السنة الخامسة عشرة، العدد الأول، تشرين الأول 2018

السنة الخامسة عشرة، العدد الأول، تشرين الأول 2018

مختارات آبائية

مختارات آبائية حول ضد المسيح

الشيخ أفرام (موراييتيس)، يا بنيّ حذارِ الأحلام

حياة روحية

الأب أندرو لاماشونوك، ما هو لقاء الله وكيف يتمّ؟

لاهوت

ماريا قبارة، المرأة في العهد الجديد

الأب جورج ميتيلينوس، ازدراع الصراع الغربي مع العلم في الشرق الأرثوذكسي

رعائيات

الخورية سميرة عوض ملكي، روح التمييز

الأب أنطوان ملكي، الفتور وحال الأرثوذكسية اليوم

مختارات آبائية حول ضد المسيح

مختارات آبائية حول ضد المسيح

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

* الديداكيه 3:16-5

لأنه في الأيام الأخيرة سيزداد الأنبياء الكذبة والمضلِلّونو بعد ذلك سيظهر مُخادِع العالم كما لو أنه ابن الله، و سوف يجترح علامات وعجائب وتُوضَع الأرض بين يديه. وسيقوم بأعمال غير أخلاقية لم تحدث أبداً منذ أن بدأ الزمان. ثم يأتي سباق الرجال إلى النار لإثبات المحاكمة.

* القديس يوحنا مكسيموفيتش (مطران شنغهاي وسان فرنسيسكو) من عظة حول أحد الدينونة

سوف يفعل ضد المسيح الدجال ما يرضي البشر، شرط أن يعطوه السلطان الأعلى. سوف يترك الكنيسة تعمل، ويتركها تمارس الخدم الإلهية، وسَيَعِد ببناء كنائس رائعة شريطة أن يتم الاعتراف به على أنه الكائن الأسمىويُعبَد. سيكره المسيح شخصياًّ. وسيعيش بهذه الكراهية ويفرح برؤية البشر يرتدّون عن المسيح والكنيسة. سيكون هناك جماهير تسقط من الإيمان. حتى أن أساقفة كثيرين سوف يخونون الإيمان، مبررين أنفسهم بأن الكنيسة هي في موقع رائع….

إن البحث عن التسويات سوف يكون الموقف السائد بين البشر. سوف تختفي استقامة الإيمان. البشر سوف يبررون سقوطهم بذكاء، وشيطان ودود سوف يؤمّن الدعم لهذا الموقف العام. سوف ينمو البشر معتادين على الارتداد عن الحقيقة وعلى حلاوة التنازل والخطيئة.

* القديس سمعان اللاهوتي الحديث

إن الذين أتحدث عنهم وأسمّيهم هراطقة هم أولئك الذين يقولون أنه ما من أحد في عصرنا أو في وسطنا قادر على أن يحفظ وصايا الإنجيل ويصير مثل الآباء القديسينإن الذين يقولون بهذه الاستحالة لم يسقطوا في هرطقة معينة، إذا جاز لي قول ذلك، بل في كل الهرطقات معاً، لأن هذا القول يفوقها كلها ويغطيها بقلة التقوى وغزارة التجديف. إن هذا الادعاء يفسد كل الكتب المقدسة الإلهية. أعتقد أنّ من خلال هذا الإدعاء يعلن هذا الشخص أن تلاوة الإنجيل المقدس هي عبث، وأن كتابات القديس باسيليوس الكبير وغيره من كهنتنا وآبائنا القديسين لا قيمة لها أو أنها كُتِبَت بطريقة تافهة. إذا كان من المستحيل بالنسبة لنا أن ننفّذ ونلتزم من دون فشل بكل الأشياء التي يقولها الله، وبكل ما تركه لنا القديسون كتابةً لتعليمنا بعد أن مارسوه، فلماذا تكبّدوا كل هذا العناء في ذلك الوقت لكتابتها ولماذا نقرؤها في الكنيسة؟ إن أصحاب هذه الإدعاءات يغلقون السماء التي فتحها لنا المسيح، ويقطعون الطريق الذي شقّه لنا. فالله الذي هو فوق كل شيء يقف، كما كان دائماً، عند بوابة السماء محدقاً حتى يراه المؤمنون، ومن خلال إنجيله المقدس يصرخ ويقول: “تعالوا الي يا جميع المتعبين والثقيلي الاحمال وانا اريحكم“(متى 28:11). لكن أعداء الله أولئك، أو بالأحرى أضداد المسيح، يقولون ، إنه مستحيل ، مستحيل“.

يا بنيّ حذارِ الأحلام

يا بنيّ حذارِ الأحلام

الشيخ أفرام (موراييتيس)

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

تجنّبْ الأفكار الخاطئة، واقطع أحلامك وكل صورة قد تكون محرِجة، لأن الشيطان الكلي العلميحاول أن يأخذك بعيدًا عن إلهك وخالقك. وعندما يلقي باللائمة على شخص ما، من خلال بعض الأفكار، فإن نعمة الروح القدس تبتعد مثل نحلة تطير بعيداً عن الدخان السام، وتبقى النفس من دون نعمة ومن دون فرح ملأى بالاكتئاب والحزن. لكن عندما نعارض هذا النوع من الحلم الشرير، عندما نتخلّص منه ونبعده فوراً، عن طريق امتشاق سيفنا الروحي على الفور بغيرة وإيمان حقيقي، أي صلاة يسوع المقدسة، فإننا نرى على الفور كيف أن اللص (الأفكار الشريرة) يهرب، مقدّماً النصر للعقل الذي يتعزز بنعمة الله ورحمته.

العدو الماكر لا يحتمل مشهد الملاك المقدس، حارس نفسنا، الذي هو دائماً بجانبنا. فيحاول إبعاده حتى نبقى دون حارس شخصيفيغرِقنا مثل عاصفة رهيبة لكي يتسنى لأفعى أعماق الجحيم أن تلتهمنا. إنه يعرف أن الملاك يطرد الأفكار الفاسقة فقط، فيثير سحابة من الأفكار والأحلام المشينة، لكي ينجّس العقل والقلب والجسد. ولكن عندما يعرف المجاهد عن غضبه فإنه يستلّ على الفور السلاح الروحي في المسيح ويدمّر مخططاته الشريرة.

يا بنيّ، كن حذراً من الحلم. يمكن لكل الخطايا أن تنشأ من الحلم. لذلك، كن حذراً وبمجرد أن يتشكلّ حلمٌ ما أو تبدأ في التفكّر بأفعال معينة، بغضّ النظر عما هي عليه، قمْ بطرد ما فكرت به أو سمعته أو شاهدته، غاضباً على الخطيّة مصلياً في فكرك. صلِّ صلاة قصيرة لكن قوية. صلِّ إلى والدة الله في ذهنِك لتساعدَك. ثقْ بالله وستُكافأ بالنصر.

كنتَ ممتلأً بالعُجب، فراح الشيطان يشنّ حرباً ضدك. الآن واضعْ نفسَك، ووبّخ نفسك، والله يساعدك إذ يرى تواضعك.

بنفس الطريقة التي تهرب بها من ثعبان على وشك أن يلدغك، أو من نار مشتعلة، ومما هو أكثر سوءاً من ذلك، كذلك اهربْ من الأحلام الشريرة التي تأتي من الشيطان.

أقول كنْ حذراً، من الحلم المخزي. فإن رجالاً روحيين عظاماً قد سقطوا وهلكوا بسبب الأحلام.

ما هو لقاء الله وكيف يتمّ؟

ما هو لقاء الله وكيف يتمّ؟

الأب أندرو لاماشونوك

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

عندما تلمس نعمة الرب شخصاً ويفهم أن هذا لقاءه الشخصي مع الله، فمن المستحيل التعبير بكلمات عما يدور في نفسه في هذه اللحظة. هذا الحدث يفوق كلّ شعور بشري.

في الكنيسة، يمنحنا الرب فرصة أن نصبح جزءًا من حياة جديدة الحياة الأبديةمن خلال كلمته، من خلال الخدمات الإلهية ومن خلال الترانيم. كل ما نسمعه ونراه في الكنيسة، كل ما نشترك فيه كل ذلك يشكّل لقاءنا بالله. المناولة المقدسة هي اللقاء مع الله. هنا الجسم والدم. شاركوا!

هذا هو مفتاحنا للنصر. هذا هو أملنا في أن أقول في يوم من الأيام لاللخطيئة في حياتي وأتوب. وأنا لن أقول ذلك فحسب، بل سوف أغيّر نفسي.

عندما يكون إيماننا المسيحي خارجيًا، نحصل على الهدوء: نجد بعض الكلمات، على سبيل المثال، كلمات حكيمة لكاهن ما، نأخذ منها الدعم، ونشعر أنها مهمة بالنسبة لنالكن هذا لا يكفي. يجب أن يكون هناك كلمة تدخل قلبنا. يجب أن يكون هناك لقاء مثل هذا، من بعده لن نكون قادرين على الخطيئة إذ ستكون مستحيلة بالنسبة لنا. يجب أن يتغير عقلنا وفهمنا لحياتنا وللعالم بشكل عام.

يقرر أحد الأشخاص أن يكرّس حياته لله ويذهب إلى الديروهذا هو اختياره. فيما شخص آخر يمتلك شكوكاًشخص واحد يربّي عائلة، في حين أن آخر لا يزال غير متأكد. لماذا يفضّل الناس عدم تسجيل زواجهم هذه الأيام؟ يمكننا القول لأنهم لا يرغبون في أن يكونوا مسؤولين عن أي شيء. انهم لا يريدون أي مسؤولية. في الوقت نفسه، لا يعتقد الناس أنهم يستطيعون أن يحبّوا شخصاً ما طوال حياتهم. إنهم لا يؤمنون بقدرتهم، فهم لا يعتقدون أن بإمكان المرء أن يكرّس حياته بالكامل لشخص آخر. ماذا لو لم يكن هذا الشخص المناسب لي؟ ماذا لو حدث شيء ما وصرت وحدي؟ هذا هو التقلّب والشك الذي يعيش فيهما الشخص الخاطئ، من لا ركيزة له، لا أساس في الإيمان يستطيع أن يبني حياته عليه. لا يستطيع المرء بناء أي شيء على الرمال لأن البناء على شيء غير مستقر يسقط

يعدّنا الله لهذا الاجتماع. بالنسبة للكثيرين منا هذا سيحدث في آخر لحظة في حياتنا. لسوء الحظ، نحن نعرف ما يمكن أن يحدث للأشخاص الذين لا يعرفون الله: في اللحظة التي يصيرون فيها قادرين على رؤية العالم الروحي، فإنهم يرون شياطين بدلاً من الله. يكون الشخص خائفاً، لأنه لا يعرف ما يمكن توقعه ليس لديه خبرة بالتواصل مع الله. هذا مريع. هذه هي المرحلة الأخيرة في الحياة، والتي يمكن أن تؤدي إلى الخوف الأبدي. وهذا مختلف تمامًا عما يحدث لشخص قضى حياته في الإيمان! فهذا أيضًا يرى شيئًا، ولكن هناك أمل في عينيه وليس خوفًا. لا يخاف المرء لأنه يثق بالله. ثم، في النهاية، يتمّ لقاؤه مع اللهبدايةً لحياة جديدة، حياة أبديةعندما تعاين هذا، تشعر بأنك جزء من سر الحياة الأبدية.

المرأة في العهد الجديد

المرأة في العهد الجديد

ماريا قبارة

يُعتبر العهد الجديد، عهدًا متمّمًا وفاصلاً للعهد القديم، ليس فقط على مستوى العقيدة والشرائع المسيحيّة، بل، أيضًا، على مستوى الرؤية الأنثروبولوجيّة للإنسان، لا سيّما في ما يتعلّق برؤية يسوع للمرأة. فعديدة هي الآيات الإنجيليّة التي تناولت المرأة في كيانها الإنسانيّ والمجتمعيّ والحقوقيّ. ولعلَّها تُفصح لنا عن موقف يسوع النموذجيّ منها. إذ إنَّه، نظر إلى النساء نظرة احترام وتعاطف واحتضان، متخذًا حيالهنَّ موقفًا يدعو إلى الدهشة؛ موقفًا جعلَ التقاليد السائدة تنعكس وتنقلب ملغية الحظر عن النواهي إلى درجة صدم فيها بيئته وخصوصًا تلاميذه أنفسهم.

إنَّ المتمعّن في قراءة العهد الجديد، لا بدَّ له من أن يستنتج أنَّ يسوع يظهر كمصلحٍ للعهد القديم. غير أنَّ إصلاحه هذا يحافظ، في كثير من الأحيان، على بعض تعليم العهد القديم. ففي إنجيل لوقا، يقوم الرسول، على سبيل المثال، بمقارنة شخص العذراء مريم، أيّ حواء الثانية، بشخص حواء الأولى، لا سيّما في حديثه عن البشارة. نقرأ في هذا الإنجيل أنَّه عندما أتى الملاك جبرائيل مبشّرًا العذراء مريم بالحبل بعمانوئيل، أطاعت مريم مشيئة الله قائلة: “ها أنذا أمة للربّ، ليكن لي حسب قولك” (لوقا 38:1).

يعيد جوابُها هذا دَين المعصية عند حواء الأولى. فإذا كانت المرأة قد جاءت من الرجل في سفر التكوين فها هو آدم الجديد، أي يسوع في العهد الجديد، يأتي من المرأة [1].

من وجهة نظر اجتماعيّة، كان يسوع جريئًا في التعامل مع المرأة. ولعلَّه كان ثوريًّا فيما يتعلّق بقضيّتها في عصره. فمن الأمثلة الواضحة على هذا الطرح حواره مع المرأة السامريّة، الذي أثار دهشة تلاميذه لكونه يتحدَّث ليس فقط إلى سامريّة بل، أيضًا، إلى امرأة (يوحنّا 1:4-38).

وبمتابعتنا قصّة يسوع والمرأة السامريّة نجد أنَّ في الكتاب المقدَّس ليست هذه المرّة الأولى التي يتمّ فيها لقاء مهمّ بين رجل وامرأة قرب بئر الماء. فهناك لقاء رفقة بالخادم الذي أرسله إبراهيم (تكوين 10:24-26)، ولقاء يعقوب براحيل (تكوين 10:29-12)، ولقاء موسى بابنة كاهن مديان (خروج 15:2-17). لكنَّ لقاء يسوع بالسامريّة هنا اختلفَ عن كلِّ ما سبق في العهد القديم. لذلك استغربت السامريّة طلب يسوع قائلة: “أنت يهوديّ وأنا سامريّة، فكيف تطلب منِّي أن أسقيك؟” (يوحنّا 9:4). ونحن نعرف من الكتاب المقدَّس أنَّ اليهود لا يخالطون السامريّين. فهناك عداوة متأصّلة منذ أربعة قرون تقريبًا. فعندما شيَّد السامريّون هيكل جرِزيِّم قبالة هيكل أورشليم حوالي عام 332 ق.م. كان اليهود يعتبرون السامرييّن أكثر شرًّا من الغرباء وعبدة الأوثان. وهم يمثّلون شيعة مكروهة جدًّا لأنَّها شوّهت وأفسدت أثمن ما في الديانة بسبب الانحراف إلى عبادة آلهة كثيرة. وأيضًا، كان السامريّون يعامِلون اليهود بالمثل، يظهرون لهم الكراهية والضغينة ويرفضون ضيافتهم عند مرورهم في بلادهم زمن الفصح (لوقا 52:9-53).

بحسب المفهوم اليهوديّ، إذًا، تتجمّع في شخص السامريّة ثلاثة أسباب توجب يسوع أن يبتعد عنها في الحوار معها:

أ. إنَّها امرأة، والقاعدة العامّة في الشرق ألاَّ يوجّه الكلام إلى امرأة على انفراد في مكان عامّ.

ب. إنَّها خاطئة، كان لها خمسة أزواج وتعيش مع سادس ليس زوجها.

ت. العداوة بين اليهود والسامرييّن، كما سبق وأشرنا.

أمَّا يسوع، فقد ضربَ عرض الحائط بالتقاليد والعادات والمفاهيم اليهوديّة والسامريّة بحسب مفهومه النابع من حريّة شخصيّة مميّزة. نظرَ وتعاملَ معها كشخص بشريّ، امرأة بكلِّ أوضاعها الخاصّة ومشاكلها الإنسانيّة.

لقد قبلَ يسوع، أيضًا، بين أتباعه نساء عديدات، كان المجتمع ينبذهنَّ آنذاك، كالمرأة التي ضُبطت في الزنى (يوحنّا 1:8-11). لقد تحدَّى يسوع فيها قساوة الشريعة التي كان يبديها مجتمعه اليهوديّ حيال المرأة. يخبرنا الكتاب المقدَّس أنَّ الكتبة والفريسيّين أتوا بامرأة فيما كان يعلّم يسوع في الهيكل والشعب مجتمع حوله، وأقاموها وسط حلقة وقالوا ليسوع: “يا معلّم، إنَّ هذه المرأة أُخذت في الزنى المشهود، وقد أوصانا موسى في الشريعة برجم أمثالها، فأنت ماذا تقول؟” (يوحنّا 4:8-5). لقد أرادوا من وراء ذلك أن يحرجوه، فإمَّا يناقض خطَّ الرحمة الذي اعتمده خطًّا له، أو يخالف شريعة موسى أمام المتشدّدين في تطبيقها من كتبة وفريسيّين فيمنحهم بذلك ذريعة ليعتبروه كافرًا ومشجّعًا للزنى، وتاليًا مستحقًّا هو نفسه الموت لأنّ الله أغلق على الجميع معًا في العصيان، لكي يرحم الجميع” (رومية32:11).

لقد أمسكت المرأة في زنى، أمّا هم فيفعلون الأمر نفسه في الخفاء. إنّهم يحافظون على الظواهر، وعلى أهداب الثياب العريضة، كما يبيّن ذلك الانجيلي متّى تفصيلاً: “الويل لكم أيها الفريسيون المراؤون…” (متى 1:23-33). ولذا كان يسوع عنيفًا جدًا نحوهم. إنهم يكذبون على الله ولكن الله يرى في الخفاء. لقد تذرّع الفريسيون بناموس موسى ليمسكوا المرأة ولكن يسوع انحنى يكتب على الأرض دلالة على أنه لا يأبه لمؤامرتهم، ولمّا بكّتهم ضميرهم، إذ جابههم يسوع بالحكم الحقاني الذي يتخطى حكم الناس[2].

إنَّ التحامل على المرأة واعتبارها أصل الشرور كان باديًا، بشكل واضح وجليّ، في هذه الحادثة. فشريعة موسى، التي يستند إليها الكتبة والفريسيّون، كانت تنصّ على: “في حال رجل فعل الزنى مع امرأة متزوجة، أن يرجم الفاعلان” (لاويّين10:20؛ تثنية الاشتراع 12: 22)، وليس المرأة وحدها. والمرأة هذه أُخذت في الزنى المشهود كما ورد أعلاه. فأين صاحبها؟ لقد تخلّى عنها، تركها تواجه العقاب وحدها، وكذلك تواطأ معه الرجال الذين قاموا بالمداهمة فتركوه يمضي واحتفظوا بالمرأة، وكأنَّ الوِزر يقع عليها وحدها. أليست هذه العقليّة سائدة حتّى الآن؟ ألا يقولون: “فتّش عن المرأة؟ ألا يعتبر زنى الرجل المتزوّج ذنبًا يمكن التغاضي عنه، في حين أنَّ زنى الزوجة جريمة لا تغتفر؟ ألا تُلقى المسؤوليّة كلّها أو جلّها على الفتاة وحدها في حال حملت خارج الزواج أو حتّى في حال تعرّضها للاغتصاب؟ وفي حال إقدام امرأة على الخيانة الزوجيّة، هل يسأل أحد عن طبيعة معاملة الزوج لها والتي دفعت بها دفعًا إلى الخيانة؟

كلّ هذا واجهه يسوع عندما رُفعت تلك المرأة إليه من قبل القائمين على الشريعة. اتّخذوا من خطيئة المرأة ذريعة ليتحوّلوا عن مواجهة خطيئتهم الشخصيّة، ويمنحوا أنفسهم شهادة تبرير يستمدّونها من تمسّكهم بحرف الناموس، وحرصهم على تنفيذ أحكامه بحذافيرها بحقّ من اتّخذوها كبشًا للفداء. هذا ما أراده يسوع أن يلفتهم إليه عندما قال لهم: “من منكم بلا خطيئة فليتقدّم ويرجمها بحجر” (يوحنّا 7:8)، وأكبَّ يكتب على الأرض ليدع لهم مجال العودة إلى نفوسهم ومحاسبتها. وهكذا انسحبَ المتّهِمون الواحد تلو الآخر بعد أن انكشفت لهم حقيقتهم وتركوا المرأة وحدها في مواجهة يسوع الذي وقفَ إلى جانبها في وجه تسلّط الرجال وظلمهم فالأكثر إحساسًا بخطاياه يغادر أولاً“[3]. وقف معها رغم خطيئتها، فهو لم يكن مع خطيئتها لأنَّ الخطيئة هي عدوّة لها تؤذي إنسانيّتها. “أنا لا أحكم عليك (…) اذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة” (يوحنّا 11:8). لقد ألقى يسوع الضوء في حالة هذه المرأة الزانية على مسؤوليّة الرجل وأدان الفعل وليس الإنسان.

أمَّا قصّته مع المرأة النازفة الدم، ومغفرة خطيئة المرأة التي دهنته بالطيب في بيت سمعان الفريسيّ، فما هما إلاَّ تعبيران صريحَان على طرحنا بأنَّ يسوع عمل انقلابًا جذريًّا في التعامل مع المرأة. لم يتردّد يسوع في إبداء إعجابه علنًا بإيمان المرأة الكنعانيّة، في حين أنَّ المجتمع اليهوديّ آنذاك كان يهمّش المرأة حتّى دينيًّا، كما رأينا سابقًا. فقد قال علنًا للمرأة الكنعانيّة الوثنيّة: “ما أعظم إيمانك أيّتها المرأة” (متّى 28:25).

نورد، أيضًا، نماذج عدَّة لنساء تبعن يسوع في الخدمة كما يخبرنا الانجيليّ لوقا (1:8-3). فيسوع قبِل بنساء قدّيسات (لوقا 1:8-3؛ متّى 1:25-13)، واعتمد، أيضًا، على كثيرات منهنَّ في خدمته (يوحنّا 26:19، 17:20)، إذ لم تقتصر هذه الخدمة على تقديم شيء من أموالهنَّ فقط، بل كنَّ أساسيات في عمل الجماعة المسيحيّة الأولى[4].

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنَّ يسوع اتّخذ المرأة نموذجًا في الكثير من الأمثال، كمثل الدرهم الضائع (لوقا 8:15-10)، ومثل العذارى العاقلات (متى 1:25-13)، وفلس الأرملة (لوقا 2:18-8)[5]. وسمَّى يسوع، أيضًا، لنفسه إخوة وأخوات” (متّى 22:9؛ مرقس 34:6)، وتعامل في تعليمه وعجائبه مع المرأة مثلما تعامل مع الرجل. هنالك أمثلة عديدة تشهد على صحة هذا القول، ولعلَّ أهمّها، أيضًا، دور النسوة في اللحظات الحرجة من حياة يسوع، لا سيّما عند صلبه. ففي حين تركه الجميع بمن فيهم تلاميذه عند الصليب، يتحدَّث الإنجيليّون عن بعض النسوة اللواتي رافقن السيّد وقد تراءى لهنَّ، أوّلاً، بعد قيامته (مرقس 1:16-8). توضح هذه الأمثلة كلّها الأدوار الفريدة والاستثنائيّة التي قامت بها النساء في عمل المسيح.

احتلّت المرأة، أيضًا، موقعًا مهمًّا في حياة الكنيسة الأولى. إذ كان الاجتماع يتمّ في بيت مريم، والدة مرقس (أعمال 12:12)، حيث كانت الجماعة المسيحيّة تواظب على الصلاة بنفس واحدة والطلبات مع النساء ومريم أم يسوع ومع إخوته” (أعمال 14:1)، وقد عرفت الجماعة المسيحيّة دورًا حيويًّا للمرأة بعد العنصرة.

فتحرير المرأة، الذي سعى إليه يسوع، هو تحرير جذريّ يتخطّى استعادة حقوق مهدورة أو كرامات مجروحة، لا بل إنَّه تحرير للكائن البشريّ في عمقه؛ تحريرٌ شبيه بإعادة الخلق. فكأنّي بيسوع محرّر المرأة يعيد خلقها من جديد، صائرًا بذلك مصدر وجودها وأساسه.

[1] Ειρηναίου, Κατά αιρέσεων, PG. 7, σ. 958

[2] رهبنة دير مارجرجس الحرف، دراسات كتابية 3، انجيل يوحنا، لبنان، منشورات النور، 1986، ص 134-135.

[3] الأب ميشال نجم، التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدس، العهد الجديد 4-أ، لبنان، منشورات جامعة البلمند، 2013.

[4] Θρησκευτική και Ηθική Εγκυκλοπαίδεια, τόµ. ∆’, Εκδότης Αθ. Μαρτίνος, Αθήναι : 1962-1968, σ. 855.

[5] أنظر، أيضًا، الأمثال:مثل الخميرة” (متّى 33:13)؛ مثل الفرح بعد الحزن” (يوحنّا 20:16-22)؛ الأرملة الفقيرة” (مرقس 41:12-44؛ لوقا 1:21-4)؛ أرملة نايين” (لوقا 13:7).

ازدراع الصراع الغربي مع العلم في الشرق الأرثوذكسي

ازدراع الصراع الغربي مع العلم في الشرق الأرثوذكسي

الأب جورج ميتيلينوس

يتكوّن التنوير الأوروبي من صراع بين التجريبية الطبيعية وماورائيات أرسطو. التنويريون هم الفلاسفة والعقلانيون معاً. كان التنويريون اليونانيون، وعلى رأسهم آدمانتيوس كوراييس، ماورائيين في لاهوتهم، وهم مَن نقل الصراع بين التجريبيين والماورائيين إلى اليونان. ومع ذلك، ظل الرهبان الأرثوذكس في جبل آثوس، الآباء الهدوئيون الكوليفاذيون، تجريبيين في طريقتهم اللاهوتية. إن إدخال الماورائيات في اللاهوت الشعبي والأكاديمي يعود بشكل أساسي إلى كوراييس. لهذا السبب، أصبح كوراييس المصادِق لعلماء اللاهوت الأكاديميين كما للحركات الأخلاقية الشعبية. وهذا يعني أن طهارة القلب لم تعد تُعتبر شرطاً مسبقاً للاهوت، وقد حلّ مكانها التربية السكولاستيكية. ظهرت نفس المشكلة في روسيا في زمن بطرس الأكبر (من القرن السابع عشر إلى القرن الثامن عشر). وهكذا اعتُبر الآباء فلاسفة (بشكل أساسي أفلاطونيين جدد كالقديس أوغسطين) وناشطين اجتماعيين. هذا أصبح النموذج الأولي للتُقَويين في اليونان. وعلاوة على ذلك، تمّ رفض الهدوئية على أنها ظلامية. إن أفكار كوراييس التي سُمّيت تقدميةتظهِر حقيقة أنه كان مؤيدًا للاستعمال الكالفيني للماورائيات وليس للاستعمال الكاثوليكي، وأن أعماله اللاهوتية هي مغالاة في التقوية الكالفينية (الأخلاقية).

ومع ذلك، الأرثوذكسية في الآباء ضد الماورائيات، لأنها تطلب باستمرار اليقينالتجريبي عِبر الطريقة الهدوئية. لهذا السبب، فإن هدوئية الكوليفاذيين تجريبية وعلمية. المنطق، بحسب القديس نيقوديموس الأثوسي، تجريبي. هذا يصوره هدوئيو القرن الثامن عشر بالطريقة التي يقبلون بها تقدم الغرب العلمي. يقبل الكوليفاذيون وجهات النظر العلمية بنفس الطريقة التي قبل بها القديس نيقوديموس الأثوسي في عمله أحدثَ نظريات يومه حول عمل القلب. لا يحارب القديس أثناسيوس باريوس العلم بحد ذاته بل استخدام تنويريي اليونان المتغرّبين للعلم. لقد اعتبروا العلم عمل الله وهِبَةً لتحسين حياة الإنسان. لكن استخدام العلم في جهاد ماورائي ضد الإيمان، كما حدث في الغرب ونُقل إلى الشرق، هو ما حاربه اللاهوتيون التقليديون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. يكمن الخطأ في جهة التنويريي اليونان الذين، دون وجود أي علاقة مع وجهة النظر الآبائية للمعرفة (على الرغم من أنهم هم أنفسهم كهنة ورهبان)، نقلوا الصراع الأوروبي بين الماورائين والتجريبيين إلى اليونان، وتحدثوا عن دين غير معقول“. في حين أن آباء الأرثوذكسية، إذ يميّزون بين نوعي المعرفة، يميّزون في نفس الوقت المعقول عن الفائق العقل.

إن مشكلة الصراع بين الإيمان والعلم، وبصرف النظر عن تشوش المعرفة، قد تسببت في تصنيم وجهَي المعرفة. وهكذا ظهر أدب دفاعي ضعيف ومهين في المسيحية (على سبيل المثال، قبل سنوات عديدة، أنتج أحد أساتذة الدفاعيات اليونانيين برهان من الرياضيات على وجود الله“). ومع ذلك، ففي الأرثوذكسية هذه الثنائية ليست بديهية. لا شيء يستبعد التعايش بين الإيمان والعلم عندما لا يكون الإيمان ماورائياً خيالياً والعلم لا يشوّه طابعه الإيجابي باستخدام الماورائيات. إن اللغة العلمية الحديثة تساعد على الفهم المتبادل بين العلم والإيمان.

إن مبدأ عدم التحديد (أي غياب السببية) هو نوع من التنزيهية في العلم. لذلك، إن العودة إلى الآباء تساعد على التغلب على الصراع. إن قبول حدود نوعَي المعرفة (المخلوق وغير المخلوق) واستخدام الجهاز أو الأداة المناسبة لكل منهما، هو عنصر الأرثوذكسية والآباء الذي يضع الحكمة الأرضية” “تحتالمعرفة الأسمىأوالإلهية“.

في المقابل ، فإن التشوش بين نوعَي المعرفة في الفكر الغربي يشجّع على سوء الفهم المتبادل ويستمر في تعزيز نزاعهما. إن كنيسةتثبت في اللاهوت الماورائي ستكون دومًا مضطرة إلى التماس عفو الجليلي. وأيضاً، العلم الذي يتجاهل حدوده سوف يتراجع إلى ماورائيات وسوف ينشغل بوجود الله (ما ليس من مسؤوليته) أو يرفض الله تمامًا.

روح التمييز

روح التمييز

الخورية سميرة عوض ملكي

يكثر الكلام عن المشاكل الناجمة عن وسائل التواصل الاجتماعي، مما صار يشكّل مادة واسعة يتداول فيها المهتمّون، فيما تغيب عن بال كثيرين. ليس هدفنا معالجة هذا الموضوع وقد سبق وأُشير إليه في أكثر من مرة، لذا سوف نتوقّف عند ظاهرتين منتشرتين وينبغي الإضاءة عليهما تحصيناً للمؤمنين ولثباتهم في استقامة الإيمان. الظاهرة الأولى هي ما يرِد إلينا جميعاً من رسائل وقصص تجذب الانتباه وتحاكي عواطف المؤمنين خاصة العاطفيين منهم، نذكر على سبيل المثال ممكن طلب صغير أن ترسل لكل واحد عندك ’المجد لك يا ربي يسوع’من فضلك اليوم سنهدي أم الله هديةأمانة لا توقفهااليوم هو نعمة الربلن يباركك الرب إن لم ترسلها… يجب أن تصل إلى عدد كذا…” يمكن وصف هذه الرسائل بالخديعة، لأنها تخدع الشخص بأن ترهبه أولاً ومن ثم تعطيه شعوراً بأنه قد أتمّ واجباتهلأنه أرسلها كما هو مطلوب. وهذه الرسالة ذات الشكل الإيماني قد تصلك من اشخاص تتفاجأ بأنهم قد يؤمنوا بهذا الضلال. فهل يمكن أن يصل الإنسان إلى أن يستعيض عن الجهاد الروحي بإرسال الرسائل النصية ظانّاً أنه يتمّم أعمال البِرّ؟ وأسوأ هذه الرسائل تلك التي تحكي عن أحلام هنا وهناك وتشجّع كل مَن يعتقد بها على الثبات في ما يعتقد أنه رؤيا إلهية، وبأن الله يكلمه في الأحلام، على خلاف ما يعلّمنا الآباء القديسون بأن الله لا يرسل إلينا إلا ما يقود إلى معرفة الحق، وبأن الأحلام ليست نبوءات وأن النبي هو بالدرجة الأولى إنسان مجاهد متطهر، وحول هذا يرِد في كتاب بستان الرهبان: “المصدِّق المنامات يشبه مَن يريد أن يلحق ظلّه ليمسكه… فإنّ الشيطان يخدع الخفيفي العقول وقد يتشكّل مرّات كثيرة بشكل ملاك نور… ويرينا ذلك في الحلم“. الظاهرة الثانية هي تلك الفيديوات المنتشرة والتي يتبادلها المؤمنون عن حسن نية وفيها مواضيع بظاهرها إيمانية لكن محتواها لا يتوافق مع تعليم الكنيسة وإيمانها. فقد يقع أحد الأشخاص على فيديو يتحدّث فيه أحد كهنة الهراطقة عن والدة الإله وعمل الروح القدس أو عن أمور لاهوتية، فيسارع إلى مشاركته مع الآخرين، معتقداً بأنه يساهم في نشر البشارة وتوزيع المعرفة اللاهوتية. لكن مَن حَكَم بأن المحتوى متوافق مع إيمان كنيستنا؟ وبالرغم من الكنوز التي تختزنها كنيستنا الأرثوذكسية، فإن ما يؤلِم حقاً أن بين أبناء الكنيسة مَن صاروا مدمنين على عظات وأقوال رجال دين معينين يجاهرون بمخالفتهم تعليم الكنيسة الأرثوذكسية (كالأنبا شنودة مثلاً)، لكنهم يفسّرون الكتاب المقدس ويتكلّمون عن القديسين بعواطف جياشة وأسلوب يدغدغ دواخل الناس، فيسارعون إلى نشرها ومشاركتها. لكن كم يمرّ في هذه المحاضرات من العبارات والأفكار المخالفة لتعليم الكنيسة أو التي تزرع الشكّ بهذا التعليم, كما يصف الرسول بطرس في رسالته الثانية مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ.. وَسَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ؟ يحكي تقليدنا عن أن الأريوسيين ألّفوا أغانٍ شعبية لتحمل أفكارهم إلى الناس، واليوم الأمر نفسه حيث أن المبتدعين يضعون تسجيلات، لكن الفرق أن أبناء الكنيسة يساهمون بنشرها. البعض يدافع عن هذا النشر بالقول بأن الخلاف مع المبتدعين لفظي، وبهذا يغرس في ذهن الناس أن الآباء القديسين لم يُحسِنوا استعمال الألفاظ اللاهوتية وبذلك ينصّب ذاته معلّماً على معلّمي العقيدة التي ثبّتوها في المجامع المسكونية. وآخرون يتمسّكون بنشر هذه المواد معتبرين عملهم عمل محبة ونبذاً للتعصب. ألا يعني هذا الكلام اتهاماً للآباء بقلّة المحبة؟ أليس هذا ضرباً لتاريخ الكنيسة والتقليد الذي دافع عنه الآباء حتى بذل الدم لحفظه سالماً من البدع؟ وفوق كل هذا، إن الإصرار على نشر ما لا يتوافق مع تعليم الكنيسة يعكس كبرياءً خطيراً يستدعي التوبة، بينما الرسول يعلّمنا بأن مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا” (يعقوب 20:5) وليس العكس.

ختاماً استشهاد بقديسنا الشيخ باييسيوس الأثوسي حول هذا الموضوع على لسان الأب اسحق (عطالله) الآثوسي، وفيه يصيب النقطة التي نناقشها: بالنسبة للاّخلقيدونيين (المونوفيزيت) قال (أي القديس باييسيوس): ‘هؤلاء لا يقولون إنهم لم يفهموا الآباء القديسين، بل إن الآباء القديسين لم يفهموهم. أي وكأنّ عندهم حق والآباء أساؤوا فهمه‘.

وأوضح أن الإقتراح القائل بأن نمحو من الكتب الليتورجية صفة الهرطقة عن ديوسقوروس وسفيروس هو إهانة بحق الآباء القديسين. قال: ‘كمّ من الآباء القديسين المستنيرين بالله كانوا معاصرين لهم، لم يفهموهم ورفضوهم. أفنأتي نحن بعد قرون كثيرة لنصلح الآباء القديسين؟ وعجيبة القديسة أوفيميا أفَما يحسبون لها حساب؟ فهي أيضاً قد رفضت كتاب الهراطقة‘” [1]

[1] “حياة الشيخ باييسيوس الآثوسي، للأب اسحق (عطالله) الآثوسي، منشورات الجبل المقدس – آثوس، ص. 506-507

الفتور وحال الأرثوذكسية اليوم

الفتور وحال الأرثوذكسية اليوم

الأب أنطوان ملكي

في رؤيا يوحنا، نقرأ السيد يقول لمَلاَكِ كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ: “أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا!هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 15:3-16). يذكر الآباء الذين يتناولون هذا النص أن كنيسة لاودكية تشير إلى كنيسة الأيام الأخيرة التي يسود فيها الفتور. ما هو الفتور وما هي المشكلة فيه؟

الفتور في الحياة الروحية هو حالة عدم الاكتراث التي قد تتكوّن لأسباب مختلفة. يعلّم القديس قوزما الإيتولي أنّ الفتور يأتي من قلّة الإيمان. الضعف البشري والمثالية البشرية قد تؤديان أيضاً إلى الفتور. والاستكبار أيضاً قد يزرع الفتور. ليس الهدف هنا معالجة الفتور من الزاوية النفسية بل من زاوية علاقته بالجهاد الروحي، بالغيرة المقدسة وبالشهادة للحق. في تعليمه، القديس سلوان الأثوسي يدعو إلى الجهاد: “لا تتهرّب من الجهاد، فالرب يحبّ المحارب الشجاع. الرب يحب الروح الباسلة“. الفاتر يتهرّب من المواجهة، من مواجهة أهوائه، ومن مواجهة الأخطار التي تحدق بالمحيطين به، ومن بينهم وربّما على رأسهم الكنيسة. يؤكّد القديس ثالاسيوس في الفيلوكاليا أن الفتور هو من اللامبالاة الناتجة عن الابتلاء بمحبة الذات.

أمّا عن المشكلة في الفتور، فالقديس يوحنا السلّمي يرى أن الفتور يؤدّي إلى موت الإحساس في الإنسان. يقول القديس ذياذوخوس فوتيكي أن الفتور يمنعنا من الشعور بالرغبة القوية بالبركات المُعدّة لنا في الحياة الآتية وينتقص من الحياة الروحية محطّماً هذه الحياة العابرة بشكل مفرط.

تطول لائحة الأقوال الآبائية التي تحذّر المؤمنين من الفتور وتمتد إلى قديسين معاصرين. يقول معاصرنا القديس نيقولا فيليميروفيتش: “في عالم اليوم من اللامبالاة والفتور الروحي ، والتي هي جذور الإلحاد والابتعاد عن الله، يُحَثُّ الإنسان على تجاهل الجذور الروحية وأصول الممارسات الدهرية عندما تبدو أشكالها الخارجية عادية ومسلية وغير ضارة. إن عقيدة الإلحاد تكمن في العديد من هذه الممارسات التي تنكر وجود الله والشيطان معاً”. الأب جورج موريلي الذي ينير على الطب النفسي المعاصر بفكر الآباء يقول أن اللامبالاة التي تعكس الفتور هي أكثر الخطايا ممارسة في هذا الزمن، وأنها أهم انعكاسات الدهرية.

وكما قد يصيب هذا الفتور الأفراد يصيب الجماعة، التي هي مجموعة الأفراد. قد يحاجج البعض أن هذا الكلام لا يصحّ في الكنيسة التي يستحيل أن يصيبها الفتور لأن رأسها المسيح. هذا قول لا غبار عليه، لكن واقع الكنيسة يتطلب منّا أن نتفكّر في ما أوصلَنا إلى حيث نحن. من أهم العوامل التي أضعفت الكنيسة عبر العصور هو الفتور المستشري على كافّة المستويات. فالرؤساء متى أصابهم الفتور يمتنعون عن الوقوف مع الحق ويدفعهم تفضيل الهدوء بحجة السلام والتدبير إلى غضّ النظر عن أخطاء قد تكون سوابق. والشعب يمنعه الفتور من الوقوف مع الرؤساء حين يقطعون كلمة الحق باستقامة، ومن مطالبتهم عندما يحيدون عن الحق، سواء عن كسل أو عن جهل أو عن نسيان.

لو أخذنا اليوم الشركة التي انقطعت بين الكرسيين القسطنطيني والروسي والتي تشغل العالم الأرثوذكسي. هذا يحمّل المسؤولية للقسطنطينية وذاك يحمّلها لموسكو. الحق يقال، أنّه فيما تتحمّل القسطنطينية المسؤولية القانونية عن الأزمة في أوكرانيا، إلا إن كل الأرثوذكس يتحمّلون مسؤولية الوصول إلى هذه الحالة التي أودت إلى انقطاع الشركة. الكل مسؤولون لأنهم فاترون، البطاركة والأساقفة والكهنة والرهبان والشعب. وهذا الفتور ليس وليد الساعة، بل قد تسلل إلى الكنيسة منذ أن تحررت من الاضطهاد، لكنه تكثّف مع مطلع القرن العشرين. هذا الفتور سمح للمنطق المسكوني بأن يتغلغل في عروق الكنيسة، وترك منافذ كثيرة تسللت منها الدهرية إلى حياتها. لامبالاة الأرثوذكس سمحت بأن يتنقّل إنسان كملاتيوس ميتاكساكيس بين أربعة كراسٍ مترئساً، وقبلت بأن يتقدّم إنسان مثل أثيناغوراس، وأن يرفع أناثيما هو يستحقها عن مَن لم يتُب، والأسوأ أن اللامبالاة والفتور جعلا الرؤساء الآخرين يتبعونه بدل أن يدينوا أفكاره ويدينوه. لامبالاة الأرثوذكس، من كل الطغمات وعلى كل المستويات، جعلتهم مكسر عصا يتدخّل في شؤونهم السياسيون ويفرضون مصالحهم، محلياً وعالمياً. لامبالاة الأرثوذكس صمّت آذانهم عن سماع صوت أنطاكية حين تظلّمت لأنها ظُلِمَت في قطر، وصربيا حين تظلّمَت لأنها ظُلِمَت في أرضها وهي اليوم مهَدَّدة في مكدونيا والجبل الأسود، وروسيا حين ظُلِمَت في أوكرانيا وهُدِّدَت في أستونيا وروسيا البيضاء، والقدس حين ظُلِمَت بخلع بطريركها الشرعي وتركيب اللصوصي مكانه.

المؤلم هو أن كل هذا جرى بمشاركة الكلّ. ينطبق علينا اليوم قول إرمياء النبي يَشْفُونَ كَسْرَ بِنْتِ شَعْبِي عَلَى عَثَمٍ قَائِلِينَ: سَلاَمٌ، سَلاَمٌ. وَلاَ سَلاَمَ” (14:6). السلام الفعلي يأتي مع الحق. شعب الله بحاجة إلى رعاة، إلى قادة، إلى مَن يرفعه ويدلّه على الطريق إلى الله. “الرُّعَاةَ بَلُدُوا وَالرَّبَّ لَمْ يَطْلُبُوا. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لَمْ يَنْجَحُوا، وَكُلُّ رَعِيَّتِهِمْ تَبَدَّدَتْ” (إرمياء 21:10). لم يقل النبي أن الرعاة عملوا ما يبدد الرعية، بل أنها تبددت لأنهم لم يعملوا. تبددت لأنهم غير مبالين.تبددت لأنهم فاترون.

إن عدم العمل هو خطيئة توازي العمل الخاطئ. هكذا يعلّم الرسول يعقوب في رسالته: “ فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (17:4).

إن إهمال هذا الأمر وذاك، وغض النظر عن هذا وذاك، تارة بحجة السعي إلى السلام وأخرى بحجة التدبير، يحطّم الكنيسة ويشوّه صورتها في عيون أبنائها ويكشف مكامن ضعفها لأعدائها. هذا لاحظه القديس باييسيوس الأثوسي فجاء قوله دقيقاً: “عندما يكون هناك احترام للأشياء الصغيرة، يكون هناك احترام أكبر للأشياء الأكبر. عندما لا يكون هناك احترام للأشياء الصغيرة، فلن يكون هناك احترام للأكبر. هكذا حافظ الآباء على التقليد.”

حتّى من خارج الكنيسة الأرثوذكسية، نقرأ عند سي آس لويس في قصته رسائل المسمارأن الشيطان كان يدرّب ابن أخيه وورموود لكي يقوم بخدمة فعالة له في العالم، فقال له أنا، الشيطان، سوف أحرص دائماً على وجود أشخاص سيئين. أما وظيفتك، يا عزيزي وورموود، فهي أن تزودني بأشخاص غير مبالين“.

إن فتور الأرثوذكسيين يضع الأرثوذكسية في خطر جدي قد يؤدّي إلى تفككها. هذا بدأ بين أنطاكية والقدس، واليوم هو بين القسطنطينية وروسيا، وقد يتطور ليصير داخل الكنائس نفسها. أبشع أوجه هذا الخطر هو أن أحداً لا يتعاطى معه روحياً بل الكل يناقشه سياسياً“. لم نسمع دعوة من بطريرك أو أسقف أو غيرهما إلى صلاة لحفظ الكنيسة. ما من أحد يحكي عن التوبة إلا الكتاب المقدس: “كُنْ غَيُورًا وَتُبْ. هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ.” (رؤيا 15:3-19)

السنة الرابعة عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2018

السنة الرابعة عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2018

مختارات آبائية

الشيخ صوفروني آسكس، عن الأرثوذكسية والمسكونية

رعائيات

جوزيف مانغوس فرانجيباني، النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

مسكونيات

شركة جبل آثوس المقدسة، حول الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية

الأب أنطوان ملكي، بين الأرثوذكس والأقباط: الالتباس اللاهوتي وامتداده الرعائي

***

بعد انتهاء المرحلة التجريبية لما يقارب السنة أُنجز تحميل كافة أعداد التراث الأرثوذكسي إلى قواعد بيانات EBSCO، وبهذا انضمّت التراث الأرثوذكسي إلى مجموعة تزيد عن 6000 مجلة علمية وبحثية من مختلف الدول واللغات يمكن الوصول إليها من كافة مكتبات الجامعات والمعاهد الدراسية والمكتبات العامة والمدارس والمستشفيات والمؤسسات الطبية والشركات والمنظمات الحكومية التي تستفيد من خدمات ابيسكو (EBSCO).

عن الأرثوذكسية والمسكونية

عن الأرثوذكسية والمسكونية

الشيخ صوفروني آسكس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

اغفروا لي؛ ربما كل هذا غير ضروري. في هذه المرحلة، أود أن أقول القليل عن واقع أن جزءًا كبيرًا من العالم المسيحي في الوقت الحالي يميل إلى قبول واحدة من أخطر الهرطقات. وهي قول الناس أنّ في أيامنا هذه لا توجد كنيسة واحدة تحتفظ بتعليم المسيح الحقيقي، أو تمتلك معرفة كاملة بسرّ الحياة المسيحية المقدسة المليئة بالنعمة على المستوى الأخلاقي والنسكي. هذا على افتراض أن الكنائس الكثيرة المسمّاة مسيحية تملك نعمة متساوية، ولهذا يجب أن نمضي نحو وحدة الكنائس على أساس برنامج مشترك ما. واحد من أكثر الأسئلة تكرراً هو مَن يخلص ومَن لن يخلص. يعتقد هؤلاء الناس عادةً أن ليس فقط الأرثوذكس سيخلصون (بحسب تعليم الأرثوذكس)، وليس فقط الكاثوليك (وفقاً للتعليم الكاثوليكي)، بل كل البشر الفاضلين الذين يؤمنون بالمسيح. وجهة النظر هذه قد انتقلت من البروتستانت إلى مؤمني الكنائس الأخرى. هناك الكثير من الأرثوذكس الذين يحملون هذا الرأي.

يعتقد البعض أنه لا يمكن لأيّ من الكنائس الموجودة أن تحصل على ملء المعرفة والنعمة، لأن كل واحدة منها قد انحرفت عن الحقيقة إلى درجة ما. إنهم يعتقدون أنه الآن فقط في نهاية الأزمنةفَهِم هؤلاء الحكماءتماماً روح تعليم المسيح، وأن العالم المسيحي بأسره كان ضالاً طريقه لعدة قرون حتى الآن. إن الوقت قد حان الآن وعلينا أن نوحّد كل الأجزاء المنفصلة في كنيسة عالمية رسولية واحدة، وهي ستمتلك ملء الحقيقة بكلّ جوانبها، على الرغم من أن هذه الوحدة ستضمّ فقط ما هو مشتَرَك بين جميع الكنائس. ما هو أسوأ من ذلك، أن البعض منهم يفكّر في قلبه بمنطق فوق الكنسي، باطني، في فهمه للدين المسيحي ، الذي لن أقول المزيد عن هذا.

أردت مناقشة هذا لسبب واحد فقط: لأخبركم بأنني أريدكم بشدة (وأدعو الله لهذا) أن لا تنخدعوا بكل ذلك، بل أن تقتنعوا بحزم في قلبكم وعقلكم بأن على هذه الأرض كنيسة وحيدة وصحيحة أسّسها المسيح. وأن هذه الكنيسة تحفظ تعليم المسيح غير معابٍ، وأنها في كليّتها (وليس في أعضائها كأفراد) تمتلك ملء المعرفة والنعمة والعصمة. (أريدكم أن تكونوا مقتنعين) أن ما يبدو بالنسبة للعديد من الناس نقصاً في تعاليمها ما هو إلا إمكانية بعض التفصيل العلمي لثرواتها التي لا تنضب ولا حصر لها – ومع ذلك، هذا لا يتناقض بأي قياس مع ما قلته أعلاه عن امتلاكها لملء المعرفة.

لا يمكن أن يخضع شكل تعليم الكنيسة النهائي كما تمّ التعبير عنه في المجامع المسكونية لأي تغيير. يجب أن تتفق جميع الأعمال الأكاديمية المستقبلية مع ما تمّ تقديمه في الوحي الإلهي وفي تعليم المجامع المسكونية. وينطبق الشيء نفسه على النعمة: وحدها الكنيسة الواحدة والفريدة من نوعها يمكن أن تحمل ملء النعمة. الكنائس الأخرى لديها نعمة بسبب إيمانها بالمسيح، ولكن ليس لديها الملء. علاوة على ذلك، يمكن أن نؤمن أنه في أيامنا هذه لا يزال هناك أناس، بنعمة الروح القدس، مساوون للقديسين العظماء في كنيسة العصور القديمة. (أنا أقول هذا على أساس ما سمعته عن عدة أشخاص في روسيا). [هذا] لأن المسيح هو بالأمس واليوم وإلى الأبد (عبر. 13: 8). كل هذا هو الحقيقة. كل من يغادر هذا الإيمان لا يستقيم.

* “الجهاد من أجل معرفة الله”. رسالة 11. قيد الترجمة