السنة الرابعة عشرة، العدد الثالث، كانون الأول 2017

السنة الرابعة عشرة، العدد الثالث، كانون الأول 2017

مختارات آبائية

القديس سمعان اللاهوتي الحديث، أعمال الرحمة

الاسقف المعترف نيكولا موغيليفسكي، كلمة عن التجديف والتبجيل

دراسات آبائية

المتقدم في الكهنة ألكسندر زالانانكو، القديس يوحنا كرونشتادت وتربية الأولاد

حياة روحية

عن الرجاء واليأس. من محادثة مع راهب أثوسي معاصر

رعائيات

أثاناسيا باباديميتريو. دعوة زوجة الكاهن للمشاركة في خدمة زوجها

مجموعة من الكهنة الروس. الحياة الافتراضية والأفكار الداخلية

ديمتريوس غريغوروبولوس. العلم في مدى الأرثوذكسية

الأب أنطوان ملكي. عبودية الموت والعبادة

الأب أنطوان ملكي. قديسون لأنطاكية

أعمال الرحمة

أعمال الرحمة

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

أيها الإخوة والآباء

لا ينبغي بي أن أغامر أبداً بالتوجه كمعلم إليكم أو أن آخذ مكان معلم في حضرة محبتكم. لكن كما تعرفون جيداً، فالأرغن الذي يصنعه الحرفي لا يعزف لوحده. بينما عندما تمتلئ أنابيبه بالهواء وتلامسه أصابع العازف بالترتيب المناسب، فيصدر صوته ويملأ الآذان بموسيقاه العذبة. وهكذا الآن معي، تذكّروا أي آلة حقيرة أنا، ولا تتعاطوا بفظاظة مع ما سوف أقول. بالمقابل انظروا إلى نعمة الروح التي من فوق والتي تملأ نفوس المؤمنين بأصبع الله“[1] الذي ينقر على أوتار الفكر ويحثنا على الكلام. أصغوا بخوف ورعدة[2] إلى صوت بوق السيد، وبكلام أصح، إلى ملك الكل عندما يكلّمنا بأدوات. اسمعوا بفهم وهدوء عظيم.

على كلّ منّا أن يكون متنبّهاً ومنتبهاً لنفسه، سواء كنّا مؤمنين أو غير مؤمنين، عظماء أو حقيرين. إذا كنّا غير مؤمنين، علينا أن نؤمن لكي نصل إلى معرفة الله الذي صنعنا وإلى الإيمان به. وإذا كنا نؤمن فلكي نحيا بحق ونرضيه في كل عمل صالح. فالرهبان المبتدئون يجب أن يكونوا مستمعين للمتقدمين من أجل الرب، والمتقدمون يجب أن يعاملوا المبتدئين كأبناء حقيقيين. أعطى الرب وصية: “كل ما صنعتموه بإخوتي هؤلاء الصغار فبي صنعتموه..”[3]. الرب لم يقل هذا فقط عن السالكين في الفقر والعوز بالنسبة للطعام الجسدي، بل أيضاً عن كل إخوتنا الآخرين الضالّين بعيداً، لا من مجاعة الخبز والماء بل من مجاعة نسيان وصايا الله والفشل في إطاعتها. بقدر ما هي الروح أهم من الجسد، هكذا الطعام الروحي أهم من الجسدي. أظن أن الرب، في قوله كنت جائعاً فأطعمتموني…”[4]، قصد الطعام الروحي أكثر من الطعام الجسدي الذي يفنى، لأنه هو نفسه عانى العطش والجوع لخلاص كل منا. إنّ خلاصنا يكون بالتخلي عن كل خطيئة ويستحيل بدون ممارسة الفضيلة وتنفيذ الوصايا جميعاً. نحن نُطعم ربّ الكل، سيدنا وإلهنا، عندما ننفذ وصاياه. يعلمنا آباؤنا القديسون أن الشياطين يتغذون بأعمالنا الشريرة ثم يثورون ضدنا. وهكذا عندما نتخلى عن الشرّ يضعفون من الجوع وينهزمون. لذا أفتكر أن ذاك الذي أصبح فقيراً من أجل خلاصنا، يتغذّى بنا ويعاني من الجوع عندما نتخلّى عنه. هذا ما تعلمنا إيّاه سير القديسين الذين يفوقون رمل البحر عدداً. لهذا سوف أترك الكثيرين وأعلّم محبتكم من خلال امرأة واحدة.

أعلم أنكم سمعتم سيرة مريم المصرية عند تلاوتها، ليس كما رواها شخص آخر بل كما روتها هي نفسها. إنّ تلك المرأة المساوية للملائكة أظهرت فقرها بشكل اعتراف عندما قالت حتى عندما كان الرجال يعطوني ثمن الخطيئة، كما يحصل عادة، لم أكن آخذه. ليس لأني كنت مكتفية من حاجات الحياة، فأنا كنت أحيا من نسج القنّب، إنما ليكون لي عشاق كثر مستعدين لقضاء شهوتي“. عندما أرادت أن تأخذ السفينة لتذهب إلى الإسكندرية كانت فقيرة لدرجة أنها لم تملك لا ثمن البطاقة ولا تكاليف الرحلة. لكنها بعد أن نذرت نذرها لوالدة الإله الفائقة الطهارة وقصدت الصحراء، اشترت رغيفين بقرشين أعطاها إياهما أحدهم وجازت الأردن ومكثت هناك إلى حين موتها. لم ترَ وجه أحد غير زوسيما. وبالتالي هي لم تطعم أحداً من الجياع، ولا سقت عطشاناً، ولا ألبست عرياناً، ولا زارت سجيناً أو استقبلت غرباء. على العكس، هي قادت كثيرين إلى جهنم واستقبلتهم زواراً في مساكن الخطيئة. إذاً، كيف سوف تخلص هذه المرأة وتدخل الملكوت مع الرحماء؟ إنّها لم تنبذ الثروة ولم تعطي مالها للفقراء، كما لم تمارس أيّ عمل رحمة بل بالمقابل أصبحت سبباً لضياع الآخرين. انظروا كيف نصل إلى نهاية منافية للعقل. نحن نطرح كثيرين من القديسين خارج الملكوت إذا اعتبرنا أن أعمال الرحمة تكون فقط بإعطاء المال والطعام الجسدي، وأن الرب يغتذي فقط بهذه وأنه لا يخلّص إلا الذين أطعموه وسقوه وقدّموا له العبادة وأن الذين لم يفعلوا هذا يهلكون. إن هذا مستحيل.

كلّ الأشياء والممتلكات التي في العالم مشتركة للجميع: النور والهواء الذي نتنفسه، كما مرعى الحيوانات في السهول وعلى الجبال. كلّ هذه الأشياء صُنعَت ليستعملها الجميع ويتمتّعوا بها. ومن حيث الملكية هي ليست لأحد. لكن الشهوة تسلّلت، مثل طاغية، إلى الحياة وبطرق شتى قسّم عبيدها وتابعوها ما أعطاه السيد ليكون مشتركاً. حبستهم بالخديعة وأغلقت عليهم بالأبراج والأقفال والأبواب. حرمت كل البشر الباقين من التمتع بعطايا السيد الحسنة متبجحة بأنها تملكهم ومدّعية أنها لم تخدع أحداً. لكن أتباع هذه الطاغية وعبيدها أصبحوا بدورهم عبيد الشيطان وحفظة للمتلكات والأموال الموكلة إليهم. حتى لو تأثروا بالخوف من العقوبات المخبأة لهم أو بالأمل باستعادة هذه الأملاك مئة ضعف، أو بالعطف على بؤس البشر، وأخذوا بعضاً أو حتى كل هذه الأشياء ليعطوها لهؤلاء الذين في الفقر والأسى، هل سوف يُحسبون رحماء؟ لا بأيّ شكل. أنا أخبركم أن عليهم دَيناً من الندامة، إلى يوم موتهم، عن كل ما احتفظوا به وحرموا اخوتهم من استعماله.

من جهتنا، نحن أصبحنا شكلاً فقراء مثل ربنا يسوع المسيح الذي اصبح فقيراً من أجلنا بالرغم من غناه. كيف سوف نُحسب رحومين معه فيما نحن نظهر رحمة نحو أنفسنا وهو الذي صار مثلنا من أجلنا؟ فكّروا جيداً بما أقول. من أجلكم أصبح الله إنساناً فقيراً. أنتم الذين تؤمنون به مدينون له بأن تكونوا فقراء مثله. هو فقير بحسب الطبيعة البشرية وانتم فقراء بحسب الطبيعة الإلهية. إذاً فكّروا كيف تطعموه. انتبهوا جيداً أنه أصبح فقيراً لتصبحوا أغنياء ولينقل إليكم غنى رحمته. اتّخذ جسداً لكي تصبحوا شركاء في ألوهيته. لهذا، كما قال، يكون هو ضيفكم عندما تستعدون لاستضافته. إنّه يحسب جوعكم وعطشكم من أجله طعاماً وشراباً له. كيف؟ لأنكم بهذه الأعمال وأمثالها تطهّرون أنفسكم وتخلّصون ذواتكم من مجاعة الشهوات وقذارتها. الله الذي يستقبلكم ويجعل كلّ ما لكم لنفسه، يشتهي أن يجعلكم آلهة تماماً كما صار هو إنساناً. إنّه يحسب كلّ ما تفعلونه لأنفسكم وكأنه هو يتحمّله قائلاً كما فعلتم هذا لأصغر واحد انتم فعلتموه لي“.

بأيّة أعمال أخرى أرضى الله أولئك الذين عاشوا في المغاور والجبال وخلُصوا بالمحبة والندامة والإيمان؟ لقد تركوا العالم كله وتبعوه وحده. لقد استقبلوه وأكرموه كضيف بالندامة والدموع، لقد أطعموه وأعطوه شراباً عندما كان عطشاناً. وهكذا بالفعل، كل المدعوين أبناء الله، بحسب المعمودية المقدسة، هم فقراء وحقيرون بحسب العالم. إنّ الذين يدركون في أنفسهم أنّهم أبناء الله، لا يستطيعون من بعدها احتمال أن يزيّنوا أنفسهم لعالم عابر، لأنهم البسوا أنفسهم المسيح. مَن مِن الناس اللابسي الإرجوان الملكي يرضى أن يضع عليه ثوباً قذراً ممزقاً؟ أولئك الذين لا يعرفون هذا وهم عراة، بدون ثياب ملكية، إنما يسعون إلى أن يحملوا المسيح بواسطة التوبة والأعمال الحسنة الأخرى التي ذكرناها، فيلبسون المسيح نفسه. إنّهم أنفسهم مسحاء كما هم أبناء الله بقوة المعمودية المقدسة. ولكن ماذا ينتفعون لو ألبسوا كل العراة في العالم وفشلوا في إلباس أنفسهم وبقوا عراة؟

مرة أخرى، نحن الذين اعتمدنا على اسم الآب والابن والروح القدس، نحمل إسم أخوة المسيح. لا بل نحن أكثر من ذلك لأننا أعضاؤه. أنت تستضيف كل الآخرين وتكرمهم وتعتني بهم لأنك أخو المسيح وعضوه. ولكن ألا تكون قد عاملت أخوّة المسيح باحتقار إن أنت، بدل أن تجاهد بكل الوسائل للوصول إلى قمة تلك الحياة والشرف اللذين يرضيان الله، أهملت نفسك وتركتها مطروحة في القذارة والفساد والكآبة العميقة، من خلال الشره ومحبة اللذة، وكأنك ميت؟ ألا تكون قد تركتَه للجوع والعطش؟ ألا تكون تركته من دون زيارة وهو في السجن؟ وبالتأكيد سوف تسمعه يقول لم يكن لك رحمة على نفسك ولهذا لن ترى الرحمة“.

ولكن إن قال أحد بما أن الوضع هو على هذه الحال وليس لنا مردود للأموال والممتلكات التي نعطيها فما الحاجة إلى إعطاء الفقير؟، فاتركوه يسمع من الذي سوف يحاكمه ويجازي كل إنسان بحسب أعماله أيها الأحمق ماذا جلبت معك الى العالم؟“[5]، هل صنعت شيئاً منظوراً؟ ألم تأتِ عرياناً من رحم أمك؟ ألن تمضي من الحياة عرياناً؟ ألن تقف أمام كرسي حكمي؟ أي مال لك هناك تطلب عنه تعويضاً؟ بأيٍ من ممتلكاتك تقول أنك أعطيت صدقة لإخوتك ومن خلالهم لي؟ أعطيتك كل هذه الأشياء، ليس لك وحدك ولكن لكل الناس مشاركة. أو هل تفتكر أني اشتهيت شيئاً او أني أُرتشى مثل الطماعين من قضاة الناس؟ من المستحيل أن تكون قد افتكرت هكذا في حماقتك. ليس لأني اشتهيت أي ثروة إنما لأني أشفق عليك. وليس لأني أريد أن آخذ ما لك بل لأني أريد أن أحررك من الدينونة العالقة به (بما هو لك) وليس لسبب آخر“.

لا تفتكر أبداً يا أخي أن الله يوصيك بإظهار الرحمة نحو الفقراء ويعطي هذه الوصية قيمة كبيرة، لأنّه في عوز وغير قادر على إطعامهم. لقد أخذ المسيح ما صنعه الشيطان من خلال الطمع لهلاكنا، وحوّله بإعطاء الصدقات لصالحنا وأضافه إلى خلاصنا. ماذا أعني؟ أوعز لنا الشيطان بأن نستولي على الأشياء التي أُعطِيناها لاستعمالنا المشترك لكي نختزنها لأنفسنا حتى يجعلنا هذا الطمع عرضةً لاتهام مزدوج وبالتالي لعقاب أبدي ودينونة. الاتهام الأول هو بأننا كنا عاقين، والثاني بأننا وضعنا رجاءنا في الممتلكات المخزونة بدل الله. لأن الذي يملك ثروات مخبأة لا يستطيع أن يضع رجاءه على الله، وهذا واضح من قول المسيح ربنا بأنه حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم[6]. إن الذي يوزّع على الجميع من الثروة التي خبأها ليس له أي مكافأة على هذا العمل، إنما يُلام لأنه حرم الآخرين منها حتى الآن بغير حق. إضافة إلى هذا، هو مسؤول عن الذين خسروا حياتهم بسبب الجوع والعطش، وعن الذين لم يطعمهم حين كان قادراً على ذلك، وعن الفقير الذي خبّأ حصته وتركه يموت ميتة فظيعة من البرد والجوع. إنه متهم وكأنه قتل ضحايا كثيرة، بعدد الذين كان قادراً على إطعامهم.

عندما يحررنا السيد الكريم المنعم من كل هذه الاتهامات، لا يعود يحصينا بين الذين يحتجزون ممتلكات الآخرين. إنه يحسبها أملاكاً لنا يعد أن يعطينا مئة ضعف، وليس فقط عشرة أضعاف، إن نحن وزّعناها على إخوتنا بابتهاج. لا يكمن هذا الابتهاج في النظر إلى هذه الأشياء على أنها لنا بل على أنها أمانة لدينا من الله من أجل خير الخدّام إخوتنا. إنه يكمن في توزيعها بكرم وفرح وشهامة وليس بحزن أو إكراه. بعدها علينا أن نفرغ أنفسنا بفرح من كل ما فيها على رجاء تحقيق الوعد الذي قطعه الله بمكافأتنا بمئة ضعف. فالرب استعمل الدواء المناسب كونه يعرف أننا متمَلَكون بشهوة الممتلكات والثروة ويعرف كم هو صعب علينا أن نتخلى عنها، وكيف يصاب باليأس من الحياة كل مَن لا يمتلكها. لقد وعَدَنا، كما ذكرنا، بأن يردّ لنا ما نعطيه للفقير مئة ضعف. وقد فعل هذا أولاً ليحررنا من دينونة الطمع وثانياً لنتوقف عن وضع رجائنا وثقتنا في الممتلكات، ونحرر قلوبنا من هذه القيود. عندما نتحرر، نستطيع أن نتقدم بدون عراقيل إلى تطبيق وصاياه وخدمته بخوف ورعدة، ليس كما لو أننا نُحسن إليه بل كأن قبولنا في خدمته هو كسب لنا. بغير ذلك يكون مستحيلاً علينا أن نخلص. لقد أُوصي الأغنياء بأن يضعوا ثروتهم جانباً لأنها حِمل وعائق أمام الحياة التي ترضي الله، وأن يحملوا الصليب على أكتافهم ويتبعوا خطى السيد لأنه يستحيل علينا أن نحمل الحِملين معاً. كذلك ليس هناك ما يعوق الذين ليست هذه حالهم العائشين في ظروف أكثر اعتدالاً أو حتى ينقصهم الكثير من حاجات الحياة، إن هم أرادوا أن يسلكوا الدرب الضيق والصعب. المذكورون أولاً لا يحتاجون إلا العزم ليفعلوا هذا، أما الآخرون فهم يسيرون على هذا الطريق وعليهم أن يعيشوا بصبر وشكر، والرب بعدله يهيء مكان راحة للذين هم على طريق الحياة الأبدية والسعادة.

ولكن التخلي عن الممتلكات والثروة بدون المحاربة بشجاعة ضد هجمات الشهوات وكل أنواع المحن، يبدو لي ملائماً لنفس غير مكترثة ولا تعرف النهاية التي يخدمها هذا العمل. كما أن الذهب الفاسد في عمق الأرض لا يتنقى حسناً ويعود إلى لمعانه الأصلي بدون تمحيصه بالنار وضربه بالمطارق، كذلك النفس الملوثة بغبار الخطيئة لا تستطيع أن تتنقى وتعود إلى بهائها الأصلي إلا إذا التقت بتجارب كثيرة ودخلت في أتون المحن. تشير كلمة الرب إلى هذا بقوله بِع كل شيء واعطه للفقراء واحمل صليبك واتبعني“[7]. يشير هنا بالصليب الى الشهوات والتجارب. الذين يتخلون عن الثروات والممتلكات ويلجأون الى الحياة الرهبانية لن يكسبوا شيئاً بهذا التخلي إلا إذا ثابروا إلى النهاية بالتجارب والآلام والحزن الذي يرضي الله. لم يقل المسيح بترككم ممتلكاتكم تكسبون نفوسكم، بل بصبركم[8]. واضح أن توزيع المقتنيات على الفقراء وهجر العالم هما أمران ممتازان ونافعان ولكنهما لوحدهما، وبدون تحمّل التجارب، لا يستطيعان أن يصنعا رجلاً ممتازاً ومرضياً لله. إن الحقيقة هي على هذا الشكل، وهي التي ترضي الله، واسمعوه يقول للرجل الغني: إن أردت أن تكون كاملاً، بِع ما لديك واعطه للفقراء واحمل صليبك واتبعني. وكما ذكرنا سابقاً فالصليب يشير إلى التجارب والمحن.

لأن ملكوت السماوات يغتصب اغتصاباً ومن المستحيل على المؤمن أن يدخله بطريقة أخرى غير المرور بباب التجارب الضيق، فقد أوصتنا الحكمة الإلهية بأن اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق“[9] وأنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السماوات“[10]. إذاً ذاك الذي يفرق برّه“[11] على المحتاجين ويتخلّى عن العالم وأعماله على أمل المكافأة، يحمّل ضميره باللذة العظيمة التي يحملها في داخله وقد يفقد مع الوقت المكافأة بسبب المجد الباطل. أما الذي يعطي كل شيء للفقراء ويتحمّل الصعوبات بشكر ويحفظ نفسه في الصعوبات ويحس بكل مرارة المعذبين وألمهم، فهو يبقي فكره غير منثلم في الوقت الحاضر. أما في الحياة المقبلة فله ثواب عظيم لأنه تشبّه بآلام المسيح وانتظره بصبر في الأيام التي فيها أغارت عليه الشهوات.

إذاً يا إخوتي في المسيح، أنا أتوسل إليكم أن نسعى لنتصرف بحسب كلمة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. فنحن قد تركنا العالم والأشياء التي في العالم“[12] لكيما ندخل في الباب الضيّق، الذي يستدعي قطع فكرنا وإرادتنا الشهوانيين والهرب منهما. لأننا إن لم نمت بالجسد وشهواته ورغباته فلن يكون مستطاعاً لدينا أن نحصل على الراحة والتحرر من أمراضنا، ولا الحرية التي تأتي إلينا من تعزية الروح القدس. بدون هذا أعني مجيء الروح القدسفإن أحداً لن يرى الرب، لا في هذا العالم ولا في الآتي. لأنكم فعلتم حسناً بأنكم وزعتم كل ثروتكم على المحتاجين، طالما أنكم لم تتركوا شيئاً لكم على مثال حنانيا[13]، وإضافة فقد تخليتم عن العالم وما فيه، وهجرتم الحياة العالمية واهتماماتها ووصلتم الى نعيم الحياة وغلّفتم أنفسكم بصورة التقوى[14]، فأنا اوافقكم وأمدح مجهودكم. ولكن الآن يجب أن تعرّوا أنفسكم من اهتمام الجسد“[15]، تماماً كما نبذتم ثيابكم العالمية الفاخرة. وكما أنكم وضعتم عليكم رداءكم (الرهباني) هذا من أجل المسيح، هكذا عليكم أن تكتسبوا عادات النفس والفكر الروحي نفسه. يجب أن تكتسبوا من خلال التوبة ذلك الثوب المشعّ الذي هو الروح القدس عينه. هذا يتحقق فقط من خلال الممارسة المستمرة للفضائل وتحمّل الأحزان. تتحرك النفس المنكسرة نحو الدموع بالتجارب. وعندما تنقي الدموعُ القلبَ تحوّله إلى هيكل للروح القدس ومكان راحة له. لا ارتداء الثوب الرهباني ولا ترتيب المنظر الخارجي يكفيان لخلاصنا وكمالنا. نحن بحاجة إلى أن نزيّن إنساننا الداخلي كما الإنسان الخارجي بوساطة الروح القدس فنقدم أنفسنا إلى الله بالنفس والجسد. نحن ندرّب الجسد على أعمال الفضيلة بالرياضة الجسدية[16] حتى يكون قوياً ومدرباً على الأمور المؤلمة التي ترضي الله ولكي يحمل بنبل مرارة الصوم، وقوة التقشف وضرورة السهرانيات وكل عذابات الصعوبات. بالتقوى ندرّب النفس لترتأي كما يجب أن ترتأي[17] ولتتأمل دائماً بالأمور المتعلّقة بالحياة الأبدية، وتكون متواضعة ووديعة ومنسحقة القلب، مملؤة بالندامة، باكية كل يوم تستحضر نور الروح عليها بالصلاة. هذه النعم تأتي إليها من خلال التوبة المتقدة عندما تتنقى النفس بالدموع الكثيرة. وبدون هذه لا تستطيع أن تنقي حتى ثوبها وتترك نفسها ترتفع الى المعاينة. كما أن الثوب المنتقع في الوحل والروث وسخ كلياً حتى إنه لا ينظف إلا بغسله بماء كثير ودوسه بالأقدام، كذلك عندما يصبح ثوب النفس ملوثاً بوحل الشهوات الخاطئة ووسخها، لا يعود مستطاعاً غسله ليصبح نظيفاً إلا بدموع غزيرة واحتمال للتجارب والمحن. فهناك سائلان يفرزهما الجسد بالطبيعة: الدموع التي تنسكب من فوق، والآخر الذي ينسكب من أعضاء التناسل. فالأخير يلوث النفس عندما يفرّغ بعكس الطبيعة والناموس، بينما الأول يطهّرها عندما ينسكب من التوبة. الذين أصبحوا ملوثي النفس من الممارسة الأثيمة للخطيئة وحركة القلب الشهوانية التي تطبع فيهم أشكال الشهوات غير العاقلة، يجب أن يتنقوا بدموع غزيرة ويصلوا إلى نقاوة ثوب النفس وإلا فتستحيل عليهم رؤية الله النور الذي ينير كل إنسان آتٍ إليه بالتوبة، لأن النقي القلب هو الذي يعاين الله[18].

لهذا أتوسل إليكم أيها الآباء والإخوة والأبناء، دعونا نسعى لنكسب نقاوة القلب التي تأتي من الانتباه لطرقنا ومن الاعتراف الدائم بأفكار النفس المخفية. لأننا إن اعترفنا يومياً بهذه الأفكار، محرَّكين بقلب تائب، تُخلق فينا الندامة على ما فعلنا أو افتكرنا. الندامة ترفع الدموع من عمق النفس؛ الدموع تنقي القلب وتمسح الخطايا العظيمة. عندما تُمسح هذه الخطايا بالدموع، تجد النفس نفسها في عزاء روح الرب فتسقيها ينابيع الندامة الأكثر عذوبة. بهذه تثمر الروح روحياً يوماً بعد يوم حتى تظهر ثمار الروح[19] وفي الوقت المناسب تعطي مثل حصاد وفير من الحب ومصدر طعام لا يفرغ لحياة النفس الأبدية التي لا تفنى. عندما تصل النفس إلى هذه الحالة فإنها تتشابه بالله وتصبح منزلاً ومقراً للثالوث القدوس، فهي ترى خالقها وربها بوضوح. وعندما تحاوره يوماً بعد يوم، تبتعد عن الجسد وعن العالم وعن هذا الجو وتصعد إلى سماء السماوات. فهي إذ تُحمل عالياً بالفضائل وبأجنحة محبة الله، ترتاح من أعمالها مع الصديقين وتُوجد في النور الإلهي غير المتناهي، حيث مصاف رسل المسيح والشهداء والمباركين وكل القوات العلوية ينشدون معاً في آن واحد.

إخوتي في المسيح ، لنسعى لأن نصل الى هذه الحالة. لا نقصرنّ عن آبائنا القديسين بل بحماستنا للصلاح وممارستنا لوصايا المسيح فلننتهي الى إنسان كامل، الى قياس قامة ملء المسيح“[20]. لا شيء يمنعنا من هذا إن كنا نتوق إليه. لهذا فلنمجد الرب في أنفسنا وهو يوجِد الفرح فينا. عندما ننطلق من هذه الحياة فسوف نجد الرب مثل حضن ابراهيم، يستقبلنا ويدللنا في ملكوت السماوات. نحن نصل إلى كل هذا بنعمة ربنا يسوع المسيح له المجد إلى الأبد. آمين.

[1] لوقا 20:11

[2] أفسس 5:6

[3] متى 40:25

[4] متى 42:25

[5] 1 تيم7:6

[6] لوقا 34:12

[7] متى 21:19و24:16

[8] لوقا 19:21

[9] لوقا 24:13

[10] أعمال 22:14

[11] مز9:112

[12] 1يوحنا 15:2

[13] أعمال 1:5

[14] 2تيموثاوس5:3

[15] روما 6:8

[16] اتيم8:4

[17] روم3:12

[18] متى 8:5

[19] غلاطية 22:5

[20] أفسس 13:4

كلمة عن التجديف والتبجيل

كلمة عن التجديف والتبجيل

ذكريات معجزة القديس نيل ستولوبنسك

الاسقف المعترف نيكولا موغيليفسكي مطران الما اتا وكازاخستان

التجديف هو خطيئة فظيعة! في كل مرة يتناول فيها الناس بالمزاح الأشياء المقدسة أو الأفعال المقدسة، او يقللون من التوقير السليم للقديسين ولكل ما له علاقة بالكنيسة، أو يشوّهون سمعة الكهنة أو يشهّرون بهم، يكون هذا تجديفاً. حذار من هذه الخطيئة الفظيعة! قد تقولون لي: “فلاديكا (سيدنا)، نحن لسنا مجدفين!” هذا أمر جيد! ولكن هناك العديدون بيننا مَن هم قريبون من التجديف. لنأخذ مثالاً. نزور منزلاً أرثوذكسياً فنرى صور العائلة والأصدقاء معلقة على الجدران، نظيفة، وكل شيء حولها جميل. ولكن في الزاوية القريبة نجد أيقونة معلّقة وقد اسودّت من الغبار، وتتدلّى منها بعض الأزهار القديمة المتلاشية والمجعّدة. هل هذا يرضي الله؟

هناك كهنة ممن لا يهتمون بتنظيف الهيكل ولا المذبح بما فيه الكفاية: هذا مكان رهيب حيث الملائكة تنظر بخوف ومحبة. أثناء تجوّلي في الأبرشية، وصلت إلى إحدى المدن، فقال لي المتقدّم أن أحد الكهنة (باتوشكا) كان لا يهتمّ بالنظافة ويحتاج إلى تشديد. ذهبت إلى كنيسته، وماذا رأيت؟ على المذبح طبقة من الغبار، على الأيقونات أزهار يابسة لم تُبَدَل منذ عامين. سألته: “أين هي أيقونتك العجائبية؟“. فأجاب: “ها هي!” قلت: “أنا لا أرى ذلك!”. فأجابني: “إنها هنا، فلاديكا!” فقلت لا! أنا لا أرى الأيقونات وراء كل الغبار المتراكم عليها“. طلب الكاهن الغفران ووعد بالتغير وتقديم تقرير أسبوعي عن الحفاظ على النظافة في الكنيسة.

وهنا صورة أخرى. في الفصح وبعد الانتهاء من السحرية والقداس وقد جلستم لكسر الصوم. تأكلون قطعة من الكوليش (خبز الفصح) مع الجبن، وتحيّون بعضكم البعض المسيح قام، ومعكم البيض المبارك، وتكسرونه وتأكلونه. كل شيء يتّم بشكل جيد وواضح. “وأين أضع قشور البيض؟تسأل الخادمة. “في القمامة، بطبيعة الحال!” هذه القشرة، التي رُشَّت منذ قليل بالمياه المقدسة في الكنيسة، وبورِكت بترتيل المسيح قامعليها مرات عديدة، سوف ترمونها في سلة المهملات؟ أهذا هو احترام الأشياء المقدسة وكنيسة الله؟! تذكّروا جيداً أن كل ما يتعلّق بالخدم الإلهية وكنيسة الله هو مقدس، ومن خلاله يتم سكب نعمة الله ومحبته علينا، وعليكم بالتالي أن تقاربوها بمحبة كبيرة وورع. أردتُ أن أنهي مع هذا، ولكن تذكرت قصة أخرى يجب أن أرويها لكم.

جرت القصة في دير القديس نيل ستولوبنسك على بحيرة سيليجر. رفات هذا القديس مكرّمة هناك، وهي الآن في صندوق جديد، فيما الصندوق السابق وعليه ايقونة القديس موجود في الكنيسة فارغاً. في يوم من الأيام ذهبت امرأة تقية إلى الدير مع طفلين صغيرين للتبرك من الرفات المقدسة. وبينما كانت المرأة تصلي في الكنيسة، كان طفلاها يركضان في الحديقة، ويقطفان توت الرماد غير الناضج الذي ينمو بوفرة هناك. دخلا الكنيسة التي لم يكن فيها أحد في ذلك الوقت، وحيث كان صندوق رفات القديس السابق. هناك بدآ لعبتهما: رمي التوت على أيقونة القديس.

وفجأة، وتحت سماء صافية، سمع جميع الحاضرين في الدير رعداً رهيباً هزّ المبنى بأكمله. المرأة، إذ لم ترَ طفليها من حولها، هرعت للبحث عنهما في ضوء هذا الخطر. وأخيراً وجدتهما مرميين فاقدَي الوعي قرب الصندوق الفارغ. تجمّع الرهبان هناك لإعادة الطفلين إلى وعيهما. وعندما استعادا وعيهما، سألتهما الأم عما حدث لهما؟ فأخبرا ​​كيف بدآ اللعب برمي التوت على الجد، وكيف رأيا فجأة أن الجدقام ورفع اصبعه، وإذ بذلك البرق يومض، والرعد ينفجر، وبعد ذلك لم يعودا يذكران شيئاً. أترون كيف أن الله يطارد ويحذّر حتى الأطفال الصغار الحمقى لعدم احترام قديسيه. حذّروا أطفالكم ونبّهوهم من هذا.

بصلوات القديس غريغوريوس العجائبي ليهبنا الرب لنا ولأطفالنا عطية توقير الايقونات والأشياء المقدسة. آمين.

القديس يوحنا كرونشتادت وتربية الأولاد

القديس يوحنا كرونشتادت وتربية الأولاد

المتقدم في الكهنة ألكسندر زالانانكو

نفس الولد هي جمال إلهي

اعتبر القديس يوحنا كرونشتادت أن محبة الأولاد أساس عمل المعلّمين، وهذا ما تهمله غالبية تقنيات العلوم والنشاطات التربوية الحديثة. كان يقول لتلاميذ الثانوية حيث كان يعلّم: “أنتم أبنائي، لأنني ولدتكم ولا أزال ألدُكم إلى بشرى يسوع المسيح الحسنة. إن دمي الروحي، أي تعليمي، يجري في عروقكم. أنتم أبنائي، لأني أحفظكم دائماً في قلبي وأنا أصلي من أجلكم. أنتم أبنائي، لأنكم نَسْلي الروحي. أنتم أبنائي، إذ بحق، ككاهن أنا أب وأنتم تدعوني باتيوشكا” (“الأب الصغير، وهو اسم مناداة رقيق لكاهن).

عاش في الاب يوحنا نوع من المحبة الملائكية للأطفال، وهذا ألهمه ونشّط عمليته التعليمية برمتها. كانت هذه المحبة هدية خاصة من نعمة الله، وقد اشتعلت في داخله بقوة بحيث أنه في السنوات اللاحقة، عندما توقّف عن التعليم، غالباً ما كان يشفي الأطفال المرضى بقوة المحبة والصلاة، مباركاً إياهم دائماً وموجّهاً إياهم في الإيمان. لطالما كان يبكي على الأطفال المرضى، وخاصة إذا كانوا مرضى روحياً! فمرّة يداعب رأس طفل مهتزّ عاطفياً، ومرة أخرى يقبّل فتاة واقعة تحت مرض خطير في المستشفى، راكعاً أمام سريرها: “يا عزيزتي، أتتألمين؟ صغيرتي المتألّمة! ” كان الأب يوحنا يرثي لهم.

صرامة الأب يوحنا

ومع ذلك، الأب يوحنا قد يكون مفاجئاً. في يوم من الأيام، قام صبيٌّ يبلغ من العمر ستة عشر عاماً، وقد كان كسولاً للغاية وفاسد الأخلاق، وعبّر عن عدم إيمانه بألوهية الروح القدس أمام الصف بأكمله. ومع أن الأب يوحنا وصفه بأنه كافر وبغيض، إلا إنه أجاب على سؤاله. في وقت لاحق استدعاه وأجرى معه محادثة على انفراد، من بعدها أحسّ الصبي بالتجدد والقوة بالروح.

يتذكر البعض أنّ سيدة نبيلة اشتكت إلى الأب يوحنا عن تدهور مستوى تربية أطفالها الدينية والأخلاقية. فقد قالت إن معلميهم يدرسّونهم كل ما يحتاجونه لاجتياز الامتحانات ويكونوا أذكياء“. صحّح لها الأب يوحنا قائلاً: “يجب أن تقولي إنهم يقصفونهم وليس يدرسّونهم“. “عندما يُقصَفون بالمعرفة الروحية يتملّكهم نفس الشعور الذي يتملّكهم عندما يتعلمون الحساب وما شابه. ولكن ماذا عنك؟ هل تهتمّين بنفوسهم؟ هل وجهتِهم حتى يسعوا إلى استحسان الله كما يسعون إلى استحسان البشر؟ أقترح عليهم ذلك قدر استطاعتي، أجابته السيدة. “في نهاية الأمر، لا يمكن للمرء أن يجد الباب إلى قلب طفله“. “أنتِ لم تجدي الباب إلى القلب، لذلك سوف تحصلين على وحوش بدلاً من البشر، أجاب الأب يوحنا. “لقد نسيت أن الرب قد أظهر البشرية مثلاً في أنواع الطيور. يضع الطائر أولاً بيضة، وطالما هذه البيضة محفوظة إلى الوقت المناسب، فهي تبقى كائناً جامداً. هذا الأمر نفسه ينطبق على الناس. الطفل المولود هو البيضة مع بدايات الحياة الدنيوية، ولكنه فاقد الحيوية من جهة نموه في المسيح. إن الطفل الذي لم يدفئه والداه وعائلته حتى جذور روحه، حتى جذور كل مشاعره، سيظل ميتاً بالروح عن الله والأعمال الصالحة. وبالتحديد من هؤلاء الأطفال الذين لم يدفأوا من المحبة والرعاية الروحية تأتي هذه الأجيال إلى العالم، ومنها سوف يجنّد أمير هذا العالم جيوشه ضد الله وكنيسته المقدسة“.

عظمة الثقة والمسؤولية في تعليم أطفال الله

يحذّر الأب يوحنا من أن الله والآباء قد أوكلوا أطفالهم إلى المعلم، وهذا يتطلب مسؤولية وعلاقة دقيقة معهم. وكثيراً ما لاحظ أن كل شيء جميل، شخصي، وفريد من نوعه قد تمّ وضعه بالفعل في قلب الطفل كما في بذرة. من جهة أخرى، يوفر الله كل ما يلزم لنموهم وتنميتهم. ولكن من أجل عملنا الذي هو التربية وهو عمل متواضع لكنه صعب مضني، فيجب أن نقتني محبة الأطفال والاهتمام بهم. ولكن المكافأة على هذا العمل الذي يُنجز وفقاً لما يمليه الضمير كبيرة على قدر المسؤولية التي فيه، إذ قد عهد الله به إلينا لأن الأطفال هم ميراثه. فيهم ليس مستقبلنا وحسب، بل أيضاً حاضرنا، وبشكل خاصّ المستقبل الأبدي. یذكّر الأب یوحنا المعلمین: “«انظروا ألاّ تحتقروا أحد هؤلاء الصغار» (مت 10:18)عندما لا تستلطفونهم لسبب ما. إنكم تستهجنون ملاك الله المُكلّف بالسهر عليه. أنتم تستهينون بطفل الله، وقبل الكلّ انتم تزدرون الرب نفسه أبا جميع الأطفال”. وهكذا، فإن كل من يخالف أصغر هذه الوصايا بسبب الإهمال، معتبرا إياها بلا شأن، ويعلم الآخرين أن يسلكوا على المنوال نفسه، فسوف يُدعى الأصغر في ملكوت السماء (بحسب تفسير القديس يوحنا الذهبي الفم إن مخالف الناموس سيكون الأصغر، أي الأخير، المطرود من ملكوت السماء وغير المستحق له“)، ومن يحفظ ويعلم الوصايا فسوف يُدعى كبيراً في ملكوت السماء (راجع متى 19:5).

وصايا القديس يوحنا للمعلمين

ماذا يوصي الأب يوحنا معلمي الأطفال من أجل التمييز والانتباه من الخطيئة؟ ماذا يوصي الأطفال أنفسهم حتى يعرفوا عن الخطر ونتائج الخطيئة؟ كان يقول حذّروا الأولاد من الخطيئة ونتائجها!” وكان يعلّم: “لا تتركوا الأولاد من دون ملاحظة في ما يتعلّق باقتلاع من قلوبهم هشيم الخطيئة والفساد والشر وأفكار التجديف، وأهواء الخطيئة، والميول والعادات التي تتكوّن منها حياتنا ايضاً. إن عدو الخلاص والجسد الخاطئ لا يوفّران الأولاد أيضاً، فعندهم كل بذور الخطايا. أظهِروا للأولاد صورة عن الخطر كله ونتائج خطاياهم المؤلمة، حتّى لا يكون جهلهم وعدم معقوليتهم سبباً لتنشئتهم على يد كبارهم على طريق الحياة بالأهواء والعادات الخاطئة التي تتضاعف مع التقدّم بالعمر.

إن التنشئة المسيحية هي خط الدفاع الأول في الصراع من أجل خلاص نفس الولد. الأب يوحنا الذي كان عانى من صعوبة التعلّم حين كان طفلاً، كان بحسب ذكريات معاصريه مربياً مميّزاً. لم يلجأ يوماً إلى طرق التعليم التي كانت منتشرة في المدارس: لا للصرامة المفرِطة ولا للإذلال المعنوي لبطيئي التعلّم. علاقته الدافئة الحنونة مع التلاميذ كانت معروفة، وكانت نفسها تنطبق على عمل التعليم. لم يكن عنده متعلّمون بطيئون. الكلّ، من دون استثناء، كانوا يغرقون بشراهة في كل كلمة. لم يكونوا يصبرون إلى أن يبدأ الصف، فدروسه كانت بالغالب متعة للتلاميذ أكثر منها حملاً وواجباً، لقد كانت محادثة حيّة وحديثاً جذّاباً وقصصاً مثيرة وآسرة للانتباه.

كان هناك حالات يدافع فيها الأب يوحنا عن تلميذ كسول صدرت بحقه إدانةبالطرد، وكان يتحمّل مسؤولية إصلاح الولد. وما أن تمرّ سنوات قليلة حتّى يستقيم الولد شخصاً محترماً وهو الذي كان حالة ميئوساً منها.

قبل كل شيء، على المسيحيين أن يحرصوا على أن ينمو الأولاد ثابتين في الإيمان المسيحي، أبناء حقيقيين لله، أعضاء أحياء للكنيسة، لكي يَتَصَوَّرَ المسيح في قلوبهم (أنظر غلاطية 19:4)، فيحبّوا الله ويفضّلوه على كل شيء في الحياة الأرضية، ومن ثمّ قريبهم كنفسهم (متى 37:22-40). وكما يقول القديس سارافيم ساروفسكي يكون هدف حياتهم اكتساب الروح القدسمن أجل خلاص نفوسهم.

عن الرجاء واليأس

عن الرجاء واليأس

من محادثة مع راهب أثوسي معاصر

اشتكى بعض الضيوف العاديين إلى أحد الرهبان في واحد من الأساقيط الأثوسية، من أن الاضطرابات والصعوبات والمشاكل الدنيوية تحرمهم من وقتهم وقوتهم، مما يسبب لهم اليأس، ولا يعرفون كيف ينقذون نفوسهم في مثل هذه الظروف. بعد أن استمعوا إلى إجابة الراهب، طلبوا الإذن بنشر كلماته، لكونها تثير اهتمام دائرة أوسع من المسيحيين وتفيدهم. وافق الراهب طالباً فقط عدم ذكر اسمه على أنه المؤلف، لأن، كما أوضح، كل ما قاله هو تعليم الكنيسة والتقاليد الروحية الأرثوذكسية، وليست أفكاره الشخصية. تلبية لهذا الطلب السهل، نورد كلمات هذا الراهب الأثوسي النافعة للروح.

لكي نكون أقوى، فلنتذكر خيبة الأمل الكامنة وغير المتوقعة، والمشاكل التي تفاجئنا، والعقبات التي لا نستطيع التنبؤ بها، والفرح غير المتوقع الذي يرفعنا إلى السماء وكأننا على أجنحة، والمعاناة التي تغزو روحنا، مثل عاصفة يزيد الألم من انحناء رؤوسنا أكثر وأكثر، ولكن فقط بمعونته نصير قادرين على معرفة السلام الحقيقي ونصير أقوياء.

نحن أُعطينا أسلحة إلهية لخلاص أرواحنا: الصلاة، وخاصة الصلاة العقلية، الصوم، الاعتراف المستمر، والمناولة الإلهية، وقراءة كلمة الله وكتب الآباء القديسين النسكية، للتخلي عن كل ما يمزّق علاقتنا مع الله ويبعد عقولنا وقلوبنا عنه وعن إرادته المقدسة. والشيء الأكثر أهمية هو ذكر الموت. في الأديرة، وخاصة في الجبل المقدس، يُعيّن راهب خصيصاً لزيارة قلالي الإخوة في الصباح والمناداة: “صباح الخير يا أخ، تذكر كلّنا سوف نموت … “.

لذلك، لا أعتقد أن هناك أي إنسان لا يعرف قدراته وضعفاته.

حدث أن أحد الرهبان الشباب عديمي الخبرة سقط في خطيئة خطيرة بالجسد. غادرته النعمة واستولى عليه الحزن، فقد الأمل في الله وقال انه يأس من خلاصه، ومن الحياة بشكل عام ترك قانون صلاته حائراً في ما يعمل، وبالكاد كان يئن: “أيها المسيح، أنرني!” قرر أن يذهب إلى الاعتراف عند شيخه وكشف حزنه. وصل، اعترف، وحكى عن فقدانه الأمل بالخلاص، وعن أن اليأس خنق قلبه كرذيلة

قال الشيخ: “إنك تجني من الثمار على قدر الاهتمام الذي تقدمه“. ثم أخبر الراهب الساقط هذه القصة: كان لفلاح حقل بعيد عن منزله، وبالتالي فإن المزارع أهمله تماماً. صارت الأرض مغمورة بالأعشاب الضارة. فدعا ابنه البكر وقال له: “اذهب ونظّف حقلنا البعيد، إذ لم يعد ممكناً حتى رؤيته“. وافق الابن وفي اليوم التالي سرج حماره، وجمع أدواته، وتوجّه إلى الحقل. ولكن ماذا وجد؟ يا أم الله! بدلاً من حقل وجد غابة لا يمكن عبورها من الأعشاب الضارة النامية. صفق الشاب بيديه وقرر لا، لن يتم تنظيف هذا الحقل“. استلقى في ظل شجرة وغطّ نائماً من الحزن. أسكره اليأس كما المخدرات. بعد أن نام طوال اليوم، وأضاع الوقت عبثاً، عاد إلى المنزل.

حسناً؟استقبله والده، هل نظّفت الحقل؟” “لا، يا أبي، أجاب الابن، لم أفعل أي شيء.” لماذا لا؟ “” إنه من المستحيل. هناك الكثير من الأعشاب الضارة والحشيشلم أعرف حتى من أين أبدأ.” “فماذا فعلت كل اليوم؟“” نمت “” آه، أليس مخزياً لك كرجل بالغ أن تنام؟! اعتقدت أنك أكثر ذكاء من ذلكغداً، سوف تذهب مرة أخرى، وتنظّف حتّى ولو مجرّد قسم صغير، على حجم طولك. وما أن تنظفه يمكنك أن تنام.”

في اليوم التالي، حتّى قبل ارتفاع الشمس، كان الشاب بالفعل يحمل معوله. خلال عشر دقائق، كان قد نظّف جزءاً صغيراً من الحقل، على حجم طوله. هذا الأمر ألهمه كما يقول المثل القديم: “البداية الجيدة هي نصف المعركة“. سار العمل بشكل جيد، وكان الشاب يعمل بحماس، عن طيب خاطر. يأسه واكتئابه مضيا!

في المساء، عاد إلى البيت راضياً.

ماذا جرى؟“.سأل الأب ابنه. “أنا نظفت ثلاثين قدماً! سأنتهي خلال بضعة أيام، قال الأب: “إذا فقدنا الأمل، فإن اليأس والحزن يأكلاننا من الداخل مثل الديدان لن يسمحا لك برفع إصبع أو هز ساق“.

وبالفعل، تمّ تنظيف الحقل تماماً من الأعشاب الضارة في غضون أيام قليلة.

هل تفهم ما أحاول أن أقول؟سأل الشيخ الراهبَ اليائس.

أنا أفهم، أيها الأب، أجاب. “لا بدّ لي من تنقية نفسي. ولكن كيف أبدأ؟

أنت بدأت بالفعل، أيها الأخ. الاعتراف هو البداية الجيدة. لقد غفر لك الرب خطاياك. ولكن هذه عطيته، وأنت يجب أن تقدم شيئاً من نفسك “.

إذاً ايها الأب، سأل الراهب الشاب، أنت تقول أنه يمكن أن أصبح مسيحياً وصالحاً

بالطبع، يا أخي. أنا واثق على قدر ثقتي بأننا نرى بعضنا البعض ونتحادث“.

إذاً، يا أبتي!” هتف الراهب الشاب بحماس. “ماذا ينبغي أن أفعل الان؟

قال الشيخ باشر قانونك الرهباني مجدداً وببطء. كرر بلا توقف: يا رب ارحم! “واستعد للمناولة المقدسة. نعم، أيها الأخ، قريباً. في الوقت الحالي، مهمتك الرئيسية هي قتل شيطان عدم الرجاء واليأس! “

أنا لا أعرف كيف أشكرك يا أبيقال الراهب الشاب ثم انحنى إلى الأرض مقبّلاً أقدام الشيخ. “لقد أعطيتني السماء. أرجو أن أعود، وروحي ملأى بالفرح والنور. اليأس قد اختفى، والجنّة في قلبي! “

أنهى الأب الآثوسي قصته مع اقتباس من الكتاب المقدس: “وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ.”(أشعياء 31:40).

“دعوة” زوجة الكاهن للمشاركة في خدمة زوجها

دعوةزوجة الكاهن للمشاركة في خدمة زوجها

أثاناسيا باباديميتريو

نقتلها إلى العربية بتصرّف أسرة التراث الأرثوذكسي

دعوةزوجة الكاهن

في هذا الفصل، تُستخدم كلمة دعوةبين علامتي اقتباس لتمييزها عن دعوة الكاهن. “دعوةزوجة الكاهن ليس لها أساس لاهوتي، ولكن العديد من زوجات الكهنة يشعرن بأن شيئًا ما ألهمَهُن إلى خدمة الله، غالباً في سن مبكر. قد يشعرن بأنهن دائماً على علاقة خاصة مع الله، وأنهن جزء من خطة الله الإلهية لخدمته.

إذا لم يكن للمرأة مثل هذه الدعوةلخدمة الله كزوجة كاهن، فإنها تتجنب لقاء ومواعدة طلاب معاه\ اللاهوت، خوفاً من أنها تقع في الحب مع كاهن المستقبل، وأن تواجه دوراً ليست مدعوة إليه الدعوة“. غالباً الآباء والأمهات لا يشجعون بناتهم على مواعدة طلاب اللاهوت. في مثل يوناني قديم أن الأم تقول لابنتها المقبلَة على الزواج من شاب مقبل على الكهنوت: “يا ابنتي، فكّري جيداً في اختيارك، لأن جبّة الكاهن ثقيلة ليس فقط عليه، بل أيضاً على زوجته“.

صفات زوجة الكاهن

بحسب أميلكا س. أليفيزاتوس، لاهوتية يونانية من القرن العشرين، فإن القوانين القديمة في الكنيسة تطلب من المرأة التي، بنعمة الله، سوف تصبح زوجة كاهن، أن تمتلك فضائل ومواهب روحية. يجب أن تكون زوجة كاهن المستقبل مُحِبَّة، ذات ميل رعائي، لطيفة وصاحبة إيمان عميق ومحبة لله. يجب أن تكون امرأة ذات خُلُقٍ حسن. يجب أن تكون على استعداد للمشاركة والمساهمة في خدمة الكاهن. وكما يقول خريستوذولوس رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان، لكي تكون المرأة زوجة كاهن يجب أن تتقبّل ما يلي: البَرَكة، التضحية، الخدمة، والمسؤولية.

تربية زوجات الكهنة

قبل سنوات، لم يكن التعليم متاحاً لزوجة الكاهن أو غيرها من النساء. تقليدياً في الكثير من الثقافات، اعتًبِر الزواج والأمومة كافيين لكي تحقق المرأة ذاتها. أمّا اليوم فقد أصبح التعليم متاحاً للنساء على نطاق أوسع. إلى اليوم، لا يزال الناس في المجتمع والرعية يتوقعون من زوجات الكهنة المتعلمات والعاملات، كما من غيرهن من النساء، أن يسلكن بحسب ما تتطلبه الأدوار والالتزامات التقليدية من الزوجات والأمهات.

يمكن لزوجات الكهنة أداء دورهن في خدمة أزواجهن بشكل أكثر فعالية إذا كنّ أفضل تعليماً. على سبيل المثال، يمكن لزوجات الكهنة استخدام تربيتهن الدينية للاضطلاع بدور رائد في تثقيف الآخرين، وخاصة النساء،حول معتقدات الكنيسة الأرثوذكسية. يمكن لزوجات الكهنة أن يقدمن شهادات على الإيمان الأرثوذكسي في مجموعات الشباب، والتجمعات النسائية، وحرم الجامعات. كما ويمكنهن أيضاً المشاركة والمساهمة في خدمة العلمانيين كمرشدات للشباب ومساعدات.

العديد من النساء، بما في ذلك زوجات الكهنة وطلاب اللاهوت، ينضممن إلى المدارس اللاهوتية بسبب اهتمامهن في معرفة المزيد عن الله، وبالتالي الحصول على شهادات لاهوتية من المعاهد الأرثوذكسية والجامعات الأخرى. بعض زوجات الكهنة تأخذ مقررات في اللاهوت أثناء تواجدهن في حرم جامعي أرثوذكسي، حتى من دون الالتحاق في برامج تؤدّي إلى شهادات. زوجات كهنة أخريات يأخذن مقررات في كليات أو جامعات قريبة منهن.

حتى لو لم يكن لديها الوقت أو المال للالتحاق ببرنامج جامعي أو أخذ دورات لاهوتية في الجامعة أو المعهد، على الأقل، يمكن لزوجة الكاهن حضور فصول التعليم الديني لتكون على دراية بتعاليم الإيمان الأرثوذكسي وممارساته. وأن تعرف ما يكفي للإجابة على الأسئلة الأساسية التي قد يطرحها أبناء الرعية، هو أمر مفيد لخدمة زوجها. يمكنها أن تحيل الأسئلة الصعبة إلى الكاهن أو إلى لاهوتي آخر عند الضرورة، خاصة إذا كان الموضوع مثيراً للجدل.

روابط السر بين الكاهن وزوجته

يتميّز حدثان في حياة زوجة الكاهن: يوم زفافها ويوم سيامة زوجها. هذان الحدثان الكنسيان يشكّلان الروابط السرية بين الكاهن وزوجته.

أولا، مع سر الزواج، الزوجان يعلنان التزامهما الواحد بالآخر مد\ى الحياة. واحد يكمّل الآخر: “غَيْرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنْ دُونِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ الْمَرْأَةُ مِنْ دُونِ الرَّجُلِ فِي الرَّبِّ.” (1 كور 11:11). كما أنهما يعلنان التزاماً غير مشروط بخدمة الله مدى الحياة. هذا الالتزام يشكل مثلثاً: اللهالزوجالزوجة.

ثانيا، مع سرّ السيامة، يصير الكاهن مستعداً لخدمة الله. زوجة الكاهن تكون حاضرة لتقاسم خدمته بعد السيامة.

هذه الروابط الأسرارية يمكن أن تساعد الزوجين الإكليريكيين على أن يعبروا الأوقات الصعبة. ولكن في بعض الأحيان، تنسى زوجات الكهنة أنهن متزوجات من كهنة. أو ينسين أنهن تعهدن، أولاً أمام الله وثانيا أمام أزواجهن، بأن يشاركن في خدمة أزواجهن. عندما تصبح الأمور صعبة، تشعر بعض زوجات الكهنة أنه من المستحيل الاستمرار في زواجهن أو المشاركة في خدمة أزواجهن. الأيام الصعبة هي مثل بحر هائج، ولكن المياه العاصفة تهدأ في نهاية المطاف. لأن الله جزء من الرباطات الأسرارية التي بين الكاهن وزوجته، فإن الله يرسل الروح القدس لمنحهما الحكمة والقوة للتغلب على الصعوبات. يجب أن يكونا صبورين وأن يبقيا يبحثان عن الله ليطلبا مساعدته: “قال الرب، لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل، لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذِهِ الْجُمَّيْزَةِ: انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ فَتُطِيعُكُمْ.” (لوقا 6:17). الله يسمح للأشياء بأن تحدث في حياتنا لأسباب لا يعرفهاإلا هو. كل ما علينا القيام به هو أن نصلي ونقول: “لتكن مشيئتك“.

موافقة زوجة الكاهن على سيامة الكاهن والمشاركة فيها

تلعب زوجة الكاهن دوراً هاماً في سيامة زوجها. أولاً وقبل كل شيء، يجب أن توافق خطياً على أنها مستعدة لسيامة زوجها. كما أنها جسد واحد مع زوجها من خلال سر الزواج، فإنها تشارك روحياً في سيامته…

في لحظة، تمتلئ الكنيسة بصراخ أكسيوس! أكسيوس! أكسيوس! مستحق! مستحق! مستحق!”. صرخة الزوجة تكون هناك أيضاً، وتظهر موافقتها والتزامها بالله وبزوجها: هي هناك لتكون جزءاً من خدمته…

بعد سيامته، يمكن للكاهن أن يقيم القداس الإلهي. أن تتناول الزوجة من يد زوجها في أول قداس له، فيه الكثير من الفرح والبركة. إن الله يشرّفها بدعوته إياها لتكون زوجة كاهن. يا لها من نعمة! وحدهن النساء اللواتي مررن بهذه التجربة يمكنهن فهم هذا الشعور الخاص والاكتفاء.

وكما ذكرنا سابقاً، فإن الكاهن وزوجته مُباركان بشكل مضاعف بسرَّي الزواج والكهنوت. ومن لحظة السيامة هما ملتزمان معا. زوجة الكاهن هي جزء من جبّة الكاهنكصياغة جديدة للمثل اليوناني. من ذلك الحين، تبدأ الرحلة الروحية الصعبة. يجب على الكاهن وزوجته أن يكونا مستعدين لدعم أحدهما الآخر والسير جنباً إلى جنب على الطريق الضيق، فيما يقودهما الروح القدس.

القديس كيرللس، قديس من القرن الثاني، يصور المائدة الإفخارستية في أيقونة. يد رجل تمتد إلى الخبز، وامرأة تقف وتصلّي. إنّهما يمثّلان المسيح والكنيسة. يمكن أن ترمز هذه الصورة إلى كاهن متزوج وزوجته. مع الحب العميق لله ولبعضهما البعض، يتقاسم الاثنان المسؤولية الهامة لخدمة الله و شعبه.

الكهنة أصحاب الدعوة المتأخرة والمهتدين

تواجه بعض النساء تحديات خاصة في قرار تقاسم خدمة أزواجهن. في بعض الحالات، قد يكون الأزواج اختاروا الكهنوت في وقت لاحق من الحياة. تواجه تلك النساء تغيرات عاطفية كبيرة في حياتهن الزوجية والعائلية، وربما تغييرات في حياتهن المهنية تؤثر عليهن مالياً. وفي حالات أخرى، قد تكون النساء اللواتي اعتنقن الإيمان الأرثوذكسي حديثاً متحمّسات بشكل خاص على أن يصبحن زوجات كهنة لأنهن لا يعرفن ما يمكن توقعه في الرعية. مثلاُ، تخشى بعض النساء من مواجهة تحديات اللغة في الرعايا الثنائية اللغة.

في مواجهة هذه التحديات الخاصة، يمكن للأب الروحي توجيههما ومساعدتهما على فهم إرادة الله. يحتاج الزوجان للصلاة معاً لاتخاذ القرار الصحيح في ما يتعلق بسيامة الزوج للكهنوت. بعد اتخاذ قرارهم، يحتاجون للصلاة إلى الله لمنحهم قوة للقيام بهذه الخدمة بفعالية. ليست الخدمة وظيفة يمكن تغييرها. وبمجرد أن يسام الرجل فهو دائماً كاهن.

مستوى التزام زوجة الكاهن بخدمة زوجها

زوجة الكاهن اليوم لديها العديد من الخيارات فيما يتعلق بكمّ الوقت والطاقة اللذين تخصصهما لخدمة زوجها. يمكنها أن تكون أمّاً بدوام كامل أو ربة منزل. يمكن أن تعمل بدوام كامل أو جزئي خارج المنزل. يمكن أن تكون متطوعة في مختلف اللجان والمشاريع الكنسية. إذا كانت مؤهّلة، فبإمكانها أن تشارك في خدمة الرعية. كما يمكنها الجمع بين أكثر من خيار مما سبق.

أولويتها الأولى هي زوجها وأطفالها. العديد من الأمهات يرغبن في البقاء في المنزل مع الأطفال الصغار، إذا لم يرتّب الأمر على الأسرة عبئاً مالياً. إنهن يعطين أطفالهن شعوراً بالأمان. فهذا يعطيهن المزيد من الوقت للقضاء مع أطفالهن، وتعليمهم، والإجابة على أسئلتهم، والأهم من ذلك الصلاة معهم.

قد يكون العمل بدوام كامل خارج المنزل مجزياً. فبالإضافة إلى الدخل الإضافي، قد يكون مكاناً تقوم فيه زوجة الكاهن بعمل ممتع لها. عندما تعمل خارج المنزل، من الواضح أن الوقت المخصص لعائلتها وللرعية هو أقل. من جهة أخرى، عملها يؤثّر على جدول زوجها ومقدار الوقت الذي يمكن أن يقضيه في الرعية، إذ عليه تخصيص وقت أكثر للمشاركة بالمزيد من المسؤوليات الأسرية. إذا كان الناس يعرفون أن زوجة الكاهن تعمل خارج المنزل، فتوقعاتهم حول مستوى التزامها بخدمة الرعية سوف تكون أقلّ. ومع ذلك، من الأفضل الحفاظ على التوازن، دعم زوجها، والحفاظ على وجودها داخل الرعية.

يمكن لزوجة الكاهن أن تقيّم مواهبها ومهاراتها واهتماماتها، وأن تسلك وفقاً لذلك. تستطيع أن تقوم بما يجعلها سعيدة والذي يلائمها بشكل أفضل هي وزوجها. وبغض النظر عن الطريقة التي تختار أن تشارك بخدمة زوجها من خلالها، فمن المهم أن تكون سعيدة بقرارها وأن تتعايش معه.

أسماء زوجات الكهنة

تُعرَف زوجات الكهنة بألقاب مختلفة في كل من التقاليد الأرثوذكسية والكنائس. على الرغم من أن الأسماء مختلفة، إلا إنها جميعاً تعترف بالمكانة الخاصة لزوجة الكاهن في الرعية.

في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، اسم زوجة الكاهن هو بريسفيتيرا (Presvytera ).يقول قداسة البطريرك المسكوني بارثولوميوس في تقليدنا الكنسي، زوجة الكاهن تُنادى بريسفيتيرا، النصف الآخر من الكاهن (بريسفيتيروس)”.

تم العثور على لقب بريسفيتيرا في الكتابات المسيحية القديمة، وكان له العديد من الاستخدامات المختلفة. أحد هذه الاستخدامات مناداة الشماسة التي كانت تساعد الكاهن في مهام مختلفة. في الكنيسة الأولى، كانت الشماسة امرأة مسيحية متقدمة في العمر، أرملة بالعادة، قدّمت خدمتها للكنيسة (دياكونيا، وبالتالي الاسم الأكثر شيوعاً هو الشماسة). وتشمل واجباتها المحدودة الحفاظ على النظام في الكنيسة ومساعدة النساء البالغات في لبسهن بعد الخروج من الماء خلال سر المعمودية المقدسة. كانت الشماسة أيضاً تزور النساء المريضات، فضلاً عن النساء المسيحات اللواتي كن ربّات أسر في منازل وثنية.

ومع ذلك، فإن الاستخدام الأكثر شيوعا لهذا الاسم كان لزوجة الكاهن. في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، الاستخدام الحالي هو بريسفيتيرا. أيضاً في العامية اليونانية تُنادى زوجة الكاهن بإسم باباديا (Papadia)، والتي تأتي من باباس (Papas) أي الكاهن.

في الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، تدعى زوجة الكاهن خورية. في الكنيسة الأرثوذكسية الألبانية، وتسمى بريفتيريشيا. في الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية، وتسمى بريوتياسا.

في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، تسمى زوجة الكاهن ماتوشكا، أي الأم الصغيرة“. إن هذا الاسم مؤثّر ومناسب لزوجة الكاهن التي تحب جميع الناس في الرعية زوجها وتهتم بهم!

بعض زوجات الكهنة لا يرغبن في أن يُنادَينَ بلَقَبِهن، ويصررن على أن تُسمين باسمهنّ. ربما يرغبن في أن يعامَلن مثل أي امرأة أخرى في الرعية. لا بدّ من احترام رغباتهن، مع أن الكثير من الناس يتجاهلون هذا الأمر. بغض النظر عن الجهد الذي تبذله زوجة الكاهن لتقول للناس بمناداتها باسمها الأول؛ فهي تبقى زوجة الكاهن في عيونهم.

بالنسبة لزوجة الكاهن المسام حديثاً، فإن قبول لقبها الجديد يرمز إلى قبولها حياتها الجديدة. حتّى بعد هذا، فسوف يوجد عدد قليل ممن ينادونها باسمها الأول. فمن المضحك مثلاً في اجتماع خوريات (زوجات الكهنة) أن تُنادى سيدة ما بخورية، حيث أن كل السيدات سوف يستدرن مفتكرات أن أحداً يناديهن. هذا مثال على أن هذا الاسم منحوت بعمق في قلب كل زوجة كاهن.

A. Papademetriou. “Presbytera” The Life, Mission, and Service of the Priest’s Wife. Ed. Somerset Hall Press, Boston, Massachusetts, 2004.

الحياة الافتراضية والأفكار الداخلية

الحياة الافتراضية والأفكار الداخلية

مجموعة من الكهنة الروس

أصبحت الشبكات الاجتماعية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، لا بل صارت بالنسبة للبعض أهمَّ جزء في حياتهم اليومية. تقريباً، صارت القاعدة أن يتمّ تقاسم جميع أحداث الحياة مع العالم، بما في ذلك البسيطة منها والشخصية جداً. صار ممكناً الاعتقاد بأن كلّ ما نقوم به هو الظهور على الشبكات الاجتماعية، بدلاّ من مجرد عيش حياتنا. المسيحيون الأرثوذكس بغالبيتهم صاروا عالقين في هذه الشبكة أيضاً. ماذا ينبغي على المسيحيين القيام به لتلافي الغرقفي هذا البحر من الكلمات التي أصبحت بلا قيمة؟ ما الذي يساعدنا على التركيز على حياة الروح، على الأشياء الداخلية، على المسيحية الداخلية؟ ما يلي هو آراء اربعة من كهنة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في هذه المواضيع.

قفوا أمام حقيقة الإنجيل كل يوم

المتقدّم في الكهنة مكسيم كوزلوف


في الحياة الروحية، لتحقيق هدف ما أنت تحتاج أولاً إلى الرغبة في تحقيق هذا الهدف. يعبّر القديس إغناطيوس (بريانشانينوف) عن هذه الحقيق بكلمات ممتازة: “مَن يريد إنجاز شيئ يستطيع ذلك“. وبعبارة أخرى، حيث توجد الإرادة تتأمّن الوسيلة.

إن أفكار الناس المعاصرين، بما في ذلك نحن المسيحيين الأرثوذكس في القرن الحادي والعشرين، غالباً ما تكون نتيجة عدم رغبتنا في العيش بجدية في المسيح. نحن نميل بسهولة نحو قبول معايير السلوك العصرية التي يفرضها علينا العالم الحديث. وكما نعلم، الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1 يوحنا 19:5) وأكثر من أي وقت مضى، هو يخدع الناس المجاهدين من أجل الحياة الصالحة ليضللهم. إحدى هذه الإغراءات التي أودّ أن أسمّيها هي الافتضاحية الافتراضية (virtual exhibitionism)“ وقوامها الدفع لكشف حياتك الخاصة كلّها، طوعاً من دون أيّ إكراه من قبل أنظمة سرية أو أي شخص آخر، لتقديم معلومات عن نفسك، وعن أقرب الناس وأعزّهم عندك، ونشر وجهات نظرك وانطباعاتك على شبكات التواصل الاجتماعية بدلاً من إخفاء هذه المخاوف في قلبك.

وفي الوقت نفسه، قال آباء الكنيسة أنه لا ينبغي أن نبدد نعمة الله التي نكتسبها خلال حياتنا بالكلمات. بقدر ما تحكي عن كيف لامس الرب قلبك أو عن المعجزة التي جرَت لك، يزداد انجرافك بعيدا عن كل هذا ويصبح مملاً. نعم، يمكنك مشاركة قصة من هنا أو من هناك مع شخص ما، شريطة أن تساعده روحيا بشكل أو بآخر، وتحفظه من الوقوع في اليأس وارتكاب الخطيئة، وتقوده على طريق البر. إن لم يكن في روايتك للأحداث أكثر من الإعلان الذاتي و التباهي، فقريباً سوف تُترَك وحيداً مع الكثير منالإعجابات (likes)” ومنشور إضافي على شبكة الانترنت. أنصح بالإقلاع عن شبكات التواصل الاجتماعي أو استخدامها فقط بالقدر الذي يتطلبه نشاطك المهني أو تبادل المعلومات.

طريقة أخرى لتجنب الأفكار المتجولةهو التخلّي عن التلفزيون! ليس في هذا الكلام أي صرامة لا مبرر لها، لذا أود أن أقول أنك إذا كنت تقضي في المساء ساعة أو ساعة ونصف أمام التلفزيون أو في التسكّع على الشبكة، فإن تركيز انتباهك على الصلاة سيكون صعباً للغاية. لكن هناك أساليب فنية بحتة ومحددة يمكنك من خلالها مساعدة نفسك.

طريقة أخرى، هي الأقدم وليست بعيدة عن الزمان الحاضر، هي قراءة الكتاب المقدس يومياً وبشكل منتظم. إذا كنت تقف أمام حقيقة الإنجيل كل يوم، هنا والآن، فإنك تكون أكثر أماناً من التأثر بتنازلات عصرنا.

دعونا لا ننسى كلمات الرسول بولس: “إِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ (1 كور 33:15). هذا ينطبق أيضاً على المجتمعات الافتراضية السيئة. لا تشاهد ما لا ينبغي بالمسيحي مشاهدته، لا تقرأ ما لا يفترض بالمسيحي أن يقرأ، عندها يكون أكثر سهولة عليك إعداد إنسانك الداخلي للصلاة والحياة المسيحية الحقيقية.

الإنسان مخلوق للشركة مع الله

الكاهن فاليري دوخانين

لقد صارت شبكات التواصل الاجتماعي نوعاً من الإدمان. يجري الناس إلى عالم التواصل الافتراضي حيث يبقون دوماً على الانترنت (أونلاين)”, أو على اتصال in contactمع الآخرين، وهذا يخلق وهم التواصل ويساعدهم على إخفاء وحدتهم. ومن الواضح أن هذا خداع للذات لأن التسكّععلى شبكات التواصل الاجتماعي هو مجرّد محاكاة لملء الحياة، من خلال المتابعة المستمرة لأخبار الأصدقاء ومواصلة تبادل الأفكار والخبرات الخاصة. ولكن، في واقع الأمر، لا يمكن أن يكون هناك أصدقاء افتراضيون“. هذه مجرد عِشرة سطحية، في حين أنّ الرسائل النصية التي لا نهاية لها هي مضيعة للوقت وتقويض للروح.

لا يمكن للروح البشرية أن توجد من دون اتصال شخصي. هكذا نحن مخلوقون: منفتحين على التواصل. ولكن، قبل كل شيء، الإنسان مخلوق للشركة مع الله، وفقط بعد ذلك مع البشر الآخرين والعالم من حوله. يقول المغبوط أوغسطين الهيبوليتي، أيها الرب، أنت جعلتنا لنفسك، وقلوبنا لا يهدأ إلى أن تجد الراحة فيك“. ما من شيء يمكن أن يحلّ محلّ هذا. نحن نشعر بالفراغ في داخل نفوسنا بسبب خطايانا، ونريد أن نملأه بالشركة، ولكن سوف يبقى الشعور بالفراغ نفسه. على الإنترنت تُجرَّب النفس وتتشتت وتهدر ذاتها.

يمكننا ملاحظة هذه الظاهرة المحزنة لأن قضاء الكثير من الوقت على شبكات التواصل الاجتماعي لا يترك دقيقة واحدة حرّة للصلاة. يحتاج المؤمن إلى توخي الحذر لتجنب هذا الإغراء. عليه أن يتبنّى في هذه الأمور نظرة رصينة ويقول: “هذا يكفي! أنا لا أريد أن أكون تحت سيطرتها أكثر من ذلك. إن ألِج الانترنت فهو فقط لقراءة مقالات مفيدة على المواقع الأرثوذكسية، وليس للشائعات على الشبكات الاجتماعية “.

وهاكم نصيحة غير عادية. إذا كنتم ترغبون في التركيز على الحياة الروحية، ثابتين في عدم التشوش من المحادثات العلمانية الفارغة، فعليكم أن تتعلموا عدم إدانة أي شخص. تنطوي الإدانة على التعامل مع أشياء من عالم الخطيئة بحذر كبير. أغلب الناس مشغولون بالقيل والقال، مختلف أنواع الفضائح، خطايا الآخرين، والظلم. هكذا تتحول الحياة إلى تململ دائم. على كل مسيحي أن يرفض ويتخلى عن كلّ هذا مرة وإلى الأبد. مَن لا يحكم على الآخرين يكون في سلام وحرية، وسلام الروح وحريتها هما أكبر كنز. إذا كنا نستطيع مشاركة أي شيء على شبكات التواصل الاجتماعي، فليكن لطيفاً وللبنيان. أمّا في أعماقكم فسوف تشعرون حتماً بأن التسكع على الإنترنت لا يجلب أي ربح للنفس.

إن وقت الصلاة وقراءة قانون الصلاة والإنجيل وأعمال الآباء القديسين يجب أن يكون أسعد أوقات كلِّ مسيحي لأنه النبع الأكثر نقاوة وهو ما يغذي نفوسنا ويعطينا الحياة والفرح الحقيقي.

حدْ عن الشر واصنعْ الخير (مزمور 34: 14)

الكاهن ديمتري شيشكين

يعلمنا المخلص نفسه كيف نركز عليه، من خلال كلمته (الأناجيل المقدسة) وبروحه، الذي به يبقى معنا، بشرط طاعتنا له. إن خبرة حياة الكنيسة التي عمرها قرون والتي نسميها التقليد المقدس، تعلّمنا نفس الشيء: أن نتعلّم ونتّقن علم العلوم هذا. لذا، لهذا فإن أهم شيء هو رغبتنا الصادقة في أن نكون مع المسيح وأن نسلك وفقا لخبرة الكنيسة.

عندما يتعلق الأمر بالعالم القاطن في الشر والذي يغرينا بأن نقوم بأشياء خاطئة، فإن المقاومة الواعية له والقيام بالأعمال الحسنة هما جوهر حياتنا المسيحية على الأرض.

يقول الملك داود في المزامير: حدْ عن الشر واصنعْ الخير (مزمور 34: 14). العديد من مجالات حياتنا، بما في ذلك التواصل على شبكة الإنترنت، تتيح لنا فرصة للقيام بهذا النشاط. وبينما يعلمنا العالم عدم إخفاء أي شيء والكشف عن كل شيء على وسائل التواصل الاجتماعي، ما الذي يمنعنا، بمعونة الله، من حراسة قلوبنا ومشاركة ما هو بنّاء في نشر بشرى المسيح السارّة؟ إذا تعثّر عليك إيجاد ما تطلب حسناً، وأغراك هوى الكلام البطّال والجدل والتسلية من خلال شبكات التواصل الاجتماعية، فمن الأفضل لك التوقف عن استعمالها، تماما كما انه ينفع للإنسان الذي يتعرّض لإغراء ما أن يتجنّب مصدره. هاكم مثال بسيط يجعل الأمر أوضح. يمرّ رجل على محل بقالة في عودته من العمل، ويشتري الخبز والنقانق والجبن لأسرته ويعود إلى منزله مكتفياً جداً، دون أن يهتمّ لجناح المشروبات الكحولية في المخزن. وفي الوقت نفسه، يشكّل هذا الجناح إغراءاً رهيباً لرجل آخر ووهو يعرف ذلك من خلال تجربته المريرة. وبالتالي، من الأفضل للشخص الثاني أن ينسحب من هذا المخزن. الأمر نفسه ينطبق مع وسائل التواصل الاجتماعية. إذا كان ممكناً إيجاد ما له معنى حسن، فهذا أمر جيد؛ أمّا إذا كانت هذه الشبكات حجر عثرة فمن الحكمة التخلي عنها.

الأب بولس كونكوف

إذا أردنا أن نعطي الله قيمة عندنا، فعلينا أن نأخذ آراءه بعين الاعتبار. لا ينبغي أن نتعامل مع الله كمجرد مبادئ توجيهية، بل على أنه الشخص الأكثر محبوبية وأهمية في حياتنا. نحن بحاجة إلى حمله في أذهاننا، وتذكر حياته وحفظ اليقظة للسهر على قلوبنا. يجب على أي زوج أن يفكر في هذه المسألة قبل القيام بأي شيء أو تأجيله: “ماذا سيفكر أو يقول نصفي الآخر عن ذلك؟عندها فقط يمكن للزوج أن يتّخذ القرار. وبالمثل، يجب على كل مسيحي أن يتذكر المسيح دائماً ويأخذ بعين الاعتبار آراءه كما تم التعبير عنها في الأناجيل والوصايا بشكل واضح.

عندما يتعلق الأمر بوسائل التواصل الإجتماعي والاتصال بشكل عام، يجب ألا نكشف أفكارنا الداخلية على الإطلاق، وإذا كانت لدينا رغبة بمشاركة جمال الأرثوذكسية مع الآخرين، فعلينا أن نفعل ذلك بطريقة غير مزعجة ومن دون ضغط أو تعصب.

العلم في مدى الأرثوذكسية

العلم في مدى الأرثوذكسية

ديمتريوس غريغوروبولوس

هناك انطباع يبلغ عند البعض حدّ الاقتناع بأن الدين والعلم يتعارضان، بقدر ما يُعتَقَد أن الدين أدان مرات عديدة البحث العلمي. مهما كان هذا صحيحاً، فهو لا يتعلّق بأي طريقة بالأرثوذكسية أو حياة الكنسية الأرثوذكسية، وهذا لسببين:

بحب الكنيسة الأرثوذكسية، المسيحية ليست فلسفة ولا إيديولوجية ولا مجرّد قانون كنسي. هذا يعني، أنها ليست دينًا (religion) بالمعنى اللاتيني للكلمة (مصدرها ريليغار Religare” أي الخضوع للقواعد والقوانين). ففي اللغة اليونانية، الإيمان هو ثريسكياالتي تعني ببساطة الصعود”.

تمارس الأرثوذكسية في حياتها الكنسية الحقائق أو الوقائع التي أُعلنَت عن المسيح. يتّخذ القديس سمعان اللاهوتي الحديث موقفاً مميزاً حيث يرفع خبرة الحياة المسيحية فوق الكلمة المكتوبة من الكتاب المقدس. وفيما يتعلق بالأرثوذكسية، فإن الشعور الديني الناشئ عن عالمنا هو الدافع الأقوى والألطف للبحث العلمي. البحث هو النتائج أو الاستنتاجات التي تخدم الإنسان وتوجهه نحو الحقيقة؛ لأن الحقيقة تُكشَف جزئياً وتعتمد على كيف وأين نبحث عنها. عالم الفيزياء الشهير، روبرت ماير، الذي غالباً ما يُشار إليه باسم نيوتنفي القرن التاسع عشر، ذَكَر بكل وضوح أنّ الحقيقة بحد ذاتها وذاتها أبدية وما هو أبدي لا يمكن تعريفه أو إثباته“. بالنسبة إلى الأرثوذكسية، فإن الحقيقة هي المسيح وتحديداً المسيح المصلوب كمخلص للانسانية، وهي حقيقة يرى القديس بولس أن الأمم يعتبرونها جهالة والعبرانيين خزياً. أصبح الله الإنسان ليرفع الإنسان إلى حالة الإله، ولكن ليس الله.

أما بالنسبة للأرثوذكسية فلا يوجد نزاع بين الأرثوذكسية والعلوم. على العكس من ذلك، يتم التعبير عن موقف الأرثوذكسية في المسائل المتعلقة بالعلم والتكنولوجيا، على كل المستويات في الحياة الأرثوذكسية. كتاب صلاة الكنيسة الأرثوذكسية (إفخولوجيون) مليء بالإشارات إلى إنجازات الإنسان في المجالات العلمية والتكنولوجية. عيد العنصرة المقدسة هو للعالم يوم التنوير والحكمة، وفيه يُشاد بيسوع المسيح كسيّد جميع الحرف (بانتيشنيمون) أي الذي يلهم الإنجازات العلمية ويحمي ببركاته العمل العلمي.

يترتّب على هذا الموقف نتيجة لاهوتية يعبّر عنها اللاهوتي الروسي العظيم جورج فلوروفسكي بأن البشرية والكون هما فيض محبة الله. بحسب الفيلسوف الفرنسي سيمون ويل مهما كانت سرعة الإنسان في الابتعاد عن المسيح نحو ما يعتقد أنه الحقيقة – هو في الواقع يتحرّك مباشرة الى المسيح“. في اطار الارثوذكسية، العمل العلمي مبارك بقدر ما يسبر العلم عمق المجهول بهدف مساعدة البشرية على فهم الكون وكذلك مكان الإنسان فيه.

وفي ضوء ذلك، يقول العالم الألماني يوهان مادلر: “من المؤكد أن العالِم الحقيقي الذي يبحث من خلال أدوات شعوره الديني الكونية يمكن أن يرى أن للعالم روح منحه إياها الله، وفيما يسير نحو وجهته النهائية، يكون مدعوماً بمحبة الله الكونية. يمكن أن يقال الكثير لإسناد المعنى والأهمية التي تعطيها الكنيسة الأرثوذكسية للعلم الذي هو هبة من الله بحسب الموقف الأرثوذكسي. من المفيد الإشارة إلى العبارة المكتوبة فوق باب مدرسة أثوس من القرن الثامن عشر، وهي تعود للفيزيائي اليوناني والذي كان لاهوتياً أرثوذكسياً ورجل آداب، آفيانيوس فولغاريس: “مَن يرغب في دراسة الهندسة (geometry) يمكن أن يدخل؛ ولن يواجه أي عقبة. أمّا مَن لا يرغب فسيجد الأبواب مغلقة“.

لا يجد فولغاريس أي صراع بين اللاهوت والعلوم. لا بل على العكس يجد انسجاماً بينهما، ويبحث عن عن تقييم دوريها وأهميتهما. وإلى ذلك، لا يسمح لأولئك الذين باسم العلم، يحاولون فرض أبعاد أخرى على دور العلم واللاهوت. في مقدمة كتابه لاهوتيات Theologikon” يقول من بين أمور أخرى: “هل المنطق والمذاهب الفلسفية يهملون اللاهوت؟ بالطبع لا، لأن كل هذه تخدم اللاهوتي، وكما ثبت، فإن الإيمان المسيحي لا يسقط منطقاً، ولا رأياً، ولا اقتراحاً ولا حظراً، لأن اللاهوت يمكن أن يستشهد بأمثلة من الكتاب المقدس، كما من آباء الكنيسة الأرثوذكسية، مظهراً الخطأ في النظريات الفلسفية والمذاهب المختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يقبل اللاهوت تصريحات كل شعوب العالم ويأخذ القيّم من العلم والفلسفة. هذا يخدم هدف تزيين أخلاق المؤمنين (دون قبول العقائد الغريبة) بنفس الطريقة التي أمر بها الله اليهود زيين هيكلهم بالقطع الأثرية المصرية“.

معاصر آخر لفولغاريس، نيكيفوروس ثيوتوكيس، أسقف في روسيا وعالم فيزياء ورياضيات، يتحدث بثقة عالِم طبيعي في كتابه الشهير كيرياكودروميون، حيث يحاول تفسير أناجيل ورسائل الآحاد. يستخدم هذا الرجل معرفته بالفيزياء ليرفع نفسه ومن ثم رعيته إلى مدى غير المدرَك”. إنه هو الرجل الذي أدخل العلوم الطبيعية في اليونان ودرّس عن الله مستخدماً تقنية الاستقراء (induction) العلمية.

عند هذه النقطة يمكننا أن نتذكر ألبرت أينشتاين. لقد فصل أدوار العلم واللاهوت، وكذلك معنى كل منهما، بالقول أن العلم بدون دين أعرج، ولكن الدين بدون العلم أعمى“. على الأكيد أن أينشتاين يشير إلى الدين وليس إلى اللاهوت الأرثوذكسي.

ويمكننا أن نقدم العديد من الأمثلة على مواقف مثل مواقف فولغاريس وثيوتوكيس من تصريحات أدلى بها آباء الكنيسة وعلماء اللاهوت الروس مثل بولغاكوف وباردييف وفلوروفسكي ولوسكي وغيرهم. يجب ألا ننسى أنه حتى خلال الفترة البيزنطية كانت هناك أهمية كبيرة للعلم والحرف والرسائل. بالنسبة للعديد من الباحثين، إنجاز الفترة البيزنطية كان مزيجاً من العنصر اليوناني والمسيحي القديم الذي هو أساس الحضارة العالمية اليوم.

حتى في العالم غير الأرثوذكسي اعتمد العديد من العلماء العظماء مواقف الكنيسة الأرثوذكسية، حتى من دون أن يكونوا على بينة من ذلك. للدلالة، يمكننا تقديم والد علم النبات كارك ليناوس الذي يكتب في مقدمة كتابه نظام الطبيعة“: “إن هدف الخلق هو معرفة الله العجائبية كما هي في أعمال الطبيعة التي لا يمكن أن يتعرّف إليها أحد غير الإنسان“. تذكرنا هذه الكلمات بقول القديس بولس: “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ“. ليست هناك حاجة لمزيد من الإضافات، إذا تذكّر المرء كلام إدينغتون وماكس بلانك أن قوانين الطبيعة هي سبل ووسائل التعبير عن إرادة الله“. لا تسقِط الكنيسة الأرثوذكسية المنطق ولا الأساليب العلمية وإنجازاتها، ولكنها تميّز الهدف بوضوح. بالقداس الإلهي وخاصة بالمناولة المقدسة، تعيش الكنيسة الأرثوذكسية الحقيقة وتوجّه الإنسان نحو القداسة. إنها تقبَل أن على الإنسان يخلُص من خطاياه، أي من فشله، لأن الخطيئةتعني الفشل في اليونانية.”

الإنسان ككيان منطقي فشل في أن يصبح مشابهاً لله بسبب إهماله. ولكي يستعيد مكانه الأصلي في الخليقة، يجب أن يكون حراً تماماً، ويطلب نعمة الله، التي صارت متاحة له من خلال صلب المسيح.

والأطروحة كما ينظر إليها أوغست كومت في نظريته عن الوضعية ستكون مملكة المنطق الخالص، مملكة العقل وموت القلب. ولكن المرء يتردد في تخيّل الإنسان في منصبه. وبالنسبة لجميع الذين يرفضون الإيمان بالحقيقة المعلَنة لمجرد أنه لا يمكن إثباتها بالأساليب العلمية، تكرر الكنيسة الأرثوذكسية: “طوبى للذين آمنوا ولم يروا، وهؤلاء هم مباركون لأن ما يلزِمهم ليس البرهان بل نيّتهم ضمن الحرية الكاملة.

قال العالم الإنجليزي السير جيمس سيمبسون: “إن أكبر اكتشافاتي كان خلاص نفسي، أي الشعور بأنني خاطئ وأن يسوع المسيح هو مخلصي“.

موقف العلم ضمن الأرثوذكسية مذكور بشكل جميل على حجر قبر إسحاق نيوتن: “هنا يكمن إسحاق نيوتن، بلا كلل، عبقري وباحث مخلص في الطبيعة والتاريخ والكتاب المقدس، بحكمته أثبت عظمة الله وحياته عبّرت عن بساطة الإنجيل “.

قد لا توجد طريقة أفضل للختام من فقرة من عمل دوستويفسكي القبو، حيث يسأل نفسه والقارئ: “يحب الرجل من دون أدنى شك أن يخلق ويفتح آفاقا جديدة. ولكن بعد ذلك لماذا يرغب بشغف بالدمار والفوضى؟ أمن الممكن أنه يحب الكثير من الدمار والفوضى لأنه يخشى الوصول إلى أهدافه والانتهاء من بناء عمله؟ مَن يعلم؟ ربما يحب أن ينظر إلى عمله من بعيد وليس من نقطة قريبة. ولعل أهدافه على هذه الأرض التي يحاول الوصول إليها ليست سوى عملية لا نهاية لها للنجاح والأهداف نفسها. هذا بطبيعة الحال، هذه العملية ليست سوى حساب مثل 2 + 2 = 4، أي أنه قانون العالم الفاسد. وإذا كان هذا هو الحال، فهذه ليست الحياة بل بداية الموت“.

قد تكون أفكار ماكسويل مثل أفكار دوستويفسكي. لذلك في صلاته يطلب من الله أن يعطينا علم الرحمة.

عبودية الموت والعبادة

عبودية الموت والعبادة*

الأب أنطوان ملكي

الآن وكل أوانٍ وإلى دهر الداهرين“. هل حاول أحد منّا أن يحصي كم مرة نقول هذه العبارة يومياً؟ في صلوات النهوض من النوم وقبل الأكل وبعده وصلاة النوم، وإذا شاركنا في سحرية أو غروب أو قداس، قد يتخطّى عدد المرات الخمسين. ما أهمية هذه العبارة؟ لا بدّ أنّها مهمة حتّى أننا نكررها كل هذه المرات؟

الآنهو هذه اللحظة التي نحن فيها. “دهر الداهرينهو الإسخاتولوجيا، الزمان المرجو الذي نصبو إليه، هو الأبدية. إذاً، بهذه العبارة نحن نصِل الآن بالأبدية، نربطهما. هذا الوصل هو أحد أهمّ أهداف العبادة. إنه تقديس الزمن بوصله بالأبدية بوجود الإله الذي نقرّ ببعض صفاته في كل إعلان ينتهي بعبارة الآن وكل أوانٍ وإلى دهر الداهرين، ونثبّت ذلك ونؤكّد عليه بالردّ بآمين.

لكن طبيعتنا ساقطة، وأخطر مظاهر السقوط ونتائجه في آن واحد هو الموت. أكثر ما يزعج الموت هو العبادة لأنها ربط الحاضر بالأبدية. الإنسان الذي عينه على الأبدية، الإنسان المصلّي، لا يخيفه الموت. والذي لا يخاف الموت يغلبه. من هنا أن الموت يركّز على تقويض العبادة. وهذا يظهر في حياة غالبية الناس. فهم يصلّون، لكن ليس للإله الذي هو إله صالح ومحبّ للبشر، أو الذي يليق به كل مجد وإكرام وسجود، أو غيرها من الصفات التي نعلنها. إنهم يصلّون فقط من أجل الأمراض والتوفيق والصحة والمال والنجاح وغيره. بعبارة أخرى، موضوع الصلاة لم يعد غلبة الموت بغالب الموت بل التذاكي على الموت بالتهرّب من نتائجه. الأهمّ هو أن لا نمرض ولا نجوع ولا نتعب ولا نفقر حتى لا نموت. بتأثير الموت لم يعد التمجيد والعبادة الحقّة في رأس سلّم الأولويات.

يجمع أغلبية الآباء المعاصرين على أن أسوأ منتجات الحضارة هو تصويرها للحصول على اللذة على أنه سهل. طبعاً السعي وراء اللذة ليس سمة خاصة بعصرنا بل لطالما كان موجوداً كمسعى لتحدي الموت. لكن خبرة الكنيسة كما الخبرة البشرية بشكل عام، وهذا ما تؤكده العلوم الحديثة من علم نفس واجتماع وأنثربولوجيا، تثبت الخبرة أنّ السعي إلى اللذة لا يوصل إلى الفرح ولا إلى غلبة الموت وإذا أوصل إلى لذة فهي عابرة تطير بسرعة وتترك وراءها طعم الموت المر. أحد أهم وجوه سعي الإنسان إلى اللذة هو هذا الجشع على الحفلات وتنظيم المناسبات. فالأعياد صارت للحفلات والأعراس للحفلات وحتّى الجنانيز تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى مناسبة للحفلات. والناس تتسابق إلى هذه الحفلات، فسهرة عيد الميلاد أهم من العيد وطبعاً من قداس العيد، وسهرة رأس السنة أهم من السنة كلها، وهلمّ جرّا.

وجد الموتُ في شهوة الاحتفالات وسيلةً جيدة لقتل العبادة التي يكرهها. فسلّط شهوته على المؤمنين الذين ضعفوا أمام إغرائه وظنّوا أنهم يغلبونه إذا أكثروا من السهرات والحفلات، حتّى على حساب الصلوات. ضعف الكهنة خوفاً من أن ينقص عدد الحضور في القداس، إذا تمّ في التوقيت الذي يحدده التقليد، والذي درجَت الكنيسة على الالتزام به، والذي تصفه الكتب الطقسية. بحجة التدبير صار كل كاهن يوقّت على هواه، وعلى هوى متطلبات عائلته والتزاماته الاجتماعية، كلّه إما بموافقة الأساقفة أو بقلة اهتمامهم. فصارت كل رعية لها تيبيكونها وتوقيتها، خاصةً في الأعياد. إنها عبادة الموت، ليتورجية الخوف من الموت. أن نخالف الآباء لنرضي أصحاب الحفلات وطالبي السُكْر، على انهم أبناؤنا. تخليّنا عن تقديس الزمن. الأوقات حددتها الكنيسة واختبرت تقديسها. التلاعب بأوقات الصلوات هو كالتلاعب بتركيبتها. ليس وجود الكاهن ولا المطران ولا حتّى البطريرك هو ما يجعل الخدمة تقديسية، بل إتمامها بحسب ما علّم الآباء في المكان والوقت والشكل المحددِين.

قد يخطر ببال البعض أن كاهننا متزمّت وأنّه ضيق الأفق لأنه لا يرضى بأن يغيّر أي توقيت. هذا هو التقليد. الكنيسة اختبرَت هذا التقليد لسنين طويلة ورأت أنه أنتج قديسين. التغيير الذي نشهده ماذا أنتج؟ الكثلكة غيّرَت حتّى تحوّلت إلى ما يطلبه المؤمنون، ماذا جَنَت؟

نحن نصلّي لنتقدّس. تذكّروا قول الرسول بولس: “إن لم يكن المسيح قد قام، فباطلة كرازتنا وباطل أيضا إيمانكم“. على المنوال نفسه، إن لم تكن الليتورجيا للقداسة فلماذا تكون؟ إن لم تكن الليتورجية للتقديس فهي باطلة ومعها يبطل إيماننا. إن مخالفة التقليد، كما عدم الدقة في إقامة الخدمة، تبطِل عمل الخدمة ووظيفتها، أي التقديس الجاري من خلالها. إن لم تكن الخدمة للتقديس فلماذا يقيمها الكاهن؟ لذا الالتزام بالدقة ليس تزمّتاً ولا تعصّباً بل سعياً إلى القداسة، قداسة الكاهن وقداسة شعبه.

فليعطِنا الرب القدرة على التشبّث بتقليد كنيسته في كل شيء، في الليتورجيا كما في العقيدة، كما في محبتنا له، له المجد إلى الأبد. آمين.

* عظة في الأحد 24 كانون الأول 2017

قديسون لأنطاكية

قديسون لأنطاكية

الأب أنطوان ملكي

الانتقال إلى الأخدار السماوية عبارة تعني الموت. لا يبدو أن لهذه العبارة ترجمة حرفية توازيها في اللغات غير العربية. فالخدر لغةً هو المكان الذي تستتر المرأة فيه بالبيت، أي المكان الذي لا يراه العموم. وبما أن السماء ليست مفتوحة للعموم، يمكن اعتبارها خدراً. تبقى فكرة الانتقال وتحديداً إلى السماء. نحن نستعمل صفة المنتقل عنّافي خدمة الجناز، لكننا لا نحدد إلى أين انتقل الراقد، بل نرجو أن يكون ذلك إلى الأخدار السماوية.

مع ذلك، في تقليدنا الأرثوذكسي نعرف عن انتقال ثلاثة هم النبيين إيليا وأخنوخ ووالدة الإله. التحدي هو في الآية وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ” (يوحنا 13:3). فهذه الآية منعت الكنيسة الأرثوذكسية من تطوير الاعتقاد بانتقال العذراء مريم إلى السماء إلى عقيدة كبتوليتها وولادتها للإله. أمّا النبيان إيليا وأخنوخ فقد نُقلا دون أن يقول الكتاب المقدّس إلى السماء. “نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ” (عبرانيين 5:11).

يذكر القديس غريغوريوس بالاماس أن الله حمل أخنوخ ولكنه يجزم بأنه لم ينقله إلى الأخدار السماوية لأنه ما من إنسان صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء. القديس ثيوفيلاكتوس البلغاري يقول بأننا نعرف أن أخنوخ نُقِل حياً ولكن لا نعرف شيئاً عن مكانه لأن الكتاب المقدس لا يذكر ذلك. أمّا النبي إيليا فيذكر كتاب الملوك الثاني في نص السبعينية بأن إيليا حملته مركبة وكأنه إلى السماء“. هذا الكلام يؤكده القديس يوحنا الذهبي الفم: “إيليا صعد وكأنه إلى السماء لأنه كان عبداً، أما المسيح فصعد إلى السماء نفسها لأنه كان السيد“. القديس كيرللس الأورشليمي يقول هذا (أي إيليا) وكأنه إلى السماء، بينما المسيح فمباشرة إلى السماء“. مثلهما القديس فوتيوس يشرح: “إيليا كعبد حُمِل إلى العلو في الهواء، لكن ليس إلى السماء، بل كأنه إلى السماء. الرب كضابط للكل صعد لا وكأنه إلى السماء، بل حقيقة إليها“. يقتبس أفثيميوس زيفاغنوس من ثيودوريتس القورشي أمَرَهم (أي السيد أمر الملائكة) بأن يفتحوا الأبواب الدهرية كما لم تُفتَح من قبل للطبيعة البشرية. إذ ما من إنسان سبق له أن عبر بها. مع إن إيليا العظيم صعد، لكن وكأنه إلى السماء، وليس إليها“. ينشد القديس أندراوس الكريتي: “إن إيليا صعد مرة بمركبة الفضائل وكأنه إلى السماء ورُفِع فوق الأمور الأرضية. فاعتبري يا نفسي هذا الصعود“. ومثله يشير رومانوس المرنّم: “إيليا جالساً على مركبة نارية، صعد، وكأنه إلى السماء، كما هو مكتوب، لكنه لم يبلغ إليها“.

إذاً، كل هذه الأقوال الآبائية تؤكّد أن ما من أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل منها، أي يسوع المسيح. ونضيف هنا والدة الإله التي هي أهم مَن يُعطى صفة الانتقال ويعيّد لانتقالها مع رقادها. يحكي التقليد عن فتح قبرها وعدم إيجاد رفاتها فيه. في الكثلكة هذا الانتقال تحوّل إلى عقيدة أمّا عندنا فلم يرقَ إلى هذا المستوى بدليل أن الغالبية الساحقة من الأديار والكنائس التي تعيّد في الخامس عشر من آب، وهي إحصائياً الأولى عدداً في كل العالم الأرثوذكسي بما فيه بلادنا، كلّها مسماة بالرقاد لأن رقاد والدة الإله ثابت ومعروف. الكلام عن الانتقال مرتبط بتقليد يحكي عن خلو قبرها من الرفات. تقبل الأرثوذكسية هذا التقليد بدليل تعدد الإشارات إليه في الليتورجيا.

إن رقاد البشر ثابت. ونحن نستعمل عبارة الرقادونشدد على الرقاد لأننا نرجو من بعده القيامة. إن الموت الذي نعاينه هو انفصال النفس عن الجسد ما يؤدي إلى فساد هذا الجسد. ومع أننا نستعمل في أفشين التريصاجيون والجناز عبارة المنتقل عنّا، فبها نعني، كما يعلّمنا الإنجيل، أن الميت انتقل عنا إلى حيث الانتظار. يخبرنا إنجيل الغني ولعازر أن الانتظار يكون إمّا في حضن ابراهيم أي في الراحة أو في الهاوية. بحسب الآباء، الهاوية هي مكان عقلي حيث التذوق المسبق للجحيم. جميع الموتى ينتظرون القيامة العامة، البعض ينتظرون في الراحة والبعض الآخر ينتظر في الهاوية. مهمّ التمييز أنّ حضن ابراهيم والهاوية ليسا الفردوس والجحيم، أي أن حضن إبراهيم ليس الأخدار السماوية، بل هو انتظار له.

ورد على إحدى الصفحات الإلكترونية خبر يقول أن جماعة أقامت صلاة ونشاطاً بِمُناسبة ذكرى انتقال أحد الإخوة إلى الأخدار السمّاويّة“. يوحي استعمال عبارة الانتقال إلى الأخدار السماوية بأن الجماعة حسمت أمر قداسة المنتقِل. هذا الحسم، وللأسف، خطر على الكنيسة. هذه الحالة ليست وحيدة، وإذا تمّ التغاضي عنها فهي قابلة للانتشار.

فمِن فترة مرّ على صفحات التواصل الاجتماعي صورةأيقونة للمثلّث الرحمات الميتروبوليت بولس بندلي وحول رأسه الإطار الذهبي. أيضاً قرأنا دعوات عديدة إلى إعلان قداسة البطريرك الياس الرابع لأنه شهيد تمّ اغتياله. ومثل هذه الدعوات تأتينا أحياناً من زوار اليونان حيث يُسألون عن متى سوف تعلن أنطاكية قداسة الأرشمندريت اسحق الأثوسي. ومثلها دعوات إلى إعلان شهادة مطران حلب المُغَيَب بولس يازجي أو الأب باسيليوس نصار كشهيدين.

نسمع أن المجمع الأنطاكي عيّن لجنة لدراسة مشاريع القديسين لا نعرف شيئاً عن نشاطها تماماً كما لا نعرف شيئاً عن نشاطات المجمع الأخرى. الإعلام الرسمي هو فقط لتغطية نشاطات البطريرك، أما المجمع واللجان فيكفينا بيانان مقتَضَبان كل سنة. هذا الأمر لا يمكن أن يسير مع لجنة القديسين على هذا المنوال. ضروري أن يكون لهذه اللجنة وسيلتها لإشراك المؤمنين في عملها كونهم جزءاً من ضمير هذه الكنيسة ووجدانها. من جهة أخرى، على اللجنة تهيئة المؤمنين لأي نتيجة قد تتوصّل إليها، فلا يتكرر ما جرى مع القديس يوسف الدمشقي، حيث لم يُعرَف عنه إلا عند إعلانه، فباتت أنطاكية تتعامل معه وكأنه عبء عليها.

قد يكون الإنسان، علمانياً أو كاهناً، صاحب موهبة تسلّمها من الروح القدس وأنماها. فهذا ملأ صفحات كثيرة، وذاك أنتج فكراً متألّقاً، وآخر صنع صدقات كثيرة. راهب نسك بحسب التقليد، كاهن دافع بغَيرة عن الكنيسة، رئيس حمل الطائفة على كتفيه، وآخر أعطي أن يختفي أو يموت في ظروف ملتبسة. كل هذه مواهب قد يكون لها أثر أو قد لا يكون. المهم أن تعكس صورة الله الحقيقية. هذا موضوع يزداد الحكم فيه تعقيداً وصعوبةً مع تزايد شعبية الراقد، لهذا اختارت الكنيسة تاريخياً الا تبحث بهذا الأمر مباشرة بعد الرقاد بل أن تترك للوجدان الشعبي أن يعمل لفترة.

هذا أمر يتطلب قديسين ليحكموا فيه، وإلا تنتهي الكنيسة مختَبراً للنفسانيات والدعاية. إن العوامل التي تعرّض هذه العملية للتعقيد كثيرة، منها روحية التنافس مع الغرب التي تؤدّي إلى تبنّي مقاييس الغرب في تحديد القداسة، حتّى من دون محكمة ومحامي شيطان.

ختاماً، كلنا نعرف أن أنطاكية ينقصها قديسون وأنها بحاجة إليهم أكثر من غيرها ليتشفّعوا بها وبوحدتها وبفكرها الممزق، لكن هذا لا يبرر التسرّع أو التفرّد في إعلان قداسة هذا الراقد أو ذاك، فاللياقة والترتيب والحق يقضون بأن الأمر بيد لجنة القديسين ومن بعدها المجمع، على الرجاء.

مراجع مفيدة

Dcn. Peter Mikhalev. Did Enoch and Elijah (Elias) Ascend into Heaven? Translated by Jesse Dominick. Pravoslavie.ru. 8/2/2017

Δ. Παναγόπουλου. Ο Δεύτερος Πρόδρομος της Παρουσίας Χριστού. Επιμέλεια: Θωμάς Φ. Δρίτσας. 20/7/2013. http://www.orp.gr

Fr. John Breck. Dormition or Assumption? Reflections in Christ. https://oca.org/reflections/fr.-john-breck/dormition-or-assumption. August 1, 2008