السنة الرابعة عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2018

السنة الرابعة عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2018

مختارات آبائية

الشيخ سرجيوس الذي في فاف

القديس يوحنا مكسيموفيتش، حول رسم الأيقونات

لاهوت

جان كلود لارشيه، كيف توقّف عالمنا عن كونه مسيحيًا: تشريح الانهيار

د. نيقولاوس كويوس، الخطيئة والمرض: نظرة أرثوذكسية

رعائيات

الأب أنطوان ملكي، حريق في اليونان ونار في أنطاكية

آريك هايد، محاربة الوحدة في عالم غير شخصي

الأب الرئيس تريفن، إنهاء العزلة والوحدة

قصة

الاعتراف ينقذ الأرواح“: قصة حقيقية

حياة روحية

الأب أنطوان ملكي، الإنسان المخدوع والرحمة

الشيخ سرجيوس الذي في فاف

الشيخ سرجيوس الذي في فاف (Vanves)

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كان الشيخ سرجيوس الذي في فاف أحد الشخصيات الأكثر مواهبية في القرن العشرين في أوروبا الغربية. وُلد في هولندا سنة 1903 لكنه قضى غالبية حياته في فاف (Vanves) التي هي إحدى ضواحي باريس. كان تلميذاً روحياً للشيخ خاريطن آخر رئيس لدير برلعام قبل أن أغلقه الشيوعيون.

صحيح أن الشيخ سرجيوس قضى حياته في بلد ليس فيه إلا القليل من الأرثوذكسيين إلا إن تعليمه كان كثير المنفعة لأبنائه الروحيين في أوروبا الغربية العلمانية. كان رجلاً اجتمعت فيه تقاليد برلعام القديمة مع الغرب ما بعد المسيحي. كان أباً روحياً لعدد من الأشخاص اللامعين في القرن العشرين ومنهم فلاديمير لوسكي ونيقولا برداييف وراسم الايقونات الراهب غريغوري كروغ.

الشيخ سرجيوس كان مغموراً بروحانية الشرق الأرثوذكسي المنيرة. من أعماله أنه جمع كتاب فن الصلاة“. كان على اتصال مباشر بالقديس سلوان الأثوسي وقد أخذ في قلبه كلماته الأخيرة له: “اذهب وأخبر الناس على قدر استطاعتك: توبوا“.

في فرنسا كان المجاهدون من أجل الأرثوذكسية قليلون واللامبالاة بالدين كبيرة. إرشاداته لأبنائه الروحيين نافعة جداً لنا، نحن الذين نشترك معهم بالعيش في المجتمع الدهري، إذ هو يحمل شهادة لتقاليد الآباء. يذكّرنا الشيخ بأن الله ليس خياراً في حياتنا. إن أردنا الحياة فليس بإمكاننا أن نوقف الصلاة كما أنه لا يمكننا أن نوقف التنفّس. إنه يعلّمنا أن عالمنا، بالرغم من أنه يقدّم لنا الكثير من وسائل الراحة والرفاهية، وبالرغم من أن علم النفس يقدّم الكثير للتخلص من اضطراباتنا، يبقى أنه ما من سبب لاستمراريتنا سوى الله وما من شافٍ لجراحنا النفسية إلا الله وما من حافز للعيش إن لم يكن هناك أبدية.

الصلاة

لا ينبغي أن تعتمد الصلاة على مزاجنا أو نيتنا الطيبة. إذا كنا في حال محدد فهو أننا ممتلئون بالخطايا. لذا علينا أن نتوب. كل يوم افحصوا ضميركم وتوبوا. اجبروا أنفسكم على الصلاة يومياً. إن لم تريدوا ذلك، فعليكم أن تتوبوا على هذا. يجب أن تفهموا مدى ضرورة هذا الأمر. اعلموا أن الشيطان يتربّص ويريد أن يبيد نفوسكم، وأنكم دوماً في خطر. وحدها الصلاة تمنح نفسكم القوة للمقاومة.

لكي تربّوا عضلات روحية عليكم أن تذهبوا إلى النادي الروحي.

لا ينبغي أن تتحوّل الصلاة إلى طقس بالمعنى السيء للكلمة. وإن صارت عندنا طقساً فعلينا أن نتوب عن ذلك. يجب أن تكون الصلاة منتظمة بشكل مطلَق. تماماً كما تسقط الماء على صخرة وشيئاً فشيئاً تقطعها، كذلك الصلاة تخترق داخل نفوسكم.

من خلال صلاة يسوع، يدخل فكركم في قلبكم. إن الصلاة تتيح لنا أن نفهم الأمور بقلبنا.

صلاة يسوع من دون اتضاع هي كارثة.

التوبة

التوبة هي بداية ووسط ونهاية الحياة الروحية.

هناك نوعان من التوبة: 1) عن خطيئة محددة و2) عن حالة الخطيئة عامةً.

النوع الأول هو الأكثر حيوية.

هناك ثلاث مراحل نحو التوبة عن خطايا محددة. 1) التوبة عن الخطيئة في الفكر ما أن نرتكب الخطيئة. 2) في آخر النهار، عندما نفحص ضميرنا، نتذكّر الخطيئة ونطلب من الله المغفرة مجدداً. 3) اعترف بخطيئتك وتبْ عنها في سر الاعتراف.

المرحلة الأولى تتيح لنا الحصول على المغفرة من الله عندما نتعامل مع خطايانا الأخف وأفكارنا غير الطاهرة. إذا جاءك فكر شر وتبت عنه بالرغبة في أن تفكر أو تعمل بخلافه، فإن خطيئتك تُمحى مباشرة.

للتوبة في آخر كل يوم أهمية كبرى. في هذا الوقت علينا أن نشرَع بنقد روحي لكل ما قمنا به في ذلك اليوم مراجعين الشر والخير اللذين قمنا بهما. بعد تفحصنا لضميرنا علينا أن نطلب المغفرة من الله بإخلاص وندامة عن كل ما لم نكن فيه مخلِصين لله. يجب أن يكون ضميرنا حاداً حتى أننا في كل ليلة يمكننا أن نتفحّص ذواتنا وما قمنا به خلال النهار وأن نتوقف عند ما قمنا به من الخطأ، أيّ خير لم نعمله، وما هو الذي عملناه بشكل سيء. من ثم يجب أن نطلب المغفرة من الله على كل هذه الأشياء.

اثبتوا دائماً في التوبة ليس لأنكم بالضرورة قد قمتم بعمل خاطئ بل لأن طبيعتنا ضعيفة. علينا أن نتوب على ما نحن عليه. عندما نتوب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ليس ما قمنا به خطأً وحسب، بل كل الخير الذي لم نقم به.

الاعتراف أمام كاهن، أي المرحلة الثالثة، ملزِمة لأنها تؤهّلنا لتلافي البقاء مُثقَلين نفسياً وروحياً بالخطايا التي اقترفناها في الماضي.

النوع الثاني من التوبة يتعلّق بشخصيتنا. هناك خطايا كثيرة لا نعِيها وصارت جزءً من طبيعتنا. في الاعتراف، يجب أن نسأل الله: “اغفر خطاياي التي لا أعرفها والتي من دون وعي“.

يجب أن نتوب عن كل فشلنا وقلة كفاءتنا. لا ينبغي أن نعطي أنفسنا أعذاراً إذ لا يوجد أي سبب خارجي يمكن أن يبرر ضعفاتنا.

التوبة ضرورية للجميع إذ لا يوجد إنسان من دون خطيئة. مَن يعتقد أنه غير خاطئ يعيش في الوهم. التوبة هي موقف داخلي من خوف الله وذِكر الموت وقبل كل شيء التواضع. إنها مفتاح الحياة الروحية.

يفضّل الله شخصاً يخطأ ويتوب على شخص يظن أنه لا يخطأ أبداً ولا يتوب.

الذين لم يتوبوا منذ زمان، عليهم أن يطلبوا الغفران من الله على قدر توبتهم. الله يعرف جهادنا الخاطئ وحالتنا القابلة للموت وهو يغفر برحمة لامتناهية للذين يتوبون باستمرار.

إن موقفنا من ملكوت السماوات يجب أن يكون كمثل مسافر لا ينبغي به أن يكون مذعوراً من كل ما عليه فعله عند وصوله إلى مقصده، بل عليه أن يتابع مخططاً لرحلته الحالية. علينا أن ندرك أننا لا نعرف متى يأتي القطار الذي سوف يأخذنا إلى الملكوت حتى نكون مستعدين عند مجيئه. علينا أن نكون مثل العذارى العاقلات وأن نحمل الزيت دائماً في مصابيحنا. علينا أن لا نعتقد أن حالتنا الساقطة غير قابلة للإصلاح. بل أن نكون على ثقة بأن دائماً هناك مغفرة لنا. كل ما نحتاجه للغفران هو أن نطلبه.

التوبة كحالة دائمة هي حالة المسيحي الثابتة، وهي حالة جميع القديسين. لذا علينا أن نسعى نحو هذا الهدف بكل قدرتنا وبكل صلاتنا. ومن ثمّ سوف تكشف ذاتها لنا كقوة خارقة من التقدّم الروحي.

التوبة هي مفتاح الحياة الروحية. إنها تؤهّلنا للباس العرس الذي من دونه نُطرَح خارجاً.

* Elder Sergei of Vanves: Life and Teachings

حول رسم الأيقونات

حول رسم الأيقونات

القديس يوحنا مكسيموفيتش

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الأيقونة هي رمزُ غير المرئي. إن رأينا المظهر الخارجي للمسيح والقديسين، فعلى الأيقونة أن تكشف المظهر الداخلي، والقداسة أيضاً. حتى الرسوم الدهرية غالباً ما تشخصن بعض أنواع الأفكار. لنأخذ مثلاً، نُصب بطرس الأكبر في بتروغراد: إنه مصوّر على حصان منطلق إلى الأمام، رافعاً راكبه إلى فوق. هذا يعبّر عن كم رفع بطرس الأكبر روسيا في أوجه كثيرة. الأنصاب الأخرى تمثّل ايضاً أفكاراً من أنواع أخرى. إذا كان هذا ممكناً في الفن الدهري فلا بد أنه ممكن في الفن الديني، حيث يُمثّل ما هو أسمى أي السماوي والروحي. ليست الأيقونة صورة فنية تصف مظهر الشخص الأرضي وحسب، بل هي أيضاً تمثّل حالته الداخلية ايضاً. حتى تصويرات المظاهر الخارجية وحدها تختلف عن بعضها في مختلف الأوقات. اعتاد الميتروبوليت أناستاسيوس المبارك أن يخبر أنه عندما كان طالباً في الأكاديمية اللاهوتية انضمّ هو وزملاؤه في كرونشتادت إلى خدمة كان يقيمها الأب البار يوحنا، الذي عندما قارب نهاية القداس أخذ مظهراً لامعاً منيراً على شبه موسى أثناء نزوله من جبل سيناء. لاحقاً، عندما استقبلهم في قلايته كان مظهره كأي شخص عادي. إن ربنا يسوع المسيح نفسه أرانا مجده مرة على طور ثابور بينما في الأوقات الأخرى كان مظهره إنساناً عادياً، حتى أن الناس كان يتساءلون حول مصدر قوته والمعجزات التي كان يقوم بها.

يجب أن تصوّر الأيقونة المظهر الخارجي ولكن أيضاً الحياة الداخلية والقداسة والقرب من السماء. الوسيلة الأساسية لتحقيق هذا هي الوجه، التعبير والمظهر المصوّر على الأيقونة. أيضاً، ما تبقّى من الأيقونة يجب أن يكون منسجماً مع هذا التعبير. لقد ركّز كاتبو أيقوناتنا الأرثوذكسيون انتباههم على تصوير حالة النفس الداخلية التي يخفيها الجسد. وبقدر ما استطاعوا تحقيق ذلك كانت الأيقونات أفضل. غالباً ما يكون هناك نقائص في طريقة تصوير أجزاء الجسم المختلفة، ليس لأن الرسامين يقومون بذلك عن وعي، بل لأن جهودهم لإنجاز هدفهم الأساسي لا تسمح لهم دائماً بإعطاء الانتباه الكافي للأوجه الثانوية في عملهم. بالمناسبة، ما من شك في أنه حتى في اللقطات العادية، لا سيّما اللقطات الصريحة، فإن الكثيرين سيظهرون الجسد البشري في مواقف غير طبيعية، لكن هذا شيء لا نلاحظه عادة.

من المستحيل أن نكتب أيقونة تصوّر المظهر الخارجي للجسم فقط؛ يجب أن تعكس الجهادات الروحية غير المرئية ويجب أن تشع بالمجد السماوي. هذا شيء يمكن أن يبلغه بالكامل مَن يعيش حياة روحية ويفهم ويعتزّ بحياة القديسين. وهذا هو سبب أن راسمي الأيقونات في العصور القديمة، دائماً ما كانوا يعدّون أنفسهم للرسم بالصلاة والصوم. منح الرب قوة المعجزات العاملة للعديد من الأيقونات المكتوبة بهذه الطريقة.

بالطبع ، ينبغي منح أي أيقونة جرت مباركتها التوقير وعدم معاملتها بلا مبالاة وقلّة احترام. لهذا يجب أن نتجنّب الحكم على الأيقونات الموجودة في الكنائس، وبدلاً من ذلك يجب أن نسعى دومًا نحو الأفضل. الأمر الأساسي هو الانتباه ليس إلى الجمال الخارجي للأيقونات بقدر الانتباه لروحانيتها. لا ينبغي وضع أيقونات لا تستوفي بوضوح متطلبات الأيقونات الأرثوذكسية في الكنائس؛ وفي بعض الأحيان لا ينبغي أن توضع حتّى في المنازل.

ليس لأي شخص على دراية بالفن وقادر على الرسم أن يكتب أيقونة. غالبًا ما يكون لموقف راسم الأيقونات ورغبته في خدمة الله أهمية أكبر من فن الرسم الفعلي. بالإضافة إلى الخير الذي تمّ جلبه من الغرب بعد بطرس الأكبر، كان هناك أيضًا العديد من التأثيرات الجديدة الغريبة عن روح الأرثوذكسية. جزء كبير من الطبقة المتعلّمة في روسيا وقع تحت تأثير تلك التأثيرات، ما أدى إلى ظهور العديد من الابتكارات السيئة وغير الصحية في أعمالهم. إلى حد ما، انعكس هذا في فن الايقونات كذلك. بدلاً من محاكاة راسمي الأيقونات الروس القدامى، سادت مضاهاة الفنانين الغربيين الأجانب عن الأرثوذكسية. على الرغم من أنها جميلة للغاية، إلا أن الصور الجديدة لم تتوافق مع روح فن الأيقونات. بدأت روح أجنبية عن الأرثوذكسية تتجذّر في روسيا، وتهزّها تدريجياً.

الآن كلام النبي موجه إلينا: “لا تتخلّوا عن مجدكم لآخر، ولا لشعب أجنبي ما هو نافع لك.” كما في الحياة، كذلك في عادات الكنيسة، يجب أن نعود إلى تلك الأسس الراسخة والصلبة التي بنيت عليها روسيا والتي تقوم على أساسها. فن الأيقونات عندنا هو أيضاً انعكاس لتلك الأسس. لا ينبغي أن تكون أيقونات كنائسنا مكتوبة بروح غريبة عن الأرثوذكسية. إن الذين يؤكدون أن الأيقونات الأرثوذكسية يجب أن تُكتب بطبقات داكنة، وأن ترتيب الجسم يجب أن يكون غير طبيعي، مخطئون. في العصور القديمة، كانت الأيقونات تُكتَب باستخدام ألوان مشرقة إشعاعية. لقد تحولت إلى داكنة مع الزمن ومع تراكم الغبار على مر القرون. ومع ذلك، ينبغي في الوقت نفسه أن يتذكر الإنسان أن في الواقع العديد من القديسين الذين قضوا حياتهم في الصحارى الحارة، كانوا ذوي بشرة داكنة، وفي الواقع كان الكثيرون منهم يعانون من الجفاف بعد سنوات طويلة من النضال الروحي. لقد كانوا مشهورين ليس لجمالهم الدنيوي بل السماوي. بصلواتهم فليساعدونا لكي تكون كنائسنا انعكاسات للمجد السماوي، ولأن يتّحد قطيعنا في السعي وراء ملكوت الله، في كنيستهم كما في حياتهم ، ليبشّروا بحقيقة الأرثوذكسية.

كيف توقّف عالمنا عن كونه مسيحيًا: تشريح الانهيار

كيف توقّف عالمنا عن كونه مسيحيًا: تشريح الانهيار

جان كلود لارشيه

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

هذا النص هو مراجعة جان كلود لارشيه لكتاب غويوم كوشيه (Guillaume Cuchet) “كيف توقّف عالمنا عن كونه مسيحيًا: تشريح الانهيار” (Comment notre monde a cessé d’être chrétien. Anatomie d’un effondrement) منشورات Seuil، باريس 2018, 276 صفحة.

هذا النص وإن يكن يحكي عن الكثلكة في فرنسا إلا أن فيه الكثير للتعلّم في أنطاكية.

على مدى نصف قرن ، لاحظ العديد من المؤلفين الانهيار المذهل للكثلكة في فرنسا وعلى نطاق أوسع في أوروبا، وقد أثار الأمر قلقهم: لويس بويير في تحلل الكثلكة” (1968) ، وسيرج بونيه في تجسيدات الإكليروسية في الجمهورية الخامسة” (1973) ، ميشيل دي سيرتو وجان ماري دوميناخ في المسيحية انفجرت(1974) ، بول فيجنرون فيتاريخ أزمات الكهنة الفرنسيين المعاصرين” (1976) ، جان ديلومو فيهل سوف تموت المسيحية؟” (1977) ، إميل بولا في عصر ما بعد المسيحية” (1994) ، المطران سيمون فينحو فرنسا وثنية؟” (1999) ، دينيس Pelletier في الأزمة الكاثوليكية” (2002) ، دانييل هيرفيو ليجي الكثلكة: نهاية العالم” (2003) ، إيف ماري هيلير في هل سوف تختفي الكنائس؟” (2004)، دينيس Pelletier في الأزمة الكاثوليكية: الدين، المجتمع، السياسة في فرنسا (1965-1978)” (2005) ، عمانوئيل تودوهرفيه لوبرا في “السرّ الفرنسي” (2013)، إيفون ترانوفويه في “تحلل المسيحية الغربية” (2013). [1]

يلعب عنوان هذا الكتاب على عنوان كتاب بول فاين متى أصبح عالمنا مسيحيًا، لكنه يعلن انقلاب العملية التي حللها هذا الأخير. فغيوم كوشيه، وهو أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة باريس آست كريتاي، متخصص في تاريخ الكثلكة، يقترح في كتابه إظهار اللحظة التي بدأ فيها هذا الانحطاط وتحديد أسبابه. واحدة من الأدوات العلمية الرئيسية التي يستخدمها هي التحليل الإحصائي، فيما يعتبر معدل حضور الفرنسيين المنتظم إلى الكنيسة يوم الأحد أحدَ المعايير الموضوعية. هذا المعدل انخفض من 27٪ في 1952 إلى 1.8٪ في 2017. يمكن التساؤل حول هذا المعيار لأنه وفقاً لمقالٍ نُشر مؤخراً في صحيفة لا كروا (La Croix) الكاثوليكية الفرنسية ، يمكن للمرء أن يكون كاثوليكياً ممارساًولكن إلى جانب التزامات أخرى. من الصحيح أن بغياب هذه الممارسة يوم الأحد يمكن أن تستمر الثقافة المسيحية لفترة من الوقت. لكن فقدان الاتصال بالحياة الليتورجية لا يؤدي إلا إلى ضعف هذه الثقافة التدريجي واختفائها في نهاية المطاف.

يحدد الثلث الأول من الكتاب الالتزام بالكثلكة كما يظهر من كتلة من البيانات الإحصائية التي جمعها الإكليروس بين عامي 1945 و 1965، وعلى وجه الخصوص الإحصائيات التي وضعها كانن بولارد بعناية وانتظام على مدى فترة أوسع (1880-1965) بواسطة فرناند بولارد (Canon Boulard)، وهو عالم اجتماع ومؤلف كتاب من أربعة أجزاء عنوانه مواد التاريخ الديني للشعب الفرنسي، القرنان التاسع عشر والعشرون”[2].

وفقًا لكوشيه ، فإنه يمكن تأريخ التمزق الذي يفتتح عملية الانحطاط الكاثوليكي في فرنسا في الستينيات وبشكل أكثر دقة في عام 1965. يتزامن هذا القطع مع المجمع الفاتيكاني الثاني، وفي هذا الأمر تناقض، لأن المجمع صُمّم على يد منظميه كتحديث لإحياء كثلكةٍ تواجه العالم الحديث. ومع ذلك، يشير المؤلف، بعد دراسة فرضيات مختلفة، لا نرى ماذا يمكن أن يكون الحدث الآخر الذي ولّد مثل هذا التفاعل. فبمجرد وجوده، إلى الحد الذي فجأةً جعل إصلاح المفاهيم القديمة ممكناً، كان المجمع كافياً لزعزعة هذه المفاهيم، خاصة وأن الإصلاح الليتورجي وهو في الدين الجزء الأكثر ظهوراً لغالبية الناس قد بدأ تنفيذه في وقت مبكر منذ عام 1964″.

في النصف الثاني من كتابه، يحلل المؤلف بشكل دقيق ما يتعلّق بالمجمع من أسباب التمزق وعملية الانحطاط المستمرة إلى اليوم في جميع أنحاء العالم.

لقد تسبب المجمع بفقدان المؤمنين لمراجعهم. النص الذي نُشر في عام 1965 حول الحرية الدينية (Dignitatis humanae) ظهر كنوع من التفويض غير الرسمي للاعتماد على حكم الفرد فيما يتعلق بالمعتقدات والسلوك والممارسة، ما يتناقض بقوة مع النظام السابق“. هذا أثار ملاحظة الأب لويس بويير الحزينة: “لا أحد يؤمن بعد الآن. كل واحد يفعل فقط ما يريد“.

في ما يختص بالتقوى، يشير كوشيه إلى أوجه من الإصلاح الليتورجي التي قد تبدو ثانوية، ولكنها لعبت دوراً مهماً ولم تكن أبداً على المستوى النفسي والأنثروبولوجي. من هذه الأمور التخلي عن اللاتينية، المناولة باليد، والاستنسابية في الفروض القديمة. إلى هذه، يمكن إضافة انتقادات المناولة الرسمية التي تضاعفت منذ 1960 وبخاصةً منذ 1965، كما الممارسات الرعائية الجديدة في المعمودية (منذ 1966) والزواج (منذ 1969-1970)، والتي اتجهت نحو زيادة مستوى إتاحة الأسرار بطلب المزيد من التهيئة والانخراط الشخصي من الراغبين بالحصول عليها.

في حقل المعتقدات، المهم كان وجود التغيير بحد ذاته. التغيير في التعاليم الرسمية جعل المؤمنين البسطاء مشككين، إذ استنتجوا بأنه إذا كان النظام مخطئاً في الأمس بإعلانه ثبات ما لم يعد ثابتاً، لا يستطيع المرء أن يبقى واثقاً بأن هذا الأمر لن يتكرر في المستقبل. إن سلسلة كاملة من الحقائقالقديمة سقطت فجأة في الاندثار، وكأن الإكليروس أنفسهم توقفوا عن الإيمان بها أو لم يعرفوا ماذا يقولون عنها بعد أن كانوا تكلّموا عنها لزمان طويل على أنها شيئ أساسي.

من جهته، يشير الكاتب إلى أن هذا الوضع كان قادراً على زعزعة المؤمنين في حقل آخر هو صورة الكنيسة وبنيتها التراتبية والكهنوت.الأزمة الكاثوليكية في سنوات 1965-1978 كانت في البداية أزمة الإكليروس والمجاهدين الكاثوليك. إن التخلي عن القلنسوة (منذ 1962) والزي الكهنوتي، وتسييس الإكليروس (نحو اليسار)، عدول الكهنة والرهبان والراهبات، بَدَت للكثيرين على أنها خيانة كهنوتية لا موازٍ لها منذ الثورة الفرنسية التي كان لها نفس الآثار المفقِدَة للاستقرار“.

فوق هذا، شقّ المجمع الطريق إلى ما يمكن تسميته خروجاً جماعياً من الممارسة الإلزامية تحت ألم الخطيئة المميتةالتي احتلّت موقعاً مركزياً في الكثلكة القديمة.[…] هذه الثقافة القديمة حول إلزامية الممارسة كان يُعبّر عنها بشكل رئيسي في حيّز وصايا الكنيسةالتي يتعلّمها الأولاد عن ظهر قلب في التعليم الديني والذي يتمّ التحقق من الحفاظ عليه خلال فحص الضمير عند التهيئة للاعتراف. هذا تضمّن أيضاً واجب حفظ قداسة أيام الآحاد والأعياد، الاعتراف بالخطايا، والمناولة على الأقل مرة في السنة، صيام أيام الجمعة، وأمسيات قبل الأعياد الكبرى، وخلال ما يسمّى الفصول الأربعةمن الفترات الصيامية. كل هذه المتطلبات أُرخيَت إلى نقطة الاندثار ما عدا المناولة التي صارت منتظمة ويمكن الحصول عليها من دون أي تهيئة، لأن الاعتراف والصوم عملياً قد اختفيا. إن حلّ الصوم الإفخارستي تمّ على عدّة مراحل تحضيرية: في 1953 قرر بيوس الثاني عشر أن شرب الماء لا يكسر هذا الصوم مع الحفاظ على إلزامية الصوم منذ منتصف الليل قبل المناولة. في 1957، رسالة البابا المعنونة سر المناولة” (motu proprio Sacram communionem)[3] اختصرت الصوم قبل المناولة إلى ثلاث ساعات للأكل الجامد وساعة واحدة للسوائل. في 1964، أفتى بولس السادس بأن ساعة واحدة تكفي في الحالتين، ما عنى عملياً اختفاء الصوم الإفخارستي، لأن ساعة واحدة هي مدة الانتقال إلى الكنيسة والقداس قبل المناولة.

خلال هذه الفترة المجمعية وما بعد المجمع، يشير الكاتب إلى أنه من الصادم ملاحظة إلى أي مدى حذف الإكليروس طوعياً نظام الأصول القديم الذي عانوا صعوبات جمّة لوضعه، مثيرين في الشعب، بشكل لا يمكن تلافيه، شعوراً بأنهم غيّروا دينهمومحرّكين في البعض منهم انطباعاً بالنسبية المعممة.

يخصص الكاتب فصلَين كاملين لأسباب الانحدار التي تبدو له جذرية: أزمة سر الكَفّارَة وأزمة التعليم عن الأمور الأخيرة.

1) بحسب كوشيه، ازمة الاعتراف هي إحدى الأوجه الأكثر إعلاناً وصدماً للأزمة الكاثوليكية لسنوات 1965-1978”. “إن تراجع الاعتراف هو بحد ذاته حقيقة اجتماعية وروحية لم يعطِها المؤرّخون وعلماء الاجتماع الاعتبار المناسب: فهي ليست أقل من التحوّل الغامر من خلال التخلّي الكثيف في فترة لم تتعدَّ بعض السنوات عن ممارسةٍ لطالما تحكّمَت بعمقٍ بالمواقف الكاثوليكية لفترة طويلة من الزمن. في 1952، 51 بالمئة من البالغين الكاثوليك أقرّوا بأنهم يعترفون على الأقلّ مرة في السنة (في الفصح، إذ كان هذا إلزامياً منذ نشر القانون 21 من المجمع اللاتراني الرابع سنة 1215). في 1974، تراجع هذا الرقم إلى 29 بالمئة، وفي 1983 إلى 14 بالمئة. بحسب الكاتب، نقطة التحوّل هي في 1965-1966 حين لم يعد يُقَدَم الاعتراف على أنه سر الكفّارةوصار يُقَدَّم على أنه سر المصالحة“. هذا جرى يداً بيد مع التالي:

انتهاء الممارسة الإلزاميةالمذكورة أعلاه وإنهاء تجريم الامتناع عن الممارسة الدينية، وقد كان هذا الامتناع يُعتَبَر سابقاً خطيئة بقدر ما هو خرق لوصايا الكنيسة التي كانت تُطرَح كواجبات على المرء تطبيقها.

فقدان الحس بالخطيئة في ضمير الكثير من المؤمنين، وأيضاً بين الإكليروس الذين باتوا يخشون إثارة هذا المفهوم، كما فكرة الأمور الأخيرة. يلاحظ الكاتب في هذا السياق: “لقد امتنع الكهنة بغتةً عن التكلّم عن كل هذه الأمور الحساسة، وكأنهم لم يعودوا يؤمنون بها، فيما انتشر الكلام عن صورة إله كإله روسو إله الحبوليس إله المحبةفي الستينيات والسبعينيات. وكما لخّص أحد الفلاحين البريتانيين (من بريتون) في مطلع السبعينيات في مقابلة مع عالم الاجتماع فانش آلاغوا ( Fañch Élégoët) “لقد عبّد الكهنة الطريق إلى الملكوت“. هذا الطريق الذي كان جُرفاً وضيقاً فيما مضى صار طريقاً سريعاً يستعمله أي كان تقريباً. مع هذا الطريق، وإن لم يعد هناك أي خطيئة وأي جحيم، أو أقلّه لم يعد هناك خطايا جسيمة ممكن أن تحرمك الملكوت، فإن فاعلية الاعتراف بتحديده التقليدي صارت بالحقيقة أقلّ وضوحاً“.

الانفكاك بين الاعتراف والمناولة. “في النظام القديم، كنا نعترف أكثر مما نتناول، وكان الاعتراف نوعاً من طقوس التطهير التي تحدد الوصول إلى الإفخارستيا“. إن تطور المناولة المتواترة مرفوقاً بفقدان الحس بالخطيئة، كما الفكرة المنتشرة بين الكهنة، بتأثير من التحليل النفسي، بضرورة تحرير المؤمنين من الشعور بالذنب وبتحريرهم من الاعتراف، أنتجَت أن المؤمنين صاروا مدعوين إلى المناولة من دون الحاجة لأن يعترفوا. فمن ثمّ صارت المناولة مبسّطة، فيما إمكانية الاعتراف الفعلية صارت عملياً معدومة، وتمّ استبدال الاعترافات الفردية المنتظمة، منذ 1974، بالطقوس التكفيريةالتي تُقام مرةً في السنة قبل الفصح. في هذه التجمّعات، لا يعترف المؤمنون بأي شيء (يسمّي الكاتب هذه الطقوس أشكال كفارةٍ من دون اعتراف“) بل يحصلون على حلّ جماعي بعد الاستماع إلى عظة مبهَمَة غالباً ما يتمّ خلالها إغفال مفهوم الخطيئة. وعندما بقيت إمكانية الاعتراف قائمة أو استعيدَت في بعض الرعايا فإن المؤمنين لم يعرفوا جيداً كيف يعترفون أو حتّى ما إذا كان الاعتراف ما زال نافعاً“.

الفصل الأخير مخصص لأحد أسباب التدهور والذي يبدو على نفس الدرجة من الأهمية بالنسبة للكاتب: أزمة التعليم عن الأمور الأخيرة“. في عنوان الفصل يتفكّر الكاتب بأن ذلك لا يعني بالخلفية نهاية الخلاص، ويشير إلى أن في مجموعات التعليم الديني والمقالات القديمة أُعطي مكانة مهمة للموت والدينونة والوجهتين النهائيتين لما يلي، أي الفردوس والجحيم. في وقت مبكر، في كانون الأول 1966، إذ أقلق أساقفة فرنسا أن يروا هذه الأمور تختفي من التعليم والوعظ، فلاحظوا: “الخطيئة الأصلية… كما الأمور الأخيرة والدينونة هي نقاط في العقيدة الكاثوليكية مرتبطة بالخلاص في يسوع المسيح وعرضها للمؤمنين يجعل بالفعل تعليمها صعباً على الكثيرين من الكهنة. نحن لا نعرف كيف نحكي عن هذه الأمور“. قبل هذا بوقت قصير، لاحظ الكاردينال أوتافياني رئيس لجنة عقيدة الإيمان أن الخطيئة الأصلية اختفت بشكل شبه كامل من الوعظ المعاصر. يلاحظ كوشيه أن مشكلة تقديم العقيدة لم تكن رعائية وتربوية وحسب بل أيضاً بالحقيقة، كانت مسألة إيمان وعقيدة، وعدم ارتياح يتقاسمه الكهنة والمؤمنون. كل شيء يتمّ كما لو أن بغتةً عند نهاية عمل كامل من التهيئة الباطنية، أجزاء كاملة من العقيدة القديمة والتي كانت فيما مضى تُعتَبَر أساسية، كالدينونة والجحيم والمطهَر والشيطان صارت كلها غير قابلة للتصديق عند المؤمنين وغير ممكن التفكير بها لدى اللاهوتيين“. يحدد الكاتب مكان هذه الأزمة (بالغم من وجود العديد من الإشارات المنذِرة لبعض الوقت) في الستينيات، إلى جانب أزمة الاعتراف، مشيراً إلى أن الأولى مرتبطة بشدة بالأخيرة: “إن انهيار ممارسة الاعتراف تتبع تسلسلاً زمنياً مماثلاً. فخلال سنوات قليلة، لا بل حتّى أشهر قليلة، اختفت فعلياً مجموعة من الأمور التي كانت في وقت ما معروفة جداً لدى الذين يعترفون بتواتر. إن الأمر مرتبط بشكل مباشر، حتى لا نقول حصري، بحذف مفهوم الخطيئة المميتة (بمعنى أنها خطيئة تعرّض مرتكبها للعنة). لكن هذا كان له مفاعيله على الأسرار الأخرى المرتبطة بالأمور الأخيرة. في طقس المعمودية الجديد، تمّ اختصار الاستقسامات بشكل كبير (إذ لم يبدُ مرغوباً بالتشديد على دور الشيطان، الذي لم تخلّى عن الإيمان بوجوده عدد غير قليل من الكهنة، والذي بدا وكأنه ينتمي إلى ميثولوجيا ينبغي تحرير المؤمنين منها على اعتبار أنهم ساذجون). لقد كان هناك استهزاء واضح بالخطيئة الأصلية التي يُفتَرَض أن المعمودية تحرر منها وتؤمّن الحياة الأبدية“.

أما بخصوص المعمودية، فإن إصلاحاً آخراً سبّب تنفير الكثير من المؤمنين: ابتداءً من كانون الأول 1965، الهمّ الأول إلى الآن كان أن يعمّد الأطفال بأسرع وقت، لكن خدمة معمودية رعائية جديدة هي على العكس الآن حيث لا يحدد التاريخ بهدف انخراط الأهل أكثر في التحضير“. ينبغي إضافة أن الأمر بلغ ببعض الكهنة أن يتخلّوا عن تشجيع معمودية الأطفال واضعين الأمر في إطار أن المعمودية يجب أن تكون عملاً حراً طوعياً واعياً بالكامل، وشجّعوا على تأجيل مناقشة المعمودية إلى أن يبلغوا المراهقة.

مقترباً من الخاتمة، يشدد الكاتب مجدداً على التأثيرات الكارثية للستينيات على وعي المؤمنين العقائدي، الذي صار بشكل ما بروتستانتياً: “غالباً ما تمّ تفسير تكريس حرية الضمير من قبل المجمع في الكنيسة، بشكل غير متوقع في البداية، كحرية جديدة للضمير الكاثوليكي، مما يسمح ضمنيًا بالتمييز بين العقائد وممارسات الواجبات. لقد تحوّل مفهوم العقيدة (كاعتقاد ملزِم في الضمير) إلى مثير للمشاكل. هذا القرار الكبير للمجمع، مقروناً بمفهوم تراتبيةالحقائق، يبدو أنه اشتغل في عقول الكثيرين كنوع من رفع الجرم عن المؤمن الذي يصنع إيمانهما يغاير النظام السابق بشكل كبير، حيث كان ينبغي تبنّي الحقائق جميعاً وليس انتقائياً. كان يُتوقّع أن الأكثر سماجة من هذه المبادئ، أو تلك الأكثر مخالفةً للحدس، سيدفع الثمن، وهذا لم يفشل في الحدوث”.

مهما كانت العوامل الخارجية القادرة على لعب دور في انهيار الكثلكة (كالمقاربات الحديثة والضغط الاجتماعي وغيرها) فبحسب الكاتب، الظاهر هو أن العوامل الداخلية هي صاحبة الدور الحاسم.

تحمل الكثلكة مسؤولية جسيمة في إبطال مسيحية فرنسا (وبشكل أوسع أوروبا، لأن تحليلاً مماثلاً للوضع في الدول الأخرى سوف يؤدّي إلى نتائج مماثلة). إن العصرنة التي تحققت في مجمع الفاتيكان الثاني والتي اقترحت مواجهة تحديات العالم الحديث، لم تحقق سوى التأقلم مع هذا العصر؛ وإذ افترضت أنها تجذب العالم إلى جهتها انتهت في الاستسلام للعالم، وبالرغم من رغبتها في أن تكون مسموعة في المدى العلماني، صارت الكثلكة دهرية. في خوفها من تأكيد هويتها، صارت الكثلكة استنسابية إلى درجة أن عدداً كبيراً من المؤمنين فقد اللافتات التي كان معتاداً عليها أو التي كان يتوقعها، ولم يعد يرى معنى لأن يطلب في الكثلكة ما يقدمه له العالم بطريقةأقل التواءً.

تسعى السلطات الكاثوليكية إلى تخفيف الانهيار الموصوف في هذا الكتاب عن طريق حجج مختلفة (عدد كبير من الفرنسيين ما زال كاثوليكياً ويعمّد أطفاله؛ الممارسة الدينية تُقاس بالتزامات أخرى غير حضور القداديس؛ حلّت النوعية مكان الكمية؛ وغيرها). ومع هذا، إنهم يجاهدون ليكونوا مُقنِعين. لطالما قُدِّم يوحنا بولس الثاني على أنه هَندَس إبراءً من الفظائع التي تبعت الفاتيكان الثاني، لكن ينبغي ملاحظة أن التزام يوم الأحد الديني تراجع من 14 بالمئة عند انتخابه إلى 5 بالمئة عند وفاته في 2005. إذا كان صحيحاً أن الجماعات الحيّة الموجودة في المدن يمكن أن تقدّم مثالاً خاطئاً (كما كانت الحال في الكنائس القليلة التي بقيت مفتوحة خلال الفترة الشيوعية في الكتلة الشرقية حيث كانت مكتظة لأن غيرها كان مغلقاً)، كما اجتماع الشباب الاستعراضي خلال أيام الشباب العالمية، فإن الجنوب الفرنسي يظهِر حقيقةَ تصحرٍ مأساوي: تضاعُف الكنائس غير المستعملة (أي الكنائس التي لم تعد تعمل كأماكن للعبادة)؛ كهنة يهتمون بعشرين إلى ثلاثين رعية ويقيمون قداساً إقليمياًكل أحد لعدد صغير من المؤمنين بغالبيتهم من العجزة وأحياناً من القادمين من عشرات الكيلومترات بعيداً؛ غياب الجنانيز المُقامة من كهنة وغالباً لغياب المشاركين؛ انعدام التواصل بين الكهنة والمؤمنين بسبب المسافات الفاصلة بينهم وعدم توفّر الأخيرين لانشغالهم بالاجتماعات الكهنوتية أكثر من الزيارات الرعائية…

إن تطور الكنيسة الكاثوليكية البائس ما بعد الفاتيكان الثاني، كما يصفه كوشيه في كتابه، يجب أن يخدم كإنذار للأساقفة واللاهوتيين الأرثوكسيين الذين حلموا وما زالوا يحلمون بالدعوة إلى مجمع أرثوذكسي عظيممشابه بذاك الذي أرادت الكثلكة من خلاله تحقيق عصرنتها (aggiornamento)، لكن فعله الأول كان تحريك تحللها الداخلي والنزف المأساوي لعدد ضخم من مؤمنيها.

[1] Louis Bouyer, La Décomposition du catholicisme, Paris, Aubier, 1969

Serge Bonnet . A Hue Et A Dia. Les Avatars Du Cléricalisme Sous La Ve République. Cerf, 1973

– Michel de Certeau et Jean-Marie Domenach, Le christianisme éclaté. Un vol. 21 x 14 de 128 pp. Paris, Le Deuil, 1974

– Taveneaux René. Histoire des crises du clergé français contemporain. In: Revue d’histoire de l’Église de France, tome 63, n°171, 1977

– Jean Delumeau , Le christianisme va-t-il mourir?, Paris, Hachette,. 1977.

– Émile Poulat, Ère post-chrétienne, Paris, Flammarion, 1994.

– Bishop Simon Towards a Pagan France? 1999

– Denis Pelletier, La crise catholique. Religion, société, politique en France (1965-1978), Payot, 2002

– Danièle Hervieu-Léger, Catholicism: the End of a World, Bayard, 2003

– Yves-Marie Hilaire, Will the Churches Disappear? 2004

– Hervé Le Bras & Emmanuel Todd, Le mystère Français, Seuil, Paris, 2013

– Yvon Tranvouez, La décomposition des chrétientés occidentales (1950-2010), Centre de Recherche Bretonne et Celtique, 2014

[2] Fernand Boulard. Matériaux pour l’histoire religieuse du peuple français, XIXe-XXe siècles. Broché, 1982

[3] Motu Proprio عبارة تستعمَل لإشارة إلى الرسائل التي تصدر عن البابا نفسه

الخطيئة والمرض: نظرة أرثوذكسية

الخطيئة والمرض: نظرة أرثوذكسية

د. نيقولاوس كويوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

في أحد أكثر الأمثلة جمالاً في التربية الكنسية، تقول الأخت ماجدالين من دير القديس يوحنا المعمدان في آسكس، أنه لا يمكننا أن نتحدّث بشكل جاف عن هذا الموضوع الحسّاس، وأن لا نشعر بأننا معنيون. وحتّى لو اعتقدنا بأننا غير معنيين بالمرض عندما نكون في صحة جيدة، إلا أننا مع القليل جداً من معرفة الذات المسيحية فلن ندّعي بأننا لا نحسّ بأننا معنيين بالخطيئة.

هناك خطر عظيم كامن للذين يبذلون جهداً لينظروا إلى العلاقة بين الخطيئة والمرض من زاوية لاهوتية: فهم سوف يغلقون الموضوع بأفكار نمطية قاسية غالباً ما نسمعها حتّى من الباب الملوكي وهي تقدّم اللاهوت والكنيسة وكأنهما صارمين ولا بل قاسيين في الحالتين اللتين تنطبقان بشكل مطلَق على الشخص البشري: الخطيئة والمرض. هنا بالضبط حيث الإنسان المجروح، الخاطئ والعليل، في حاجة قصوى للكنيسة والكاهن واللاهوتي وكل مسيحي.

إن الأمر يتطلب خبرة روحية أصلية وتمييزاً عظيماً إن أردنا مقاربة هذا الثنائي الشديد الترابط، الخطيئة والمرض، من خلال حقيقة الإيمان واللاهوت ومن دون غض النظر عن لبّ الإيمان واللاهوت، أي المحبة والإحسان.

بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، إن الذين لم يحققوا أي خبرة مباشرة فإن الطريق الأكثر أماناً هو العودة إلى الآباء القديسين والشيوخ المتميزين الذين يقودهم الروح القدس. ينبغي أن تكون نقطة انطلاقنا دوماً ما تؤكّده النصوص الإنجيلية التي، بحسب الشيخ صوفروني آسكس، تحفظنا من ارتكاب جهود طائشة ورديئة.

سوف نحاول إذاً أن نضع هذا الأمر ضمن إطار الرواية الكتابية، مع بعض الاسترداد التاريخي ومن ثم التقدّم نحو اﻹشارة إلى بعض الأوجه التي نعتقد أن لها قيمة خاصة ليس بسبب ثقلها اللاهوتي بل بوجه خاص بسبب ملاءمتها الرعائية.

لطالما طرح المرض والألم مشكلة دقيقة عبر العصور، خاصةً من جهة فهمهما. في العالم القديم، أراد الناس لا أن يشفوا الألم والمرض وحسب بل أيضاً أن يفسّروهما. قد يكون أنّ البشر في العصور القديمة جداً، حين وسائل الشفاء كانت قليلة وعديمة الفعالية، كانوا يميلون إلى تبنّي تفسيرات غيبية أكثر من التوجّه نحو الأسباب البيولوجية. في الشرق القديم، الأقصى والأدنى، رأى الناس المرض كبليّة تطلق عنانها الأرواح أو الآلهة لخطأ في العبادة أو كحركة تعكس العجرفة. كانت الأرواح والآلهة تغضب وكنتيجة لذلك ترسل المرض الذي كان البشر يحاولون إزالته بالتعاويذ والتضرعات والضحايا. ليس من باب الصدفة أنّ في الديانات القديمة كان الكاهن أو الشامان يأخذ دور الطبيب كوسيط بين العالمين المادي والروحي.

تغيرت الأمور كثيراً من الزمن حين أوجد اليونان القدامى فن الطب وعلمه وطوروهما، عبر الملاحظة المنهجية. يعرف أغلب الناس استمرارية التاريخ منذ أبقراط، إلى جالينوس المسيحي، نزولاً إلى أيامنا. جدير بالإشارة عند هذه النقطة أنّ الطب لم يولد فقط في الحضارة اليونانية بل ازدهر فيها عبر عصور كثيرة. بحسب المصادر، الأطباء اليونان تفوقوا جداً على الرومانيين، لكن كان لدى البيزنطيين دائماً أطباء استثنائيون. خلال الحكم التركي، أنتج الشتات اليوناني شخصيات طبية مهمة. حتى أول حاكم لليونان الحر، يوحنا كابوديسترياس، درس ليكون طبيباً. إلى اليوم، يبرع اليونانيون في الطب، في بلادهم وخارجها. في هذه اللحظة، في أكثر بلدان الاتحاد الأوروبي تقدماً، اليونانيون مطلوبوم جداً كأطباء. إذا اعتبرنا دور الأساطير الحضرية في التقدم المهني، فقد يكون خلف هذا التقدم التقليد اليوناني بتمنّي رؤية الناس يعيشون أصحاء ومعافين من جراحهم.

نأتي الآن إلى طريقة تعاطي الكتاب المقدس مع ظاهرة المرض. يكمّل الوحي الإنجيلي التقليد القديم المذكور أعلاه في الشرق وبين النهرين. نقطة تركيزه شبه المطلقة هي على المعنى الديني للخطيئة والشفاء، ضمن إطار المخطط الإلهي للخلاص. بمعزل عن أي شيء آخر، المرض هو تعبير عن سلطة الموت على الجنس البشري (1كورنثوس 28:11-32).

في العهد القديم، الصحة – والحياة بكل مظاهرها بشكل عامتفترض مسبقاً وجود قوة محيية. من النادر أن يكون سبب المرض طبيعياً والملاحظات الطبية محدودة بشكل خاص. كل شيء يتوقّف على الله ولا يشذ المرض عن هذه القاعدة. لذا يوجد كثرة من الإشارات حيث الله يسمح بالمرض، ما يستتبع عادةً وجود قوى روحية تتدخل، كملاك الهلاك والشيطان في حالة أيوب.

الارتباط بين الخطيئة والمرض شديد وشبه تلقائي في الروايات الكتابية. ليس المرض ضمن نطاق قوة الخلق التي بها خلق الله العالم والبشر. إنه يأتي كنتيجة للخطيئة. في الوقت عينه، إنه إشارة لغضب الله الذي يضرب الخطأة، إسرائيل الخاطئة والعالم الخاطئ. إلى هذا، يوجد أيضاً وجه تربوي في خبرة المرض حيث تهدف إلى شحذ وعينا لإثمنا. إنه لنموذجي أن في المزامير، طلب الشفاء هو دائماً مصحوب بالاعتراف بالخطيئة نحو الله: “لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي.لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِيلأَنِّي لَكَ يَا رَبُّ صَبَرْتُ” (مزمور 38). وهناك المرض الذي يضرب شعب الله كله، دون أن يكون المتلقّون دائما مذنبين. هنا يأتينا السؤال العظيم المستعصي حول العدالة الإلهية: من أين يأتي الشر (Unde malum)؟ مَن يُلام عليه؟ فلنترك هذه الفكرة إلى وقت لاحق. إن الورطة التي يخلقها هذا السؤال في زمن اليوم العقلاني هي أكثر شدة مما كان عليه في زمن إسرائيل القديم، وطريقة تعاطينا معه في عملنا الرعائي هي بشكل مساوٍ تحدٍ عظيم.

لدينا أيضاً حادثة أخرى حيث البارّ يعاني من دون ذنب، كما في أيوب وطوبيا. في هذه الحالات يقدّم الكتاب المقدس الجواب: الهدف هو إظهار أمانة المؤمن وتمجيد اسم الرب ليكن اسم الرب مباركاً“.

كما يوجد منظور نبويأخروي للمرض. إن عبد يهوه في أشعياء يحمل مرض شعب الله ويتألّم بهدف التكفير عن خطايا شعبه (أشعياء 4:53).

يجب أن نشير إلى أن في العهد القديم لم يكن محرّماً في أي مكان اللجوء إلى العلم الطبي لشفاء المرض. على العكس، في حكمة سيراخ، الطبيب هو شخصية مكرّمة، ليس لمنفعته المهنية وحسب بل أيضاً كحامل لبراعة مفضلة لدى الله نفسه (“لأن الرب جعله فيها“). في أي حال، يوجد أفضلية واضحة لإحالة المرض إلى الله وطلب الشفاء ممَن هو معروف على أنه سيّد الحياة. يعترف الشعب بخطئهم بتواضع، يندبون البؤس الذي سقطوا فيه وينتظرون النعمة والرحمة من الله. بهذه الطريقة، الشفاء هو إشارة إلى حضور الله.

بالرغم من طبيعته التربوية، لا يتوقف المرض عن أن يُعتَبَر بموضوعية كشيء شرير وأن يُنظَر إلى إبادته الشاملة عبر منظور أخروي. في آخر الأزمنة، عندما يجدد الله العالم، سوف تمحى العلة ونتيجتها، أي الخطيئة والمرض معاً.

لقد استمر اليهود في العيش في زمان العهد الجديد في الحالة التي وصفناها. حادثة المشلول عند بركة الغنم وسؤال التلاميذ عن الرجل الأعمى: “مَن الذي أخطأ؟تؤكّد بشكل أكثر أو أقلّ هذه النظرة لهذه الثلاثية المؤلّفة من الخطيئة والمرض والتدخل الإلهي.

إن حضور المسيح يبرهن تحولاً نحو اختلاف في الممارسة كما في الرؤية. يستجيب المسيح مباشرة لمَن هم في المرض. إنه يشفق عليهم ويشفيهم ويحررهم من قيود المرض. من المهم الإشارة أن هناك حالات حيث المرض يتعلّق بباثولوجيا الجسد، أو بمرض النفس كالمسّ الشيطاني أو مزيج من الإثنين كما في حالة المرأة المنحنية. هذا المزيج من الخطيئة والمرض يبدو حاضراً في الحوادث التي فيها المسيح يشفي وبالحقيقة هو يشير إلى هذا المزيج. هنا يصير عندنا عامل آخر لا نستطيع إغفاله. المسيح يشفي أولاً ومن ثمّ يناشد الإنسان لا تعد تخطئ“. ما يريد رؤيته أولاً هو الإيمان والثقة بشخصه لا التبكيت. التوبة كابتعاد عن حياة الخطيئة نحو الحياة الحقيقية كانت مطلوبةً بعد أن يعطي نعمته وموهبته. كان يشتهيها كنتيجة للاشتراك في محبته، وكشرط ملهِم لا كفرض أو ضرورة. بالنسبة للمسيح، هؤلاء المرضى قد عانوا قدراً كبيراً من العذاب، وليس بنيّته أن يزيد على هذا. إنه يرغب بتحريرهم، بإعطائهم أجنحة، بملء روحهم بالرجاء والإصرار، حتّى تكون التوبة نتاجاً للحرية.

في حوادث كحادثة المرأة الكنعانية أو والد الصبي الممسوس، يبدو المسيح وكأنه يصعّب الأمور ليس على المرضى أنفسهم بل ليعلّم الآخرين من الحضور وبالتحديد أولئك الذين في دائرة تلاميذه. وينبغي أن نلحظ هنا أمراً آخراً وهو على نفس القدر من الأهمية. تشير الرواية الإنجيلية إلى أن المسيح كان يرغب بشفاء المرضى حين يطلب منه ذلك طرف ثالث. بتعبير آخر، حين كان الطلب يأتي من قريبٍ، خصوصاً مع شعور متواضع بالمجاملة، كما في حالة قائد المئة التي حيث فوق هذا يأتي القريب من مستوى اجتماعي آخر أو من أمة أخرى أو من عرق آخر وغيره. بتعبير آخر، يمرر المسيح شيئاً من قوته الشافية إلى الأشخاص الذين يطلبون المعونة، إذ يقلّدونه في التعبير عن وصية المحبة المزدوجة بالتواضع نحو الله والمحبة للإخوة من البشر.

بالطبع، هذا كله لا يعني أن المرض أزيل مع مجيء المسيح إلى العالم، بالرغم من أنه في إعلانه شفاء المريض يشير المسيح إلى حضور الله في شخصه هو. إلى جانب طلبه منهم ألاّ يعودوا يخطئوا ينذر المسيح نبوياً لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ“. هذا الإنذار ليس ذا طبيعة شخصية فقط للمريض المعني بل هو أيضاً تألّم نبوي على البلايا التي سوف تصيب الجنس البشري. إن سر الإبراء الإلهي هو الآن حقيقة تاريخية مكتملة، من خلال التجسد والصلب والقيامة. إن الطبيعة الإلهية اتّخذت طينَنا علاجياً واتحادياً وهو الآن يجلس عن يمين الآب. لكن بُنية الخلاص كلها لا تستطيع استئصال حقيقة الحرية البشرية الكلية القوة التي مُنِحَت لكل واحد منا عندما وُضِعَت صورة الله فينا، بشكل لا يمكن انتزاعها. وهكذا، بالرغم من لطف الله وتحذيره في الملكوت كما من خلال المسيح في الأناجيل، ما زلنا نعود إلى الخطيئة ونسبب لأنفسنا ما هو أشرّ“. في هذه الحالة بالتحديد، الأشرّليس أن يصير الإنسان أكثر مرضاً مما كان عليه، بل هو قساوة القلب التي تقع عندما ينسى البشر الهبة الإلهية، أو ما هو أسوأ عندما يزدرون بها. عندما لا يؤدّي الشفاء من المرض والخطيئة إلى حمد الله وتمجيده، ولا إلى التوبة، عندها يحوّل الناس الشفاء، بطريقة أنانية ومتمحورة حول ذواتهم، من سبب للخلاص إلى فرصة للخطيئة.

هنا أحد أوجه العملية الشفائية المهمة بشكل خاص يصير ظاهراً: اكتمال العملية يتطلب القبول والمساهمة البشريين. الله، بعمله كفائق القدرة ولكن ليس كديكتاتور ينتظر ردّ الحرية البشرية على هبته، حتّى بمعزل عن مرض الجسد يستطيع أيضاً ان يشفي الإرادة. إنه قادر على أن يجعلنا نطلبه ونحبه بحرية، إنه قادر على جعل الصورة المخلوقة تعود بشكل دائم إلى الأصل.

إذاً، واضح في الرواية الإنجيلية، أن المسيح يعتبر أن الخطيئة هي المرض الرئيسي في الطبيعة البشرية. لهذا السبب هو غالباً ما يبدأ شفاءه بإعطاء الحلّ من الخطايا. كخالقٍ، إنه يعرف أحكام طبيعتنا أكثر من أي آخَر كان. إنه يعرف تماماً انه من الصعب تنوير البشر سواء من خلال الخوف من المرض أو بنعمة الشفاء. إنه يقدّم موته على الصليب على أنه الشفاء الحازم والنهائي لمركز المرض، أي الخطيئة. هناك، يكتسب المرض والألم البشري معنى مختلفاً. يعلن المسيح متى ارتفعتُ، أجذب الكل إليّ“. هذا الجذب يطبع منظوراً مختلفاً نوعياً على الوجود البشري وهو إلى حد كبير يمثّل انقلاباً. إن نبوءة أشعياء تتمّ وما يعمله المسيح لنا لا يستطيع الناس أن يعملوه لأنفسهم، وهو ما يصفه الرسول بولس بلغة مأساوية في رسالته إلى أهل روما: “وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟الخطيئة تنغلب بشكل كامل مرة واحدة مع الصليب والموت والقيامة.

في النهاية، كل هذا هو سر غير مفهوم عندنا في جوهره مع أنه متاح لنا من خلال حياة الكنيسة. إن تغيرنا الأسراري بالمعمودية والميرون والمناولة الإلهية والميرون المقدّس يمنحنا إمكانية رؤية المرض كاشتراك في الصليب الذي يقود إلى القيامة، ليس بعد الآن كوسيلة للتنوير، بل كحالة من النعمة التي تقود إلى التألّه. هكذا يُنظَر إلى المرض من منظر الفداء الخلاصي.

حتى ولو نجحنا في تقديم رسم تقريبي للعلاقة بين الخطيئة والمرض عبر منظور لاهوتي، يبقى عندنا أسئلة متّقدة نطرحها على ذواتنا كما على الذين يتوجّهون إلينا بشكل لا يمكن تلافيه:

1. كيف يختبر عملياً كلٌ منا العلاقة بين الخطيئة والمرض؟

2. كيف يمكننا أن نصنّف ونشرح وننقل هذه الثنائية إلى الآخرين القريبين منّا والبعيدين؟ كيف يمكننا أن نتعامل مع الحالات الصعبة كالأمراض الخطيرة عند الشباب، أو موت أحد الأحباء الفجائي؟

3. كيف يمكننا أن نتحدّث إلى الآخرين عن كل هذا؟ هل هم جميعاً في موقع يسمعون ويستوعبون نفس الكلمات؟

قد لا يكون هناك منظار من خلاله نعالج هذه الأسئلة أفضل من الأدب النسكي في تقليدنا الهدوئي. عبر تحليله الجراحي للشخصية البشرية، يمكن لهذا التقليد الهدوئي أيضاً الولوج إلى سر كائننا النفسجسداني (psychosomatic) بروح من التمييز الخيّر وبهدف تقديسنا وشفائنا الكلي. هناك الكثير من الإشارات في نصوص الآباء النسّاك القدماء، وبدلاً من العودة إليهم للمساعدة في تقديم نظرتي هنا، قد اخترتُ أن أعود إلى كتابات القديسين المعاصرين والشيوخ المتميّزين، كالقديس باييسيوس والشيخ صوفروني من آسكس والشيخ أميليانوس من سيمونوبترا. إن فهم تعليم هؤلاء القديسين والشيوخ أكثر سهولة لجيلنا. علينا أن نتذكّر أنه حتّى عندما يتوجّه هؤلاء الشيوخ إلى الرهبان وليس إلى العلمانيين، فإنهم يعرفون جيداً أن مستمعيهم هم أشخاص وُلِدوا وترعرعوا في هذا الجيل، جيل العقلانية والتشكيك في كل شيء والاستهلاك على كل المستويات، والمكننة حتى للجسد البشري، والسعي إلى السهل من الأمور. عندما كان خريسوستوموس أسقف رودوستولون رئيساً للمدرسة الأثوسية كان يقول: “في الجبل المقدس نحن نصدِر شهادات وفاة فقط، لا شهادات ولادة“. ما كان يعنيه هو أن كل الرهبان هناك يحملون معهم إلى حد ما خبراتهم ومشاكلهم وخطايا العالم خارجاً.

حريق في اليونان ونار في أنطاكية

حريق في اليونان ونار في أنطاكية

الأب أنطوان ملكي

في الشهر الفائت وقع حريق في بعض مناطق اليونان فانخضّت أنطاكيّا الإلكترونية. سبب الخضّة أن صوراً جرى تداولها تظهِر أن النار أكلت أحد البيوت وتوقفت عند زاوية الأيقونات. الصور مأخوذة من فيديو تقرير في نشرة أخبار أحد المحطات اليونانية وفيه يقول مراسل المحطة أن توقُف النار عند هذا الحد معجزة ويظهِر أن النار لم تنتقل إلى ما تبقّى من البيت خلف خط الأيقونات. تناقل كثيرون هذا الخبر على الفايسبوك ومنهم مَن استرسل في تهليله للمعجزة رابطاً حدوثها باليونان أرض القديسين”. من جهة أخرى كانت الأخبار تقول أن الضحايا البشرية بالعشرات. ومن الأخبار التي لم يعلّق عليها أحد أن الحريق أتى على دير بالكامل وأن كنيسةً لم تنجُ.

وجدت مجموعة من الأنطاكيين الكلام عن المعجزة والتهليل والتُقوية التي تقبل المعجزة شعوذةً وغباءً ورجعية. هؤلاء رأوا أنه ليس منطقياً أن تنجو الأيقونات ويسقط الناس. ومنهم مَن رأى عنصرية وتعصّباً في اهتمام الناس بحريق اليونان وقلّة اهتمامهم بغيره من الكوارث في العالم.

من دون الدخول في الأسماء، كتب أحد الأشخاص على جداره في فايسبوك: “الإله اللي قادر يوقف النار عن الأيقونات ومش قادر يوقف النار عن 80 شخص ماتوا حرق هو اله معتوه ومريض ومحله الزبالة، هناك مَن أبدى إعجابه بهذا التعبير وشجّعه. من جهة أخرى، اعتبر البعض هذا الكلام إهانة لله وتجديفاً وسجّل اعتراضه. من المعترضين مَن اكتفى بالتعليق عن الكلام بذاته، لكن غالبية التعليقات كانت في الخاص، أي أنها هاجمت الكاتب لا المكتوب. لا تُنكَر شجاعة الكاتب الذي ألغى المساهمة معللاً بأن اللغة التي استعملها لم تكن مناسِبة. مع هذا علّق بعض قصيري النظر يلومونه على إلغائها.

جدير بالذكر أنه لم يكن الوحيد في التعبير بهذه الطريقة. صبية كتبت: “إلهٌ يتجسّد ويموت ويقوم من أجل كلّ الناس لا تهمّه الأيقونات أكثر من ضحايا الكارثة. كفى استغلال حادثة مؤلمة وحزينة لإرضاء الكبرياء.” هنا أيضاً هناك مَن وجد فشّة خلقفي هذا الكلام ومنهم مَن مدح الكاتبة والجينات التي فيها.

قبل الخوض في أي نقاش، ضروري إدانة كل بذاءة عند التحدّث عن الله أو عن الناس الذين هم صورة الله. مهما كانت جسامة الموقف المُبتَغى التعبير عنه سواء في المجتمع أو في اللاهوت أو حتّى في الأخلاق، لا يليق الكلام النابي. في الأرثوذكسية، نتوقّف عند الشكل كما عند المضمون. كل الأزمة البالاماسية بدأت بالظاهر أزمةَ شكل، لكنها في النهاية أثبتت أن الشكل يعكس المضمون. لهذا، كل تعبير بذيء يخرِج صاحبه من الإطار الكنسي حتّى ولو كان دفاعاً عن العقيدة. لا يستطيع أحد أن يدافع عن الله أو عن الكنيسة بالإهانات.

في الواقع، ما جرى أظهر، لمَن لم يرَ بعد، وجود مدرستين فكريتين في الكنيسة، وربما أكثر. إحدى هذه المدارس تتبنّى موقفاً إنسانوياً يقوم على العقلانية واستبعاد التقوية. المدرسة الأخرى تقوية وبعض مَن فيها يخلط بين التقوى والتبسيط الذي ينافي العقلانية. إلى هذا، نلاحظ أن غالبية الذين أزعجهم التهليل لتوقّف النار عند الأيقونات، هم أنفسهم الذين ينزعجون كل سنة في سبت النور، ما يشير، من دون تعميم، إلى أن المشكلة الأساسية هي مع المعجزات ككلّ. ينبغي التأكيد على أن هذا الاختلاف ليس حصرياً في كنيستنا بل في كل كنائس العالم. هناك فرقان يميّزان هذا الاختلاف في أنطاكية عن غيرها: 1) في الأماكن الأخرى قد يؤدي وجود هذا الاختلاف إلى تفاعلٍ بين المؤيدين والمخالفين وقد يتّخذ التفاعل أحياناً شكل صراع بين التقوية والعقلانية، ويبلغ بين الحين والآخر أشكالاً خلافية حادة. أما في أنطاكية فقد انتقلنا مباشرة إلى الخلاف. 2) الفرق الثاني هو أن في غالبية الأماكن، التقويون هم الذين يتبنون إجمالاً الموقف الهجومي، بينما عندنا العكس.

يلاحظ القديس يوستينوس بوبوفيتش أن الإنسانويين عندما لا يقبلون أمراً ما يهاجمونه ويصدر عنهم كلام غير تقليدي. هذا ما جرى عندنا في الخضّة المذكورة حيث يندرج الكلام المذكور أعلاه في خانة تحديد عمل الله وتحميله مسؤولية سقوط ضحايا. لكن أين الرابط بين أن تقف النار عند الأيقونات وأن يكون الإله قد تجسّد ومات وقام من أجل كل الناس؟ العلاقة ليست واضحة والربط غير معقول. إذا كان قبول وجود المعجزة هو كبرياء، فهل رفضها تواضع؟ هل توقّف النار عند الأيقونات يعني أن الله يهتمّ بالأيقونات أكثر من البشر؟ هل سقوط الأشخاص يعني أن الله عاجز عن إنقاذهم؟ أيضاً قرأنا تعبيراً أكثر وضوحاً في هذا الاتجاه: “خطأ أن نلصق الصفة العجائبية ببعض الظواهر الطبيعية، إن صحّ خبرها، وننسب الى الله تدخلّه لانقاذ حجرٍ أو رمزٍ أو مكان، وإن مقدَّس. كأننا بذلك نوحي بتغافله عن التدخّل لأجل الانسان وانقاذه ولجم مآسيه، الانسان الذي هو ثمرة محبّته والأثمن في عينيه…الكلام عن الإيحاء كلام يطال النيات: “كأننا بذلك نوحي…”. هذا لا يستقيم روحياً ولا يبني.

في أنطاكية، أوضح ممثل للمدرسة الفكرية الإنسانوية هو خط تحتضنه حركة الشبيبة الأرثوذكسية. هذا الخط يتعامل مع كامل الكنيسة، من الإكليروس والعلمانيين، على أنه هو المعلّم والعارف مستنداً إلى تعليم مجموعة محددة يتقدمها المطران جورج خضر والمرحوم كوستي بندلي. علمياً، ما يمارسه هذا الخط يُعتَبَر تزمتاً، أفضل وصف له يأتي على لسان صاحب السيادة سابا مطران حوران: “يغذّي هذا التزمّت التعلّق الأعمى ببعض الرموز الدينيّة، وينصّبها بمثابة آلهة لا تخطئ. وقد يصل الأمر ببعضهم إلى حدّ تأليهها، وتالياً طاعتها وتصديقها بشكل أعمى دونما أيّ حوار أو استفهام ولو في الحدّ الأدنىيكمن خطر هذا الواقع في أنّه يغلق على صاحبه كليّاً، بحيث لا يعود يرى سوى معلّمه وما يقول، ولا ينظر إلى أحد أو رأي أو تفسير أو اجتهاد إلا من خلال معلّمه. يختصر معلّمه الكنيسة والإنجيل وحتّى الله. وفي هذا تصنيم حقيقي لإنسان يُعصَم عن الخطأ. بينما يعلّمنا كتابنا وتراثنا بأن ما من إنسان خالٍ من الخطيئة إلا يسوع المسيح.”

إن هذا الخط مدعو لأن يقبل بأنّ مَن يعتبرهم معلمين ومقياساً للعلم والمعرفة لا يتمتّعون بنفس الدرجة من القبول لدى كل شرائح الكنيسة. من هنا لا داعي لتكرار نفسَ الدعوةَ إلى تبنّي فكر المعلمين غير المُتوافَق على قبولهم، كما ورد بالشكل التالي: “رحم (الله) معلّمنا في المسيح كوستي بندلي. ليتكم تقرأوه. ليتكم، مثلاً، تقرأوا الله والشرّ والمصير، وتعلّموه في هكذا مناسبات حيث التعليم وتحملوا مضامينه في الكنائس والعظات الى العقول والضمائر والقلوب!” ما قيمة دعوة يعرف كاتبها أن الكتاب المذكور ليس مقبولاً عند كثيرين من الذين يقرؤون؟ إلى هذا، هل اختصر الكاتب أو الكتاب المذكورَين الإنجيل والآباء والتقليد أو تخطّاهم؟

ماذا نستنتج؟

في الأرثوذكسية، تقليد الكنيسة أوسع وأقدم وأكثر موثوقية وتنوعاً من شخص أو من كتاب أو من تيار، والمؤمنون يقرؤون هذا التقليد ويسيرون به، على قدر ما أوتوا من موهبة. مشكلتنا أنّ المنطق اللاهوتي ضعيف ومهمَل في أنطاكية ما ينسحب على كل الحوارات الداخلية فتتعثّر. غياب الحوار اللاهوتي يغيّب المرجعية المُطالَبَةَ أصلاً بتحفيزه. يستطيع مَن يشاء أن يقول ما يشاء، وطالما المنطق اللاهوتي غائب عن تعاملنا اليومي، أي طالما أن قراراتنا تؤخَذ بالتدبير وممارستنا تحكمها العشوائية، فلا شكّ سيأتي يوم نعجز عن تدبيره، فنضطر إلى إغلاق الكنائس واﻷديار وتفريق المجتمعين، فننتقل من الأقليّة إلى الندرة. يسكن في أنطاكية خوف مزمن من تسمية الأمور بأسمائها ومن إدانة الخطأ. هذا الخوف يضع الكلّ في خانة مخطئين. وفيما يظن القائمون أنهم بهذا يكسبون الجميع يرتمون والكل معهم بين شدقي هذا العالم الذي يبتلع الجميع. هناك ضرورة للقطع باستقامة كلمة الحق. هناك حاجة لفتح حوار بين مكوّنات هذه الكنيسة تضبطه العقيدة والمحبة لا السلطة.

هنا أيضاً نختم بكلام لصاحب السيادة سابا: “في زمننا الحالي تحدّيات كثيرة وجوهريّة للإيمان، بعضها قديم قِدَم ظهور الدين وبعضها جديد ناجم عن التحولات المتسارعة والجديدة بالكليّة على البشر والمجتمعات. من الطبيعي أن تظهر آراءٌ تقارِب التحدّيات المعاصرة بروح متفاوتة في الجرأة في استعمال اللغة ومواجهة الثقافة وسبر الجوهر الإيماني الثابت الذي لا يتغيّر ومحاولة خلق تعابير جديدة يمكن للإنسان المعاصر أن يفهمها. هذا كلّه يستدعي تأصلاً وانفتاحاً في آن. لذا يصير الحوار ضرورة ماسّة، والاقلاع السريع عن التراشق اللفظي أكثر إلحاحاً.”

محاربة العزلة في عالم غير شخصي

محاربة العزلة في عالم غير شخصي

آريك هايد

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

إذا سبق لك أن وقفت في غرفة مزدحمة وأحسست بأنك وحيد بشكل كليّ إذاً انت تفهم أن العزلة ليست هي نفسها أن تكون وحيداً. بالنسبة لشخص منعزل، الجموع تضخم وحدته ولا تنقصها.

الطبية النفسية فريدا فرومريتشمان وهي باحثة بارزة في ظاهرة الوحدة أواخر الخمسينيات، عبّرت عن الأمر بشكل بسيط:”العزلة هي انعدام الإلفة“.

بحسب دراساتي وخبرتي أوافق بشكل مطلَق على هذا الكلام. لا علاقة لأن يكون الإنسان وحيداً بالعزلة. العزلة هي علامة على أن أمراً ما لا يعمل في عالم الإلفة عند هذا الإنسان؛ اي أن اتصاله بالآخرين مقطوع بشكل عميق وعلى مستوى أولي، إنه انقطاع الاتصال عن نفسه.

على الأكيد، مجتمعنا المعاصر لا يساعد. نحن معطوبون من فوق إلى أسفل بالعلاقات الاصطناعية. بالنسبة لكثيرين، كل يوم هو مغامرة جديدة في وجود مُقَلَّد يبدأ بصفارةِ منبّه رقمي، وفطور مصنّع، وسيارة بلاستيك تقودنا عبر أدغال الباطون والزجاج إلى مكان عمل أو مدرسة حيث يخضع كل لقاء اجتماعي لقوانين ارتباط لامتناهية مختَلَقة، وينتهي بالأقنعة المهنيةالتي تخفي كل أثر للشخص خلف العيون. من السخرية أن الكثيرين منّا خلال النهار كله يشعرون بومضة من ذواتنا الحقيقية عبر تفاعلاتنا المفتعلة باهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي حيث نحن محميين من الآخربشاشتين رقميتين وقمر اصطناعي.

يبدو الأمر رهيباً. يبدو أن العزلة لها اليد العليا إلى حد أنّ المبارزة يمكن استمرارها فقط من خلال آلية استلحاق قوامها الهروب، سواء كانت بعض أشكال الإدمان أو شكلاً عمومياً من العصاب.

لكن الأمل موجود. يمكن للإنسان أن يتغلّب على العزلة في عالم مختَرَق بالسطحية، بطريقة بسيطة جداً إلى درجة تجعلها أحد أكثر الأشياء صعوبة. قد يجد المرء تقنياتلا تنتهي لمحاربة العزلة في كتابات علم النفس، والبعض منها لا بأس به. بعض المفضّلات لدي: أ) إعادة تشكيل الوحدة كإشارة لتغيير طرق الإنسان مقابل الاستسلام لليأس، ب) (ب) إعادة توجيه تركيز الإنسان من الوحدة المزمنة إلى نقاط القوة والاهتمامات حيث يمكن استخدام بعض الاختيار المعرفي في تغيير تصورات الحياة، ج) التأمل في مفارقة الوحدة، أي كما ناقشنا أعلاه، والفروقات بين أن تكون وحيدًا وأن تكون منعزلاً، ود) إيجاد فرص للتفاعل مع الطبيعة الصافية بالقيام بنزهة في الحديقة وصيد الأسماك والتخييم والتحديق في النجوم وما شابه.

لكن التقنيات ليست فناً كاملاً أبداً. تماماً كما أن تعلّم تقنية أو اثنتين في الملاكمة لا يحوّل الإنسان إلى محمد علي، كذلك تعلّم تقنية أو اثنتين لحلّ مشكلة نفسية حادة لا يجعل أحداً سيّد نفسه.

إذا كان الإنسان يتصارع فعلاً مع الوحدة فليس هناك علاجات سهلة وبلا مجهود. العلاج هو مشروع جادّ من الإلفة مع الذات.

ولئلا يتهمني أحد بتخطّي أهم مقاييس الإلفة، أي إلفة الإنسان مع الله، فإني أذكّر القارئ بكلمات المسيح: “إن ملكوت الله هو في داخلكم“. لا يكسب الإنسان الإلفة مع الله إذا كان يتعاطى باحتيال مع نفسه. إذا كان ملكوت الله في الداخل فإن دخول الملكوت يتطلّب طلب الذات الحقيقية بين طبقات خداع الذات. إن الجزء الأكبر من الصراع النسكي، الذي الكلّ مدعوون إليه بغض النظر عن الانشغالات، هو تخليص أنفسنا من الأهواء التي تغرق إيماننا بسهولة. كما يقول القديس مرقس الناسك من القرن الخامس: “ينبغي أن تتوافق حياتنا الخارجية مع تقدمنا الداخلي، وصلواتنا إلى الله مع حياتنا“.

الانعزال هو بالحقيقة إشارة إلى أن شيئاً في حياة الإنسان النفسية الروحية غير متوازن، والسبيل الوحيد لبلوغ قعره هو مراقبة الذات عن كثب وبأمانة. في أي حال، مراقبة الذات لا تعني الاستقلال في المسلك، أي مغارمةً إضافية في الشخصانية، التي هي نفس الوحش الذي أمسك بنا في هذه الفوضى من البداية.

بخبرتي أن الغالبية الكبرى من الناس تطلب المساعدة من شخص آخر في هذا العمل. لهذه الحقيقة معنى كبير، إذ إذا كان الانعزال ضمنياً مرتبطاً بتعطّل الإلفة فعملية الشفاء سوف تستدعي المعونة من علاقة بشرية. هذه العلاقة ممكن إيجادها في عدد من الأماكن: الشريك (الزوج أو الزوجة)، صديق صدوق، مرشد ، راعٍ، أو غيره. أنا من المحظوظين القلائل إذ لدي زوجة حكيمة، أصدقاء رائعون، وكاهن من الله يساعدونني في رحلتي. ولكن حتى ولو لم يكن لدى الإنسان أحد من المذكورين يمكنه دائماً أن يجد مرشداً مجرّباً يدعمه في حربه.

ملاحظة أخيرة: إن التغلب على العزلة لا يتطلب أن يتخطّى الإنسان عالمه المركّب مادياً، كأن ينسحب إلى البرية ليتّحد بالطبيعة. لو كان الأمر كذلك لما كان لغالبيتنا أي فرصة. إن غلبة العزلة تتطلب تخطّي الانعزال الذي يفرضه الإنسان على ذاته بذاته. هذه المعركة بسيطة بقدر ما هي صعبة، بسيطة في المفهوم لكن فائقة الصعوبة في التنفيذ.

لقد حاولت بقدر ما يسمح مقال قصير أن أصوّر المشكلة الأساسية وأشير بالإصبع إلى الوجهة الصحيحة للمساعدة. ما تبقى هو أن الصراع قضية ذاتية شخصية، هذا الصراع الذي متى انخرط فيه الإنسان بأمانة يكتسب منه تربيةً على طول الطريق.

إنهاء العزلة والوحدة

إنهاء العزلة والوحدة

الأب الرئيس تريفن

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

في زمن لم تعد العائلات تتناول الغداء معاً والأولاد يحضرون التلفاز ويلعبون ألعاب الكومبيوتر ويرسلون رسائل نصية إلى أصدقائهم من غرف النوم، ونرى البالغين يسيرون في مدننا يستعملون هواتفهم المحمولة. في وقت في تاريخنا حيث يمكن أن يكون الناس في المقهى مع أصدقائهم، لكن في الوقت نفسه يتحدّثون إلى شخص آخر بهواتفهم النقالة، كل هذا يعني أننا صرنا أناساً يعيشون معاً إنما في عزلة.

حتى في حياتنا الروحية، نحن ننحو إلى العيش في عزلة. الكثيرون يخصصون صلواتهم لأمور محورها الشؤون المالية، أو الصحة، أو أحد أفراد العائلة. لكن هؤلاء نادراً ما يفكّرون بأهمية الصلاة الجماعية مع العائلة والأصدقاء، خارج قداس الأحد. الصلاة شأن خاص، نادراً ما تتمّ مشاركتها مع الآخرين

أيضاً، لقد احتل الترفيه مكانة مركزية في حياتنا، إلى درجة أنه حلّ مكان زيارة الجيران والأصدقاء. أنا متقدم في العمر إلى درجة أنني أذكر أيام كانت تملأ الأحياء بيوتٌ ذات شرفات أمامية واسعة. وفي ليالي الصيف الحارّة كانت العائلات تجلس على هذه الشرفات ترتشف الليموناضة وتلوّح بالأيدي للجيران الذين يمرّون بهم متمشّين. اليوم صار عندنا مكيّفات وحلّ الفناء الخلفي مكان الشرفات الأمامية، حيث لا أحد يرانا. لقد مضت أيام الجيرة الحسنة.

الكنيسة هي جسد المسيح وليست أبداً من طبيعتها أن تكون مكاناً ينعزل فيه الناس عن بعضهم. نحن نحوّلها إلى هذا المكان عندما نفشل في أن ننخرط فيها كشعب الله واحدنا مع الآخر. إن أشكال التحية التي نعتمدها كأرثوذكسيين، سواء في القبلة الأخوية التي نلاقي بها بعضنا، أو بتقبيل يد الكاهن، هي طرق بها نتلافى الانعزال الذي يسيطر على المجتمع الذي نعيش فيه. إن البقاء لفنجان قهوة أو لمائدة المحبة بعد القداس الإلهي هي طرق نجابه فيها الانعزال المسيطر على ما تبقّى من العالم. حضور الصلوات خلال الأسبوع هو أيضاً طريقة أخرى لصدّ الانعزال.

يحتاج شبابنا للتعلّم منّا حول أهمية التواصل مباشرة مع أصدقائهم وعائلاتهم. إن أخذ الأولاد في رحلة ريفية بعد ظهر الأحد هي طريقة رائعة لإعادة تواصل العائلات. إخراج الجدّة من فناء البيت إلى حديقة عامة في نزهة (picnic) هي طريقة جميلة ومن الطراز القديم لتقديم الجماعة إلى الأطفال. تركُهم يلعبون مع أبناء الأقرباء في حديقة عامة عندما تجتمع العائلة الموسّعة للنزهة يمكن أن يبني أواصر العائلة التي تستمر طوال العمر.

متى كانت آخر مرة تحلّقنا حول أحد شيوخ العائلة وسألناه أن يروي لنا ذكريات الشباب؟ إنها لطريقة رائعة لإعادة تواصل جدّ متقدم في العمر مع شبابه وإظهار تقديرنا لخبرة حياته وذكريات أهله وأجداده. إنه لَتراث لا يُقَدّر ننقله إلى أبنائنا عندما نجعلهم يعرفون أنهم لم يُولَدوا في خلاء بل هم جزء من سلسلة طويلة من البشر الحقيقيين.

إن الانعزال هو تهديد رهيب لطريقة حياتنا. لقد فقد شبابنا المهارات التواصلية التي تعلّمتها الأجيال السابقة من أفراد العائلة الأكبر. أنا أنذهل عندما أفكّر في حجم تأثير جدّيّ على ما أنا عليه الآن. ما أورثاه لي ليس الجينات وحسب بل ذكريات من تاريخ العائلة انقضت قبل ولادتي بوقت طويل. حتى أجزاء من شخصيتي تشكّلت من جدّي الرائع. دراستي، المملوءة بالصور والأيقونات والتذكارات هي نمط تبنيّتُه لأنني أحببت البعثرة والدفء في بيت جديّ.

ليس من الضرورة أن يكون الانعزال جزءً من عالمنا. كل ما يتطلبه الأمر هو التزام منا ببناء عائلة وجماعة. عندما يزور الناس ديرَنا نطلب منهم أن يغلقوا هواتفهم حتى نرمي الانعزال خلفنا ونتواصل كعائلة وأبناء العليّ. أي روعة سوف تكون لو أن كل عائلة تخصص يومياً ساعتين يُطفأ خلالها هاتف المنزل والهواتف المحمولة والتلفاز وكل الاندساسات الخارجية. ماذا عن لعبة منزلية معاً أو تركيب أحجية؟ ومن ثم ختم المساء مع العائلة كلها واقفين أمام زاوية الأيقونات لصلاة النوم؟

“الاعتراف ينقذ الأرواح”: قصة حقيقية

الاعتراف ينقذ الأرواح“: قصة حقيقية

استقبل أحد الكهنة في تسالونيكي شابًا معذّبًا لم يكن يعرفه، وتقبّل اعترافه. استمع بعناية إلى ما قاله الشاب، ورأى المشاكل التي كانت تزعجه، وتعاطف معه، وأعطاه توجيهات حول كيفية التحرر من مشاعره ومشاكله. في النهاية ، أعطاه الحلّ. بعد ذلك، شعر الكاهن بالحاجة إلى التحدث إلى الشاب بطريقة تصويرية. وكما تأخذ الأم طفلها وتُظهِر ما يحدث في العالم، أخذ الشابَ إلى الكنيسة وراح يجول بعينيه بحثًا عن مشهد مناسب إلى أن توقّف عند أيقونة السيد المسيح وهو ينقذ بطرس من الأمواج، حيث يظهر المسيح يمد يده ويأخذ يد بطرس فيما يغرق الأخير. كان بطرس قد طلب من الرب أن يجعله قادراً على السير على الماء وأجابه الرب: “تعال“. لكن بشكل مفاجئ، فِكرُ بطرس أفقده الإيمان وبدأ يغرق في المياه. فهم الشاب القصة التي في المشهد وشكر الكاهن وغادر. بعد بضعة أيام، راح جرس هاتف الكاهن يرنّ باستمرار. كان والد الشاب، وقد أراد على وجه السرعة أن يخبر الكاهن بما حدث: كان الشاب يسير على الواجهة البحرية في المدينة عندما سمع صرخة استغاثة آتية من الماء.

بحسب ما نشرته جريدة كاثيميريني، قفز الشاب إلى مياه خليج مكدونية لإنقاذ رجل مسن سقط في البحر لأسباب غير معروفة. وقع الحادث عند الساعة الواحدة ليلاً على الواجهة البحرية القديمة لمدينة تسالونيكي، عند الطرف الأسفل لساحة أرستوتاليس. كانت مجموعة من الشبان تمرّ من هناك، وإذ بهم يسمعون رجلاً ثمانينياً يطلب المساعدة. بدون أي تردد، قفز أحدهم إلى الخليج، وبمساعدة أصدقائه، أخرج الرجل المسنّ من الماء. ثم نُقل الأخير إلى المستشفى للمراقبة.

إن الطرق التي تعمل بها نعمة الله في روحنا قادرة على الابتكار دائماً. كان الكاهن مندهشًا من الطريقة التي تصوَّر بها المقطع الإنجيلي عبر الأيقونة وانطباعه على روح الشاب. إلى هذا، لقد دُهش أيضًا لاهتمام الله بالتفاصيل. لم تكن اللحظة مناسبة لإنقاذ الرجل المسن وحسب بل أيضاً لكي يختبر الشاب يختبر في الممارسة ما تم نقلُه إلى روحه عبر الاعتراف. بحسب ما نقله والده إلى الكاهن، لقد كان الشاب يشعر بسعادة غامرة. ففي حين كانت حياته مليئة بالخيبات جاءت تجربة النجاح في شيء ما لتحرره. لقد كان الأمر بمثابة فداء له، إذ اقتبل نعمة الله دعماً لحياته.

(مترجمة عن PEMPTOUSIA في 4 آب 2018).

الإنسان المخدوع والرحمة

الإنسان المخدوع والرحمة

الأب أنطوان ملكي

يبدأ النصّ الإنجيلي بعبارة يُشبِه ملكوتُ السماوات انساناً مَلِكاً“. كيف يشبه الملكوت إنساناً ومَن هو الإنسان الذي يشبه الملكوت؟ إنه بالطبع يسوع المتجسّد، أي ابن الله متّحدًا بالناسوت، ما جعله إنسانًا ملكًا. العبد المديون بعشرة آلاف وزنة هو البشرية. يرى بعض اﻵباء أن الرقم عشرة يُشير إلى الوصايا العشرة، والرقم ألف يُشير للأبديّة. هذا يعني أن قيمة دين الإنسان أي عشرة آلاف، هي مخالفة كبيرة للناموس، وليست شيئاً يستطيع أي مخلوق أن يفيه في حياته. إذاً هذا المثل يظهِر يسوع ملكاً ديّاناً يقف أمامه الإنسان بعجزه التام عن الإيفاء بالدين. بيع المديون هو بحسب الشريعة، أي أنه أمر قانوني لكنه ذو معنى روحي عميق. فبيع الإنسان يعني أن الإنسان خسر كل شيء. كون معنى الدَين الفعلي في المَثَل هو الخطيئة، فهذا يعني أن الخطيئة تفقِد الإنسان الكثير. فبالخطيئة يخسر الإنسان روحه أي ذاته، كما يفقد زوجته أي جسده المرتبط به والذي يعوله ويربِّيه، لكون الخطيئة تحوّل الجسد الصالح دنسًا مثقّلاً بالشهوات التي تفسد الفكر والحواس. أمّا الأولاد الذين سوف يُباعون مع الإنسان لأنه يفقدهم فَهُم المواهب المتعدّدة التي حباه الله بها، والتي تحوّلها الخطيئة من أدواتٍ لبِرّ لله إلى أدوات إثم تخدم الشيطان؛ أمّا الممتلكات فهي الأمور التي بطبيعتها هي صالحة لكن فساد الإنسان يحوّلها إلى معثرة.

ومجدداً يظهر الإنسان بمظهر المُضلَّل حيث يطلب التأجيل ظانّاً أن بعض الوقت قد يؤهّله للإيفاء. لكن الملك أعطاه أكثر ممّا طلب فأطلقه حرًا وترك له ما عليه. هنا المعنى الروحي هو أن الملك وَهَبَه حرّية النفس والجسد، مقدّسًا مواهبه وممتلكاته، حتى يكون بكلّيته مقدّسًا له.

لكن انغلاق قلب العبد على أخيه عطّل حريته. طبعاً تظهِر مقارنة ما كان له عند أخيه بما كان عليه للملك فرقاً شاسعاً، مئة بمقابل عشرة آلاف. أمامنا إنسان تحرّر من عشرة آلاف وزنة، ولا يتنازل لأخيه عن مائة وزنة. يصف القديس يوحنا الذهبي الفم حالته بقوله: “إذ لم يكن بعد صوت المغفرة يدوّي في أذنيه نسي محبّة سيّده المترفّقةإن تذكار معاصينا أمر مفيد للغاية وضروري جدًا. ليس شيء يجعل النفس حكيمة بحقٍ ووديعة ومترفّقة مثل تذكار خطايانا على الدوام“.

واقع هذا العبد أحزن العبيد رفقاءه فشكوه إلى الملك. هذا تعليم عن أهمية صوت الجماعة. إن الله يسمع تنهّدات البشريّة بسبب قسوة الناس على بعضهم البعض. هذا هو حال البشريّة. إنها تئن من عدم تنازل الناس لبعضهم البعض وعدم غفرانهم لأخطائهم التي يرتكبونها بحق بعضهم البعض. لكن السيد ومعه الجماعة، أي الكنيسة، يحزنان جدًا لرؤية مَن لا يصفح يخسر ما تمتّع به من عطايا ونِعم إلهيّة.

يختم السيد المقطع الإنجيلي بقوله: “هكذا أبي السماويُّ يصنعُ بكم إنْ لم تَتْركوا من قلوبِكم كلُّ واحدٍ لأخيهِ زلاَّتِهِ“. يلاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد في هذه العبارة الإلهيّة لم يقل أباكمبل أبي“. فهو من جهة يساوي نفسه بنا ومن جهة أخرى ينحو بالله عن أن يكون أبًا لشرّيرين وحقودِين.

الغاية الأخيرة لهذه القراءة الإنجيلية هي أن نفهم أننا مرحومين لأن الرب كريم، وأننا نبقى مرحومين طالما نرحم. إن مقياس تلقينا للرحمة هو مقدار نقلنا إياها إلى إخوتنا البشر الآخرين.

* عن نشرة الكرمة، حول إنجيل الأحد الحادي عشر من متى