السنة الرابعة عشرة، العدد السابع، نيسان 2018

السنة الرابعة عشرة، العدد السابع، نيسان 2018

مختارات آبائية

القديس لوقا رئيس أساقفة القرم، عظة في أحد توما

الميتروبوليت أنطون بلوم، عظة في أحد السامرية

إجابات الراهب سمعان الأثوسي الحكيمة

حياة روحية \ لاهوت

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، عمل المسيح على الصليب

خريستوس كاراذيموس، السمات المميّزة للروح الأرثوذكسية

سرجيوس ساكوس، لا نريد القيامة

رعائيات

الأب أنطوان ملكي، عن الاستبداد

دراسات كتابية

الأب أنطوان ملكي، حول إنجيل السامرية

مسكونيات

المتقدم في الكهنة بيتر هيرز، حول الهوية الأساسية للمسكونية والعرقية الوطنية

عظة في أحد توما

عظة في أحد توما

القديس لوقا رئيس أساقفة القرم

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

لقد كان صعباً على الرسل، لا بل فائق الصعوبة، التصديق بأن السيد يسوع المسيح قد قام. لقد اعتبروا كلام حاملات الطيب اللواتي جلبن الخبر لهم كذباً. عندما ذهبوا إلى الجليل، إلى الجبل كما أمرهم يسوع، ورآه البعض سقط أرضاً وقدّم له العبادة بينما وقف آخرون متسمّرين ولم يصدقوا عيونهم. عندما ظهر لهم يسوع وهم مجتمعون في العلية في أورشليم، ظنّوا أنهم يرون روحاً.

أقوى من كل شيء آخر كان عدم إيمان الرسول توما الذي طلب أن يضع أصبعه على الجراح التي من المسامير على يدي السيد ورجليه وأن يضع يده على جنبه قبل أن يؤمن. لماذا واجه الرسل هذه الصعوبة في الإيمان وقد رأوا بأعينهم؟ لقد رأوا المسيح يقيم ابن أرملة نايين وابنة ياييروس وحتّى لعازر بعد موته بأربعة أيام.

في نهاية المطاف، هذه كانت أعمال صانع معجزات عظيم جداً، والاموات لم يقوموا بقوتهم الذاتية. لكن الاعتقاد بإمكانية عودة جثة إلى الحياة بنفسها، بقوتها الذاتية، كان أكثر صعوبة بما لا يقاس. إذاً، كان من الصعب جداً على رسل المسيح أن يؤمنوا حتّى بما رأوه بعيونهم. أمّا بالنسبة لنا نحن الذين لم نرَ لا يسوع الحي ولا يسوع القائم، أهو أصعب أو أسهل تصديق ما نقرأه في الأناجيل وكتابات الرسل القديسين؟ بالطبع ، إنه أسهل، أسهل بكثير لأن الكثير من الحقائق والأحداث التاريخية تقنعنا بما لا يحمل الشك بحقيقة قيامة المسيح.

ما الذي يمكن قوله عن حقيقة أن وعظ الصيادين الجليليين الأميين وخلفائهم على مدى بضعة قرون غلب كامل العالم المأهول في ذلك الوقت ليس فقط اليونانيين المثقفين والرومان وحسب، بل حتّى الجرمان أنصاف الهمجيين، الغاليين، السلتيين، ووجّه ضربة قاتلة للوثنية؟ هل كان هذا ممكنًا لو لم يقم المسيح؟ ألم يكُن الوعظ عن أن المصلوب هو ابن الله ليُقابَل في كل مكان بالسخرية؟ أكان من الممكن فهم كيف أن عشرات الآلاف من الشهداء ذهبوا إلى التعذيب المرعب والموت الفظيع لو لم يؤمنوا بقيامة المسيح ولم يشتعلوا بمحبة غالب الموت؟ أكان ممكناً الجهاد النسكي بالصوم والصلاة الذي قام به النساك الذين لا يحصَون من أجل معرفة الربّ يسوع المسيح واكتساب فكر السيد المسيح؟

ملايين فوق ملايين من الناس من كل الأعمار والأجناس كانوا مسيحيين حقيقيين، خاصةً خلال العصور الأربع عشرة الأولى لميلاد المسيح. ومع ذلك، بالرغم من قوة وعظ المسيح وأعماله، وبالرغم من أن موت ابن الله على الصليب وقيامته من الأموات هزتا العالم، لم يؤمن به الجميع. ها هو بين رسل الرب يسوع المسيح ومعاصريه مَن لم يؤمن به، حتى أغلبية الشعب اليهودي المختار من الله.

عدم الإيمان، الذي تناثر كمثل موجة ضخمة فوق دولنا الحديثة في أوروبا وأمريكا، وجميعها كانت مسيحية في السابق، ينمو وينتشر. بالطبع لم يبدأ الأمر خلال عصر نهضة العلوم والفنون، وليس مع فولتير والموسوعيين الأخرين، بل في وقت سابق بما لا يقاس، بالفعل خلال القرن الأول لميلاد السيد المسيح.

ما معنى هذا؟ هذا يعني أن ربنا وسيدنا يسوع المسيح لا يجذب قلوب الناس إلى نفسه بالقوة، وهو أمر قادر على فعله بالطبع بقوته الإلهية، بل هو يبحث عن المحبة والإيمان الطوعي. ليس كل قلب يقبل وصاياه العظيمة بفرح. الناس الفخورون والمستبدون يضحكون على وصايا فقر الروح والوداعة والرحمة. إنهم حتّى لا يفكرون في حقيقة الله الأبدية السامية، لا يريدون سوى سماع أن العلاقات الاجتماعية صائبة، ولا يعتبرون مثالاً أعلى إلا العلاقات المضبوطة بين الأمم.

أيرغب كثيرون في أن يُضطهَدوا من أجل البر، وأن يُعَيَّروا ويُطرَدوا من أجل المسيح؟ هل كثيرون يدخلون عبر الأبواب المستقيمة على الطريق الضيق، ليتمكنوا في نهاية طريقهم الصعب من سماع النداء المبارك: تعالوا ، يا مباركي أبي، رثوا الملك المُعَدّ لكم منذ كون العالم (متى 24:34)”؟ ماذا سيقول لك العالِم إذا حاولت أن تبشره بالمسيح؟ بالطبع سوف يرد بضيق: “لا تزعجني، فأنا مشغول بعلمي، لأن بالنسبة لي كل الحقيقة موجودة فيه“. يتحدث الرسول بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس عن الحكماء والمتبصّرين الذين رفضوا الإيمان بالله من أجل العلم: “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌسَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ». أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟ لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ. لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ. لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ! فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ” (1كورنثوس 18:1-28).

حتى أثناء حياته الأرضية، دعا ربنا يسوع المسيح أولئك الذين يؤمنون به القطيع الصغير“. لا تقلقوا من هذا، بل افرحوا. وأعلموا أن المنتمين إلى هذا القطيع على مرّ العصور وإلى يومنا هذا هم عدد كبير جدًا من العلماء والباحثين والفلاسفة المهمّين الذين استطاعوا الجمع بين إيمانهم بالعلوم وإيمانهم السامي بالله ومسيحه. وأمّا الذين يرفضون الدين على أساس البيانات العلمية، فإن الغالبية العظمى منهم في الحقيقة لا علاقة لها بالعلوم وتحكي عنها كإشاعات.

أما بالنسبة لكم، أيها الشعب البسيط غير المتعلم فدعوا كلمات المسيح تكون دعماً قوياً: ما لم تتغيّروا وتصيروا كأصغر الأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات (متى 3:18).

عظة في أحد السامرية

عظة في أحد السامرية

الميتروبوليت أنطون بلوم

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

لم يعطنا الكتاب المقدس اسم المرأة السامرية، لكنها في اليونانية فوتيني وفي الروسية سفتلانا وفي السلتية فيونا وفي لغات الغرب كلار. وكل هذه الأسماء تحدثنا عن النور.

بعد التقائها الرب يسوع المسيح صارت نوراً مشعاً للعالم، نوراً ينير الذين يلتقونها. كل القديسين هم لنا أمثلة؛ لكننا لا نستطيع دوماً أن نحاكي الطرق الملموسة التي عاشها القديس، لا يمكننا دائماً أن نكرر طريقهم من الأرض إلى الملكوت. لكن يمكننا أن نتعلم من كل واحد منهم أمرين. الأول هو أننا بفضل الله يمكننا تحقيق ما يبدو مستحيلاً إنسانياً؛ أي أن أصبح شخصًا في صورة الله ومثاله، أن أكون في عالم الظلام والمأساة التي هي في قوة الأكاذيب كلمة حق ، علامة أمل ، يقينًا أن الله يستطيع أن ينتصر بمجرد أن نسمح له بالوصول إلى أرواحنا. لأنه إذا لم يثبت ملكوت الله في داخلنا، إذا لم يتتوج الله في أذهاننا وقلوبنا، ناراً تدمّر كل شيء لا يليق بنا وبه، لا يمكننا أن ننشر نور الله حولنا.

أما الأمر الثاني الذي يمكن أن يعلّمنا إياه القديسون فهو فهم الرسالة التي تنقلها أسماؤهم إلينا. اسم المرأة السامرية اليوم يحكي عن النور. لقد قال المسيح أنه نور العالم، النور الذي ينير جميع الناس. ونحن مدعوون لإيواء هذا النور في نفوسنا وعقولنا وقلوبنا في الواقع ، في كلّ داخلنا؛ حتى قول المسيح فليضيء نوركم أمام جميع الناس، الذين يرون أعمالكم الصالحة فيمجدون أباكم الذي في السماوات، يمكن تحقيقه وإنجازه فينا ومن خلالنا.

فقط من خلال رؤية أفعالنا، من خلال رؤية أسلوب حياتنا، يستطيع الناس أن يؤمنوا بأن النور هو نور الله، لاس في كلماتنا ما لم تكن كلمات حقيقة وقوة كأقوال الرسل أو المسيح نفسه في الواقع. ولنفكّر، كل واحد منا، بمعنى اسمنا وبالطريقة التي يمكننا بها أن نصبح ما نسمّاه.

جاءت المرأة السامرية إلى البئر بدون أي هدف روحي. جاءت ، كما كانت تأتي يومياً، لجلب الماء، وقابلت المسيح. يلتقي كل واحد منا بإلهنا في أي مرحلة من حياتنا، عندما نكون في مهماتنا الأكثر خصوصية، إذا توجهت قلوبنا في الاتجاه الصحيح، إذا كنا مستعدين لتلقي رسالة، للاستماع؛ وفي الواقع لطرح الأسئلة!

لأن المرأة السامرية سألت المسيح سؤالاً، فما سمعته تجاوز سؤالها حتى رأت فيه نبياً، ومن ثمّ المسيح ، مخلص العالم. لكن لا ينبغي وضع الضوء تحت المكيال. بعد أن اكتشفت أن النور قد جاء إلى العالم، وأن كلمة الحقيقة الإلهية كانت مدوية وسط البشر، وأن الله كان بيننا، تركت وراءها كل المخاوف وركضت لتشارك الفرح وروعة ما اكتشفته مع الآخرين. أحضرت مواطنيها إلى المسيح. أخبرتهم أولا لماذا صدّقت؛ وعندما أتى بهم الفضول إلى المسيح، أو قوة الإقناع في كلماتها، أو التغيير الذي حدث فيها، فقد رأوا بأنفسهم، وقالوا لها: لم يعد ما تقولينه سبب إيماننا، فقد رأينا وسمعنا.

هذا ما تعلّمنا إياه المرأة السامرية: أن نكون منفتحين في كل لحظة من الحياة، أثناء انشغالنا بأبسط الأشياء، لنستقبل الكلمة الإلهية، لنستنير بالنور الإلهي، لنتطهّر بنقاوته، لنستقبله في أعماق نفوسنا، لنستقبله بكل حياتنا، حتّى يرى الناس ما أصبحنا ويؤمنوا بأن النور قد أتى إلى العالم.

لنصلِّ إلى المرأة السامرية لتعلِّمَنا، لترشدنا، لتجلبنا إلى المسيح بالطريقة التي جاءت هي بها، فنخدمه بالطريقة التي خدمته هي بها، لأنها كانت خلاصاً لكل الذين أحاطوا بها. ولتكُن بركة الله عليكم، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى دهر الداهرين! آمين.

إجابات الراهب سمعان الأثوسي الحكيمة

إجابات الراهب سمعان الأثوسي الحكيمة

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

مَن هو المعلم الأفضل؟ الألم

مَن هو المعلم الأسوأ؟ اللذة

ما هي أكثر المهارات ندرة؟ العطاء

ما هي أفضل المهارات؟ الصفح

ما هي أصعب المهارات؟ الحفاظ على الهدوء

ما هي أهم المهارات؟ القدرة على الطلب

ما هي المهارة الصحيحة؟ الاستماع

أي هي المعركة الأكثر خطورة؟ التعصب

أي هي العادة الأكثر ضررًا؟ الثرثرة

من هو الشخص الأقوى؟ القادر على فهم الحقيقة

من هو الشخص الأضعف؟ من يعتبر نفسه الأقوى

أي نوع من الأشخاص هو الأكثر حساسية؟ من يراقب قلبه

أي هو التعلّق الأكثر خطورة؟ التعلّق بالجسد

من هو الأكثر فقراً؟ الذي يحب المال أكثر

أي إنسان أقرب إلى الله؟ الرحيم

من هو الشخص الأضعف؟ الفائز على الآخرين

من هو الشخص الأقوى؟ الفائز على نفسه

كيف يُقاوم الاضطراب؟ بالبهجة

كيف يُحتَمَل الألم؟ بالصبر

ما هي علامة الروح الصحيحة؟ الإيمان

ما هي عوارض روح المرض؟ اليأس

ما هي علامة الأعمال الخاطئة؟ السخط

ما هي علامة الأعمال الصالحة؟ عالم الروح

عمل المسيح على الصليب

عمل المسيح على الصليب*

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

يوم الجمعة العظيم، بالاقتران مع قيامة المسيح، هو يوم انفجار روحي، هو بيغ بانغ روحي، لم يخلق كونًا مبنيًا ولا صار مبدأ الحياة العضوية، بل خلق حالة مستوحاة من الخليقة الجديدة والولادة الجديدة.

إن الترانيم التي ننشدها في هذه الأيام، خاصة ليلة الجمعة العظيم، فيها مزيج من الإذلال والمجد، الجلال والإفراغ، والقوة والحنان. كل هذا يبدو متناقضًا ، لكنه يخلق تناغمًا يحرّك الجميع لأي مجموعة انتموا.

ترِد في إحدى تقاريظ جناز المسيح واحدة من أكثر الصفات إشارة إليه، وفيها:
كمثل البجعة، جُرحت في جنبك، وأعطيت الحياة لأبنائك المحتضرين، منقّطاً لهم قطرات الحياة[غير موجودة في العربية]

بحسب التقليد، عندما تحقن الحية السامة القاتلة السم في فراخ البجعة وتموت، تثقب البجعة جنبها ويجري منه الدم، فتستقطره إلى فراخها وتنعشهم فيما هي تموت. تُظهر هذه الصورة عمل المسيح على الصليب. الناس أموات بسمّ الموت والخطيئة والشيطان، فتبرّع السيد المسيح بدمه لنا، لمحاربة الموت والخطيئة والشيطان، ولإنعاشنا. وهكذا أصبح موته حياةً لنا.

هذا هو عمل الكنيسة. تحتضن العالم كله، بغض النظر عن العرق والإثنية واللون واللغة والجنس والعمل، وتعطيهم دم المسيح وكل حياة قيامته، للقضاء على السم الذي تعرضه عليهم قوات الشر القديمة والحديثة.

الإنسان اليوم مسموم بشكل مستمر من الصيغ الجديدة التي تضلله خارجياً، ومن أوهام الحياة، ومن الواقع الافتراضيالقاتل الذي هو جحيم حديث. إنها العقلانية والإثارة والأوهام التي يتم تمويهها خارجيًا بغطاء حلو، مما يخلق إحساسًا بالمتعة، ولكنه يشير إلى المعاناة والألم والفراغ واليأس الأجوف. إن الإنسان يعيش في عالم مزيف في واقع افتراضي“.

إن مصدر الطاقة الذي يغذي هذا الواقع الافتراضي هو حب الذات والغرور والغطرسة والأنانية، وعندما يتم إغلاق هذا القابس يدخل الإنسان في مأساة هي مأساة الفراغ. إن مجتمعنا قاسٍ ومريض وخطير يخفي ثعابين رنانة سامة تسبب الموت للإنسان. لذلك نحن بحاجة إلى نقل دم من المسيح ، الذي يموت من أجلنا لنحيا.

في الوقت نفسه، يحتاج مجتمعنا المسموم إلى أشخاص ذوي رؤية، أصحاب نظر قادرين على معالجة هذه الثعابين السامة الكامنة في كل مكان ناشرة الموت الروحي والنفسي، وإعطاء الناس الرجاء والقوة والشجاعة، والمعنى للحياة، والأكثر أهمية هو حماية الناس من الواقع الافتراضيالخطير الذي هو وهم مميت.

* من عظة في يوم الجمعة العظيم في إحدى ضواحي نافباكتوس

(Μεγάλη Παρασκευή, 18-4-2014. Λόγος στήν Περιφορά τῶν Ἐπιταφίων στήν Ναύπακτο )

السمات المميّزة للروح الأرثوذكسية

السمات المميّزة للروح الأرثوذكسية

خريستوس كاراذيموس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

[الروح هنا هي Ethos وهي كلمة يونانية تعني الشخصيةالتي تستخدم لوصف المعتقدات أو المثل التوجيهية التي تميّز المجتمع أو الأمة أو الأيديولوجياالمترجم]

كلمة السر عند المؤمنين الأرثوذكس هي المسيح هو الكل وفي الكل” (كولوسي 11:3) ، إن لم يكن كل جانب من جوانب حياتنا غارقاً في المسيح، يكون منقسماً بطريقة غير مقبولة إلى ديني وغير ديني. يوجد مثل هذا الانفصال في الديانات الوثنية. التدين هو اقتصار الحياة على زمن الهيكل والتقدمة والعبادة. هذا التدين هو أحد جوانب أسلوب حياتهم. ما تبقى من حياتهم، الفردية والاجتماعية، مستقلّ. وبالتالي يمكن تقسيم نمط حياتهم إلى ديني أو غير ديني، تماماً كما تنقسم حياة الناس الذين يشغلون مناصب عامة إلى عامة وخاصة.

يؤدّي هذا الانقسام إلى فكرة الواجبات الدينية، وهي التزامات تجاه العنصر الإلهي، ولا علاقة لها بالتزامات تجاه الآخرين. إن هذا التديّن المتشرذم المفكك يولّد شكلِيّين، يؤمنون بأن الحياة الدينية محصورة فقط بالهيكل، ليس بالمنزل أو بمكان العمل أو بالسوق أو محاكم القانون أو سرير المرض أو زنزانة السجناء، إلخ. من الناحية الأخرى، الروح الدينية الأرثوذكسية هي تألّيهكلِّ حياتنا وتقديس كلّ جوانبها وتجميلها تحت التأثير المجدّد للمسيح بنور السماء.

لتحقيق ذلك ، نحن بحاجة إلى دراسة مستمرة وصلاة غير منقطعةوحياة الأسرار المقدسة. أول اسم للمسيحيين كان التلميذ” [discipulus = student]. يجب أن يكون المؤمنون الأرثوذكسيون اليوم أيضًا تلاميذ يسعون لتنوير مشاكلهم اليومية من خلال دراسة كلمة الله والفكر الآبائي. على وجه الخصوص، ينبغي أن تحفِّز الصلاة جميع جوانب حياتنا.

إن النعمة الإلهية المعطاة لنا بالأسرار يجب أن تدعونا كل يوم لنصبح حقاً ملح الأرضو نور العالم“. لا يمكن تصوّر مسيحيين حقيقيين لا يحاولون أن يتزيّنوا بالفضيلة، أقلّه، على سبيل المثال، فضيلة العدالة والنزاهة. هذا يجب أن يمسّ جميع علاقاتنا وتفاعلاتنا. يجب علينا جميعاً أن نجوع ونعطش إلى البِرّ، ليس فقط بالمعنى التقني، بل أيضاً بالمعنى الخاص للخضوع للعدالة، لقوانين الدولة.

إن الناس المتشظّين بالمعنى الروحي لا يهتمون بشكل خاص بالتوافق مع قوانين الدولة. إنهم يعتبرون الدولة شيئًا خارج نمط حياتهم الديني وبالتالي خارج احترامهم. وبالطبع ، فإنهم يحترمون القوانين التي تهدف إلى الحفاظ على الوصايا العشر، لكنهم لا ينخرطون بشكل خاص في قوانين أخرى كالضرائب أو الإدارة إن النزاهة والاجتهاد مفتقدَتان أحيانًا إلى حدٍ لا يتحمله حتّى الوثنيون“. الضمير المهني، بمعنى أن على المسيحيين أن يعطوا قدر استطاعتهم في عملهم، ليس متطوراً إلى حد كبير ويطغى عليه الاهتمام بالشبث والكمون، ويرتبط بالصلاة والضمير [ 1].

ثم ماذا نقول عن فضيلة المحبة؟ تاريخ المسيحية في هذا الموضوع هو الأكثر تنويرًا. هذه الفضيلة هي السمة المميزة للمسيحيين الأرثوذكسيين على مر القرون. منذ العصور القديمة ، سلّم الكثير من المسيحيين أنفسهم للخدمة مقدّمين ثرواتهم، وأطعموا الآخرين [2]. في كثير من الأحيان ، وفّر المسيحيون الأموال المتراكمة بالعمل الصادق ، واستخدموها لشراء [حرية] القديسين وإنقاذ العبيد والسجناء والأسرى والمظلومين والمدانين ومَن مثلهم [3]. عندما، على سبيل المثال، في زمان ماكسيميان، تفشّى الطاعون والمجاعة، المسيحيون كانوا الوحيدين الذين قدموا رعاية المحبة من دون تمييز لجميع الذين كانوا يعانون إلى درجة أن الوثنيين أنفسهم مجّدوا الله بسبب المسيحيين.

أهكذا يشتعل قلبنا بمحبة القديسين باسيليوس الكبير، يوحنا الذهبي الفم، يوحنا الرحوم، ثيوذوسيوس، أفرام السوري، أولمبياذا، فيلوثاي وغيرهم من أبطال وبطلات الإيمان والحياة الأرثوذكسيين؟ أم أننا نحصر النظرة الأرثوذكسية بالمشاجرة حول الاختلافات في المواضيع التقليدية من دون مضمون؟ لا يمكن أن نكون مؤمنين أرثوذكسيين حقيقيين إذا كنا نحتمل محنة الأطفال الذين يعانون من نقص التغذية وكل أشكال التعاسة الأخرى في محيطنا. لا يمكن أن نرتاح بسهولة عندما يعيش الآخرون بعيدًا عن المسيح، ويحصدون الاضمحلال والفساد بينما نحن لا نبالي بهم. “مَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌإِنْ قَالَ أَحَدٌإِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟” (1يوحنا 8:4 و20)

المسيحيون الأرثوذكس هم أناس اجتماعيون متّزنون جدًا، أصحاب شجاعة مسيحية وجرأة متواضعة. ليسوا غرباء عن المجتمع، لديهم مشاعر المحبة من ناحيته. عندما يحين الوقت للاعتراف المسيحي الجريء والشجاع، فهم لا ينظرون إلى المجتمع بشعور بالهزيمة أو شعور بالدونية. إنهم لا يخجلون بالإنجيل أمام المجتمع، بل يريدون إظهار قوة الإنجيل. إنهم يشعرون بمسؤولية القيادةنحو الطريق الذي يتبعه المجتمع.

علينا جميعًا أن نتذكر أن السمات الرئيسية للروح الأرثوذكسية هي حياة تتمحور حول المسيح وولادة روحية جديدة. نحن مدينون لأنفسنا ولجيراننا ولله أن نعيش بالإيمان والحب والرجاء.

[1]. P. Melitis, Για ν’ ανοίξει ο δρόμος, Athens 1957, p. 180.

[2]. Clement I Cor. LV, 2.

[3]. Apostolic Constitutions IV, 9.

لا نريد القيامة

لا نريد القيامة

سرجيوس ساكوس

نقلتها إلى العربية مجموعة التراث الأرثوذكسي

يبدو القول بأننا لا نريد القيامة قاسيًا ويهزّ المصداقية في عيون القراء المطمئنين. إذا كنتَ أعمى، ألا تريد نظرك؟ إذا كنت مريضًا، ألا تريد الشفاء؟ وقيامة المسيح هي بالضبط هذا: عيونٌ في ظلامِ عمانا، وصحةٌ في عذابِ مرض قابليتنا للموت، ومخرجُ إنقاذٍ من طريق العالم الحالي المسدود إلى عالم الأبدية المقدسة اللامتناهي، عبورنا من الفساد إلى عدم الفساد.

القيامة هي حدث لا يمكن دحضه وليس مدعوماً بإيماننا وحسب، بل هو أساس إيماننا ودعمه. قبل ألفي عام، دخل شخص ربنا يسوع المسيح الإلهيالإنساني في صراع مع الموت، وبدا كأنه خضع لمصير آدم القابل للموت: “مات ودفن“. ولأنه لم يكن شخصًا عاديًا، لم يبقَ يسوع المسيح في القبر ولكن قام ورأيناه“. لقد هزم الموت وارتفع، وقف مستقيماً وحيّاً، كما رأى كثيرون واعترفوا، وخلّص الجنس البشري من هيمنة الموت والخوف منه.

ومع هذا، فالناس لا يريدون القيامة. ليس الأمر بحاجة إلى كثير من التحقيق ولا يتطلّب الكثير من الدراسة لفهم أن المجتمع المعاصر، حتى ولو من المفتَرَض أنه مسيحي، لا يرحّب على الإطلاق بقيامة يسوع المسيح. القوا نظرة من حولكم وسوف ترون أن أناساً كثيرين هم من أنصار المادية الأبيقورية (مبدأ الانغماس باللذة)، عقيدة كُلْ واشربْ وكُن سعيداً لأنك غداً تموت“. إنهم لا يستطيعون أن يروا شيئاً أبعد من شاهِدِ القبر لأنهم حبسوا ذواتهم في أشياء هذا العالم. لهذا السبب أصيب الشباب والكهول بالذعر عندما ضربت الأزمة الاقتصادية. إن خسارة الراحة والبحبوحة، أو انحسارهما، اللتين تمتعوا بهما بدت غير محمولة ولا تطاق، وعدم إشباع مشاعرهم ورغباتهم تساوى مع الحرمان من المتعة.

في مطلق الأحوال، إن القيامة، وهي حدث خارج التجربة الإنسانية، تعرّضت للهجوم من الناس منذ البداية. إنها حقًا أمر لا يُصدّق، ويتحدّى أسلوبَ تفكيرنا أن أول المشككين بالقيامة والأكثر تعنتًا في ذلك هم الذين يُتوقّع منهم أن يرحّبوا بها من دون تشكيك، أي تلاميذ الرب نفسه. ما رأوه واختبروه معه أقنعهم بأنه المسيح، لكنهم حصروه في وجهة نظرهم الدنيوية. لم يريدوا المسيا الذي تكلّم عنه الأنبياء، لم يكونوا على استعداد لقبوله كما قدّم نفسه متواضعًا ووديعًا. بحسب طريقة تفكيرهم، يجب أن يكون المسيا فاتحًا عظيمًا، ملكًا قويًا بالكامل، حاكمًا للعالم لا يُقهر. لقد كانوا فخورين به وأشادوا به عندما أطعم الحشود وعندما أقام لعازر الميت. كيف يمكن أن يقبلوا أن المسيح قد مات وأُضجِع في القبر؟ لذلك عندما رأوه مسمرًا على الصليب ومن ثم موضوعًا في القبر، ميتًا، تفرّقوا وخابوا. وحدهم أعداء يسوع بدأوا يقلقون من أنه سيقوم كما تنبأ، وسارعوا إلى إغلاق القبر ووضع الجنود لحراسته. ضد مَن؟ ضد التلاميذ المذعورين واليائسين الذين قالوا كنا نرجو أنه هو مَن يفتدي إسرائيل؟” (لوقا 21:24). “كنا نرجوأي في الماضي. ولكن الآن تلاشت آمالهم وانطفأت.

لكن يسوع كسر أقفال الجحيم وقام. الذي علّم الحقّ الذي يقدّس ويحرّر، الذي كشف سلطته الإلهية بالمعجزات والشفاءات وإحياء الموتى الذي قام به، أكّدها الآن بمعجزة المعجزات، أي قيامته هو نفسه. وعندما اقتنعوا بذلك من خلال ظهوراته المتعاقبة، أصبح التلاميذ الذين كانوا جبناء في وقت من الأوقات رسلًا، و كأسود ينفثون النار بلّغوا إلى العالم شهادتهم الصحيحة بأن المسيح قد قام. هكذا انبثق نور الرجاء من القبر الفارغ من يسوع القائم. انفتح طريق جديد في حياتنا وسعادتنا الأبدية ندوسه بالتوبة والإيمان.

هذه هي بالضبط مشكلة الناس اليوم. إنهم لا يرفضون المسيح. إنهم معجبون بصلاحه ومحبته، وكل البركات التي أمطرها على الأرض. إن القيامة هي التي تزعجهم. لو بقي يسوع ميتاً في القبر، لكان حافظ على تعاطف معظم الناس. إنه غير مرحّب به ويتعرض للهجوم اليوم بالتحديد لأنه قام، والنتيجة المباشرة لإعلان قيامته هي الطلب منا التوبة ونبذ الأهواء.

إن مسيحاً لم ينهض يمكن مماثلته مع آلهة وثنية لا تعد ولا تحصى، وهم لا يمنعون الأهواء وحسب بل يشجّعونها. ولكن ماذا عن المسيح القائم الذي أعلن: “كُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ!” (رؤيا 18:1)؟ كيف يمكنك أن تتحمل معه التأنيب على الآثام والحدّ من الشرور وتنظيم الحياة؟ هذا هو سبب رفض الكثيرين للقيامة.

عن الاستبداد

عن الاستبداد

الأب أنطوان ملكي

«يقولون: الإستبداد يُليّن الطباع ويلطّفها، والحق أنّ ذلك يحصل فيه عن فقدِ الشهامة لا عن فقدِ الشراسة، ويقولون أنه يعلّم الطاعة والانقياد، والحق أنّ هذا فيه عن خوف وجبن لا عن إرادة وإختيار، ويقولون أنه يربّي النفوس على احترام الكبير وتوقيره، والحق أنه مع الكراهة والبغض لا عن ميل وحب، ويقولون أنه يقلّل الفسق والفجور، والحق فيه أنه عن فقر وعجز لا عن عفة أو دين، ويقولون أنه يقلل الجرائم، والحق أنه يخفيها فيقلّ تعدادها لا عددها».

هذا الكلام مُقتَبَس من كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعبادلعبد الرحمن الكواكبي الحلبي، الذي كتب ما كتب أواخر القرن التاسع عشر واصفاً ما كان يراه من العثمانيين. كتاب عُدتُ إليه مؤخّراً لأنه يساعد على فهم تفكير المستبدّ فيصير توقّع ما سوف يلي من أعماله أكثر دقة. فوجدت فيه الكثير من الوصف الذي ينطبق على حالنا. وكما نقول في العاميّة: “كأنّو قاعد معنا“.

نحن ليّنو الطباع لطفاء، لأننا فقدنا الشهامة، ولم يعد يستفزّنا ظلم ولا يثيرنا فساد. نحن مطواعون نُقاد بسهولة، فيظن أن مَن يقودنا أننا مطيعون، مع أنه يعرف أننا جبناء وخائفون على علاقاتنا وعلى خبزنا وعلى الغد الذي لسنا نملكه، ويبني على ذلك. نحن نظهر بمظهر مَن يحترم الكبير لأن مبدأنا تقبيل اليد والدعوى لها بالكسر. نحن طاهرون مشعّون، مَن لا يماشينا نرميه بالفسق ونخرجه، ومَن يماشينا نرفعه حتّى ولو جعلنا الليل نهاراً. نحن لا نعدّ أخطاء أحد، كي لا يعدّ أحد أخطاءنا.

آه أيها الكواكبي، وكأنّك بيننا في قولك “الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفَرّاش، إلى كنّاس الشوارع“.

الاستبداد لا بدّ أن يتفشّى لأننّا نسكت. نسكت إذا استبدّت الحكومة كما نسكت إذا استبدّ كنّاس الشوارع. و“تواسي فئة من أولئك المتعاظمين باسم الدين الأمةَ فتقول «يا بؤساء: هذا قضاء من السماء لا مرد له، فالواجب تلقّيه بالصبر والرضاء والالتجاء إلى الدعاء، فاربطوا ألسنتكم عن اللغو والفضول، واربطوا قلوبكم بأهل السكينة والخمول، وإياكم والتدبير فإن الله غيور»

يا له من وصف دقيق. المتقدمون يدفنون رؤوسهم في الرمل، ويقولون أن السكوت عن الظلم، وعن الفساد، وعن العَبَث بالقانون، وعن التفرّد، وعن غياب الحق، كل هذا السكوت هو تواضع ومسكنة وتسليم إلى الله. لكن الناس تحسّ وتميّز. وحدهم المتملّقون إذا رأوا لا يرون وإذا أحسّوا يتخطّون إحساسهم. كثُر المراؤون المتحدّثون بالقانون ليبرروا أخطاء الحاكمين ويضفوا عليها هالة الحكمة. كثُر متعددو الوجوه الذين يصفّقون للظلم. كثُر روّاد الكنائس وفرغت من شعبها.

إِنْ رَأَيْتَ ظُلْمَ الْفَقِيرِ وَنَزْعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، فَلاَ تَرْتَعْ مِنَ الأَمْرِ، لأَنَّ فَوْقَ الْعَالِي عَالِيًا يُلاَحِظُ، وَالأَعْلَى فَوْقَهُمَا” (جامعة 8:5).

هذا رجاؤنا والكلام لمَن يفهم.

حول إنجيل السامرية

حول إنجيل السامرية

الأب أنطوان ملكي

التقت السامرية بالرب عند البئر فغيّر مفهومها للماء الحي. لم يعد الماء مادة تُعبّأ بدلو وجرة. صار عندها الماء الحي للنفوس. بدأ الحديث بنحن وأنتم وانتهى به هو الألف والياء. أمران ينبغي التوقف عندهما في إنجيل المرأة السامرية الذي نقرؤه كل سنة. الأمر الأول هو أنها بطلبها التعرّف على المسيح تعرّفت على نفسها. ومن معرفتها لذاتها صارت تعرف المسيح. هذا ينطبق على كلّ منا. عندما يمسّ المسيح قلبنا وحياتنا يصير لا نبيّنا وحسب بل إلهنا. أمّا إذا أبقينا المسيح محصوراً بأحاديثنا ومناقشاتنا فلا ننتفع منه بشيء. بمعرفتنا لأنفسنا بنور المسيح نعرف أن الدين ليس حرفاً ولا انتماءً مناطقياً ولا وراثة عائلية بل هو روح محيٍ وماء حي نشربه فيتدفّق منّا. ولبلوغ هذه المعرفة علينا الخروج من مادياتنا وتخطي حاجتنا إليها. عندما نظرت السامرية إلى يسوع عبر حاجتها المادية رأته رجلاً يهودياً ولمّا انتقلت إلى معرفة الذات رأته نبياً اعظم من يعقوب، وصارت رسولة له تعالوا انظروا“. كان المسيح خصمها في الماديات وصار إلهها في الروحيات. هذه قيامة المسيح فاعلة في البشر، تحوّلهم من مجبولين بالحاجة وبالمادة إلى رسل منيرين فوتينيناقلين للنور وحاملين للحياة.

الأمر الثاني الذي ينبغي التوقّف عنده في إنجيل أحد السامرية هو شكل العبادة. فعبادة الإنسان تحدد علاقة الإنسان بالله. الرب يكلّمنا بالإنجيل ونحن نكلّمه بالصلاة، كما يقول آباؤنا. من هنا ضرورة أن ينتبه الإنسان إلى نقاوة صلاته. الرياء يحوّل الصلاة طقوس فارغة وحسابات مع الله. الشكليات قد تأكل صلاتنا، بالحرف والناموس والشرائع والقوانين. كل هذه تحوّل الصلاة إلى مظاهر لا تنعكس بالضرورة في التقوى المباركة والأعمال الحسنة. لقد كان صعباً على السامرية أن تقبل تحديد مكان الصلاة في هذا الجبل أو ذلك الهيكل، أمّا يسوع فأفهمها أن الصلاة هي بالحق والروح ولا يحددها المكان. هذا لأن للرب الأرض وكل ما فيها ولأن يسوع هو الباب الذي ندخل فيه إلى الهيكل الحقيقي الذي هو يسوع نفسه. أن تكون العبادة بالروح والحق يعني أن تكون من الروح القدس وتتمحور حول الحق الذي هو المسيح. هنا الفرق بين العبادة الحقيقية والعبادة الظاهرية. في العبادة الظاهرية نحكي عن الحق ونصفه بينما في العبادة الحقيقية نمارسه ونعيشه وننقله إلى الآخرين. العبادة الحقيقية لا يمكن أن تنحصر بالعادة بينما العبادة الظاهرية لا تتخطى إكرام الله بالشفاه فيما القلوب بعيدة عنه. العبادة الظاهرية تنحصر بتأدية الواجبات والطقوس، أي بالشكل الخارجي ولا تدخل إلى الجوهر بالضرورة، كالذي يصوم عن الأكل ولا يشارك في صلوات الصوم. قد تتحوّل العبادة الظاهرية إلى روتين بينما العبادة الحقيقية مغامرة وجهاد مع الذات في كل مرة يقف الإنسان للصلاة أو لتقديم مساعدة إلى محتاج أو للرد على فكر مضاد للإيمان. العبادة الحقيقية تزكّي الإنسان أمام الله فيصير السجود في كل الأمكنة ممكناً ويصير الإنسان معادلاً للرسل منيراً كمثل فوتيني السامرية.

* عن نشرة الكرمة

حول الهوية الأساسية للمسكونية والعرقية الوطنية

حول الهوية الأساسية للمسكونية والعرقية الوطنية

المتقدم في الكهنة بيتر هيرز

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كتب الاب سيرافيم روز ذات مرة أن الفرق بين الأرثوذكسية وغير الأرثوذكسية يظهر بالشكل الأكثر وضوحاً في أن الكنيسة الأرثوذكسية (في قديسيها) قادرة على تمييز الأرواح. وعلاوة على ذلك، فإن التمييز بين أساليب الأرواح الساقطة مطلب أساسي لتكوين علمَي الخريستولوجيا والإكليسيولوجيا. كما كتب الإنجيلي يوحنا “لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ(1 يوحنا 3: 8).

لذلك، بقدر ما يتطهر الإنسان من الأهواء ويستنير بروح الله، تصير رؤيته الروحية مفتوحة ويكتسب التمييز. هبة التمييز هذه، وهي أعظم الفضائل، تفترض تلقّن الموت والقيامة والحياة في المسيح، كما تُعاش في جسده أي الكنيسة. واقع أن قلّة من المسيحيين الأرثوذكس فقط يتمتّعون بقدر جيد من هذه الهبة هو شهادة على انتهاكات روح ضد المسيح الذي هو، بتسمية أخرى، الدهرية. إن غاية الروح الدهرية هي إنكار طبيعة المسيح الإلهية وجسده، سَاعَةِ التَّجْرِبَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ لِتُجَرِّبَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِقبل صعود رجل الإثم، ضد المسيح. هذه االتجربة آتية على العالم في المقام الأول من خلال انتشار البدعة الإكليسيولوجية المعروفة باسم المسكونية.

المسكونية والدهرية

إن المسكونية كبدعة إكليسيولوجية وإنكار لحقيقة جسد المسيح، وتشويه منهجي لطريق المسيح، قد وُلدت وتربّت في المسيحيةالدهرية. وكما قلنا ، فإن الدهرية هي أولاً وقبل كل شيء روح ضد المسيح، الذي هو بالفعل في العالم، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ“. هذا لا يشير فقط إلى تلك المسيحيةالتي تنكر بصراحة لاهوت ربنا، الآريوسية المعاصرة بأشكالها المختلفة، بل كل روح ينكر أن يسوع المسيح أتى أي أتى وسكنفي جسده الذي هو الكنيسة الواحدة.

الحركة المسكونية، كحركة توحيدية، تسعى بشكل يثير السخرية إلى التغلب على جرسة الانقسام من خلال إنكار فضيحة الخاصيّة“* أي التجسد. تتمثّل هذه الفضيحة بدخول المسيح واستمراره في التاريخ في وقت ومكان معينين، أي بكونه سرياً ومن خلال التجسد هناوليس هناك“. من هنا، بدلاً من صلب فكرهم على صليب هذه الفضيحة، يسعى أتباع يسوع غير المتعصبون والعقلانيونإلى إيجاد هيئة بشرية على صورتهم: “منقسمة في الزمن، بحثًا عن ملءٍ يفترضون ضمناً وجوده فقط في السماوات. إنهم يرون الكنيسة مقسّمة في التاريخ، مقيّدة بيد التاريخ الثقيلة. إنهم يرون أن معرفات الكنيسة (identifiers) ليست بالدرجة الأولى العلامات الحصرية للوحدانية والقداسة والجامعية والرسولية، بل بالأحرى الظواهر الخارجية هي التي توحّد بالفعل، كماء المعمودية (إن كان يُرَشّ أو يُصَبّ أو يُغَطس)، الطقوس، والاعتقاد بألوهية المسيح أو النص المشترك للكتاب المقدس. إنه لأمر قليل الأهمية أن هذه العناصر الخارجية، لا بل وغيرها الكثير، كانت موجودة عند الهراطقة القدماء كأصحاب الطبيعة الواحدة أو محاربي الأيقونات ولم تُعتبر كافية لإنتاج أي نوع من الشركة الجزئيةأو الوحدة الموجودة أصلاً“. لا يبدو أنه يزعجهم أن الشياطين تؤمن وتقشعرما قد يعني أن الوحدة في الإيمان بألوهية المسيحسوف تشمل بالضرورة الشياطين.

هذه الإكليسيولوجيا الجديدة، هذه الرؤية الجديدة للكنيسة، أو للمسيح نفسه كرأس وجسد، يمكن وصفها بأنها نسطورية إكليسيولوجية، حيث تنقسم الكنيسة إلى كنيستين منفصلتين: من جهة الكنيسة في السماء، خارج الزمن ، وهي وحدها صحيحة وكاملة، ومن ناحية أخرى، الكنيسة، أو بالأحرى الكنائسعلى الأرض، في الزمن، وهي ناقصة ونسبية، تائهة في ظلال التاريخ، تسعى إلى التقرب من بعضها البعض ومن ذلك الكمال المتعالي على قدر إمكان ضعف الإرادة البشرية الزائلة.

لكنهم على ما يبدو لا يدركون أن في إنكار وحدانية المسيح بشكل واضح في زمان ومكان معينين على وجه الأرض، في الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة والرسولية، ينكرون أيضًا أنه جاء في الجسد. إنهم يسعون لتشكيل كنيسة من عناصر متباينة أو الاعتراف بكنيسة قائمة بالفعل ولكنها مقسّمةبدلاً من الكنيسة الواحدة، وهي جسد بدلاً من جسد الإله القدوس الذي أتى، وفي هذا الكشف هم من روح ضد المسيح (تحديداً الذي يُوضَع في مكان المسيح).

العرقية (Phyletism) والدهرية

من الغريب أن ما يُنظر إليه في الغالب على أنه معارض للمسكونية، أو حتى للهرطقة التي يُسعى إلى إصلاحها بالمسكونيّة، أي القبلية العرقية، هي روح عشيرة مع المسكونيّة ولدت وترعرعت في الوسط الروحي نفسه أي الدهرية.

كما هو الحال مع بدعة المسكونية ، يرى القبلي العرقي أن الكنيسة محدودة في التاريخ وضمنه، لا كما هي محددة بالمقام الأول بصفات الوحدة والقداسة والجامعية والرسولية، بل محددة بهويته العرقية وماضيها. هدف الكنيسة عنده ليس خلاص جميع البشر من الخطيئة والموت، إنما خلاص هويتهم العرقية وأمتهم. مع العرقية، الحال هو كما مع المسكونية، تضيع الهرمية، ويكون التمييز في غير مكانه أو يختفي حول ما يتعلق بما يأتي أولاً وما يتبع من ناحية هويتنا، مع إعطاء الأوليّة لما يأتي ثانياً وثالثاً.

إن العرقية هي سليفة لازمة للمسكونية، يأتي الرقّاص إلى اليمين ليتجّمع الزخم من أجل التأرجح الكبير إلى اليسار والارتداد الذي يتلوه. كان من الضروري أيضاً إيجاد إنسان يحلّ مكان الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية الآبائية حتى يصير ممكناً تهميش المعارضة الشرعية للإكليسيولوجيا الجديدة وشقّها جنباً إلى جنب مع مختلف العوالمعلى اليمين. من المفترض أن تأتي المسكونية كتصحيح للعرقية، ولكن من المفارقات أنها يمكن أن تكون، في كثير من الأحيان، مصالَحة سلميةمع العرقية.

على سبيل المثال ، عندما ينظر المرء إلى كنيسته على أنها محددة بشكل أساسي بقبيلته، فإنه يقبل بسهولة أن قبيلة جاره يجب أن يكون لها أيضًا كنيسة وطنية (بالنسبة للعقل الدنيوي، لا يهم ما إذا كان أرثوذكسيًاتمامًا أو جزئيًا“). فقط في هذا السياق يمكن فهم هذه الظاهرة في الغرب حيث لا يرى المهاجر مشكلة في أن يذهب أطفاله إلى الجماعة المحلية غير الأرثوذكسية لأنهم أصبحوا أمريكيينويذهبون إلى الكنيسة الأمريكية“.فقط عندما يفهم الإنسان أن العرقيين يماثلون جسد المسيح الإلهيالإنساني بلغتهم وثقافتهم يبدأ باستيعاب سبب تفضيلهم لفقدان أولادهم وترك رعيتهم تموت معهم، على تغيير نقطة واحدة من هذه الجوانب العابرة.

المسكونية والعرقية: وجهان لعملة واحدة من الدهرية

بعيدا عن أن تكونا عدوتَين أو مصححتَين إحداهما للأخرى، فإن المسكونية والعرقية هما وجهان لعملة الدهرية الواحدة. كلاهما تنكر جامعية الكنيسة الواحدة وتسعى كلاهما للاعتراف بكنيسة منقسمةمكانها، سواء كان الانقسام على أسس عرقية أو طائفية. كلاهما يخفض الكنيسة إلى المستوى الاجتماعي والتاريخي، واضعاً إياها في خدمة العالم الساقط بمقابل خدمة خلاص الإنسان من العالم والتغلب عليه، حسب قول الرب: “ثقوا لقد غلبت العالم“(يو 16: 33).

إن أكبر دليل على أن المسكونيّة والعرقية ممتَلَكتان من روح ضد المسيحتكمن في ثمارهما. إنهما تعملان ضد خلاص العالم لأنهما تجعلان الكنيسة في العالم، لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ(متى 13:5). فمن ناحية تنكران طبيعة الكنيسة الواحدة الإنسانيةالإلهية، سواء بالمسكونيّة أو بالعرقية، كما ينكرون انتماءها إلى العالم الآخر، وقوة الصليب التي فيها (أي النسك) والتي إذا ارتفعت بها تجذب جميع الناس نحو المسيح (يوحنا 32:12).

ومن ناحية أخرى ، من دون مغناطيس القداسة والفضائل الإلهيةالبشرية، فإن ابنتي الدهرية هاتين تحرمان غير الأرثوذكسيين من الوخز الخلاصي الذي يصيب النفس، والذي يسمّيه الشيخ القدّيس بايسيوس اﻷثوسي الاضطراب الصالح“. بكثرة الحديث عن المحبة، كلٌ على طريقتها الخاصة (الأمة أو المسكونة)، تتكشفان كلاهما مجردتين من محبة خلاص الأخ، لأنهما تتركانه في الوهم والخطأ، الواحدة عن طريق إقامة حاجز عرقي، والأخرى بحرمانه الطريق الضيق.

* فضيحة الخاصية (scandal of particularity) عبارة وضعها رئيس أساقفة كانتربري الأسبق، وليم تامبل، وهي إشارة إلى صعوبة النظر إلى إنسان واحد، أي يسوع، كمخلّص لكل البشر (المترجم).

المقال الأصلي بعنوان “On the Essential Identity of Ecumenism and Phyletism” عن

http://anothercity.org/on-the-essential-identity-of-ecumenism-and-phyletism/