السنة الخامسة عشرة، العدد الثاني، تشرين الثاني 2018

السنة الخامسة عشرة، العدد الثاني، تشرين الثاني 2018

مختارات آبائية

مختارات من الشيخ يوسف الفاتوبيذي

القدّيس نيقولاوس يُطعم الآباء الآثوسيّين خلال الاحتلال الفاشيّ

حياة روحية

المتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول، المعنى الأعمق لعيد الميلاد

لاهوت

بندلايمون تومازوس، ما هي الكنيسة؟

المتقدم في الكهنة جورج كوستانودبولوس، هل من نعمة خارج الكنيسة؟

رعائيات

الأب فاسيلي تودورا، في البساطة

الأرشمندريت ثيوفيلوس ليمونتزيس، الحاجة للدراسة الروحية في عصر الإنترنت والمعلومات

الأب أنطوان ملكي، المال بين المسيحي والمسيح

الأب أنطوان ملكي، تعليق حول مقالة عن الوحدة الأرثوذكسية

مختارات من الشيخ يوسف الفاتوبيذي

مختارات من الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الافتراء هو أكثر أشكال الكره إثارة للاشمئزاز والجرح الأكثر إيلاماً للذين يعانون منه. الافتراء هو سلاح دفاع الدونية. ولأنه يعجز عن إخفاء عري روحه وخِسّتها، فهو يحاول تسويد الذين يتفوقون عليه لكي يبرر نفسهم، أو هو يظن ذلك. وبما أنها مؤامرة زائفة وغير عادلة، فهي أسوأ جرح لمَن يعانون منها.

ليس لدى الشيطان بُعدُ نظر، ولا هو يعرف ما يفكر به الناس. إنه يستخلص استنتاجات من دوافع عواطفنا ومن ثم يثير أعضاءنا وحواسنا بأفكار ملتهبة تناظِر حالتنا. عندما يرى أن نوايانا بدأت تميل نحو ما يستحضر خيالنا من الصور، سواء كانت حقيقية أو في العقل، فهو يدرك أن ذلك هو المكان الذي توجد فيه رغبتنا وعزمنا. فمن ثمّ يستحضر حدثاً مناسباً لإخضاع ضحيته من خلال طبيعة إرادته.

بحسب تعاليم آبائنا المتوشّحين بالله، فإن قوى الروح هي أربعة: الحكمة، التعقّل، الشجاعة والصلاح. هذه القوى تفعل من خلال ما يسمى بالطبيعة الثلاثيةللروح، أي العاقلة، الغضبية والشهوانية (قوة الرغبة لدى الروح). إن مهمة الحكمة هي تحفيز الجانب الغضبي، مهمة التعقّل أو المعرفة هي تحفيز الجانب العاقل إلى المراقبة والفطنة؛ ومهمة البِرّ هي توجيه القدرة الشهوانية نحو الفضيلة والله؛ ومهمة الشجاعة تنظيم الحواس الخمس حتى يتخذوا المبادرات المناسبة.

عندما نتحدث إلى الناس اليوم عن الحداد يبدو الكلام غريباً عليهم، لأنهم يعتقدون أن البكاء أمر مخجل. بالطبع ، عندما نتعامل مع أمور عابرة تافهة لا يستحقّ الأمر البكاء. لكن أن يكون الحداد محصوراً على مستوى العرف الاجتماعي. يرتبط الحداد الروحي بعلاقتنا مع الله وهو لا ينتج عن اختيارنا بقدر ما يتعلّق بنعمة الروح القدس. الشعور بالمسؤولية عن الأفعال الشريرة يثقل قلوبنا وهذا يؤدي إلى حالة حداد حزينة.

التعدّي على الوصية جلب السقوط الذي هو اغترابنا عن الله وكل ما له علاقة به. قَبِل الله توبتنا وعودتنا إلى طاعتنا لإرادته الإلهية بعد أن أعاد علاقتنا بمحبته وقدسيته. إن الشكل الأكثر قبولاً للتوبة ، وفقاً للآباء، هو دموع حارّة تنبع من ألم القلب الذي يشعر بذنبه البغيض وخيانة محبة الله الأبوية.

القدّيس نيقولاوس يُطعم الآباء الآثوسيّين خلال الاحتلال الفاشيّ

القدّيس نيقولاوس يُطعم الآباء الآثوسيّين خلال الاحتلال الفاشيّ

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

ماذا تفعلون؟سأل الكاهن المجهول. “هل هذا هو كلّ ما تملكون؟ لا شيء آخر؟

أجاب الآباء في الدير الآثوسيّ بأنّ هذا هو فعلاً كلّ ما كانوا يملكونه. كان ذلك في شهر كانون الأوّل، ولم يكن بوسعهم شراء أيّ غذاءٍ إضافيّ بسبب الاحتلال الفاشيّ. يُذكَر أنّ الدير كان يحتاج إلى عشرة آلاف أوكا(حوالى 1.3 كغ) من القمح لمعيشته، ولم يستطيعوا شراء أوكا واحدٍ منها.

أخذ الكاهن المجهول بضع حبّات قمح في يده، وباركها، ورماها فوق بقيّة القمح. ثمّ باركَ الجهات الأربع، والدير، والبحر، وهمّ بالمغادرة.

من أين أنتَ؟، سأله الآباء. “ابقَ لتناول بعض الخبز والزيتون“.

لقد أتيتُ من مكانٍ بعيدٍ جدًّا، من ميرا في ليكيا، أجابَ ورحلَ.

وبينما كان أحد الإخوة يقدّم الطعام لأحد الزوّار، اختفى الشيخ الذي تبيّن فيما بعد أنّه حامي الدير. أمّا المئة والخمسون أوكا من القمح المبارَك، فقد دامت لنصف سنة، أي من شهر كانون الأوّل حين ظهر القدّيس نيقولاوس لهم حتّى شهر تمّوز حين حان موسم الحصاد الجديد.

From “On the Wondrous Interventions of the Mighty Right Hand of Divine Providence,” An Athonite Geronikon: Sayings of the Holy Fathers of Mount Athos, compiled by Archimandrite Ioannikios Kotsonis, translated from the Greek by the sisters of the Holy Monastery of Saint Gregory Palamas in Thessaloniki, published 2003.

المعنى الأعمق لعيد الميلاد

المعنى الأعمق لعيد الميلاد

المتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

كلَّما وَقفنا أمام الربِّ في الصَّلاة أو في عيدٍ كنسيٍّ لحدثٍ مِن حياةِ المسيح، أو كلَّما اختبرْنا حضورَ الرَّبِّ بطريقةٍ أخرى، يحدثُ أمران تَشهدُ عليهما الكنيسةُ وخبرةُ القدِّيسين: أوّلاً نشعرُ بالفرحِ لأنَّنا نختبرُ فيضَ مَحبَّةِ الربِّ للإنسان. ويحرِّكُ الربُّ قلوبَنا نحو شكرٍ عَظيمٍ، إذ إنِّنا نختبرُ – استنادًا إلى حالتنا الرُّوحيَّة – هِبَتَهُ العظيمةَ لنا.

ثانيًا، بمُثولنا أمام الربِّ، نَقِفُ أيضًا أمامَ دينونةٍ ناقدةٍ لأفعالنا، وهي تُؤدِّي إلى خَلاصِنا، بِخاصَّةٍ إذا ما تمَّتْ خِلال الأعيادِ الكبيرةِ الَّتي نُعيِّدُ فيها لأحداثٍ مِن حَياةِ المَسيح، إذ إنَّ كلَّ حدثٍ في حياتِه يَحثُّنا على تبنِّي مَوقفٍ ناقدٍ تجاهَ أنفُسنا لا يؤدِّي إلى إدانتِنا بَل إلى إعتاقِنا.

إذًا، نحن نُعيِّدُ لتَجَسُّدِ ربِّنا لكي نختبرَ مَحبَّتهُ العظيمةَ لنا مِن جِهة، ونشعرَ بالشُّكرِ العظيمِ مِن أجلِ كلِّ ما وَهَبَنا مِن أشياءَ رائعةٍ من جِهةٍ أخرى. إضافةً إلى ذلك، هذا ينفعُنا عمليًّا لأنّهُ يمنحُنا الفرصةَ لأن ندينَ حياتَنا، على حدِّ قولِ بولس الرَّسول إنَّ الرَّبَّ لن يدينَنا إذا دنَّا نحنُ أنفسَنا. إذا انتقدْنا أسلوبَ حياتنا، لن نُدانَ في الحياةِ الأخرى لأنَّ الدَّينونةَ قَد تمَّتْ في هَذا العالم.

بكلامٍ آخَر، إذ إنَّ عيدَ الربِّ أمامَنا الآن، لدينا الفرصة لأن نقارنَ حياتَنا، بنقدٍ، بكلِّ ما أتمَّهُ الله مِن أجلِ خلاصنا، لأنّنا نعلمُ تمامًا أنَّهُ لم يتركْ أيَّ أمرٍ للصُّدفة، بل قادَ كلَّ شَيءٍ كونَه سيِّدَ التاريخ. هوَ الَّذي أرادَ أن تتمَّ الأحداثُ كما حصلتْ، حتّى بأصغرِ تفاصيلها. هُوَ الَّذي رَغِبَ في أن يولدَ في السَّنةِ المحدَّدة والمكانِ المحدَّد، مع ما يرافقهما من عناصر أخرى تشكِّلُ حدثَ تجسُّده العظيم.

اعتادَ القدِّيسون كلُّهم على أن يقارنوا بأسلوبٍ ناقدٍ أحداثًا معيَّنةً مِن حياتِهم بحياةِ المَسيح، وأن يدينوا أنفسَهُم. نؤمنُ بأنَّ المسيحيَّ هوَ الَّذي يحاكي حياةَ المسيحِ إلى أكثر حدٍّ إنسانيٍّ مُمكن. ثمَّ يَسدُّ كلَّ نقصٍ عبرَ التَّوبة والتَّواضع. وهذا يُشكِّل عملَه الرُّوحيَّ الدَّاخليَّ.

في أعيادٍ كهذه، تُواصِلُ كنيستُنا تمجيدَ الرَّبِّ بِتراتيلَ بديعةٍ من أجل تنازلِه العَظيمِ نَحوَ الإنسان، فيما تغوصُ في المَعنى اللاهوتيِّ الأعمقِ لتجسُّده. لقد اختبرَ الشُّيوخُ القدّيسون والعلمانيُّون الأتقياء المعنى الأعمقَ لهذا الحدثِ على نَحوٍ مُميَّز. حينَ عادَ الشيخ أفرام كاتوناكيا من رحلةٍ إلى أورشليم، تَوَقَّعْنا أن يكونَ مَبهورًا بخبرةِ الجلجلة والصَّلب، ولكنَّهُ كانَ مأخوذًا بمغارةِ الميلاد في بيتَ لحم. وقفَ أمامَ هذا الحدثِ قائلاً: “لقد كنتُ أظنُّ أنّني مُهِمًّا حينَ كنتُ أعيشُ في منسكي في كاتوناكيا، بين ممتلكاتي الضَّئيلة، ولكنَّني حينَ رأيتُ مكانَ ولادةِ المسيح، انسحقتُ فعلاً بالرُّوح“.

إنَّ المسيحَ، بِوِلادتِهِ في مغارةٍ، واضطهادِه وازدرائِه من النَّاس كلِّهم، أتمَّ الحدثَ الأعظمَ في تاريخِ الإنسان: تجسُّده. لقد صارَ الله إنسانًا بِصَمتٍ وتواضعٍ واحتجابٍ تامِّين. لم يعلمْ أحدٌ، عدا عن بعضِ الرُّعاةِ والحُكَماءِ مِن بلادِ فارِس، ما كان يحصُلُ في تلك اللَّيلة. حصلَ الحدثُ في فِقرٍ واتِّضاعٍ مُطلقَين. لذلك، كلَّما أزعَجَتْنا مطالبٌ ورغباتٌ متنوّعةٌ، يجبُ أن نضعَ أنفسَنا أمام مغارةِ الميلاد، ونقفَ أمام تجسُّدِ الكلمة، ونُوازنَ بين أفعالنا وما صنعَهُ الربُّ في تلكَ اللَّيلة، فَنَدينَ أفعالَنا بهذه الطريقة. وبهذا الأسلوبِ عينه، علينا أن نفحصَ أيضًا حياتَنا كلَّها.

مذ صارَ الله إنسانًا ورتَّلتِ الملائكةُ على الأرضِ السلام، كان كلمةُ الله يقولُ لنا: “لم آتِ لألقيَ سلامًا بل سيفًا“. لماذا ألقى الربُّ سيفًا بينما كانتِ الملائكةُ تُرتِّلُ عن السَّلام؟ المسيحُ هو السَّلامُ الذي أتى إلى العالم وصارَ إنسانًا لنستطيع أن نحبَّه. أظهرَ لنا أنَّ علاقتنا مع الربِّ ليسَتْ علاقةً قائمةً على إيديولوجيا ما، إذ إنَّهُ يستحيلُ على أحدٍ أن يحبَّ فكرةً. قد يتمسَّك أحدُهم بإيديولوجيا فلسفيَّةٍ معيَّنة، ولكنّه لن يستطيع أن يحبَّها، لأنّها لن تبادلَه محبَّته.

في حياةِ الكنيسةِ يحصُلُ العكس. لَسنا مُرتبطينَ بأيَّةِ إيديولوجيا فلسفيَّة، وكلمةُ الله لم يَصِرْ فكرةً كهذه. الكلمةُ صار جسدًا. تجسَّدَ كلمةُ الله لنستطيعَ أن نحبَّه. وحالما نباشر بمحبَّته، سنفهَم أنَّهُ هو الذي أحبَّنا أوّلاً على نحوٍ لا يمكنُ إدراكه. يقولُ الرَّسول بولس إنَّنا نحبُّه لأنّهُ أحبَّنا أوّلاً“. هذا هو السرُّ الذي يحدُثُ في الكنيسة. ولهذا السَّببِ، صارَ المسيح، بكونه سلامَ العالم، مدعاةَ محبَّةٍ لا مدعاةَ إيمان. ينبغي أن يتجاوزَ الإنسانُ الإيمانَ والرَّجاءَ لكي يمكثَ في المحبَّة. بحسبِ بولس الرَّسول، سيَزولُ الرَّجاءُ والإيمانُ ووحدَها تبقى المحبَّة، لأنَّها واقعٌ اختباريٌّ، وحدثٌ وجوديٌّ يُدرِكُ فيه الإنسانُ أنّهُ حقًّا مُتَّحدٌ بالله. هذا هوَ السبيلُ الَّذي سَلكَهُ جميعُ الَّذينَ أحبُّوه حتَّى المُنتهى.

لقد ختمَ استفانوس أوَّلُ الشهداءِ محبَّتهُ للرَّبِّ بمُماثلتِه. في أعمال الرُّسل، يُذكَرُ أنّه حينَ اعتُقلَ بسببِ تبشيرِه بالمسيح، وفي أثناءِ مُحاكمتِه، أضاءَ وجهُه مثلَ وجهِ ملاكٍ. أدانوهُ بالموتِ رَجمًا كما لَو كان أعظمَ الخطأةِ، لأنّ شريعةَ موسى نصَّتْ على ذلك. إلاَّ أنَّ استفانوس كان يُصلِّي لا لنفسِه بَل مِن أجلِ العالَم أجمَع، رَغمَ شِدَّتِه المُخيفة. ولذلك، فهوَ قد ماثلَ المسيحَ الَّذي كانَ يُصلِّي لصَالبيهِ في أثناءِ موتِه على الصَّليب.

إذًا، مُذ أتى المسيحُ إلى العالمِ جالبًا مَعَهُ السَّلام، قدَّمَ ملايينُ الشُّهداء حياتَهم لإيمانِهم به، ولأنّهُم أحبُّوهُ بحقٍّ وذاقوا محبَّته. لقد تكلَّمَت محبّة المسيحِ في قلوبِهم.

حينَ نحتفلُ بأعيادِ بعضِ القدِّيسين والشُّهداء، لا نحتفلُ فقط بأحداثٍ مُحدَّدةٍ مِن حياتِهم. إنَّنا نحتفلُ بالأيَّامِ الَّتي أدانوا فيها أنفسَهُم بأنفسِهِم. لقد سبقَ أن فحصوا أنفسَهم بنَقدٍ انسجامًا مَع حياة الرَّبّ. لم يستخفُّوا بهذهِ الأيَّام. توغَّلوا بمَعنى حياتِهم الحقيقيّ، فاحصين بِدِقَّةٍ أفعالَهم ودائنين إيَّاها. فكَّروا مِن جِهةٍ في المسيح في مِذوَدِه، باتِّضاعِهِ واستتارِه، بصمتِه وفقرِه، بِنَبذِ النَّاسِ لَهُ وبُؤسِهِ، ومِن جهةٍ أُخرى، قارَنوا ذَلكَ بأفعالِهِم، وفَحَصُوها بِدِقَّة.

لقد أظهرَ الرَّبُّ، من خلالِ حياةِ الرُّسلِ والقدِّيسين كلِّهم، أنَّهُ لا يمكنُ للرُّوحِ القُدس أن يَكون ساكنًا فينا ما لَم نَحملْ ثَمرَه. وشدَّدَ بوُضوحٍ على أنَّ ثمارَ الرُّوح القُدس هِيَ محبَّة، فرح، سلام، طول أناة، لُطف، صَلاح، إيمان، وَداعة، تَعفُّف“. إذًا، علينا أن نَسعى نحو اقتناءِ هَذهِ الثِّمار في داخلنا، والَّتي تدلُّ على حُضورِ الرُّوح القُدس. وبعدَها، يُمكننا أن نقوِّمَ حالتَنا الرُّوحيَّة. هذا التَّقويم الناقدُ ضَروريٌّ ومُنقِذٌ. إذا باشرنا في هذا التَّمرين خلالَ هذا الموسمِ الاحتفاليّ، سيكونُ حقًّا مُنقِذًا لنا لأنَّه سيَلِدُ جِهادَ التَّوبة والاتِّضاع، وسيُغيِّر طُرُقَنا.

في الوقتِ عينِه، سيقودُنا إلى أن نطلبَ رحمةَ الرَّبِّ بأسلوبٍ مُحبٍّ. حالما ندرك أنَّنا حقًّا أناسٌ عائشون في الظُّلمة، سنصرخ نحنُ أيضًا: “أينَ سيشرقُ نورُكَ يا ربُّ سوى على الَّذينَ يعيشون في الظَّلام؟حالما ندرك أنَّنا نحيا في الظَّلام، سنبحث فورًا عن النُّور. إلاَّ أنَّنا، إذا ظننَّا أنّنا نحيا في النُّور، فحينها لن نرى النُّورَ الحقيقيَّ أبدًا، لأنّنا نملك فقط النُّورَ الَّذي بوسعنا أن نَراه.

ما هي الكنيسة؟

ما هي الكنيسة؟

بندلايمون تومازوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

ما هي الكنيسة؟ كيف نعرّفها؟ من الصعب تعريف الكنيسة والحياة، لأن ما يُحدَد يُقيَّد. يمكن وصف الكنيسة فقط من خلال لغة الصور، كالكرمة، جسد المسيح، أو قطيع من الأغنام العقلية. عندما نسمع هنا كلمة كنيسة، عادة ما تتبادر إلى الذهن صورة الكهنة بشكل تلقائي وغريزي. عن وعي أو لاوعي، نحن نساوي سرياً الكنيسة بالأساقفة والكهنة فيما نقبل في الوقت نفسه دوراً دون ذلك للشعب الذين يخضعون لهيمنة سلطة الكاهن أو الرؤساء. لا يدرك الذين يقبلون هذه المفاهيم المشوّشة أنها نتاج اللاهوت الغربي وأنها أبعد ما يكون عن تقاليدنا الأرثوذكسية. بالنسبة للتقليد الأرثوذكسي، فإن أي فصل من هذا القبيل بين الإكليروس والعلمانيين إلى فئتين داخل الكنيسة الواحدة غير القابلة للانقسام أمر لا يمكن تصوره. لا تتكوّن الكنيسة من الكهنة بمفردهم، ولا من العلمانيين وحدهم، بل إن كلتا المجموعتين معاً متحدتان في جسد واحد مع الرب يسوع المسيح كرأسه.

ليست الكنيسة منظمة، أو جمعية للناس ذوي العقول المتديّنة، أو مجموعة من الناس أصحاب الاهتمامات الماورائية، طائفة من المختارين الذين في وقت ما في المستقبل سوف يفرحون لهلاك المُدانين بالجحيم، ولا هي نادٍ اجتماعي يهدف إلى الرضا المادي وأعمال الخير. الكنيسة هي شركة كائنات عقلانية وذكية مع الله، جسد أولئك الذين يقبلون ألوهية يسوع الناصري. يكتب القديس مكسيموس المعترف أن الكنيسة هي نموذج وصورة الله ، لأن لها نفس مهمته“. كما أن الله يجمع كل العناصر في الطبيعة معًا، ليخلق عالماً من الوئام الكامل والجمال الذي لا مثيل له، هكذا تقوم الكنيسة بتوحيد أعداد لا حصر لها من الناس تحت أنظار الله الفائق القدرة. تقوم الوحدة والسلام اللذين يمنحهما الله على الإيمان. “بهذه الطريقة يتحد جميع الناس وينمون معاً في نعمة الإيمان البسيطة وغير القابلة للتجزئة“. الكنيسة هي شركة فعلية بين الله وبيننا، ليست مؤسسة، بل وسيلة تقود إلى الاشتراك في الله. بالطبع، للكنيسة جانبها المؤسساتي، لكن هذا ليس كل شيء.

الكنيسة واحدة، إنها جامعة ورسولية، ما يعني أن جذورها في ظهورات وإعلانات الثالوث الأقدس. “إن الكنيسة هي الخلق نفسه، ما يعني أن الله يُعرف فقط في الخلق والتاريخ، لأنه هناك يستعلن. من المستحيل أن يتغلب الناس على حدود طبيعتهم المخلوقة وأن يقتربوا من مجالات فوق الأرضي وفوق السماوي. أولاً، يأتي الله إلى العالم ثم يتحوّل البشر إليه بإرادتهم الحرة. لذلك، بما أن هناك حقيقة واحدة وخلق واحد فيتبع وجود كنيسة واحدة. من الناحية اللاهوتية، من غير المقبول القول بأن هناك العديد من الكنائس التي تدرك الله بطرق مختلفة. إن قبول وجود عدّة كنائس يعني قبول عدّة حقائق، ما هو غير منطقي وعاقّ وسخيف. للحقيقة دائماً الأولوية، لا لتمثيلها أو تفسيرها. الخلاص موجود فقط داخل الكنيسة؛ أي أننا فقط عندما نتبع طريقة حياة الكنيسة نخلص. بهذه الطريقة ، الأشخاص الذين لا يعرفون المسيح ولكن يتبعون مسار المحبة المسيحية سيتم الحكم عليهم بحسب ضميرهم وسيخلصون.

هناك بعض اللاهوتيين المعاصرين الذين، بحجة الاهتمام بخلاص العالم كله، يصفون الكنائس بأنها انحرافات عن المسيحية (آلاف الفروع والشيع البروتستانتية والكاثوليكية). فهم غير قادرين على فهم حقيقة أن الكنيسة هي الحقيقة بحد ذاتها الخلق والعلاقة والشركة بين الثالوث الإلهي والبشرية. ليست الكنيسة قبول بعض الكائنات المجردة المتعالية الإلهية والمقدسة التي نحن مدعوون للدخول في شركة معها بطرق ووسائل متنوعة. يجب أن نلاحظ أن حصرية الحقيقة توازي قبول الكنيسة الوحيدة الواحدة. جميع الطوائف المسيحية لديها شكل من التنظيم المؤسساتي، لكن هذا لا يجعلها كنائس. فقط أولئك الذين يحددون الكنيسة بالكهنة والسلطة الإدارية (غير المواهبية) هم بشكل عام قادرون على قبول وجود العديد من الكنائس“.

هل من نعمة خارج الكنيسة؟

هل من نعمة خارج الكنيسة؟

المتقدم في الكهنة جورج كوستاندبولوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

هل أعضاء الكنيسة هم الوحيدون الذين يتقبّلون نعمة الله أم ممكن أن يكون هناك نعمة خارج الكنيسة؟ هل المسيحيون الأرثوذكس فقط هم الذين يخلصون؟ قبل أن نعالج هذه الأسئلة فلنشرح بإيجاز ما هي النعمة. “النعمة هي الطاقة الإلهية غير المخلوقة أو قوة الثالوث الأقدس المعطاة لنا من الله الآب عِبر الله الابن بالله الروح القدس“. الثالوث القدّوس يعمل دائمًا في الخلق بعمل مشترك. بدون نعمة الله لا يوجد خلاص، ولا حياة روحية، ولا حياة أبدية. على الرغم من أن النعمة بسيطة وواحدة، إلا أنها تمنح هبات مختلفة للذين يشتركون فيها، وهذا يتوقف على حاجة كل واحد منهم، وعلى درجة تقبّل الإنسان لها. إننا نشارك بنعمة الله بشكل أساسي، وإن لم يكن حصريًا، من خلال الأسرار المقدسة، خاصة من خلال المعمودية والمناولة المقدسة، ومن خلال الحياة النسكية وفي المقام الأول الصلاة.

النعمة هي هبة الله للإنسان، وتشمل الوجود والحياة والعقل والخلاص. بحسب تعليم القديس غريغوريوس بالاماس، الخليقة بأكملها تشترك في قوى الله المقدسة. كل شيء يشارك في قوة الله الخلاقة (الكائنات الجامدة). بعض الكائنات تشارك أيضا في قوى الله المحرِّكة (الكائنات الحية). وعلاوة على ذلك، بعض الكائنات تشارك في قوى الله التي تمنح العقل (كائنات ذكية، بشر وملائكة). أخيراً لا أحد من الملائكة غير الذين احتفظوا برتبتهم، ولا أحد بين البشر غير الذين عادوا إلى الكرامة الفائقة للطبيعة الممنوحة من العلى إلى الكائنات العقلية، يشاركون أيضاً في قوة الله ونعمته” (القديسون والملائكة). هذه النعمة الأخيرة هي النعمة التي نتحدث عنها هنا. هل توجد هذه النعمة المخلِّصة المقدِسة والمؤلِّهة خارج الكنيسة؟

بحسب تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية، نحصل على نعمة الله فقط في الكنيسة، إذ خارج الكنيسة التي هي جسد المسيح، لا توجد النعمة المقدِّسة، النعمة التي من خلالها نحصل على الخلاص أو الاتحاد مع الله والتي توجد فقط في تابوت الخلاص، الكنيسة المقدَّسة، جسد المسيح الإلهى البشري، لأن المسيح هو مخلصنا وخلاصنا. لقد عبّر القديس كبريانوس القرطاجي عن موقف الكنيسة بشكل قاطع: “لا خلاص خارج الكنيسة (Extra ecclesiam nulla sulus)”.

هل كل الذين هم خارج الكنيسة ملعونون؟ أبداً. في محاولتهم شرح كيف يكون هذا الأمر ممكناً، يعطي بعض اللاهوتيين جواباً يتضارب مع الإيمان بوحدانية الكنيسة وفرادتها وهو أمر ذو نتائج مدمّرة.

وقد عبّر القديس أثناسيوس الكبير عن الموقف الأرثوذكسي في شرحه لماذا الله لم يخلّص الإنسان من خلال أمر أو عمل إرادة، فيقول إنه لم يتصرف بهذه الطريقة لأنه وإن كان سيُثبِت قوته، فإن الإنسان كان سيصير كما كان آدم قبل السقوط. “كان من الممكن إن النعمة التي سيتلقاها ستكون خارجية وغير مندمجة في جسمه“. هذا التمييز بين الخارجي والداخلي، هو المفتاح لفهم كيف يمكن أن يكون الخلاص خارج الكنيسة. يقدّم القديس ذياذوخوس أسقف فوتيكي (القرن الخامس)، استناداً إلى القديس أثناسيوس، شرحًا أكثر مباشرة: “قبل المعمودية، تشجّع النعمة النفس نحو البِرّ من الخارج، بينما الشيطان يتربّص في قعرها، محاولاً صدّ كل طرق العقل للاقتراب من الإلهي. ولكن من لحظة إعادة ولادتنا بالمعمودية، يصير الشيطان خارجاً، والنعمة في الداخل. وهكذا، فيما قبل المعمودية يحكم الخطأُ النفسَ، فمن بعدها تحكمها الحقيقة“.

تقدم لنا هذه المصطلحات الحل الصحيح لهذه المشكلة الشائكة. تعمل النعمة من الداخل فقط داخل جسد المسيح أي الكنيسة الأرثوذكسية. يولد الإنسان روحياً من خلال المعمودية. تُزرَع النعمة وتنمو من خلال الأسرار المقدسة، ولا سيما المناولة المقدسة. إن غير المعمدين هم غير مولودين، لهذا لا تعمل النعمة فيهم من داخلهم. ولكن بقدر تلقّي الإنسان يمكنه أن يتفاعل مع نبضات الروح القدس الذي يعمل على كل الخليقة من خارج. “ما كان لموسى والذي أشرق على وجهه بعد محادثته مع الله، حتى لم يستطع الرجال رؤيته من السطوع، كان الرسل يلبسونه في روحهم باستمرار وبدرجة أكبر“.

في شرحه للآية (7: 39) من يوحنا، قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ.” يقول القديس سيرافيم ساروفسكي، أن هذا لا يعني أن روح الله لم يكن في العالم على الإطلاق، لكن وجوده لم يكن واضحًا كما في آدم أو فينا المسيحيين الأرثوذكس. لقد كان يظهر خارجياً فقط؛ ومع ذلك كانت علامات وجوده في العالم معروفة للبشريةنعمة الروح القدس التي كانت تعمل خارجياً تنعكس في كل أنبياء العهد القديم وقديسي إسرائيلوإن لم تكن بنفس القوة كما في شعب الله، إلا إن حضور روح الله عمل أيضاً في الوثنيين الذين لم يعرفوا الله الحقيقي، لأنه حتى بينهم وجد الله لنفسه أناساً مختارين.

في النهاية، يلخّص الاستاذ فيداس الموقف الأرثوذكسي من النعمة والخلاص خارج الكنيسة: “يعلّم التقليد الآبائي أن المسيح بمجمل عمله الخلاصي هو مصدر كل النعمة الإلهية، والروح القدس هو معطيها ومفعّل النعمة الإلهية هو المؤمن“. كما يضيف: “التقليد الأرثوذكسي، بقبوله أن الروح القدس هو معطي النعمة الإلهية التي تنبع من عمل المسيح الخلاصي، لا يعترف بفعالية النعمة الإلهية خارج الحدود القانونية للكنيسة الأرثوذكسية“.

(Source: The Heavenly Banquet)

في البساطة

في البساطة

الأب فاسيلي تودورا

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

منذُ بِضعة أيّام، كنتُ أتحدّثُ مع صديقٍ لي، وهو مرتِّلٌ بارعٌ، حول تفسير قطعٍ ليتورجيّةٍ موسيقيّةٍ متنوِّعة. وخلال محادثتنا، قال تعليقًا رسخَ في ذهني: من الأسهل لكَ أن تؤدّي ترتيلةً بأداءٍ فنّيٍّ ماهرٍ مِن أن ترتَّلها عينها بأسلوبٍ بسيطٍ وعميقٍ في آن. والسببُ يعودُ إلى أنّ المرتِّلَ يكونُ متحمِّسًا لتعلّمِ العناصرِ المُعقَّدة كلِّها، واكتشافِ كافّة وجوه الموسيقى، ولكنَّهُ ما إن يفهم لاحقًا أنّ هذه الموسيقى ليسَت موسيقى عاديَّةً بل موسيقى ليتورجيّة، وما إن يتمكَّن أخيرًا مِن دمجِ معنى التَّرتيلةِ بلحنِها، فحينَها فقط، تظهرُ البَساطةُ مِن تلقاء نفسها. فالبَساطة ليست نقصًا في الموهبةِ بل تأتي من فهمٍ أعمق، من اتّضاعِ المُرتِّل الذي يُمسي آلةً متواضعةً تنقلُ للآخرين الحقيقةَ التي عبَّرَ عنها الآباءُ القدِّيسون في النَّظْم الَّذي يرتِّله.

عاشَ في صحراء مِصرَ في زمن القدِّيس أنطونيوس الكبير شيخٌ اسمه بولس. كان بولس مزارعًا في حياته السَّابقة، وبعد استئذانه زوجتَه غير المُخلِصة له، التمسَ الرَّهبنةَ مع القدِّيس أنطونيوس الكبير. في البدء، لم يقبله القدِّيس أنطونيوس لكي يمتحنه، ولكن بعد أن رأى إرادتَهُ الثَّابتةَ (انتظرَ الجوابَ ثلاثة أيَّامٍ خارج قلاّية القدِّيس أنطونيوس)، قَبِلَهُ زميلاً عاملاً في حَقلِ الرَّبّ. عاشَ بولسُ المنحدرُ من أصولٍ مُتواضعةٍ حياةً متواضعةً جدًّا وتقيّةً، ومِن هُنا دُعي بالبَسيط. إلاّ أنَّ كَونهُ بَسيطًا لَم يَعنِ أنَّهُ كان يفتقدُ إلى المَعرفةِ الرُّوحيَّة، بَل بالعكس، اقتبلَ هباتٍ روحيّةً عظيمةً، من ضِمنها القدرة على طردِ الشَّياطين. يُقالُ إنّ القدِّيسَ أنطونيوس رفضَ مرّةً أن يشفي شابًّا ممسوسًا وقال: “لا يمكنني مساعدة الصبيِّ لأنّني لم أتلقَّ السُّلطة على أمير الشَّياطين. إلاّ أنّ بولسَ البسيط لديه هذه المَوهبة، وقد ساعدَ هذا الأخيرُ الصبيَّ مُصلِّيًّا ببساطةٍ حقيقيَّةٍ: “ربّي يسوع المسيح، بصلواتِ أبي أنطونيوس، أطردِ الشَّياطين“.

تنبعُ البساطةُ الأصيلةُ من إيمانٍ عميقٍ وإدراكٍ بليغٍ لعلاقتنا بالله. اللاهوتُ الأكاديميُّ يجذِبُ مَن يستقصي غنى الأرثوذكسيَّة، لكنّ التمكُّنَ من الاستشهادِ بالقدّيس مكسيموس المُعترف باليونانيَّة القديمة أو التمكُّنَ من التَّعليق على التَّرجمةِ الصَّحيحةِ لكلمةٍ غامضةٍ في النُّسخة الآراميَّة من إنجيل متَّى، لا يعنيان أنَّ حياةَ الإنسانِ قائمةٌ على الأسسِ الَّتي قد يخطبُ بها مِن على المنبر. اللاهوتيُّ الحقيقيُّ، كما يشيرُ جيّدًا أسقُفنا المعاصر، هو الإنسان المُصَلِّي. الأمرُ بهذه البساطة. والباقي هو إعادة الكلام على خبرةِ الصَّلاة لدى آخرين، ومجرَّد عرضٍ لأمورٍ قيِّمةٍ لم نشاركْ فيها.

إنّ جوهرَ إيماننا هوَ بالحقيقة بسيطٌ للغاية، وهو أنَّ ثمَّةَ إلهٌ خلقنا وصار مثلنا لنستطيع أن نصير مثله. ومِن أجل أن يفعل ذلكَ، ماتَ وقامَ من بين الأموات وصعدَ إلى السَّموات، مُصعِدًا الطَّبيعة البشريَّة نَحوَ العرش السَّماويّ. كلّ ما علينا فعله هو أن نتبعه، وأن نحمل صُلباننا وننطلق.

لماذا لا نرى هذه الحقيقةَ البسيطة؟ لأنّنا مأخوذون بالتَّفسير، والنَّظرياتِ الموسيقيَّةِ الجميلة، والعقائد، واللِّيتورجيا، والمواعظنحبُّ أن نظنَّ أنفسَنا أذكياء نفهمُ هذه الأمورَ كلَّها، وفي اندفاعِنا للحصولِ على التَّفاصيلِ المعقَّدةِ كلِّها، ننسى الحقيقةَ البسيطةَ التي تستكينُ أمامنا: أنَّ الحياةَ في المسيح ليست للتأمُّلِ بَل للعَيش.

ها إنَّ عيدَ الميلاد يقترب. هو عيدٌ يحتفلُ قبلَ كلَّ شيءٍ بالبساطةِ البليغةِ لإلهنا الذي تركَ كلَّ مَجدِ مسكنِهِ السماويِّ واختارَ أن يُولدَ مَجهولاً في مِذودٍ مُتواضعٍ في مدينةِ بيتَ لحمَ الصَّغيرة.

لم تُلقَ المواعظُ في ميلادِ رئيسِ كهنةِ العالم، لَم تُعلنِ الأناشيدُ عن مَجيء مَن هوَ من نسلِ داود الشَّاعر والملك، لم يَحتشدْ جمعٌ في القصر من أجل دخول ملك المَجد. فقط حمارٌ وثورُ اقتربا من المَهدِ العفوي لكي يُتمَّا نبوءةَ أشعياء: “الثَّور يعرفُ قانيَهُ والحمارُ مِعلَفَ صاحِبِه، أمَّا إسرائيلُ فلا يعرفُ. شعبي لا يَفهم” (أشعياء 1: 3).

الإنجيل، الخبر السارُّ الذي جلبَهُ المسيح بتجسِّده، هو في الواقع ملخَّصٌ في اقتراحٍ بسيط، بسيطٍ جدًّا: اتبعوني! اتبعوني في بَساطة حياتي، اتبعوني في مساعدَتِكُم قريبَكم، اتبعوني في تبشيرِكُم بالحقيقةِ في حياتكُم، اتبعوني في حملِكُم صليبَكُم، اتبعوني في موتِكُم عَن أهوائِكُم، اتبعوني في قيامةِ الحقّ، اتبعوني في المَلكوت!

لقد قادَنا إلى السَّبيلِ بسيرِه فيها أوَّلاً، بفتحهِ الطَّريقَ إلى الملكوت للصٍّ وخاطئٍ مثلنا. هو ليسَ سوى محبَّة، محبَّة متجسِّدة تفيضُ من كأسِ المناولة المقدَّسة، ليستطيعَ الدُّخولَ فينا كلِّنا وجعلنا مثلَه، محبَّة.

رحِّبوا بالمسيح في بيوتِكُم في هذا الميلاد. قلبكُم هو المَهدُ الوحيدُ الَّذي يحتاجُ إليه، صلاتُكُم هي النَّشيدُ الوحيدُ للمجدِ الَّذي يرغبُ بسماعِه، صداقتُكم هيَ الصُّحبةُ الوحيدةُ الَّتي يبتغيها. هو واحدٌ منَّا ويريدُ أن يجعلَنا خاصَّته.

اقتربوا من المِذوَدِ وأَصْغوا بانتباهٍ إلى الدَّعوةِ البسيطةِ الصَّادرةِ مِن فمِ مرنّمٍ مُسنٍّ ومُتواضِع: وُلدَ المسيحُ، فَمَجِّدوه!

الحاجة للدراسة الروحية في عصر الإنترنت والمعلومات

الحاجة للدراسة الروحية في عصر الإنترنت والمعلومات

الأرشمندريت ثيوفيلوس ليمونتزيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لعصرنا ميزة خاصة إذ يختلف فيها عن العصور السابقة: فالناس يهتمّون بالمعلومات أكثر من اهتمامهم بالمعرفة. إن معنى نمو الإنترنت هو أننا نتعرض للقصف يوميًا بمعلومات وأخبار فيما لا نهتمّ بنفس القدر بدراسة النصوص الروحية، سواء كانت هذه الكتاب المقدس أو الآباء أو الكتابات النافعة لاهوتياً. بالواقع، نحن غالباً ما نصبح مدافعين عن اللاهوت الآبائي والنسكي، وهو أمر جيد، ولكن من دون أن نظهر نفس الحماسة لدراسة أعمال الآباء. هذا على الرغم من حقيقة إمكانية العثور على عدد كبير منها منشوراً على شبكة الإنترنت. لكن في هذه الحالة، لا يعود اللاهوت الآبائي طريقة حياة بل يُختَزَل إلى مجرد أيديولوجية. سنحاول التشديد على الحاجة إلى دراسة النصوص المسيحية، مستحضرين ومسلطين الضوء على مثالين هامين من حياة كنيستنا.

في سن مبكرة، تأثر القديس أوغسطين (354-427) بالبيئة المتدهورة التي كان يعيش فيها وانجذب إلى نمط حياة غير أخلاقي. في الواقع، لقد تبع البدعة المانوية معتقداً أنه سيجد إجابات على المسائل العظيمة التي كانت تشوّشه. في الثانية والثلاثين من العمر، أثناء السير في حديقته متفكراً بأمر كان يشغل ذهنه سمع صوت طفل يقول خذ هذا واقرأه“. فتح كتاب رسائل القديس بولس الذي كان في متناول يده، فوقعت عيناه على مقطع من رسالة رومية (13:13-14): “لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ: لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ“. كلمات القديس بولس هذه حرّكت قلب القديس أوغسطين وجاءته اللحظة الخلاصية العظيمة من النعمة الإلهية، وكما يخبرنا: “ما أن انتهيت من قراءة تلك الكلمات القليلة حتى انسكب النور على الفور في قلبي، جالباً معه السلام ومبدداً الظلمة التي كانت تغلّف شكوكي“. في تلك اللحظة صار شخصًا مختلفًا. من ذلك الحين، كان يعيش فقط من أجل المسيح والكنيسة.

المثال الثاني هو من حياة الكاتب الروسي العظيم، وهو شخصية عملاقة في الأدب العالمي، فيودور دوستويفسكي (1821-1881). عندما كان شابًا، كان ملحدًا، وبعد أن تورط في اضطرابات سياسية حُكم عليه بالنفي لمدة أربع سنوات إلى سيبيريا في عام 1849. وفي الطريق إلى المنفى، أعطته امرأة مسيحية متدينة نسخة من العهد الجديد لتعزيته، وكان حينها شاباً يبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا. ولكونه ملحدًا كان في منفاه يمزّق صفحة من الكتاب في كل مرة يحتاج أن ينظّف الأنبوب الذي كان يدخنه. إلى أن جاء وقت كان يشعر بالملل لدرجة أنه قرر معرفة ما يقوله هذا الكتاب المسيحي بالفعل. كان المقطع الأول في الكتاب الممزق قصة الابن الضال. قراءة هذه القصة والباقي من العهد الجديد هزّته حتّى الصميم وكشفت له عن عالم جديد له هو التعرّف على الله. هذا أدّى إلى تحوله إلى واحد من أهم المفكرين المسيحيين الأرثوذكسيين.

المثلان المذكوران أعلاه يكشفان عن القوة التحويلية الكبيرة المتاحة لنا جميعا عِبر الدراسة الروحية: دراسة الكتب المقدسة والنصوص الآبائية، حياة القديسين، تراتيل الكنيسة والكتب المفيدة التي تقدم وتفسّر تعاليم الكنيسة. يقول القديس أبيفانيوس القبرصي أن الكتب المسيحية هي اقتناء ضروري، لأن مجرد النظر إليها يجعلنا أقل عرضة للخطأ ودفعنا نحو الفضيلة.

يعلمنا القديس يوحنا الذهبي الفم أن خطوط الكتاب الروحي وكلماته، لا سيما الكتاب المقدس، هي ثياب المسيح. كما أن الملابس تغطينا، كذلك تخفي صفحات الكتاب المقدس المسيح نفسه (انظر PG 48 ، 994). كلما تلقى دعوة ، كان القديس سيسوي يقول عن تلقيه اي دعوة: “لا أستطيع العثور على الوقت الآتي، لأنه لم يكن يريد أن ينقطع عن الدراسة الروحية التي منحته المعرفة الإلهية (انظر PG 65 ، 401A). كان القديس سيرافيم ساروف يقرأ الإنجيل بكامله كل أسبوع. وفقا للأنبا فيليمون، من خلال الصلاة غير المنقطعة ودراسة الكتاب المقدس، تُفتح عينا الروح الروحية فترى ملك الملوك” (Philokalia ، المجلد الثاني). يقول القديس كاليستوس أنجليكودس أن قراءة الكتاب المقدس، والقديسين الذين يشرحونه، يحفّز العقل ويساعده على إرفاق نفسه بالله (Philokalia ، المجلد الخامس).

المال بين المسيحي والمسيح

المال بين المسيحي والمسيح

الأب أنطوان ملكي

إحدى غايات هذا النص الإنجيلي هي أن يقول لنا أن ارتباط القلب بثروة هذا العالم يحرمنا من العبور مع السيد من الباب الضيّق. فالغنى في ذاته، كأي شيء آخر، ليس شرًا، إنما عندما تتعلّق به النفس يبعدها عن مخلصها. قد يكون الشاب الغني قد أحسّ بالجوع والعطش إلى الحياة الأبدية فعلاً، فركض ليسأل السيّد أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟في جوابه، السيد لم ينفِ عن نفسه الصلاح لأنه أصلاً هو دعا نفسه الراعي الصالح في مكان آخر، لكنه رفض التفخيم الذي اعتاد اليهود أن يستعملوه. فبحسب القديس أمبروسيوس أن الشاب كان يقصد الصلاح الجزئي لا المطلَق، أي صلاح الإنسان لا صلاح الله، لأنه لا يعترف بأن السيّد هو الله.

السيّد وجّه الشاب نحو الوصية الإلهية كمصدر للتمتع بالحياة الأبدية. يقول القديس مرقس الناسك أن السيد المسيح نفسه يختفي في الوصية، فمَن يمارسها عمليًا يكشفه داخلها. بمعنى آخر إن كانت الحياة الأبدية هي التمتّع بالمسيح أي الحياةعينها، فإننا نلتقي به عمليًا متى آمنّا به خلال دخولنا إلى أعماق الوصية لنجد أنه هو سّر تقديسنا ونقاوتنا وحياتنا. لكن الوصية لا تقف عند ما قدّمه موسى. بل تكتمل بالصليب. لهذا قدم السيد للشاب الوصيةَ التي توصله إلى الكمال: “اذهب بعْ كلّ مالك، وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء. وتعال اتبعني حاملًا الصليب“.

هذه الوصية الإلهية أوقفت الشاب لأن محبته للمال تحرمه من اتّباع المسيح، لأنها تربطه بالتراب. تراجُع الشاب سبّب الألم للمسيح الذي رأى إنساناً بدل أن يستعمل المال استُعبد له، لهذا عبّر واصفاً صعوبة دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله معتبراً مرور الجمل من ثقب إبرة أكثر يسراً. لقد كشف السيد أن العيب ليس في الغنى إنما في القلب المتكل على المال. في التفسير الرمزي أن الجمل يشير إلى الأمم فيما ثقب الإبرة يشير إلى الطريق الضيق، لهذا معنى قول السيد هو أن دخول الأمم أيسر من دخول الأمة اليهودية، وهي الغنية بالناموس والآباء والأنبياء والوعود. لكن الرب لا يترك مَن يريد أن يتعلّم لليأس لذا يؤكّد أن ما يعجز الناس عنه يستطيعه الله. فهو يحوّل الغنى إلى خير.

لماذا تقرأ الكنيسة هذه الحادثة في الأحد الثالث عشر من لوقا، أي حوالي بداية صوم الميلاد. لأنها تريد أن تقول لنا أن الاستعداد للميلاد يكون بالتواضع لا بالغنى، وبعَمَل المحبة لا بادخار المال. هذا الترتيب وضعته الكنيسة منذ زمن طويل وهو يدلّ على وجهها النبوي، وكأنها عرفت منذ البداية أنه سوف يأتي يوم تقع فترة الاستعداد للميلاد تحت سلطة بابا نويل وجشع أصحاب المحلات والأسواق الذين يحوّلونها إلى معارض للإغراءات تطحن الفقراء، كما وانشغال المسيحيين بالتحضير للعيد وحفلاته ومعارضه، بشكل يُفرِغ العيد من كل معانيه السماوية والأرضية.

إن هذه القراءة تقول لنا بأن لا يكونن المال حاجزاً بين المسيحي ومسيحه. مَن معه فليوزّع ويتبع المسيح.

* عظة حول الأحد الثالث عشر من لوقا، لوقا 18: 18-27.

تعليق حول مقالة عن الوحدة الأرثوذكسية

تعليق حول مقالة عن الوحدة الأرثوذكسية

الأب أنطوان ملكي

طلب مني أحد الإخوة التعليق على مقالة في مجلة النور، العدد 6 السنة 74، بعنوان من أجل صيانة الوحدة الأرثوذكسية“. قبل أن أباشر بقراءتها لاحظت أنها لكاتب، اسمه ج.غ.، هو نفسه كاتب مقالة أخرى موجودة على صفحة حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة وعنوانها واقع العالم الأرثوذكسي اليوم” (http://mjoa.org/archives/3176).

بدايةً استغربتُ أن مجلة النور تنشر مقالاً من دون اسم. أذكر يوم لم يكن هناك لدينا مصدر آخر غير مجلة النور ننتظره، كان مكتوباً على أولى صفحاتها الكاتب مسؤول عن مقاله الموقّع، ما يعني استحالة نشر ما ليس موقّعاً. إلى هذا، نشر مقال من دون اسم كاتب يعني أن الناشر يتحمّل مسؤولية ما نُشِر.

في هذه المقالة يقدّم الكاتب قراءة للعلاقات الأرثوذكسية منذ 1948 إلى اليوم بهدف الدعوة إلى الانتباه على الوحدة الأرثوذكسية وصيانتها، ولا يأتي على ذكر القطيعة القائمة بين كنيستي أنطاكية واورشليم. كثافة المعلومات الواردة، ولو من دون ذكر المصادر والمراجع، تدلّ على متابعة، فهل يُعقَل أن الذي يعرف كل هذه الأمور لا يتوقف عند قطيعة أنطاكية وأورشليم؟ هذا الإغفال يتماشى في الحقيقة مع موقف القسطنطينية، لا بل يعكسه. وموقف القسطنطينية يقوم على عدم إعارة الأهمية لما يهمّ غيرها. ولهذا لم تعِر القسطنطينية أهمية لموقف أنطاكية ولم تأخذه بعين الاعتبار ما أدى إلى مقاطعة أنطاكية للقاء كريت. من جهة أخرى، يوجد اليوم ميل إلى إسقاط الوجه اللاهوتي عن كل الخلافات والتركيز على الوجه السياسي فيها، ويمكن قراءة هذه المقالة على أنها نموذج لهذا الخط، دون أن أعني أن الكاتب يقصد ذلك. فالتركيز فيها هو فقط على تأثير السياسة، من الحرب الباردة إلى تدخل الأميركيين المباشر السافر بخلع البطريرك مكسيموس وتنصيب أثيناغوراس مكانه، فيما لا يأتي المقال على ذكر المسكونية وتأثيرها في خلخلة الوحدة الأرثوذكسية ولا حتى على العقدة الحقيقية اليوم التي هي ضمّ المنشقين إلى كنيسة القسطنطينية.

ملاحظة مهمة أخرى على هذه المقالة هي أن التأريخ يبدأ فيها من 1948، بينما الاهتزاز الفعلي للوحدة الأرثوذكسية بدأ منذ 1918 وتحديداً مع ظهور ميتاكساكيس على المسرح الكنسي، حيث لم يألُ جهداً لزرع الشقاقات. إن الدراسة المتأنية للفترة الممتدة بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين تظهِر ببساطة أن أهمّ ما هدد الوحدة الأرثوذكسية هو الحركة المسكونية والتي أحد نتائجها تغذية جموح القسطنطينية نحو المنطق الباباوي في الشرق.

بالعودة إلى مقالة واقع العالم الأرثوذكسي اليومعلى صفحة حركة الشبيبة الأرثوذكسية، ففي جزئها الأول عرض وتحليل لآخر المستجدات في قضية أوكرانيا خاصةً لجهة امتداداتها على مستوى كل العالم الأرثوذكسي. الجزء الثاني يعرض موقف كنيسة أنطاكية. هنا الملاحظة هي في الشكل حيث أن الكاتب يورد هذا الموقف من دون تاريخ فيبدو وكأن كنيسة أنطاكية أصدرت هذا الموقف كردة فعل على ما سبق، بينما موقف كنيسة أنطاكية استبق ما جرى وما يُتوقع، وذلك بالتحديد لأن الكنيسة الأنطاكية قرأت قضية أوكرانيا بنفس قراءتها لقضية قطر. فأنطاكية ترى في أوكرانيا كما في قطر تغييراً لجغرافيا الكنائس الأرثوذكسيّة وإقامة لكنائس موازية ضمن الحدود القانونيّة للبطريركيّات وتفرداً لا يتفق مع الإكليزيولوجيا الأرثوذكسيّةوخروجاً على الاجماع وزجّاً للأرثوذكس في الصراعات السياسيّة العالميّة.

نعم! الأرثوذكسية اليوم في خطر. الوحدة الأرثوذكسية اليوم وحدة شكل. على مستوى الرؤساء يباس وفتور. كلهم يعترفون بالحاجة إلى اجتماع ولا يبادرون. كلٌ غارق بهموم كنيسته المحلية وكأن الدنيا تنتهي عندها. من هنا أن المسؤولية المترتبة على مَن يكتب وينشر في هذا الموضوع كبيرة لأن عليه أن يحاكي وعي الشعب المؤمن أو أن يوعيه. ولكي يكون التوعية صحيحة يجب أن تكون النظرة شاملة ودقيقة. المعلومة وحدها لا تبني وعياً خاصةً إذا كانت غير كاملة. الوعي الفعلي هو حين يدرك المؤمنون أن محاربتنا ليست مع لحم ودم بل مع رئاسات هذا الدهر، وبالتالي السلاح الأكثر فعالية هو الصلاة.

ليقمْ الله ويتبدد جميع أعدائه ويهرب مبغضوه من أمام وجهه.