السنة الرابعة عشرة، العدد الثاني، تشرين الثاني 2017

السنة الرابعة عشرة، العدد الثاني، تشرين الثاني 2017

مختارات آبائية

الشيخ يوسف الفاتوبيذي، النضال المشروع

القديس سمعان اللاهوتي الحديث، المعرفة الروحية

أبطال روحيون

الأخ يوسف كبا، سيرة القديس الشيخ يعقوب تساليكيس

دراسة كتابية

الأب أنطوان ملكي، أبناء النور وأعمال الظلمة

لاهوت

الأب أنطوان ملكي، الاستحقاق

رعائيات

الأب أنطوان ملكي، قراءة هادئة في وقت شدّة

مسكونيات

المتقدّم في الكهنة ثيوذور ذيسيس، القديس أنطونيوس الكبير والمسكونية المعاصرة

لافرا بوكاييف تطلب من الكنيسة الروسية الانسحاب من مجلس الكنائس العالمي

النضال المشروع

النضال المشروع

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عندما كان يوحنا السابق في السجن، أرسل اثنين من تلاميذه يسأل المسيح: “«أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟». فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمَااذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ.”(متى 4:11-5). تاريخياً هذه العلاجات أجريَت للمتألّمين، ولكنها اكتسبت أيضاً معنى مختلفاً في السياق الأوسع للكتاب المقدس. أمراض طبيعتنا ترمز إلى أهواء النفس، حيث يقيم قانون الفساد. هناك عدد قليل من العميان في البشرية جمعاء. ألا نكون كلّنا عمياناً روحياً عندما لا نكون قادرين على تمييز هدفنا الرئيسي ومقصدنا؟ كل من يعلّق رجاءه على مصالح العالم هو أعمى؛ وهو لن يستعيد نظره إلا إذا وضع إيمانه ورجاءه في الرب. وعلى المنوال عينه، إذا سمح لنفسه بأن يكون عبداً لطرق الحياة غير الطبيعية الأخرى، ووضع أمله واهتمامه فيها فقط، فهو يكون أصماً ومجذوماً ودائم الحدبة ومسكوناً من الشيطان.

ربنا يسوع الذي أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا” (متى17:8) هو المعالج الحقيقي لطبيعتنا الفاسدة. كل من يؤمن به ويتبعه يشفى. إن لألمه الأكثر نقاء، الذي احتمله طوعاً لخلاصنا نفس المعنى، لأنه لا يوجد في المسيح أي هوى شرير. “ لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ” (بطرس الأولى 22:2). يسمح الرب بعذاب أكثر أعضائه قداسةً من أجل علاج طبيعتنا الفاسدة: إنه يسلّم كل واحد من أعضائه المقدسة إلى ما يتوافق مع كل جزء من جسدنا الخاص الذي عصى الوصية وارتكب الخطيئة. مدّ آدم ذراعه ليلتقط ثمار العصيان؛ فبسط ربّنا ذراعيه على الصليب. لقد جرّدوا ربنا من ثيابه وهو شفى فراغ الأجداد من النعمة الإلهية. لقد رفعوا صدر ربنا وهو شفى حواء التي نُحِتَت من ضلع آدم. ثُقبَت ساقاه حتى يتمكن من علاج أقدام آدم المتّجهتين نحو ارتكاب الخطيئة. لقد بصقوا عليه وصفعوه، من أجل تطهير عار حواء من التألّه الكاذب، الذي كانت تسلك فيه بتحريض من العدو. كان يمسك عصا السخرية في يديه لكي يتمكن من التوقيع على حلّ الذنب البشري وإلغاء صكّ تجاوزنا. لقد ذاق الخل والمرّ لكي يبصق طعم الخطيئة الممتع. لقد اتّخذ في كل جزء من أجزاء جسده المقدس القانون الملائم لتجاوزاتنا.

تشير الكتب المقدسة رمزياً إلى الطرق والوسائل التي تنفع نوايانا، وتحضّنا على تبنّي عقلية حماسية. “لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً” (لوقا 35:12) يقول ربّنا. يتم وصف الاعتدال الشامل مع التواضع بأنه حزام مفيد حول منطقتنايجعلنا على استعداد للمعركة غير المنظورة.

لماذا يأتي ضبط النفس قبل دخولنا في المعركة؟ بما أن عدونا يبدأ الهجوم باستخدام أسباب الخطيئة، فإن ربّنا، كقائد، يبيّن لنا كيف نعفي أنفسنا ونتحرر. “يأتي رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ” (یوحنا 30:14). إذا لم یجد العدو الأسباب والمواد التي يغوينا بها، فلا یمكنه أن ینتصر علينا. “المصابيح المشتعلةترمز إلى الصلاة العميقة التي ترافقها المحبة، والتي تشكل الدرع الذي يدمّر الأسهم النارية التي يرسلها الشرير. “فَكُلُّ الَّذِينَ يَسْلُكُونَ بِحَسَبِ هذَا الْقَانُونِ عَلَيْهِمْ سَلاَمٌ وَرَحْمَةٌ، وَعَلَى إِسْرَائِيلِ اللهِ” (غلاطية 16:6). “مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ لِلْوَقْتِ. طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ.”(لوقا 36:12-37).

إن نواة نضالنا هي تسكين الأهواء ومن ثم الانتصار عليها بنعمة الله. ثانياً، يجب أن نستبدل الأهواء القديمة بالفضائل، حتى لا تبقى نفسنا عارية ومن دون ملابس روحية. ثالثاً، يجب أن نكون متأهّبين حتى لا نفقد الكنز. وهكذا، فإننا نحقق الوصية اعْمَلْهَا وَاحْفَظْهَا“. من خلال العمل الفعلي يمكننا أن نخضع الرغبات المتّقدة عموماً ونضع ظفيرة على الغضب، الذي هو الشكل الخارجي للإنسان العتيق“. ومع ذلك، يُثار العقل نحو الله ويتحرر من هيمنة الأشياء المادية عن طريق المعرفة الروحية والتأمل. آباؤنا محقّون في التأكيد على أن الإنسان لا يستطيع أن يجد راحة ما لم يحوّل فكره نحو الله بشكل كليّ، بشكل يفتكر فيه أنه ليس في الوجود إلا هو والله فقط. هذا يبدو غريباً للذين لم يختبروا هذا العمل. لكن، أولئك الذين احتملوا القليل من المتاعب وحوّلوا الأمر إلى مهارة، فإنهم يتمتّعون بتأمّل الأشياء الإلهية وهم متحررون من الأفكار الشريرة وفقا للقول: “اِلْتَصَقَتْ نَفْسِي بِكَ. يَمِينُكَ تَعْضُدُنِي“(مزمور 8:63).

كما هو الحال في الحقول الاجتماعية، يحتاج المرء لأن يكون ذا دهاء ومثابراً وصاحب نظام، ومثله مَن يحب مؤامرات خلاصه“. من يؤمن بالله يخشى الحكم. كل من يخاف الحكم والانفصال عن الله، يحاول الانتباه إلى الوصايا. طاعة الوصايا هي المقصود بها المسار الضيق والوعر، وبالتالي فهو يصرخ بصبر في مواجهة المصاعب. إن ثمرة مثابرة المريض في مواجهة المصاعب هي رجاء النعمة التي لا تخزي أحداً. هذا الرجاء يفصل العقل عن الأشياء المادية والآمال، من ثم تأتي محب الله كجائزة.

لقد نصحنا شيخنا المبارك: “أولاً، الشياطين الماكرة تزعزع سلام العقل بحجج لا توصف. ثم تحرّك شغف الرغبة لدى جميع الذين لا يحرسون عقولهم. هذا لكي يبعِدوا العقل عن التأمل في السماوات، وهو ما يجاهد من أجله المؤمنون ويسرعون نحوه بشكل خاص، فإنهم ينشرون أمامه صورة المتعة، ويثيرون فيه العملية البيولوجية مقدمينها كضرورة. بهذا، إنهم يسلبون عقله من الطاقة الروحية. إن الخطيئة السابقة والمشاعر المستبدّة تحملنا على تمييز الشرور النشطة في داخلنا. من هذه يبدأ إحسان الله بعلاجنا، مقدّماً الدواء المناسب على قدر حجم الأذى“. كان الشيخ الدائم الذكر يقول أن هناك علاج مناسب واحد، وهو أسهل طرق العلاج، لا بل هو الطريقة للتحرر مسبقاً. انه التواضع ولا شيء سواه. إن السلاح الوحيد والوسيلة التي تساعدنا على غلبة العدو وتجعلنا منيعين هي الفكر المتواضع الذي لا يجرؤ الزهو الشيطاني على التطلع نحوه. إن التحدّث باستخدام الكلمات المتواضعة هو أمر، بينما التواضع هو أمر آخر، وتواضع القلب أمر مختلف تماماً. الكلام بتواضع والتواضع يولدان من المحبة للعمل الجادّ، من المعاناة بألم من أجل الوصايا ومن الفضيلة. إنها جزء ممّا يسمى بالجزء الخارجي العملي“. ومع هذا، التواضع الحقيقي هو عطيّة إلهية قويّة تمنحها النعمة الإلهية لجميع الذين تخطّوا العملية وارتفعوا إلى التأمل بالله بنعمة المسيح.

المعرفة الروحية

المعرفة الروحية

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

المعرفة الروحية هي مثل بيت مبني في وسط المعرفة الوثنية وفي وسطه صندوق يحتوي كنوز الكتاب المقدس التي لا تُقدّر. لا يكفي دخول هذا المنزل لرؤية هذه الثروات إنما ينبغي فتح الصندوق، وهذا ليس بالحكمة الإنسانية كي تبقى ثروات الروح الموضوعة فيه مجهولة للأرضيين. إن مَن يحفظ الكتابات جميعاً عن ظهر قلب كما يحفظ مزموراً واحداً، في حين يجهل عطايا الروح القدس المخبأة فيها، هو مثل مَن يحمل الصندوق على كتفيه دون أن يعرف ما في داخله.

إذا ما رأيت صندوقاً صغيراً مغلقاً بإحكام قد تحزر أن فيه كنزاً من وزنه ومظهره وربما مما سمعت عنه، فلهذا تلتقطه وتهرب به. ولكن ما المنفعة إذا حملتَه إلى الأبد مغلقاً دون أن تفتحه وترى الثروة التي يحتويها: تلألؤ الأحجار الثمينة، بريق المجوهرات ولمعان الذهب؟ ماذا تنتفع إن لم تكن قادراً على أخذ بعض منه لشراء طعام أو كساء؟ إذا حملت هذا الصندوق مغلقاً فلن تربح شيئا بالرغم من امتلائه بالثروات وستبقى معرضاً للجوع والعطش والعري.

انتبه لي يا أخي، ولنطبّق هذا على الأمور الروحية. لنتصور أن هذا الصندوق هو إنجيل ربنا يسوع المسيح وغيره من الكتابات المقدسة. الحياة الأبدية والبركات التي لا تُوصف موجودة في هذا الكتاب مختوماً عليها بطريقة لا تُرى. يقول السيد: “فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية“. الرجل الذي يحمل الصندوق هو مَن حَفِظ الكتاب عن ظهر قلب وردده دائماً في فمه حافظاً إياه في ذاكرته كما في صندوق حجارة كريمة. ولأن كلام المسيح هو النور والحياة كما يقول هو الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة، هذا الصندوق يحتوي الفضائل والوصايا كالجواهر.

من الوصايا تفيض الفضائل ومنها إظهار الأسرار المخبأة في الحروف. من إتمام الوصايا يأتي تطبيق الفضائل، وبتطبيق الفضائل إتمام الوصايا. إذاً بهذه فُتح لنا باب المعرفة. والأصح انه ليس بهذه فُتح لنا الباب إنما بالقائل :”إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي.. وأظهر له ذاتي“. وعندما يسكن الله فينا ويسكن بيننايظهِر لنا نفسه ونعاين بوعي محتوى الصندوق والكنوز المخبأة في الكتاب المقدس. لا نخدعنّ أنفسنا، ليس من طريقة أخرى لفتح صندوق المعرفة والتمتع بالأشياء الحسنة المحتواة فيه والمشاركة فيها ومعاينتها.

ولكن ما هي هذه الأشياء الحسنة التي أتكلم عنها؟ إنها المحبة اللامتناهية نحو الله والقريب، وازدراء كل المرئيات، وكبح الجسد وكل أعضائنا التي على الأرض بما فيها الشهوة الرديئة. وكما الرجل الميت ليس له فكر يجب أن نكون دائماً بلا أفكار شريرة وشهوات وأحاسيس هوى. يجب أن لا نحس طغيان واضطهاد الشر بل أن نعي فقط وصايا مخلصنا المسيح. يجب أن نفتكر فقط بخلود المجد الإلهي وعدم انتهائه، وبمملكة السماء وبتبني الله لنا من خلال الروح القدس. نحن أصبحنا أبناءً بالتبني والنعمة، نحن ورثة الله ووارثون مع المسيحونحن نكتسب فكر المسيح ومن خلاله نرى الله والمسيح نفسه ساكناً فينا وسائراً معنا بطريقة ممكنة المعرفة. كل هذه الأشياء ممنوحة للذين يسمعون وصايا الله ويعملون بها. انهم يتمتعون لا نهائياً بهذه الأشياء الثمينة التي فوق الوصف من خلال فتح الصندوق الذي تكلمنا عنه، أي رفع الغطاء عن أعين فكرنا ومعاينة الأشياء المخبأة في الكتاب المقدس. أما الآخرون الذين تنقصهم معرفة واختبار الأشياء التي تكلمنا عنها فلن يتذوقوا حلاوة ما في الكتاب المقدس ولا الحياة الأبدية الصادرة منه لأنهم يتكلون فقط على دراسة الكتاب. إضافة إلى ذلك، هذه الدراسة سوف تدينهم عند انتقالهم من هذه الأرض أكثر من الذين لم يسمعوا بالكتاب المقدس مطلقاً. بعض أولئك يخطئ بجهله ويحرّف الكتاب المقدس عندما يفسره بحسب شهواته. هم يريدون أن يمدحوا أنفسهم كأنهم قادرون على الخلاص بدون التقيد الصحيح بوصايا المسيح وهكذا ينكرون قوة الكتاب المقدس.

سيرة أبينا الشيخ يعقوب رئيس دير داود البار

سيرة أبينا الشيخ يعقوب رئيس دير داود البار

نقلها عن اليونانية بتصرّف الأخ يوسف كبا

 من أرشيف التراث الأرثوذكسي، من العدد العاشر السنة الأولى، حزيران 2003.

جدير بالذكر أن الشيخ يعقوب أُعلنَت قداسته من قِبَل مجمع كنيسة القسطنطينية في 27 تشرين الثاني 2017، ويعيّد له في الثاني والعشرين من تشرين الثاني.

1-  نَسَب الشيخ وسنوات طفولته

      آسيا الصغرى، التي أنجبت قدّيسين كثيرين في كنيستنا، هي موطن الأب يعقوب. فقد وُلد في قرية ليفيسي في ماكري (Λιβίσι Μάκρης). كانت أسرته ميسورة الحال، من أغنياء القرية. وغناها الأكبر كان التقوى والمحبة المسيحيتين. وقد أنجبت في تاريخها العريق رهباناً وإكليريكيين وقديس.

وُلد الشيخ في 5 تشرين الثاني 1920. وبسبب أحداث تلك الأيام المريعة وتهجير المسيحيين، انتقل إلى قرية القديس جاورجيوس في أمفيسا (Αμφισσας) وسط اليونان، وبعد سنتين إلى قرية فراكلا (Φαράκλα) في جزيرة آفيا، بقرب دير البار داود، حيث عاش حتى الثلاثين من عمره هناك.

كان لأمه ثيوذورا الدور الأكبر في حياته، وقد كانت مزدانة بالفضائل والتقوى والروح الرهبانية التي أورثتها لابنها المحبوب يعقوب. وقد روى الشيخ يعقوب، عن لسان أمه، أنه كان في طفولته ضعيف البنية في طفولته ولهذا كانت تدعوه “العصفور الخريفي”.

عند التهجير، أثناء النزوح من آسيا الصغرى، بقي الوالد، ستافروس تساليكي، أسيراً لدى الأتراك، وغادرت كل من أمه وجدته وعماته وخالاته بالسفينة إلى بيريا، وكان يعقوب في الثانية من عمره. ثم لحق الأب بهم إلى قرية فاراكلا. لكن الأم بقيت دائماً المربي الأساسي ليعقوب. عن طفولته، كان الشيخ يقول: “نادراً ما كنت أخرج من البيت، إلاّ إلى المدرسة. بعد إنجاب الأولاد، عاش والديّ ممسكَين متعففَين، في حياة روحية أخوية متواضعة مباركة. علمتني أمي الصلاة والسجود، وكنتُ أساعدها في الأعمال البيتيّة النسوية. وهكذا تعلمت الخياطة ومهارات أخرى. هذا أفادني في حياتي الرهبانية كثيراً. كل خمسة عشرة يوماً أو عشرين كان يأتي كاهن إلى القرية ليقيم الذبيحة الإلهية. كنت منذ المساء أذهب إلى الكنيسة لأساعد الكاهن وأبقى هناك مصليّاً إلى أن يأتي الناس صباحاً. لم نكن نعرف الاعتراف. فقط كنَا نصوم صوماً صارماً. أمّا قبل المناولة فكنَا نقبّل أيدي والدينا والشيوخ”.

ويقول الشيخ في مكان آخر: “كانت يدا أمي مفتوحة للمحتاجين. فأبي كان بناءً، وكان بمقدوره تأمين مستوى معيشي جيد لنا. اعتادت أمي على مساعدة الفقراء بسخاء بأطعمة وثياب، إلى درجة أننا، والدي وأنا، مراراً كثيرة عدنا من العمل في البناء ولم نجد ثياباً أخرى لنبدّل ثيابنا المتسخة! لكن حياتنا العائليّة كانت تعبر سلاميّة هادئة”.

يتابع الشيخ متحدثاً عن طفولته فيقول: “اعتدت الذهاب إلى الكنائس الصغيرة في البراري، وخاصةً إلى مقبرة القرية، من دون أن يعني هذا أنه كان لديّ مشكلة نفسية تعكّرني. بالعكس، كنت أتأمل هناك بطلان هذه الحياة الزائلة، وهكذا تولّد في نفسي ذكر الموت بفعاليّة”.

لقد أنار الروح القدس الشاب يعقوب إذ وجد فيه نفساً نقية طاهرة، فأخذ يفكر بتكريس نفسه لله، وبأن يصير ناسكاً عندما يكبر. كان يخرج من القرية إلى التلال المحيطة ويقيم في بعض التجويفات الصخرية التي كان يغطيها بأغصان الشجر، مصلياً ومعتبراُ نفسه ناسكاً. كما كان يزور بعض الكنائس المنتشرة في الريف، ككنيسة القديسة باراسكيفي، ينظّفها ويشعل قناديلها ويصلي فيها حتى الليل في عشرة مع الله وقدّيسيه، الذين طالما ظهروا له وتحاوروا معه.

بعد إنهائه المدرسة الابتدائية بتفوق، أصرّ استاذ القرية على إرساله إلى خالكيذا لمتابعة الدراسة. إلاّ إن أهله خافوا من إبعاده عنهم، وفضّلوا بقاءه في القرية. هكذا اكتفى بهذا المقدار من العلم العالمي ليمتلئ من “الحكمة التي من فوق” التي أظهرت الصيادين غزيري الحكمة.

تواضع الشيخ وإيمانه وصلوات أمه، جعلته على علاقة حميمة مع والدة الإله وجميع القديسين. يروي الشيخ أنه مرض في طفولته مرضاً شديداً، أصابته بردية وضيق نفس وآلام مبرحة في الصدر. “حينها لم يكن في القرية طبيب إلاّ الله وقدّيسيه. صلّت أمي كثيراً أمام أيقونة عجائبية للقديس خارالمبوس، كانت عندنا في البيت. عند المساء رأيتُ يد كاهن ترسم الصليب على وجهي، وتلامس مكان الألم وتداعبني. ومن لحظتها، أحسست بالتحسن ثم شُفيت. مَنْ شفاني كان القديس خارالمبوس، كما قال لي أمي”.

عندما رأى أهل القرية حياة يعقوب الصغير المقدسة، صاروا يحترمونه جداً ويعتبرونه ابناً باراً للكنيسة وفتى الله. وبما أن القرية كانت بلا كاهن، كانوا يلحون عليه كثيراً لأن يقرأ صلاة ما على المحتاجين أو المرضى، إيماناً منهم بأن صلاته ستساعدهم. وقد روى الشيخ قصصاً عديدة في هذا الخصوص.

كثيراً ما تحدث الشيخ عن ممارسة الصوم في أسرته المباركة. فقد قالت له أمه مرة، خلال الصوم الأربعيني المقدّس: “يا بنيّ يعقوب، أنظر كم أنت ضعيف. كُلْ ولو بيضة صغيرة لتتقوّى قليلاً”. فأجاب: “إن أكلتُ الآن، فلن أشعر بالقيامة. فأنا أريد أن آكل بيضة فصحيّة لأدرك معنى الفصح”.

عندما كان يساعد والده في أعمال البناء، سواء في القرية أو في القرى المجاورة، كان يتجنّب الأكل، في أيام الصوم، ممّا يقدمه لهم أصحاب البيوت التي يبنونها، لأنه غالباً ما كان زفراً. كان يعقوب الفتى يفضّل العودة إلى البيت ليتناول طعاماً صيامياً، على أن يتناول الجبن وغيره مما يقدّم، أمّا إذا وجد بعض الزيتون والخبز فكان يكتفي بذلك.

عند بلوغه الخامسة والعشرين من عمره، جاءت أمه في أحد الأيام وأخبرته أنها رأت ملاكها الحارس وأخبرها بأنها ستغادر هذه الحياة بعد ثلاثة أيام وأوصاها بأن تستعد. كان لهذا أثر كبير في نفس يعقوب، لا بسبب العلاقة الطبيعية بينهما كأمّ وابن وحَسب، بل بسبب العلاقة الروحية أيضاً. وهكذا، مرضت ثيوذورا وانطرحت في الفراش بسلام، باركت ابنها الحبيب داعيةً له أن يصبح كاهناً بعد أن يهتمّ بتأمين مستقبل أخته الصغرى. ثم تنفسّت الصعداء وأسلمت الروح.

2-  حياة يعقوب العسكرية

كانت فترة خدمة الشيخ في العسكرية خلال أصعب وأقسى العهود في اليونان، فترة الحرب الأهلية. كانت خدمة يعقوب في مدينة فولوس. وقد أخبر: “كانت أيقونة القديس خارالمبوس دائماً معي. وقد تضرعت إليه مراراً ألاّ يختارني الضابط المسؤول لأكون من رجال الدورية، لأني لم أكن رجل قتل ودماء. وبالفعل لم يحصل ذلك. كلّفوني مرة بالمناوبة في حراسة قطاع معيّن. فجلست وراء الرشاش وأخرجت أيقونة القديس خارالمبوس الصغيرة ووضعتُها عليه، وقلت له: ‘يا قدّيسي الحبيب، أنت أحرسْ الآن الهدف. أحرسْ هذا القطاع من هنا إلى هناك‘. بعدها غرقت في الصلاة بلا همّ، ونجوت من مخاطر كثيرة”.

ثم انتقل يعقوب إلى أثينا. هناك أنار الله قلب الضابط المسؤول عنه، فكان يعطيه كل يوم إذناً خطياً بزيارة كنائس أثينا وبيريا. واستمرت الصداقة بين الشخصين إلى أن أصبح الشيخ في دير البار داود، حيث زاره الضابط مراراً. ورغم وداعته وبراءته، ورغم محاولاته أن يعيش مع المسيح بخفية، إلاّ إنه لم يسلَم بالطبع من تهكمات بعض العساكر وإزعاجهم، إذ لم يكونوا يفهمون تصرفاته العجيبة بعقولهم البشرية. لكن البعض الآخر كانوا يحترمونه، وقد زاروه في ديره فيما بعد.

وهكذا مرّت سنوات خدمته العسكريّة الثلاث بسلام فعاد إلى قريته وهو في الثلاثين من عمره. وبعد أن أمّن على أخته، كما أوصته أمه، أصبح حرّاً في تحقيق ما حلُم به منذ الطفولة.

3-  حياة الشيخ يعقوب الرهبانية

في السيرة الرهبانية، رغب الشيخ باتباع حياة هادئة في بعض المغاور، كما في الأماكن المقدسة، مكتفياً ببعض الماء والأعشاب البريّة المتوفرة. لكن قبل المباشرة في تنفيذ رغبته، رأى ضرورة أن ينال البركة من دير البار داود. عندما وصل إلى الدير، كما يروي هو نفسه، وجده متغيراً عمّا كان عليه، أي أكثر جمالاً وعظمة وبهاء. “هناك قابلت شيخاً وقوراً أبيض اللحية. كان هذا هو البار داود. سألته وأنا مندهش إن كان بالإمكان أن يعطوني غرفة في الدير فأجابني: ‘أنت أتيت لتسجد كزائر. فإن كنت ستبقى يمكن أن نعطيك غرفة‘. فأجبته في الحال: ‘سأبقى أيها الشيخ‘. فأدخلني الدير بعد أن تفوهت بهذا الوعد ثم غاب الشيخ الوقور عن عينيّ وكأن جداراً انفتح ومر عبره. بعد لحظات أدركتُ واقع الحال، فالدير بسيط، وفيه خرائب هنا وهناك، وكنيسة صغيرة. لقد أتيتُ كزائر عادي، لكن من خلال ما حدث وجدتُ نفسي أعطي وعداً من كل قلبي بأن أخدم دير القديس داود”. حينها، كان في الدير ثلاثة رهبان كبار السن يعيشون بطريقة انفرادية. الأرشمندريت نيقوديموس كان رئيساً للدير وكان يتردد عليه من حين لآخر. وقد تمتع بفضائل كثيرة، لكنه كان يعاني من أمراض عديدة بالإضافة إلى وجود بعض الإخوة من داخل الكنيسة كانوا يضطهدونه. وقد رقد هذا الرئيس الرحوم بعد فترة قصيرة. يقول الشيخ: “كنتُ اطلب بركتَه في كل أمر. وهذا لم يكن سهلاً. فقد كنتُ أمضي أربع إلى خمس ساعات للوصول إلى القرية التي كان يخدم فيها الرئيس نيقوديموس، لآخذ بركته في أمور تخص الدير”.

كان الدير مهمَلاً لسنوات، فأخذ الشيخ يعقوب يعمل فيه طوال النهار مع الصلاة المتواصلة. ولكي يصبح الدير قادراً على الاعتماد على نفسه، وحتى على تقديم الإحسان للفقراء، عمل في كافة الأشغال: إصلاح، بناء، زراعة، وغيرها.

في انطلاقة حياة الشيخ الرهبانية المشتركة، عانى صعوبات وتجارب كثيرة. هذا ليس غريباً، فهو قانون الحياة المسيحية، وقد طبّقه الله على شيخنا يعقوب، فكانت حياته استشهاداً طوعياً حيناً وقسرياً حيناً آخر. لقد أثار إبليسُ الرهبانَ السابقين في الدير عليه، لكي يقفوا في وجه حماسته ويحملوه على اليأس ومغادرة الدير. لقد كان “منظره ثقيلاً عليهم”. إلاّ إن فضائله وبساطته الموهوبة من الله تغلبت على شرورهم. قلايته كانت شبه خربة: لا زجاج على النوافذ، بالإضافة إلى الشقوق في الباب صيفاً وشتاءً. وقد كان الشيخ يعقوب يعزّي نفسه بمقارنتها بالنسّاك العموديين، الذين لم يكن من سقف يحميهم، وبالنسّاك سكان البراري الذين لا مأوى لهم. هكذا كان يرى ذاته أفضل حالاً منهم ويشكر الله. و كان الشيخ مستفيداً وأكثر خبرةً في مختلف التجارب والآلام. لكن الشيطان زاد أيضاً من تجاربه، على غرار تجربته لآباء البرية المتوشحين بالله. وقد روى الشيخ حادثة عن هجوم الشياطين عليه في أحد الأيام، فيما كان مستلقياً قليلاً قبيل الظهر ليرتاح من العمل، فضربوه ضرباً مبرحاً في كل أنحاء جسمه وأسمعوه الشتائم والتجاديف مانعين إياه حتّى من رسم إشارة الصليب. إلاّ أنه أخيراً استطاع رسم إشارة الصليب وطردهم باسم يسوع.

في أحد الأيام، جاء رئيس الدير وقال له: “يا أبانا  يعقوب، اغتسِلْ واستحمّ وسرّح شعرك. لأننا سننزل معاً إلى خالكيذا”. أطاع الشيخ يعقوب من دون أن يدري ما القضية. “بالفعل نزلنا إلى مطرانية خالكيذا، وكان المطران غريغوريوس هناك إنساناً قديساً متواضعاً رحوماً… استقبلنا ورحّب بنا، ثم أخبرني بأنهم قرروا منحي رتبة الكهنوت. هذا الأمر لم يكن يخطر على بالي. إلاّ إني لم أستطع أن أجادل احتراماً لرئيس الدير والأسقف القديس. وهكذا في الثامن عشر من كانون الأول 1952 رسموني شماساً، وفي اليوم التالي كاهناً. وقد أهدوني محفظة فيها أيقونة للسيدة العذراء كُتب تحتها: ‘أيها الأب يعقوب، أيقونة العذراء هذه فلتحفظْك في المكان القفر، هناك حيث تقيم…‘ ثم بعد أيام أخذت إذناً مكتوباً بممارسة الأبوّة الروحيّة وسرّ الاعتراف”.

4-  حياة الشيخ يعقوب الكهنوتية

منذ بداية حياته الكهنوتية، أخذ الشيخ يعقوب يقيم الصلوات اليومية والقداس الإلهي ويتناول القدسات بتواتر، مما كان يعطيه قوة روحية كبيرة ونشاطاً كل النهار. ونظراً لحاجة المنطقة إلى كهنة، صار يخدم القرى المحيطة بالدير. لقد كانت غيرته على بيوت الله الناطقة (المؤمنين) وغير الناطقة كبيرة جداً. فكان يعمل بنشاط وحماس في خدمة النفوس والكنائس والأوقاف.

كان الشيخ يغار من فضائل القديسين الذين يقرأ عنهم، ويحاول تطبيق شيء منها بنفسه. لذلك عندما قرأ عن إمساك القديس دانيال العمودي حتى عن ضروريات حياته اليومية محبةً بكثرة زائريه، راح الشيخ يعقوب يمسك عن حاجاته الطبيعية منذ خروجه من الدير في الصباح، ليخدم في مختلف القرى المحيطة، إلى أن يعود إليه.

حسب عادة ذلك الزمان، كان الأب يعقوب يطوف برفات البار داود في القرى المجاورة ليتبرّك منها المؤمنون. وقد كان هذا متعباً جداً له بالرغم من طبعه النسكي. يروي تعزية حصلت له إحدى المرات عندما كان عائداً من إحدى جولاته في الرعايا المحيطة، إذ عندما دنا من الدير، رأى نوراً بهياً خارج الدير ينير الطريق الضيقة المؤدية إليه. ثم “عندما وصلتُ إلى الدير دخلتُ الكنيسة. فوجدتُ شيخاً منتصباً عن اليمين ينتظرني. بعد أن وضعتُ الرفات وسجدتُ للأيقونات بحثتُ عن ذاك الشخص لأحيّيه معتقداُ أنه أحد آباء الدير، إلاّ إني لم أجده. فقد اختفى. لقد كان البار داود حيّاً ينتظر عودتي بسلام”.

عجائب أخرى عديدة حصلت مع البار بنعمة الله، لا يسعنا ذكرها جميعاً. نذكر أن الشيخ يعقوب كان يسعى دائماً لتأمين الزيت لجميع الكنائس المحيطة بالدير. بالإضافة إلى الإحسانات الأخرى التي كان يقدمها للمؤمنين. في أحد الأيام، كان يصلّي متضرعاً إلى العذراء والبار داود والنبي إيليا بشكل خاص، لأن يساعدوه في تأمين الزيت في كل المنطقة. بعد فترة من صلاته، نزل إلى المستودع حيث وعاء الزيت الكبير، فوجد الغطاء يتحرّك والزيت ينسكب من الوعاء، فظنّ لأول وهلة أن فأراً في الوعاء يحاول الخروج منه بعد أن أسال كل هذا الزيت على الأرض. إلاّ إنه عندما دنا ورفع الغطاء، لم يجد لا فأراً ولا ما شابه، بل تأكّد أن الزيت كان يفيض عجائبياً! فمجّد الله على مراحمه وشكر قدّيسيه.

لقد كان الإحسان والعطاء بلا حدود شيمةً راسخةً في الشيخ البار يعقوب. وقد ورث ذلك عن أمه. كان دائماً يفرّغ يديه ممّا يملك، فيعود الله ويملؤها أكثر فأكثر. وكان الشيخ يتعجّب من مراحم الله هذه العظيمة.

كانت صحة الشيخ حديدية إلى أن بلغ الخامسة والخمسين. إلاّ أن الله سمح، بعد هذا العمر، بأن يعاني الشيخ من أمراض كثيرة ثقيلة. يقول الشيخ عن هذا: “لقد أخذ إبليس الإذن بأن يجرّب جسدي” كما حصل مع أيوب البار في العهد القديم. “لم أكن أريد الذهاب إلى الأطباء في البداية، إذ كنت أعتبر أنه من العيب أن يروا جسدي عارياً، جسد كاهن”. إلاّ إنه اضطر مراراً لزيارة الأطباء فيما بعد، خاصةً عندما كان يعاني آلاماً مبرحة. وخضع لعمليات جراحية. وكثيراً ما كان القديس البار داود يزوره مع القديس يوحنا الروسي، فيراهما واقفين بجانبه، حتى في غرفة العمليات، يتشفعان من أجل شفائه.

في تلك الأيام، بالرغم من توصيات الأطباء له بتجنّب الوقوف، إلاّ إنه لم يكن يتهاون في أداء الخدمات الكنسية الشريفة وإتمام القداس الإلهي، رغم الآلام اللاحقة التي كان يعاني منها عند المساء وطوال الليل. وقد كانت تنتابه نوبات من الآلام في عنقه ورأسه وأماكن أخرى من جسده، خاصةً بعد قضائه ساعات طويلة في تقبّل اعترافات أبنائه الروحيين. لقد كان يعتبر كل هذا نوعاً من النسك، يحتمله بصبر وشكر.

5-  رقاد الشيخ يعقوب

آخر تجاربه كان مرض القلب الذي أودى به إلى الحياة الأخرى. وقد أجرى عمليتين جراحيتين في القلب، وكانت الثانية من دون تخدير، بعد فشل العملية الأولى. رغم آلامه المتواترة، حافظ الأب يعقوب على ابتسامته وخدمته للآخرين بمحبة، في نفوسهم وأجسادهم. كانت أحاديثه في سنيه الأخيرة تتناول علاقته الحميمة بالبار داود، وطفولته وقصصه الروحية المختلفة، ونصائحه ورؤاه العجائبية. كان يتحدث دائماً ببراءة طفولية تطفح منها النعمة والبساطة، معزياً كل مَن حوله وناصحاً ومشدداً لهم، رغم ما كان يخفي من آلام وضعفات في جسده.

رقاده في البرارة كان أيضاً مدعاة للعجب. لقد سبق وعرف اليوم الذي سيموت فيه. في ذلك اليوم كان سعيداً جداً. في صباح يوم الحادي والعشرين من تشرين الثاني من عام 1991، عيد دخول السيدة، كان يرتل في كنيسة الدير. وبعد الظهر حوالي الرابعة، حينما كان يتقبّل اعترافات المؤمنين كالعادة، عَبَر إلى الراحة الأبدية، مغادراً ما في العالم، منتقلاً إلى قرب السيد الرب.

صلواته تحفظنا. آمين.

أبناء النور وأعمال الظلمة

أبناء النور وأعمال الظلمة

الأب أنطوان ملكي

اسلكوا كأَوْلاَدِ للنُور، فالمؤمن يولَد من الله ولادة جديدة، والله نور، فيصير ابناً للنور، لذا يطيع وصايا الله ولا يهرب من الله ويختبئ كما فعل آدم أو يتذاكى كما فعل قايين. ثمر الروح يظهر في أولاد النور لأن الروح يعطي الاستنارة. وبهذا يصير اختبار ما هو مرضي عند الرب. يستعمل الرسول كلمة مختبِرينلا بمعنى مجرِّبين بل مختبرين أي عائشين لهذه الخبرة، خبرة الراحة التي يشعر بها مَن يرضي الله إذ يمتلئ قلبه فرحًا وسلامًا ورضى. لهذا، الحزن والغم وفقدان السلام هي علامات على عدم رضا الله. ابن الله لا يشترك في أعمال الظلمة غير المثمرة بل بالحري يوبّخها. التوبيخ هنا هو بمعنى إظهار أعمال الظلمة وفضحها. هذا التفسير يضعنا أمام سؤال وجودي يقلق كلّ مَن يسأله لنفسه: أهذا ما يفعله المسيحيون اليوم، أفراداً أو جماعات؟ أهم يوبّخون أعمال الظلمة أم يغطّونها بحجة أنهم حكماء ومسامحون وسلاميون؟ الظلمة لا يكشفها إلا النور، ومتى كان أبناء النور سالكين بحسب النور الذي فيهم لا بدّ لأعمال الظلمة من أن تُفضَح. لكن متى ضعف النور في العيون تزداد أعمال الظلمة ويصير الضعفاء من المسيحيين يعتبرونها الحقيقة والبِرّ. طبعاً ذكر الأعمال القبيحة قبيح، لكن السكوت عنها أقبح. السكوت على العمل القبيح هو شهادة زور على المسيح. أن لا تدين الجماعة، أي الكنيسة، الخطأ المعلَن هو إنكار للنور وإخفاء للقنديل تحت المكيال.

أكبر ظلم يمارسه المسيحي، في أي موقع كان، إكليريكي أو علماني، هو إخفاء عمل الظلمة. إن مَن يخفي عمل الظلمة يصير شريكاً فيه. وأسوأ ما في الأمر أنه يمنع عن مَن قام بالعمل أصلاً إمكانية الخلاص، لأن هذا العاثر سوف يعتبر أن عمله عمل نور، فيكرره ويعتاده، إلى أن يصير جزءً منه. بينما لو توبخت أعمال الظلمة التي في إنسان ما لربما يخجل من نفسه ويتوب فيتحول إلى نور.

يقول الرسول: انظروا كيف تسلكون بحذر لا كجهلاء بل كحكماء. الترجمة الأدقّ هي بتدقيق. الذي يدقق لا يسمح بدخول الخطايا الصغيرة حتّى مع الوقت لا يسمح بالخطايا الكبيرة. المسيح هو الحكمة، وإتباع وصاياه هو منتهى الحكمة، لأن من يتبع وصاياه سيحيا في سلام على الأرض وتكون له حياة أبدية. والله يعطى لأولاده أن يكونوا حكماء.

مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة. الوقت غالٍ وحياة الإنسان على الأرض هي ثروته الحقيقية. حياتنا الحالية هي علة حياتنا الأبدية أو هلاكنا الأبدي. لأنّ مَن يسلك في النور، ويحيا حياة سماوية الآن سيكمل ما بدأه على الأرض في السماء ويكون نصيبه في النور في السماء. ما هو افتداء الوقت؟ إنه عدم تمريره في ما لا ينفع الإنسان. الأيام شريرة لأنها تخدع الإنسان فينجذب للزمنيات وينسى أنه سوف يموت.

أترى لو جاء الرسول بولس إلينا في هذا الزمان، هل سوف يجد أبناءً للنور؟ ليس بالأمر اليسير. فالناس في أيامنا اعتادوا التستّر على ما يرون من الخطأ، وصاروا أجبن من أن يوبّخوا أعمال الظلمة، حتّى يظن المرء أن البوصلة ضائعة ولا أحد يميّز بين النور والظلام. الذين يفتدون الوقت صاروا نادرين حتّى ومضطهَدين. الأيام شريرة وفاعلو الشرّ يتباهون ويستكبرون لأنهم يحصلون على ما يشتهونه وما من بارّ يمنعهم. نحن أغبياء من ناحية فهم مشيئة الرب، مع أن عِلمَنا طال الفضاء الخارجي. الرب ينادينا قائلاً استيقظ أيها النائم وقم من بين الأموات فيضيء لك المسيح، لكننا صممنا آذاننا ولم نعد نميّز بين الموت والنوم، لذا قيامتنا صعبة ومثلها معاينتنا لضوء المسيح.

* عن نشرة الكرمة، حول الرسالة إلى أفسس في الأحد السادس والعشرين بعد العنصرة

الاستحقاق

الاستحقاق

الأب أنطوان ملكي

ما مفعول كلمة مستحق؟ هل حجبُها يؤثّر على السيامة؟ في إطار أوسع، هل يستطيع الشعب أن يردّ بأن المُسام غير مستحق، خاصةً إذا كان يُسام أسقفاً انتخبه المجمع؟ هذه الدراسة السريعة مساهمة في الإجابة على هذه الأسئلة على ضوء تقليد الكنيسة الأرثوذكسية.

إن المشاركة في ترتيل مستحق، حدث ينتظره الكثيرون ويثير الحماسة في المؤمنين. الكثلكة ألغت هذه الممارسة من زمان ومنها انتقلت إلى إلغاء دور الشعب بالكليّة. في الكنيسة الأرثوذكسية ما زالت الممارسة قائمة مع بعض الجدل حول فعاليتها خاصةً أن مستوى التعاطي الجدي معها يختلف بين كنيسة وأخرى.

بين الاختيار والسيامة

إن اختيار الأساقفة عملية مختلفة عن سيامتهم. في وقت ما كان الشعب يسمّي أو يشارك في تسمية المرشّحين، لكن الكنيسة عرفت خيارات شعبية غير صحيحة خاصةّ أن الطامحين إلى الأسقفية صاروا يستغلون الناس للمطالبة بهم. أوقفت الكنيسة الاحتكام إلى الشعب في اختيار الأساقفة لكنها أبقَت على هذا الجزء من الخدمة حتّى يكون للشعب كلمة في السيامة.

يذكر القديس كبريانوس القرطاجي أن الرب ينزل لينتخب ويعيّن لنفسه أساقفة في كنيسته” (الرسالة 4:48). وفي صلاة قديمة محفوظة في التقليد الرسولي لهيبوليتوس روما يقول أيها الرب، ثبّت هذا الذي هيأتَه لنا“. هل ينفي هذا التعليم دور الشعب ويحوّل الأسقفية إلى خدمة منزَلة؟

التقليد يقول غير ذلك. فقد ورد في القوانين القديمة لبعض الكنائس أنّه يجب انتخاب الأسقف من الشعب. ومثله ورد في الديداخيه: “على هذا الأساس، انتخبوا لكم أساقفة وشمامسة، رجالاً هم شرف للرب… مخلِصون ومجرَّبون” (الفصل الخامس عشر). القديس يوحنا الذهبي الفم في تفسيره الرسالة إلى تيطس يوضِح أنّ على الأسقف أن يحكم الشعب بإرادتهم“. كيف نفهم كل هذه التعاليم؟

معنى الإعلان

مستحق أو أكسيوس هي تزكية أو إعلان عن موافقة الشعب على السيامة القائمة سواء كانت لشماس أو كاهن أو أسقف. في كتاب الخدمة أن الأسقف يصرخ مستحق ويجيب الشعب بالمثل. يتّضح من تعاليم الآباء أن هذه الصرخة هي تعبير مسموع عن مشاركة الشعب الحقيقية بالسيامة وبالتالي تأكيده على حسن الاختيار. بالتطبيق هي تعني أن هذا الذي وُضعَت عليه الأيدي صار مستحقاً للقيام بالخدمة المنوطة به (هابغود ص. 606) [1].

تنقل هابغود في الملحق الثاني لكتابها عن المصادر القديمة أن هذه الصرخة من الشعب هي شهادة على عيشة المُسام التي لا عيب فيها وأخلاقه الحسنة (هابغود ص 607)، بما أن اختيار الأسقف قد أُعلِن لهم بهدف الحصول على شهادتهم وإعطائهم الفرصة للتعبير مع أو ضد الاختيار. لقد تمّ الحدّ لاحقاً، بسبب عدد من الصعوبات، من تأثير الشعب على اختيار أساقفته. وحتّى في اختيار الكهنة والشمامسة لم يعد للشعب الكثير لقوله. لكن وجود هذا الإعلان (أكسيوس) حفظ التقليد الذي يحفظ حقهم في التعبير عن ملاءمة المُسام” (هابغود ص 605). إذاً الردّ بـ غير مستحقيعني أن بعض الشعب يرى خللاً في عيشة المُسام وأخلاقه وبالتالي هو غير ملائم.

هل توقَف السيامة عند هذه النقطة؟ الأمر يعود إلى ضمير المتقدّم. فالقانون الثاني من المجمع المسكوني السابع يقول: “… ويجب على الميتروبوليت (البطريرك) أن يقوم بفحص دقيق ليتحقق من كون هذا الرجل ذا رغبة في المطالعة بإمعان وتفهّم وأنّه مواظب على مراجعة القوانين الشريفة وقراءة الأناجيل المقدّسة وكتاب الرسائل الإلهي وسائر الكتب المقدسة وأنه يعيش سالكاً بوجب وصايا الله…” (الشرع الكنسي، ص 811). فإذا كان قد تحقق كما هو مطلوب منه عليه أن يشرح للمعترضين ذلك، أمّا إن كان لم يتحقق فعليه سؤالهم. في تاريخ الأرثوذكسية الحديث أكثر من حادثة من هذا النوع. تذكر سجلات الكنيسة الأرثوذكسية في أميركا أن الميتروبوليت ديمتري كان في سيامة أحد الأساقفة في نيويورك فتقدّم أحد الأشخاص وصرخ غير مستحق، فوضع الميتروبوليت كرسياً أمام الباب الملوكي واستدعى الشخص وسأله عن السبب، ولمّا لم يكن سبباً مهماً تمّ تجريده. حالة أخرى في بلغاريا أوقفت السيامة [3].

دور الشعب في سيامة الأساقفة

وضع القديس إكليمندس الإسكندري في الكنيسة الأولى قانوناً باسم الرسل يقول بأن هذه الشهادة يجب أن تُقام بدقة، خاصة في سيامة الأساقفة، كردّ على سؤال محدد، يُطرَح ثلاثاً على الشعب، أهو بالحقيقة مستحق لهذه الخدمة؟” (هابغود ص 607).

الكنيسة بتركيبتها تمثّل كلاً من الإكليروس والعلمانيين، وعليه فإن اشتراك الشعب في اختيار الأسقف هو من حيث المبدأ مبرر بالكامل. بحسب القانون الأول من مجمع قرطاجة الرابع: “يُنتَخَب الأسقف بالاتفاق مع الإكليروس والشعب“. وهذا الأمر تؤكّده قوانين الرسل: “… لكي يُسام الأسقف يجب أن يكون… بلا لوم، شخصاُ مختاراً، منتقىً من كل الشعب، ومتى سُمّي وتمت الموافقة عليه، فليجتمع الشعب… في يوم الرب، وليعطوا موافقتهم” (VIII:4) وعندما يكون هناك قرار بالإجماع، يعرب الشعب عن حكمه بإعلانه مستحقأو غير مستحق“. [2]

تاريخياً، ساهم تدخل الملوك في تعيين الأساقفة في الحد من دور الشعب في الاختيار. هذا الأمر استحق الإدانة في المجمع المسكوني الثاني سنة 381، حيث صدر القانون الثالث الذي يمنع تدخل الملوك، ولكن من حينه صار الشعب أيضاً خارج اللعبة، لا دور له في الانتخاب.

في أنطاكية، يحفظ قانون مجلس الأبرشية الحق للشعب في تسمية المرشحين من خلال تركيبة محددة. لكن هذا الأمر ينطبق فعلياً على المطارنة وليس على الأساقفة لكونهم بحسب القانون مساعدين للبطريرك. وضع الأساقفة القانوني ليس موضع إجماع وهناك تساؤلات حوله (أنظر الأرشمندريت توما بيطار، نقاط على الحروف، بيان المجمع المقدّس حول الأساقفة المساعدون، 12 أيلول 2010). إلى هذا درجت العادة بأن يتمّ تعيينهم من البطريرك بموافقة المجمع لا أن يُنتَخَبوا بحسب القوانين.

خاتمة

لا ينبغي فهم مشاركة الشعب وكأنها عملية ديموقراطية. فاﻷسقف ليس نائباً منتَخباً من الشعب بل هو معيّن من الله، بعمل الروح القدس في المجمع، ليعلّم الشعب ويقوده، ولهذا يضع الله عليه مواهب الروح القدس. المجمع مسؤول أن يسلك بالروح القدس. الشعب مسؤول أن يفهم طبيعة الكنيسة مقتنياً حساً بالشركة وفرادة في الفكر تليق بجسد المسيح، حتى تؤدّي صرخة مستحقأو غير مستحقالقصد الذي وراءها. وفي الممارسة، فإن مسؤولية الإدارة الكنسية تقضي بأن تحفظ حقّ الشعب في التعبير عن نظرته للمُسام وأن تستمع إليه. إنّ غضّ النظر عن صوت فئات محددة من المؤمنين يطال من شفافية الإدارة الكنسية ويهزّ ثقة المؤمنين بها. خطأ المؤمنين في التعبير عن رأيهم لا يفقدهم حقهم بالاستماع إليهم، خاصةً حين يكونون غير مثقّفين كنسياً. فهنا تقع على الإدارة الكنسية مسؤولية تعليم الشعب عن سلوكه في الكنيسة وكيفية التعبير فيها.

خبرة الكنيسة أنّ منهجية التعليم الفضلى فيها هي تعالَ وانظر“. إن نظرنا ماذا نرى؟

[1] Isabel Hapgood. SERVICE BOOK OF THE HOLY ORTHODOX-CATHOLIC APOSTOLIC (GRECO-RUSSIAN) CHURCH. Cambribge. 1906

[2] Editor. Axios. Orthodox America. Issue 136. Vol XV, No. 4. November – December, 1994

[3] https://www.reddit.com/r/OrthodoxChristianity

قراءة هادئة في وقت شدّة

قراءة هادئة في وقت شدّة

الأب أنطوان ملكي

تعيش الكنيسة الأنطاكية أزمة مخفية أو شبه مخفية، إحدى أهم ظواهرها قضية دير حماطورة ورئيسه الأرشمندريت بندلايمون فرح. هذه الدراسة محاولة لقراءة مجريات الأمور بطريقة أخرى ودعوة لإخراج كل هذه القضية من حيث هي الآن ووضعها في إطارها القانوني الأكثر دقّة لتجنيب الكنيسة انقساماً يمكن تلمّسه في عدّة أطر.

1. في الخلفية: الواقع القانوني للتحرّش في لبنان

أقرّ مجلس الوزراء في جلسته التي عقدها في 8 آذار 2017 مشروع القانون الذي تقدمت به وزارة الدولة لشؤون المرأة والذي ينص على فرض عقوبات على جريمة التحرش الجنسي. أهدى الوزير جان أوغاسابيان هذا الإنجاز إلى المرأة اللبنانية في يوم المرأة العالمي. أحيل القانون على مجلس النواب. (جريدة النهار https://www.annahar.com/article/550775)

لكن إلى اليوم النساء اللواتي يلجأن الى القضاء لرفع قضية ضد المتحرشين لا يلبثن أن يتراجعن عنها، خصوصاً عندما لا يصل التحرش الى حد الاغتصاب، حيث لا يمكن إثبات الواقعة من دون دليل ملموس غالباً ما تفتقر إليه المدّعيات… ما يجعل الشكوى تفتقد ركنها الأساسي وهو الدليل (موقع NOW. https://now.mmedia.me/lb/ar/nownewsar/542371)…

هذا يعني أنّ في حالات التحرش الإثبات صعب جداً إلا بوجود شاهد وهو ما يندر حدوثه. وصعوبة الإثبات حتّى في دول العالم التي تملك اكثر النظم القضائية تقدميّةَ تعود إلى أن شهادات ضحايا التحرش غير كافية لإدانة مرتكبي الجرائم الجنسية. لو كان الجرم اغتصاباً وآثاره ما زالت موجودة، يمكن تعقّب الإثبات وذلك عبر اللجوء الى طبيب شرعيحتّى فحص الحمض النووي للمُتهم. ولذلك بالإجمال في كافة دول العالم، لا يُقدم الكثير من شكاوى التحرّش لصعوبة الإثبات (موقع متعقّب التحرّش http://harasstracker.org/resources/).

ومع أنّ الاغتصاب مجرّم في قانون العقوبات اللبناني، إلا أنه لا يوجد أي بند أو مادة يجرّم التحرش أو حتّى يسميّه. ومثله قانون العمل لا يشمل اي بند يجرم التحرش الجنسي في أماكن العمل. وقد كان هناك عدة مبادرات مثل “مغامرات سلوى ضد التحرش الجنسي” ومجموعة “نسوية” عملت من أجل قانون لتجريم التحرش الجنسي في الأماكن العامة وخاصة في أماكن العمل. كذلك قدّم النائب غسان مخيبر في أيار من عام 2014 مشروع قانون لتجريم التحرش الجنسي يقضي بحبس المتهم بالتحرش من ثلاثة اشهر الى سنة وبغرامة قد تصل الى عشرة اضعاف الحد الأدنى للأجور. (المراجع السابقة)

2. أيضاً في الخلفية: المحاكم المذهبية في القانون اللبناني

إنّ صلاحيات المراجع المذهبية للطوائف المسيحية (والطوائف الاسرائيلية) محددة بقانون مختص، يحصر صلاحية المراجع الدينية بقانون الأحوال الشخصية فقط، ولا يعطيها اي سلطة على التحقيق والحكم في الجنايات (راجع تصديق القانون المختص بتحديد صلاحيات المراجع المذهبية للطوائف المسيحية والطوائف الاسرائيلية http://www.legallaw.ul.edu.lb/LawView.aspx?opt=view&LawID=258197.).

يشير أحد أهم محامي لبنان، وهو صاحب اجتهادات مؤثّرة في لبنان وفرنسا، إلى أنه في حال اهتمّت المحاكم الروحية بالتحقيق ومحاكمة أي جريمة غير المرتبطة بالأحوال الشخصية، ينشأ بينها وبين المحاكم الجزائية تضارب مصالح، وذلك استناداً إلى مبدأ حصر الاختصاص. لكن في حالات الجرائم، يكون لقانون العقوبات الأولوية، لأن قانون العقوبات قانون وضعي فيما قوانين المراجع الدينية استثنائية. والمبدأ القانوني يقول بعدم جواز تقدّم الاستثنائي على الوضعي.

إذاً، في حال التحرَش، المحاكم الكنسية لا صلاحية لها في التحقيق. وإذا تمّ أخذ الملاحظات أعلاه حول صعوبة إثبات التحرّش بعين الاعتبار، تصير المحاكم الكنسية أيضاً غير مؤهّلة للبتّ بهذه القضايا. وعليه، في حال اتّهام أحد الإكليروس بالتحرّش، يُدّعى عليه بحسب القوانين في منطقة حصول الجناية ويحاكَم ومتى صدر بحقّه حكم مبرَم تُعلَم به المراجع الدينية لاتّخاذ إجراءات مسلكية بحقّ الإكليريكي المحكوم.

وعلى هذا هناك سابقتان في أنطاكية: 1) عندما وُجِّهت إلى الأسقف قسطنطين كيّال تهمة التحرّش توجّه مبتشرة إلى السلطات اللبنانية وأُخذت القضية مداها القانوني وانتهت هناك. 2) عندما تمّ الادعاء على أحد الكهنة السابقين بدعوى تزوير، أوقفه مطرانه عن الخدمة. عندما تمّت تبرئته أعيد إلى الخدمة. عندما ادُّعي عليه للمرة الثانية، أوقِف مجدداً غير أنه لم يُبَرّأ فتمّ توقيفه نهائياً حتى تجريده. أمّا في خارج أنطاكية، فالأمثلة عديدة على محاكمات جزائية لكهنة تبعتها قرارات كنسية.

3. في قضية دير حماطورة والأرشمندريت بندلايمون فرح

في 2013 أُقيمَت ضد الأرشمندريت بندلايمون فرح، رئيس دير حماطورة، دعوى تحرّش في مطرانية جبل لبنان. بحسب ما ورد أعلاه، ليست المطرانية المرجع ذا الصلاحية للحكم في صحة الدعوى، بالرغم من حقّها في اتّخاذ الإجراءات الضرورية لمواكبة التحقيق في حال جرى بحسب الأصول في المحاكم الجزائية. يمكن الكلام عن الكثير من الثغرات في مجريات القضية.

ففي عمل المجلس التأديبي في جبل لبنان، يظهر الخلل منذ البداية في تركيبة المجلس الذي ضمّ 3 أعضاء اثنان منهم دون المُدّعى عليه في الرتبة أو الأقدمية، وفي هذا مخالفة صريحة لمجمل القوانين الكنسية. إلى هذا، واحد من العضوين هو طرف صريح في الادّعاء والحملات ضد المُدّعى عليه. من ثمّ يأتي الاستناد إلى رأي محامٍ هو أيضاً طرف صريح في الادّعاء. كما أنّ تخطّي المطران هو مخالفة، حيث تابع المجلس عمله بعد أن سلّم مطران جبل لبنان القضية إلى البطريرك. ومن الأمور المهمة هنا الاجتهاد بأنّ أقوال الشهود هي اعترافات وامتداد لسر الاعتراف“. هذا تشبيه غير دقيق لا في اللاهوت ولا في الرعاية. طبعاً كل القوانين تشدد على سرية التحقيق، لكن ليس على عزل العملية عن العالم. أما من جهة أقوال الشهود التي يمكن الركون إليها فهي تلك الصريحة التي يمكن ضمّها إلى محاضر الجلسات وهي قابلة للطعن والتدقيق. أمّا الاعترافات فليست للتداول لا في المحاكم ولا خارجها. على هذا يشدد القديس نيقوديموس الأثوسي على الآباء الروحيين أن يحفظوا الاعترافات سرية تحت كافة الظروف. ومثله كاتب البيذاليون يذكر أن الكاهن الذي يفشي اعترافاً يجرّد. من هنا أنه لا يمكن استعمالها كدلائل لا للإدانة ولا للتبرئة.

أمّا الثغرات في عمل المجلس الاستئنافي فهي أيضاً تبدا من البداية حيث تمّ تعيين مدعٍ عام مدني وبهذا تحوّل المجلس إلى محكمة جزائية مخالِفة للقوانين الوضعية. فالمدّعي العام الكنسي عمله الحفاظ على مصالح الكنيسة حيث يوجد خلاف لا الادّعاء على الأفراد في قضية تفتقد التحقيق العلمي. هذا أدّى ايضاً إلى تحويل المجلس التأديبي إلى هيئة تحقيق وفي هذا ثغرة أخرى. يبقى أن شكل إصدار القرار والتناقض في محتواه من حيث الحكم على ما لم يكن في الادّعاء، وعدم احترام الأعراف في الا يكون حكم الاستئناف أقسى من الحكم البدائي، وعدم ملاحقة مسرّبي القرار، كلّ هذه ثغرات تطال المجالس التأديبية في شفافيتها وعلمها ونزاهتها، بغض النظر عن الأشخاص. وعلى المنوال نفسه، إن إعادة المحاكمة التي يُحكى عنها اليوم هي استمرار لهذا العمل الباطل.

4. استنتاج أوليّ

إنّ طلب العدالة مستقلّ عن البراءة والإدانة. فالعدالة أساس كل بناء جماعي. وفي حالة دير حماطورة والأرشمندريت بندلايمون إن تحقيق العدالة يكون بإبطال المحاكمات التي جرت مع نتائجها، وبأن يذهب المدّعون إلى القضاء المختصّ. إن المطلوب اليوم هو تحقيق العدالة واستعادة هيبة المجالس التأديبية الكنسية، ومن ورائها الكنيسة ككل. وهذا لن يكون ممكناً إذا كانت الكنيسة تعفي مرتكباً بحجة الرحمة، أو تظلم بريئاً لتصفية الحسابات. فهيبة الكنيسة هي في أمومتها التي تستند إلى الحق والحق فقط.

5. ماذا بعد؟

ألم يكن هذا الكلام معلوماً من قبل؟ هذا سؤال ينبغي توجيهه إلى الذين خططوا للادّعاء وللحملة التي رافقته، خاصةً المحامين منهم. مصيبة أن يكون هذا الكلام معلوماً ومصيبة أن لا يكون. أمن الممكن الرجوع عن كل ما جرى؟ جزء كبير من هذا الكلام سبق قوله لبعض المنخرطين في القضية. لم يعد صحيحاً اجتزاء الحقائق بل ينبغي قول الحق للمساهمة في تكوين الحالة التي تحتكم فعلياً إلى القانون. “إن قوة الناموس هي الخطيئةيقول الرسول بولس. أمّا في أنطاكية فقد اعتدنا لسنين طويلة على أن القوانين هي للاستنساب وهي تخضع لمبدأ التدبير الذي أوصل حالنا إلى ما هو عليه في الليتورجيا والعلاقات والتنظيم.

ألا يؤدّي هذا الاستنتاج إلى إخضاع الكنيسة للدولة؟ قد يمكن أن يُنظَر إلى هذا الأمر من هذه الزاوية، كما يمكن اقتباس أقوال لا تسمح بمحاكمة الكهنة بشكل خاص، وأبناء الكنيسة بشكل عام، إلا في الكنيسة. هذا كلام خارج الزمن. مَن يريد قول هذا فليفكّ كل ارتباط للكنيسة بالدولة وبمنتجات العصر الحديث وليدعُ من ثمّ إلى ذلك. القانون القائم في أنطاكية اليوم يقول أنّ باستطاعة الكنيسة الاستعانة بالسلطات المحليّة لتنفيذ الأحكام. لاهوتياً، لم يكن للدولة، أي دولة، سلطان لو لم يعطَ لها من فوق“. أصلاً محاكم الكنيسة تحكم بالسلطان المُعطى لها من الدولة وإن تكُن قراراتها تبدأ باسم الكنيسة. مَن ينفّذ أحكام المحاكم الكنسية؟ مَن يدفع رواتب أعضاء المحاكم الروحية؟ إنّه الدولة. لماذا نقبل التباس هذه العلاقة حين يحمي مصالحنا ونرفضه حين يقف بوجه رغباتنا؟

إن علاقة الكنيسة بالمحاكم المدنية لا إشكال فيها في الدول ذات الأغلبية المسيحية. ما لله لله وما لقيصر لقيصر. كل جرائم القدح والذم والتزوير والطمع والسرقة، تحقّق الدولة فيها والكنيسة تتّخذ الإجراء المسلكي. حتّى الشؤون القانونية، لا الرعائية طبعاً، في الخلافات الزوجية فهي بيد الدولة.

6. ماذا اليوم؟

إن قضية دير حماطورة صارت أزمة. أول أوجه هذه الأزمة هو الإصرار على قراءة الأحداث من خلالها. مثلاً، أن لا يُرى في ما جرى في سيامة الأسقف يوحنا بطش إلا فصلاً من قضية حماطورة هو تضخيم لهذه القضية لإخفاء أزمة أكبر حيث السيامة بحدّ ذاتها هي إحدى ظواهرها. هذا دليل على أن القانون استنسابي في أنطاكية وأننا لم نبلغ حدّ النضج في ممارستنا لحقوقنا كشعب أو لسلطتنا كرئاسات.

لحلّ قضية حماطورة ينبغي إخراجها من أيدي اللاعبين الذين أوصلوها إلى حالة الأزمة. ليست الأزمة في أن الأرشمندريت خارج البلاد ولا في فرط الدير. هذه تفاصيل أمام حالة الثقة المهتزّة، وربّما المنهارة، والتباعد بين الرئاسات وفئات كبيرة من الشعب، وهي حالة قابلة للتوسع وأقلّ نتائجها هي فراغ الكنائس وتسرّب المؤمنين. أمّا الوجه الآخر للأزمة والذي سوف ندفع ثمنه لاحقاً فهو في نظرة العالم الأرثوذكسي كله، لا الأنطاكي فقط، إلى مجريات الأمور.

خلال السنوات الماضية رُبِطَت أزمة حماطورة بالعديد من الأمور الأخرى ليتبيّن سقوطها الواحدة تلو الأخرى. حتّى تهمة التحرّش أسقطها قرار المجلس التأديبي الاستئنافي. القول المتداوَل، وأحياناً ببغائياً، بأن الأرشمندريت مذنب وأنّ الكنيسة رَحَمتهفهو قول يفتقد إلى الحق والمنطق معاً. إن كان مذنباً ورَحَمتْه الكنيسة يعني أنها أوجدَت سابقة تستوجب حلّ كل المجالس التأديبية التي لن يبقى دور لها بعد اليوم. إن لم يكن مذنباً بالتهمة التي وُجِّهَت له وأُدين على غيرها، أي على تهمة التسبب بإثارة الشغب كما يقول بعض الرؤساء، معناه أنّ الفكر القانوني ينقصه الحد الأدنى من الصدق والمعرفة والنضج. وتبقى الفرضية الثالثة بأن القضية هي قضية أشخاص وسلطة وحضور شعبي. كل هذا يعني أن القضية ليست في مكانها والأفضل أن توضَع حيث يجب أن تكون أي في القانون الجزائي.

ختاماً، للولوج إلى حل قبل أن تتسع الهوّة، المطلوب هو توبة الجميع التي تتبعها خطوات جريئة. والأهمّ، كما عبّر أحد المجاهدين القدامى في هذه الكنيسة، يجب أن يفهم الكلّ أنّ الكنيسة أهمّ من الأشخاص.

فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلَّوْا وَطَلَبُوا وَجْهِي، وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيةِ فَإِنَّنِي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ. اَلآنَ عَيْنَايَ تَكُونَانِ مَفْتُوحَتَيْنِ، وَأُذُنَايَ مُصْغِيَتَيْنِ إِلَى صَلاَةِ هذَا الْمَكَانِ. وَالآنَ قَدِ اخْتَرْتُ وَقَدَّسْتُ هذَا الْبَيْتَ لِيَكُونَ اسْمِي فِيهِ إِلَى الأَبَدِ، وَتَكُونُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي هُنَاكَ كُلَّ الأَيَّامِ” (أخبار الأيام الثاني 14:7-16).

القديس أنطونيوس الكبير والمسكونية المعاصرة

القديس أنطونيوس الكبير والمسكونية المعاصرة

المتقدّم في الكهنة ثيوذور ذيسيس

1. ما لم يعفُ عنه الزمن: بيئة مماثلة بين الأديان وبين المسيحية

إن تذكار القديس أنطونيوس الكبير في الكنيسة … يعطينا بنعمة الله وبركة القديس الفرصة لنفرح مرة أخرى بسيرته الرائعة التي كتبها تلميذه رئيس أساقفة الإسكندرية، عمود الأرثوذكسية، القديس أثناسيوس الكبير. إنها نموذج في أدب سيَر القديسين لجميع الذين كتبوا لاحقاً.

يعالج الجزء الأكبر من السيرة إنجازات القديس أنطونيوس، كفاحه ضد الشياطين وتعليمه عنهم، كما إنجازه العظيم في أن يكون مؤسس التجمعات في الصحراء، ملؤه الصحراء بالأديرة، وبالتالي كونه مؤسس حياة الزهد وقائدها. “أقنع الكثيرين باختيار حياة التوحّد، وبهذا أدّى إلى أن تصير الأديار على الجبال وفي الصحراء مأهولة برهبان خرجوا من تلقاء أنفسهم وتجنّدوا في المدينة السماوية“.

لقد قطع غيابه الطويل عن العالم مرتين من أجل النضال والإسهام في إنقاذ الأرثوذكسية، التي في ذلك الحين كما الآن، كانت في خطر من أعداء الخارج وأكثر منه من الأعداء الداخليين. لم تكن المسيحية أبداً على قدم المساواةفي المحادثات والمفاوضات مع الأديان الأخرى، كما يجدّف المدعوون قادةً مسيحيين في اجتماعات ضد المسيح للحوارات الدينية. المسيحية كانت ولم تزل الحقيقة الوحيدة والطريقة الوحيدة للخلاص والضوء الحقيقي الذي حلّ محل لا الأضواء الأضعف منه بل محلّ ظلام المغالطة وجهل الله. “الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا، وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ” (متى 16:4). المسيح لم يقل أنا إحدى الطرقات، وإحدى الحقائق، وأحد الأضواء من بين طرق أخرى، وحقائق أخرى، وأضواء أخرى، بل أنا الطريق الوحيدة، والحقيقة الوحيدة، والضوء الوحيد“.” أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي“(يوحنا 6:14)، أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ” (يوحنا 12:8).

إن حصرية الكتاب المقدس التي يصفها البعض اليوم بأنها هامشية وأصولية، فيما يهينون ويقطعون كلّ مَن يعلنون بثبات وإخلاص أنها الإنجيل والحياة التي دفع ثمنها الرسل القديسون والشهداء غالياً،مفضّلين أن يتعرضوا للتعذيب وسفك الدماء بدلاً من المساومة مع ما يُسمّى الحقائقبهدف التعايش في النموذج المتعدد الثقافات السائد في العلاقات والاجتماعات بين الأديان، مفترضين أن هذا محبة للآخرين.

2. معلمو التقاعس والنفاق. كليّو المعرفة و المتواضعون

قبل قسطنطين الكبير، أثناء اضطهاد ماكسيميانوس لمسيحيي الإسكندرية في عام 311، كان القديس أنطونيوس الكبير في الحادية والستين من العمر، ترك الصحراء والزهد والصلاة لفترة من الوقت وجاء إلى الإسكندرية، شجاعاً وغير خائف مشتاقاً لأن يشهد وأن يشجع أولئك الذين يقادون إلى الاستشهاد. لقد تجاهل بشكل قاطع أوامر القاضي للرهبان بالخروج من المدينة وعدم الحضور في المحاكم. ظهر أمام الحاكم الذي كان في مقعده البارز في المحكمة، مبرهناً استعداد المسيحيين للقتال والشهادة على إيمانهم. “وقف غير خائف، مبيناً لنا الغيرة المسيحية، لأنه هو أيضا رغب في الاستشهاد كما قلنا سابقاً“. بالطبع حفظه الله ولم يُقتَل، لأنه أكثر فائدة على قيد الحياة، لكنه لم يحبس نفسه في قلايته في الصحراء بل كان عادة يخدم المعترفين كواحد معهم في العمل في خدمتهم“. عندما يكون الإيمان الأرثوذكسي في خطر، فإن الأولوية الروحية الأولى هي للدفاع عنه، والنضال ودعم الذين يجاهدون، والقبول بتقديم الدم وحتى الموت؛ كلّ الواجبات الروحية الأخرى تصير ثانوية. كل الآخرين الذين يعملون أو يقدمون المشورة على عكس ذلك، هم ببساطة يغطّون أعذارهم لتخلفهم وجبنهم فيصبحوا معلمين وأساتذة للتقاعس والنفاق.

بالطبع لن نقدم هنا كيف واجه أنطونيوس العظيم رجال الأدب العظماء المتعلمين وفلاسفة الوثنية، بمرافعة لا تُرَدّ، وهو نفسه أميّ، تاركاً إياهم لا كلام لهم مذهولين. قد نفعل ذلك مرة أخرى، لأن الوثنية وعبادة الآلهى تعود إلأى الظهور مرة أخرى، بدعم من أنصار أقوياء. لم يكن القديس يعرف كل شيء كما هم كانوا، لم تكن لديه المعرفة الدنيوية، لكنه كان يعرف الكتاب المقدس وتعاليم القديسين وقبل كل شيء كان الله معلمه ومصدر وحيه.

الإيمان ليس قضية معرفة كبيرة وعلم، بل هو خضوع متواضع لا للمعرفة السائدة بل لحقيقة الكنيسة الخالدة والأبدية. إذا لم يجرّد المرء نفسه من الحكمة الذاتية والتباهي بها يندمج بتواضع في روح المسيح، روح الكنيسة، روح القديسين وآباء الكنيسة التي تفتح الآفاق الروحية، فسوف يبقى المرء في التساؤل والتخمين حول يقين الإيمان ومعرفة الذات، حتى أنّ أكثر المؤمنين بساطة سوف يتهمه بأنه كليّ المعرفة وأناني، ويفتقر إلى التواضع. ومع ذلك، التواضع لا يعني أن على المرء أن يقبل الرأي السائد بل أن يقبل معرفة الله والقديسين، لأنه غالباً ما ينحاز الكثيرون إلى الكذبة ويمكّنون الكذب بكونهم غالبية. إذا كان قبول رأي الأغلبية هو معيار القبول حتّى عندما لا يتفق مع الحقيقة، لما كان الكتاب المقدس مقبولاً بدعم الرسل القليلي العدد ولا كانت الكنيسة استمرّت في هذا الفيض من غير المخلِصين والهراطقة.

3. موقف القديس أنطونيوس ضد الهراطقة. نموذج أولي ليتشبّه به الجميع اليوم

ما نود أن نفعله الآن هو عرض الطريقة التي واجه بها القديس أنطونيوس البدعة الآريوسية، التي هددت الكنيسة داخلياً، بدعم من الإمبراطور والقادة والبطاركة والأساقفة كما يحدث في هذا اليوم مع عموم الهرطقات من البابوية والمسكونية، والتي هي أكثر خطورة بكثير لأنها تقوض تقريباً كل عقائد الإيمان وتحوّل التعليم الإلهي الذي في الكتاب المقدس إلى تعليم إنساني عادي. فهم يسحبون المسيح الإلهالإنسان والقديسين والآباء ويستبدلونهم ببابا روما المعصوم وانتشار البدع في المجلس العالمي لما يسمى الكنائس. هذا العرض مفيد جداً حتى بالنسبة لأولئك الذين يدّعون عدم رؤية الخطر، وللآباء الروحيين الجديينالمُضَلَلين أو الموضوعين في مواقف صعبة جداً، ولأبنائهم الروحيين الذين يرون بشكل أفضل من خلال عيون القديسين وينتهي الأمر بهم إلى التشكيك في جدارة توجيههم الروحي. بالطبع، القديسون هم أكثر جدارة بالثقة من أي شيخ أو دليل روحي لا تغضبه الهرطقة ولا يقاتل لفضحها أو التخلّص منها.***

وهكذا، غادر أنطونيوس الكبير الصحراء للمرة الثانية ونزل إلى الإسكندرية. كان أثناسيوس الكبير الأسقف الأرثوذكسي والبطريرك، وهو كان تحت الاضطهاد المستمر، فيما سلسلة من المنفيين والشعب الأرثوذكسي كانوا واقعين تحت الهرطقة الأريوسية، كما هو الوضع في الوقت الحاضر حيث الشعب تحت وصاية البطاركة والأساقفة المسكونيين أو المؤيدين للمسكونية. نتعلّم من سيرة انطونيوس الكبير أنّه كان أكثر من رائع وموقر“. كان لديه تعاملات مع الملتيوسيين المنشقين لأنه منذ البداية كان على بينة من مكرهم وارتدادهم. ولكن علاقته مع المانيخيين وغيرهم من الهراطقة لم تكن ودية أبداً بل انحصرت بتقديم المشورة وإستعادتهم ليرجعوا مؤمنين أرثوذكسيين. لقد آمن وعلّم أنّ مصادقتهم والحفاظ على الشركة معهم ضارة ويمكن أن تنتهي بخسارة الأرواح. لقد أبغض البدعة الأريوسية وحذّر الجميع من الاقتراب من الأريوسيين أو قبول تعليمهم الزائف. مرة زاره بعض الأريوسيين المتعصبين، فبعد أن تحدّث معهم وفهم أنهم غير مؤمنين، أرسلهم بعيداً عن الجبل حيث كان ينسك، وقال لهم أنّ كلماتهم أسوأ من سم الثعابين. نستطيع أن نقول أن هذا التعليم يحدد القاعدة التي تظهِر لنا بوضوح وصدق وبدون خداع، كيفية محاورة الهراطقة وتنظيم تفاعلاتنا الإنسانية والاجتماعية معهم. وفي الوقت نفسه يظهر لنا أن كل الحدود التي وضعها الآباء القدامى يهدمها المسكونيون الذين يحتضنون الهراطقة ويقبلونهم كما لو كانوا أتقياء ويشاركونهم الإيمان نفسه ولا يفكّرون أبداً باستبعادهم ولا حتّى حثّهم على العودة إلى الأرثوذكسية. تجري الحوارات على قدم المساواة، مساوين الأكاذيب والبدع والخداع بالحقيقة. عند التحاور على قدم المساواة، يعني أنك تمنح الأكاذيب إمكانية السيادة على الحقيقة، وأنك تشكّ بالحقيقة وتسعى للعثور عليها. لكن حوار القديسين والآباء، هو حوار المسيح مع المرأة السامرية، حوار الرسل مع اليهود والأمم، حوار الآباء مع الهراطقة، إنه دعوة وحثّ على العودة إلى الحقيقة، إلى الانضمام مجدداً إلى الكنيسة الواحدة، المقدسة، الجامعة والرسولية؛ هذا هو الاتحاد والسلام الحقيقان. أما الباقي فهو اتحادات كاذبة، وسلام كاذب، وحوارات مزيفة.

4. رؤية القديس أنطونيوس المروّعة عن الهراطقة: وحوش بكماء حول المذبح المقدس

إن الرؤية التي رآها القديس أنطونيوس عن وجود الهراطقة داخل الكنائس الأرثوذكسية لمروّعة حقاً. هذه الرؤية تصوّر وتوضح بيانياً الأسباب التي أدّت بالآباء القديسين إلى وضع قوانين مجمعية تمنع دخول الهراطقة إلى الأماكن المكرّسة، ومشاركتهم في الخدم والقداديس، كما الصلوات المشتركة والعبادة المشتركة.

لا يقبل الهراطقة تعاليم الكنيسة والرسل والقديسين، وهم متأثرون بالشياطين وأبيهم، الشيطان، في الترويج لوجهات نظر مضللة. لهذا السبب تعليمهم عديم الفائدة وعبثي وفكرهم ليس صحيحاً، كالبغال البكماء“.

لقد ارتعد وخاف القديس أنطونيوس عندما سمح الله له بأن يبصر في رؤيته الآريوسيين محيطين بالمذبح المقدس كبغال تركل المذبح وتدنسه. لقد بلغ به الحزن أنه راح يبكي مكتئباً ومدمعاً شأن الكثير من المؤمنين عند رؤيتهم البابا الهرطوقي يدخل ويدنّس كنيسة القديس جاورجيوس في الفنار فيما الفاتيكان أسقط هذا القديس نفسه. نحن على يقين أنه لو كان البطاركة ورؤساء الأساقفة والأساقفة قد قرأوا وتعلّموا من رؤية القديس أنطونيوس، وبطبيعة الحال لو أنهم كأرثوذكس لا يزالون يكرمون ويتّبعون حياة القديسين وتعليمهم، فإنهم سيوقفون الضيافات والزيارات الليتورجية المتبادلة، الصلوات المشتركة الأسبوعية، وتبادل الممثلين في الاحتفالات السنوية. وإلا فإنهم سيظهَرون بين المتآمرين بحسب رؤية القديس أنطونيوس المخيفة.

بحسب سرد أثناسيوس العظيم في السيرة، ففي حين كان أنطونيوس الكبير جالساً، مشغولاً بعمله اليدوي، دخل في غشية فكان يتنفس بصعوبة أثناء رؤيته. بعد ذلك بقليل تحول إلى الرهبان الحاضرين، فيما لا يزال يتنفس بصعوبة ويرتجف. سقط على ركبتيه للصلاة واستمر راكعاً لفترة طويلة. وعندما نهض الشيخ كان يبكي. ارتعب الحاضرون وأصابتهم الصدمة. فطلبوا منه أن يشرح لهم. وإذ أصرّوا وألزموه، تنهّد مرة أخرى وقال: “أبنائي من الأفضل لي أن أموت قبل أن أرى حدوث الأمور التي عاينتها في رؤيتي. غضب الله سوف يقع على الكنيسة وسوف تُسلّم إلى أناس هم وحوش عديمو الفكر. رأيت هيكل الكنيسة المقدس، عند الإسقيط الرئيسي محاطاً بالبغال من كل النواحي وكانت تركل وتقفز صعوداً وهبوطاً كما هو طبيعي لهذه الحيوانات البكماء. لقد رأيتموني ولاحظتم أني كنت أتنهّد قبلاً؛ ذلك لأنني سمعت صوتاً يقول: “سوف يتدنّس مذبحي، هذا ما رآه الشيخ. وبعد عامين بالضبط هاجم أريوس الكنائس وسرقها، واخذ الأوعية المقدسة بالقوة وسلّمها إلى المشرِكين. لقد أجبروا الكهنة على حضور الاجتماعات معهم ونفّذوا كل رغباتهم على المذبح المقدس. ثم فهمنا جميعاً، يقول أثناسيوس الكبير، أن ركل البغال الذي أنبئ القديس أنطونيوس به هو ما يفعله الأريوسيون الآن كحيوانات. بعد الرؤية، أحسّ الشيخ بالحاجة إلى تشجيع الذين حوله وتعزيتهم بالقول: “لا تحزنوا يا أبنائي. إذ كما غضب ربنا، فهو سوف يشفي كل الشر. سريعاً سوف تستعيد الكنيسة جمالها وسوف تتألق. سوف تشهدون عودة المنفيين، المؤمنون الأتقياء سوف يظهرون مجدداً ويحكمون في كل مكان. يكفي أن لا تدعوا أنفسكم تتنّجسون ببدعة أريوس، كونها ليست من تعليم الرسل بل من الشياطين وأبيهم، الشيطان، غير عقلانية ولا مثيل له مثل البغال البكم“.

الخاتمة

إن غضب الله على الكنيسة حلّ منذ عقود عديدة. البابوية والمسكونية تنتصران. في ذلك الزمان فهم أثناسيوس الكبير والآباء القديسون الآخرون الخطر الموصوف في رؤيا أنطونيوس الكبير. نحن نشهد الآن تلوث الكنائس والهياكل المقدّسة بالصلوات والطقوس المشتركة مع الهراطقة غير العقلانيين، ونحن نساعد التلوث ونثنّي عليه، بالانضمام إليه في ركل المذبح“. وإذا لاحظ أحد الصلوات المسكونية المشتركة، كتلك التي جرت في كانبيرا خلال المجلس العام السابع لما يسمى بمجلس الكنائس، مع المشاركة المعتادة للكهنة المثليين الذين لا يجرؤون على حمل الكأس المقدس، كما الأساقفة النساء والكاهنات، فإن المنظر يتجاوز حتى رؤيا أنطونيوس الكبير: “إن الأمل الوحيد لكنيستنا لاستعادة جمالها وارد في وصية أنطونيوس الكبير ونصيحته: «حذار أن تتلوثوا أنفسكم مع الآريوسيين». يجب أن نحرص على أن لا نلوث أنفسنا بالشركة مع البابوية والمسكونية والأرثوذكس المؤيدون للبابابوية والمسكونية. لأننا حتى الآن لم نقم بذلك بشكل حيوي وحاسم، فيما الله لسنوات يطيل غضبه ومعه أَسر الأرثوذكس بالهرطقة المسكونية. إلى كم من الوقت سوف يسمح الأساقفة والرهبان والشعب للحيوانات الوحشية، الهراطقة، بأن يركلوا ويلوثوا مذبح الأرثوذكسية ومقدّساتها؟ طالما نحن نبقى غير ناشطين ونستنبط أعذاراً روحية زائفة مختلفة، فإن رجسة الخراب ستقف على الأرض المقدسة.

لافرا بوكاييف تطلب من الكنيسة الروسية الانسحاب من مجلس الكنائس العالمي

لافرا بوكاييف تطلب من الكنيسة الروسية الانسحاب من مجلس الكنائس العالمي

لافرا (الدير الكبير) رقاد والدة الإله في بوكاييف في أوكرانيا هي أحد أهم المراكز الروحية والفكرية في الكنيسة الروسية. تعيد المصادر بداية الدير إلى 1527 فيما التقاليد المحلية تحكي عن وجوده قبل هذا التاريخ بقرون كنقطة تلاقٍ بين رهبان دير المغاور في كييف ورهبان جبل أثوس. تحكي قصة نشوء الدير عن ظهورٍ لوالدة الإله حيث تظهر آثار قدميها على صخرة ينبع منها ماء حصلت به أشفية كثيرة. في الدير أيقونة لوالدة الإله وهي عجائبية وذائعة الصيت. من أهم رؤساء هذا الدير هو القديس أيوب بوكاييف الذي عاش أواخر القرن السادس عشر إلى منتصف السابع عشر. تعرّض الدير لأزمات كثيرة حيث حاصره الأتراك لفترة طويلة أواخر القرن السابع عشر إلى أن ظهرت والدة الإله ومعها القديس أيوب ما أدى إلى تحوّل العديد من الأتراك إلى المسيحية. أعطي الدير إلى الرهبان الإتحاديين (الروم الكاثوليك) على أيام بطرس الأكبر، وبعد انتصار روسيا على بولندا أواخر القرن الثامن عشر عاد إلى الأرثوذكسية. أواخر القرن التاسع عشر كانت لافرا بوكاييف بمثابة مكان الحجّ بالنسبة للروس. كان للافرا دور كبير في استرجاع الكثيرين من الأرثوذكس الذين انضمّوا إلى الكثلكة إلى أن تعرّضت للنهب على يد النمساويين عام 1915. في 2002 أعلنت الكنيسة الروسية قداسة رئيس آخر للدير هو القديس أمفيلوخيوس الذي رقد عام 1971.

ليس رهبان دير بوكاييف أوّل الداعين في الكنيسة الروسية إلى الخروج من مجلس الكنائس العالمي، فقبلهم الميتروبوليت بنيامين (بوشكار) مطران فلاديفوستوك أرسل رسالة إلى المجمع بيّن فيها الخطأ اللاهوتي في عضوية المجلس المذكور، وحثّ المجمع على الانسحاب منه. هذا وأنّ لدى الكنيسة الروسية الكثير من الملاحظات على عمل المجلس.

من جهتها الكنيسة الأرثوذكسية الجورجية كانت قد انسحبت من هذا المجلس في 1997، والكنيسة البلغارية في 1998. الكنيسة الصربية منذ 1995 اتخذت قراراً ورد فيه: ” لا نعرف أيّ مثال، ولا واحد فقط، من آباء الكنيسة القديسين يمكن أن يكون بتعاليمه أو حياته أو أفعاله، بمثابة تبرير لعضويتنا في منظمة مجلس الكنائس العالمي غير الكنسية أو ما شابه ذلك “.

إن العلاقة مع مجلس الكنائس العالمي وما شاببه من المنظمات عادت إلى الواجهة بعد مؤتمر كريت في 2016، خاصةً الجدل الذي دار حول وثيقة علاقات الكنيسة الأرثوذكسية بباقي العالم المسيحي، التي تشيد بمشاركة الكنيسة الأرثوذكسية في مجلس الكنائس العالمي. أما بالنسبة للكنيسة الروسية فمسودة التعليم التي يُعاد النظر بها اليوم تشيد ايضاً بهذه المشاركة، لكنها تلقى اعتراضاً من فئات كثيرة من المعنيين، الذين يفضّلون حذف هذه الإشادة وتسمية الأمور بأسمائها.

في ما يلي نصّ رسالة رهبان بوكاييف إلى المجمع الروسي

صاحب الغبطة بطريرك موسكو وكل الروسيا كيرللس

15 تشرين الثاني، 2017 الرقم 37/K

إن الإخوة في لافرا رقاد السيدة المقدسة في بوكاييف، يتوسّلون بجدية رئاسة ومجلس الأساقفة لأن يلبّوا الالتماس والنداءات المتكررة من أبناء كنيستنا المؤمنين في ما يتعلق بالانسحاب من مجلس الكنائس العالمي ووقف مشاركة كنيستنا في الحركة المسكونية.

كل أعضاء مجلس الكنائس العالمي، بانضمامهم إليه، يقبلون ميثاق هذا المجلس الذي يؤكد أن أياً من الطوائف لا تملك كامل الحقيقة. وأنّ كمال الحقيقة، بحسب هذا الميثاق، سوف يأتي فقط عندما تلتئم جميع الطوائف ككل واحد.

إن الخطة الشيطانية لإنشاء مجلس الكنائس العالمي هو بناء كنيسة عالمية واحدة كاذبة في مملكة ضد المسيح القادمة، متحدة بطبيعة الحال، لا في روح الحقيقة ومحبة لله، ولكن على العكس من ذلك، في اللامبالاة بالحقيقة وقبول روح أبي الكذب بمحبته الكاذبة الوهمية. إنّ الوثائق والمواد التوثيقية لمجريات الاجتماعات والصلوات المسكونية لا تترك أيّ شك في طبيعتها الشيطانية المناهضة للمسيحية، ولا في انحراف الكنيسة الأرثوذكسية عن الحقيقة والعقائد والقوانين التي وضعتها المجامع المسكونية. إن كنيستنا، بمشاركتها في مجلس الكنائس العالمي، توافق على هذه الأعمال وعلى أنها ليست الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية.

إلى هذا، إن خروج الكنيسة الأرثوذكسية الروسية من مجلس الكنائس العالمي لن يشكّل عزلة تفرضها على نفسها، كما يحاول البعض أن يقول، بل هو التزام بتعليم العهد الجديد الحقيقي الطاهر. يجب أن لا نقع في الخديعة الروحية متخيلين أن لدينا محبة أكبر من محبة الرسل. القديس يوحنا اللاهوتي، رسول المحبة، يعلّم إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ، وَلاَ يَجِيءُ بِهذَا التَّعْلِيمِ، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ” (2يوحنا 10:1). الرسول بولس، وقد عمل أكثر من الجميع في التبشير بالإنجيل إلى العالم بأسره، يوصي أيضاً اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ” (تيطس 10:3). يدّعي ممثلو الكنائس الأرثوذكسية أنّهم أنذروا الهراطقة في مجلس الكنائس العالمي لا مرتين بل لعقود. هل اهتدى الكثيرون إلى الإيمان؟ بعد كل هذا، لا يعتقد أعضاء مجلس الكنائس العالمي الآخرون، على أساس ميثاق هذه المنظمة، بأن الكنيسة الأرثوذكسية تحفظ ملء الحقيقة. ولذلك، إن هذا الإنذاربلا فائدة. وما يثير الرثاء بالأكثر، هو أن الكنيسة الأرثوذكسية، بانخراطها في هذه الحركة، تقع في إثم كبير أمام الله إذ توقع أبناءها المؤمنين في التجربة والابتعاد عنها.

أحقاً ليس هناك وسيلة أخرى للتبشير بأن ملكوت الله يأتي بقوة (مرقس 1:9)، وبالعنصرة الحقيقية؟ بالطبع هناك.

فالكنيسة الأرثوذكسية، التي هي كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ” (1 تيموثايوس 15:3)، قد شهدت ولألفي سنة لكل مَن له أذنان للسمع (مت 9:13)، للبشارة السارّة التي حملها إلينا يسوع المسيح، من دون أن ترتّب في أي يوم منظمات مشتركة مع الهراطقة للبشارة بالإنجيل، بل على العكس من ذلك، فقد حفظت خراف المسيح من تعاليمهم الكاذبة السامة. إن الحزن والبكاء على فساد الهراطقة بمحبة الأم، والصلاة من أجل اهتدائهم، هو في الوقت نفسه تحقيق لوصية المسيح بأن أحب الله من كل قلبك وروحك، من ثم أخاك! (متى 37:2-39). يسوع المسيح، وهو المحبة المتجسدة، شهد بنفسه أنه جلب إلى الأرض لا سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا” (متى 34:10)، فاصلاً الذين يحبون الحقيقة عن الذين يقبلون الكذب. كثيرون من الذين سمعوا تعليمه لم يقدروا أن يستوعبوا تعاليم العهد الجديد وغادروا، أمّا المدعوين من الآب السماوي فقد ثبتوا في الحقيقة (يوحنا 66:6-69).

لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَلِّمِ” (متى 24:10). إنه ضعيف، وعليه أن يحفظ نفسه من عناصر هذا العالم، حتى لا يصير الملح الذي فقد طعمَه (مت 13:5)، وفقط بعد ذلك، بحسب كلمة المخلّص، يستمع لنا الكلّ كما استمعوا إليه، كما أنّ البعض سوف يضطهدوننا كما اضطهدوه (يوحنا 15:20).

في هذا الإطار، الإخوة في لافرا الرقاد المقدس في بوكايف يناشدون رؤساء الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ويحثونهم على الانسحاب من مجلس الكنائس العالمي، ووقف كل أشكال المشاركة في الحركة المسكونية الخبيثة.

فلاديمير، ميتروبوليت بوكاييف

وكيل أبرشية كييف

نائب رئيس لافرا الرقاد المقدس

مع الإخوة

السنة الرابعة عشرة، العدد الأول، تشرين الأول2017

السنة الرابعة عشرة، العدد الأول، تشرين الأول2017

مختارات

الراهب الصغير، مناجاة

رعائيات

الخورية سميرة عوض ملكي، غيرة أم إدانة؟

رسالة إلى أسقف منتَخَب

لاهوت رعائي

اﻷب أنطوان ملكي، الاختزال في أنطاكية، إلى أين؟

                   الاختزال في المعمودية

              الاختزال في خدمتي الخطبة والإكليل

                   الاختزال في الجناز

                   اختزال الشعب

اﻷب أنطوان ملكي، الديموقراطية والشركة في الوضع الأنطاكي القائم