبدون طارئين على تسلسل التاريخ الأنطاكي فيما هم بالواقع مساهمين فاعلين.

دور الشعب في الكنيسة الأرثوذكسية

دور الشعب في الكنيسة الأرثوذكسية

إعداد الأب أنطوان ملكي

من تداعيات مجمع كريت فتح نقاشات مهمّة داخل الكنيسة الأرثوذكسية. من أهمها مناقشة دور الشعب في الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي، وطريقة تعاطيه مع الرئاسات حين تغيّبُه أو تعطي نفسها تكليفاً مختلفاً عمّا يحدده التقليد الأرثوذكسي.

في تاريخ الكنيسة عبر الأجيال، كان شعب الله المؤمن حارس حقيقة الإيمان الأرثوذكسي وبطلها؛ فهو الحكم النهائي على صحّة وشرعية قرارات أي مجمع. إن الشعب بضميره الكنسي والعقائدي الساهر هو مَن يوافق أو يرفض ما يقدمه أيّ مجمع، خاصةً من الناحية العقائدية، لا التنظيمية.

يذكر القديس ثيوذوروس الستوديتي بوضوح إنها وصية من الله بأن لا نصمت عندما يكون الإيمان في خطر… عندما يتعلّق الأمر بالإيمان، لا يمكننا أن نقول «مَن أنا؟ أكاهن؟ لا. أرَجل نبيل؟ لا. أقائد؟ لا. من أين؟ مزارع؟ ولا حتى هذا. أنا رجل فقير، أسعى لتأمين خبزي اليومي. أنا غير متعلّم ولا أهتمّ بهذا الأمرالويل لك! الحجارة سوف تبكي وأنت سوف تبقى صامتاً وغير مبالٍ؟ حتّى الرجل الفقير لن يجد مبرراً في يوم الدينونة إن لم يحكِ الآن، لأنّه سوف يُحاسَب حتّى ولو على هذه فقط“.[1]

في ما يتعلّق بشهادة الرهبان بشكل خاص في شؤون الإيمان، يشدد الطيب الذكر الشيخ جورج كابسانيس، على أنه عندما يكون الإيمان في خطر، فإن المتعلمين من الرهبان، وخاصةً أولئك الذين أوكِلَت إليهم مهمة رعاية آخرين، من أجل القيادة الصحيحة لمَن حياتهم الروحية في عهدتهم، كما من أجل عقائد التقوى الحقيقية، عليهم مسؤولية أن يتكلّموا، لا لكي يعلّموا الكنيسة بل ليعترفوا بالإيمان بما يوافق وصية السيّد: «كُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (متى 32:10). إن الاعتراف بالمسيح ليس عمل خدمة بل تعبير عن الحياة. لا يقول المسيح كلّ مَن يعترف ليبل كلّ مَن يعترف بي“. إن الاعتراف بالمسيح هو تعبير عن الشركة مع المسيح، عن الحياة في المسيح. والرهبان الذين يحيون في المسيح يعترفون ويعلّمون المسيحيين بهذه الطريقة. إنهم يقومون بذلك بتواضع، لا لكي يعلّموا، بل لكي يقدّموا اعترافاً. هذا تقليد ثابت تاريخياً في الرهبنة الأرثوذكسية“. [2]

بحسب أستاذ اللاهوت العقائدي ديمتريوس تسالانغيدس يوجد تمييز واضح بين الكنيسة بذاتها، كجسد المسيح الإلهي الإنساني السري، وإدارة الكنيسة التي تعبّر بشكل حقيقي وصحيح عن الكنيسة في ظروف محددة وواضحة فقط” [3].

كما يلاحظ الأب جورج فلوروفسكي، لم يتلقَّ الأسقف كامل سلطة التعليم من شعبه بل من المسيح عِبر التسلسل الرسولي. لكن هذه السلطة المُعطاة له هي قدرته على حمل الشهادة لخبرة الكنيسة الجامعة. إنها مقيّدة بخبرته. بالتالي، في مسائل متعلّقة بالإيمان، على الشعب أن يحكم على تعليمه. إن واجب الطاعة يكفّ عن الإلزام عندما يحيد الأسقف عن المعيار الجامع وفي هذه الحالات للشعب الحق بإدانته وحتّى عزله” [4].

ويشدد اللاهوتي الكبير نفسه أيضاً: “على الأسقف أن يتبنّى في داخله الكنيسة كلها؛ عليه أن يعبّر عن خبرتها وإيمانها ويظهرهما. لا ينبغي عليه أن يحكي عن ذاته، بل بما توافق عليه الكنيسة وعنه.” ويستنتج أنّ لكل جسم الكنيسة الحقّ في التحقق. أو بتعبير أكثر دقة، لكل جسم الكنيسة لا الحق فقط بل عليه واجب «التصديق». وعلى هذا الأساس، كتب بطاركة الشرق في رسالتهم الشهيرة سنة 1848 أنّ «حامي الدين هو… حتّى الشعب نفسه»” [4].

سيادة الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس يحدد بوضوحٍ مطلَق الخطوطَ العريضة لدور المؤمنين من العلمانيين في مجامع الكنيسة: “… والمؤمنون من العلمانيين هو شهود للحقيقة، إنهم رعاة (بطريقة غير مباشرة) لشعب الله. إنهم عاملون مشاركون للرعاة. حتّى أنهم يشاركون كمستشارين في المجامع المسكونيةوفوق هذا يقبلون أو يرفضون قرارات المجامع المسكونية. الشعب (كهنة وعلمانيون) لم يقبلوا وحدة <الكنائس> التي تمّت في فيريرافلورنسا” [5].

القديس يوحنا الذهبي الفم يستعرض بوضوح مطلَق حدود طاعة المؤمنين ﻷساقفتهم حين يتكلّمون أو يعملون على عكس إيماننا: “لماذا إذاً يقول بولس «أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا»؟ وقد سبق له أن قال: «الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ»، ومن ثمّ «أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا». إذاً ماذا، إذا كان شريراً فهل علينا أن نطيع؟ شرير؟ بأي معنى؟ إن كان بالحقيقة من جهة الإيمان، فابتعدوا عنه واجتنبوه؛ ليس إن كان رجلاً، بل حتى ولو كان ملاكاً نازلاً من السماء؛ لكن من جهة الحياة، لا تكونوا مفرطين بالفضولية… إلى هذا لا تدينوا كي لا تُدانوا في ما يخص الحياة، لا الإيمان. أترون أن الحديث ليس عن العقائد بل عن الحياة والأعمال؟” [6]

والذهبي الفم الإلهي، في وقت آخر، مشيراً إلى الانقسامات البشريةبين أعضاء الجسم الكنسي إلى قطعان ورعاةيلاحظ أن تمييز الحمل عن الرعاة هو بشري، أمام المسيح الكل قطيع، الرعاة والمرعيين، الكل يرعاهم راعٍ واحد سامٍ.” [6]

والشيخ جورج كابسانيس الطيب الذكر، في كتابة عن الموضوع نفسه يقول: “حين يتعلّق الأمر بالإدارة والتعليم، فإن مشاركة الشعب أساسية، لأن الشعب هو حامل الروح والله يعلمه. إنه يشكّل، إلى جانب الكهنة، الضمير الساهر للكنيسة الذي يشهد (يحكم، يميّز، يوافق ويقبل، أو يدين ويرفض) تعليم الرؤساء وأعمالهم بحسب ما ذكر بطاركة الشرق في رسالتهم في السادس من أيار 1848.”[7]

المراجع

[1] St. Theodore the Studite, Epistle 81, Philokalia 18G, p. 77, in Archimandrite Athanasios Anastasiou, The “Council” of Crete: The Chronicle of a Premeditated Deviation, http://www.pravoslavie.ru/authors/5015.htm

[2] Arch. George Kapsanis, Abbot of Holy Monastery of Grigoriou on Mt. Athos, Interview in Orthodoxos Typos, 14 March 1997.

[3] Demetrios Tselengidis, Letter to the Synod of the Church of Greece, www.pravoslavie.ru/90812.html

[4] Fr. George Florovsky, The Catholicity of the Church, in “BIBLE, CHURCH, TRADITION: AN EASTERN ORTHODOX VIEW”, VOLUME ONE, the Collected Works of GEORGES FLOROVSKY, p. 37-56.

[5] Metropolitan Hierotheos of Nafpaktos, Anatolika, Ανατολικά, Ιερά Μονή Γενεθλίου της Θεοτόκου (Πελαγίας), 1993, p. 94

[6] St. John Chrysostom, Homily 34 on Hebrews 13:17. http://www.newadvent.org/fathers/240234.htm

[7] Arch. George Kapsanis, Ποιμαντική Υπηρεσία Σύμφωνα με τους Ιερούς Κανόνες, Πειραιά, 1976, p. 110-112