السنة الرابعة عشرة، العدد التاسع، حزيران 2018

السنة الرابعة عشرة، العدد التاسع، حزيران 2018

مختارات آبائية

مختارات من أقوال آباء أوبتينا

القديس لوقا الجرّاح رئيس أساقفة سيمفروبول، حول العلم والدين

حياة روحية

المتقدم في الكهنة أندرو ليميشونوك، ما هو اللقاء مع الله وكيف يحدث؟

آريك هايد، اسأل الله أن يزيد يقظتك لا إيمانك

المتقدم في الكهنة نيقولاوس لودوفيكوس، نضع التلفيقات في مكان الله

لاهوت

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، الكنيسة كمركز علاجي: مرض الروح

عظة

الأرشمندريت بولس شاراباشيف، روح العالم

رعائيات

الأب أفيانيوس تاناسوسكو، فخور لكونه خاطئا

تاريخ

الأب أنطوان ملكي، أزمة أوكرانيا وحال الأرثوذكسية في العالم

مختارات من أقوال آباء أوبتينا

مختارات من أقوال آباء أوبتينا

القديس موسى الأوبتيني

  • إذا أظهرتَ الرحمة لشخص ما ، فسوف تَظهَر لك الرحمة.

  • إذا كنت تبدي التعاطف مع مَن يعاني (وهذا بالطبع ليس عملاً عظيماً) فسوف تُحصى بين الشهداء.

  • إذا كنت تغفر لشخص أهانَك، فلن تُغفَر لك كل ذنوبك وحسب، بل ستكون ابنًا للآب السماوي.

  • إذا صليّتَ من كلّ قلبِك للخلاص حتى ولو قليلاً – ستخلُص.

  • إذا كنت توبّخ نفسك وتتهِمُها وتقاضي ذاتك أمام الله على ذنوبك بضميرٍ حساس، فسوف تتبرر حتى بهذه.

  • إذا كنت تحزن لخطاياك، أو تبكي أو تتنهّد، فلن يخفى عليه تأوهك، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إذا كنت تندب ذنوبك وحسب، فهو يتقبّل هذا لخلاصِك“.

  • يجب أن تحمل عيوب أخيك الروحية بكل سرور ودون انزعاج. إذ عندما يكون شخصٌ ما مريضًا جسديًا ، فنحن لا ننزعج منه وحسب، بل نكون نموذجيين في رعايتنا له، علينا أن نقدّم مثالاً في حالات المرض الروحي“.

القديس مكاريوس الأوبتيني

  • الويل لزماننا: نحن الآن نبتعد عن الطريق الضيق المحزن المؤدي إلى الحياة الأبدية ونسعى إلى طريق سعيد هادئ. لكن الرب الرحيم يقود العديد من الناس من هذا الطريق، ضد إرادتهم، ويضعهم على الطريق المحزِن. بالأحزان والأمراض غير المرغوب فيها نقترب أكثر من الرب، لأنها تذلّنا بالإكراه، والتواضع عندما نكتسبه يمكن أن يخلّصنا حتى بدون أعمال، بحسب القديس إسحق السوري.

  • إن للأفكار التي تنكّد علينا وتزعجنا العديد من الامتيازات: إن الاستفزاز الأفكار أو هجومها ليس خطيئة بل هو اختبار لإرادتنا الحرة ولميلها، إلى الفكر أو لمعارضته. ومع ذلك، وجود توافق وشراكة مع هذه الأهواء يُعتَبَر خطيئة وهناك حاجة للتوبة. مَن لا يملك القوة بذاته لمعارضة الأفكار، يجب أن يسرع إلى الله، يلقي عجزه ويلتمس معونته ومساعدة والدة الإله. عندما ينغلب شخص ما أمام الأفكار، فهذا يدلّ على أن الكبرياء قد سبقها وبالتالي عليه أن يكون أكثر تواضعاً.

  • فيما يتعلق بالصلاة في الكنيسة، أعلمْ أنها أسمى من الصلوات في البيت، لأنها مجموعة كاملة من الناس ترفَعها، وبينها العديد من الصلوات الفائقة النقاوة، وتُقَدَّم إلى الله من قلوب متواضعة يقبلها كالبخور الزكي. ومع هذه الصلوات تُقبَل صلواتنا بالرغم من أنها ضعيفة وعديمة القيمة.

  • تجنّب صنع الأصنام سواء من الأشياء أو من العادات.

حول العلم والدين

حول العلم والدين

القديس لوقا الجرّاح رئيس أساقفة سيمفروبول

عندما ندرس العلوم المعاصرة كما طوّرها علماء مثل لامارك و داروين، فإننا نرى التناقض لا بل الخلاف التام القائم بين العلم والدين، حول موضوعات تتعلّق بالمشاكل الأساسية للوجود والمعرفة. لهذا، لا يمكن للعقل المتنوّر أن يقبل في آن واحد هذا وذاك بل عليه أن يختار بين الدين والعلم”.

هذه الكلمات كتبها عالم الحيوان الألماني المعروف إرنست هاكل [Haeckel] (1834-1919) الذي كان من أتباع داروين المميزين، قبل 65 عاماً في كتابه لغز الكونالذي حقق نجاحاً كبيراً على ما يبدو وأثبت سخافة الإيمان. وعليه، يقول هاكل أن على كل رجل متنوّر أن يختار بين العلم والدين ويجب أن يتبع إما هذا أو ذاك. واعتبر من الضروري أن ينكر الرجال المتنوّرون الدين لأن الإنسان المنطقي لا يستطيع إنكار العلم.

أحقاً هذا ضروري؟ لا على الإطلاق، لأننا نعلم أن العديد من العلماء العظام كانوا في نفس الوقت مؤمنين عظماء. على سبيل المثال، هكذا كان عالم الفلك البولندي كوبرنيكوس الذي وضع أساس كل علم الفلك المعاصر. لم يكن كوبرنيكوس مؤمناً فحسب، بل كان أيضاً رجل دين. عالم عظيم آخر هو نيوتن الذي كان كلّما ذكر كلمة الله أزال قبعته. لقد كان مؤمنًا عظيمًا. عالم بكتيريات عظيم في عصرنا ولا بل هو تقريباً باستور معاصر، وهو الذي وضع أساس علم الجراثيم المعاصر، كان يبدأ كل عمل علمي بصلاة إلى الله. قبل عشر سنوات، توفي مواطننا عالم الفيزياء بافلوف الذي كان عالماً عظيماً ومبتكر الفيزيولوجيا الجديدة للدماغ. هو أيضا كان مؤمنًا عظيمًا. هل يجرؤ هاكل على القول إن هؤلاء الرجال ليس لديهم عقول مستنيرة لأنهم يؤمنون بالله؟

ماذا إذاً الآن؟ لماذا حتّى اليوم يوجد بعض العلماء وهم أساتذة في الجامعات وأعرف بعضهم شخصياً ومؤمنين عظيمين؟ لماذا لا ينكر جميع العلماء الدين بل فقط أولئك الذين يفكرون مثل هاكل؟ لأن هؤلاء يؤمنون فقط بالمادة وينكرون العالم الروحي، فهم لا يؤمنون بالحياة بعد الموت، ولا يقبلون خلود الروح وبالطبع لا يقبلون قيامة الأموات. يقولون أن العلم قادر على كل شيء، وأنه لا أسرار في الطبيعة لا يستطيع العلم اكتشافها. بماذا يمكننا أن نجيبهم؟

علينا أن نجيب بهذه الطريقة. أنتم محقّون تماماً. لا يمكننا حدّ العقل البشري الذي يبحث في الطبيعة. نحن نعلم اليوم أن العلم لا يعرف سوى جزءاً من الأشياء التي لدينا في الطبيعة. نحن ندرك أيضًا أن إمكانات العلم عظيمة. في هذا هم على حق ونحن لا نشكّ في ذلك. إذاً بماذا نشكّ؟ لماذا لا ننكر الدين مثلهم ونعتبره مخالفاً للمعرفة العلمية؟

لأننا نعتقد بإخلاص ومن كل قلبنا بأنه يوجد عالم روحي. نحن على يقين من أنه غير العالم المادي، هناك عالم روحي غير متناهٍ ومتفوق بشكل لا مثيل له. نحن نؤمن بوجود كائنات روحية تفوق البشر ذكاءً. نحن نؤمن بإخلاص أنّ فوق هذا العالم الروحي والمادي يوجد الله العظيم القدير.

ما نشكّ فيه هو حق العلم في البحث في العالم الروحي مستعملاً طرقه. لأنه لا يمكن دراسة العالم الروحي باستخدام الطرق المستخدمة للبحث في العالم المادي. مثل هذه الطرق غير ملائمة أبداً للبحث في العالم الروحي.

كيف نعرف أن هناك عالم روحي؟ من أخبرنا أنه موجود؟ إذا طلب منا أشخاص لا يؤمنون بالوحي الإلهي، فعلينا أن نجيبهم بالتالي: “يخبرنا قلبنا“. هناك طريقتان ليعرف الإنسان شيئًا ما، الأولى هي التي يذكرها هاكل، ويستخدمها العلم لدرس العالم المادي. وهناك طريقة أخرى لا يعرفها العلم، ولا يرغب بمعرفتها. إنها المعرفة من خلال القلب. قلبنا ليس الجهاز المركزي في نظام الدورة الدموية وحسب، بل هو جهاز به نعرف العالم الآخر ونحصل على أرفع معرفة. إنه العضو الذي يمنحنا القدرة على التواصل مع الله والعالم الأعلى. في هذه فقط نختلف مع العلم.

وإذ نشيد بالنجاحات العظيمة والإنجازات التي حققها العلم، فإننا لا نشكك على الإطلاق في أهميتها العظيمة ولا نقيّد المعرفة العلمية. نحن نقول للعلماء فقط: “أنتم لا تستطيعون أن تبحثوا بطرقكم في العالم الروحي، بينما نحن نستطيع بقلبنا“.

هناك العديد من الظواهر غير المفسّرة وتتعلّق بالعالم الروحي وهي حقيقية (كما هو بعض أنواع الظواهر المادية). فبالتالي هناك ظواهر لن يكون العلم قادراً على تفسيرها أبداً لأنه لا يستخدم الأساليب المناسبة.

فلتشرح العلوم كيف ظهرت النبؤات عن قدوم المسيح والتي تحققت جميعًا. أيستطيع العلم أن يخبرنا كيف أن النبي العظيم إشعياء، قبل حوالي 700 سنة من ميلاد المسيح، تنبأ بأهم الأحداث في حياة يسوع والتي بسببها سمّي إنجيلي العهد القديم؟ أتستطيع العلوم أن تفسّر النعمة النبوية التي يمتلكها القديسون وتخبرنا بأي طرق فيزيائية ورث القديسون هذه النعمة، وكيف استطاعوا أن يفهموا القلب ويقرؤوا أفكار الشخص من أول لقاء به؟ كانوا ما أن يروا الإنسان للمرة الأولى حتى ينادونه باسمه. ومن دون انتظار لأن يسأل الزائر كانوا يجيبون عمّا يزعجه.

إن استطاعوا فليشرحوا لنا. دعوهم يشرحون بأي طريقة تنبأ القديسون عن الأحداث التاريخية العظيمة التي تحققت بدقة كما تنبؤوا. فليشرحوا الزيارات من العالم الآخر وظهور الموتى للأحياء.

لن يستطيعوا أن يشرحوا ذلك لنا أبداً لأنهم بعيدون جداً عن أساس الدين أي الإيمان. إذا قرأتم كتب العلماء الذين يحاولون إعادة بناء الدين سترون كيف أنهم ينظرون بشكل سطحي إلى الأشياء. إنهم لا يفهمون جوهر الدين ومع ذلك هم ينتقدونه. إن انتقاداتهم لا تمس جوهر الإيمان لأنهم عاجزون عن فهم أنواع الشعور الديني والتعبيرات عنه. جوهر الدين هم لا يفهمونه. لماذا؟ لأن الرب يسوع المسيح يقول: ” لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي” (يوحنا 6: 44).

لذلك من الضروري أن نصير مشدودين إلى الآب السماوي، ومن الضروري أن تنير نعمة الروح القدس قلوبنا وعقلنا. ليسكن في قلوبنا وعقلنا من خلال هذه الاستنارة، الروح القدسُ ومعه الذين استحقوا موهبة الروح القدس الذين يعيش في قلبهم المسيح وأبوه وهم يعرفون جوهر الإيمان. لا يستطيع الآخرون، أولئك الذين خارج الإيمان، أن يفهموا أي شيء.

لِنسمع نقد الفيلسوف الفرنسي إميل بوتروكس (1845-1921) لهاكل: “إن انتقادات هاكل تطال الأساليب أكثر مما تطال الجوهر، فهو يلاحظ الطرق برأي مادي ضيق لا يستطيع المتدينون قبوله. لهذا لا يُشار إلى نقد هاكل للدين ولا حتى في أي من المبادئ التي تشكّل الدين“.

هذا هو رأينا بكتاب هاكل لغز الكونالذي يعتبره جميع الذين ينتقدون الدين حتى اليوم الكتاب المقدسفي إنكارهم للدين واعتبارهم إياه مخالفاً للعلوم. أترون الحجج الفقيرة التي لا طعم لها التي يستخدمونها؟ لا تغتاظوا عند سماع ما يقولونه عن الدين، لأنهم هم أنفسهم لا يستطيعون فهمَ جوهرِه. إن الذين علاقتهم بالعلم ضعيفة ولا يعرفون الكثير عن الفلسفة، يتذكرون دائماً البدايات البسيطة التي كانت معروفة لدى المسيحيين الأوائل. إنهم يعتبرون الشخص الذين يعرف كل العلوم دون أن يعرف الله فقيراً. من ناحية أخرى، انهم يعتبرون أن الشخص الذي يعرف الله مبارَكاً حتى لو لم يكن يعرف شيئاً عن الأشياء الدنيوية.

احفظوا هذه الحقيقة مثل أفضل كنز في القلب، سيروا باستقامة دون أن تنظروا إلى اليمين أو اليسار. لا نعبأنّ بما نسمعه ضد الدين، ونفقد اتزاننا. لنتمسكّنّ بإيماننا الذي هو الحقيقة الخالدة التي لا نزاع فيها. آمين.

ما هو اللقاء مع الله وكيف يحدث؟

ما هو اللقاء مع الله وكيف يحدث؟

المتقدم في الكهنة أندرو ليميشونوك*

عندما تلمس نعمة الرب شخصاً وهو يفهم أن هذا لقاءه الشخصي مع الله، فمن المستحيل التعبير بكلمات عما يدور في نفسه في هذه اللحظة. هذا الحدث يتخطى كل شعور بشري.

في الكنيسة، يمنحنا الرب فرصة أن نصبح جزءًا من حياة جديدة الحياة الأبدية من خلال كلمته، ومن خلال الخدم الإلهية ومن خلال التراتيل. كل ما نسمعه ونراه في الكنيسة، كل ما نشارك فيه كل ذلك يشكل اجتماعنا مع الله. المناولة المقدسة هي اللقاء مع الله. هنا الجسم والدم. شاركوا!

هذا هو مفتاحنا للنصر. هذا هو أملي في أنني في يوم من الأيام سوف أقول لاللخطيئة في حياتي وأتوب. وأنا لن أقول ذلك وحسب بل سوف أتغيّر.

عندما يكون إيماننا المسيحي خارجيًا، نكون هادئين: نجد بعض الكلمات، كمثل كلمات حكمة من كاهن ما تدعمنا ونشعر أنها مهمة بالنسبة لنالكن هذا لا يكفي. يجب أن نجد كلمة تدخل قلبنا. يجب أن يتمّ هذا اللقاء، ومن ثمّ لن نكون قادرين على الخطيئة إذ سيكون ذلك مستحيلاً بالنسبة لنا. يجب أن تتغير عقولنا وتصورُنا لحياتنا والعالم كله بشكل عام.

يقرر شخص ما أن يكرّس حياته لله ويذهب إلى الدير. هذا يكون خياره. فيشكّك شخص آخرشخص ما يربّي عائلة، في حين أن آخراً يكون غير متأكد بعد مما يريد. لماذا يفضّل الناس عدم تسجيل زواجهم هذه الأيام؟ يمكننا القول بأنهم لا يرغبون في أن يكونوا مسؤولين عن أي شيء. انهم لا يريدون أي مسؤولية. في الوقت نفسه، لا يعتقد الناس أنهم يستطيعون أن يحبّوا شخصاً ما طوال حياتهم. إنهم لا يؤمنون بقدرتهم، ولا يعتقدون أن بإمكان الإنسان أن يكرّس حياته بالكامل لشخص آخر. ماذا لو لم يكن هذا الشخص هو المناسب لي؟ ماذا لو حدث شيء ما، وصرت وحدي؟ هذا هو التقلّب والشكّ اللذين يعيش فيهما الإنسان الخاطئ، الذي ليس عنده ركيزة أو أساس إيماني يمكن أن يبني حياته عليهما. لا يستطيع المرء بناء أي شيء على الرمال لأن البناء على ما ليس مستقراً يسقط

يعدّنا الله لهذا اللقاء. بالنسبة للكثيرين منا، هذا سيحدث في آخر لحظة من حياتنا. لسوء الحظ، نحن نعرف ما يمكن أن يحدث للأشخاص الذين لا يعرفون الله: في اللحظة التي يكونون فيها قادرين في النهاية على رؤية العالم الروحي، يرون الشياطين بدلاً من الله. يكون الإنسان خائفاً لأنه لا يعرف ما يتوقع كونه لا خبرة عنده بالتواصل مع الله. هذا مريع. إنه المرحلة الأخيرة من الحياة، والتي يمكن أن تؤدي إلى الخوف الأبدي. وهذا مختلف تمامًا عما يحدث لمَن قضى حياته في الإيمان! هو أيضاً يرى شيئًا ولكن يكون في عينيه أمل وليس خوف. هذا لا يكون خائفاً لأنه يثق بالله. ثم في النهاية، يتمّ لقاؤه مع الله، بداية حياة جديدة ، حياة أبدية عندما تشهد ذلك تشعر بأنك جزء من سر الحياة الأبدية.

* المتقدم في الكهنة أندرو ليميشونوك هو الأب الروحي لدير القديس أليزابيت الدوقة في مينسك، روسيا البيضاء. المقتطف المترجَم هنا هو جزء من عظة له.

اسألْ الله أن يزيد يقظتَك لا إيمانَك

اسألْ الله أن يزيد يقظتَك لا إيمانَك*

آريك هايد**

الكثير من المسيحيين يريدون أن يزيدوا إيمانهم. ولما لا؟ هذا يبدو طبيعياً وحسب. لكن، ألم يقرأوا أنّ المسيح وبّخ تلاميذه لأنهم طلبوا إليه ان يزيد إيمانهم؟ إنه المقطع حيث يخبرهم أن إيماناً بقدر حبّة خردل يكفي، وما يحتاجونه هو أن يزيدوا طاعتهم واتضاعهم (لوقا 5:17-10).

يبدو العديد من المسيحيين مهووسين بشكل إيجابي بزيادة إيمانهم، متخيلين أن كل نقص عندهم وأنّ انهزامهم وانعدام أمنهم ومرضهم ومعاناتهم وما إلى ذلك يرجع إلى افتقارهم إلى الإيمان وبالتالي فإن المزيد من الإيمان يمنحهم القوة على هذه الأمور.

أعتقد أنهم على حق بشكل جزئي فقط. صحيح أنهم يفتقدون الإيمان (وربما حتّى الإيمان الذي بحجم حبّة الخردل)، لكنهم مخطئون في تحديد سبب افتقارهم إليه. إنهم يفتقرون إلى الإيمان لأنهم يعاملون الإيمان كمفهوم وليس كصيغة للوجود. إنهم يفتقرون إلى الإيمان للأسباب التي ذكرها المسيح في الكتاب المقدس على وجه التحديد: بسبب الافتقار إلى الطاعة والتواضع أي أعمال الإيمان. لكن الإصلاح الوحيد لهؤلاء ليس مزيدًا من التركيز على الإيمان بل المزيد من التركيز على اليقظة.

في كل أجزاء الكتاب المقدس هناك تعليم عن اليقظة كما عبر المسيحية التاريخية عند القديسين والنسّاك. في الفيلوكاليا (وهو كتاب من اربع مجلدات يحتوي على كتابات الرهبان المسيحيين الأرثوذكس والنساك من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر) تُفهم اليقظة على أنها حرفياً عكس الثمالة. إنها الرصانة والانتباه والسهر بورع. إنها فعل مراقبة الأفكار الداخلية وأوهام التفاهة، إنها حفظ النفس المستمر. اليقظة تجعل عمل الصلاة المستمرة ممكناً، وتغلّف مجموعة الفضائل كاملة بما فيها نقاء القلب والسكون.

باختصار ، اليقظة هي الإيمان عاملاً. لا حاجة لمراقبة مستوى الإيمان طوال اليوم وكل يوم، وببساطة متى انخرط الإنسان في اليقظة يتحقق هدف الإيمان. وكما ذكرنا أعلاه، الإيمان ليس مفهوماً عقلياً بل هو نمط وجود. في الإيمان يكون الإنسان على غرار ما يكون في المحبة. لا يمكن أن يتمّ الإيمان إلا من الداخل؛ لا يلاحظ المرء الإيمان من الخارج ويتصوّر عقلياً كيف يعمل. الإيمان سفينة محطمة إذا كان فقط في الدماغ.

وبما أن الإيمان ليس بناءً فكريًا، فلا جدوى من التفكير في أن المرء يقترب من الإيمان بمجرد التفكير فيه. لقد رأيت الكثير من الناس يصابون بالعصبية ﻷن زيادة إيمانهم استحوذت عليهم. كل ما يمكننا فعله هو زيادة يقظتنا، وبهذا نلبّي دعوة الإيمان.

* اليقظة هي أحد أهمّ المواضيع التي يتناولها اﻵباء النسّاك، حتى أن أهمّ الكتب التي تجمع تعاليمهم، أي الفيلوكاليا، اسمه الكامل فيلوكاليا اﻵباء اليقظين“. اليقظة باليونانية نيبسيس” (nepsis). وقد عرف تراثنا العربي هذه الكلمة منذ زمن طويل، حيث ترِد في نصوص قداس الذهبي الفم الإلهي يقظة النفس ومغفرة الخطايا“. أمّا ترجمات اﻵباء في العربية فجميعها ترجمت نيبسيس إلى اليقظة. فالبطريرك الياس الرابع الذي ترجم كتابات مرقس الناسك ودير الحرف الذي ترجم القديس يوحنا السلمي، والأسقف استفانس حداد الذي ترجم القديس دوروثاوس غزة، والأب منيف حمصي الذي ترجم أكثر من كتاب ومنها اليقظة والصلاةحيث أفرد فصلاً طويلاً لتحديد اليقظة، جميعهم ترجموا νίψις إلى اليقظة.

مؤخّراً استُعملَت عبارة النباهةبدلاً من اليقظة. فكتاب خدمة الكهنة الصادر عام 2000 عن دير الحميراء يذكر نباهة النفس ومغفرة الخطايا، وكتاب الفيلوكاليا الصادر مؤخراً عن تعاونية النور أيضاً معنون فيلوكاليا اﻵباء النبهاء“.

إن النباهة في قاموس المعجم الوسيط هي الشَّرَفُ أو الشُّهْرَةُ أو الفِطنةُ. لمَ قد يحكي اﻵباء عن الشهرة وهم قد هربوا منها؟ أمّا الفطنة فلها عدّة معانٍ لا تنطبق جميعها: البصيرة، حدة الذكاء والتمييز. فالبَصِيرَة باليونانية “οξύνοια”، وحِدّة الذكاء هي “οξύτητα”، والتمييز هي “διάκριση” ويستفيض اﻵباء، بخاصة القديس يوحنا السلمي، بالتعليم عنها. يبقى أن المعنى الأرجح للنباهة هو الشرف. هل القديس نيقوديموس اﻷثوسي آباء الفيلوكاليا بالشرفاء أو المشرّفين؟ ربما، إنما لماذا قد يطلب القديس يوحنا الذهبي الفم شرف النفس ومغفرة الخطايا؟ في اليونانية، الشرف قد يكون “υπεροχή” أو “εξοχότης”.

νίψις لطالما كانت اليقظة. في اﻵتيمولوجيا اليونانية، أي دراسة أصول الكلمات، لا يوجد أي تفسير لهذه الكلمة. كل ما يرد عنها أنها من اليونانية القديمة. التفسير المطوّل لهذه العبارة هو في المراجع اﻵبائية والتي تُرجمَت إلى العربية باليقظة، على يد أشخاص يعرفون اللغتين في زمان كانت اللغتان مستَعمَلتين في أوساطنا، وقد ترجم المذكورون أعلاه عن النص الأصلي وليس عن نص مترجَم إلى لغة أخرى كالإنكليزية أو الفرنسية.

يبقى أخيراً تعليق حول مفعول العبارات وهذا أمر يحمّل المترجم مسؤولية كبيرة. إن استبدال اليقظة بالنباهة خطر. بالمنطق الآبائي، اليقظة حالة والنباهة صفة. الحالة يبلغها الإنسان بالجهاد أما الصفة فقد لا يكتسبها أو قد تكون من صفاته أصلاً (المترجم، الأب أنطوان ملكي)

** آريك هايد أرثوذكسي من أصل مورموني. قضى بعض الوقت يسعى إلى الكمال في الزان. هذه الخبرة وجهته نحو النسك الأرثوذكسي. تحوّل إلى الأرثوذكسيةودرس اللاهوت والرعاية. هو في الأصل متخصص في علم النفس الإرشادي ويعمل في هذا الميدان. لديه مدوّنة غنية لكونه يجمع عدداً من الخبرات في قالب أرثوذكسي رزين.

نضع التلفيقات في مكان الله

نضع التلفيقات في مكان الله

المتقدم في الكهنة نيقولاوس لودوفيكوس*

مقابلة مع جورج كيوسيس

المشكلة الحقيقية في عصرنا ليست الإلحاد ، بل تعدد الآلهة الذي يظهر في الواقع في شكل عبادة أصنام. هذا يخلق خطراً لأنه في مكان المسيح الإله المحب والمضحي نضع الوحوش الخارقة التي نختلقها في نرجسيتنا للسلطة والسيطرة.

س: كيف يواجه الناس اليوم حدث عيد الفصح؟

بعيداً عن الغلاف العاطفي والاحتفالي، هناك أيضاً إعلان وجودي مذهل: أن الله نزل إلى حالتِي، أي الفوضى واللاعقلانية، أحبّني حتّى ولو صلبتُه. يهتم الله بي وهذا مكلف له. فيما يريد الجميع أن يفرضوا عليّ، هو يمارس حريته في أن يكون في علاقة معي لا كـ إرادة للسلطة، بل كمحبة. إنه يضحّي بنفسه ويتواضع، يخسرتمامًا وكلّ شيء من أجلي. المسيح مصلوب لأن هذه هي الطريقة الوحيدة حقاً لمحبة الشخص المكسور بالفعل. إذن، القيامة هي الانتصار الشخصي النهائي لتعايشه المؤلم في حياة كل الناس: اليهود، الرومان، الإغريق، كما بالطبع تلاميذه المرعوبين والمربكين. الموت والشر يُهزَمان في وقت واحد في احتضان الجلجلة المُحِب. “لقد مددتَ يديك ووحّدت الذين كان في السابق منفصلين“.

س: ماذا تقول لشخص يمرّ عبر جلجلته هذه الأيام (بلا مأوى ، عاطل عن العمل ، مريض)؟

كلّنا مصلوبون على جلجلة التاريخ. فلنصنعنّ صليبنا الشخصي سعياً إلى صليب المسيح. صليب المسيح هو الوحيد غير المأساوي، لأنه صليب القيامة للتضحية بالذات من أجل الله والآخرين. قال أبيكتيتوس أن ما يرعب الناس ليس الألم بل انعدام المعنى. يجب أن تصبح المصائب سعياً عميقاً إلى الله، لأنه هو الهدف الحقيقي لشوقنا، خلف الكثير من المطالب المختلفة والمتنوعة التي عندنا. إنه المعنى العميق الذي يزوّدنا بكل ما نفتقده.

س: قبل بضعة أيام ، قال فيلوثيوس فاروس أن معظم رجال الدين غير موجودين على المستوى الرعائي. فهم لم يقدموا الدعم للمحتاجين”. هل توافق؟

إن الضجة المستمرة التي تحيط بالشر تنتِج عدم الأمان والعنف والعداء والإغراء المضاد لتعظيم الذات. ألا يمكننا الترويج للخير قليلاً؟ لقد التقيت شخصياً بعدد من الكهنة والرهبان القديسين الذين استطاعوا تحويل تلاميذ فرويد وهيدجر، ولم يكن لهم أي علاقة بالكنيسة، إلى علماء دين وكهنة. أشعر بنقص كبير في المقارنة بهم.

س: لقد قلت: “دعونا لا نفقد الأهواء بل لنحولْها“. ماذا تقصد؟

لحسن الحظ ، المسيحية ليست الأفلاطونية ولا الرواقية. كل شيء في جسدنا ونفسنا من صنع الله، وبالتالي فهو مقدس بالمطلَق. ما تبقى هو أنني يجب أن أغضب وأقع في الحب وألعب وأخلق وآكل وأبتهج وأحزن بطريقة تقرّبني أكثر من أي وقت مضى إلى مصدر كِياني الإلهي الذي هو التجسد. لم يدعُني الله للهروب من العالم بل لتحويله إلى مكان يتجلّى فيه.

س: هل القيامة عيد الأعياد وموسم المواسم؟

المسيحية هي عدو شرس لكلّ أشكال المثالية، لأنها في حد ذاتها، ليست سوى ماديّة دينية. التجسد هو التحقق من صحة المادة والتاريخ، عندما يُقدَّما إلى الله وللآخرين. المادة (بحسب الآباء ، ونفسنا هي الشكل الأكثر دقّة للمادة)، والتاريخ في النهاية، شركة وجودية مع الله (كجسد المسيح، بتعبير أكثر لاهوتية) جميعاً يذهبون معاً لتشكيل حقيقة الكنيسة الوجودية الأنطولوجية.

س: هل يزعجك أن الانغماسات الدهرية ووسائل راحة الرعاةتحدث باسم الله؟

يهوذا كان، في الواقع، أحد تلاميذ المسيح. أنا شخصياً اضطرب أكثر عندما، بدلاً من وجهة النظر هذه عن الكنيسة، يتمّ تبنّي وجهة نظر بلا معنى تمامًا، حيث تُعتبر الكنيسة مؤسسة دهرية تفترض أنها تقود الأمة أو تهتم عصابياً بضبط الأمن الأخلاقي للآخرين. هذه كنيسة بدون أي إثبات أنها حيّة.

س: وأخيرًا ، كيف يمكننا أن نختبر القيامة في كل لحظة، كحالة من الأبدية أو كالأبدية في كل لحظة؟

القيامة هي الانفتاح حتى التداخل، الحرية التي تصبح محبة عبر الصليب. هذا هو الخلود. هذه هي نهاية عهد الأنانية (الماركيز دي ساد): يتوقف الآخرون عن أن يكونوا أشياء لنفسي” (لكي نتذكر كوهوت) وندخل الأصالة الوجودية من خلال إعلان الآخرين عبر ذواتنا وذواتنا عبر الآخرين.

*المتقدم في الكهنة نيكولاوس لودوفيكوس هو لاهوتي يوناني، عالم نفس، مؤلف وأستاذ في كامبريدج

الكنيسة كمركز علاجي: مرض الروح

الكنيسة كمركز علاجي: مرض الروح

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

عندما نتحدث عن مرض الروح، فإننا نعني في الدرجة الأولى فقدان النعمة الإلهية، التي لها تداعياتها على الجسد أيضاً ما يجعل الشخص كلَّه مريضاً. قد لا يكون هناك وجود لمرض جسدي ولكن بدون نعمة الله لا توجد صحة.

من أجل فهم أفضل لسقوط الإنسان، من الضروري أن نبدأ بما يقوله الآباء القديسون عن أن النفس نوسية وعقلية، أي أن الروح تحتوي على كل من النوس والعقل وهما يتحركان بالتوازي. يتميز النوس عن العقل في أنه هو عين الروح، مركز الانتباه، في حين أن العقل لفظي بلاغي يصوغ الأفكار من خلال الدماغ. وهكذا، إذا تحرّك النوس بحسب الطبيعة، مما يعني أنه بصحة جيدة، يكون العقل أيضًا بصحة جيدة والروح التي هي المحبة تكون صحيحة أيضًا. إذا كان النوس غير صحيح، يكون الإنسان معتلّاً في عقله وفي محبته. إن الخلل في عمل هاتين القوتين، النوس والعقل، يسبّب المرض.

قبل السقوط ، عاش آدم في حالة طبيعية. كان نوسه موجّهاً إلى الله ويحصل على النعمة منه، في حين كان العقل خاضعاً للنوس الممتلئ نعمة، وبالتالي يعمل بشكل طبيعي.

السقوط الذي يشكّل المرض الحقيقي هو في الواقع ظلام النوس. فقد أظلم النوس إذ فقد نعمة الله ونشر الظلمة في الإنسان بأكمله. في التقليد الأرثوذكسي، نعني بسقوط الإنسان ثلاثة أمور: أولاً ، أظلم النوس وتوقّف عن العمل بشكل طبيعي. ثانياً، صار النوس محدداً بالعقل وصار العقل مركز الإنسان. ثالثًا، استعبدت المشاعرُ والظروفُ الخارجية النوسَ. هذا كان الموت الروحي للإنسان. وكما هو الحال عندما تتأذى عين الإنسان ويصبح الجسم كله مظلماً، أي عندما تعمى عين النفس فإن الكائن الروحي بأكمله يصير مريضاً ويقع في الظلام العميق. قال المسيح: “إِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ؟” (متى 6: 23).

ظلام النوس يخلق تشوّهات فظيعة في حياة الإنسان. إنه يؤدي إلى انهيار مدمّر في تكوينه الروحي بأكمله. من بين أمور أخرى، يصنع الإنسان صنماً من الله، لأن الله يصبح خليقة المنطق. يستغلّ الإنسان إخوته من البشر من أجل المتعة والطموح والجشع، وينظر إلى العالم كمقلعٍ يجب إخضاعه لحاجاته الشخصية الخاصة.

إذاً هكذا ندرك أن جميع المشاكل الاجتماعية والعلائقية بين الأشخاص على حد سواء، هي من داخل الإنسان وهي تشير إلى مرض الروح وفقدان النعمة الإلهية. عندما لا تعمل قوة الإنسان النوسية بشكل جيد، نلاحظ العديد من الشواذات. كل الأهواء تتمرد، ويستغلّ الإنسان الله وإخوته لتعزيز أمنه الشخصي وسعادته. ومن ثمّ يصير باستمرار تحت الضغط معتقداً أنه في السجن.

نتائج سقوط الإنسان

يرتبط تعليم الكنيسة الصحوي (neptic)، الذي يشير إلى العالم الداخلي، ارتباطًا وثيقًا بالتعليم الاجتماعي. قد يفترض البعض أن حياة الكنيسة النسكيّة لا علاقة لها بالواقع. في الحقيقة، العكس هو الصحيح. فقط من خلال هذا التحليل للسقوط يمكننا حلّ المشاكل الناشئة في حياتنا. لقد رأينا بعض النتائج سابقاً. سوف نعرض الآن العواقب المأساوية لمغادرة الإنسان لله والتي تُظهِر أن اللاهوت الأرثوذكسي هو العمل الأكثر أصالة وحداثة.

إن فقدان النعمة الإلهية يشكّل المرض الحقيقي للإنسان ويجلب الموت الروحي والجسدي. الموت الروحي هو رحيل الإنسان عن الله، والموت الجسدي هو انفصال النفس عن الجسد. لم يخلق الله الإنسان ليموت لكن الموت الجسدي جاء نتيجة للسقوط.

النتيجة الأولى للسقوط كانت ظلام النوس. يقول القديس غريغوريوس بالاماس: “إذا غادر النوس الله، يصبح إما وحشياً أو شيطانياً“. عندما يغادر نوس الإنسان الله ويصير مظلماً، لا يمكن تفادي تشوّه كل قوى الروح والجسد الداخلية. بعد أن يفقد النوس حركته الطبيعية التي هي حركة نحو الله، تتحوّل رغبته نحو أشياء غريبة ويصير إشباع جشعه غيرَ ممكن. إنه ينغمس في الملذات الجسدية دون أن يعرف أيَّ حد لهذه الملذات. وفي حين أنه يهين نفسه بأفعاله، يصرّ على أن يكّرمه الجميع. إنه يريد من الجميع أن يتملّقوه ويوافقوه ويتعاونوا معه، وعندما لا يتمّ ذلك يمتلىء من الغضب. إن غضبه وغيظه ضد إخوته البشر كالثعبان. من ثمّ الإنسان، الذي خُلِق على صورة الله وشبهه، يتحوّل إلى قاتل ويتشبّه بالشيطان قاتل الإنسان. إن ابتعاد النوس عن الله يجعل الإنسان وحشياً أو شيطانيًا، اي أنه يصير وحشًا أو شيطاناً. لذلك، مع ظلام النوس تتأجج الأهواء.

نتيجة ثانية لسقوط الإنسان هي أن النفس ومجمل الإنسان يتحرّكون بعكس الطبيعة. يعلّم اﻵباء القديسون أن هناك ثلاث حركات للنوس: بحسب الطبيعة، فوق الطبيعة، وضد الطبيعة. تتمّ حركة النوس بعكس الطبيعة عندما لا يرى تدبير الله وعدالته في ما يجري في حياته، بل باﻷحرى يؤمن بأنّ اﻵخرين ليسوا عادلين معه ويثور ضدهم. إن حركة النوس بحسب الطبيعة تظهر عندما يعتبر الإنسان نفسه هو والأفكار الشريرة مسؤولين عن مصاعبه. أما حركة قوى النفس فوق الطبيعة فتتمّ عندما يتحرّك النوس نحو الله ويجد ثمار الروح الكلي قدسه ويعاين مجد الله. في هذه المرحلة يصير النوس متناسقاً (amorphous ) ولا شكل له؛ أي أنه يتحرر من الصور والتخيلات والأفكار الشيطانية. في مرض النوس، نجد كل النتائج المريعة والمشوِّهة للعمل والحركة بعكس الطبيعة.

نتيجة ثالثة للسقوط هي تهيّج المخيّلة. بحسب تعليم اﻵباء القديسين، الخيال، اي الصور والتشبيهات، هي نتيجة السقوط. الله والملائكة ليس عندهم مخيلة. الشياطين والبشر الساقطون عندهم مخيلة مريضة. يقول اﻵباء أن المخيلة هي سلّم النوس الذي يغطّي الجزء العقلي من النوس؛ إنها الجسر بين البشر والشياطين. يملك الإنسان الصحيح المخيلة لكن لا التخيلات. كمثالٍ، يمكننا القول أن المخيلة عند إنسان متقدّس هي كمثل تلفاز مطفأ. فالجهاز موجود لكن لا الصور. بهذا المعنى نقول أن القديسين لا مخيلة لهم.

هذه نقطة فائقة الأهمية إذ طالما الإنسان مريض فهو واقع تحت سيطرة صور كثيرة ينتجها الجزء التخيلي من النفس. إن ما يسمّى بالمشاكل النفسية هي بالغالب نتاج الشك والأفكار المنطقية إذ تنمو في جو التخيّل. اليوم، إنها لحقيقة ملحوظة أنه بقدر ما يكون المرء مريضاً نفسياً يزداد تهيّج مخيلته.

النتيجة الرابعة لسقوط الإنسان هي مرض عالمه العاطفي. الشخص السليم روحياً متوازن في جميع أنشطته. في مختلف أحداث حياته، إنه لا يتحرك نفسياً وعاطفياً وحسب بل عنده شراكة حقيقية مع الله. لذلك ، لا يتحرك عاطفيًا بالطبيعة وجمالها، بل يراها روحياً، لأنه يرى قوة الله فيها. إن الفرح النفسي عديم الخبرة، الذي يمسه الخيال، مختلف عن الفرح الروحي الذي هو نتاج الروح القدس. في اﻹنسان المريض،تختلط العاطفة مع أهواء تبرير الذات.

في الكنيسة، بجهادنا وفوق كل شيء بحصولنا على نعمة الله، نقوم بتحويل كل العواطف وكل الحالات المرضية. هذا يتحقق بالتوبة. من ثمّ تتحوّل كل الأحداث النفسية إلى حالات روحية. إن تعابير الإنسان المريض نفسياً لا تُلاحَظ في الإنسان التائب.

ولذلك، مرض الروح الذي يظهر في المقام الأول في نوس الإنسان، له عواقب وخيمة على الكائن الحي بأكمله. الإنسان المريض يصير متلهفًا ومحباً لذاته، مبرراً لها، ولهذا تداعيات على المجتمع كله. نقول في الكنيسة الأرثوذكسية أنه من الممكن أن يتمتع إنسان ما بصحة جسدية ونفسية متوازنة بسبب ذكائه وعقله القوي فلا يحتاج إلى طبيب نفسي، ومع ذلك يبقى مريضًا من دون نعمة الله. إن ظلام النوس هو أعظم مرض للإنسان.

روح العالم

روح العالم*

الأرشمندريت بولس شاراباشيف

يجد القارئ عدة أسئلة عند القراءة المتأنية المتأمّلة للمقطع الإنجيلي عن مجنونَي كورة الجرجسيين اللذين طرد السيد منهما جيشاً من الشياطين. لماذا يقول إنسان للسيد لا تعذبني؟ أيعذّب السيّد؟ وكم من الناس من حولنا يعانون العذاب والألم وقد افتداهم الرب بآلامه على الصليب؟ لماذا يقع البشر في هذه الهاوية المدمرة؟ لماذا تفقد حياة بعض البشر معناها الرئيسي وهو الجهاد من أجل الشركة مع الله، وهذا من دون أن يلاحظوا هذا الفقدان، فيما حياتهم تذوب في مختلف أشكال الفراغ والغرور؟ ما حدود تأثير الشيطان على تاج خليقة الله؟ تحت أي ظرف من الظروف يستطيع الشيطان أن يتسلّح بكل غضبه وخدعه الكثيرة لاستعباد إنسان مثلنا، فيحرمه من ثوب عدم الفساد، ويجعله مثل ذاك الممسوس الذي لا يرتدي ملابساً أو يعيش في منزل، بل بين القبور، محروماً من حماية أهله؟ لماذا يؤتى بإنسان حي إلى القبور؟ كيف نفهم كلمات الرسول بولس الذي يدعو الشيطان حاكم هذا العالم، بقوله فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (أف 6: 12)؟

الرب يسمّي الشياطين حكام هذا العالم، وبحسب القديس يوحنا الذهبي الفم، ليس لأنهم يحكمون العالم ويمسكونه بيمينهم كما يفعل الله، بل لأنهم هم السبب الحقيقي لكل أفعال الشر. الكتاب المقدس يسمّي عادةً الأفعال الخاطئة العالم“. على سبيل المثال، قول ربنا يسوع المسيح المكتوب في إنجيل يوحنا لستم من هذا العالم” (يوحنا 15: 19) ، كما أني أنا لست من هذا العالم” (يوحنا 8:23). بعض الآباء القديسين يستعمل كلمة العالمللإشارة إلى تكتل الأهواء.

لاحَظَ القديس باييسيوس الآثوسي بمهارة شديدة أن روح العالم أصبح اليوم أعظم عدو لنا. في عصرنا هذا، دخل الكثير من الدنيوية، والكثير جداً من روح هذا العالم“. روح العالم هذا يدمّر العالم. إذ يقبل الناس في نفوسهم هذا العالم يصيرون دنيويين في دواخلهم ويخرِجون المسيح من أرواحهم. إن الذين يسلّمون قلوبهم إلى العبث والحياة الدنيوية يعيشون تحت حكم حاكم هذا الدهر. هذا لأن الشيطان يحكم الغرور وأن أولئك الذين يستعبدهم الغرور، يُستَعبَدون لروح هذا العالم، أي للعالم بالمعنى الآبائي.

إن القلب المأسور في هذا العالم الزائف يضبط روحه في حالة من التخلف وعقله في الظلام. من ثمّ يكون الإنسان إنساناً بالمنظر فقط. في الجوهر، هو بالحقيقة طفل خديج روحياً، مختلّ، ميت حي، كمثل ممسوسَي الجرجسيين مدفون حياً في القبور حيث يسكن. ما هي هذه المقبرة؟ كثيرون منا على دراية بها، وليس فقط من الإشاعات. في هذه القبور، يسلك حقًا أولئك الذين اتّخذوا كهدف لهم في هذا الوجود الأرضي التسليات المجنونة، مضحّين من أجلها بقدراتهم ومواهبهم. إنهم يسرقون من ذواتهم الوقت الذي أعطاه الله لنا لتحقيق أشياء سامية، مبددينه بشكل غير معقول، طوافين بين معلومات لا داعي لها على الإطلاق، جلّ ما تعمله هو تشتيت الفكر وإلقاء عالمه الداخلي في الفوضى. اليوم، هذا هو أقوى مولّد لروح هذا العالم. إن الشيطان، المدعو عدو الإنسان ومدمّره، لا يعتبر تدميرَنا جسدياً، كما دمّر قطيع الخنازير، أمراً كثير الأهمية بقدر جذب أرواحنا الخالدة إلى ظلمة هذا الدهر.

نذكر حادثة مثيرة للاهتمام وتربوية. في التسعينات كانت إحدى النساء الروسيات مهتمة للغاية بالتلفزيون. في تلك الأيام، كانت البرامج تغمر الناس كمثل محتويات صندوق بندورا المفتوح، أي كان هناك عدد ضخم من البرامج المختلفة. هذه كانت غير ضرورية، فارغة، مبتذلة، تبشّر بالعنف والفساد، وتحمِل إلى الجماهير روح غرور هذا العالم. هذه المرأة شدّتها بشكل خاص برامج الوسطاء والمعالجين. فقد كانت تهتم بها كثيراً وتحاول ألا تفوّت أمسية واحدة منها. ثم فجأةً وبشكل غير متوقع، عرفت أنها مصابة بمرض خطير. اكتشفت أنها مصابة بالسرطان، وقد اخترق هذا السرطان النخاع الشوكي، مما سبب لها ألماً لا يطاق. فوجدت فرصة لزيارة أحد هؤلاء المعالجين وذهبت إليه شخصياً وقالت له: “قمْ بكلّ ما عليك لشفائي من هذا المرض ونجاتي من هذه المعاناة الرهيبة“. قال: “حسناً، سأساعدك إنّما بشرط واحد. سأكتب رسالة وأضعها في مظروف مختوم. عندما تشعرين بالألم، ضعي المظروف على عمودك الفقري فيزول الألم“. فعلت كما علّمها وتراجع الألم بالفعل.

ولكن بعد ذلك وقعت في كارثة أكثر سوءاً. فقد صارت تشعر بثقل عاطفي واكتئاب وبأن لا معنى للحياة، حتى أن فكرة الانتحار صارت تراودها بشكل متكرر. فطلبت المساعدة من إحدى صديقاتها المسيحيات، التي كانت لحسن الحظ ابنة روحية للأرشمندريت كيرللس بافلوف. صديقتها ساعدتها على زيارة الأب كيرللس الذي قال لها: “يا عزيزتي، دعينا نلقِ نظرة على ما في المظروف“. رفضت قائلة: “لا تحت أي ظرف من الظروف! فقد أخبرني ذلك المعالج أنه بمجرد فتح المغلف أموت“. قال الأب:” حسنًا، بكوني كاهنًا ومعرّفًا، أعدك بأنه في حال سوف يموت أي شخص فسيكون أنا. لأني آخذ تلك العقوبة على نفسي“. بعد أن وافقت فتحوا الظرف ووجدوا التالي: “أيها الشيطان، ساعدها بينما هي في هذه الحياة، ولتكُن روحُها لك“.

تخبرنا هذه القصة المخيفة أنه من خلال الحماقة، من خلال الاعتقاد الخرافي، يمكن للشخص أن يصبح ضحية الشيطان ومستعبَدًا له. ومن يدري ما الذي كان سيحدث لتلك المرأة لو أنّ الرب الرحيم لم يقُدْها إلى شيخ الله هذا.

يقول الرسول بولس اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ ­ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ(أفسس 2: 4-5). لا ننسينّ هذه الكلمات الهامة، أيها الإخوة والأخوات. لنكُن منتبهين إلى كلمات الكتاب المقدس. لنستمع إلى صاحب المزمور النبي داود الذي تكلم بالروح القدس، حَتَّى مَتَى تُحِبُّونَ الْبَاطِلَ وَتَبْتَغُونَ الْكَذِبَ؟(مز. 4: 2) في سفر المزامير المقدس، لنهربْ من روح هذا العالم، روح ظلام هذا العصر ولنتشبّث بكل قلوبنا وأرواحنا وكل قوتنا بروح الله القدوس. آمين.

* من عظة الأرشمندريت بولس شاراباشيف من دير ساراتانسكي في روسيا، في الأحد الخامس بعد العنصرة، متى 28:8-1:9

فخور بكونِهِ خاطئا

فخور بكونِهِ خاطئا*

الأب أفيانيوس تاناسوسكو**

نقلها إلى العربية وعلّق عليها الأب أنطوان ملكي

يقول الكتاب المقدس بشكل لا لبس فيه: المثلية الجنسية خطيئة. هذا لا يعني أن من يخطئ يضيع. على العكس من ذلك، إن الكنيسة تكره الخطيئة ولكنها تحبّ الخطأة وتخلّصهم من خلال إصلاحهم.

ولكن ما الذي يحدث مع الاعتقاد بأن الخطيئة فضيلة؟ إن ما نراه في الشوارع في مسيرات افتخار المثليين (Gay Pride parades) هو بالضبط مديح علني للخطيئة.

في الواقع ، هذه المسيرة هي جزء من استراتيجية أوسع: تنفيذ المجتمع المفتوحفي المجتمعات الديمقراطية. والسبب بسيط للغاية: إن عولمة الاقتصاد تقود إلى عولمة الأسواق، والتي لا يمكن أن تعمل بدون عولمة المجتمع والسياسات العامة.

وحيث أنه من غير الممكن تسوية (Leveling) [1] كلّ أعضاء المجتمع (كما تريد الأنظمة الدكتاتورية أو المجتمعات المغلقة“) ، فكّر الديمقراطيون الليبراليون باستراتيجية عكسية: السماح لكلّ شخص بكل ما يريده، لأن الحرية تخدم الاقتصاد أكثر من القيود. إن إنساناً بدون قيود في الاستهلاك هو زبون أفضل بكثير من ذاك الذي يصوم ويمارس ضبط النفس.

وهكذا ، يظهر إنجيلٌجديدٌ للعالم: “إنجيل المجتمع المفتوح” [2]، والذي يجهد منذ بعض الوقت ليحلّ محل إنجيل المسيح. إن جوهر التبشيرالجديد بسيط: عدم الكمال البشري هو المحرك الاقتصادي الجديد للعالم، ولهذا السبب يجب تشجيعه وحتّى دعمه.

بهذه الطريقة تظهر الحاجة إلى الأخلاق الجديدة، الحاجة إلى أخلاق عامة جديدة“. يتمّ تحقيق هذا الهدف من خلال دفع الحقوق والحريات الفردية نحو فخ الخلاعة (libertinism). لأن الحق في الخطيئةهو مجرد فخ وليس فضيلة.

لهذا، ومنذ القرن الماضي، ظهرت جميع أنواع الحركات (الإيديولوجية، والسياسية، والاقتصادية، والجنسية، الخ) بهدف تحريرالإنسان من قواعد القداسة المقيِّدة“. والعقبة الأخلاقية الأولى التي واجهتها حركات التحرر هذه هي الكنيسة. هذا كان طبيعياً لأن النسبية الأخلاقية تتناقض بشكل مباشر مع الأخلاق المسيحية التي كانت أساس المجتمع حتى تلك اللحظة. وهكذا، بدأت الحرب الأيديولوجية على الكنيسة، أولاً في الديمقراطيات الغربية، وبعد سقوط النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية [3].

في إطار حركة التحررالجنسي، هناك اتجاه معين هو رفع الشذوذ الجنسي إلى مرتبة الوضع الطبيعي“. لتحقيق النجاح، لجأوا إلى أقدم إستراتيجية تلاعب روحانية: إدخال فكرة أن الخطيئة ليست ضررًا روحيًّا، بل هي فضيلة أو مكسب، أو على الأقل هي طبيعية. لذا لم يعد من الضروري أن يذلّ الإنسان نفسه من أجل الخطيئة، لأنها لم تعد موجودة، باﻷحرى يجب أن يكون فخوراً بأنهخاطئ.

النتيجة المباشرة لهذا الموقف هي إعادة كتابة الأخلاق. عندما يعتقد الإنسان بأن لديه ما يفتخر به، يكفّ السقوط وعدم الكمال عن أن يشكّلا مشكلة لديه. وهكذا، في سقوط الإنسان في هذا الفخ، تصير الروحُ معزولة عن اللهَ، والنهاية ستكون قاسية كما يقول داود في المزامير: “قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ»”(مزمور 53: 1).

لإبطال فكرة أن المثلية الجنسية هي خطيئة، تمّ تقديم فكرتين أخيرتين: الله يحب المثليين، وأكثر من ذلك، الله جعلهم هكذا. الهدف هنا تحفيز فكرة عدم لوم المثليين على وضعهم، لأنه لم يكن اختيارهم. من الصعب فهم مصدر الفخر في هذا الوضع، والأصعب هو فهم مواقف التحولمن الطبيعية (العلاقات الجنسية بين الجنسين) إلى المثلية، والعكس بالعكس. هذا أمر لا يحكي عنه دعاة مجتمع LGBT.

بالحقيقة، المثليون يحبّون أنفسهم. إنهم يريدون بثّ فكرة أن من يعارضهم عديم الإحساس، مصاب برهاب المثلية (homophobe) ، منغلقُ الفكر ومتعصب. هذه الحجة يمكن أن يصدّقها الذين يفتقرون إلى المعرفة الروحية. حب LGBT ليس أول شكل، أو ليس الشكل الوحيد، للحب الذي يُساء تفسيره. على كوكب الأرض هناك أيضاً حب المتعة، حب المال، حب السلطة، حب الذات، والعديد من الفخاخ الأخرى التي تأخذ شكل الحبّ. في المسيحية، حتّى الشَبَق (eros) ضمن الزواج، لا يُنظَر إليه على أنه فضيلة في حدّ ذاته، بل ينبغي تحويله إلى محبة (agape).

إنّ التحريف اللاهوتي، بحسب رغبة LGBT، لا يهدف إلا إلى عزل الكنيسة باعتبارها عاملاً يؤثّر في صناعة الرأي العام. إن بثّ فكرة أن الله يسمح بالشذوذ الجنسي، تظهِر أن الله ليس هو الذي تبشّر به الكنيسة، وأن الكنيسة تلاعبتبطريقة ما بحقيقة الله (كم مرة تُتّهم الكنيسة بالتلاعب؟)، وأن الكنيسة تضطهدهم بغير حق.

إن وصف الكنيسة بأنها عدوللمثليين هو استراتيجية تلاعب قديمة، لكنها اليوم تخفي سرًا جديدًا هو محاولة تحويل التسامح المسيحي إلى قبول. مثال على ذلك هو الدعاية التي تصوِّر علاقتنا بالطوائف المسيحية الغربية على أنها قبول وتسوية، على الرغم من وقوعهم في الانشقاق القيصروبابوي (Caesaropapism).

وبالتالي، تسعى مسيرات افتخار المثليين إلى الحصول على دعم شعبي لإضفاء الصفة القانونية على العلاقات المثلية. إنهم يطلبون إعادة صياغة الحقيقة وإسكات الكنيسة من خلال قوة الشارع، وعن طريق شيطنة الثلاثة ملايين الذين ناصروا، في الاستفتاء، العائلة الطبيعية كما أسّسها الله (“ذكراً وأنثى خلقهم اللهالذي هو جواب يسوع على يأس كل الذين يبوّقون بأنّ يسوع لا يعارض الشذوذ الجنسي)، ولكن أيضاً بدعم السفارات[4].

لسوء الحظ، إن الاستراتيجيين الذين يقفون وراء هذه الحركات يخدعون أنفسهم، كمثل يهوذا في تعاملاته. على الرغم من أن عدد الأصوات يؤثّر في الديمقراطية، إلا أن الحقيقة لا تتحدد باﻷعداد. إن التشجيع المعولم على الإباحية لن يؤدي إلا إلى التدمير الروحي للبشرية.

* تتسابق اليوم العديد من الجمعيات على رعاية المثليين ومتحولي الجنس وصار متعارفاً على تسمية هذه المجموعات LGBT [الكلمة هي الاحرف الاولى لكلمات: lesbian, gay, bisexual, and transgender أي سحاقية، لوطي، ثنائي الجنس، متحوّل جنسياً].

عنوان المقال هو ردّ على الاسم الذي تطلقه LGBT على المظاهرة السنوية التي تُنَظَّم في عدد كبير من عواصم العالم ويطلقون عليها اسم (Gay Pride) “افتخار اللوطيين”. في لبنان جرت محاولات لتنظيم هذا النوع من المظاهرات لكن لم يُعطوا الترخيص فنُظِّمَت في أماكن مغلقة قبل 2017. لكن منذ 2017، خرجت العديد من الأمور إلى العلن، حيث تمّ تنظيم بيروت برايد 2017” ومن ثم 2018، وهي أسبوع من النشاطات المثلية، وأهمها عرض أزياء مثلي يظهر فيه شبان لبنانيون بالفساتين مع ما يترافق مع هذا العرض من الحركات النسائية، أمسية شعر مثلي، وأمسية كاريوكي (karaoke) مثلية. كما أن عدداً من بيوت الليل في بيروت وغيرها صار معروفاً بأنه للمثليين ويستقبل نشاطات علنية. آخر التطورات هو قرار محكمة الاستئناف الجزائية في جبل لبنان، الغرفة الثانية عشرة، الذي نُشِر في 12 تموز 2018، والذي يرد فيه مرافعة للمحامية يمنى مخلوف دفاعاً عن بعض المثليين الملاحَقين بمخالفتهم للمادة 534 من القانون اللبناني التي تعتبر أن أي ممارسة للجنس بخلاف الطبيعة هي جرم يستحق العقوبة. وقد ورد في مرافعتها: “أن عناصر المادة 534 ق.ع. غير متوافرة لانتفاء الدليل على المجامعة أو أي فعل جنسي علماً بأنه لا يمكن الحكم على الميول وبأن المادة 534 ق.ع. لا تعاقب المثلية الجنسية بصفتها ميلاً، ولعدم توافر المجامعة على خلاف الطبيعة، وأشارت إلى التطور في مقاربة المثلية الجنسية على الصعيد الدولي من خلال تعديل القوانين التي تجرّم العلاقات المثلية وبيان الأمم المتحدة وحقوق الإنسان بما فيه التوجّه الجنسي، وإلى التطور في لبنان في ضوء الاجتهاد، وأضافت أنه يقتضي تفسير النص الجزائي تفسيراً حصرياً وتصديق الحكم الابتدائي الذي قضى بأن العلاقات الجنسية بين راشدين هي ممارسة لحقّ بغير تجاوز طالبة بالنتيجة ردّ الاستئناف شكلاً وأساساً وتصديق الحكم الابتدائي. وترافع الأستاذ نزار صاغية مدلياً بأن من واجبات القاضي شرح وتفسير القانون وحماية الحريات، وبأنّ المادة 534 ق.ع. لم تحدد ما هي العلاقة الغير طبيعيةوعليه فنّد القرار عدداً من النقاط أهمها بالنسبة لنا أن القانون ليس لمعاقبة الشذوذ، وهو موقف صحيح، بل لمعاقبة مخالفة اﻵداب العامة. وفسّر القرار أن ما يشكّل تعرّضاً للآداب واﻷخلاق العامة في ضوء التطور الاجتماعي هو المجامعة التي تخرج عن المفهوم التقليدي للعلاقة الجنسية الطبيعية بين رجل وامرأة، متى حصلت على مرأى من الغير أو مسمعه أو في مان عام أو متى تناولت قاصراً يجب حمايته. وحيث أن القضية الراهنة… وعن أن ممارسة الجنس بين رجل وآخر تحول جنسياً وجسدياً إلى امرأة يمسي علاقة رجل بامرأة شأنها شأن أية ممارسة طبيعية تقليدية…” (عن المفكرة القانونية).

لا بدّ من التوقف عند الفكرة الأخيرة في القرار وهي في غاية الخطورة وغير محسومة في القانون العالمي، وخاصةً لدى الباحثين في أخلاقيات علم الحياة. إن القرار أعلاه يطرح تحديات كبيرة حول عدة نقاط منها تحديد الأخلاق، وتحديد العلاقة الطبيعية، والحق في تحديد الجنس. هنا يجب أن يكون للكنيسة وللأديان بشكل عام كلمة، إن لم يكن في ﻻالقانون ففي الرعاية، وإلا فالكنيسة في خطر، وما يجري في الكثلكة خير دليل. من الخطير أنه حتّى العلم يتمّ تشويهه وإخضاعه لأجندات سياسية في هذا الموضوع. لمعرفة المزيد عن دور السياسة والأمم المتحدة يمكن العودة إلى المقالة التالية على التراث الأرثوذكسي: المثلية بين الرعاية والقانون المدني.

ملاحظة مهمة حول التطورات في لبنان: يجري التعتيم بشكل مريب على هذه الأخبار. إذ نادراً ما ترد على شاشات التلفزة أو في الجرائد التقليدية. هذا يعني أن الأمور تجري والمجتمع غافل. المؤسف أن الذين ينشطون لدعم هذه المظاهرات يعطون عملهم صفة الدفاع عن حقوق الأقليات والمهمّشين على اعتبار أن صفة الأقلية والتهميش تنطبق على المثليين ومتحولي الجنس، لكن هذه المظاهرات تتحوّل بشكل طبيعي مناسبات للتعبير عن حالة الفجور والضلال التي يتخبّط فيها هؤلاء. وبالتالي بدلاً من رعايتهم الفعلية والتي تبدأ بالاعتراف بحالتهم المرضيّة بهدف علاجهم، تتحوّل نوايا الرعاة، الطيبة أحياناً، إلى تثبيت الحالة المرضية وتشريعها بغض النظر عن الكلام العلمي المتّزن، ما يؤدّي إلى تعميق الهوة التي يكون فيها الأشخاص المجرّبون بهذا المرض، ما يساهم في إبعادهم عن الخلاص وحتى عن الصحة الحقيقيَين.

** الأب أفيانيوس تاناسوسكو كاهن من أبرشية توميسولوي في رومانيا.هو في الأصل مهندس ويعمل في الإعلام الكنسي من خلال راديو دوبروجيا (Radio Dobrogea) الراديو الأرثوذكسي الأول الناطق بالرومانية في رومانيا وخارجها. إلى هذا، للأب أفيانيوس مدوّنة تجتذب تفاعلاً كبيراً لدى المؤمنين.

[1] التسوية الاجتماعية مفهوم سبق العولمة وهيّأ لها. تُمارَس التسوية الاجتماعية بشكل ملحوظ في المجتمعات الكبيرة على الأقليات خاصةً التي تظهِر مقاومة للتغيير الثقافي داخل المجتمع. هذه العملية دفعت العديد من علماء الاجتماع، كدانيال ليرنر، إلى الحديث عن موت المجتمع التقليدي. للتسوية الاجتماعية تأثيرات عديدة، منها اختفاء اللهجات المحلية، مع توجّه المجتمع نحو تبنّي لغة واحدة، والحدّ من التنوع الثقافي حيث يفقد الأفراد أهمية كونهم مختلفين، وفقدان الفرادة الثقافية والتراث الثقافي، والدفع لقبول نتائج التسوية الثقافية.

[2] أول مَن تحدّث عن فكرة المجتمع المفتوح هو الفيلسوف الفرنسي هنري بيرجسون في عام 1932، وتطورت الفكرة خلال الحرب العالمية الثانية مع الفيلسوف البريطاني النمساوي المولد كارل بوبر. يورد بيرجسون القانون والدين كَمَثَلين عن المجتمع المغلق الذي يكون جامداً ويحتفظ بغريزة إقصاء الآخرين حتى لو اختفت كل آثار الحضارة. في المقابل، يصف المجتمع المفتوح بأنه ديناميكي ويميل إلى الأخلاقيات الشمولية. أما بوبر فرأى أن المجتمع المفتوح يتّسم بموقف نقدي للتقاليد. وفي المجتمعات المفتوحة، يُتَوقَّع من الدولة أن تكون مستجيبة ومتسامحة، وآلياتها السياسية شفافة ومرنة.

[3] ولاحقاً إلى كل دول العالم الثالث، فعلى سبيل المثال، دول الشرق الأقصى وتحديداً الهند هي من أكثر المجتمعات التي تتغيّر لاستيفاء شروط المساواةوتحقيق حقوق المثليين.

[4] من أسباب تكاثر الجمعيات التي ترعى المثليين هو الترغيب المادي الذي تمارسه بعض السفارات الأوروبية والأميركية. فهي تجذل المساعدات على هذه الجمعيات التي تضمّ بغالبيتها أفراداً يؤمنون فعلاً بالمساواة بين البشر وحقوق الأقليات وغيرها، إنّما تُستَغَلّ غيرتهم لدعم الخطأ. لمعرفة المزيد عن موقف الكنيسة كما عن دور السياسة والأمم المتحدة يمكن العودة إلى المقالتين التاليتين على التراث الأرثوذكسي: موقف الكنيسة الأرثوذكسية من تشريع زواج المثليين و المثلية بين الرعاية والقانون المدني.

تتعرّض رومانيا للكثير من الضغوط بهدف تغيير القوانين فيها بشكل يرضي ويناسب مجموعات الشذوذ الجنسي وذلك كشرط لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. في 2017، فيما كان 3 ملايين شخص يوقعون عريضة لرفض زواج المثليين، اتُّخذ قرار بإجراء استفتاء حول هذه القضية، إلى اﻵن لم يجرِ.

هذه السنة، شاركت 32 سفارة بشكل مباشر في مسيرة المثليين في بوخارست عاصمة رومانيا. لا يزال المجتمع الروماني إلى اليوم يقاوم هذه المسيرات، أما الدولة فتخشى العقوبات والتصنيف بأنها لا تحترم الأقلّيات والاتّهام بالقمع. الصورة التالية التُقِطَت أثناء المسيرة لرجل متحوّل إلى امرأة وهي تحكي عن ذاتها.

أزمة أوكرانيا وحال الأرثوذكسية في العالم

أزمة أوكرانيا وحال الأرثوذكسية في العالم

الأب أنطوان ملكي

بعض التاريخ

عرفت أوكرانيا المسيحية منذ القرون الأولى. يحكي التقليد عن أن الرسول أندراوس الذي تنقّل على شواطئ البحر الأسود في بلاد الإسكيثيين وصل إلى أوكرانيا وعلّم على بعض التلال وزرع صليباً وتنبأ بأن هناك سوف تنشأ مدينة مسيحية عظيمة، هي ما صار لاحقاً كييف. نشأ في المنطقة التي تشكّل اليوم أوكرانيا عدد من الأبرشيات، وكان من بين أساقفتها مَن شارك في المجامع المسكونية بدءً من الأول. هذه الأبرشيات تبع بعضُها روما والبعض الآخر القسطنطينية، بحسب منشئيها.

القديسان كيرللس ومثوديوس خرجا من القسطنطينية مبعوثَين إلى تبشير الخزر بطلب من ملكهم مورافيا الكبير. توقّف القديسان في أوكرانيا حيث وضعا الأبجدية الغلاغوليتية، التي صارت لاحقاً السلافونية، والتي منها استُنبِط الخط الكيرللي. هذه اللغة أتاحت ترجمة الإنجيل والكتب الطقسية من اليونانية إلى السلافونية لاستعمال المؤمنين المنضمّين إلى المسيحية على يدي القديسَين. على ما يظهر من التاريخ أن القديسَين وجدا بعض الكهنة اللاتين في أوكرانيا ونشأ بعض التوتر بينهم ما استدعى أن يستنجد القديسان بأسقف روما الذي قدّم لهما الدعم.

الوضع القائم

اليوم يوجد في أوكرانيا 3 مجموعات أرثوذكسية. الأولى والأقدم هي التابعة لبطريركية موسكو، وهي الأكبر من حيث عدد الرعايا والمؤمنين وتضمّ حوالي السبعين بالمئة من الرعايا والمؤمنين الأوكرانيين، اي ما يزيد عن العشرة آلاف كنيسة. وجود هذه الكنيسة شامل في الشرق ويضعف في الغرب أما في كييف فهي الأكبر ولكن بفرق قليل عن بطريريكية كييف (الثانية من حيث الحجم). تتمتّع هذه الكنيسة باستقلال ذاتي ضمن الكنيسة الروسية وتمارس علاقات طبيعية مع كل الكراسي الأرثوذكسية. على رأسها الميتروبوليت أونوفريوس منذ 2014.

الثانية هي كنيسة أوكرانيا الأرثوذكسية، بطريركية كييف. هذه نشأت في 1992، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واستقلال أوكرانيا عن موسكو. هذه لا تعترف بها أي من الكراسي الأرثوذكسية، وهي تتمتّع بدعم من الحكومة الأوكرانية. يرأسها (البطريرك) فيلاريت الذي كان قبلاً رئيس أساقفة كييف وهو اليوم محروم من الكنيسة الروسية. تضمّ هذه المجموعة ما أقلّ من الثلاثين بالمئة من الرعايا الأوكرانية ولها امتداد في أميركا الشمالية وأوستراليا.

المجموعة الثالثة هي كنيسة أوكرانيا الأورثوذكسية المستقلة. هذه نشأت في 1921 ودعمها الحكم السوفياتي ثم عاد فاضطهدها ثم أحياها الوجود النازي في الحرب العالمية الثانية ما دفع السوفيات إلى نفي رؤسائها بعد الحرب. عاد السوفيات واعترفوا بها في 1980 مع بقاء بطريركها في المنفى. بعد وفاة البطريرك في 1993 حصلت على اعتراف رسمي من الدولة بأنها كنيسة مستقلة من بعد وحدةٍ قصيرة مع بطريركية كييف. ومن بعد هذه المرحلة تطوّر الحوار مع الكنيسة الروسية دون أن يصل إلى نتيجة إلى اليوم. في داخل أوكرانيا هي المجموعة الثالثة من حيث الحجم، لكن قوتها كانت في المهاجر حيث أنشأت في 1990 الكنيسة الأوكرانية في كندا والكنيسة الأوكرانية في الولايات المتحدة الأميركية، اللتين ضمّهما البطريرك المسكوني في 1995 إليه مستنداً إلى نصوص نقل كرسي كييف إلى كنيسة موسكو في 1686، معتبراً أن النص لا يحكي عن نقل كامل. هذه الفذلكة أنتجها يوحنا زيزيولاس، مطران برغامون في الكرسي القسطنطيني، وهو لاهوتي معروف في العالم، وهو صاحب فذلكات عديدة أدّت إلى مشاكل مع كنائس أخرى، كاليونان مثلاً.

في أيلول 1997، التقى في أوديسا (اوكرانيا) البطاركة المسكوني برثلماوس والروسي ألكسي والجيورجي إيليا. في حديث مع الصحفيين كان البطريرك المسكوني واضحاً في إدانته للمجموعات المنشقة عن الكنيسة القانونية التابعة لمجمع كنيسة موسكو. كان المفترض أن ينتهي اجتماع البطاركة الثلاثة ببيان يوزعونه في مؤتمر صحفي، ما لم يحدث. حيث تبيّن أن البيان والمؤتمر الصحفي أُلغيا بطلب مباشر وضغط من السفير الأميركي في كييف الذي اتصل بكل واحد من البطاركة مؤكّداً دعم بلاده لبطريركية كييف المنشقّة.

في الحرب الداخلية الأخيرة في أوكرانيا، وخاصةً من بعد انفصال القرم عنها وانضمامها إلى روسيا، ارتفعت حدة العلاقات بين المجموعات الثلاثة وصار تدخّل الدولة الأوكرانية ضد الكنيسة التابعة لبطريركة موسكو واضحاً. فالعديد من الكنائس تعرّضت لوضع اليد حيث كانت المجموعات التابعة لبطريركية كييف تهاجمها أثناء الصلاة فتطرد الكهنة وتعيّن مكانهم، مدعومة من الشرطة الأوكرانية. وأثناء المعارك التي دارت في السنوات الأخيرة، تعرضت العديد من الكنائس التابعة لموسكو إلى القصف المباشر ومنها أثناء الصلاة. في الأصل لم يكن الشعب الأوكراني مبالياً بالانقسامات، حيث أن الغالبية كانت تمارس عبادتها في الكنيسة القريبة منها بغض النظر عن انتمائها. اليوم ما زال هذا الأمر قائماً في المناطق التي لم تتعرّض لهزات أمنية، إجمالاً في الوسط. أظهرت بعض الإحصائيات أن غالبية الأوكرانيين لا يعرفون بالضبط الخلفية الحقيقية لتعدد الكنائس في بلادهم.

في كانون الثاني 2017 كتب فيلاريت بطريرك كييف إلى بطريرك موسكو داعياً إلى الاتفاق، لكن الضغط السياسي ألزمه على سحب رسالته في اليوم التالي ما استدعى توقف الإعلام عنده.

ما أجج الخلاف مؤخراً هو ارتفاع وتيرة التواصل بين القسطنطينية وبطريركية كييف، واستقبال المطران يوحنا زيزيولاس، ممثلاً البطريرك برثلماوس، وفداً من الأوكران حيث أعلن أمامهم أن نقل متروبوليتية كييف إلى بطريركية موسكو، في 1686، كان ذا طبيعة مؤقتة. ما زاد من حدة الخلاف هو موقف الدولة الأوكرانية حيث أن رئيسها بترو بوروشينكو أيضاً قام بزيارة القسطنطينية وطلب من البطريرك الاعتراف بكنيسة أوكرانية مستقلّة تضمّ كل المجموعات.

موسكو اعتبرت، على لسان الميتروبوليت إيلاريون رئيس قسم العلاقات الخارجية، أن كلام القسطنطينية عن أن نقل متروبوليتية كييف إلى بطريركية موسكو كان مؤقتاً كلاماً غير مؤكّد ولا وثائق تظهره. إيلاريون أكّد أن حجم الوثائق الموجودة يفوق 900 صفحة من السلافونية واليونانية ولا يوجد أي إشارة فيها إلى أنّ النقل كان مؤقتاً، وأن أياً من البطاركة المسكونيين لم يشكك بانتماء كييف إلى كنيسة موسكو خلال كل هذه السنوات. كما ركّز على أن حجم الميتروبوليتية عندما تمّ ضمها إلى موسكو كان دون الحجم الحالي بكثير، حيث أن أوديسا أو دونتسك والقرم لم يكونا جزءً منها.

توقّع العديد أن يتطرق مجمع كنيسة القسطنطينية، في جلسة عقدها في أول حزيران 2018، إلى استقلال أوكرانيا، والمتحمسون توقعوا إعلانه. لم يكن هناك أي إشارة إلى هذا الأمر. بالمقابل أرسلت القسطنطينية موفدين إلى الكنائس الأرثوذكسية الأخرى لمناقشة الأمر معها. في عيد الرسول برثلماوس، اعلن البطريرك المسكوني أن الكلام عن انشقاق يعني أن الملايين من الإخوة هم خارج الكنيسة، لهذا نحن مدعوون إلى يقظة روحية رسولية، وهذا ما تقوم به الكنيسة الأم (القسطنطينية) في حالتَي أوكرانيا ومقدونيا، حيث أن مسؤوليتنا هي جلب كل الأمم إلى الحق وقانونية الكنيسة“. هذه الحادثة تلاها كلام على لسان أحد أرشمندرية القسطنطينية بأن أحد عباقرة اللاهوت في جامعة أثينا قد كتب قراراً بشأن أوكرانيا والقرار ينتظر توقيع البطريك المسكوني.

ردّ الروس أتى على لسان الميتروبوليت إيلاريون الذي ذكّر بوثيقة اتفق عليها ممثلو الكنائس الأرثوذكسية في اللجنة التحضيرية في اجتماعهم في شامبيزي سنة 1993 ومن ثمّ أُقرَّت في 2009، عنوانها الاستقلالية وسبل إعلانها“. أهمّ ما في الوثيقة أمران: الأول هو أن الاستقلالية تُعطى إلى كنيسة محلية بموافقة الكنيسة التي سوف يتمّ الاستقلال عنها. والثاني هو أن الاستقلالية تُعطى على أساس إجماع أرثوذكسي.

في الأول من تموز الحالي، أجج البطريرك المسكوني الخلاف بقوله بأن القسطنطينية لم تعطِ أوكرانيا لأحد وبأنها ما زالت ضمن سلطتها. ودعماً لكلامه استشهد بقرار إعطاء الاستقلال لكنيسة بولونيا في 1924، حيث الشرط هو انتخاب رئيس الأساقفة م مجلس يضمّ إكليروساً وعلمانيين على أن توافق القسطنطينية، وفي حالت أوكرانيا، تقوم موسكو بالسيامة.

ماذا بعد؟

لا بشائر حلول في الأفق بالنسبة لأوكرانيا. التناغم القوي بين الكنيسة الروسية والدولة ممثلة بالرئيس فلاديمير بوتين، يزيد من الضغط الغربي لخلق انقسامات في المجتمعات الأرثوذكسية المرتبطة بشكل أو بآخر بالروس. على هذا الضوء تُفهم المشاكل القائمة اليوم حول كنيسة مكدونيا والتي تطال كنائس صربيا وبلغاريا والقسطنطينية. وكونه لا يمكن فصل قضية كنيسة مكدونيا عن أزمة اسم مكدونيا، فإن كنيسة اليونان تصير معنية أيضاً.

أغلب رؤساء الكنائس الأرثوذكسية عبّروا عن مواقفهم والتي لا تبدو في صالح المجموعتين المنشقتين عن الكنيسة الأم، أي كنيسة موسكو في أوكرانيا. أول موقف أنطاكي عبّر عنه الأسقف قيس صادق في كانون الأول 2016، حيث أعرب عن رفض تدخل السياسيين في أمور الكنيسة. البطريرك الأنطاكي يوحنا العاشر عبّر عن موقف واضح رافض لللانشقاق الحاصل وداعماً للكنيسة القانونية الروسية. بطريرك الاسكندرية ثيوذوروس الثاني كان واضحاً أيضاً في دعوته فيلاريت إلى التوبة والعودة إلى الكنيسة التي انشق عنها. روستيسلاف ميتروبوليت كنيسة تشيكيا وسلوفاكيا طلب من السياسيين عدم التدخل في أمور الكنيسة متحدثاً عن الدولة الأوكرانية. مجمع الكنيسة الأرثوذكسية البولونية دعا المنشقين إلى التوبة والعودة عن انشقاقهم حتى تكون الكنيسة الواحدة واحدة بالفعل. ييرونيموس رئيس اساقفة اليونان تلافى الإجابة على سؤال حول أوكرانيا بعد اجتماعه بالبطريرك المسكوني.

حال الأرثوذكسية اليوم

بالمقابل، على المقلب الآخر، أزمة أنطاكية مع القدس صارت من الماضي. لا أحد مهتمّ بها في العالم الأرثوذكسي إذ إن أوكرانيا أخذت كل الاهتمام وإليها تشخص الأنظار اليوم.

إن هذا الواقع المشحون خطير ومؤذٍ للكنيسة الأرثوذكسية حيث أن الخلاف الذي كان حول الشتات، أوروبا الغربية وأميركا وأوستراليا، انتقل اليوم ليصير داخل الكنائس. فقد أُهمِل الخلاف حول إنشاء كنائس مستقلة في الأميركيتين وأوستراليا، لينتقل إلى مناطق هي بالأصل من ضمن كنائس محددة.

من جهة أخرى، وهنا الخطر الأكبر، إن هذا الواقع معثِر للمؤمن الذي يرى الرئاسات الأرثوذكسية تختلف مع بعضها البعض على السلطة، بشكل يستنفد طاقتها وموارد الكنيسة. فيما المؤمنون يواجَهون يومياً بأسئلة كثيرة يطرحها هذا العصر وتستدعي إجابات سريعة غير متوفّرة. فاللاهوتيون في الكنائس مشغولون بتلبية طلبات الرؤساء من الدراسات التي تبرهن سلطتهم أو تدعمها في وجه الكنائس الأخرى، بدلاً من التفرّغ لمجابهة الأفكار والدعوات والتيارات الدهرية التي تهاجم الكنيسة وتستفرد بالمؤمنين.

العثرة الأخرى، خاصةً بوجود وسائط التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، هي في أن يرى المؤمن أن رؤساءه يتهافتون على الحوار واللقاءات مع غير الأرثوذكس ويصدِرون البيانات التي تطفح بالمحبة وبالكلام عن الوحدة والتغنّي بها، بينما يتقاتلون ويتجافون ويقاطعون ويقطعون بعضهم البعض.

يا رب يا رب اطلع من السماء وانظر وتعهّد هذه الكرمة وأصلحها لأن يمينك غرستها. لا شكّ عندنا أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها وأن مَن يصبر إلى المنتهى يخلص. نحن نؤمن يا رب فأعِن ضعف إيماننا.