السنة السادسة عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2020

السنة السادسة عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2020

مختارات آبائية

القديس سمعان من ديابابي، مختارات من تعاليمه –2

الشيخ افرام من إسقيط القديس أندراوس، توبة كاملة

الأب سيرافيم باديلا، دمعة التوبة

لاهوت

أثناسيوس ميتروبوليت ليماسول، تقديس الجسد البشري

أبطال روحيون

المتقدّم في الكهنة بيصاريون سوراسكو، الشيخ ثيوفيل بادوي وبعض أقواله

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، الأب يوحنا رومانيدس

حياة روحية / رعائيات

هيئة اتحاد اللاهوتيين اليونانيين، المناولة المقدسة: دواء الخلود وترياق الموت

المتقدّم في الكهنة جورج كوستانتوبولوس، الحياة بالمسيح كل يوم

الأرشمندريت نيكن كوتسيذيس، التي لكَ مما لكَ

تاريخ

جون نيشيبوروك، لماذا عارض البابا غريغوريوس الكبير استعمال لقب “البطريرك المسكوني

القديس سمعان من ديابابي – مختارات من تعاليمه – 2

القديس سمعان من ديابابي

مختارات من تعاليمه – 2

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

ما نفع المصباح في وجود الشمس؟ وما فائدة المجد الأرضي بوجود مجد السماء؟ تجاهلوا الصغرى حيث توجد الكبرى، فهي حكيمة ومفيدة

خيمة الجيش تؤوي الجنود من المطر والحرّ، كما يحمي الصمتُ المسيحيَ في حياته من الدينونة والأكاذيب

كما أن النبيذ يكون أفضل عندما يعتق، كذلك عندما تكون الكلمات مدروسة جيدًا تكون أكثر فائدة

عندما تكون غرفتك دافئة بالفعل، تجنّب فتح الأبواب كثيرًا. لذا، إن كان الروح القدس في داخلك، تجنّب كثرة الكلام

احمِ المرآةَ من الغبار وضميرَك من الخطيئة حتى يبلغاك كلاهما بأمانة: المرآة عن وجهك وضميرُك عن أفعالك

كم أنَ صناعة نَبِيذ العَسَل تكون أسهل عندما يتوفّر الكثير من العسل، كذلك يكون إنقاذ الروح أمرًا سهلاً عندما يتواجد خوف الله

كما لا يستطيع الخياط الخياطة أثناء الحركة، لا تتقدم الروح عندما يكون المرء مستلقيًا. يجب أن يجلس الخياط وأن يضحّي المسيحي

الزيتون يفضّل المناخ الساحلي بينما الروح تفضّل الشركةَ الوَرِعة

من الأسهل أن يرقص عجل ذو ثلاثة أشهر من أن يرقص ثور أكبر سنًا. وبالمثل، فإن خلاص روحِ رجلٍ يملك ثلاثة أفدنة من الأرض أسهل من خلاص رجل غني يملك ضيعة كبيرة

كما أن المظلّة ضرورية للمطر كذلك التواضع للروح. تُشترى المظلة بالمال، بينما التواضع يُكتسب بالتأمل

كما أن خياطاً مخموراً يفسِد الملابس، تفسِد المحادثةُ الفارغة الروحَ

الحجل في القفص يشتاق إلى الغابة وإلى الحرية، بينما النفس الخاطئة تشتاق إلى الله والحياة الأبدية

لا تخفوا الحقيقة عن الأولاد ولا تخفوا ذكرى الموت عن روحكم. يكون الأولاد أكثر في سلام، وتصبح الروح أكثر تقوى

يرسم البعض إشارة  الصليب فقط عندما يضرب البرق، بينما يتذكر البعض الآخر الموت فقط عندما يرون ميتاً. ارسم علامة الصليب بدون البرق، وتذكّرْ الموت دون الحاجة إلى رؤية الموتى، وعندها سترتكب  خطايا أقلّ

فكّرْ دائمًا بروحك، عندما تكون سعيدًا وعندما تكون في ضيق ومعاناة. فكّر دائمًا بروحك، سواء كنت تعيش في قلعة أو في كهف

لا يمكنك خوض الحرب بدون بارود ورصاص، ولا يمكن عيشُ حياة مسيحية بدون إيمان وعمل صالح

ينبغي بَرْدٌ شديد حتى يتجمد النهر، وينبغي الكثير من الإيمان للحفاظ على الإيمان

لا يطير الذباب فوق الحساء الساخن، ولا يقع البلاء على الإيمان القوي

يحتاج الخياط إلى إبر وخيوط ليخيط، بينما يحتاج الإنسان إلى الإيمان والمحبة ليخلّص نفسه

الصابون والماء يطهّران الثياب بينما الإيمان والأعمال ينقذون الروح

توبة كاملة

توبة كاملة

الشيخ افرام من إسقيط القديس أندراوس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أخبر الشيخ افرام من إسقيط القديس أندراوس، سيراي، جبل أثوس، القصة التالية:ـ

أحد الرهبان في جبل آثوس وكان حاصلاً على الإسكيم الكبير، خلع ثوبه وأنكر نذوره الرهبانية، وعاد إلى العالم ليعيش حياته. عاش بشكل مسرف وسقط في كثيرٍ من الخطايا الجسدية، ثم تزوّج في النهاية وأنجب ولدين. ذات يوم ذهب مع أسرته إلى البحر للسباحة. على الشاطئ، إذ كان مستلقيًا تحت المظلة، اقترب منه ولده الصغير وقال: “بابا، لماذا يوجد صليب كبير على صدرك؟ وماذا تقول الحروف الحمراء عليه؟”ـ

رؤيا الابن الواضحة صدمت الأب إلى درجة أنه أصرّ على العودة إلى المنزل. هناك حبس نفسه في غرفته، وراح يبكي طوال الليل. في اليوم التالي مضى واعترف وقال له الأب الروحي: “المسيح، رغم أنك أنكرته مرارًا وتكرارًا، لا يزال يحبّك دون قيد أو شرط! بالقدر الذي كان يحبّك بلا حدود عندما كنت راهبًا، لم يزل يحبك الآن!”ـ

كانت هذه الكلمات بمثابة ضربة في قلبه فمضى وكشف الحقيقة الكاملة لزوجته، واتفقا على العيش منفصلَين بالتراضي إلى أن عاد إلى الدير، بينما زوجته اعتنت بأطفالهما في البداية ثم أصبحت فيما بعد راهبة

ثم بعد سبعة عشر عامًا، قام الابن الذي شاهد الأحرف على صدر والده بزيارة لجبل أثوس، إلى نفس الدير الذي كان يعيش فيه والده، لكن دون أن يدرك ذلك. ذهب إلى رئيس الدير وطلب الاعتراف. بعد الاعتراف، سأل رئيس الدير: “أبتي، أنا أبحث عن والدي. لقد أصبح راهبًا وطوال هذه السنوات لا أعرف أين هو. هل تستطيع مساعدتي؟”ـ

فهم رئيس الدير ابن مَن يكون هذا الشاب وحاول جاهدًا إخفاء دموع انفعاله وقال له: “يا بنَي، ابقَ هنا اليوم، وسأخبرك غدًا.”ـ

مضى رئيس الدير إلى الراهب والد الشاب وأخبره وقال له: “يا بنَيّ لقد جاء ابنك الصغير إلى الدير باحثًا عنك. هل تودّ رؤيتَه؟”ـ

تأثر الراهب ولكنه في نفس الوقت كان مضطرباً، فأجاب: “أيها الشيخ، لقد جاء ملاكي الحارس إليّ وأخبرني  بأنني سأغادر هذا العالم بعد ثلاثة أيام! أخبر ابني أنه بعد ثلاثة أيام يراني. وعندما أستريح تكشف له أنني أبوه! فأنا بحاجة إلى تثبيت قانوني لكلّ ما فعلتُه في حياتي” ـ

كانت كل أعمال هذا الراهب أعمال توبة كاملة، لذا كان قراره بعدم رؤية ابنه محبة إلهية! ذهب رئيس الدير إلى الشاب وأقنعه بالبقاء لثلاثة أيام أخرى في الدير. في الجنازة التي جرت بعد ثلاثة أيام، كان الابن حاضراً. بعد الانتهاء قال لرئيس الدير: “لم أرَ مثل هذه الجنازة من قبل! لا بدّ أن هذا الراهب كان ذا قداسة عظيمة. هذا راهب حقيقي!”ـ

بعد أن واروه الثرى، كشف الرئيس للشاب: “يا بنيّ، كان هذا الراهب أباك!”ـ

***

أيضاً من تعاليم الشيخ افرام من إسقيط القديس أندراوس، جبل أثوس:

“الله موجود في كل مكان. حيثما يكون الله، يكون أيضًا نوره غير المخلوق. نور إلهنا غير المخلوق الثالوثي يملأ كل الأشياء. لذلك، ما من مكان موجود ليكون للظلمة. كل شيء مشرق بالنور غير المخلوق الذي لإلهنا الثالوثي، الذي يضيء بنوره ومحبته الإلهية التي لا تُضاهى. بعبارة أخرى، يقصفنا الله بأطنانٍ لا تضاهى من محبته الإلهية. وويل لمن لا يقبل هذه المحبة، لأنه سيختبرها كجحيم لا يماثَل، ككراهية لا مثيل لها وظلام لا يضاهى في الحياة الأخرى

بهذا التعليم تترتّب جميع أفكار الإنسان المعاصر. هناك مَن يقول إنه إذا كان الله محبة لا مثيل لها، فكيف يمكن أن نذهب إلى الجحيم إلى الأبد مع الكثير من العذاب؟ الله لا يدين بالجحيم ولا الجحيم من خَلقِه. صنع الله كل شيء بدافع المحبة، وكلّ ما خلقه هو نور ومحبة بالكلية. لم يخلق الله الظلمةَ والعقاب. نحن خلقناهما بالخطيئة وبالموت أي نحن خلقنا الظلمة والجحيم لذلك لا يحكم اللهُ علينا بالجحيم، بل نحن ندين أنفسنا بأنفسنا

الحقيقة مثل الشمس التي تشرق لامعة بشكل كامل، فيما أعين بعض البشر يفضلّون العمى على ألا يروا نور الشمس، حتى إلى الأبد. وفي هذه التعمية الذاتية الأبدية، يبقى المرء في الظلام رغم أن الفرصة أتيحت له ليرى. لكل انسان اختياره الصافي وهو حر والله يحترم هذا الخيار ولا يتدخل. الانسان يعيش حياته ويعمل خطاياه والله لا يقف في طريقه ما لم يستدِر بالتوبة ويختار أن يتبع برَّه، فمن ثمّ ليس له أن يدين الله بسبب الجحيم الذي سوف يختبره في الحياة الآخرة” ـ

دمعة التوبة

دمعة التوبة

الأب سيرافيم باديلا

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

يخبرنا الأب سيرافيم قصة عن ملاك نزل إلى الأرض بمهمة إيجاد شيء هو الأكثر  سروراً لله.

قال الله لأحد الملائكة: “انزل إلى الأرض وسافر في كل العالم حيثما تريد… عندك من الوقت ما تريد من غير تحديد. اجلب لي ما يثير في أكبر قدر من الإعجاب مما تراه على الأرض”ـ

راح الملاك ينزل من المجد الإلهي حيث يمجّد الله، إلى هذا العلم المليء بالناس الخاطئين… هكذا نحن، كلنا خاطئون… كل مَن يقول أنه بلا خطيئة كاذب!ـ

وكان الملاك يعرف أنه كان مكلّفاً بمهمة خاصة… التمييز… “عليّ أن أجلب ما هو الأكثر سروراً لله” وراح يبحث ويبحث، وفي رحلته وصل إلى مكان فيه حرب

رجل جريح، في اللحظات الأخيرة من حياته، ينزف القطرة الأخيرة من دمه، تاركاً في البيت أرملة وأطفال يتيتّمون… حمل الملاك قطرة الدم ومضى إلى عند الله. قدم ما معه. نظر الله وقال: “نعم. جميل! هذا شيء رائع! لقد وهب حياته ليدافع عن بلده! إنه بطل! سوف يحصل على إكليل البطل! أرملته وأطفاله اليتامى سوف يبقون في البيت… هذا باهر! لكني طلبتُ منك أن تجلب لي الشيء الأكثر سروراً… إذهب وفتّش عنه!” ـ

مضى الراهب، مسافراً إلى هنا وهناك، باحثاً، مفتشاً، مستقصياً. وصل بترحاله إلى مستشفى… كان هناك أمرأة تعاني من مرض معدٍ لا شفاء منه، معزولة في غرفة. لقد أرادت أن تظهر محبتها وحنانها لإنسان مريض بأن تقف إلى جانبه… كانت تعرف أنها قد تُصاب لكنها لم تستطع أن تبقى بعيدة، فمضت إلى هناك، وصارت مريضة إذ التقطت الجرثومة. هي الآن في أواخر لحظات حياتها… رأى الملاك ذلك وقال “أعتقد أن هذا ما يعجب الله!” فمضى ليخبره. “أطّلع أيها الرب!” فأجاب الله “نعم، رائع! رائع! لكن أخبرتك بأن تجلب إليّ أكثر الأشياء أهمية! إذهب. فتّش. إبحث بعمق أكثر. تابع البحثّ! لا تنسَ: اكثر الأشياء أهمية يعجبني، فاجلبه إليّ!”ـ

في تنقّله، رأى الملاك لصّاً كبيراً، فركّز عليه… كان هذا اللص قد ارتكب القتل مرات، واغتصب النساء، وقام بعمليات سطو كثيرة… وكان ذلك اللص المشهور، الذي يرعب تلك المنطقة، يتحيّن اللحظة المناسبة ليقترب من بيت منفرد في القرية، حيث تعيش امرأة شابّة وطفل… فانتظر إلى أن حلّ الليل حتّى لا يكشفه أحد. وبعد حلول الليل، نظر عِبر النافذة: كانت الشمعة مضاءة، امرأة مع طفل صغير، رسمت إشارة الصليب على طفلها بعد صلوات كثيرة… كان الطفل ينام على وسادة… فوق رأسه كانت أيقونة والدة الإله مع الطفل يسوع… تابعت الأم صلواتها… ـ

للمرة الأولى في حياته، بعد عقود من الخطايا العظيمة القبيحة، أحسّ بثقل خطاياه، أدرك أن هذا ما كانت أمه تفعله عندما كان طفلاً… كان هناك شمعة… وكانت أمه تصلّي… كم كان سعيداً في تلك الأوقات… ومن هذه الاستعادة، استعرض حياته تمرّ أمام عينيه، مع كل الجرائم التي ارتكبها والخطايا الجسيمة التي اقترفها والنساء والسرقات… ورأى للمرة الأولى… عمل الله في نفسه… ليرى حياته وأعماله وأقواله. هكذا أعانته نعمة الله ليرى نفسه… الآن هو عند النقطة حيث المفتَرَض به أن يدخل، كان عند النافذة، يتأمّل حياته… نزلت دمعة التوبة على خد هذا اللص… التقطها الملاك وقال: “أعتقد أن الرب سوف يعجبه هذا!” ومضى إلى الله وأعطاه ما جلب. قال الله: “نعم! هذا أقصى السعادة عندي! هذه الدمعة…”ـ

أترون يا أعزائي أن ما قاله الأب أرساني بوكا هو صحيح؟ قال “إن محبة الله لأكبر الخطأة تفوق إلى ما لا نهاية محبةَ أعظم القديسين لله”ـ

أنظروا يا أعزائي المحبة العظيمة التي يكنّها الله لنا نحن الخطأة… لقد ترك وراءه الخراف التسعة والتسعين، والملائكة في السماء الذين يمجدونه بغير انقطاع، وأتى إلينا، نحن الخراف الضالّة، كل الجنس البشري من آدم إلى اليوم، نحن خراف ضالّة.. ـ

* الأب سيرافيم باديلا هو كاهن دير رفع الصليب في منطقة كلوج في رومانيا. ـ

تقديس الجسد البشري

تقديس الجسد البشري

أثناسيوس ميتروبوليت ليماسول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الإنسان هو هيكل الله الحي. هذا تعليم رسولي في كنيستنا، ما يعني أنه كما تسكن نعمة الله، نعمة الروح القدس في الكنيسة، الأمر نفسه ينطبق على الجسد البشري ونحن هياكل الله الحي. نحن نسمي الله حيًا لأنه لم ينعزل في مكان ما في السماء ونحن ببساطة نؤمن به ونقبله، لأنه يقيم فينا ونحن هيكله. بطبيعة الحال، لا يعني القديس بولس أن جزءًا من الوجود هو هيكل الله، بل يعني أن الشخص كله مُقدَّر له أن يصبح هيكل الله وعندما يتحقق ذلك يصبح حقيقة. هذا هو السبب الذي يجعلنا نظهر احترامًا وشرفًا كبيرين للشخص البشري بأكمله

عندما نكرّم قديسي الكنيسة، الذين هم أناس أكّدوا أنهم حقاً هياكل للإله الحي، فحفظوا وصاياه ووجدوا الحق، فإننا لا نكرّم أرواحهم أو تعاليمهم ولا حتى عقلهم فقط. نحن نكرّم القديسين كبشر كاملين، أشخاص تقدّسوا في كامل أرواحهم وجسدهم. لهذا نبجّل ذخائر القديسين المقدسة في الكنيسة وعظامهم التي نالت نعمة الروح القدس وهي هياكل للإله الحي. هذا هو السبب في أننا نحن المسيحيين الأرثوذكسيين لا نكرّم الرفات ببساطة كما نكرّم أسلافنا، لكننا نحتضن بقايا القديسين واشياءهم والأيقونات المقدسة لأننا نؤمن حقًا أننا بهذه الطريقة نتواصل بنعمة الروح القدس الذي اقتناه هؤلاء القديسين. بطبيعة الحال، هم لم يقتنوه فقط في هذه الحياة بل هم ازدادوا به الآن، إذ يحيون في حضرة الله

يصعب على الناس في الغرب أن يفهموا التوقير الذي نشعر به نحن المسيحيون الأرثوذكسيون تجاه القديسين عندما نبجّل بقاياهم المقدسة. في المسيحية الأرثوذكسية، كل شيء حول وجه القديس، لأن التمجيد يعمل على كل الكائن البشري في القديسين ويحتضنهم بالكامل. لهذا السبب، من الناحية الطبيعية، ترتبط القداسة بالأخلاق والتمام الخارجيين، لكن هذا ليس كل شيء بحسب الكنيسة الأرثوذكسية

القديسون هم بالطبع أخلاقيون ومستقيمون، لكن نعمة الروح القدس تتخطى هذه السمات البشرية والدنيوية وهي قوة الله غير المخلوقة التي تغطي كيان الشخص بأكمله بحيث يتقدس ككل. كما هو مذكور في الإنجيل وأعمال الرسل القديسين – وهذا إجابة واضحة لشهود يهوه والبروتستانت – ذهبت المرأة التي تعاني من نزف الدم ولمست طرف ثوب المسيح وشُفيت على الفور. لذلك نسأل: هل من الممكن أن يكون الثوب قد صنع المعجزة؟ بالطبع لا. كان المسيح هو الفاعل وذلك من خلال إيمان المرأة. كما جاء في سفر أعمال الرسل، أنه بمجرد أن يسقط ظل الرسول بطرس على المرضى، كانوا يُشفون. حتى أن  عباءات الرسل استُخدمت لعمل المعجزات. بالإيمان ونعمة الروح القدس، كانت المعجزات تتم ولا تزال. من الطبيعي أن القديسين لا يصنعون المعجزات بأنفسهم: إنها نعمة الروح القدس الساكن فيهم وأشياءهم التي تعمل جنبًا إلى جنب مع إيمان الناس والتي تصنع المعجزات والعلاجات وجميع التأثيرات المألوفة الأخرى التي تؤديها الرفات المقدسة والأيقونات المقدسة من أجل كل الذين يقاربونها بإيمان

وعندما يتحدث القديس بولس عن خطايا الجسد، فذلك لأن من واجبنا أن نحافظ على أجسادنا طاهرة وخالية من أي دنس وأي خطيئة، لأن الجسد مصيره أن يتمجد، كلّ الجسد مصيره التألّه والتقديس

عندما نُعمّد، نعتمد بكاملنا، لأننا نتقدّس ككل موحد. لهذا السبب، يتمّ دائمًا احترام رفات المسيحيين الراقدين والحفاظ عليها جيدًا. وهذا هو السبب أيضًا في أن الكنيسة الأرثوذكسية لا تقبل حرق أجساد الموتى: ليس لأن المسيح سيجد صعوبة في إحياء الموتى الذين أُحرِقوا، بل لأن تجنيز جثث الموتى ودفنها هو تعبير عن إيماننا بأن الجسد مقدس ومصيره التقديس والتمجيد بانتظار قيامة الأموات

Source: St. Andrew Greek Orthodox Church

الشيخ ثيوفيل بادوي وبعض أقواله

الشيخ ثيوفيل بادوي وبعض أقواله

المتقدّم في الكهنة بيصاريون سوراسكو

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في أيامنا هذه، إذ تدعونا ملذات العالم ومتاعبه إلى الابتعاد عن إيماننا وأخلاقنا الأرثوذكسية، من المفيد لنا أن نذكر الشهداء والمعترفين من أجل الإيمان. في الآونة الأخيرة، قبل أقل من 100 عام، كانوا على استعداد لقبول الموت بدلاً من اتخاذ مثل هذه الخطوة. أحد هؤلاء المعترفين بالمسيح كان الروماني الشيخ الأرشمندريت ثيوفيل بادوي الذي رقد في 17 تموز 2017. وُلد الأب تيوفيل (بادوي) في 11 أيلول 1925 ودخل الدير في 20 شباط 1944، وصار راهباً في 30 آذار 1947. رُسِم في 14 تموز من العام نفسه. في عام 1968، بعد أن عَبَر بالفعل بمدرسة المعاناة – سبع سنوات من المنفى من الدير بموجب مرسوم 1951 الشيطاني [1]، سيم كاهناً متبتلاً ـ

أنا في دير سامباتا دي سوس. وقد جئت لرؤية الاب ثيوفيل (برايان) الذي كان خارجاً قليلاً. فقررت أن أتجوّل حول البحيرة خلف الدير. رأيت مجموعةً من الرهبان يستريحون هناك. في وسطهم، كما لو كانوا يحرسونه، وقف راهب شيخ، قصير القامة ذو لحية رمادية رقيقة. وإذ كنتُ فضولياً بطبيعتي ومتشوّقاً إلى الكلام قصدتهم: “الله معكم! من أين أنتم أيها الآباء؟”ـ

أجاب أحد الشبان منهم: “ألله معك! نحن من دير سلانيك من أرجاس”ـ

فقلتُ لهم: “أعرف أحد الآباء هناك، الأب ثيوفيل بادوي”ـ

فجأة التفت إلي الشيخ وقال بكل جدية: “مَن؟! هذا اللص؟ هذا الوغد؟ لقد هرب من الدير. لم يعد معنا!”ـ

نظرت إليه بحَيرة وبعض الخوف. كيف يمكن أن يكون هذا الأب الذي سمعتُ عنه الكثير من الأشياء الجيدة سيءَ الصيت في سلانيك؟ كان الآخرون صامتين، يخفون ابتساماتهم في لحاهم. ثم رأى أحدهم أنني في حيرة شديدة، فجاء إلي وقال بسعادة: “هذا هو الأب ثيوفيل (بادوي)، رئيس دير سلانيك!”ـ

محادثة مع الشيخ ثيوفيل

– آه يا بني، الشباب يمضي في التجارب والشيخوخة في الأسقام. ضعف صوتي. كل شيء ضعيف. بقيت بعين واحدة وسن واحدة. ولكن ماذا يمكنك أن تفعل؟ علينا المضي قدماً. هذا ما اعتاد الشيخ فيتيميون قوله. حتى لو كنت خريج جميع مدارس هذا العالم، حتى أعلى المدارس، فلن تكون واحدة منها مفيدة لي مثل مدرسة المعاناة. طُردتُ من الدير في 15 كانون الثاني 1961. كنت في السادسة والثلاثين من عمري. مكثت في سلانيك مع الشيخ فيتيميون (كنا نناديه يوبانو) فيما الأب يوسف من قرية كوربي والأب نيقوديم والأب جبرائيل  كانوا في السجن. لقد نجوت من السجن بأعجوبة. حفظني الله، وإلا لما تمكنت من تحقيق ذلك. أنا ببساطة كنت لأموت. هذا ما كان الأمر عليه

كنت أعظ حينها في “جيش الرب”[2]. فعلتُ ذلك بمحبة عظيمة. كنت على استعداد لإحضار جميع الشباب إلى الدير. ثم في 14 تشرين الأول 1960، جاء إلى الإسقيط الرفيق بيربوليسكو، مفتش الشؤون الدينية في مقاطعة أرجيو، وهو أشرّ رجل رأيته في حياتي. قال لي: “أتيتُ لمقابلتِك، لأنك الراهب الوحيد الذي لا أعرفه في كل المقاطعة، لمقابلتك والطلب منك المغادرة.” – “أنا لن أذهب إلى أي مكان، أيها الرفيق. لن أغادر هنا حتى الربيع” – “سوف تغادر ، أعدُك.”ـ

تبيّن لاحقاً أنه على حق. ذات ليلة، اقتحم بيربوليسكو وثلاثة أو أربعة من العاملين الأمنيين[3]. كان الأب بوبوك مخبأ في إحدى الغرف عندي. كان الفقير مريضاً وكنت أعتني به. “أين بوبوك؟” سأل. “ما لك يا سيدي؟ اتركه. انه مريض.” وفجأة وجدوه، آه! ما سمعته أذني … أيّ قذارة ، وأي إساءات قُذفت عليه!ـ

“هل ضربوه؟” – “لا. لم يضربوه. احتجزوه وطردوني من الدير. سألني المحقق: “أين تمضي الآن” – “إلى كوربي” – “ولمَ ليس إلى فلاديستي؟”[4] لم أشأ أن أعود إلى قريتي، إذ كَراهبٍ لا أستطيع أن أعود إلى مسقط رأسي، هذا ما لم يفهموه. “ليس لي أحد أعود إليه في فلاديستي. أهلي توفوا”. فتركوني أمضي إلى كوربي. جعلوني أوقّع على تصريح أطلب فيه رميي بالرصاص إذا وجدوني في الإسقيط

“كم قضيتَ في الإقامة الجبرية في كوربي؟” – “خمس سنوات حتى تشرين الثاني 1966”. – “هل كنت هناك لوحدك؟” – “بالطبع لا! كانوا يدعونني بشكل ثابت إلى الشرطة. وعندما أعود من هناك بالكاد أستطيع الوقوف على رجليّ. كنت أترنح كالسكران. كانوا يعتبرونني قاطع طرق ويسألونني دوماً: “يا قاطع الطريق لماذا لستَ متزوجاً؟” – “اسمع أنت! مَن هم مثلك يتزوجون لكنهم يعيشون بعيداً عن زوجاتهم. ماذا تقول عن ذلك؟” – “أنا أقول أن على المتزوجين أن يحفظوا قوانين الزواج.” – “أعلم ذلك. ومَن ليس متزوجاً عليه احترام قوانين حياة العزوبية” ـ

في مرة أخرى، سألتُ المحقق: “أنت أيضا أقسمت اليمين في الجيش ، أليس كذلك؟” – “نعم فعلت.” – “هكذا إذاً، هل كسرته؟” – “لا أبداً!” – “وأنا قد اتخذتُ أيضًا نذوراً رهبانية. ولا يمكنني كسرها لأي شيء في العالم. هل تتوقع ماذا قال؟ من الأفضل ألا تكسرها. هل يمكنك أن تتخيل؟”ـ

“إذاً حفظتَ نذورك الرهبانية حتى في العالم كمواطن عادي؟”

“لقد أبقيتُها مقدِّسة بعون الله أيها الأب! تعرّضت لإغراءات من خدام الشيطان. كانوا يراقبونني، كل خطوة خطوتها وكل ما فعلته. وبسبب هذا التوتر، لم أستطع النوم طوال تلك السنوات الخمس التي كنت أعيش فيها في كوربي، إلا إذا بعد تناولي حبوبًا. لكن الشيطان قاتلني شخصيًا أيضًا. إذا كان بإمكانك أن تتخيل ما كنت أبدو عليه حينها، جِلداً وعظاماً. كنت لتذرف علي دموع الشفقة. وقد حمل شيطان الشهوة السلاح ضدي في هذه الحالة المؤسفة. صلّيتُ كثيرًا يا ابتي لكي ينقذني الله منها، حتى أن الدموع التي ذرفتها صارت بِركة على الأرض. سألتني الأخت فيتا لماذا أبكي، فقلت إنني أبكي من الشوق إلى الدير. لم أستطع أن أخبرها بالسبب

ثم رأيت أن الأمنيين أسوأ من الشياطين. يمكنك أن تصلي إلى الله وتتخلص من الشياطين، ولكن من الأمنيين… كنت أبكي حتى أفقد الوعي. قالت الأم غابرييلا في وقت لاحق: ’لو كنت تعرف كم مرة صفعت قدسِك!’ ’ماذا تعنين؟’ ’كانت هذه الطريقة الوحيدة لإحيائك.’”ـ

***

أخبر الشيخ ثوفيل: “عند سيامتي، صليتُ إلى الله: ’يا رب نجِّني من الحسد والجشع! هذه تفسد العلاقات الجيدة مع الناس. لم أدّخر أي نقود وكلّ ما قمتُ به فعلته من أجل الدير. اشتريت الكثير من الكتب. هذا هو الإرث الذي أتركه لجنودي. لدي أيضًا 700 شريط كاسيت مع عظات وموسيقى كنسية وتسجيلات لحظات مختلفة من حياتي… الكهنوت هو أرهب شيء على وجه الأرض. عندما يخدم الكاهن تكون الجنة عن اليمين والجحيم عن اليسار. سيعطي الكاهن إجابة عن كل نفس من رعيته، لئلا تهلك أي منها. الكهنوت ليس مهنة بل رسالة إلهية. تتألم روحي عندما أرى الشبّان، كهنة المستقبل، ذاهبين لدراسة اللاهوت دون التفكير في النير الذي يتسخّرون من أجله” ـ

***

ذهب الأب ثيوفيل مرةً بعد 1990 للتسوق في بيتساتي مع مسؤول الضيافة في الدير. أوقفه أحد الأشخاص معلناً بفخر: “أبي ، أنا إنجيلي.”. نظر إليه الشيخ بدهشة وأجاب: “أنا أعرف أربعة إنجيليين فقط. فمن أين أتيت أنت؟” أذهَلَ هذا الرد غير المتوقع “الإنجيلي” وفيما كان الأب مبتعدًا، كان “الإنجيلي” لا يزال واقفاً هناك، لا يتحرّك من مكانه كما لو كان مزروعاً في تلك البقعة متابعًا الشيخ بعينيه حتى اختفى وسط الحشد

***

كثيراً ما سمعته يقول: “المراقص، دور العبادة الدهرية، أسواق نهاية الأسبوع،  كلها أفواه الجحيم. من يشترِ ويبِع يوم الأحد بدلاً من الذهاب إلى القداس الإلهي لن يجني ربحًا – فقط الضرر! هذا ما يقوله الآباء القديسون، وأؤمن بأنه صحيح!”

***

من أقوال الاب ثيوفيل أيضًا: “كان لدي الكثير من الرغبات في الحياة التي صليت من أجلها إلى الله، لكي يحققها إذا كانت ترضيه. أردت حقًا بناء كنيسة، لأننا سنحتفل بها هناك في الحياة وبعد الموت، طالما أن الكنيسة موجودة. حيثما يُقام القداس الإلهي يوميًا، تفيض بركات كثيرة من الله. كما تعلم، يقول آباء الكنيسة أن أعظم عمل صالح يمكنك القيام به في يوم واحد هو الذهاب إلى القداس الإلهي. وأشعر بالفرح عندما أرى ثلاث كنائس أقيمت وأرى أن الدورة اليومية من الخدم الإلهية يُحتفَل بها هناك وفقًا للترتيب الرهباني، مع القداس الإلهي… عندما زرتُ الأرض المقدسة أول مرة، رأيتُ كم كانت الخدم الإلهية في الليل رائعة ومفعَمة بالسلام. يقول الآباء القديسون أن صلاة الليل من ذهب، لأن الذهن لا ينزعج من الأفكار كما في النهار… إن تشتت الذهن في الصلاة يؤدي إلى برودة النفس، فلا تنال الروح نفسَ القدر من المنفعة كما عندما يكون العقل مجمّعاً في الصلاة وذرف الدموع… بعد عودتي من القدس، جمعت “الجنود” للتشاور معهم حول كيفية القيام بالخِدَم الليلية. لذلك بدأنا نقيم صلاة نصف الليل والسحرية في منتصف الليل. منذ ذلك الحين رأيت نعمة الله، فالجماعة قد نمت عددًا، وأرجو أنها نمَت أيضًا روحياً وماديًا”ـ

[1] صدر في 1959 قانون في رومانيا قضى بأن يعود كل الرهبان الذين لم يبلغوا عمر التقاعد إلى العالم، فيما تمّ تجميع الشيوخ في عدد من الأديار التي تمّ تحويلها إلى دور عجزة

 [2] جيش الرب (Oastea Domnului) كان تياراً نصف رهباني للإحياء الروحي في الشعب. لعب دوراً مهماً في تثبيت الأرثوذكسية في رومانيا منذ إنشائه في 1923. تعرّض للاضطهاد على يد السلطات الملحِدة بين 1948 و 1991

[3] الأمنيون هم العاملون في جهاز أمن الدولة في رومانيا (Securitate) الذي كان متسلطاً بين 1948 و1991.

[4] كوربي هي القرية الأقرب إلى الدير وفلاديستي هي مسقط رأس الشيخ ثيوفيل

* Source: “The World of Monks” (Lumea Monahilor), vol. 1, no. 1, July 2007

الأب يوحنا رومانيدس

الأب يوحنا رومانيدس

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

درس الأب يوحنا رومانيدس في المدارس اللاهوتية الأميركية (الصليب المقدّس ويال وكولومبيا والقديس فلاديمير وهارفارد). كان تلميذًا مخلصًا للأب جورج فلوروفسكي، لكن مسارَ حياتهما كان مختلفًا. الأب جورج فلوروفسكي شقّ طريقه من الشرق الأرثوذكسي إلى الغرب، بينما الأب يوحنا رومانيدس بدأ من الغرب ووصل إلى الشرق الأرثوذكسي، حاملاً التعبير عن الروح الآبائية والكنسية والفيلوكالية الحقيقية التي كانت الردّ على السكولاستية والأخلاقية في الغرب. ومع ذلك، تشارك المعلمان بالاهتمامات وتقاسما التوجّه نفسه.. ـ

إنها لحقيقةٌ أن أي شخص يقرأ أو يسمع الأب يوحنا رومانيدس يدرك أنه عبّر عن لاهوت وحياة آباء القرن الرابع: آباء الكنيسة الكبادوكيين العظماء ونساك الصحراء، كما نرى هذا اللاهوت في كتاباتهم وفي أقوال الآباء وآباء الصحراء. عاش الأب يوحنا رومانيدس في القرن العشرين بمثابة “بقيّة” من القرن الرابع، أو  بعبارة أكثر ملاءمة، كان لاهوتيًا من القرن العشرين وأستاذًا في مدرسة لاهوتية، لكنه مشدود إلى “الروح” الذي عبر عنه قديسو القرن الرابع

بالطبع، لا يعبّر الأب يوحنا رومانيدس عن لاهوت خاص به بل عن لاهوت الكنيسة. إنه يعتمد على خبرة الأنبياء والرسل والآباء المُصاغَة بالتطهّر والاستنارة والتمجيد والتي تُختَبَر في صلاة القلب النوسيّة ومعاينة الله. لا يرتبط هذا اللاهوت بالمذهب السكولاستي أو الأخلاقي الذي نما في الغرب وانتقل إلى منطقتنا من العالم أيضًا، إما مباشرة من الغرب أو عن طريق اللاهوت الروسي الذي وقع تحت التأثير الغربي ولا سيما في زمن بطرس الأكبر

إن مفاتيح اللاهوت التجريبي هي تقدم الإنسان من صورة الله إلى شبهه، من حالة كونه خادمًا إلى عامل بأجر وابنٍ، ومن التطهّر إلى الاستنارة والتمجيد، ومن المحبة الأنانية إلى المحبة المتفانية. إنه لاهوت الوحي المرتبط بتمجيد الإنسان، وقد تمّت صياغته لاحقًا في العقائد والتعليم لعلاج أعضاء الكنيسة الآخرين وتوجيههم. أساس اللاهوت الأرثوذكسي هو على هذا القدر من البساطة

تكلّم الأب يوحنا كأستاذ للعقائد، ولكن أيضًا كناسك. عند قراءة كلماته، رأيت أنه يملك الخبرة في الأمور الروحية، لكنني لست في وضع يسمح لي بالبحث في مدى أو درجة خبرته. يعبّر تعليمه عن لاهوت الكنيسة وهو بسيط للغاية. إنه يشير إلى سقوط الإنسان وخلاصه، ورؤية النور غير المخلوق ، والتعبير عن هذه التجربة والطريقة التي يكتسب بها الشخص الخبرة الروحية. نرى لديه دائرة على غرار ما نجد في أعمال الآباء القديسين. قال الأب يوحنا نفسه: “اللاهوت الأرثوذكسي دائري الشكل. إنه مثل الدائرة. أينما تلمس الدائرة، تعرف الدائرة بأكملها، لأن الدائرة بأكملها هي نفسها. كل شيء يقود إلى العنصرة: أسرار الكنيسة كالكهنوت والزواج والمعمودية والاعتراف وما إلى ذلك، وقرارات المجامع وغيره. هذا هو مفتاح اللاهوت الأرثوذكسي: العنصرة. لذلك فإن أي شخص يصل إلى التمجيد بعد يوم الخمسين يُقاد إلى كل الحقيقة” ـ

هذا يذكرنا بالنص الرائع المحفوظ في “اللاهوت الصوفي” للقديس ديونيسيوس الأريوباغيتي. هناك “يُقتبس عن بارثولوميوس الإلهي قوله إن “اللاهوت واسع ومحدود، والإنجيل واسع النطاق وعظيم، ومع ذلك مبيّن بإيجاز.” يضيف القديس ديونيسيوس: “الأمر الصالح للجميع هو بليغ وقليل الكلام، في الواقع بلا كلمات. لا كلمة له ولا فهم، لأنه فوق كل هذه بطريقة تتخطّى الكينونة، ويظهر بوضوح وصدق فقط لأولئك الذين يتجاوزون كل ما هو دنِس ونقي…”ـ

كلمات الأب يوحنا رومانيدس توضح لنا بالفعل أن اللاهوت واسع ومحدود؛ وافر ومَسرُودٌ باختصار؛ فصيح، متحفظ في الكلام وصامت. وهكذا، عند تقديم الموضوعات اللاهوتية، غالبًا ما يحللها مطولًا، لكنه في أوقات أخرى يكون مقتضبًا ومختصرًا. بهذا المعنى، اللاهوت الأرثوذكسي الذي ليس كلمة عن الله والأشياء الإلهية وحسب، بل هو أيضًا خبرة الله والأشياء الإلهية، بسيط وعميق في نفس الوقت. إنه يكرر نفسه لكنه مفهوم ضمناً أيضًا. يمكن التعبير عنه بشكل إيجابي وسلبي. إنه اختبار والإشارة إلى المعاينة التي فوق البصر والسمع البشريين والتي تسمو على البصر والسمع

يمكن ملاحظة تكرارات مختلفة في تعليم الأب يوحنا. هذا أيضاً يمكن تفسيره بالطابع الدائري للاهوت الأرثوذكسي، كما ذكرنا سابقًا. لا أحد يستطيع أن يتحدث عن سقوط الإنسان دون الإشارة إلى ظلمة النوس وفقدان الشركة مع الله. لا يمكننا مناقشة استعادة الإنسان وتجاهل التعليم عن التطهّر والاستنارة والتمجيد. من المستحيل أن نغرق بالاهتمام بتمجيد البشر وأن لا نعرف شيئًا عن إعلان الكلمة غير المتجسد والمتجسد. من غير المقبول الحديث عن الكنيسة من دون معرفة أن الأسرار المقدسة مرتبطة بتطهّر القلب واستنارة الروح والتمجيد

*  Μητροπολίτης Ναυπάκτου Ιερόθεος Βλάχος. Εμπειρική Δογματική της Ορθοδόξου καθολικής εκκλησίας – τόμος Α΄.Ι. Μ. Γενεθλίου της Θεοτόκου (Πελαγίας). 2003

المناولة المقدسة: دواء الخلود وترياق الموت

المناولة المقدسة: دواء الخلود وترياق الموت

هيئة اتحاد اللاهوتيين اليونانيين*

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

“أيّها الانسان ارعدْ عند نظرك الدم المؤلـّـِه لانه جمرة تحرق غير المستحقين. إن جسد الله يؤلِّـــهني ويُغذيني. يؤلِّـــه الروح ويغذّي العقل على منوال غريب.”

إذا عزمنا على المناولة المقدسة في اليوم التالي، فإننا نُدرِج في صلاة المساء السابق خدمة المطالبسي التي تتضمن الكلمات المذكورة أعلاه. إذا فهمنا حقًا ما نقرأه، فإننا ندرك كم هو ثمين السرّ العجيب والرهيب. تساعدنا المناولة المقدسة على بلوغ كمالنا وتمجيدنا بالنعمة. إنه جسد المسيح ودمه، الذي عندما نشترك به يوحّدنا مع ربنا الإله الإنسان (مرقس 22:14-23؛ متى 26:26-28؛ يوحنا 53:6-56؛ 1كورنثوس 27:11) ـ

المناولة المقدسة هي شركة حقيقية وليست رمزية. إنها اتحاد المسيحيين مع مخلصنا يسوع المسيح على وجه التحديد، إذ بحسب إيماننا الأرثوذكسي يتحوّل الخبز والخمر بقوة الروح القدس الإلهية إلى جسد ودم يسوع المسيح. الخبز والخمر في القربان المقدس ليسا رمزين، كما يعتقد البروتستانت، لكنهما في الواقع جسد ودم المسيح الحقيقيان

في هذا السر العظيم والرائع، عندما نشترك في جسد ودم المسيح، فإننا نشترك في ربنا الإله الإنسان نفسه، لأن طبيعته البشرية ولحمه ودمه متحدان أقنومياً مع لاهوته. ويترتب على ذلك أنه عندما يشترك المؤمنون في جسده الطاهر ودمه الكريم، نشترك أيضًا في طبيعة الرب الإلهية ونصبح بالنعمة آلهة بالحقيقة

وبما أن العلماء ومنهم أطباء يعارضون اليوم هذا السرّ العظيم الذي منحه الله لنا والذي يجعلنا نحن المسيحيين آلهة، وهم يحرّكون شبح التدنيس والوقاحة بالمعلومات الخاطئة التي تشير إلى أن من المحتمل جدًا أن تنتشر الفيروسات والجراثيم القاتلة عِبر المناولة المقدسة، فمن الضروري الرد على هذه الإهانة والافتراء الفاضح ضد إيماننا ورفضهما

كما ذكرنا، الإفخارستيا المقدسة هي مشاركة المؤمنين في جسد المسيح ودمه. يؤكد اللاهوت الأرثوذكسي أنه بسبب اتحاد المسيح لطبيعتيه الإلهية والبشرية في شخص واحد، فإن الطبيعة الإلهية تعطي أو “تمرر” مميزاتها (“كمالاتها”) إلى طبيعتنا البشرية وهي التحرر من الأهواء والخلود والبَرَكة وكل الخاصيّات الإلهية الأخرى. وعلى المنوال نفسه، عندما نشترك نحن المسيحيين في جسد الرب ودمه، فإننا حقًا نصير آلهة بالنعمة ونشترك في الكمالات الإلهية، دون أن نتوقف لحظةً عن كوننا بشرًا. فكيف هذا السر الأسمى، الذي يجعلنا آلهة، الذي يحيينا، وبنعمته نصير خالدين، يمكن أن ينشر أيضًا فيروسات قاتلة؟ الملحدون أو الهراطقة، ومنهم البروتستانت، هم وحدهم من ينكرون تحول القرابين الإفخارستية إلى جسد ودم المسيح ويسمحون لهذا الفكر المعاكس والتدنيسي بالتسلل إلى أذهانهم

بالحقيقة، يمكن أن تؤذينا المناولة المقدسة لأنها “نار تحرق غير المستحقين”، أي الخطأة غير التائبين. مع ذلك، هذا الأذى ليس بسبب الجراثيم والفيروسات بل بسبب تقدّمنا من السر العظيم دون أن نتوب ونحصل على مغفرة خطايانا من معرّفِنا. في هذه الحالة، بدلاً من أن تكون الإفخارستيا الإلهية عاملاً للحياة الأبدية الخالدة، تصبح مصدراً للأمراض وربما لموت الجسد، كما يؤكد لنا القديس بولس بشكل لا يقبل الجدل (1 كورنثوس  27:11-30). لذا من الواضح أن سبب أي ضرر محتمل هو افتقارنا للندامة وعنادنا الروحي وانعدام الحس لدينا وليس أي جراثيم.

يقيم كهنتنا الإفخارستيّا الإلهيّة (القداس الإلهيّ) وجميع الأسرار المسيحيّة داخل الكنائس المقدّسة، بحضورٍ ومشاركة المؤمنين شخصيّاً. لا يمكن بأي شكل من الأشكال استبدال القداس الإلهي بالصلاة الفردية في المنزل، والتي على ضروريتها، ليست بديلاً عن القداس الإلهي. لهذا السبب، في أوقات اضطهاد الكنيسة القاسي (زمان الإمبراطورية الرومانية، الحكم التركي، أو الشيوعية الملحدة)، كان المسيحيون يذهبون سراً إلى سراديب الموتى أو إلى الكنائس القليلة التي ظلت مفتوحة، بما في ذلك من الخطر على حياتهم، للاشتراك في القداس الإلهي وتناول الأسرار الطاهرة

إن الإفخارستيا الإلهية هي السر المركزي لكنيستنا التي تشكّل جسد المسيح لأنها توحّدنا به وتجعلنا “مشاركين في الطبيعة الإلهية” (2 بطرس الثانية4:1). كما أنها تجعلنا كيانًا واحدًا فيما بيننا، في جسد المسيح الفائق القداسة، أي الكنيسة، وتكمّلنا كأقرباء حقيقيين لبعضنا البعض في المسيح. في الكنيسة الأرثوذكسية، علاقتنا مع الله ليست فقط روحية – نسكية – فردية، كما هو الحال مع الصلاة، بل هي أيضًا مرئية وجسدية من خلال اجتماع جميع المؤمنين معًا، في القداس الإلهي والمناولة المقدسة. لهذا السبب، بدون القربان المقدس والأسرار المقدسة الأخرى، لا تحقق الكنيسة مهمتها في تقديسنا وجعلنا آلهة بالنعمة

في كل زمن، نذهب نحن المسيحيين إلى الكنيسة بالاستعداد المناسب لنشترك في العشاء الأخير للرب أي القداس الإلهي. نحن نقوم بذلك بشكل خاص في وضعنا الحالي، بالرغم من تدخّل بعض موظفي الدولة والعاملين في وسائل الإعلام محاولين نشر الخوف البشري بيننا بالادّعاء بأن المشاركة في المناولة المقدسة تحمل معها خطر الإصابة بفيروس كورونا. إن الذين يقبلون ويحتضنون هذه الدعاية الخبيثة ضد كأس المناولة الإلهية المقدسة يقوّضون حياتهم الروحية ومستقبلهم الأبدي. هذا لأنهم، بعدم طاعتهم للمسيح، الذي طلب منا إقامة القداس الإلهي والمناولة، يغلقون باب الحياة الأبدية الذي فتحه لنا يسوع المسيح. إنهم يخشون من أنهم، بدلاً من الحصول على موهبة التقديس والخلود من خلال جسد الرب الثمين ودمه،  يتعرضون للعدوى والموت

أما موظفو الدولة، فنطلب منهم عدم إغلاق كنائسنا مرة أخرى. إذا كانوا لا يريدون احترام تقاليدنا المقدسة، فعلى الأقل فليحترموا الدستور الذي أقسموا على دعمه وهو ينظّم العلاقة بين الكنيسة والدولة بوضوح كبير: بحسب الطابع البطريركي لعام 1850، والذي تم دمجه في الدستور باعتباره المادة 3 ، فإن “السلطة الكنسية العليا أي المجمع المقدس لكنيسة اليونان يدير الشؤون الكنسية وفقًا للشرائع الإلهية المقدسة، بحرية ودون عوائق بأي تدخل علماني”

لذلك ندعو كل  الذين يرغبون في اختبار استمرار حياة قديسي كنيستنا إلى الحضور إلى كنائسنا بخوف الله وإيمان ومحبة، وبجرأة على التغلب على مخاوف البشر. وكما نقول في صلاة المناولة: “إقبلني اليوم شريكًا لعشائك السريّ يا ابن الله. لأني لن اقول سرّك لأعدائك. ولا أُقبّلك قُبلة غاشّة مثل يهوذا. لكن كاللص اعترفُ لك هاتفاً: أذكرني يا ربّ في ملكوتك.”

* تأسس اتحاد اللاهوتيين اليونانيين عام 1950 لتوحيد وتنظيم وتنسيق النشاط العام لخريجي المدارس اللاهوتية في اليونان، ومنهم إكليروس من كافة الرتب وعلمانيين. كان قد سبق قيام الاتحاد محاولات منها “الجمعية اللاهوتية الأرثوذكسية” إلا أنها لم تلقَ الاستجابة المناسبة. والاتحاد هو بمثابة هيئة نقابية علمية تحرص على العمل على نشر الإيمان على أساس اللاهوت الصحيح حفاظاً على الفضاء الروحي في البلاد. يضم الاتحاد في صفوفه العدد الأكبر من اللاهوتيين الأرثوذكس اليونان ويواصل نشاطه منذ تأسيسه. للاتحاد عدد من النشرات وهو ينظّم مؤتمرات مختصة دورياً ويصدر بيانات تعليمية باستمرار

الحياة بالمسيح كل يوم

الحياة بالمسيح كل يوم

المتقدّم في الكهنة جورج كوستانتوبولوس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

يوجد هذا المفهوم الخاطئ المستمرّ حول الطريقة التي يجب أن يعيش بها المسيحيون الأرثوذكسيون، مع خطوط غير واضحة من الخلط بين ما هو الصواب وما هو الخطأ من حيث الممارسة. كمسيحي أرثوذكسي، ينبغي التشديد على اكتساب التواضع والصبر من خلال الصلاة المستمرة والتوبة والمحبة لبعضنا البعض. لسوء الحظ، فإن هذه الحقبة الحالية من الوجود بعيدة عما هو متوقَّع منا لا فقط كمسيحيين، بل أيضاً  كمجموعة كاملة من البشر. من خلال الانفجار السريع للتقدم التكنولوجي واكتشافات العلوم الطبية والسلوك الاجتماعي، الناس تائهون جداً، ما يبعدهم كثيراً عن الله. مع كل الشواغل الموجودة اليوم من السهل جدًا أن تسود الماديات بدلاً من الروحيات

يفضّل الناس البقاء في المنزل صباح يوم الأحد للنوم لفترة إضافية أو لمشاهدة مباراة كرة قدم. آخرون يكونون مترددين بشأن حضور قداس الأحد، فيمنحون أطفالهم الخيار، ما إذا كانوا يريدون الذهاب إلى مدرسة الأحد أم لا، كمحاولة “لإغفال” الكنيسة في ذلك اليوم. كما أن هناك أشخاصًا يتوقفون عن الذهاب إلى الكنيسة كلياً، لمجرد أنهم لا يشعرون بالحاجة إلى الذهاب. الجزء المحزن في كل هذه السيناريوهات هو أنها تُعتبر سلوكًا “معياريًا”، وهؤلاء الأفراد لا يرون أي مشكلة في ذلك على الإطلاق

إن التحول الهائل في القيم والتقاليد لدى معظم العائلات مقلق للغاية. إن تجريد ربنا من أن يكون مركَزًا في حياتنا هو ممارسة خطرة. أن تكون مسيحيًا أرثوذكسيًا ليس مجرد تجربة لمرة واحدة في السنة أو وقتَ عبادة فردية في المنزل. السلوك كمسيحي أرثوذكسي هو طريق ثابت لا ينتهي، مع ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي يقود طريقنا بحسب إرادته لا إرادتنا

بسبب الانقطاعات العديدة الموجودة في يومنا الحاضر، ننسى سبب وجودنا هنا. نحن لسنا أحياء لتحقيق الميل نحو المتعة الذي أغرق الأجيال الجديدة من البشر. نحن ملح الأرض الخاطئ وينبغي أن نحاول النمو في المسيح والسلوك خطوة خطوة في كل مرة. المشكلة الرئيسية التي نواجهها ليست فقط مذهب المتعة بل أيضًا اللامبالاة. يبدو أن الناس لا يهتمون كثيرًا بهدف أو معنى أي شيء. البعض يريد فقط أن يأخذ من الحياة كلّ ما يمكنه أخذه دون نيةٍ لردّ أيّ شيء

الذهاب إلى الكنيسة مرة واحدة في الأسبوع هو أقل ما يمكن للمسيحيين الأرثوذكسيين القيام به لممارسة إيمانهم. إنه لأمر مدهش ما يمكن أن تفعله خدمةٌ ليتورجية واحدة في شخص ما. ربما قراءةٌ من إنجيل أو رسالة واحدة من بولس الرسول، أو حتى عظةٌ كاهن، يمكن أن تحدِث فرقًا. يمكن أخذُ عبارة أو رسالة بسيطة من تلك الزيارة التي تتم مرة واحدة كل أسبوع إلى بيت الله. كل هذا يبدو بسيطاً جداً ومع ذلك، لماذا من الصعب القيام بذلك؟

فقط من خلال ربنا يسوع المسيح، يمكن أن يُغفَر لنا ويُسمح لنا بالدخول إلى ملكوت الله. ومع ذلك، لدينا عمرٌ واحد فقط للحصول على هذا الحق! الملكوت هو شرف ونعمة مُنحا لنا وليسا استحقاقاً. مجرد أن تكون مسيحياً أرثوذكسياً لا يعني ضمناً الغفران الكامل للخطايا إذا لم تمارس الإيمان بنشاط على هذا الأساس

أيها الأحباء علينا أن نفهم أن هذه الحياة مؤقتة فقط. يمكن أن يمنحنا الله الحياة بنفسِ السرعة التي قد يسلبها منا. توبوا عن خطاياكم وكونوا صادقين في اعتذاراتكم. تأكدوا من معاملة الآخرين بكرامة واحترام، دون توقع أي شيء في المقابل. قبل كل شيء، يجب أن تحبّوا الرب يسوع المسيح من كل قلبكم وعقلكم وقوتكم. لا تنسوا كلّ ما فعله يسوع من أجلنا، وضعوا فيه رجاء خلاصنا

Source: St. Andrew Greek Orthodox Church

التي لكَ مما لكَ

التي لكَ مما لكَ

الأرشمندريت نيكن كوتسيذيس

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

فيما كان يسوع ذاهباً إلى أورشليم، أراد أن يتوقّف في قرية سامرية. أرسل رسلاً ليهيئوا لوصوله، لكن السامريين لم يكونوا يرغبون باستقباله لأنه كان على طريقه إلى أورشليم. “فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، قَالاَ: «يَا رَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟» فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ»” (لوقا 54:9-56).

هذا ما يحدث غالباً حين نعتقد بأننا نعمل بحسب مشيئة الله، فيما بالحقيقة نحن نرتكب خطأً كارثياً ونطلب أموراً هي ضد هذه المشيئة. فإذا كان ممكناً أن يرتكب الرسل هذا الخطأ فكم بالحري يكون ممكناً هذا لنا. لهذا من الضروري أن نعرف عند كل مناسبة: ما الذي نطلبه من المسيح وكيف نطلبه؟ ما نقدّمه نحن للمسيح وكيف نقدّمه؟

في منتصف القداس الإلهي، مباشرة قبل مباركة الخبز والخمر ليتحوّلا إلى جسد المسيح ودمه، يعلن الكاهن: “هذه نقدمها لك مما لك، عن كل شيء ومن جهة كل شيء”. هذا الكلام معناه: “التقدمة، أي الخبز والخمر، هي لك، من خليقتك، التي هي كل العالم. نحن نقدمها لك على حسبِ ما علّمنا ابنك، في كل الأشياء، ومن أجل كل ما عمِلتَه لنا، أي كل الأشياء”

إذاً، لا يكفي لنا أن نقدّم تقدماتنا لله وكأننا نتممّ بعض الواجبات، أو لنطلب شيئاً ما. نحن نقدّم تقدماتنا للمسيح: لكي نعبّر له عن شكرنا وامتناننا لكل ما عمله وتحمّله من أجلنا، تحديداً الصليب والقبر والقيامة. ولأنه أوصانا وعلّمنا أن نقوم بذلك

يقول السيّد: أولاً يأتي الغفران والمصالحة مع مَن عندهم شيء ضدنا. من ثمّ تأتي التقدمات المادية أو الروحية للمسيح. كل صلاة من قلب مفعَم بالشر لا تصعد إلى السماوات. إن اشتراكنا بالقداس الإلهي يتطلّب جهداً: تقويم أهوائنا والاعتراف إلى مرشد روحي. عندها فقط، إذا كنا مُرضين حسناً للمسيح، يمكننا أن نطلب إليه بجرأة وحرية تعبير

Source: pemptousia.org