السنة السادسة عشرة، العدد السابع، نيسان 2020

السنة السادسة عشرة، العدد السابع، نيسان 2020

مختارات آبائية

القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي، عن ضد المسيح وعلامة الوحش و666

الأب سيرافيم روز، عن نهاية الأزمنة

رعائيات

الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول، مراجعة روحية للكورونا

الخورية سميرة عوض ملكي، الغضب الإلهي

أسرة التراث الأرثوذكسي، ماذا يعلّمنا توما الرسول في زمن الكورونا؟

الأب أنطوان ملكي، الانتحال

لاهوت

المتقدم في الكهنة باسيليوس كالياكمانيس، كيف يكتب القديسون

جان كلود لارشيه، أصل الوباء الحاليّ وطبيعته ومعناه

الأب أنطوان ملكي، ما بعد الإنسانية

أبطال روحيون

معجزة جديدة في تخطي العقم للقديس سابا الجديد

عن ضد المسيح وعلامة الوحش و666

عن ضد المسيح وعلامة الوحش و666

القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي

نقلتها إلى العربية ماريا وسلوى الأشقر

سألني الشيخ: “قل لي يا بنَيّ ماذا قال الشيخ أميليانوس عن 666 وضد المسيح؟” فأجبته: “لقد قال لنا في اجتماع قبل أيام قليلة بألاّ نهتمّ. علينا أن نكون مهتمين باقتناء علاقة حيّة مع المسيح ولا نولي اهتماماً كثيراً لضد المسيح، كي لا يصير هو مركز حياتنا لا المسيح”. فإذ بالشيخ (القديس بورفيريوس) يضرب سريره بيديه ويقول: “ماذا قلتَ يا بنيّ؟ المجد لك أيها الإله، أني وجدتُ أباً روحياً يوافقني! يا بنيّ، هؤلاء الآباء الروحيون هنا في العالم، ماذا يفعلون؟ لقد أوقعوا النفوس في الاضطراب، وخلقوا الكثير من المشكلات في العائلات بالـ666. هناك أناس في العالم لا يستطيعون النوم ويتعاطون عقاقير نفسية وحبوب للنوم لكي يغفوا. ما هو هذا الأمر؟ المسيح لا يريد هذه الأشياء يا بنيّ. أأقول لك شيئاً؟”

فقلت: “ماذا أيها الشيخ؟”

فقال لي: “بالنسبة لنا نحن المسيحيين، عندما نعيش خبرة المسيح لا يوجد ضد المسيح. قل لي شيئاً، أنا أجلس على هذا السرير، أتستطيع أنت أن تجلس؟” أجبته: “لا، أيها الشيخ”. فسألني: “لماذا؟” فأجبتُ: “لأني إن جلستُ فسوف أسحقك”. فسألني مجدداً: “ألن تستطيع الجلوس هنا أبداً؟” فقلتُ له: “عندما تمضي، أَجلِسُ أيها الشيخ”. فقال لي: “بالضبط يا بنيّ. الأمر نفسه يحصل في النفوس. عندما يكون المسيح في داخلنا، أيستطيع ضد المسيح الحضور؟ أيستطيع أي شيء معاكس أن يدخل إلى نفوسنا؟ لهذا السبب يا بنيّ، نحن لا نقتني المسيح في داخلنا اليوم ولهذا السبب نهتمّ بضد المسيح.ـ

عندما نحوي المسيح في داخلنا كل شيء يصير فردوساً. المسيح هو الكلّ يا بنيّ وليس علينا أن نهابَ معاكسَه. هذا عليك أن تخبره للناس دائماً. ولأقلْ لك شيئاً. إذا جاء الآن ضد المسيح شخصياً ومعه جهاز يطلِق أشعة لايزر وختم عليّ 666 بالقوة، فلن أستاء. سوف تسألني: ’أيها الشيخ أليس هذا ختم ضد المسيح؟’ نعم، ولكن حتى ولو كتب عليّ 666 ألفَ مرة بأشعة الليزر، بشكل غير قابل للإزالة، فلن أستاء. لماذا؟ لأن يا ولدي، الشهداء الأوائل أطاحوا بالوحوش الضارية، وعندما رسموا إشارة الصليب صارت الوحوش الضارية كالحملان. لقد رموهم في البحر، ولكن عندما رسموا إشارة الصليب صار البحر كمثل أرض جافة وساروا عليها. رموهم بالنار، وعندما رسموا إشارة الصليب بردت النار. يا بنيّ المبارك، ماذا أصبحنا اليوم؟ أنؤمن بالمسيح؟ بصليبنا؟ لماذا أتى المسيح؟ ألم يأتِ ليشددنا في ضعفاتنا؟

هذا ما عليك أن تقوله للشيخ. وعليك أن تخبر الناس ألا يخافوا ضد المسيح. نحن أبناء المسيح، أبناء الكنيسة.” كل هذا ترك أثراً كبيراً عليّ.ـ

Source: Ανθολόγιο Συμβουλών Γέροντος Πορφυρίου, σελ 71, 72-75, δ΄ έκδ. 2003.

***

عن نهاية الأزمنة

عن نهاية الأزمنة

الأب سيرافيم روز

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أول ما ينبغي اقتناؤه للتفسير الصحيح لعلامات الأزمنة هو معرفة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، لا بالطريقة التي يبدو بها وحسب، بل وفقًا للطريقة التي فسرته بها الكنيسة؛ معرفة كتابات الآباء القديسين؛ معرفة تاريخ الكنيسة؛ والإلمام بمختلف أنواع البدع والأخطاء التي هاجمت فهم الكنيسة الحقيقي للعقيدة، وخاصة في الماضي. إذا لم يكن لدينا أساس في مصادر مثل هذه، فسوف نجد أنفسنا مرتبكين وغير مستعدين. فبالضبط ما يخبرنا به ربنا: كونوا على أهبة، كونوا مستعدين. ما لم يكن لدينا هذه المعرفة الأساسية، فإننا لن نكون مستعدين وسنسيء تفسير علامات الأزمنة…ـ

أهم ما يكتسبه المرء من خلال الكتابات الأرثوذكسية الأساسية هو فضيلةٌ تسمى التمييز. عندما نلتقي ظاهرتين يبدو أنهما متطابقتان أو متشابهتان تمامًا مع بعضهما البعض، فإن فضيلة التمييز تسمح لنا برؤية أي هي الصحيحة وأي هي الباطلة: أي تحمل روح المسيح وأي قد تحمل روح ضد المسيح.ـ

إن طبيعة ضد المسيح، الذي سيصبح آخر حاكم عالمي عظيم وآخر معادٍ للمسيح، أنه ليس ضد للمسيح وحسب. “ضد” لا تعني “معادياً” وحسب، بل أيضًا “أنه يقلّده ويدّعي مكانه”. ضد المسيح، كما يقول جميع الآباء القديسين في كتاباتهم عنه، هو الشخص الذي يقلّد المسيح، أي يحاول خداع الناس بالنظر، كما لو كان المسيح قد عاد إلى الأرض. لذلك، مَن كان فهمه للمسيحية ضبابياً أو يقرأ الكتاب المقدس بالاستناد إلى افكاره وحسب، وآراء المرء قد تأتي من الجو الذي ليس مسيحيًا بل معادٍ للمسيحية، فعندئذ سيصل إلى استنتاجات ضد المسيحية. عند رؤية شخص ضد المسيح، قد ينخدع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه المسيح.ـ

يمكننا أن نعطي عدداً من الأمثلة عن كيفية عمل فضيلة التمييز على فهم بعض الظواهر المعقدة قليلاً. إحدى هذه الظواهر هي الحركة المواهبية (الكاريزماتيك)… إذا نظرتم بعمق إلى ما يقولونه في هذه الحركة… ترون أن ما يسمّونه إحياءً روحياً وحياةً روحية هو في الواقع ما وصفه الآباء الجدد مثل الأسقف إغناتيوس بريانشانينوف بعناية بأنه خداع، أي نوع من حمّى الدم مما يجعلهم يبدون كما لو كان روحانيين في حين أنهم حقاً لا يدركون الحقيقة الروحية على الإطلاق. في الواقع، إنهم مختلفون عن الحياة المسيحية الحقيقية التي تنعكس في هذه الكتب الأرثوذكسية الأساسية اختلاف السماء من الأرض…ـ

مرة أخرى، يمكنكم أن تروا كيف يمكِّنُنا التمييزُ في تقييم الظواهر الأخرى التي قد لا تكون متطابقة مع الظاهرة الأرثوذكسية، بل هي أشياء جديدة. عندما تنظرون إليها لأول مرة، تتساءلون عن ماهية كل شيء. هذه هي سمة الموضات الفكرية: شيء ما ينطلق في الجو، يمسك به الجميع لأن الوقت مؤاتٍ، وبعد ذلك يبدأ الجميع في الحديث عنه ويصير موضة العصر. لا أحد يعرف كيف. كل ما في الأمر أن الجميع كانوا على استعداد لذلك، وفجأة ذكره أحدهم فبدأ في الانتشار في كل مكان.ـ

وهكذا، عودة إلى النقطة الأولى: نحن نراقب علامات الأزمنة من أجل التعرّف على المسيح عندما يأتي، حيث أنه كان هناك العديد من المسحاء الكذبة، وسيأتي المزيد من الكذابين، وفي النهاية سيأتي شخص يُدعى ضد المسيح. سيوحّد المسيح الدجّال كل الذين خُدعوا باعتقادهم أنه المسيح، وهذا سيشمل كل الذين فشِل تفسيرهم للمسيحية. في كثير من الأوقات يحدث أن تنظروا إلى بعض الأشخاص الذين يعترفون بالمسيحية، ويبدو أن العديد من أفكارهم صحيحة، أي أنهم يتكلّمون بحسب الكتاب المقدس. ثم تنظرون هنا وهناك، فترون خطأ من هناك، وخطأ من هناك…ـ

علامة أخرى من أعراض عصرنا هي العلامة التالية المذكورة في هذا الفصل من متى: أن محبة الكثيرين تبرد. يبدو أن هذه خاصية محددة في عصرنا، إلى درجة أكبر بكثير من أي وقت في التاريخ الماضي. يمكن للمرء أن يرى هذا في ما يُسمّى العدمية. يرتكب الناس جرائم بدون سبب معين، لا من أجل الربح ولكن فقط من أجل التشويق لأنهم لا يملكون الله بداخلهم. في مختلف الأماكن الآن، يمكن للمرء أن يرى غياب العلاقات الإنسانية الطبيعية في العائلات، والتي تنتج أناساً باردين. هذا النوع من الناس، في المجتمع الشمولي، يُستخدم كسائقين عبيد، يعملون في معسكرات الاعتقال وما إلى ذلك…ـ

كل علامات الأزمنة سلبية للغاية. إنها علامات على أن العالم ينهار، وأن نهاية العالم قريبة وأن ضد المسيح على وشك القدوم. من السهل جدًا النظر إلى كل علامات الأزمنة السلبيّة هذه والدخول في مثل هذه الحالة المزاجية التي لا نبحث فيها إلا عن الأشياء السلبية. في الواقع، يمكن للمرء أن يطور شخصية كاملة، أي نوعاً سلبياً من الشخصية، بناءً على ذلك. عندما يأتي أي خبر جديد، يقول أحدهم “نعم، بالطبع ، هذا ما هو عليه، وسيزداد الأمر سوءًا.” يأتي الأمر التالي ويقول أحدهم ، “نعم، نعم، من الواضح أن هذا ما سيحدث، والآن سيكون أسوأ من ذلك.” كل ما يحدث يُمظَر إليه على أنه مجرد تحقيق سلبي للأوقات الرهيبة.ـ

صحيح أن علينا أن نكون على دراية بهذه الأشياء وألا نكون متفائلين من غير داعٍ بشأن الأحداث المعاصرة، لأن الأخبار في عصرنا نادراً ما تكون جيدة. ولكن في الوقت نفسه، علينا أن نضع في اعتبارنا الغرض الكامل من مشاهدتنا لعلامات الأزمنة. نحن نراقبها ليس فقط حتى نعرف متى سيأتي ضد المسيح. هذا شيء ثانوي. نحن نراقب علامات الأزمنة حتى نعرف متى سيأتي المسيح. هذا شيء أساسي يجب أن نضعه في الاعتبار حتى لا نغرق في الحزن والاكتئاب أو الاعتزال بعد أن نخزّن الطعام من أجل الكارثة العظيمة. هذا ليس من الحكمة. علينا أن نكون مسيحيين أكثر، أي أن نفكّر بالآخرين، محاولين مساعدة الآخرين. إذا كنا أنفسنا باردين ومكتئبين ومتشائمين، فنحن نشارك في هذا البرودة، وهي علامة على النهاية. علينا أن نكون دافئين وأن نساعد بعضنا البعض. هذه هي علامة المسيحية.ـ

إذا نظرتم إلى التاريخ (في الواقع، هذا سبب وجيه آخر لقراءة تاريخ الكنيسة)، فسترون أنه طوال تاريخ البشرية بأكمله، في كل أنحاء العهد القديم والعهد الجديد وجميع الممالك المسيحية بعد ذلك، وإذا نظرتم إلى العالم الوثني، فالقصة نفسها: هناك معاناة مستمرة. حيث يكون المسيحيون هناك محاكمات واضطهاد، ومن خلال كل هذا بلغ المسيحيون ملكوت السماء. لذلك، عندما يأتي وقت الاضطهاد، من المفترض أن نفرح…ـ

***

مراجعة روحية للكورونا

مراجعة روحية للكورونا

الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

ما يلي هو إجابات على اسئلة طرحها مؤمنون على الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول، قبرص.ـ

سؤال: هل الأحداث الحالية هي علامات ضد المسيح ونتيجة القوى الظلامية والمؤامرات الناشطة؟

جواب: المسيح هو سيد العالم والتاريخ، وهو الحقيقة الوحيدة هي أنه منتصر. الأنبياء كتبوا كتاباتهم وفي فكرهم انتصار المسيح على قوى الظلام. مهما حاولت هذه القوى أن تعمل فلن تستطيع أن تغلب المسيح. لدينا رجاؤنا بربنا يسوع المسيح ولا نخاف، فلنبقَ مؤمنين، متحدين بمسيحنا وبكنيسته المقدسة، وكل الأمور الأخرى تتبدد وتُرمى بعيداً. لكن ما يجري الآن هو أمر فائق الطبيعة، والأمور لن تبقى على هذا المنوال. هذه الأزمة سوف تعبر. لا يمكن أن يُشلّ العالم كله. عند نقطة ما، سوف تعبر.ـ

من جهة أخرى، بالطبع، مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى الاهتمام بالشعب والنظر في حاجاته. ليكن كلٌّ منا متأهباً، ولنقتني روح اللطف إذ سوف يكون هناك حاجة كبيرة للإحسان، حتى ندعم واحدنا الآخر، وجميعنا الإخوة والأخوات الأكثر ضعفاً، حتى تعبر هذه العاصفة الرهيبة التي جاءت إلى منطقتنا، وإلى العالم بأجمعه. فلنكن مستعدين وننتظر قليلاً لنرَ كيف تتجه الأمور.ـ

الاهتمام بالماسونية والأمور الأخرى، كالمؤامرات والقوى الظلامية وغيرها، لا يفيدنا. ما يساعدنا بالأكثر هو معرفة المسيح في حياتنا، قراءة الكتاب المقدس. إذا بحثنا في الكتاب المقدس فهو يقول الشيء القليل عن ضد المسيح؛ فهو مكتوب عن المسيح! ينبغي أن يكون اهتمامنا موجهاً نحو المسيح والقديسين وسِيَرهم لنرى كيف عاشوا، كيف فكروا، كيف تعاملوا مع التجارب والصعوبات في حياتهم. بالطبع، هذا لا يعني أننا لا نؤمن بأن ضد المسيح سوف يأتي. هذه قالها المسيح، بالطبع نحن نؤمن بهذا. لكن ماذا عن قلبنا؟ وانتباهنا؟ فلتكن هذه جميعاً موجهة نحو الرب يسوع المسيح.ـ

سؤال: هل الله سبب هذه الجائحة؟

المسيح يمتحن كل شيء.هو لا يبارك كل شيء. بتعبير آخر، إنه يعرف كل شيء، ويسمح بكل شيء، لكنه لا يبارك كل شيء. إنه يعرف كل الأشياء الشريرة التي سوف نعملها في حياتنا، وهو يتركها تحدث. أهو إذاً يباركها؟ معاذ الله! المسيح لا يبارك جرائمنا، ولا أخطاءنا، ولا خطايانا، ولا يبارك كلّ ما لا يريده الله. وبما أنه لا يبارك هذه الأمور، لا نستطيع أن نسأل “لماذا يتركها تحدث؟” هذا بسبب وجود الحرية البشرية التي للأسف، يستطيع المرء أن يستعملها للقيام بأشياء لا يباركها الله. لهذا السبب، هناك أشياء كثيرة تجري في حياتنا والله لا يباركها ولا يريدها، لكن بسبب حريتنا وتعاسة استعمالنا لها، يسمح بحدوثها. الإنسان حر في القيام بكل ما يريد حتى لو أن الله لا يشاؤها. هذه هي عظمة ومأساة نعمة الحرية البشرية المعطاة من الله.ـ

سؤال: مع التأسّف لعدم القدرة على المجيء إلى الكنيسة في الفصح، كيف يستطيع المؤمن أن يشارك؟

الجواب: أؤكّد أني لا أريد حتى أن أفكر بفكرة الفصح إلا في الكنيسة لأن هذا أمر مؤلم.ـ

من جهة أخرى، نحن طالما كنّا نختبر ألماً كبيراً كل قيامة: في المساء، ما أن نقول “المسيح قام” حتى نرى آلافاً من الناس يتركون ما أن يسمعوا “المسيح قام”. يتركون، يتركون، يتركون. “ليقم الله ويتبدد جميع أعدائه…” ومسيحيونا المؤمنون يتركون ويتوزعون، كل إلى بيته، ليأكل حساءه ويردد “إلى أعوام عديدة” مع خاصته. وكم يبقى في الكنيسة؟ قلة صغيرة.ـ

ربما علينا كلنا أن نأخذ هذا ككفارة من الله ونقول “نستحق”، لأننا لم نقدّر ونحترم ما كان عندنا. بتعبير آخر، أيٌ هو الأكثر إيلاماً: هذا الفصح، الذي نشارك فيه من بيوتنا على التلفزيون بما أملته علينا السلطات العليا؟ أم ذاك الفصح حين كنا احراراً لكننا تركنا وتركنا وتركنا، ولم نهتمّ بالبقاء في الكنيسة، لنتناول ونسمع الكلمة الإلهية؟ لكن كل ما كان في فكرنا هو أن نقول “المسيح قام” ونخرج. وعليه، أي منهما الأكثر مسرّةً لله؟

أعتقد أن ما نختبره هذه السنة أكثر إرضاءً لله من السابق. في السابق كان خيارنا واخترنا أن ننصرف. هذه السنة؟ لن نقرر الانصراف؛ بألم سوف نبقى في البيوت… وبما أنني اقف حيث نقول “المسيح قام” مقابل الشعب وأراهم… ماذا أستطيع القول؟ ما من صورة أكثر إيلاماً من صورة انصراف الناس. وبما أنهم يحملون الشموع المضاءة، فتبدو الصورة كمسيرة شموع مضاءة تنصرف. ينصرفون، ينصرفون. هم ينصرفون ونحن ننشد: “ليقم الله ويتبدد جميع أعدائه، ويهرب مبغضوه من أمام وجهه!” واخوتنا المسيحيون كانوا يحققون هذه النبوءة ويمضون بعيداً عن الله. هذا ما نحتاج أن نتوب عنه، وأن نبقى في البيت هو أقل شراً مما كنا نفعله لسنوات كثيرة. لهذا السبب نحن بحاجة للتوبة.ـ

أنا ربما لا أنصرف لأني الأسقف وإكليريكي، لكني أشارك بالمسؤولية عن إخوتي وأخواتي، أبناء الكنيسة، الذين ينصرفون. لو كنت إكليريكياً صالحاً واسقفاً جيداً لكنت ساعدتهم أن لا ينصرفوا. لكن إهمالي وعدم انتباهي وعجزي وقصوري جلبوا هذا الجهل إلى العالم، وأخطأنا، وانصرفنا بعيداً عن الله في وقت القيامة. لهذا علينا أن نأخذها ككفارة تربوية. في كل حال، أرجو أن لا يتمّ هذا وأن نتوب طوعياً، رغبةً منا، وليس من حثّ جبري. فلتكن توبتنا طوعية. الحاجة هي إلى صلاة كثيرة، واستدعاء في كل مكان وفي كل وقت لاسم ربنا يسوع المسيح، من أجل أن منطقتنا ووطننا ومدينتنا وكل العالم يتقدسون ويمضي هذا الشر ونسلك في التوبة. بهذه الطريقة نسعى إلى السلام من الله، وكيف نستفيد من هذا السلام المطلوب؟ هذا سؤال كبير!ـ

سؤال: هل فعلاً يمرض الكهنة، وهل ينتشر المرض من خلال المناولة المقدسة؟

طبعاً قد نصاب بهذا الفيروس، ليس من المناولة بل من المحيطين بنا، من دخولنا وخروجنا، من خدَمِنا، من الناس المحيطين بنا ويحملون الفيروس. ما من سبب لنا نحن أهل الكنيسة وأساقفتنا وكهنتنا لكي لا نلتقط الفيروس والمرض. بالفعل، توفي ميتروبوليت في صربيا من هذا الفيروس. لكن على الأكيد لن نلقط الفيروس لا من المناولة ولا من الأسرار المقدسة. ولكن كبشر نعيش في العالم، نحن نتنقل ونتحرك بين مستويات متعددة من الحياة الاجتماعية اليومية وكغيرنا في العالم نحن معرَّضون. الأمر هو كما يلي: ما ينطبق على غيرنا ينطبق علينا. لا نعتقدنّ بأننا نختلف عن إخوتنا.ـ

من جهة أخرى، الكنيسة “استسلمت” قليلاً لتظهر أنها تطبّق التدبير في هذا الأمر. فقط لبعض الوقت، فقط لبعض الوقت. تقتصر القداديس الإلهية في كنائسنا المقدسة على الكهنة يصلّون من أجل العالم كله، لنرَ كيف يمكن لهذه الفترة الزمنية الصغيرة التي شددت الدولة على الكنيسة تطبيقها تدبيرياً أن تساعد في هذا الوضع بطريقة إنسانية. لكن بالتأكيد، سيكون هذا فقط لفترة، مجرد فترة قصيرة، حتى نتمكن من العمل بالتعاون مع البيانات البشرية.ـ

في وقت لاحق، إذا رأينا أن الأمور لا تتحسن بفضل الجهد البشري، فإن رعاة كنيستنا وأساقفتنا والمجمع سيعطونا التوجيه. فلنكُن مطيعين للكنيسة ولا نكونن قلقين. إن طاعة الكنيسة هي الطريق المؤكد للخلاص.ـ

سؤال: حول الحفاظ على حضور مصلٍّ في المنزل، خاصةً عند بث الخدم.ـ

في هذا الوقت، عندما لا نذهب إلى الكنيسة، ماذا يمكننا أن نفعل؟ ذلك الوقت الذي كنا نكرسه للكنيسة نكرس أنفسنا للصلاة، بنفس الساعة التي نكون في الكنيسة، فيجب أن نستمع إلى القداس الإلهي (حيث توجد وسائط بث في هذه الأيام)، يجب أن نصلي، ونتكرّس لمسيحنا، فلا نقوم بالأعمال المنزلية الأخرى، بل نكرّس ذلك الوقت للصلاة والدراسة الروحية …ـ

وكونوا أكيدين، عندما نقول “يا ربي يسوع المسيح ارحمني” فإن مسيحنا، الكلي الصلاح، أبانا وصديقنا وأخانا، يسمعنا دائماً. إذا كنا نسمع دائماً لمَن يحدثنا، ونحن مجرّد أشخاص، سواء أردنا ذلك أو بدافع من التأدب أو الحساسية، فكم بالحري إلهنا الصالح، الذي هو أبونا الذي يكنّ لنا محبّة غامرة، يسمعنا ويهب نعمته وحضوره في قلوبنا؟

لا نشكوَنّ من الله، لأنه قبل أن يعطينا هذه الكفارة، نحن فعلنا هذه الأشياء بأنفسنا. من تلقاء أنفسنا، أدرنا ظهورنا لله، وهربنا بعيدًا عن الإفخارستيا الإلهية في ليلة الفصح. في ضوء ذلك، لنتوبنّ على خطئنا، ولنكن مقدّرين لما كان لدينا من قبل، والذي نفتقده الآن.ـ

فليحفظنا الرب جميعاً أيها الأخوات والإخوة. افرحوا بالرب دائماً.ـ

ملاحظة: في إشارة الميتروبوليت أعلاه إلى أن الجائحة جاءت ككفارة لنا لا يعني أن هذا السبب الوحيد لها، لكن شكلها وتزامنها مع الصوم الكبير والفصح يمكن قراءتهما روحياً على هذا الأساس (المترجم).ـ

***

الغضب الإلهي

الغضب الإلهي

الخورية سميرة عوض ملكي

يجد معظم المسيحيين صعوبة في تقبّل الكلام عن غضب الله وفهمه والإيمان به. لطالما كانت فكرة وجود إله غاضب بالنسبة لبعض المسيحيين حاجزاً على طريق إلى الإيمان. فبعض المسيحيين إذ يختبرون نعمة الرب المحِبة في حياتهم يعتقدون أن فكرة غضب الله تبدو متناقضة مع تجربتهم التي يعبّر عنها الرسول بولس في الرسالة إلى أهل رومية بأن الله “بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (8:5)، فكيف يكون في نفس الوقت إلهَ غضبٍ؟

يتحدث الكتاب المقدس عن طبيعة الله وعمله وغاياته بمصطلحات نفهمها ويمكن أن نختبرها. لكن علينا أن نتذكّر أن العقل البشري لا يمكنه أبدًا فهم طبيعة الله المطلَقة. فنحن نرى الله كَمَن يمتلك الحقيقة والنعمة والجمال والمحبة والصلاح والإخلاص بأشكالها المطلقة. بالمقابل ما نراه في البشر هو بعض هذه الأشكال، لكن إلى جانب الكراهية والغضب وروح الانتقام والقبح والغضب.ـ

إن سبب صعوبة أن نطبّق على الله بعض الصفات التي نعتبرها سلبية يعود إلى تفكيرنا المثالي الذي أصوله في الفلسفة. مشكلة غالبية المسيحيين، ومنهم أرثوذكسيون، أنهم يقرؤون ما يحكي عن غضب الله بعيون لاهوت العصور الوسطى الغربي أو لاهوت الإصلاح. لكن الكتاب المقدس ينظر إلى الله والعالم بشكل أكثر جدية وواقعية من التأمّل الفلسفي. لهذا السبب، قول البعض أن الله لا يستطيع أن يسمح بالشر وإلا يكون هو مصدر الشر، هو تفكير وكلام فلسفي.ـ

لا يرفض الرسول بولس الكلام عن غضب الله، والذهبي الفم في تفسيره للرسول بولس يعلل بأن مَن يرفض قبول غضب الله وقصاصه فهو بالحقيقة يرفض أن يكون خليقة الخالق. يتحدث الرسول بولس عن غضب الله بطريقتين: الأولى أنه حدث آتٍ كحساب للعالم عن خطيئته “وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ” (رومية 5:2). الطريقة الثانية التي يرى الرسول فيها غضب الله، حاضرة وليست فقط في يوم الدينونة فيقول في الرسالة إلى رومية (18:1): “أَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ” ويتابع واصفاً فجور الناس وآثامهم التي تستجرّ غضب الله لتأديبهم. فيكون بنظر الرسول سبب الشرور التي تحلّ بالناس خطيئتهم وإنكارهم لحقيقة الله وتبنّيهم للتفكير العقيم والوثنية والانحراف الجنسي وكسر العلاقات الأخلاقية. وفي هذا يرى الرسول أن غضب الله هو موجّه ضد الخطيئة وليس ضد الخاطئ، وهو لا يشبه موقف آلهة الرومانيين بشيء ولا هو صادر عن انتقام أو رغبة بالشر.ـ

قد يكون القديس يوحنا الذهبي الفم أكثر مَن تكلّم عن “غضب الله” و”القصاص الإلهي” بين آباء الكنيسة. يشرح القديس سمعان اللاهوتي صعوبة فهم الحديث عن المحاكمة الإلهية بقوله “التفسير صعب لأنه ليس عن أشياء حاضرة ومرئية، بل عن أمور مستقبلة وغير مرئية. لهذا هناك حاجة عظيمة للصلاة ولجهد نسكي أكبر ولطهارة في النوس، عند كل الذين يتكلمون والذين يسمعون، لكي يكون الأول قادراً على المعرفة والكلام جيداً، ويكون الآخر قادراً أن يسمع ما يُقال بفهم”.ـ

في العظات النارية والأعمال التفسيرية للذهبي الفم لحظات رعائية يقود خلالها أبناءه الروحيين ومستمعيه إلى فهم الأمور الروحية بشكل أكثر عمقاً. إحدى هذه الحالات هي رسالته الأولى إلى صديقه ثيوذوروس إذ أنه شُغف بامرأة وسعى إلى الزواج منها بالرغم من نذر العفة الرهباني. إنها رسالة جميلة ساعدت ثيوذوروس على تخطي اليأس الناتج عن التعارض بين شغفه ونذره. فالذهبي الفم، لكي يقود ثيوذوروس خارج اليأس، يشرح بأنه إن كان صحيحاً أن الله بطبيعته غضوب ومعاقِب فمن الطبيعي أن يغلبنا القنوط: “لأنه إذا كان غضب الله هوى، فقد يشعر المرء باليأس لأنه غير قادر على إخماد الشعلة التي هو [كرجل شرير] أشعلها بأفعاله الشريرة المتعددة؛ ولكن بما أن الطبيعة الإلهية بلا هوى، حتى ولو عاقب، حتى لو انتقم، فهو لا يفعل ذلك بغضب، ولكن بحرص شديد ولطف كبير محبّ؛ حيث يقتضي ذلك أن نكون أصحاب شجاعة كبيرة، وأن نثق بقوة التوبة. لأنه حتى الذين أخطأوا إليه، فإنه ليس معتاداً على أن يطالهم بالعقاب من أجله؛ لأنه لا يمكن لأي ضرر أن يعبر الطبيعة الإلهية؛ لكنه يتصرف من أجل مصلحتنا، ومنع انحرافنا من أن يزداد سوءاً بتحويل ممارسة احتقاره وإهماله إلى عادة. لأنه حتى مَن وضع نفسه خارج النور، لا يفقد النور، بل الأعظم بنظر نفسه يصمت في الظلام؛ وعلى المنوال نفسه، من اعتاد أن يحتقر تلك القوة القديرة، لا يضرّ القوة، لكنه يلحق أكبر إصابة بنفسه. ولهذا السبب، يهددنا الله بالعقوبات، وغالباً يطبّقها، لا ليثأر لنفسه، ولكن ليجذبنا إليه. فالطبيب أيضًا لا يشعر بالضيق أو الانزعاج من إهانات الذين فقدوا عقولهم، ولكنه يعمل كلّ شيء ويدبّره لإيقاف أولئك الذين يقومون بمثل هذه الأفعال غير الملائمة، ولا ينظرون إلى إرادته بل إلى مكاسبهم؛ وإذا أظهروا قدرًا ضئيلًا من ضبط النفس والرصانة، فإنه يفرح ويسعد، ويطبق علاجاته بجدية أكبر، ليس على سبيل الانتقام منهم بسبب سلوكهم السابق، ولكن رغبةً في زيادة منفعتهم، واستعادتهم إلى العافية. ومع ذلك، عندما نقع في تطرف الجنون، فالله يقول ويفعل كل شيء، ليس لينتقم لنفسه بسبب أفعالنا السابقة؛ ولكن لأنه يرغب في تحريرنا من اضطرابنا؛ ومن خلال المنطق الصحيح، من الممكن أن نقتنع بهذا”.ـ

لذا عندما يتحدث الكتاب المقدس عن الغضب والقصاص والانتقام الإلهيين، لا تكون هذه اللغة وصفاً لطبيعة الله التي لا سبيل إلى معرفتها أو فهمها أو وصفها، بل بالأحرى غايتها ردّ الإنسان عن أن يلازم شرّه وأن يتوب. يصف الذهبي الفم غضب الله بأنه لطف محِب للإنسان، لكن الشرير يختبر هذه المحبة كغضب وعقاب. يأخذ الذهبي الفم مثال الطبيب وكيف أن علاج بعض الأمراض ليس لعقاب مَن يسبب المرض أو يعاني منه، بل هو ضرورة لاستجلاب الصحة والمنفعة لمَن هو بحاجة للعلاج بغض النظر عن كمّ الألم الذي يلحِقه العلاج. وهكذا، استعمال هذه اللغة في الكتاب المقدس وعند الآباء هو لكي نفهم مدى أهمية أن نتوب الآن، لأنه لا توبة بعد الموت.ـ

واليوم في خضمّ جائحة الكورونا، ينبغي فهم كلام الآباء المعاصرين بأن الجائحة هي من الله في هذا الإطار وكحثٍّ على التوبة، لا لإلصاق صفة الانتقام بالله، بل لإظهار عمله التربوي الذي يمارسه كل الآباء مع أبنائهم.ـ

عن نشرة الكرمةـ

***

ماذا يعلّمنا توما الرسول في زمن الكورونا؟

ماذا يعلّمنا توما الرسول في زمن الكورونا؟

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

يصف لنا الإصحاح العشرون من يوحنا مشهد الرسل في وضع يثير الشفقة إذ هم مجتمعون في بيت مظلم صغير خوفًا من اليهود بعد موت ربنا يسوع المسيح. لقد أغلقوا كل النوافذ والأبواب. ولأنهم كانوا في حداد، لا بد أنهم كانوا مكتئبين، غاضبين، محبَطين، مرتبِكين وخائفين جداً.ـ

لم يكونوا يتوقعون عودة معلمهم بسرعة، فلهذا لم يكونوا ينتظرونه بشغف، بل كانوا قلقين من أن عالمهم على وشك أن ينتهي بهم على الصليب. لذا بدلاً من الوقوف حسناً، بخوف ورِعدة متوقعين وصول المعلّم، كانوا جاثمين في الظلام الدامس تاركين خوفهم المادي يتحكّم بحياتهم. على الأرجح كانوا مرتعدين مما حدث لمعلمهم يسوع المسيح ومن أنهم لا يستطيعون تحمّل نفس العذاب والألم.ـ

عندما أخبروهم أن يسوع على قيد الحياة، فكّروا على الأرجح: “كيف يمكن أن تنهض جثة يسوع من بين الأموات وقد أكّدوا لنا أن جسده مشوه من الضرب وثقوب المسامير وإكليل الشوك وطعنة الرمح في الجنب؟”

لكن القراءة الإنجيلية تخبرنا أن الرب أتى إلى تلاميذه ووقف في الوسط وأعطاهم السلام وأكّد لهم بأنه هو إذ أراهم يديه وجنبه، ثم اعطاهم السلام مجدداً وقال لهم «السَلاَم لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ كذلك أَنَا أُرْسِلُكُمْ».ـ

بهذا بدأ تكليفهم. هذه كانت بداية إرسالية الرسل العظيمة إلى العالم. قال لهم: “كما أرسلني الآب كذلك أَنَا أُرْسِلُكُمْ”. ثم قال يسوع لرسله، “خذوا الروح القدس. مَن غفرتم خطاياهم تُغفَر لهم ومَن أمسكتم خطاياهم أُمسِكَت”. أي أمر عظيم حدث في ذلك اليوم، أعطى الرب قوة مغفرة الخطايا وسلطة الحكم للرسل ليمرروها بالتسلسل الرسولي من جيل إلى جيل ومن رسول إلى رسول.ـ

مهم هنا أن الرسول توما، أحد الإثني عشر، لم يكن هناك عند حدوث كل هذا. يقول لنا الآباء القديسون أنه لم يكن هناك “بالتدبير الإلهي”. ومع ذلك، ما أن رأى التلاميذ الآخرون توما صرخوا “لقد رأينا الرب!” لكن توما المتغيّب لم يقتنع بسهولة، وربما شكّ بأن إخوته واهمون فأجاب: “إن لم أعاين أثر المسامير في يديه وأضع اصبعي في أثر المسامير لا أؤمن”، أي لا أصدّق.ـ

لم يقصد توما أن يقول لإخوته أنهم كاذبون أو واهمون أو متخيّلون. ولا هو كان عاجزاً عن التصديق. ربّما تذكر كلمات سيده يسوع المسيح الذي قال لهم قبلاً “إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: هُوَذَا الْمَسِيحُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ! فَلاَ تُصَدِّقُوا. لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا. هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ… لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى الْمَغَارِبِ، هكَذَا يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ”. لم يقل له أي من إخوته أن يسوع أتى من المشارق وظهر إلى المغارب. ما كان يتوقعه لم يكن ما ذُكِر له.ـ

لهذا لم يقبل الرسول توما أن يصدّق إلا من بعد دليل ملموس، التزاماً منه بكلمة المسيح. لكن بعد ثمانية أيام، ظهر يسوع للتلاميذ مرة أخرى بشكل مفاجئ كما فعل قبلاً، ولكن بوجود توما بينهم. دخل يسوع والأبواب مغلقة، أي دخل بالرغم من عدم وجود إمكانية للدخول، ظهر لهم يسوع في الوسط. هنا بدأ عقل الرسول توما بالدوران وكثُرَت الأسئلة، وراح قلبه ينبض بقوة. عندما دعاه الرب لأن يضع اصبعه ويعاين أجابه بقدر كبير من التأكيد والقناعة: “ربي وإلهي!”

يخبرنا التقليد المقدس أن الرسول توما لم يلمس الرب، حتى ولم يفكر بذلك عندما دعاه، لأنه سرعان ما أدرك أن تمييز الحقيقة لا يحتاج للحواس البشرية، أي الفكر، وحسْب، بل يطلب الحواس الإلهية التي في القلب، أي الإيمان.ـ

ولكي يؤكّد لنا الرب أن الإيمان الذي في القلب هو فضيلة أعظم من العقل، قال له : “لأنك رأيتني آمنت، طوبى للذين من لم يروا وآمنوا”. هذا الكلام ليس تقريعاً بل حثّاً على الإيمان وعلى تفعيل حواس القلب للوصول إلى التمييز. وهذا ما نكرره دائماً. نحن لم نرَ لا القيامة ولا القائم ومع هذا ننادي كل سنة “المسيح قام حقاً قام” ونكرر كل أحد “إذ قد رأينا قيامة المسيح” ونحن لم نرَ.ـ

لم يكن تشكك الرسل وخصوصًا توما ضارًا، بل بالواقع مفيداً وأساسياً لكل المسيحية. إن التقدير السليم والحكم الجيد أمران حيويان للمسائل الروحية ، وحدث قيامة ربنا ليس استثناءً. لهذا يُسمّى الرسول توما في العالم توما المشكّك، بينما في الكنيسة الأرثوذكسية هو توما المؤمن.ـ

لقد كان ضرورياً أن يتأكد الرسل من أن المسيح قام من بين الأموات حتى يعلنوا فعلاً الحقيقة التي عاينوها للعالم، وحتى أننا بلا شك نؤمن أن “يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لنا إذا آمنّا حياة باسمه”. حتى نكون مبارَكين بالإيمان الذي يأتي من القلب والروح وليس من الحواس البشرية والفكر البشري وحسب.ـ

اليوم في زمن الكورونا، شكوك كثيرة تتقاذف الإنسان. مَن اخترع الكورونا؟ مَن نَشرها؟ أهي من المسيح أم من ضده؟ أممكن أن الله يسمح بالأمراض؟ هل هذا الوباء علامة آخر الزمان؟ ماذا يريد الله أن يقول لنا من خلاله؟ هل المناولة تنقل المرض؟ هل الأيقونة تنقل المرض؟ هل يدخل الوباء الكنيسة؟ لماذا يسمح الله بمرض المؤمنين؟ وإذا اعتقد أحدنا أنه توصّل إلى الإجابة على أحد هذه الأسئلة يأتيه فكره بأسئلة جديدة.ـ

لكن كل هذه الأسئلة وغيرها جوابها واحد يعبّر عنه موقف الرسول توما بقوله “ربي وإلهي!”. هذا موقف يجمع الإيمان والرجاء والمحبة التي هي الفضائل المسيحية الكبرى في عبارة واحدة. ومَن يريد اقتناء هذه الفضائل عليه أن يعالج كل أسئلة الحياة اليومية بالتواضع والاتكال والتسليم إلى الله. مَن استطاع أن يتضع ويتكل على الله ويسلمه حياته يتخطّى الارتباك ويسكن في النصيب الصالح.ـ

بتصرّف عن

Kosmas Damianides. Sermon for Thomas Sunday. http://www.orthodoxchristian.info/pages/Thomas_Sun.htm

***

الانتحال

الانتحال

الأب أنطوان ملكي

من المهم أن يعرف الإنسان عدوه الحقيقي أي الشيطان الذي يدأب على استبدال نِعَم الله وتشويهها وإغواء الإنسان إلى إساءة استخدامها. فالمال يفسده بالجشع والجنس بالشهوة واحترام الذات بالكبرياء التي منها كل الشرور على ما يقول القديس يوحنا السلمي. والرب يسوع يصف الشيطان مسمياً إياه إبليس الذي ” كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ” (يوحنا 44:8).ـ

الشيطان في اليونانية هو (διάβολος – diabolos). معنى الإسم هو المفتري أي الذي يكذب ظلماً لإيذاء الآخرين وإدانتهم وتقطيع العلاقات بينهم. طبيعته روحية أصلاً، ولديه قدرة عظيمة على التخفي، لهذا كثيرون، ومنهم رؤساء كهنة وكهنة، لا يعتقدون بأنه موجود بالرغم من تكرار التعليم عنه في الكتاب المقدّس والآباء. من أهمّ حيله العظيمة إقناعنا بأنه غير موجود، أو بأننا غلبناه، خاصةً إذا اعتقدنا أن ذلك تمّ بقوتنا الخاصة. يعلّم القديس سيباستيان دابوفيتش: “لقد سمعت الناس يقولون أنه لا يوجد شيطان أو شياطين… بالتأكيد لن يكشف الشيطان عن نفسه للذين لا يؤمنون لأنهم إذّاك قد يؤمنون وهذا يكون ضد خطته الماكرة”.ـ

نعرف من سيَر بعض القديسين الكبار أن الشيطان قد يصبح مرئياً ولكن للأعين الروحية المتمرّسة المختبِرة التي أهّلها الله لأن تبصر روحياً وأعطاها موهبة التمييز. كل ما نسمعه عن لقاءات مع الشيطان وأشكال له يراها الناس العاديون هي خدع منه وهؤلاء مخدوعون. نحن لا نعرف كيف يبدو الشيطان عندما يصبح مرئيًا وأغلب الصور المتداولة مأخوذة من السينما التي تخدمه في أغلب الأحيان. نحن نعرف أنه قادر على اتخاذ أشكال مختلفة، كما اتّخذ في التكوين هيئة حيّة، كما يعلّم بولس الرسول: “الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ” (2كورنثوس 14:11).ـ

الأهم من كل هذه التفاصيل هي أن نفهم أن الحرب الفعلية مع الشيطان هي حرب في داخلنا. الرسول بولس يصف هذا الكلام بقوله “إِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (أفسس 12:6). القديس مكاريوس الكبير يحدد أن “أهم عمل في الجهاد الروحي هو دخول القلب وشن حرب على الشيطان هناك”. هذا يلزمنا بأن نتروّى قليلاً قبل ربط الأحداث اليومية التي تمر بالعالم بالحرب مع الشيطان. بالطبع، الرسول بطرس يقارنه بأسد زائر (1بطرس 8:5) ينتظر ليفترس، لهذا نحن نفهم أنه جاهز لاستغلال أي حدث أو خبر أو عمل ليفترس الناس. وأهم سلاح لدى الشيطان، كما نفهم من سير القديسين وأقوالهم، هو اليأس أي حرمانهم من الرجاء الذي هو ثاني الفضائل المسيحية. فمَن اهتز إيمانه أو ضعُف يكون الشيطان جاهزاً ليحرمه الرجاء ويرميه خارج المحبة.ـ

شهدنا في السنوات الأخيرة ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومن قبلها الإنترنت، مستوى من الحرية بلغ حد التفلّت في كل الأمور. في ما يختصّ بشأننا الكنسي، أحد مظاهر هذا التفلت كثافة الكتابة والكاتبين بغضّ النظر عن صحة وسلامة المكتوب والقارئ. ليس هذا المقال لمناقشة هذه الحالة الأزمة التي حُكي عنها الكثير في الكنيسة وخارجها. أمر وحيد يقصد هذا المقال تسليط الضوء عليه هو الظهور الشيطاني من خلال انتحال الأسماء، حيث يلجأ البعض إلى الكتابة بأسماء ليست لهم، بل لأشخاص آخرين، أو لأشخاص وهميين. هذا واحد من الظهورات الشيطانية التي نرى أثرها وتؤذي الكثيرين من أبناء الكنيسة.ـ

علمياً يُحدّد الانتحالImpersonation بأن يفترض الشخص عن قصدٍ هويةً أو صفة زائفة أو وهمية. قانونياً، يُعتَبَر الانتحال جرماً. في علم النفس، يندرج الانتحال تحت ما يسمّى متلازمة الدجال (Imposter Syndrome) وقد يكون أحد ظواهر الانفصام. روحياً، الانتحال هو كذب، أي أنه تَبَنٍّ لوسائل الشيطان وانضواء في بنوّته لأنه أبو الكذّاب. وبالتالي الانتحال هو عمل شيطاني، فحتى لو كان محتوى ما يُبَثّ صالحاً لن يوصِل الرسالة لأن الوسيلة شيطانية. يحذّرنا الآباء من شيطان اليمين، الذي يوحي للإنسان بأن عمله صالح ويمتدحه، فيما هو يدفعه نحو الهاوية الروحية.ـ

ما الداعي إلى هذا الكلام؟ إنه تعدد حالات الانتحال وتكرارها. مؤسف أن تجربة انتحال الأسماء يقع فيها بعض الإكليروس، بغضّ النظر عن ما يدفعهم نحو هذا العمل. كما أن بعض الحالات الأخرى هي من الذين يُحسَبون من المتقدمين في الكنيسة، ومنهم أصحاب مهن يُفتَرَض بالقائمين فيها، كالمحامين مثلاً، أن يكونوا الحافظين للأمانة في كل ما يقومون به. البعض يقع في هذه التجربة عن جَهل. لكن بعض الكتابات تشير إلى أن كتّابها المنتحلين لهم غايات شريرة نحو مَن يقرأ، وخاصةً في فترة الحجر حيث لم يكن للكثيرين إلا الشبكة العنكبوتية للبقاء على اتصال مع العالم. بعض المنتحلين واضح في أن غايته هي بثّ الذعر عن طريق تلفيق الأخبار وتزوير المعلومات والترجمة على هواه.ـ

إن الرعاية الكنسية، على كافة المستويات، تقتضي فضح الكذب بحكمة تقود إلى البنيان، ووضع حد له بشكل لا يؤذي أصحاب النفوس البريئة. ليس مسموحاً لأي راعٍ أن يغضّ النظر عن الكذب الذي يؤثّر على رعيته، عندما يتأكّد من ذلك، وإلا يكون تخاذله تبريراً للكذب وتغطية عليه. هذا ينطبق على حالات الانتحال المتعددة التي شهدناها في كنيستنا في السنتين الأخيرتين. الناس لم تنسَ بعد زاهي الأميوني ورامي عودة وإيلي خوري وجاد غانم، فيما اليوم، في جائحة الكورونا، يتساءلون عمَن يكون يانيس قسطنطينينذيس وماريا ماريا وغيرهما من الأسماء المنتَحَلة من أشخاص كتبوا في الكنيسة وعنها.ـ

ختام هذا المقال رسالتان. رسالة أولى إلى جميع المنتحلين، عن قصد أو غير قصد، فيها دعوة للامتناع عن هذا العمل الذي يؤذي إخوة الرب الصغار، وإلى التوبة لأنهم يخدمون الشيطان، عن وعي أو غير وعي، إذ يكذبون عن سابق تصوّر وتصميم. الرسالة الثانية إلى الرئاسة الكنسية، ما دام باب الرسائل مفتوحاً: إذا فُتِح باب المحكمة لتأديب “المتمردين”، فليُؤدَّب المنتحِلون أيضاً، من أجل الحق والعدل والسلام في الكنيسة.ـ

***

كيف يكتب القديسون

كيف يكتب القديسون

المتقدم في الكهنة باسيليوس كالياكمانيس[*]

نقلها إلى العربية الأب انطوان ملكي

أ) في هذه الأيام هناك الكثير من اللاهوتيين، من إكليريكيين وعلمانيين، يؤلّفون وينشرون. لكن البعض يجهلون جسامة ما يكتبون، فيتبعون ممارسة الصحافة التنافسية الدهرية. ثم باعتزاز وكبرياء يُحصون ما حصلّته صفحاتهم من الزيارات، محوّلين الخطاب اللاهوتي إلى أخبار تجارية، وليس من النادر أن يحطّوا من قَدر الكلمة الإلهية.ـ

ب) إنهم يستعملون اللذع والعدائية والتلميح وسوء النية والطعن لمن يخالفهم، مستعملين ادعاءات وعموميات لا أساس لها، وغالباً ما “ينْهَشُونَ وَيَأْكُلُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا” (غلاطية 15:5). ولا نخشى أننا فيما نشدّ جسدنا ونمدّ قوانا اللاهوتية، قد نصير خارج التقليد الآبائي الذي نستجديه وندّعي الكتابة باسمه.ـ

ج) في تقليد آباء الكنيسة، أثيرت كثيراً مسألة متطلبات تأليف النصوص اللاهوتية. القديس غريغوريوس السينائي (1255-1347) في تلخيصه للتقليد الذي عمره قروناً، يقول أن لإنشاء عمل لاهوتي، هناك ثلاث أشكال موثوقة ولا لوم عليها: “أولاً، لحفظ ذاكرة الشخص، ثانياً لمنفعة الآخرين، وثالثاً الكتابة بالطاعة. بهذه الطريقة كُتبَت أغلب النصوص ليستفيد منها الساعين إلى الكلمة باتضاع”.

د) بتعبير آخر، الشكل الموثوق الأول للكتابة هو زرع لما في ذاكرة الكتّاب أنفسهم. الشكل الثاني هو نقل المعرفة لمنفعة الآخرين الروحية. والشكل الثالث الموثوق من الكتابة هو بالطاعة للساعين إلى تعلّم حقيقة الأمور بالتواضع والتمييز. هناك أسباب أخرى للكتابة لكنها بحسب القديس غريغوريوس مرفوضة. إن الذين يكتبون نصوصاً لاهوتية للإمتاع أو لمجدهم الخاص أو للظهور يحصّلون أجرَهم ولن يكسبوا أي منفعة لا هنا ولا في الحياة الثانية. إنهم سوف يدانون كمتزلّفين ونصّابين لأنهم هتروا الكلمة الإلهية.ـ

ه) إن مسألة مقاربة النصوص المقدسة بعدائية طرحها الآباء اليقظون (Niptic). يوضح نيكيتا ستيثاتوس أنه من الخطر على الناس أن يستجلوا الحقائق الإلهية بروح دهرية ومادية متَّبعين طرق تفكيرهم الخاصة. إذ يسيطر عليهم الحسد والغيرة والمكابرة والاختصام فهم يهزؤون ويستخفّون بالذين يقاربون الأمور الإلهية والإنسانية روحياً وبحسب “فكر المسيح”. يحصل شيء مشابه عندما يحرّفون أو يستهلكون أو يقصّرون عشوائياً المقاطع من سير القديسين أو كتابات الآباء في أطر فهمهم الخاص لكي يدعموا وجهة نظر بعض الكتّاب أو غيرهم.ـ

و) كل ما سبق مرتبط بتأليف سلّم القديس يوحنا السينائي الذي تكرّمه الكنيسة في الأحد الرابع من الصوم وفي الثلاثين من آذار. إذا قرأتم رسالة رئيس دير رايثو إلى القديس يوحنا، يتضّح أن السلّم هو “ابن الطاعة”. يكتب رئيس الدير: “أنت أكثر المعلمين أهلية ومقدرة: ألجأ إليك بهذه الأسطر متوسلاً إلى فضيلتك أن… لا تأنف الآن أن تَعرُض وتشرح بانتظام واجتهاد ما هو لازم للسيرة الرهبانية وموافق في الرب لخلاصنا، كمرشد فاضل لجميع الذين يعيشون هذه الحياة الملائكية”.ـ

ز) يوحنا أجاب الرئيس بتواضع: “لولا خوفي من التملّص من نير الطاعة المقدسة، أمّ سائر الفضائل، لما كنت تجرأت… على خوض مهمة تجاوز طاقتي…ليس طبعاً لأمدّك بأي فائدة… إنما أوجهه إلى شركة الرهبان … وأني أرجو كلّ مَن يطالع هذه الصفحات، إذا وجد فيها شيئاً مفيداً، أن يعزو ثمارها بعدل إلى رئيسنا الفاضل، وليسأل الله أيضاً أن يكافئني على قيامي بهذا العمل ليس بسبب فحواه، فإنه خسيس ومملوء جهلاً كثيراً، بل بارتضائه قصد مَن يقرّبه للرب”. إن كلمات كاتب السلّم وغيره من الآباء اليقظين هي مرآة لكل الذين يؤلّفون نصوصاً لاهوتية في كل زمان.ـ

ح) في هذه الأيام بشكل خاص، في الظروف الصعبة التي يوجد فيها المجتمع والعالم كله بسبب الجائحة، لا مكان للحذلقة والتنافس غير المجدي على الإنترنت. إذا واضعنا ذواتنا أمام الرب، القاضي العادل، وإذا صَقَلنا نفوسنا بالصلاة القلبية ومحبة الآخرين، مع توبة عميقة ومن كل القلب، فسوف نجتذب نعمة الروح القدس فيمكننا الاعتقاد بأن ما يلهمنا هو روح الله لا روح العالم.ـ

[*] رئيس قسم الأخلاق والمجتمع في كلية اللاهوت – جامعة تسالونيكي، اليونان.ـ

[1] عنوان النص الأصلي:ـ

Πρωτοπρ. Βασίλειος Ι. Καλλιακμάνης. “Πως γράφουν οι Άγιοι”, https://www.pemptousia.gr/2020/04/pos-grafoun-i-agii/

[2] النصوص العربية مأخوذة من: يوحنا السلّمي، السلّم إلى الله، تعريب رهبنة دير مار جرجس الحرف، سلسلة آباء الكنيسة 3، الطبعة الثانية، منشورات النور، بيروت، 1985ـ

***

أصل الوباء الحاليّ وطبيعته ومعناه

أصل الوباء الحاليّ وطبيعته ومعناه

جان كلود لارشيه

نقلته إلى العربيّة راهبات دير القدّيس سمعان العامودي (حامات)

جان كلود لارشيه، أنتم من أوائل الذين عرضوا فكرًا لاهوتيًّا حول المرض والألم والطبّ. تُرجمَ كتابكم “لاهوت المرض” الصادر عام 1991 إلى لغاتٍ عدّة، وسيصدر قريبًا باليابانيّة لارتباطه بوباء كوفيد-19. لقد نشرتم أيضًا تأمّلاً حول الألم: “لا يريد الله أن يتألّم البشر”، والّذي نُشرَ أيضًا في بلدانٍ مختلفة.ـ

في البداية، ما رأيكم العامّ بالوباء الّذي نعاني منه حاليًّا؟

لا يدهشني الأمر: فمنذ آلاف السنين، ينتشر في كلّ قرنٍ حوالى وباءان كبيران وأوبئةٌ عدّة أخرى أقلّ أهميّة. إلاّ أنّ تواترها يتزايد أكثر فأكثر. إنّ الكثافة السكّانيّة في حضارتنا المدنيّة، والتنقّل الّذي تسهّله العولمة، فضلاً عن تعدّد وسائل النقل الحديثة وسرعتها، هذه العوامل كلّها تحوّلها بسهولةٍ إلى أوبئة. لذلك، كان الوباء الحاليّ متوقّعًا، وقد أعلن عنه العديد من علماء الأوبئة الّذين لم يشكّوا في مجيئه، جاهلين فقط اللحظة المحدّدة الّتي سيحدث فيها والشكل الّذي سيتّخذه. إلاّ أنّ ما يثير الدهشة هو عدم استعداد دولٍ معيّنةٍ (مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا على وجه الخصوص)، والّتي، بدلاً من توفير الطاقم الطبّيّ والمستشفيات والمعدّات اللازمة لمواجهة هذه المحنة، تركت المستشفيات تتراجع، واستعانت بمصادر خارجيّة (كالصين، مثل البقيّة) لإنتاج الأدوية والأقنعة وأجهزة التنفّس، والّتي نفتقر إليها بشدّةٍ حاليًّا.ـ

لطالما كانت الأمراض حاضرةً في تاريخ البشريّة، ولا يوجد إنسانٌ لم يصادفها في حياته. الأوبئة هي مجرّد أمراضٍ شديدة العدوى، تنتشر بسرعةٍ فتُصيب عددًا كبيرًا من السكّان. إنّ خاصيّة فيروس كوفيد-19 هي أنّه يؤثّر على نحوٍ خطيرٍ على الجهاز التنفّسيّ لدى المسنّين أو الذين أضعفتهم أمراضٌ أخرى، وأنّه معدٍ بدرجةٍ كبيرةٍ، ما يملأ سريعًا وحدات العناية المركّزة بعددٍ كبيرٍ من المصابين في الوقت عينه في فترةٍ زمنيّةٍ قصيرة.ـ

تفاعلت الكنائس الأرثوذكسيّة على مراحل، وبسرعةٍ متفاوتةٍ، وبأشكالٍ مختلفة. ما رأيكم بذلك؟

تجدر الإشارة إلى أنّ الوباء لم يُصِبِ البلدان المختلفة في الوقت نفسه ولا بالدرجة نفسها، وأنّ كلّ كنيسةٍ محليّةٍ استجابت بحسب تطوّر المرض والتدابير الّتي اتّخذتها الدول. في البلدان الأكثر إصابةً، اتُّخذ قرار تعليق الخدم بسرعةٍ، مع فارق بضعة أيّام فقط بينها. بعض الكنائس (كالكنيسة الروسيّة) التي لم تتوقّع مثل هذا التوقّف الفوريّ، اتّخذت إجراءات من أجل الحدّ من العدوى المحتملة التي قد تحدث أثناء الخدم الليتورجيّة أو المناولة؛ واليوم هي مضطرّة إلى أن تطلب من المؤمنين عدم الحضور إلى الكنيسة.ـ

أثارت هذه الإجراءات المختلفة نقاشاتٍ وحتّى سجالاتٍ في أوساط رجال الدّين والجماعات الرهبانيّة والمؤمنين واللاهوتيّين… وكان موضوع السجال الأوّل قرار بعض الكنائس تعديل طرائق المناولة الإفخارستيّة.ـ

في هذا الصدد، يجب التمييز بين أمرَين: ما يرافق المناولة والمناولة نفسها.ـ

قد يكون خطر العدوى موجودًا في “ما يرافق المناولة”: مثلاً مسح شفاه كلّ المشتركين في المناولة بالقماشة نفسها (مثلما يفعلون في بعض الرعايا في الكنيسة الروسيّة حيث يضغطون بها على الشفاه)، أو شرب الـ”zapivka” (وهو مزيجٌ من المياه العذبة والنبيذ) في الكؤوس نفسها، بعد المناولة، مثلما هي العادة في الكنيسة الروسيّة أيضًا. ولذلك، فتدابير استخدام المناديل الورقيّة في الحالة الأولى، واستخدام الأكواب الأحاديّة الاستخدام في الحالة الثانية، (وتُحرَق المناديل والأكواب بعد ذلك)، لا تستدعي أيّ اعتراضٍ برأيي.ـ

فيما يتعلّق بالمناولة نفسها، تخلّت العديد من الكنائس عن الطريقة التقليديّة لتقديمها للمؤمنين، أي وضعها في الفم بواسطة الملعقة المقدّسة. أوصَتْ بعض الكنائس بسكب المحتوى في الفم المفتوح مع الحفاظ على مسافةٍ معيّنةٍ منه، واقترح بعضها الآخر، مثل الكنيسة الروسيّة، تطهير الملعقة في الكحول بين المؤمن والآخر، أو استخدام ملاعق أحاديّة الاستخدام تُحرَق لاحقًا. أعتقد أنّ أيّ كنيسةٍ من بينها لم تفترض أنّ جسد المسيح ودمه، اللذَين تذكر جميع الصلوات قبل المناولة وبعدها أنّهما يعطَيان “لصحّة النفس والجسد”، هما عامل عدوى (لا نجد هذه الفكرة الأخيرة إلاّ في مقالةٍ واحدةٍ – انتشرت على الإنترنت، ولهذا السبب أذكرها – للأرشمندريت كيريل هوفورون، وهي عبارةٌ عن مجموعة هرطقات). ولكن، ثمّة شكوكٌ حول الملعقة نفسها، وهذا يستدعي نقاشًا، حيث يرى بعضهم أنّها تمسّ فم المؤمنين، بينما يرى بعضهم الآخر أنّ جسد المسيح ودمه يطهّرانها ويحميانها عند تغميسها فيهما. ويقول هؤلاء الأخيرون إنّ الكهنة، في كنائس كبيرةٍ يوجد فيها حتمًا بين المؤمنين مرضى من كلّ نوع، يتناولون في نهاية القدّاس ما تبقّى من القرابين المقدّسة، من دون أن يُصابوا بأيّ مرض. ويقولون أيضًا إنّ الكهنة كانوا يناولون المؤمنين المصابين خلال الأوبئة الكبيرة في الماضي، من دون أن تنتقل العدوى إليهم. فيما يتعلّق بهذه النقطة الأخيرة، لا أملك معلوماتٍ أكيدةً من وثائق تاريخيّة. على العكس، فإنّ القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ (الّذي عاش في النصف الثاني من القرن الثامن عشر)، يعلّق في كتابه “البيذاليون” (ويعني بالعربية دفّة المركب ويضمّ القوانين الكنسيّة الأرثوذكسيّة وشرحها: المترجم)، على القانون 28 من المجمع المسكونيّ السادس مجيزًا أن يجري “الكهنة بعض التغيير في أزمنة الأوبئة” في طريقة إعطاء المناولة للمرضى، بحيث “يوضع الخبز المقدّس في إناء مقدّس، حتّى يتمكّن المدنفون والمرضى من تناوله بملعقةٍ أو بشيءٍ يشبهها”، “على أن يوضع بعدها الإناء والملعقة في الخلّ، ويُسكب الخلّ حيث لا تدوس الأقدام، أو تُستخدم طريقةٌ أخرى أكثر أمانًا وقانونيّة”. يفترض هذا أنّه في زمنه (وعلى الأرجح من قبل)، كان يجوز أن تُعطى المناولة في إناء وملعقة، وأن تُطهَّر هذه لاحقًا (إنّ الخلّ، بسبب درجة الكحول والحموضة الموجودة فيه، يحتوي على خصائص مطهّرة ومضادّة للفطرّيات، وهذه لن تكون كافيةً مطلقًا ضدّ كوفيد-19). إنّ الكنيسة الروسيّة استندت في التدابير التي اتّخذتها إلى هذا النصّ الذي ذكره أيضًا الليتورجيّ الروسيّ الكبير س. بولغاكوف في دليله المرجعيّ.ـ

من جهتي، أعتقد أنّ مَن يملك إيمانًا كافيًا ليتناول بواسطة الملعقة بثقةٍ، لن يكون معرَّضًا لأيّ خطر، وأنّ الكنائس الّتي اتّخذت تدابير خاصّة، إنّما فعلت ذلك من أجل المؤمنين الّذين يملكون إيمانًا أضعف من غيرهم وشكوكًا. وهي، على هذا النحو، اتّبعت إرشاد القدّيس بولس الّذي يقول: “صِرْتُ ضَعيفًا مَعَ الضُّعَفاء، كَي أَربحَ الضُّعَفاء” (1 كورنثوس 9، 22). يجب أن نذكّر أنّه ليس للمناولة مفعولٌ سحريٌّ: فكما هو الحال في جميع الأسرار، تُمنح النعمة فيها بملئها، ولكنّ تقبّل النعمة يكون نسبيًّا بحسب إيمان المتلقّي (يستخدم الآباء اليونانيّون الكلمة اليونانيّة “analogia” للإشارة إلى هذه النسبيّة)، ويذكر القدّيس بولس وصلوات المطالبسي أنّ مَن يتناول بغير استحقاقٍ قد يصبح مريضًا بالنفس والجسد (1 كورنثوس11، 27-31)، أو قد يتناول “لدينونته”.ـ

على أيّة حال، كلّ كنيسةٍ محليّةٍ لها السلطة في أن تتّخذ تدبيريًّا الإجراءات المفيدة في كلّ ظرفٍ خاصّ.ـ

الموضوع الثاني للسجال كان إغلاق الكنائس وتوقيف الخدم الليتورجيّة.ـ

تجدر الإشارة أوّلاً إلى أنّ معظم الدول لم تأمر بإغلاق الكنائس، ولكنّها فقط حدّت الوجود فيها بعددٍ قليلٍ من الناس، ثم حدّت زيارتها بأشخاصٍ منفردين؛ ولكنّ تدابير الحجر الصحّيّ جعلت التنقّل والزيارة مستحيلَين. مع ذلك، فالاحتفال بخدم القدّاس مستمرٌّ في معظم الكنائس المحليّة، من قبل الكاهن يرافقه مرتّلٌ وربّما شمّاسٌ وخادمُ هيكل (باستثناء اليونان حيث مُنعَ حتّى في الأديرة، وهو أمرٌ غريبٌ في بلدٍ ذات هويّةٍ أرثوذكسيّةٍ قويّةٍ تتمتّع فيه الكنيسة باعترافٍ رسميّ من الدولة).ـ

لقد بنى متطرّفون نظريّاتٍ تتعلّق بمؤامرة، فرأوا أنّ وراء قرارات الدولة رغبةُ بعض المجموعات النافذة بتدمير المسيحيّة. لقد قارنوا ذلك بفترة الاضطهادات في القرون الأولى، داعين المسيحيّين إلى المقاومة، ومستشهدين بأمثلة الشهداء. إنّ هذه المواقف مبالغٌ فيها بالطبع، وموازاتها بعصر الاضطهادات تعسّفيّ. فالمسيحيّون لم يُطلب منهم أن ينكروا إيمانهم ويعبدوا إلهًا آخر. لم تُغلَق الكنائس، والقيود المفروضة على ارتيادها مؤقّتة. إنّ الدول لم تَقُم سوى بواجبها لحماية السكّان عبر اتّخاذها الإجراء الوحيد المُتاح – أي الحجر الصحّيّ – لتحدّ من العدوى، وتتمكّن من توفير أفضل رعايةٍ للمرضى، وتحدّ من عدد الوفيات.ـ

أودّ أن أضيف أنّ الكنيسة ليست مكانًا سِحريًّا معزولاً كليًّا عن العالم المحيط، حيث لا يمكن للمرء أن يُصاب بأيّ مرض، لا سيّما إذا كان شديد العدوى. صحيحٌ أنّ موقف الناس كان مختلفًا خلال الأوبئة في العصور القديمة، فقد كانوا يجتمعون في الكنائس وتتكاثر الزياحات. ولكن ما ننساه هو أنّ الكنائس أصبحت أماكن للمدنفين. ولذلك، خلال الأوبئة الكبيرة الّتي عرفتها الإمبراطورية البيزنطيّة، لم يكن من النادر أن تتكدّس مئات الجثث في الكنائس.ـ

من واجب الكنيسة أن تحمي صحّة المؤمنين وحياتهم، وأن تحمي أيضًا مَن قد ينقل المؤمنون العدوى إليهم في الخارج. وعليها أيضًا ألاّ تعقّد عمل الفريق الطبيّ الّذي قد لا يتمكّن من معالجة الجميع إذا كانت المستشفيات ممتلئة، فيضطرّ إلى أن يفرز أي أن يهمل الأشخاص الأضعف ويتركهم يموتون. إضافةً إلى ذلك، إذا وُجد موتى كثيرون في الوقت نفسه، لن يكون بالإمكان تجنيزهم. شعرنا جميعًا بالحزن لرؤية موكبًا من شاحنات الجيش في إيطاليا، تقود عشرات الموتى مباشرةً إلى محرقة الجثث، من دون إمكانيّة أيّ حضورٍ عائليّ أو دينيّ… في الصين، أُحرقت آلاف الجثث بالتسلسل، ولم تتمكّن العائلات إلاّ بعد أسابيع عدّة من أن تأتي لأخذ رماد أهلها المتوفّين، عن منصّاتٍ تكدّست فيها الجِرار الجنائزيّة.ـ

إنّ الشركات الرهبانيّة كلّها (بما في ذلك أديار جبل آثوس)، عبر إغلاقها أبوابها، اتّخذت القرار بحماية زائريها والحجّاج إليها من عدوى متبادلة، وبحماية أعضائها أيضًا، ما يسمح لهم بمواصلة الاحتفال بالقدّاس وإتمام إحدى مهامّهم الأساسيّة الّتي نحتاج إليها بشكلٍ خاصّ في هذه الفترة: الصلاة من أجل العالم.ـ

إنّ استحالة الاشتراك في المناولة مدّةً معيّنةً تطرح مشكلةً خطيرةً عند بعض المؤمنين. هنا أيضًا يرى بعض المتطرّفين المفعول الناجح لمؤامرةٍ معاديةٍ للمسيحيّةـ

أنا لا أتبنّى نظريّات المؤامرة هذه لا لأنّها تتّهم رجالاً أو منظّمات، بل لأنّ الأوبئة، كما ذكرت، متكرّرةٌ ودوريّةٌ في تاريخ البشريّة. مع ذلك، فإنّي أعتقد أنّ الشيطان يعمل في هذا الوباء وعواقبه. سأطلعك على السّبب في سياق حديثنا.ـ

فيما يتعلّق بالحرمان من المناولة يمكننا أن نقول أشياء عدّة. أولئك الّذين اعتادوا على الاشتراك في المناولة كلّ أسبوع (أو أكثر) ويأخذون منها مفاعيل كبيرةً لحياتهم، يعانون كثيرًا من هذا الوضع ونحن نفهمهم. ولكي نتعزّى، يمكننا أن نذكّر أنّ القدّيسة مريم المصريّة، الّتي نعيّد لها في قدّاس الأحد الخامس من الصوم الكبير، لم تتناول سوى مرّة واحدة في حياتها، مباشرةً قبل رقادها، وأنّ في عصرها (ويُذكر هذا في قصّة حياتها الّتي نقرأها في الكنيسة في عيدها)، جرَت العادة أن يعتزل الرهبان العائشون في شركةٍ إلى الصحراء في بداية الصوم الكبير، ولا يعودوا إلى الدير إلاّ يوم الخميس المقدّس للمساهمة في القدسات. ونذكر أيضًا أنّ العديد من الآباء الّذين تنسّكوا في الصحراء لم يعتادوا الاشتراك في المناولة سوى مرّة واحدة في السنة بالأكثر. نحن أُجبرنا على الابتعاد نفسه عن المناولة خلال هذا الصوم الكبير، وبذلك، أي بفضل الحجر الصحّيّ في منزلنا (الّذي أصبح بالنسبة إلى كثيرين قاسيًا مثل الصحراء، في عالمنا ذي الحركة الدائمة والانشغالات الخارجيّة)، يمكننا أن نشترك قليلاً في خبرتهم. يمكننا أن نجني من ذلك بعض الفوائد. أوّلاً في أيّامنا، لا سيّما في الشتات، صارت المناولة متواترة (في حين أنّها كانت في البلدان الأرثوذكسيّة نادرةً قبل عقودٍ قليلةٍ)، إلى حدّ أنّه بات هناك خطرُ الاستخفاف بها. كنتُ قد تحدّثتُ عن ذلك قبل بضع سنوات مع المطران أثناسيوس يفتيتش، الّذي أخبرني أنّه من المفيد أن نصوم من وقتٍ إلى آخر عن المناولة، من أجل استعادة إحساسنا بقوّتها، والاقتراب منها بشعورٍ حقيقيّ بالرغبة والحاجة إليها. نتذكّر أيضًا أنّ مفاعيل المناولة لا تزول بعد أخذها. فمفاعيلها تتناسب مع نوعيّة تلقّينا، ولا يقتصر هذا التلقّي على مدى استعدادنا للمناولة فحسب، بل على حالتنا تجاهها بعد أخذها. تقدّم لنا الكنيسة، لمساعدتنا، سلسلةً من الصلوات تُقال قبل المناولة وبعدها. أعرف العديد من الآباء الروحيّين الّذين يشجّعون أولادهم الروحيّين على قراءة صلاة الشكر كلّ يوم حتّى المناولة التالية، وذلك من أجل الحفاظ على الإحساس “بالعطايا المكرَّمة الّتي أخذوها”، والاستمرار في تفعيل النعمة الّتي جلبتها لهم.ـ

ماذا يمكن أن نقول حول استحالة المشاركة في الخدم الليتورجيّة؟

أعتقد أنّه يمكن إقامتها في المنزل بالأشكال المنصوص عليها في غياب الكاهن، لا سيّما عبر قراءة التيبيكا بدلاً من القدّاس، رغم أنّها لن تستطيع أن تحلّ مكانه بالكامل، وأنّها تفتقر إلى الأساس، وهو إقامة الذبيحة المقدّسة الّتي لا يمكن أن يتمّمها سوى الكاهن. إنّ الكثير من المؤمنين لديهم النصوص الطقسيّة في المنزل (وبخاصّةٍ كتاب الإفخولوجي الصّغير المخصّص للصلاة البيتيّة في حال عدم وجود كاهن)؛ وإلاّ يمكن إيجاد معظم النصوص على الإنترنت. يمكننا أيضًا التمرّس على صلاة يسوع. فالشركات الصغيرة في جبل آثوس أو النسّاك العائشين في “الصحاري” الذين ليس لديهم كاهن، يستبدلون الخدم بعددٍ معيّنٍ من التضرّعات الموجَّهة إلى المسيح ووالدة الإله والقدّيسين. قال القدّيس أفرام كاتوناكيا مستندًا إلى القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: “إنّ النّاس في العالم الّذين لا يستطيعون الذهاب إلى الكنيسة نهارَي السبت والأحد، يمكنهم في هذا الوقت أن يجعلوا من نفوسهم مذبحًا بقولهم الصلاة”.ـ

من الممكن أيضًا متابعة القدّاس المنقول مباشرةً على التلفاز أو على الإنترنت في البلدان الأرثوذكسيّة، كما يفعل عادةً العديد من المسنّين أو المرضى الّذين لا يستطيعون التنقّل. إلاّ أنّ هذا لا يحلّ مكان المشاركة الحقيقيّة بالحضور الجسديّ في وسط الجماعة. مع ذلك، يمكن للمرء على الأقلّ الانضمام إلى الاحتفال والشعور بالانتماء وبالنشاط الشركويّ في الوقت ذاته، بما أنّ الشركة الكنسيّة تمتدّ إلى ما هو أبعد من المنظور والأشخاص الحاضرين (وهذا ما يُدعى “شركة القدّيسين”).ـ

أدان مطران برغامون يوحنّا زيزيولاس، في مقابلةٍ أجريَت معه مؤخرًا، قرار بعض الكنائس بإغلاق كنائسها وتوقيف الخدم، وأكّد أنّه حين تتوقّف إقامة خدم القدّاس الإلهيّ، لا يعود هناك كنيسة. ماذا تظنّون؟

يُفهم موقفه من خلال عقيدته الشخصانيّة الّتي تعطي الأولويّة لما هو علائقيّ، وتحدّد تاليًا القدّاس باجتماع المؤمنين وليس بالذبيحة الإفخارستيّة نفسها. في الواقع، إنّ الاحتفال بالقدّاس مستمرٌّ في جميع الكنائس (في الأديار، ولكن أيضًا في الكثير من الكنائس بحضور عددٍ قليلٍ من الناس). وهذا ما يهمّ. لا تعتمد قيمة القدّاس على عدد الحاضرين، ولا تعتمد قيمة القدسات وقوّتها على عدد القداديس المُقامة. عندما تحتفل مئات الآلاف من الكنائس بالقدّاس في وقتٍ واحد، فهي تحقّق الآن ذبيحة المسيح الوحيدة (هذا معنى كلمة “ذِكري” الّتي تحدّد جوهر القدّاس). إذا لن يُقام سوى قدّاسٍ واحدٍ في كنيسةٍ محليّةٍ واحدةٍ، فهذه الذبيحة الواحدة ستتمّ بالقوّة نفسها لأنّها ستمتدّ إلى الكون كلّه. فيما يتعلّق بالمؤمنين، ينبغي التذكير بأنّ قدّاس القدّيس باسيليوس الّذي نقيمه في آحاد الصوم الكبير، يذكر غيابهم المُحتمل في صلاةٍ تطلب من الله أن يتذكّر “أولئك الّذين تغيّبوا لأسبابٍ مستصوبة”، وهذا يربطهم بطريقةٍ معيّنةٍ بالمؤمنين الحاضرين وبالنعمة المعطاة لهم.ـ

كيف يجب أن نعيش الحجر الصحّيّ؟ يبدو أنّ في الأمر مشكلةٌ بالنسبة إلى الناس في أيّامناـ

نحن محظوظون لأنّ الحجر الصحّيّ الّذي تفرضه الدولة يتزامن جزئيًّا مع “الأربعين المقدّسة” للصوم الكبير. من عادتنا نحن الأرثوذكسيّين أن نقلّل خلال هذه الفترة من نزهاتنا، وأنشطتنا الترفيهيّة، واستهلاكنا. من عادتنا أيضًا أن نستفيد من هذه الفترة حيث الهدوء والانفراد أكبر، لكي نعود إلى أنفسنا، ونزيد قراءاتنا الروحيّة ونصلّي أكثر. لدينا خبرة السنوات الماضية من أجل هذا كلّه. ينبغي لنا فقط أن نواصل الجهد بضعة أسابيع قليلة إضافيّة.ـ

عمومًا، يُعَدُّ الحجر فرصةً جيّدةً لاختبار الهدوئيّة العزيزة على الروحانيّة الأرثوذكسيّة، وهي حالةٌ تتضمّن الانفراد وبخاصّةٍ الهدوء الخارجيّ والداخليّ، فنرتاح بذلك ممّا يرتبط بالظروف المعيشيّة من حركةٍ متواصلةٍ وضوضاء وتوتّر، ونقيم من جديدٍ في مسكننا الداخليّ الذي يدعوه الآباء الهدوئيّون “مكان القلب”.ـ

يسمح الحجر الصحّيّ أيضًا للزوجَين والأولاد بالتواجد معًا أكثر من المعتاد، وهذا مفيدٌ للجميع. بالطبع، هذا ليس أمرًا عاديًّا، لأنّ الكثيرين غير معتادين على الحياة المشتركة مدّةً طويلة، ولكن قد يكون الحجر فرصةً لتوطيدها إيجابيًّا.ـ

هذه العودة إلى الذات وإلى الحياة الزوجيّة والعائليّة يجب ألاّ تكون نسيانًا للآخرين. إنّ الصدَقَة، وهي إحدى الممارسات الاعتياديّة في الصوم، يمكنها أن تكون عبارةً عن مساعَدةٍ داعمةٍ ومنتظمةٍ أكثر لمعارفنا الذين يعانون من المرض أو الوحدة أو القلق المفرط. ووسائل الاتّصال الحديثة جيّدةٌ لإتمام هذا العمل…ـ

ألاحظ أنّ العديد من مواطنينا يبتكرون نشاطاتٍ رياضيّةً منزليّة. نحن، خلال الصوم الكبير، من عادتنا أن نقوم بمطانيّاتٍ كبيرة. نستطيع مضاعفتها (لدى الرهبان قانونٌ أن يقوموا بثلاثمئة مطانيّة على الأقلّ في اليوم، وبعضهم يقوم بثلاثة آلاف مطانيّة!) إنّ البطريرك الصربيّ بولس الذي كان يقوم بذلك كلّ يومٍ حتّى سنّ الواحدة والتسعين (وحدها إصابةٌ في الركبة استطاعت أن توقفه عن ذلك!)، كان يقول، بناءً على دراساته الطبّيّة وصحّته الجيّدة، إنّها أفضل رياضةٍ بدنيّةٍ يمكن للإنسان القيام بها من أجل المحافظة على لياقته…ـ

لِنعالج الآن من فضلكم أسئلةً تتعلّق أكثر باللاهوت. أوّلاً، لمَن أو لما يمكننا أن نُرجِع الوباء الحاليّ والأمراض بعامّةٍ؟

الوباء مرضٌ مُعْدٍ ينتشر. ينطبق عليه كلّ ما يختصّ بالمرض، باستثناء أنّ طابعه الضخم الّذي يفرض نفسه على منطقةٍ أو دولةٍ ما أو على العالم كلّه، كما هو الحال حاليًّا، يثير أسئلةً إضافيّة. ليس مستغربًا أن نرى عودة تطرّق الخطاب الدينيّ إلى موضوع الرؤيا أو نهاية العالم، أو فكرة عقابٍ إلهيّ بسبب خطايا البشر، مع إشاراتٍ إلى الطوفان (تك 6-7)، أو إلى مصير سدوم وعمورة (تك 19)، أو إلى الطاعون الّذي أباد معسكر داود بعد الإحصاء (2 صم 24، 15-15)، أو إلى ضربات مصر السبع (خروج 7-11). لذلك، يجدر بنا التوضيح.ـ

وفقًا للمفهوم الأرثوذكسيّ الّذي طوّره الآباء انطلاقًا من الكتاب المقدّس، أنتجت الخطيئة الجَدّية (الّتي يسمّيها التقليد الغربيّ الخطيئة الأصليّة)، ثلاثة تأثيراتٍ على المستوى الماديّ: قابلية الهوى”passibilité” (والألم شكلها الرئيس)، والفساد (المرض شكله الرئيس)، والموت الّذي يَنتج عن الفساد. إنّ خطيئة آدم وحوّاء كانت انفصالهما عن الله، ما أدّى إلى فقدانهما النعمة الّتي كانت تمنحهما اللاهوى وعدم الفساد وعدم الموت. ولمّا كان آدم وحوّاء النموذجَين الأوَّلين للبشريّة، فقد نقلا إلى نسلهما نتيجةً لذلك طبيعتَهما البشريّة الّتي غيّرتها التأثيرات الضارّة لخطيئتهما. الاختلال الّذي طال الطبيعة البشريّة أثّر أيضًا على الطبيعة بأكملها، لأنّ الإنسان، بانفصاله عن الله، خسر مكانته كملكٍ على الخليقة، وحرم المخلوقات من النعمة الّتي كان ينقلها إليهم كوسيط. في البداية كانت الخليقة حسنةً بكليّتها، كما خلقها الله (وفقًا لما يخبرنا به الإصحاح الأول من سفر التكوين)، ثمّ دخل الشرّ فيها كما في الإنسان، شرٌّ ليس معنويًّا فحسب، بل جسديًّا أيضًا، ويتجلّى في اختلالٍ يؤثّر على ترتيب الخليقة الأصليّ، وفي عمليات تدميرٍ لما أنشأه الله. يشير فلاديمير لوسكي إلى أنّ عناية الله منعتْ الخليقة من أن تُدمَّر بالكامل، ولكنّ الطبيعة أصبحت ساحة معركةٍ يتواجه فيها الخير والشرّ باستمرار. تصارع الكائنات الحيّة باستمرارٍ للقضاء على الميكروبات، أو البكتيريا، أو الفيروسات، أو التغيّرات الجينيّة (الناتجة عن الشيخوخة أو العوامل البيئيّة)، الّتي تسعى إلى إبادتها، إلى أن يُضعفها التقدّم في السنّ الذي يخفّض مناعتها، فتُهزم أخيرًا وتموت. قد لا تؤثّر البكتيريا أو الفيروسات لآلاف السنين سوى على أنواعٍ حيوانيّة، أو قد تُحفظ فيها من دون التأثير عليها ثمّ تنتقل فجأةً إلى الإنسان. هكذا فعلت الفيروسات المختلفة الّتي سبّبت أوبئةً في العقود الأخيرة.ـ

أنتم تشيرون إلى ذنب الجدَّين الأوَّلين في هذه العمليّة. هل تؤدّي ذنوب ذريّتهم، أي ذنوبنا الشخصيّة، دورًا في ذلك؟ إنّ صلوات الإفخولوجي الكبير التي تُقال في أزمنة الوباء، وخطابات بعض الأساقفة والكهنة والرهبان، تُرجِعُ الأوبئة إلى خطايا الجميع، وترى في ما يحدث نوعًا من عقابٍ بسبب هذه الخطايا، وتدعو إلى التوبةـ

وفقًا للمفهوم الأرثوذكسيّ (الّذي يختلف في هذه النقطة عن المفهوم الكاثوليكيّ للخطيئة الأصليّة)، فإنّ خطأ آدم وحواء هو خطأٌ شخصيٌّ لا ينتقل إلى نسلهم، بل تنتقل آثاره فقط. غير أنّ نسلهم، منذ البداية وحتّى يومنا هذا، وكما يقول القدّيس بولس في الفصل الخامس من رسالته إلى أهل رومية، أخطأوا مثل آدم، واقتفوا أثره، وثبّتوا خطيئته وآثارها بخطاياهم الخاصّة. إذًا، ثمّة مسؤوليّةٌ جماعيّةٌ عن الشرور الّتي تصيب العالم الساقط، ما يعلّل إرجاعنا إيّاها إلى الخطيئة ودعوتنا إلى التوبة. ومع ذلك، ينطبق الأمر على مستوى عامّ لنوضح أصل الأمراض والشرور واستمرارها، وليس على مستوى شخصيّ لنوضح لمَ تحدث لشخصٍ معيّنٍ أو مجموعةٍ معيّنةٍ من الناس. إذا كانت بعض الأمراض مرتبطةً بخطايا أو أهواء شخصيّةٍ (مثلاً الأمراض المرتبطة بالأكل المفرط أو المشروبات الكحوليّة، أو الأمراض المنتقلة جنسيًّا)، فثمّة أمراضٌ أخرى تنشأ بصرف النظر عن مدى روحانيّة الأشخاص الّذين تصيبهم. إنّ الأطفال المرضى ليست لهم خطيئة. والقدّيسون لا يسلمون من الأمراض، وغالبًا ما تصيبهم أمراضٌ أكثر من ذوي السيرة الأخلاقيّة السيّئة. إنّ الأوبئة تقضي أحيانًا على أديارٍ بأكملها. على سبيل المثال، ضرب وباء الطاعون أديرة طيبة عام 346 بعد عيد الفصح، وقتل ثلث “آباء الصحارى” الّذين كانوا يعيشون هناك، بمَن فيهم القدّيس باخوميوس أبو الرهبنة الشركويّة، والخلَف الّذي كان قد عيّنه، وحوالى مئة راهبٍ في كلّ ديرٍ من الأديار الكبرى في المنطقة.ـ

خلال أوبئة الطاعون الكبيرة الماضية، تثبّتَ المسيحيّون من أنّ المرض كان يصيب الناس عشوائيًّا بغضّ النظر عن حياتهم الأخلاقيّة أو الروحيّة. لقد سُئل المسيح عن علاقة المرض بخطيئة الإنسان أو بخطيئة والديه، فأجاب تلاميذه حول الأعمى منذ ولادته قائلاً: “لا هو أخطأ ولا والديه…”. إذًا، للمرض علاقةٌ أصليّةٌ ورئيسةٌ وجماعيّةٌ بالخطيئة، وليست له علاقةٌ فعليّةٌ وشخصيةٌ بها سوى في بعض الحالات القليلة. لذلك، أعتقد أنّه يمكننا ذكر مسألة الخطيئة والتوبة في الصلوات أو في العظات، ولكن بحذر. لا يحتاج المرضى إلى أن نضيف على ألمهم اتّهاماتٍ بالذنب، ولكنّهم بحاجةٍ إلى أن ندعمهم، ونعزّيهم، ونعتني بهم برأفة، ونساعدهم أيضًا على استيعاب مرضهم وعذابهم بطريقةٍ روحيّةٍ، حتّى يتمكّنوا من تحويلها روحيًّا لصالحهم. معنى التوبة هو العودة وتغيير الذهن (هذا هو معنى الكلمة اليونانيّة metanoia). يثير المرض سلسلةً من التساؤلات لا أحد يُفلت منها: لماذا؟ لماذا أنا؟ لماذا الآن؟ إلى متى؟ ماذا سيحصل لي؟ كلّ مرضٍ هو استجوابٌ ذاتيٌّ حيٌّ وعميقٌ إذ إنّه ليس مجرّدًا أو اعتباطيًّا، بل جزءٌ من خبرةٍ وجوديّة. وغالبًا ما يكون هذا الاستجواب ضروريًّا. ذلك أنّ المرض دائمًا ما يدفعنا إلى إعادة النظر في أسس وجودنا وإطاره وأشكاله، والتوازنات التي اكتسبناها، والحالة الحرّة لمَلَكاتنا الجسديّة والنفسيّة، وقيمنا المرجعيّة، وعلاقتنا بالآخرين، وحياتنا نفسها – لأنّ الموت عادةً ما يلوح في الأفق حينئذٍ على نحوٍ أوضح من المعتاد (وهذا هو الحال مع هذا الوباء الّذي يخطف الأشخاص سريعًا بطريقةٍ غير متوقّعة، لا سيّما المسنّين، ولكن أيضًا الأصغر سنًّا رغم عدم معاناتهم دائمًا من أمراضٍ خطيرة أخرى). المرض هو فرصةٌ لكي يختبر كلّ شخصٍ هشاشته الوجوديّة واتكاليّته، ولكي يلجأ إلى الله ليساعده على تخطّيها، إن لم يكن جسديًّا (إذ ثمّة شفاءاتٌ عجائبيّةٌ إجابةً على الصلاة)، فعلى الأقلّ روحيًّا، ويسمح بجعله من أجل بنيان الإنسان الذي، إن تجاهل هذا المعنى، يقود نفسه نحو الدمار.ـ

مع ذلك، نجد أحيانًا في صلوات الإفخولوجي الكبير نفسها أو في صلواتٍ أخرى (مثلاً القوانين والمدائح)، وكذلك في خطابات الإكليروس الّتي تكاثرت مؤخّرًا على الإنترنت، الفكرة القائلة إنّ هذا الوباء مُرسَلٌ من الله (أو من رؤساء ملائكته أو ملائكته) من أجل إيقاظ البشر ودفعهم إلى التوبة والاهتداء، في عالمٍ أصبح بكليّته مادّيًّا وناسيًا اللهـ

كما سبقَ أن أشرتُ، أوافقُ على القول إنّ هذه المحنة (مثل كلّ محنةٍ في الحياة) هي فرصةٌ لإعادة النظر، ولوعيٍ، ولعودةٍ إلى الله وإلى حياةٍ أكثر روحانيّة.ـ

لقد تحدّثتُ عن ذلك فيما يتعلّق بالأفراد. ولكن من الواضح – كما يبدو أيضًا في العديد من المقالات الصحفيّة – أنّ هذا الوباء يجعلنا أيضًا نعيد النظر في أسس مجتمعاتنا الحديثة وتنظيمها، وأسلوب الحياة المادّيّ والاستهلاكيّ فيها، فضلاً عن الشعور الزائف بالأمان الّذي استمدّته من التقدّم العلميّ والتكنولوجيّ. يُظهر هذا الوباء أيضًا أوهام “ما بعد الإنسانيّة” transhumanisme، إذ، بحسب ما يقوله الاختصاصيّون حاليًّا، ستظهر فيروساتٌ جديدة، ولن تنحصر الأوبئة، بل ستتكاثر في المستقبل، وغالبًا ما ستترك الإنسان عاجزًا (لاحظوا أنّه لم يُعثر بعد على لقاحٍ أو علاجٍ لنزلات البرد البسيطة، والّتي تصيب عددًا كبيرًا من السكّان كلّ عام، ويسبّبها فيروس من عائلة الفيروسات التاجيّة coronavirus.)ـ

ولكن، مع كلّ الاحترام الّذي أكنّه لما تشيرون من صلواتٍ أو إكليروس، لقد صدمتني طريقة فهمهم الله وعمله تجاه البشر. هذه النظرة كانت سائدةً في العهد القديم، ولكنّ العهد الجديد غيّرها. نجد في العهد القديم الفكرة القائلة إنّ الأبرار كانوا في رخاءٍ مكافأةً لهم من الله، في حين أنّ الخطأة كانوا مُعاقبين بعدلٍ بشتّى أنواع الشرّ. وضع العهد الجديد حدًّا لهذا “المنطق”، وقد سبق لأيّوب أن صوّر هذه الرؤية. إنّ خطابات الإكليروس الّتي تشيرون إليها، تشبه ما قاله أصدقاء أيّوب له استنادًا إلى القياس المنطقيّ التالي: “نزلتْ فيكَ كلّ أنواع الشرور، إذًا لقد عاقبك الله، وسبب هذا العقاب هو أنّك خاطئ”. أمّا أيّوب فيرفض فكرة عقاب الله له. إنّ العهد الجديد يكشف لنا إله محبّة، إلهًا رؤوفًا ورحيمًا، يسعى لإنقاذ البشر بواسطة المحبّة لا بواسطة العقاب. إذًا، إنّ الرأي القائل إنّ الله نشر هذا الفيروس في العالم، أو جَعَلهُ ينتشر بواسطة ملائكته أو رؤساء ملائكته (كما نقرأ بالفعل في بعض النصوص)، تبدو لي شبه تجديفٍ، حتّى عند الإشارة إلى تأديبٍ إلهيّ يستخدم الشرّ بهدف الخير، وسيجعل إذًا من الشرّ خيرًا، ما هو أمرٌ غريب. الله أبٌ لنا، ونحن أولاده. أيّ أبٍ بيننا، ستأتيه فكرة بثّ فيروس في أولاده بهدفٍ يزعم أنّه تربويّ؟ أيّ أبٍ لا يعاني من رؤية أولاده يمرضون ويعانون وفي خطر الموت؟

يعزو بعض اللاهوتيّين أسباب المرض والألم والموت إلى الله، لأنّهم يخشون أنّنا، إذا لم ننسبها إلى الله، سنعتبر مثل المانويّين أنّ هناك إلى جانب الله، الّذي هو مصدر الخير، مصدرٌ للشرّ ينافسه، ويحدّ تاليًا من قدرته الكليّة الّتي هي إحدى صفاته الأساسيّة. ولكن، إذا كان كلّ شيء يأتي من الله، فيجب علينا أيضًا أن نعترف بأنّه ليس سبب الأوبئة فحسب، بل أيضًا سبب الحروب والإبادات الجماعيّة ومعسكرات الاعتقال، وأنّه جلب إلى السلطة هتلر أو ستالين أو بول بوت، ليكونوا أدواتٍ لعدله المزعوم ولتأديب الشعوب…ـ

في الواقع، وفقًا للآباء، للشرور مصدرٌ واحدٌ فقط هو الخطيئة، وسبب الخطيئة هو سوء استخدام الإنسان لإرادته الحرّة. الشرور أيضًا نتيجةٌ لعمل إبليس والشياطين (الملائكة الساقطة الّتي بدورها أساءت استخدام إرادتها الحرّة)، والتي تمكّنت قدرتها من الاستقرار في العالم نتيجةً لخطيئة الإنسان الأوّل: فبَعد أن توقّف الإنسان عن أن يكون “ملك الخليقة”، استطاع الشيطان أن يصير “أمير هذا العالم”.ـ

أمّا فيما يختصّ بما يحصل في أيّامنا، فإنّ عمل الشيطان هو ما تجدر الإشارة إليه، لا عمل الله. وتجدر الإشارة أيضًا إلى خطأ الشخص الّذي أكل في الصين حيوانًا حاملاً الفيروس أو لمَسَهُ (هذا ما حدث أيضًا خلال الأوبئة السابقة كلّها)، فنَقَلَ تأثير خطئه إلى البشريّة جمعاء مثلما نقل آدم تأثير خطيئته إلى البشريّة كلّها.ـ

ما قلتموه للتوّ يثير أسئلةً عدّة. في البداية، يقول بعضهم إنّ الله خلق جميع الميكروبات والفيروسات، وإنّ الموت نفسه موجودٌ في الخليقة منذ البدء، وإنّ كلّ ما خلقه الله حسنٌ كما يقول سفر التكوين.ـ

هذه فكرةٌ نجدها بالفعل عند بعض اللاهوتيّين المعاصرين الكاثوليك (مثلاً عند Teilhard de Chardin وتلميذه Gustave Martelet)، وقد تبنّاها بعض اللاهوتيّين الأرثوذكسيّين (مثلاً يوحنّا زيزيولاس مطران بيرغامون، ومؤخّرًا الأرشمندريت كيريل هوفورون). هؤلاء يتبنّون المفهوم الطبيعيّ (أو الطبيعانيّة)، الذي يحاكي جزئيًّا مفهوم العلم الحديث. أمّا إيماننا الأرثوذكسيّ فمختلف: فالآباء يُجمعون مؤكّدين أنّ الله لم يخلق الموت، بل أنّ هذا الأخير نتج عن الخطيئة، تمامًا مثل المرض والألم اللّذين لم يندرجا في الحالة الفردوسيّة الأصليّة، والّلذين أيضًا سيبطلان في الحالة الفردوسيّة المستقبليّة، في مملكة السماء.ـ

إنّ التساؤل إذا ما كان المرض والألم والموت شرورًا يتطلّب إجابةً مزدوجة.ـ

أوّلاً، على المستوى المادّيّ، إنّها شرورٌ بلا شكّ، لأنّها، كما سبق أن ذكرت، اختلالاتٌ واضطراباتٌ تصيب السير الحسَن للكائنات الحيّة الّتي خلقها الله. وحتّى من وجهة النظر الطبيعانيّة، فإنّ الصحّة والحياة هي الحالة الطبيعيّة لدى الكائن الحيّ؛ أمّا المرض والعجز والموت، فهي غير طبيعيّة. إنّ المرض، كما ذكرت، هو شكلٌ من أشكال الفساد، هو عمليّة تدهورٍ وتدميرٍ وإبادة. والألم عنصرٌ يرافق هذه العمليّة، ويشهد أنّ شيئًا ما في جسدنا “ليس على ما يرام”. يظهر الطابع الشيطانيّ البحت للأمراض بوضوحٍ شديدٍ في بعضها. على سبيل المثال، نجده في أمراض المناعة الذاتيّة auto-immunes، حيث تستخدم الأعضاء موارد الكائن الحيّ لتدمّر نفسها (إنّه نوعٌ من الانتحار). نجده أيضًا في السرطان، الّذي، من خلال تغيّرٍ جينيّ، يُنتج أورامًا عبثيّةً (لا تؤدّي أيّ دور له معنى في الجسم)، ولا غرض لهذه الأورام سوى نموّها الخاصّ على حساب الأعضاء الأخرى، فهي تمتصّها وتدمّرها تدريجيًّا، وتستخدم في وجه العلاجات المستعملة ضدّها، جميع الموارد الّتي خزّنها الكائن الحيّ منذ ملايين السنين من أجل نموّه وحفظه. ونجد هذا الطابع أيضًا في الفيروس الحاليّ الّذي، مثل سائر الفيروسات التي تنتمي إلى العائلة نفسها، يتسلّل إلى خلايا الرئتين ثمّ إلى أعضاء حيويّةٍ أخرى، ويغزوها (كما يغزو عدوٌّ دولةً ما)، ويستعمرها، ويعيق عملها، أو يزعجها بطريقةٍ خطيرةٍ إلى حدّ التسبّب في الموت.ـ

على المستوى الروحيّ، إنّ المرض والألم والموت شرورٌ بسبب أصلها الأوّل (الخطيئة)، ولكن من الممكن مقاربتها وعيشها روحيًّا بطريقةٍ بنّاءة، فتصبح بذلك خيراتٍ، ولكن خيراتٍ روحيّة فقط. كما ذكرتُ، يمكن للإنسان أن يلجأ إلى الله عند المرض والألم أو اقتراب الموت، وأن يقترب منه وينمّي فضائل مختلفة (أي أن ينمّي الحالات الدائمة، أي حالاتٍ تقرّبه من الله وتوحّده به). يقول القدّيس غريغوريوس النزينزي إنّ الكثير من الناس صاروا قدّيسين من خلال المرض.ـ

إذا كان المسيح قد مات من أجلنا، فذلك لكي يتغلّب على الموت ويتيح لنا أن نقوم في نهاية الأزمنة كما قام هو نفسه. إلاّ أنّ لآلامه ولموته على الصليب معنى آخر يفوتنا أن نشدّد عليه: فهو، بآلامه وموته، أبطل قوّة الألم والموت؛ لقد أعطانا، إذا اتّحدنا به وحصلنا بذلك على النعمة الّتي منحنا إيّاها، ألاّ نخاف الألم وأن نتحسّن روحيًّا من خلاله، وألاّ نخشى الموت، بل أن نضع رجاءنا في الحياة الأبديّة، إلى حدّ قولنا مع القدّيس بولس في الفصل الخامس عشر من رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: “أين شوكتكَ يا موت؟ أين غلبتكِ يا جحيم؟”.ـ

يُطرحُ سؤالٌ آخر استنادًا إلى كلامكم السابق: إذا كان الله صالحًا وكلّيّ القدرة، فلماذا لا يلغي المرض والألم من هذا العالم، ولماذا لا يزالان موجودين في حين أنّ المسيح غلبهما من أجل كلّ البشريّة الّتي أخذها على عاتقه؟

هذا ما يُنشئ اعتراضًا قويًّا لدى الملحدين، وغالبًا ما يثير الشكّ بين المؤمنين.ـ

جواب الآباء هو أنّ الله خلق الإنسان حرًّا، وهو يحترم إرادة الإنسان الحرّة بكلّ عواقبها. وإذ إنّ الخطيئة تدوم في العالم، فعواقبها تستمرّ في التأثير على الطبيعة البشريّة والكون بأكمله.ـ

لقد أزال المسيح ضرورة الخطيئة، وأنهى استبداد الشيطان، وجعل الموت غير ضارّ، ولكنّه لم يلغِ الخطيئة، أو فِعل الشياطين، أو الموت الجسديّ، أو عواقب الخطيئة بشكلٍ عام، حتّى لا يُرغم الإرادة الحرّة الّتي تسبّبت بها، أو ينكر هذه الإرادة. على المستوى المادّيّ، يخضع العالم الساقط إلى منطقه الخاصّ. ولهذا السبب أيضًا يصيب المرض الواحد والآخر على نحوٍ مختلفٍ، ما يتّضح بخاصةٍ عند حلول وباءٍ ما: فبحسب تركيبة الناس الجسديّة الفرديّة، يصيب الوباء بعضهم ويستثني بعضهم الآخر؛ ويؤثّر على نحوٍ طفيفٍ على بعضهم، وعلى نحوٍ خطيرٍ على بعضهم الآخر؛ ويجعل بعضهم يموت ويترك بعضهم الآخر على قيد الحياة؛ ويقتل مراهقين ويستثني مسنّين.ـ

فقط في نهاية الأزمنة سيتجدّد كلّ شيء، وستظهر سماءٌ جديدةٌ وأرضٌ جديدةٌ، حيث سيُردّ ترتيب الطبيعة وتناغمها الّلذان دمرتهما الخطيئة، في طبيعةٍ أرفع وجودًا، حيث سيُشرك المسيح جميع الّذين سيتّحدون معه، في الخيرات الّتي أحرزها في عمله الخلاصيّ والمؤلّه طبيعتنا.ـ

الإنسان الّذي يحيا في المسيح داخل الكنيسة، حيث يوجد ملء النعمة، يتلقّى “عربون الروح القدس”، ويعرف روحيًّا بواكير الخيرات الآتية. على هذا المستوى الروحيّ، لا يعود للخطيئة والشيطان والموت والفساد من سلطةٍ أو تأثيرٍ عليه؛ هو حرٌّ روحيًّا إزاءها. ولكن إذا ضَمِنَ عدم الفساد وعدم الموت، فهذان لن يتحقّقا في جسده إلاّ بعد القيامة والدينونة، تمامًا مثل تألّه كيانه كلّه الذي لن يكتمل كلّيًّا سوى في هذه اللحظة الأخيرة (راجع 1 كو 15: 28).ـ

خلال هذا الانتظار، تظهر المسيحيّة حريصةً على تخفيف معاناة البشر وشفاء الأمراض، ولطالما شجّعَتْ من أجل ذلك الوسائل المتاحةـ

محبّة القريب هي مع محبّة الله الفضيلة الأهمّ الّتي تدعو إليها المسيحيّة. إنّ محبّة القريب تشمل تعاطفًا، ورغبةً في مساعدته في كلّ شيء، وفي تعزيته، ودعمه، وتخفيف آلامه، وعلاج أمراضه، وحفظه في صحّة جيدة. وقد أظهرت المثال على ذلك المعجزات الّتي اجترحها المسيح والرسل. لهذا السبب، اعترفت المسيحيّة منذ البداية بمزايا الطّبّ، ولم تتردّد في أن تضمّ الطبّ “الدنيويّ” المُمارس في المجتمع الذي نشأت وتطوّرت فيه، وحتّى أنّها أوّل مَن أنشأ مستشفيات. كانت الممرّضات راهباتٍ في الشرق والغرب، لقرونٍ عدّة وحتّى عصرٍ قريبٍ نسبيًّا لنا (في ألمانيا، لا يزالون يدعون الممرّضات “Schwester” أي أخوات!). خلال الوباء الحاليّ، أظهر جميع الباحثين والأطبّاء والممرّضين والمسعفين، وأيضًا جميع العمّال التقنيّين وموظّفي الصيانة، تفانيًا وروح تضحية، إلى حدّ وضع صحّتهم وحياتهم في خطر، وهذا يتوافق تمامًا مع القيَم المسيحيّة. إنّ الكنائس كلّها تباركهم، وعلينا أن ندعمهم بقوّةٍ بصلواتنا.ـ

بما أنّكم قلتم إنّ الطبيعة الساقطة تتبع نوعًا ما منطقها الخاصّ، فهل يمكن أن تؤثّر صلواتنا على هذا الوباء، من أجل إبطائه أو إنهائه؟

من واجبنا أن نصلّي إلى الله لإنهاء هذا الوباء. ولكن من أجل أن يحدث ذلك، يجب أن يلجأ إليه جميع الناس طالبين منه ذلك، وإلاّ، فهو لن يفرض نفوذه الكلّيّ القدرة على مَن لا يريدون أن يعرفوه ويطلبوا مساعدته، احترامًا لخيارهم الحرّ. ولهذا السبب لم يتجلَّ الفعل الإلهيّ من أجل إيقاف الأوبئة الكبيرة في الماضي. إلاّ أنّ الله، من ناحيةٍ أخرى، استجاب لطلب مجموعاتٍ صغيرةٍ متّحدة، وأوقف عجائبيًّا أوبئةً محلّيّة. ولطالما حصلت فجواتٌ في منطق العالم الساقط لصالح أشخاصٍ معيّنين، من خلال تدخّل الله أو والدة الإله أو القدّيسين. إلاّ أنّ المعجزات، بحسب تعريفها، هي استثناءاتٌ للنظام العامّ والعاديّ. لم يَقُم المسيح نفسه بشفاءاتٍ جماعيّة، بل دائمًا بشفاءاتٍ فرديّةٍ. وهذه كانت دائمًا تتعلّق (أشدّد على كلمة دائمًا) بهدفٍ روحيّ وعملٍ روحيّ يرافقه (غفران الخطايا)، مرتبطٌ بالحياة وبمصير الشخص. وهنا أذكّر بأنّه كما يمكن للمرض أن يتحوّل روحيًّا إلى مصلحتنا، قد يكون الحفاظ على الصحّة أو استعادتها عديمَي الفائدة إذا لم نستخدمهما جيّدًا على المستوى الروحيّ. أحد الأسئلة الإضافيّة الّتي يطرحها علينا الوباء الحالي هو التالي: ماذا فعلنا بصحّتنا حتّى الآن، وماذا سنفعل بها إذا بقينا على قيد الحياة؟

أمّا فيما يختصّ بالشفاءات العجائبيّة الّتي أجراها المسيح، فإنّنا نرى أنّها مُنحت أحيانًا بناءً على طلب الأشخاص الّذين شفاهم، وأحيانًا بناءً على طلب أقربائهم. وهذا يذكّرنا بأنّه من المهمّ أن نصلّي من أجل أنفسنا، من أجل الحصول على الحماية والشفاء، ولكن أيضًا من أجل أقربائنا، وعلى نطاقٍ أوسع من أجل جميع البشر، كما يفعل جميع القدّيسين الّذين يصلّون من أجل العالم كلّه، لأنّهم يشعرون أنّهم متحدّون مع الجميع.ـ

أزهرت الصلوات على أنواعها على المواقع الأرثوذكسيّة في الأسابيع الأخيرة. ما الصلاة (الصلوات) الّتي توصون بها بالأخصّ؟

كلّ صلاة جيّدةٌ لأنّها تقرّبنا من الله ومن قريبنا. يمكننا أن نتوجّه إلى المسيح، وإلى والدة الإله وجميع القدّيسين، إذ، كما أخبرني القدّيس باييسيوس الأثوسيّ خلال أحد لقاءاتي به، يمكن لكلّ قدّيسٍ أن يشفي جميع الأمراض، والقدّيسون لا يغارون بعضهم من بعض.ـ

على الرغم من كلّ شيء، لا أزال أشكّك قليلاً في بعض أشكال التقوى الّتي تلامس الخرافة، ولكن لا مفرّ منها في مثل هذه الظروف: مثلاً، أخرجنا مؤخّرًا من المخبأ قدّيسةً اسمها كورونا. لا شكّ في أنّنا سنرى قريبًا القدّيس فيروس (أسقف فيينا من القرن الرابع) يوافيها. من ناحيتي، أحبّ كثيرًا الصلاة الّتي كتبها البطريرك دانيال الرومانيّ وأستخدمها مراتٍ عدّة في اليوم، وهي قصيرةٌ وبسيطةٌ وكاملة. لقد عدّلتُ قليلاً النصّ:

“أيّها الربّ إلهنا، الغنيّ بالرحمة والّذي يوجّه حياتنا بحكمةٍ دؤوبة، استمعْ إلى صلاتنا، وتقبّلْ توبتنا عن خطايانا، وضعْ حدًّا لهذا الوباء. أنتَ يا طبيب أرواحنا وأجسادنا، امنحِ الصحّة للّذين أصابهم المرض، مُنهضًا ايّاهم بسرعةٍ من فراش ألمهم، حتّى يتمكّنوا من تمجيدكَ أنتَ المخلّص الرحيم. احفظْ من كلّ مرضٍ مَن هُم في صحّةٍ جيّدة. إحفظنا نحن أيضًا، نحن خدّامكَ غير المستحقّين، وكذلك والدينا وأقرباءنا. يا ربّ، باركْ وقوِّ واحرسْ بنعمتك كلّ الّذين يعتنون بالمرضى في منازلهم أو في المستشفيات، بمحبّةٍ للبشر وروح تضحية. أبعدْ كلّ مرضٍ وألمٍ عن شعبك، وعلّمنا أن نقدّر الحياة والصحّة كعطايا تأتي من لدنكَ. امنحنا يا ربّ سلامك، واملأ قلوبنا بإيمانٍ غير متزعزعٍ في حمايتك، وبرجاءٍ في عونكَ وبمحبّةٍ لكَ ولقريبنا. لأنّ لكَ أن ترحمنا وتخلّصنا، يا إلهنا، ولكَ نرسلُ المجد أيّها الآب والابن والروح القدس، الآن وكلّ أوانٍ وإلى دهر الداهرين، آمين.ـ

* مقابلة أجراها جيفكو بانيف في 6 نيسان 2020

***

ما بعد الإنسانية

ما بعد الإنسانية

الأب أنطوان ملكي

منذ ظهور الكورونا وتحولها إلى جائحة، أطلق معتنقو نظريات المؤامرة العنان لأفكارهم إذ وجدوا الظرف مؤاتياً لتطبيق رؤياهم. ليس سهلاً التعليق على كل السيناريوهات التي طُرِحَت. وقبل أي نقاش، يجب الإشارة إلى أن التهدئة ضرورية لتصويب المسار. التهدئة الفعلية تقوم على الحقيقة. والحقيقة لا تعني إنكار وجود ضد المسيح وأنه سوف يظهر وسوف يكون هناك حرب معه. تقتضي الحقيقة أن يفهم المسيحي أن المعركة مع ضد المسيح هي معركة المسيح، ونحن منخرطون كجنود للمسيح ولسنا مستقلّين عنه. كلّ مَن يتنطح ويغرق بالسيناريوهات يكون مخدوعاً.ـ

وعليه، قرار متى تكون الحرب ليس متروكاً بيد ضد المسيح، وربّنا لم ينسحب حتى يأخذ مكانه أي أحد، لا من أعدائه ولا من جيشه. لهذا، اليقظة شرطٌ لعبور الزمان الممتد من اللحظة إلى يوم القيامة. واليقظة لا تعني أن يقضي الإنسان وقته يراقب ضد المسيح بل هي أن يراقب نفسه، كما يعلّم القديس بورفيريوس. إن هو راقب نفسه يزرع السلام من حوله أما إذا انشغل بمراقبة ضد المسيح فسوف يدفع المؤمنين إلى الذعر والعيش بانفصام في واقع الحياة الذي لا ينقصه انفصامات. اليقظة ليست حالة فكرية بل روحية نبلغها بالجهاد الروحي في الكنيسة، على ضعفاتها.ـ

ما يهمنا في هذا المقال من نظريات المؤامرة، هي تلك التي ربطت الجائحة بضد المسيح، أما غيرها من النظريات، التي تقع في السياسة والمال، فلن نتطرق إليها. النقطة المركزية في هذه النظرية هي علامة الوحش حيث صارت الشريحة الرقمية العلامة تارة، واللقاح الذي لم يوجَد بعد تارة أخرى، ويخرج مَن يؤكّد أن اللقاح يحمل رقم الوحش المعروف ب666. ويكون الاستنتاج أن على المسيحيين رفض الشريحة ورفض اللقاح. هذا الكلام يعتوره الكثير من قلة الدقّة. من متطلبات النصر في الحروب هو دقة المعلومات وإلا تصير الحرب مع طواحين الهواء فيما العدو يتفرّج و”يشمت”، بحسب تعبير الذهبي الفم.ـ

قبل التطرق إلى الحرب مع ضد المسيح، من الضروري أن نضع الشريحة في مكانها الصحيح. هناك اليوم في العالم اهتمام كبير بالشرائح التي توضَع في جسم الإنسان، منها ما هو لأهداف طبية ومنها ما هو لمجرد البحث العلمي ومنها ما هو أبعد من ذلك. يُنفَق الكثير من المال عالمياً على هذه الأبحاث والدراسات. البعض القليل منها ينجح في التطبيقات الطبية، أما في الحقول الأخرى فعدم الوضوح هو السمة الغالبة. من هذه الشرائح اثنتان، الأولى اقترح بيل غايتس بأن تكون لتحميل اللقاح ضد الكورونا عليها فيمتص الجسد اللقاح وتبقى هي وتكون محمّلة بمعلومات صاحبها الشخصية. هذه العملية يقول مقترحوها أنها تساعد على تحديد مَن أخذ اللقاح، وهنا يبدأ النقاش حول إلزامية اللقاح، وأن اللقاح الذي لم يتوصل إليه أحد بعد هو أيضاً من الشيطان. أما الشريحة الثانية فهي أيضاً بنفس مواصفات الأولى ما عدا أنها ليست معنية باللقاح وسوف تكون إلزامية لكل البشر وتحلّ مكان كل الجوازات والبطاقات، فلا يحتاج الإنسان من ثمّ إلى جواز سفر ولا إلى بطاقة المصرف ولا رخصة السَوق ولا غيرها. إلى هذا تحمل البطاقة كل المعلومات البيومترية التي يحملها اليوم الجواز وغيره من البطاقات. هذه الشريحة هي جزء من مشروع كوني عنوانه الهوية 2020 (ID2020) ويعمل عليه عدد كبير جداً من الشركات العملاقة والصغيرة، وغالبيتها في أوروبا، ومعهم عدد كبير من الجامعات ومراكز الأبحاث والباحثين المنفردين والمموّلين.ـ

الهوية 2020 هي جزء مهيّء لمشروع أكبر يحمله تيار “ما بعد البشرية (transhumanism)”، وفي شقّه التكنولوجي أُطلِق عليه لاحقاً اسم Humanity 2.0، أي النسخة الثانية من البشرية، أو البشرية الجديدة، حيث يأمل المنخرطون فيه إنتاج إنسان هجين بين البشر والآلة. يتّخذ هذا المخلوق المرجو عدة أسماء، الأكثر انتشاراً بينها هو سايبورغ (Cyborg). وقد بدأت بعض الاختبارات على أشخاص من أصحاب الاحتياجات الخاصة حيث تم استبدال الأعضاء المريضة أو الميتة بأجهزة وشرائح. الأعضاء التي نجحوا في تصنيعها في المختبرات هي اليد، الرِجل، الذاكرة اي جزء من الدماغ، البنكرياس، العين، والأذن. وقد وصل البحث حول القلب إلى نقاط متقدمة، لكن لم يُصَر بعد إلى إنتاج قلب اصطناعي.ـ

تضمّ حركة ما بعد البشرية مفكرين وعلماء ومستثمرين من كافة الحقول، كالفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والهندسة والطب وغيرها. من مبادئهم وجوب استخدام تقارب التقنيات الجديدة لتغيير الإنسان من عاقل (Homosapien) إلى تكنو إنسان (Technosapien). يعتبر بعض دعاة هذه الحركة أن البشر الحاليين هم نموذج عفا عنه الزمن، ويدافعون عن موقفهم بأن الناس هم أصلاً على طريق ما بعد الإنسان، حيث أنهم يستخدمون التكنولوجيا لتعزيز وتوسيع القدرات البشرية، كالهواتف المحمولة والإنترنت والأطراف الصناعية الطبية وما إلى ذلك. وبالتالي يجادلون بأن ما يدافعون عنه لا يختلف عينيًا عما سبق أن قَبِله البشر على أنه أخلاقي ومقبول. طبعاً، إلى اليوم لم تلقَ هذه الأفكار القبول الذي يضعها على المستوى التطبيقي الشامل مع أن منظومة مقتدرة من الإعلام والسينما والأدب والموسيقى تعمل على التسويق لهذه الأفكار ونشرها. قيمة ميزانيات هذه الأبحاث والنشاطات تفوق ما يحتاجه العالم لحل مشاكل الجوع والأمية، من دون أن ندرِج كلفة تطبيق هذه الأفكار على علوم الحرب وأدواتها.ـ

يتحدث جماعة ما بعد الإنسانية، او الإنسانية الجديدة، عن الخلود وإطالة الحياة وتأخير الشيخوخة، ويعملون على تحقيق هذه الأمور عن طريق التكنولوجيا. حلمهم الأبعد هو الحياة الأبدية على هذه الأرض أو على كوكب آخر. لهذان يمكن اعتبارهم ديناً يعِد بالخلود عن طريق التصاعد والتحول اللذين يحققهما العلم. وكسائر الأديان، يعتبرون مَن يخالفهم الرأي رجعياً ومعادياً للكنولوجيا والتطور.ـ

من المهم التمعّن بما يؤدّي تدخل التكنولوجيا والعلوم في داخل الإنسان أكثر مما يؤثر عليه من خارج. لا يؤمن أتباع الإنسانية الجديدة بأن للإنسان جوهر ينبغي احترامه. نحن المسيحيون نعرف أن داخل الإنسان صورة الله وهي جوهره. بالتالي، التطور يلحِق الضرر بصورة الله التي فينا والتي نتمسّك بها وندافع عنها. الكلام عن الرجل الآلة هو ضرب لهذه الصورة ولقدسية الحياة التي فيها. أن يقبل الناس أنهم جزئياً آلات يقودهم عملياً إلى التخلي عن كل ما نعتقده قدسيةً للجسد، من الحشمة وصولاً إلى الاستباحة الكاملة، وحتى إلى الإجهاض والانتحار والموت الرحيم. إذا كنا نستطيع أن نتصرّف بالآلات على هوانا وحتّى أن نتلفها أو نتخلَص منها أو ندوّرها، فلمَ تكون هذه الآلة البشرية استثناءً؟

يدعو أتباع الإنسانية الجديدة إلى تبني التقنيات التي تهدف إلى تعزيز قدرات الإنسان العقلية والأخلاقية. حجتهم هي أن الإنسان المعزز سوف يكون أكثر سلامية وعدائية لأنه لا ينقصه شيء. هذه التقنيات مبنية على علم النفس وطبّها وهي تطال الأفراد والجماعات. من أشهر هذه التقنيات ما يُعرَف بالهندسة الاجتماعية التي يقوم عليها الكثير من ألاعيب علوم التسويق والدعاية. تضخّ إلينا الشاشات، بكافة أشكالها، كمّاً كبيراً من تطبيقات هذه التقنيات.ـ

طبعاً، لا يقف العالم متفرجاً على جماعات ما بعد الإنسانية ينفذّون مشاريعهم ولا خططهم تسير كما يشتهون. هناك جماعات دينية وأخلاقية كثيرة تناهضهم. وهنا تكمن ضرورة التمييز في كيف يناهضهم الإنسان وأين ومتى؟ مَن يندفع من دون تمييز يستنفد قوته وموارده قبل الأوان.ـ

على سبيل المثال، يتحدّث مناهضو الشريحة عن أنها سوف تكون مدخلاً إلى التحكم بالبشر وتوجيههم. أيعتقد ناشرو هذه التحذيرات بأن الشريحة سوف تكون أكثر فتكاً مما ينتشر حالياً في المجتع من مظاهر ثقافة تغيير المزاج والتحكم بالأفكار، وتقنيات التأمل التصاعدي، وحتى العقاقير التي تعمل على الأعصاب وعلى النفس، والمخدرات؟ أليست هذه كلها أشكال تحكّم بالناس؟ كثيرون يحذّرون من أن اللقاح سوف يتيح لقوى الظلام التحكّم بمَن يأخذه، فهل يعتقدون بأنه سوف يكون أكثر تحكماً من الهاتف الذكي والرسائل المخفية والموسيقى المخدّرة؟

طبعاً هذا الكلام ليس للدفاع عن الشريحة بل لوضعها في مكانها الصحيح. جماعة الإنسانية الجديدة يخططون للانتقال من خارج الإنسان إلى داخله متى استطاعوا. هذا يعني أن الحرب الحقيقية تكون في داخل الإنسان. المؤمن الذي انتصر في داخله، على ذاته أولاً، يكون محصّناً مستعداً لمواجهة ما يأتي من خارجها. يحكي الأخرويون عن أن الناس سوف تهرب كي لا تحمل علامة الوحش وهذا صحيح. لكن مَن الذي سوف يترك بيته وماله ومجتمعه ويهرب؟ وحده غير المتعلّق بما يملك، الذي كنزه في السماء وبالتالي هناك قلبه، الذي لا يشدّه إلى مكانه شيء سوى أن الله وضعه فيه، متى أراده الله أن ينتقل يكون جاهزاً. الاستعداد داخلي وبرنامجه واضحٌ اسمه التوبة. ألفا سنة والكنيسة تعلّم عنه، تصوم وتجاهد من أجله.ـ

إن وصف الرسول بولس لهذه الحرب دقيق جداً: “وَأَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ… وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلَسْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ… جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ…فَلْنَصْحُ لاَبِسِينَ دِرْعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، وَخُوذَةً هِيَ رَجَاءُ الْخَلاَصِ” (1تسالونيكي 1:5-8).ـ

إذاً، هناك معركة قادمة. أما كيف وأين فللرب أن يقرر. يخطئ مَن يعتقد أن القرار بيد ضد المسيح. “وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ… إِلاَّ الآبُ” (مرقس 13: 32). لهذا نحارب بالتوبة لا بالنظريات ولا بالسلاح ولا حتّى بالعلم. فليستعدّ كل واحد بالوزنة التي أُعطيها. لسنا كلنا أطباء ولسنا كلنا علماء. فلنأخذ الطب من الطبيب والعلم من العالِم. نظريات المؤامرة هي استجلاب للسياسة إلى الروحيات. لا يجوز أن نخلط السياسة بالإيمان ونتصوّر أننا نقرأ الواحد بالآخر. لا ألعاب الأرقام ولا شؤون الأرض ولا قراءة الإنجيل هوليوودياً تنفع المؤمنين وتثبّتهم وراء سيدهم في التجربة. وحدهم التائبون يرون الفرج “تُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ” (أعمال 19:3).ـ

ختاماً، باختصار على لسان هامة الرسل: “أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ. لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ. وَلكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا. فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ. لِذلِكَ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هذِهِ، اجْتَهِدُوا لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ، فِي سَلاَمٍ.” (2بطرس 8:3-14).ـ

Ferrando, Francesca. (2013). “Posthumanism, Transhumanism, Antihumanism, Metahumanism, and New Materialisms: Differences and Relations,” Existenz 8/2 (2013), 26-32. https://www.researchgate.net/publication/304333989_Posthumanism_Transhumanism_Antihumanism_Metahumanism_and_New_Materialisms_Differences_and_Relations

Gallaher, B (2019). “Godmanhood vs Mangodhood: An eastern orthodox response to transhumanism”. Studies in Christian Ethics. http://hdl.handle.net/10871/39217

Somerville, Margaret (2007). “From Homo sapiens to Techno sapiens: Children’s Human Rights to Natural Human Origins”. https://www.ieb-eib.org/en/study/early-life/assisted-reproduction/from-homo-sapiens-to-techno-sapiens-161.html

***