السنة الرابعة عشرة، العدد الثامن، أيار 2018

السنة الرابعة عشرة، العدد الثامن، أيار 2018

مختارات آبائية

القديس يوستينوس بوبوفيتش، قيامة الكنيسة الأرثوذكسية

الشيخ يوسف الفاتوبيذي، مختارات

حياة روحية

الراهب أرسانيوس من دير الكوتلوموسيو في الجبل المقدس، أَخْطَار مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ

الأب أندرياس أغاثنجلوس، يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ

رعائيات

أشعياء مطران دنفر للكنيسة اليونانية في أميركا، رسالة رعائية حول المناولة

د. يوحنا بانايوتو، المهام الخمسة لللاهوتي في القرن الواحد والعشرين

الأب أنطوان ملكي، كنيسة أنطاكية ولقاء كريت الكبير: شيء من مراجعة

الأب أنطوان ملكي، الإدارة الكنسية وأشكال تقهقرها

قيامة الكنيسة الأرثوذكسية

قيامة الكنيسة الأرثوذكسية

القديس يوستينوس بوبوفيتش

في الكنيسة الأرثوذكسية ، القيامة ليست مجرد عيد الأعياد، بل هي العيد الشامل، روح كل الأعياد الأخرى حيث هي دائماً موجودة فيها. في القيامة نجد كل قوى المخلّص الإلهية والإلهيةالبشرية، التي تسحق كل خطيئة، كل موت، كل شيطان. إن القيامة غير المنقطعة، أي القيامة المستمرة، هي بالضبط حياة جميع المسيحيين الأرثوذكسيين في كنيسة المخلص: إنها حياتي وحياتك وحيوات كل واحد منا. ما هي الكنيسة الارثوذكسية؟ إنها المسيح القائم الذي يعيش إلى الأبد. لذلك نحن الذين نعيش فيها نتغلّب على الخطيئة والموت والشيطان بالرب القائم. وبهذه الطريقة، نرتفع من كل قبر، يقودنا ويوجهنا دائماً في هذه المهمة القديسون الذين نمدحهم كل يوم. هؤلاء هم المنتصرون الحقيقيون على الموت والخطيئة والشيطان بالرب يسوع القائم وهُم، في الوقت نفسه، أولئك الذين يقيموننا من قبورنا. إذ ما هو هدف حياتنا المسيحية؟ إنه هزيمة الخطيئة والموت والشيطان، وبالتالي ضمان الخلود والحياة الأبدية في ملكوت محبة المسيح السماوي. لأن الانتصار على أي من خطايانا هو انتصار على الموت، لأن كل خطيئة هي موتنا الروحي. بالتغلب على الخطيئة والموت، في الواقع نحن نهزم الشيطان، لأن الشيطان كائن فيه الخطيئة والموت يتطابقان. ولكننا نحن البشر بشر فقط من خلال قيامة الله / الإنسان، ربنا يسوع المسيح، ومن خلال شكل الخلود الذي له.

مع قيامة المسيح ، تصبح قيامة كل واحد، أنت وأنا ، معقولة وطبيعية، لأن العنصر البشري هو جزء مكون من الكائن الإلهيالإنساني. لهذا السبب ، قيامة الله / الإنسان من بين الأموات تضمّنت قوة قيامتنا من الموت وحقيقتها (راجع 1 كو 16 ، 12-16). في الواقع كل واحد منا مشمول بطبيعة السيد الإلهية البشرية. وكل واحد منا يحتاج إلى أن يُقام لأن المسيح قام وﻷننا كلنا، من آدم إلى آخر شخص على الأرض، مشمولون فيه بطريقة سرية. قيامة المسيح وقيامة الأموات كلاهما حقيقة إلهية بشرية.الأموات يُقامون لأن المسيح قام؛ المسيح قام ولهذا السبب يقوم الأموات.

لا شك أن المسيح لم يقم لنفسه بل من أجلنا ومن أجل خلاصنا. وأيضاً لأن الطبيعة البشرية بأكملها تتبع طبيعة المسيح البشرية كَنَواتها المركزية. بصيرورته إنساناً، أوضح كلمة الله بأننا خُلقنا حتى أننا في الفردوس، بحياة تليق بالله، سوف يكون هناك تجسد لله، جسد لله. الآن جسد الله سيصبح حقًا إلهيًا فقط إذا لم يكن قابلاً للموت، إذا لم يهزم الموت.

لكن، كون جسد الإنسان صار مستعبدًا للموت بسبب الخطيئة ومن خلال الخطيئة وصار قابلاً للموت، لهذا السبب صار كلمة الله بذاته جسداً: حتى يتمكن من إنقاذ الطبيعة من الموت وحفظها من الخطيئة. هذا هو هدف تجسد المخلص الذي حدث بسبب محبته لنا. لهذا السبب، بقيامته ضمن قيامة جميع الموتى. كل تاريخ الجنس البشري يثبِت ويسلط الضوء بما يتخطى الشك بأن السيد المسيح هو ضرورة دائمة لنا في جميع العوالم. لماذا ا؟ لأنه يعطينا الحياة الأبدية ويبيد الموت وكل ما هو قابل للموت. عنصر الموت الذي فينا هو كلّ ما يأتي من الخطيئة ومن الشر ومن الشيطان.

لأنه هو وحده يملك ويوفر لنا الحقيقة الأبدية والعدالة الأبدية والمحبة الأبدية والجمال الأبدي ويقضي على الأكاذيب والظلم والكراهية والقبح.

لأنه يعطينا الجنة والنعيم والفرح والمعنى الإلهيالبشري الخالد للحياة وللعالم، في السماء وعلى الأرض، لنا نحن البشر ولجميع المخلوقات.

لأنه يعطينا وحده ما لن يُنزَع منّا، لا في هذا العالم ولا في التالي.

لأن لا الخطيئة ولا الموت ولا الشيطان يمكن أن يبعدنا عن المسيح إلهنا ولا عن عدالته ولا عن الخلود والأبدية إلا إذا كنا أنفسنا بوعيِنا نريد ذلك. هذا يعني، طالما نحفظ المسيح إلهنا فينا، بالإيمان والصلاة والمحبة والصوم والصبر والتواضع والفضائل الإنجيلية الأخرى، التي هي درع اللهالذي لا يقهر (أف 6 ، 11-18).

ما هي هذه الحرية التي يعطيها المسيح؟ التحرر من الخطيئة ومن الموت ومن الشيطان. هذه الحرية تتغذى بالحقيقة الأبدية والعدالة الأبدية والمحبة الأبدية وكل ما في المسيح، الإلهي والإلهي البشري. لهذا السبب حرية المسيح هي الحرية الحقيقية الوحيدة التي يمكن أن نحصل عليها في هذا العالم. كل ما يسمى بالحريات الأخرى يكون مصطنعاً ما لم تكن حريات من الموت. لأن الخطيئة تستعبدنا حتّى الموت والشيطان لا محالة. الحرية الوحيدة التي تقوى على الموت هي حرية المسيح، وكل الحريات الأخرى هي مستعبدة للموت ولا حول لها. الحرية الوحيدة الأكثر قوة من الشيطان هي حرية المسيح، وكل الأخريات خاضعة بشكل مباشر أو غير مباشر للشيطان.

إن الذين يؤمنون بالرب يسوع القائم من كل قلبهم وبكل روحهم وبكل عقلهم لا يخافون الموت، لا يخافون الخطيئة، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم هم خارج سلطان الشيطان“. ليس هذا وحسب، بل هم يزدرون الموت، ويزدرون الشيطان، لأن في داخلهم المسيح ربنا وإلهنا المنتصر الوحيد على الشيطان والوحيد الذي يرفعنا من كل الموت.

إن الخطيئة في داخلنا وها نحن مشوهين إلى مسوخ. الكائن على مثال الله في الخطيئة! أليس هذا الجحيم والرعب؟ منذ أن طُرد أجدادنا من الفردوس، أي من حياة كانت مقدسة وخالية من الخطيئة، أصبحنا المسابك الطوعية للإثم. وما هو مسبك الإثم إن لم يكن جحيماً مصغّراً؟ إن الجحيم الأبدي الواسع النطاق هو مجرد التقاء كل الجحيمات الصغيرة التي تتدفق منا نحن البشر وتحملنا بعيداً معها.

الخطيئة ليست سوى الحياة بمعزل عن البريء من الخطيئة أي عن الله. وهذا هو بالضبط ما هو الموت: أولاً موت الروح ثم الجسد. أو، للتعبير بشكل أفضل، الخطيئة هي الحياة التي تعاش بشكل مستمر في الموت. لأن الخطيئة والموت هما نفس الشيء. حيث يوجد خطيئة، هناك الموت. ومرة أخرى، حيث يوجد الموت هناك خطيئة. لكن كلاهما مستمدان من خالق الخطيئة والموت، من الشيطان لذا ، فإن الخطيئة لا تكون وحيدة أبداً، بل دائما الموت والشيطان معها وحولها وخلفها. والشيطان ليس وحيدًا أبدًا فدائماً الموت والخطيئة قبله. إنه دائم الوجود في كل خطيئة وكل موت. هذا ثالوث لا ينفصل.

هذا هو سبب أن الحرية تتكوّن من التحرر من هذا الثالوث اللعين: الخطيئة والموت والشيطان. لهذا السبب بالتحديد كان ربنا يسوع المسيح المخلص الوحيد للجنس البشري، لأنه بقيامته من بين الأموات أنقذنا من الخطيئة. القيامة هي النصر على الموت، وبالتالي على الخطيئة وعلى الشيطان. لأن القيامة هي انتصار البريء من الخطيئة على الخطيئة والخالد على الموت والله على الشيطان. من يمكن أن يهزم الموت إن لم يكن الذي لا يموت، أو يغلب الشيطان إن لم يكن الله؟

مختارات

مختارات

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

يخبرنا الآباء أن الإحساس بالخطيئة هو عطية عظيمة من الله، تتفوق على معاينة الرؤى السامية. عندما ندرك أن ظلمتنا الداخلية، والطبيعة الجهنمية المقرِفة للخطية قد انكشفت، هذا يؤدي إلى النفور منها ومن ثم تجلب النعمة الإلهية راحتها.

الكثير من الناس يطاردون اليوم الفرح والسعادة، ويسلكون في الطرق غير النظيفة، ويتصدّعون من تصرفات الشياطين. ولكن إذا كان الله الرب يتكلمفي قلوبنا، فينبغي أن نكون هادئين. يجب أن نلتفت إلى قلوبنا، وأن نتعلم أن نصلي صلاة يسوع، وأن نطهّر قلبنا بالانطواء على الذات، فمن ثمّ من دون أن نطلب ذلك ومن دون أن نسعى إليه سنكون مدينة مبنية على جبل“.

على الرغم من أن الله كان يعلم عن عصيان آدم وحواء في الجنة، إلا أنه لم يمنع ذلك. لو فعل ذلك، لكان قد تدخّل بحريتنا التي منحنا إياها بنفسه وقضى عليها. من دون الحرية، فإن الطريقة التي نعيش بها حياتنا، وحتّى خلاصنا، سوف يكونا مفروضَين. سنكون بلا شخصية وموجودين ككائنات سلبية. فضّل الله تغيير خططه لنا بدلاً من حرماننا من السمة الرئيسية لشخصيتنا أي حريتنا.

السقوط إذن هو مقاطعة ومغادرة أي كائن مخلوق للسبب الأول لوجوده أي الله. وبحسب الوحي الإلهي، فإن كل الأشياء هي نتيجة لسبب ما، ولا يمكن أن تكون قائمة بذاتها بل فقط من خلال المشاركةفي قوة الله وعنايته. إذاً إن كانوا معزولين عن قوة الله وقدرته المتماسكة فإنهم ينهارون ويحتضرون.

الذين يتبعون مسار وصايا المسيح يولدون من جديد روحياً ويتجلّون. ليس الأمر نفسه بالنسبة للجميع وعلى القدر نفسه، بل يعتمد على غيرتهم. إنهم يُصلبون مع يسوع المسيح وتجعلهم النعمة الإلهية على شبه مَن يحبون. هنا يكمن لاهوت الصليب، الذي يرنّم له القدّيس بولس على أنه نور المحبة الإلهية.

القلب المتواضع، الذي جُرِح أولاً بسهام العدو ومن ثمّ، بعد التوبة، بمحبة المخلص الأبوية، لا يملك طريقة للتعبير عن نفسه غير الدموع. من السذاجة أن تعتقد أن بإمكانك اتّباع خطوات المسيح دون دموع.

عندما نتحدث إلى الناس اليوم عن النوح يبدو الأمر غريباً عليهم لأنهم يخجلون من البكاء. إذا كنا نتحدث عن العَبَث وعن الأشياء العابرة فبالطبع إنها لا تستحق البكاء. فهذا النوح هو من نوع العُرف الاجتماعي. يرتبط النوح الروحي بعلاقتنا مع الله وهو نتيجة نعمة الروح القدس أكثر مما هو اختيارنا. إن الإحساس بالمسؤولية عن أفعالنا الشريرة هو هذا الثِقل في قلوبنا الذي يؤدي إلى حالة من الندم الأعمق.

إن كسر الوصية جلب السقوط الذي هو انفصالنا عن الله وعن كل ما يتعلّق به. قَبِل الله توبتنا وعودتنا وخضوعنا له بعدما أصلح علاقتنا بمحبته وقداسته. بحسب الآباء، إن الشكل الأكثر قبولاً للتوبة هو الدموع الساخنة التي تصل بذاتها من آلام القلب الذي يشعر بذنبه الكريه و خيانته لمحبة الله الأبوية.

كلما ازداد عمق شعورنا بأن خطيئتنا هي جرح مميت، كلما اقتربنا من السجود لله في صلاة التوبة. هذه الصلاة تطلقنا أحيانًا من روابط المكان والزمان، حتى نشعر بأننا مختلفون تمامًا.

أَخْطَار مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ

أَخْطَار مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ

الراهب أرسانيوس من دير الكوتلوموسيو في الجبل المقدس

في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس ، في الفصل 11 ، الآية 26 ، يعدد الرسول بولس الأخطار التي تواجه الرسل. كانت هناك ثمانية أخطار من هذا القبيل، وآخرها كان أَخْطَار مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ“. قدّم الراحل بانايوتيس ترامبلاس تفسيراً مقتضباً حيث يشير: “في مخاطر من أشخاص كانوا أصدقاء مزيفين يحملون اسم مسيحيتحت ذرائع زائفة”. كان ترامبلاس محقاً في الإشارة إلى ذلك لأن الإخوة الكذبة هم أولئك الذين يأتون إلينا كأصدقاء، في حين هم بالحقيقة غير ذلك، لأن لديهم آفاق مختلفة، وهي معادية لنا.

غادر القديس بولس هذه الحياة على الأرض في سنة 64 ميلادية كشهيد. نفترض أنه كتب الرسالة في وقت ما بين سنتي 50 و60. يتساءل المرء كيف أن هذه الازدواجية النجسة ظهرت ونَمَت بسرعة كبيرة، فيما كانت الأحداث الخلاصية، تضحية الرب على الصليب والقيامة، لا تزال بشكل ما جديدة، والفرحة المستمدة منها ما زالت سائدة. وإذا كان في مثل هذا الوقت القصير شقّ المتخاصمون طريقهم بجرأة إلى رسل المسيح القديسين، فماذا نقول عن عصرنا حيث محبة المسيح في معظم الأحيان هجرت من بيننا؟ في ذلك الوقت، في زمن القديس بولس، قد نكون على يقين من أن الأشخاص الذين يعانون من ازدواجية كانوا أقلية. ماذا يمكن أن نقول عن أيامنا؟

حقاً، مَن هم الأغلبية، الأصدقاء الزائفون أو الأصدقاء الحقيقيون في محبة المسيح؟ إذا قلنا أن هناك أكثرية من النوع المزدوج، فلا ينبغي أن نُحبَط، لأن السعادة غير متوفرة في الأماكن التي يوجد فيها الكثير من الناس، بل حيث تكون نعمة الروح القدس. قد نقول إن الصديق الزائف هو شخص ينكر بطريقة متعمدة طريقة التفكير بحسب صليب المسيح وبدلاً من ذلك بإرادته الحرة الخاصة يحتضن الأضداد الثلاثة لهذا الرأي: الطموح، والجشع، ومذهب المتعة. الأصدقاء الحقيقيون في المسيح يعلنون حربًا مفتوحة على هذه الشرور الثلاثة ويحاربون ببأس وقوة، حتى ولو سقطوا أحيانًا أو هزموا من ضعف أو عانوا انسحابًا بنّاءً للنعمة الإلهية. لكن بطبيعة الحال، النصر النهائي سيكون لهم بشرط أن يجاهدوا للحفاظ على المسار وأن يبقوا أصدقاء حقيقيين للمسيح حتى النهاية.

نقول هذا لأن الناس أحرار في اختيار ما هو حقيقي أو ما هو اصطناعي حينما يريدون.

يقول لنا القديس بولس أخطار من إخوة كذبة“. قد يكون، يا أصدقائي، أسوأ خطر على الإطلاق، لأنه دائمًا معنا، وغالباً ما لا نملك السبل والوسائل الكفيلة لتفادي هذا الخطر، ما يؤدي إلى أن تسحبنا شبكة الشر التي من جانب إخوتنا الكذبة. هؤلاء الناس لا يتحكمون بضميرهم ولهذا السبب غالباً ما يكون على وجوههم تعبير عن الفرح، لكنه تعبير ساخر ومنفّر.

إنهم بلا شك فخورون بـ العملالذي يقومون به، وفي هذه الأثناء، الإخوة الحقيقيون للمسيح يئنون تحت الحزن الناجم عن إخوانهم وأخواتهم المخادعين. لقد قام الإخوة الزائفون بتكميم ضميرهم وإفساده، في حين أن أصدقاء المسيح الحقيقيين يبقونه حيّاً، حتى يشهد لهم عندما يتصرّفون بشكل جيد ويعاقبهم بصرامة على أي خطأ قد يرتكبونه.

يمكننا قول الكثير عن اليوم، لأن أشياء كثيرة تتفاقم، وخاصة من جانب الإخوة الكذبة. نراهم يعملون علامات وعجائب تدمر إيماننا الأرثوذكسي وليس لديهم أدنى سيطرة على ضميرهم. ونحن نراهم يخطفون المواقع بلا خجل ممن هم أكثر استحقاقاً منهم، بالرغم من أن قدرتهم على العطاء هي دون أولئك بكثير. والأهم من ذلك أننا نراهم يقاتلون ضد عمال الروح القدس الخلاصي بدون خجل ولا حتّى حياء. كما نراهم أيضًا في حياة القديسين، إنهم هم الذين أهانوا واضطَهَدوا القديسين كيوحنا الذهبي الفم وسمعان اللاهوتي الحديث ونكتاريوس أسقف المدن الخمس وغيرهم الكثير. هؤلاء القديسون الذين ذكرتهم لم يفترِ عليهم ويشهّر بهم الوثنيون والهراطقة، بل إخوانهم، الذين كما قلنا، كانوا إخوة مزيفين، أي أنهم كانوا يرتدون قناعاً ويتظاهرون بأنهم مسيحيون أرثوذكس. أن يتعرض الإنسان للاضطهاد من قِبل أشخاص من أتباع الديانات الأخرى هو أمر، وعندما يكون المسيحيون الأرثوذكس هم الذين يقومون بالمطاردة والترصد إلى أن تسنح لهم الفرصة، ويصبحوا قادرين على الظهور كأناس مخادعين على حقيقتهم، هو أمر آخر.

فليحمِنا المسيح وسيدتنا من هؤلاء الإخوة والأخوات الخطرين. آمين

يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ

يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ

الأب أندرياس أغاثنجلوس

في الفترة التي تلي عيد الفصح، عند الاحتفال بالخدم بحسب البندكستاري، تكون القراءات الإنجيلية في الآحاد من إنجيل يوحنا. في الأساس، يقتبس الإنجيليّ معجزة أو شفاء على يد يسوع، وقبل الرواية أو بعدها، يعطي تفسيره اللاهوتيّ. وهكذا ، في حالة شفاء الرجل الذي كان أعمى منذ مولده، يشير القديس يوحنا إلى أهمية النهار والنور.

يكشف الرب عن نفسه على أنه نور العالموأنه يعمل أعمال الذي أرسلهما دام نهار. ولأن المسيح قال أنه يقوم بعمل الذي أرسلهفإن أردنا أن نكون مسيحيين مخلصين لربنا، علينا نحن أيضًا أن نؤدّي أعمال الله: أي الأعمال التي من أجل خلاصنا وخلاص العالم. ليس بمعنى الرسالة أو الخدمة الكهنوتية المحدد، بل بمعنى المهمة الأساسية التي يتعين على كل واحد منا القيام بها في حياتنا كوصية من الله. “يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ“.

تكمن دهرنة المسيحيين في حقيقة أننا تائهون على طريق الحياة المفروضة علينا. لقد قبلنا هذا الأمر لأنه يشبع تقديرنا لذاتنا. نحن نعيش كما لو أن حياتنا لن تنتهي يومًا ما. لهذا السبب،ولا محالة، تحلّ التوافه مكان مهامنا، والسطحي يخفي الأساسي والعابر يتخطّى الأبدي.

لا يهدف انتقادي إلى الإدانة بل فقط إلى الإشارة إلى ما نفقده بشكل لا رجعة فيه.

سبب ذلك بحسب القديس مكسيموس المعترف:

عندما أصلي شكلياً أفقد علاقتي الشخصية مع المسيح الذي يُحِبّ ويُحَبّ كشخص.

عندما أطلق العنان لأهوائي أفقد ثقتي الحسنةأمام الله.

عندما أذهب إلى الكنيسة لا كحاجة بل كواجب أفقد سلامي الداخلي.

عندما أعمل بجد بدون أيام استراحة أو عطل أفقد فرحة العمل والاسترخاء.

عندما أقطع الاتصال مع أناس أهتم بهم ومع أصدقائي القدامى أفقد جمال الحياة.

عندما لا أعبّر عن مشاعري أفقد الحرية والوفاء كشخص.

وبالطبع، يمكن إيراد أمور أخرى أيضًا، ولكن مرة أخرى، لن تحدد هذه الأمور الحياة التي تم منحها لنا كهبة والتي نحن مدعوون إلى بذل جهد لعيشها. إذا نظرنا بهدوء وبكل بساطة داخل أنفسنا فإن كل واحد منا سوف يكتشف ما عهد به الله إلينا والذي نحن مدعوون للعمل عليه حتى نتمكن من عيش حياة حقيقية لا تعترف بالموت نهاية لها. لتحقيق ذلك لا يتطلب الأمر القوة بقدر ما يتطلب الإرادة والرغبة والجرأة.

نحن مدعوون، كل واحد منا على حدة، ومعاً ككنيسة، إلى القيام بالعمل الذي عهد به الرب إلينا، لكي نصبح مثله، نوراً في عالم متعثر ويريد أن يُنار. دعونا نعمل الآن، فيما نحن أحياء، لأن يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ“.

رسالة رعائية حول المناولة

رسالة رعائية حول المناولة

أشعياء مطران دنفر للكنيسة اليونانية في أميركا

في الأول من ايار 2018

الرسالة رقم 29

إلى الآباء الموقرين وأعضاء الرعايا المؤمنين في أبرشية دنفر المقدسة

أيها الأحباء بالرب

بلغني أن عدداً متزايداً من الأشخاص في رعايانا يتقدمون إلى المناولة الإلهية لكنهم يصرّون على الكاهن ألا يناولهم من جسد المسيح بل من الدم فقط. يشرح هؤلاء لكهنتهم أن أطباءهم، وعلى الأكيد ليسوا من الأرثوذكسيين، يطلبون منهم عدم أكل أي نوع من الخبز لأن هذا يؤذيهم.

إن كان في رعايانا أرثوذكسيون يؤمنون بأنّ بعد استدعاء الروح القدس في القداس الإلهي، تبقى التقدمة خبزاً وخمراً فينبغي أن لا يتناولوا من الجسد والدم المقدسين من بعد أبداً إلى أن يؤمنوا بأن السر المقدّس هو حضور روحي للسيد بشخصه أي بجسده ودمه.

إنها لَنِعمة عظيمة حقاً من القديس بولس، الرسول الإلهي إلى الأمم ، بأن يفسّر مخاطر تناول جسد ودم ربنا المقدسين، وذلك لأسباب مختلفة تماماً عن العلوم الطبية. يقول القديس بولس: “إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ. وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ. مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ.” (1 كورنثوس 27:11-30)

في ما يتعلق بهذه الكلمات القوية للقديس بولس، هل يوجد في الرعية مَن يعانون من المرض، ربما لأنهم لم يستعدوا لتناول التقدمة الإلهية من جسد ربنا ودمه؟ وإذا كانت تعليمات الطبيب لهم بعدم تناول الجسد (الخبز) لأنهم يعتبرون أن معرفة الطبيب الطبية أكثر أهمية من الإفخارستيا المقدسة، فعندئذ لا ينبغي أن يتناولوا القربان المقدس من الرب، إلا إذا كانوا يعتقدون أن معرفة خالق الكل عن الحياة الأبدية تفوق كل العلوم الطبية في هذا العالم الساقط.

إن هذه المسألة الخطيرة هي دليل كافٍ على أن العالم الدهري يتطور إلى فلسفة خاطئة مفادها أن العالم ذاتي الإنشاء، بحسب النظرية القائلة بأن كل الخليقة طارئة وعرضية. وبالتالي، فإن العالم القائم على المادية، وبخاصة الإنسانية، يحدد ذاته أكثر فأكثر على أساس ما يرضيه لأنه لا يعترف بخالق إلهي.

إن أي عضو في الرعايا لا يؤمن بشكل كليّ بأن الرب يسوع المسيح هو خالقنا، وأنّه أتى إلى العالم متّخذاً جسدنا البشري، وأن جسده كامل، وبذل نفسه على الصليب من أجل خلاصنا الأبدي، فيُرجى مساعدة هؤلاء الأشخاص على تبيان خطئهم إذا شاؤوا أن يصغوا. بالطبع، الأمر يعود إليهم لممارسة حريتهم في قبول ربّنا كما نعرفه، أو اتّخاذ الاتجاه الآخر أي الابتعاد عنه. نحن نصلّي لكيما الروح القدس يهبهم الاتجاه الوحيد إلى الحياة الأبدية وهي أن يعرفوا ويحبوا ربنا يسوع المسيح كمخلصنا وفادينا.

مع البركة الأبوية

أشعياء، ميتروبوليت دنفر

أهمية هذه الرسالة أنها تعالج موضوعاً يتلافى الكثير من الرعاة مقاربته خوفاً من أن ينفر بعض الذين يشركون بالصلاة ويمتنعوا عن المشاركة في القداس. فالبعض مثلاً لا يتناولون خوفاً من انتقال أمراض إليهم، فهؤلاء أيضاً ينبغي أن يصار ألى الاهتمام بهم. فالمناولة أصلاً هي لشفاء النفس والجسد، وهذا ليس كلاماً جزافاً يقوله الكاهن أثناء المناولة، بل هو وصف دقيق لما يجري التعاطي به. من هنا أن اختيار هذه الرسالة لترجمتها هو للقول بأن الراعي الصالح يهتمّ حتّى بهذه التفاصيل، ويسعى لأن تكون الأمور بلياقة وترتيب على كل المستويات. عسى أن يكون نشر أمور مثل هذه على بساطتها حافزاً لزيادة الوعي بين المؤمنين فيحفظون الأداء غير منثلم ويساعدون الكهنة على أن تكون خدمتهم بلا عيب. (الأب أنطوان ملكي)

المهام الخمسة للاهوتي في القرن الواحد والعشرين

المهام الخمسة للاهوتي في القرن الواحد والعشرين*

د. يوحنا بانايوتو

ما هي المهام الخمس للاهوتي في القرن الحادي والعشرين؟ المهمة الأولى هي أن يكون رجلَ أو امرأةَ صلاة. فقط في عزلة الصلاة يمكننا أن نشترك في حياة الثالوث القدوس. فقط عندما نقترب من الوحدة والانسجام اللذين يتشارك بهما الآب والابن والروح القدس معاً، يمكننا أن نجد الانسجام في حياتنا حيث يمكن اكتشاف وتنمية الحكمة والسلام والفطنة.

المهمة الثانية للاهوتي هي إعلان الإنجيل (الإنجيل، حرفياً باللغة اليونانية هو الخبر السار). اللاهوتي مدعو إلى إعلان الأخبار السارّة إلى عالم الأخبار السيئة. أساس الأخبار السارة هو أن يسوع المسيح قام من بين الأموات. هذه هي الرسالة المركزية التي تعلن الحدث الأكثر قدرة على التغيير في التاريخ؛ حدث لا يغيّر حياة الأفراد وحسب بل يغيّر الثقافات والأمم وحتى الحضارات.

الجميع مدعوون إلى الحياة الجديدة التي تُمنَح من خلال هذا الحدث التغييري، وطريقة الدخول الأولى هي التبشير بالإنجيل – إذ يجب سماع الأخبار الجيدة قبل أن يتمكن المرء من ولوج الحياة التي يعلنها. إن المشاركة في هذا الإنجيل، هذه الحركة إلى الحياة الجديدة هي خبرة ذاك الذي يعلنه. إن الإنجيل إذن شيء يجب أن يُسمع أولاً، ثم يأتي الإيمان به، ومن ثم يأتي التصرف بناء عليه. يكتب الرسول بولس في رومية أن يسوع هو الوفاء بالوعد الموسوي (الفصول 3-4). في 1 كورنثوس يكتب الرسول كيف أصبح الإله الحقيقي ملكًا بشخص يسوع وبذلك استبدل البشرية المحطّمة وحوّلها (الفصل 15).

يعيش المسيحيون بين القيامة، أي الحدث الذي حوّل كل الكائنات الحية، والمجيء الثاني أي عندما يأتي المسيح مرة أخرى لكن هذه المرة في المجد. يعود كملكٍ حاكم لتدشين مملكة جديدة سوف تتصالح مع الخليقة الكونية كلها مرة أخرى، وهي ما نختبره نحن المؤمنون ببعض الأشكال.

المهمة الثالثة للاهوتي هي مساعدة الناس على العيش في الواقع وعدم التواجد في الوهم الروحي. يزداد الوهم الروحي في أيامنا هذه على الرغم من أن كل جيل قد قاتله بطريقة أو بأخرى. يقول الكتاب المقدس أن الحق يحرركم، لكن من المهم تذكّر أن يسوع قال أنا الحق“. لا يمكن اختزال اللاهوت إلى المفاهيم المجردة وحدها. إن للاهوت قيمة فقط إذا كان يشير إلى مَن هو الحق أي يسوع المسيح، وينطلق منه. فاللاهوت الحقيقي ليس مجرد مجموعة من الكلمات عن الله بل يجب أن ينير ويكشف المضمون الواقعي الوجودي للقاء الحقيقي مع المسيح القائم من الأموات الذي يمكنه أن يحرّر المؤمن ويحوّله.

يدخل الوهم الروحي عندما يتخلّى اللاهوت عن هذا البعد المواهبي والتغييري في الشركة مع الله. يعود المؤمن مجدداً إلى انكسار العالم الساقط عندما يُنكَر هذا البعد أو عندما يخفت الوعي له. يقول الرسول بولس أن التغيّر يبدأ بأفكارنا أو نوسنا باللغة اليونانية (رومية 12: 2). يعلّم آباء الكنيسة وجوب أن ينزل العقل إلى القلب، ووجوب تنميةِ ذهنيةِ التوبة عند أسفل صليب المسيح لكي نختبر قوة وفرح ما بعد القيامة اللذين يمنحهما المسيح. من خلال الصليب يأتي الفرح إلى العالم، وهذا ينطبق على المؤمن البسيط كما انطبق على يسوع عندما احتمل الإذلال الشديد معلقاً على الصليب.

المهمة الرابعة للاهوتي هي أن يكون إناء لمحبة الروح القدس الروحية وقوته ونعمته. من دون الطاعة لله، لا يكون اللاهوتي ينبوعاً للإنعاش السري، بل بالأحرى صحراء قاحلة من الحقائق الفارغة المجرّدة من المعنى الحقيقي. يجب أن يكون يسوع مركز كلّ ما يقوله اللاهوتي ويفعله.

نحن لا نعبد عقيدة أو كتاباً مقدساً أو كنيسة أو فلسفة أو لاهوتاً أو إنجيلاً اجتماعياً، بل نحن نعبد شخصًا وهو يسوع المسيح الألف والياء، البداية والنهاية، كما يخبرنا القديس يوحنا اللاهوتي في الرؤيا التي كتبها في جزيرة بطمس.

وأخيرًا ، إن المهمة الخامسة لللاهوتي هي أن يكون متجذّراً في الكتاب المقدس وأن يتغذّى بشكل أسراري. يجب أن تكون الكنيسة أهم مبنى في الحرم الجامعي لكل طالب. فقط مع هذا التركيز يبقى الشخص متجذراً في رسالته وقادراً على الصعود نحو اللاهوت الجاد. الكنيسة هي أهم مبنى في الحرم الجامعي عملاً بقول الرب يسوع اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ” (متى 6). هذه هي الطريقة الوحيدة لنتمكن من تحقيق دعوتنا أولاً كمسيحيين ومن ثمّ كلاهوتيين. اللاهوت يبدأ بالصلاة والعبادة.

قد تبدو صفات اللاهوتي هذه وكأنها أمر مستحيل إذا حاولنا ذلك متكلين على ذواتنا. لكن، إذا كنا نثق بقوة الله ونعتمد عليها، فإن كل الأشياء ممكنة. استمرّوا بالصلاة واطلبوا وجهة ربّنا في بداية هذا العام الدراسي. ولنتأمل هنا بكلمات القديس يوحنا الذهبي الفم: “مَن يستطيع أن يصلّي بشكل صحيح، حتى ولو أنه أفقر الناس جميعاً، هو في الأساس الأغنى. ومن لا يملك صلاة لائقة، هو أفقر الناس، حتى لو كان يجلس على عرش ملوكي“.

* من كلمة لطلاب اللاهوت في افتتاح العام الدراسي

كنيسة أنطاكية ولقاء كريت الكبير: شيء من مراجعة

كنيسة أنطاكية ولقاء كريت الكبير: شيء من مراجعة

الأب أنطوان ملكي

نظّمت كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي، اليونان، المؤتمر الدولي الثامن للاهوت الأرثوذكسي، في حرم الجامعة ما بين 21 و25 من أيار 2018. شارك في هذا المؤتمر 120 من الرؤساء واللاهوتيين الأكاديميين، كهنة وعلمانيين، وباحثين شباب من النساء والرجال، من 25 جامعة ومعهد لاهوتي ومن 15 دولة. عنوان المؤتمر كان المجمع الكبير المقدس للكنيسة الأرثوذكسية: اللاهوت الأرثوذكسي في القرن الحادي والعشرين“. وهذا المؤتمر، كما يرِد في الاسم، هو الثامن من سلسلة مؤتمرات بدأت في 1936، وهو الأول بعد انعقاد ما عُرِف بالمجمع الكبيرفي كريت في 2016. هدف المؤتمر كان محدداً بمناقشة قرارات مجمع كريت وتقديم اقتراحات لجدول أعمال المجمع الكبير القادم. شارك في الجلسة العامة أصوات من غير الأرثوذكس: المسيحيين الشرقيين، الكاثوليك، الأنكليكان واللوثريين ومجلس الكنائس العالمي.

قُرئ في المؤتمر كلمات ورسائل من عدد من البطاركة. لم يرد في الإعلام أنه كان هناك رسالة من البطريرك الأنطاكي. شارك الأب بورفيريوس جورجي عميد معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في جامعة البلمند في المؤتمر وقرأ كلمة لم تنشَر بعد بين الأوراق التي تمّ نشرها على مدونة “ΘΕΟΛΟΓΙΚΑ ΔΡΩΜΕΝΑ” العائدة لكلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي التي نظّمت المؤتمر. والجدير بالذكر أن كتاب أعمال المؤتمر لم يصدر بعد.

من بين الذين قدّموا مداخلات في المؤتمر هو السيد ألبيذوفوروس لامبريديس مطران بورسا الذي شغل دور الناطق الرسمي لمجمع كريت أثناء انعقاده. مداخلته كانت بعنوان المجمع الكبير المقدّس التالي: أسئلة تتعلّق بجدول الأعمالوفيها عدّد المطران ما تمّ إنهاؤه من القضايا في 2016 وما سوف يُنقَل إلى المجمع المقبِل الذي بدأ الإعداد له. من المثير للاهتمام توقّفه مطولاً عند مقاطعة أنطاكية ورأيه في مجريات الأمور حيث يقول: “كانت كنيسة أنطاكية قد سلّطت الضوء منذ فترة طويلة على حقيقة أنها تعتبر اختلافاتها مع كنيسة القدس حول نطاق سلطتها ذات أهمية أساسية. لقد طلبوا مراراً من البطريرك المسكوني أن يتدخل. أخذ قداسته مبادرتين على الأقل سعياً لحلّ المشكلة ؛ للأسف، لم تكن ناجحة، وبالتأكيد ليس بسبب أفعاله، بل بسبب الموقف المستعصي للفريقين المعنيين. إلى هذا، لم يستطع البطريرك برثلماوس، ولم يكن من حقه، الربط بين انعقاد وسير المجمع الكبير المقدس الذي كان قيد التحضير لعقودوتطور نزاع ثنائي ليست الأرثوذكسية بمجملها مسؤولة عنه. من هذا المنظور، أعتقد، مع كامل التوقير، أن إصرار بطريركية أنطاكية القديمة كان في غير أوانه. إن حلّ نزاعها مع كنيسة القدس شكّل شرطًا للمشاركة في حدث رئيسي وتاريخي في حياة الكنيسة. أتذكر أن البطريرك المسكوني خلال آخر اتصال له مع بطريرك أنطاكية، قبل انعقاد المجلس في أيار 2016 ، قد سلّط الضوء على حقيقة أن الوقت الميتبقّي ليس كافياً لتحصيل حلٍّ مؤاتٍ بشأن قضية قطر. وبالإضافة إلى ذلك، التزم بالعودة إلى معالجة القضية مجدداً مباشرة بعد الانتهاء من المجمع، بينما حثّه في نفس الوقت على عدم مقاطعة هذا الحدث الكبير في الكنيسة. لم يقبل بطريرك أنطاكية حتّى بهذا الالتزام الذي تعهد به البطريرك المسكوني. وأنا على يقين الآن، بعد عامين من انعقاد المجمع، من أنّ رؤساء الكهنة الموقرين في كرسي أنطاكية، بإظهارهم المزيد من الاتزان والوضوح في التفكير، هم في وضع يسمح بإعادة تقييم القرار المتشدد الذي اتّخذوه في حينه. ومع ذلك، بعد تحليل الأستاذة اليزابيث برودرومو للتوازنات الجيوستراتيجية، لا يمكنني مقاومة إغراء الإشارة إلى أن المعانقة الشديدة بين دمشق وموسكو في السياسة والشؤون العسكرية والمالية والطاقة، هي عامل يؤثّر على موقف كنيسة أنطاكية. قد تكون حالة بطريركية أنطاكية، من بين الكنائس التي لم تحضر، الوحيدة التي يمكننا أن نظهر لها تفهماً، خاصةً مع الأخذ في الاعتبار جميع الأسباب المذكورة أعلاه.”

إذاً، بعد عامين من انعقاد المجمع، يحلل غير الأنطاكيين موقف أنطاكية، دون أن يتسرّب إلينا، أي الشعب الأنطاكي، أن أنطاكية قيّمت أو هي بصدد تقييم ما جرى. لكن التساؤل حول هذا الأمر شرعي، بغض النظر عمّا إذا توفّر مَن يجيب أو لا، وبغض النظر عن قيمة هذا اللقاء. هل قضية قطر تستحق قطع شركة مع كنيسة أخرى في زمان الانفلاش المسكوني؟ هل رأى آباؤنا أن قطع الشركة مع مَن هو أصلاً مغتصب للسلطة يؤدّي إلى حلّ؟ هل ما زالوا يرون ذلك الآن؟ هل كان لديهم خطة بديلة؟ كيف ربط آباؤنا بين مقاطعة لقاء كريت وحلّ قضية قطر؟ ما هو ردّ أنطاكية على الكلام الصادر عن الناطق الرسمي باسم اللقاء الكبير؟

لا يبدو أن الشعب الأنطاكي المقيم في قطر على علم، أو على اهتمام، أو هو ملتزم بقطع الشركة. ولا يبدو أن الشعب الأنطاكي المقيم في لبنان وسوريا على علم، أو على اهتمام، بقطع الشركة هذا. ولا يبدو أن هذا القطع أدّب مَن ينبغي تأديبه. فما هي الخطوة التالية؟ هل سوف تقاطع أنطاكية المجمع المقبل؟ هل نتّكل على أن الإعداد للقاء الأول دام ما يقارب القرن وبالتالي هذا ينطبق على اللقاء الثاني؟ هل أنطاكية هي فعلاً في معسكر، وبالتالي فقدت دورها الجامع؟ كيف قررت ذلك؟

هل يملك أحد أجوبة؟

الإدارة الكنسية وأشكال تقهقرها

الإدارة الكنسية وأشكال تقهقرها

الأب أنطوان ملكي

قد يكون الكلام سهلاً في التوصيف والتحليل والتشخيص لما يجري في أي مجتمع أو جماعة أو مجموعة على طريق الاندثار. لكن الصدق في المسعى يلزِم المرء توخي الحذر، خاصةً إذا كانت الجماعة المعنية كنيسة. إن السمة الإلهية البشرية للكنيسة لا تحرمها ولا تحميها من الخضوع لعلوم العالم خاصةً في بعض أوجه التقييم.

قد تسود العقلية الدهرية في الكنيسة. فقد تزدهر المؤسسات وتكثر، ويزيد رواد الطقوس خاصةً في الأعياد. لكن هذا كله لا يشير بالضرورة إلى الصحة. على سبيل المثال لا الحصر، التزايد المضطرد في عدد المرتلين قد يكون صحياً وعنصر جذب للمؤمنين إلى الخدم، لكنه يفقد تقديره وإنجازه حين يصير المرتلون أنفسهم مؤدّين لهذه التراتيل في المطاعم والمسارح والشوارع والباصات، أي عندما يتمّ فصل الترتيل عن الصلاة. تفقد المعرفة الموسيقية دورها حين تفقد حس التقوى فتستحيل تجديفاً.

أمام الواقع الدهري يصعب التقييم. فبحسب الأعداد ومقاييس الدهر الوضع أفضل، بينما بحسب التقليد والتقوى الوضع خطير وإن دلّ فعلى تراجع روح الصلاة. هذا كلام عامّ ينطبق على كل الجماعات المسيحية. في حالة الأرثوذكس يصير الأمر أكثر صعوبة لعدم توفر المعلومات الدقيقة، خاصةً في الشرق. لكن هذا لا يعني أن ما ورد لا ينطبق.

ففي الكنيسة الأرثوذكسية اليوم حالات أخرى يمكن مقاربتها بنفس المنطق، كرسم الأيقونات وانتشار الجداريات في الكنائس. أن تكون رعية قادرة على رصد مبالغ كبيرة لرسم جدران الكنيسةهي عشرات أضعاف ما ترصده للمساعدات المَرَضية والاجتماعية والتربوية، فهذا ايضاً تجديف ودليل تقهقر. أن يكون عشرات الكهنة مهتمّين بالتسويق للسياحة الدينية وغير الدينية، فيما هم لا يجرؤون على إلزام رعيتهم بتغطية عملية جراحية لمريض أو تأمين دواء لطفل، فمنتهى التقهقر يكون هنا.

هناك الكثير من الدراسات عن ظواهر سقوط الجماعات الدينية، لكن غالبيتها لا تنطبق على الكنيسة الأرثوذذكسية لأنها تتعاطى مع الجماعة البشرية من دون إعطاء الطابع الإلهي حجمه الذي يستحيل قياسه أصلاً. من هنا تصير مقاربتنا لهذا الموضوع أكثر صعوبة. فالتقهقر واضح وظواهره متعددة. إنّما ينبغي تحديدها بشكل واضح يقدر مَن يحكي عنه أن يدافع عن كلامه. فإن قلنا أن المشكلة هي في الرعاية، وجب علينا أن نحدد أين: فهل هي رعاية الأساقفة للكهنة؟ أم الكهنة للمؤمنين؟ أم المؤمنين للإكليروس؟ أم هي غياب هذا التفاعل الحيّ بين هذه المكونات الثلاثة؟ وما سبب غياب هذا التفاعل؟ أهو الكبرياء أو الاستهتار أو الجهل أو المزيج القاتل من هذه جميعاً؟ وقد يأتي مَن يقول أن مَن يطرح هذه الأسئلة يعرف الجواب ويتلافى ذكره، وفي هذا إدانة لمَن يقوله لأنه يعني أنه يعرف الجواب ولا يعمل شيئاً للإصلاح.

أن مؤشرات وملامح سقوط وانهيار واندثار الجماعات يبدأ من خلال بروز عدد من الظواهر التي تكوّن الأسباب الرئيسية للسقوط. تختلف آراء الدارسين في تحديدها لكن المشترَك بين الغالبية القصوى منهم هي ثلاثة عوامل: أولاً، شيوع فساد القضاء. ثانياً، شيوع خيانة الأمانة الوظيفية المسؤولة، وثالثاً، شيوع تعاطي النفاق والرياء بين المتقدمين.

لو أردنا تطبيق هذه العوامل على الكنيسة الأرثوذكسية، في أي مكان من العالم، لوجدنا أنها تطال الطبقة العليا بالدرجة الأولى، أي المجمع. فالمجمع هو القضاء، وهو القاطع باستقامة في مراقبة تنفيذ الوظائف من أصغرها، كالمرتل مثلاً، إلى أكبرها كالأسقف نفسه. والمجمع هو أصلاً مجموعة المتقدمين.

إذاً، إذا أرادت كنيسة أرثوذكسية من الكنائس الستة عشرة، أن تستشرف مستقبلها عليها أولاً أن تقيّم أداء مجمعها. وأن نقول بتقييم أداء المجمع يعني أن يبادر المجمع بنفسه إلى هذا التقييم لأنه هو السلطة ولا سلطة لأحد عليه. فإذا عجز المجمع عن ذلك على الجماعة المؤمنة أن تبادر إلى هذا التقييم. فإذا عجزت الجماعة، كهنة وعلمانيين، عن ذلك يعني أن لا داعي للتقييم لأن النتيجة واضحة بأن هذه الكنيسة هي في الحضيض ولا يقيمها إلا الذي نزل إلى الجحيم وأقام المائتين منذ الدهر. لكن في هذه الحالة ما العمل؟ أيتفرجّ المهتمّون؟ الجواب هو نفسه أولاً وأخيراً. العمل هو استدعاء الرب ليأتي ويتعهد الكرم الذي غرسته يمينه ولا يترك الأجراء كائناً مَن كانوا على سجيتهم في العمل. إذا كان تقييم الكنيسة إيجابياً فعلى المؤمنين أن يستدعوا الرب ليبقى في كنيسته. وإذا كان سلبياً فعليهم أن يستدعوه ليقيمها. لكن ماذا إذا كان المؤمنون غير مهتمين؟

السنة الرابعة عشرة، العدد السابع، نيسان 2018

السنة الرابعة عشرة، العدد السابع، نيسان 2018

مختارات آبائية

القديس لوقا رئيس أساقفة القرم، عظة في أحد توما

الميتروبوليت أنطون بلوم، عظة في أحد السامرية

إجابات الراهب سمعان الأثوسي الحكيمة

حياة روحية \ لاهوت

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، عمل المسيح على الصليب

خريستوس كاراذيموس، السمات المميّزة للروح الأرثوذكسية

سرجيوس ساكوس، لا نريد القيامة

رعائيات

الأب أنطوان ملكي، عن الاستبداد

دراسات كتابية

الأب أنطوان ملكي، حول إنجيل السامرية

مسكونيات

المتقدم في الكهنة بيتر هيرز، حول الهوية الأساسية للمسكونية والعرقية الوطنية