السنة السادسة عشرة، العدد التاسع، حزيران2020

السنة السادسة عشرة، العدد التاسع، حزيران2020

مختارات آبائية

الشيخ موسى الأثوسي، قتل الأهواء

رعائيات \ حياة روحية

الميتروبوليت أثناسيوس ليماسول، تنقية القلب

الخورية د. آفيانيا كونستانتينو، الأخطر من الكورونا

المتقدّم في الكهنة باسيليوس كالياكمانيس، الأبوة الروحية

الشيخ تريفن، حقيقة الله: أهمية اكتشاف الله شخصياً

الأرشمندريت نكتاريوس موروزوف، انتظروا المسيح لا ضدّه

الأب أنطوان ملكي، العنف والتقوى

أبطال روحيون

القديس كالينيكوس الجديد

قتل الأهواء

قتل الأهواء

الشيخ موسى الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن المسيحيين الذين يسعون مجاهدين ليسوا مغفلين، ولا هم ساذجين، تبسيطيين، سطحيين، ضحلين، مكتئبين، غريبي الأطوار، ولا تائهين. لو كانوا كذلك لما كانوا مسيحيين حقيقيين. المسيحيون المجاهدون متفائلون فرحون صادقون مشرقون ومتواضعون. نقطة البداية للتحسين الذاتي لا تتمركز على الإطلاق حول الذات. إن شعوري بخطيئتي يجعلني نادماً لا خائفاً ولا غاضباً

الاقتناع بأني قادر على التغيّر وأنني خاطئ كبير، لا ينبغي أن يكون تمنيات ولا تواضعاً زائفاً، بل على الأكيد كلمات وأعمالاً دقيقة وحازمة. إن اكتشاف محبة الله الصالح غير المتناهية وعصياني وارتدادي وتغرّبي يعطيني دموعاً حارة عن ندامة أصيلة

إن محبة الله لنا تحرّكني وتقودني إلى التوبة، تقلقلني وتستعيدني. إن نقطة البداية هي اعترافي بخطيئتي. هذا الاعتراف الصادق سوف يحمل إليّ الندامة من الله ما يجعل نفسي تكره ما أحبَّت وتحبّ كل صلاح كانت قد غفلَت عنه

سُئل مرة أحد الشيوخ الأثوسيين: ما هو الجبل المقدّس؟ فأجاب: ’عندنا أناس كثيرون هنا في طور التوبة. أو بالأحرى هنا كلنا توّابون’. شيخ آخر قال: ’يلبس الراهب التوبة. محبة الله تأكله فيحيا في التوبة’. هذه الكلمات الأخيرة مهمة جداً. التوبة ليست وضعية خاملة نندب فيها مصيرنا ونلعن حظّنا

بالمقابل، بحسب الأبّا إسحق السرياني، إن القلب المشتعل بمحبة الله، والناس الآخرين وكل الخليقة، هو قلب الذي يتوبون إذ يحتوي شعلة المحبة المحترقة وبالتالي يحاولون أن يعوّضوا الوقت الذي أضاعوه في الخطيئة فيندبون معاصيهم. إنهم لا يهتمّون ولا يقلقون على أنفسهم، ولا على كيف أن شخصاً رائعاً استطاع أن يسبب كل هذه البلبلة في الأمور، لأن هذا يدلّ على الكثير من الغرور بالذات. أنت لا تستطيع أن تقتني محبّة الله إن لم تكن محبّاً للآخرين. هذه المحبة تجعلني حليماً، مسامحاً، متعاطفاً، كريماً، مؤانساً وطيّباً مع الآخرين، لا قاسياً، دياناً، منتقداً، عنيفاً، عابساً، أو متزمتاً

تنقية القلب

تنقية القلب

المتروبوليت أثناسيوس ليماسول

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

منذ الرابع من آذار 2020، يجري صاحب السيادة المتروبوليت أثناسيوس ليماسول مناقشات أسبوعيّة مع المؤمنين، مفسّرًا الكتاب المقدّس، ومطّلعًا على حاجاتهم، ومجيبًا على تساؤلاتهم

كنّا قد وصلنا إلى الفصل السابع من رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس. في بداية الفصل، يقول الرسول ما يلي: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ أنفُسنا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ بِمَخافَةِ اللهِ” (2 كور 7: 1). ثمّ يتكلّم الرسول بولس على الأحزان التي كان على الكورنثيّين أن يقاسوها. من المفيد جدًّا لنا أن نسمع اليوم هذا الكلام، لأنّنا نرى بذلك أنّ المسيحيّين الأوائل واجهوا هم أيضًا مصاعب الحياة والتجارب والخطايا، وأنّ حياتهم لم تكن ملائكيّة. ولكن ما يهمّ هو أنّهم تعاملوا مع ذلك روحيًّا: من خلال التوبة، ومن خلال جهاد تصحيح الذات

يقول الرسول بولس في الفصل السابق إنّ جسدنا هو هيكل الروح القدس، وإنّ الله يسكن في الإنسان. وبما أنّ جسدنا هو هيكلٌ كهذا، فعلينا أن ننتبه لئلاّ ندنّس جسد الله، كما نفعل مثلاً مع أيّ بناءٍ كنسيّ: فنحن نعتبر الكنيسة مكانًا مقدّسًا ولا نفكّر مجرّد تفكيرٍ بارتكاب أيّ فعلٍ دنيءٍ فيها. يجب أن ينطبق الأمر نفسه على جسدنا، وعلى نفسنا، وعلى وجودنا برمّته، الذي هو هيكل الله. ” فَإِنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ” (2 كور 6: 16). يدعونا الله إلى أن نرفض الخطيئة والشرّ وكلّ تجربة لكي نصير بحقٍّ شعب الله، ولكي يصير الربّ أبانا ونحن أبناءه وبناته (راجع 2 كور 6: 18).

إذًا، تقول بداية الإصحاح السابع: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ…”. إنّ الذي يَعِدُ هو الله نفسه. يَعِدُ بأنّه سيكون أبانا ونحن سنكون أبناءه عندما نرفض الخطيئة وكلّ ما يدنّس وجودنا. وإذا وعد الله بشيء، فهو لا يكذب مطلقًا. مواعد الله تتحقق؛ هو ليس مثلنا نحن الذين نَعِدُ عادةً بالقمر ولا نستطيع حتّى أن نفي نصفه. إذًا، الجهاد الذي نصنعه فيه ترقّب الحياة الأبديّة

عندما ننال موعدًا من الله، لا يمكننا دائمًا أن نفهمه. نحن نرتجي عادةً من الله شيئًا يكون ضمن نطاق إدراكنا وفهمنا. ولكن، كلّ ما نتلقّاه من الله هو بالحقيقة أكبر وأوسع بكثير ممّا يمكننا تخيّله. مواعد الله تعمل مثل التوازن. في الجهة الأولى من الميزان لدينا ثقل أعمالنا الروحيّة وصبرنا ورجاؤنا – والجميع لديهم شيءٌ ما. وفي الجهة الثانية لدينا مواعد الله. النتيجة ليست فقط توازنًا، بل إنّ مواعد الله تبطل مصاعب حياتنا هذه. الله غير مدرَك. من المستحيل أن نفهم ونقتبل بحقٍّ أيّ شيء نتلقّاه من الله. الله غنيّ. هو ليس مثلنا نحن الذين لدينا مقاييسنا الخاصّة وقيودنا الخاصّة. الله فيّاضٌ بالرحمة؛ محبّته لامتناهية ولا يمكن لمخلوقٍ أن يحتويها كلّها. الإنسان الذي يشعر بمحبّة الله يصعب عليه وصفها لأنّها تفوق الوصف

أتذكّر كيف أنّ القدّيس باييسيوس أخبرني ذات مرّةٍ عن رؤيته للقدّيسة أوفيميّة. كان ذلك في الصوم الكبير، كما نحن الآن (في وقت هذا الحديث)، في الأسبوع الثاني منه. ظهرتْ له في الصباح في قلاية الصليب المكرّم في كابسالا، وبقيت معه طول النهار. وصفتْ له القدّيسة أوفيميّة حياتها كلّها، لأنّ الشيخ لم يكن يعرف سيرتها. كان قد سمع عن قدّيسةٍ تُدعى أوفيميّة، ولكنّه لم يعلم أيّ شيءٍ عنها. أخبرته أنّها كانت شابةً تعيش في القرن الرابع في مدينة خلقيدونية، وكان عليها أن تقاسي أمرّ التعذيبات من أجل المسيح. وبينما كانت تخبره عن ذلك، رأى الشيخ حياتها كلّها أمامه، مثل فيلمٍ على التلفاز. ثمّ عندما وصلت إلى عذاباتها، خاف القدّيس باييسيوس ممّا رأى وسألها قائلاً: “كيف استطعتِ احتمال هذه العذابات كلّها؟” لقد كانت شابّةً صغيرة، والعذابات كانت بأكثر وحشيّة يمكن تصوّرها. فأجابته القدّيسة قائلةً: “يروندا، لو علمتُ أيّ مجدٍ سينال الشهداء في السماء من أجل عذاباتهم، لكنتُ جاهدتُ لكي أتعذّب أكثر، لأنّ ذلك كلّه وقتيٌّ ولكنّ مجد الله أبديّ”

دائمًا ما يقول لنا الرسل والآباء القدّيسون أنّه إذا احتملنا تجربةً ما من أجل محبّة المسيح، علينا أن ندرك أنّ مكافأة المسيح ستكون أعظم بكثير. ويجب أن نسعى من أجل نيل المكافأة من الربّ والشركة الأبديّة معه. نعم، قد يبدو الأمر وكأنّنا نخدم مصلحتنا إن طلبنا مكافأة، ولكنّنا أناسٌ ضعفاء في النهاية، ونحتاج ببساطةٍ إلى أن نرى أفق أفعالنا – هكذا هي طبيعتنا. أفق الحياة الأبديّة هو الموعد الذي أعطانا إيّاه الله. إذًا، عندما نمرّ بأوقات صعبة، يجب أن نتذكّر مواعد الله؛ يجب أن نتفكّر بصعودنا إلى الملكوت السماويّ، بأنّ حياتنا لا تنتهي بمضي هذه السنوات القليلة التي أُعطيت لنا لنعيشها هنا على الأرض، بل سوف تستمرّ في الملكوت الأبديّ. حينئذٍ، سنتمكّن من تخطّي أيّة صعوبة نواجهها، أكان على الصعيد الشخصيّ أم الاجتماعيّ أم العامّ، مثل الخطر الناتج عن فيروسات متنوّعة، أو تعدّي الأعداء على أمننا وراحة بالنا. بالطبع، نحن أناس، والقلق على حياتنا داخليٌّ فينا. ولكن مَن يستطيع أن يضمن لنا سلامتنا؟ مَن يستطيع أن يجزم لنا أنّنا لن نصاب بالكورونا؟ الله وحده يمكنه أن يمنح العالم الأمان. عندما يهب الإنسان حياته لله ويقول: “سيهتمّ الله بكلّ شيء”، سيشعر حينئذٍ بسلام النفس. هذا ما اعتاد أجدادنا على قوله، وكانوا أناسًا سلاميّين. دائمًا ما كانوا يقولون: “سيهتمّ الله”، وكانوا يؤمنون بما يقولون. وكانوا في الوقت عينه مستعدّين ليقاسوا أيّ أمرٍ يحدث في حياتهم، ممتلئين إيمانًا بأنّ الله يرى حياتنا كلّها. وحتّى عندما يأتي الموت، أي أسوأ شيء يمكن أن يحدث لإنسان، فهو لن يكون مرعبًا لأنّ الله قد غلبه

نحن نختبر غلبة المسيح على الموت كلّ يومٍ في الكنيسة. لقد دُمّر الموت بموت يسوع المسيح. وإذا كان لنا رجاءٌ في المسيح القائم، سوف نغلب الموت والفساد والمخاوف وعدم الأمان… لقد وعدنا المسيح بأن يكون معنا إلى الأبد. هو لا يطلب منّا سوى شيئًا واحدًا: أن ننقّي ذواتنا من الخطيئة. فكيف نفعل ذلك؟

طبعًا بواسطة الجهاد الذي علينا كلّنا أن نفعله: جهاد التنقية من الأهواء، جهاد الصوم، والصلاة، والمطالعة الروحيّة، والاعتراف، والاشتراك في أسرار الكنيسة، وعمل الإحسان، ومن خلال أيّ جهادٍ روحيّ ضمن طاقة الإنسان. كلّنا لدينا ضعفاتنا الخاصّة بالطبع، ولا يمكننا التغلّب على خطايانا كلّها. إنّ خلاصنا لا يشتمل على خبرةٍ بلا خطيئة، بل على توبة. يجب أن نتعلّم أن نتوب عن خطايانا وضعفاتنا. إذًا، من خلال التوبة والصلاة، ننال نعمة الله، وتصير التوبة سبب خلاص الإنسان. في النهاية، ليست الحياة التي بلا خطيئة هي التي ستخلّصنا (لا أحد منّا يعيش حياته كلّها من دون أخطاء أو خطايا). سوف نرتكب الأخطاء ونقترف الخطايا، كلّ ذلك بسبب ضعفنا. عندما نمارس جهاد محاربة الخطيئة، سندرك أنّنا لا نستطيع أن نتغلّب على كلّ شيء. وعندما نشعر بضعفنا وعدم قدرتنا على غلبة الخطيئة، سوف نحتاج إلى أن نتوب بصدق. التوبة دليلٌ على التواضع. الإنسان المتواضع تائبٌ دائمًا، ولكنّ الإنسان المتكبّر ليس تائبًا مطلقًا، لأنّ لديه فكرة مضخّمة عن نفسه، ولا يشعر بالحاجة إلى التوبة أمام الله

الصوم الكبير الذي نحن فيه الآن هو الزمن الأجمل، المملوء بالتوبة والتواضع. إذا سمعتم صلوات الصوم التي تُقرأ يوميًّا في الكنيسة، سترون أنّها مملوءةٌ بصرخة التوبة والتواضع، التي لا تقود الإنسان نحو ظلام اليأس والقنوط، بل تمنحه شجاعةً، ورجاءً، وصبرًا، ومخرجًا، ونورًا في نهاية النفق، الذي ليس سوى محبّة الله وحضوره في حياتنا

إذًا، يقول بولس الرسول: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ”. يبدو هنا وكأنّه يفصل بين الخطيئة الجسديّة والروحيّة. في الواقع، لا فرق بينهما لأنّ الإنسان حين يخطأ، يخطأ بجسده ونفسه معًا. ولكن من أجل أن ندرك كلّ وجوه الخطيئة، يفصل الرسول بينها، ويسمّيها دنس الجسد والروح. ثمّة خطايا جسديّة، أي تلك التي يقترفها الجسد، والتي نعرفها كلّنا جيّدًا ونحاربها. ولكنّ الإنسان بكليّته يخلص. على سبيل المثال، نقول إنّنا نصوم، إنّنا نمتنع عن الطعام. إنّ صومًا جسديًّا كهذا له أثرٌ مفيدٌ بلا شكّ على نفسنا أيضًا لأنّ الإنسان هو وحدة نفسٍ وجسد. إنه شيءٌ أن تتناول حساءً خفيفًا، وشيءٌ آخر أن تتناول شيش كباب. ثمّة فرق بينهما. كذلك، ثمّة فرقٌ بين الإنسان الذي يصوم وذلك الذي لا يصوم، بين الإنسان اليقظ الذي يصلّي وذلك الذي ينام عشر ساعات. كلّ حركةٍ للنفس أو الجسد لها أثرٌ على الآخر. مثلاً، تذكُّر الإساءات والحقد هو هوى روحيّ، ولكنّه يؤثّر أيضًا على الجسد. ينعكس تذكّر الإساءات على جسد الإنسان كلّه، على سلوكه، على مظهره. أمّا هيئة الإنسان النقيّ والتقيّ، فتختلف كليًّا. تنطبع تقواه على وجهه. انظروا إلى القدّيسين كم وجوههم جميلة

أتذكّر عندما جاءت إلى الجبل المقدّس مجموعةٌ من الأساتذة من تسالونيكي، كانوا سبعة أو ثمانية. كان اثنان منهم مؤمنَين، وهما اللذان نظّما الرحلة، بينما كان الآخرون للأسف غير مؤمنين بالله. وبعد أن كان هؤلاء ينظرون إلى الرهبان طول الوقت، قالوا: “إنّ حياة الراهب تستحقّ الاحترام طبعًا؛ ولكن هل فعلاً يختلفون عنّا نحن الذين لا نحيا حياةً مسيحيّة؟” أجاب أحد الأساتذة المنظّمين قائلاً: “لا أعلم إن كنتم قادرين على الاستيعاب، ولكن انظروا إلى وجوهكم وإلى وجوه الرهبان – كيف تبدون وكيف يبدون. ألا ترون حقًّا الفرق؟ ما يشعّ منّا يختلف كليًّا عمّا يشعّ من هؤلاء الناس”. وبالفعل، أنا أيضًا لاحظتُ ذلك حينئذٍ. إذا نظرتم إلى وجوه المسيحيّين الذي يجاهدون روحيًّا، سوف ترون فيها نوعًا من السلام الداخليّ الخاصّ. أمّا الإنسان المتكبّر والغاشّ والشرّير والمحبّ المال، فهيئته تختلف كليًّا. طبعًا يجب ألاّ ندين أحدًا من خلال مظهره، ولكن غالبًا ما يبثّ وجهنا حقيقتنا كلّها

عندما يجاهد الإنسان روحيًّا، يتقدّس وجوده كلّه، النفس والجسد على حدّ سواء، لأنّ الإنسان وحدة نفسيّة-جسديّة. لا يمكننا أن نقسم الإنسان ونقول هنا تنتهي النفس وهنا يبدأ الجسد. كلاّ، خذوا الخبز مثلاً. لكي تصنعوا الخبز، عليكم أن تمزجوا الطحين بالماء وتصنعوا العجينة. ثمّ حين نكون قد خبزنا الخبز، لن نستطيع بعد أن نميّز بين الماء والطحين. هما كلٌّ واحدٌ الآن. ينطبق الأمر نفسه على الجسد والنفس البشريّين. ما دام الإنسان حيًّا، يكون وحدة نفسٍ وجسدٍ لا تنفصل؛ ولهذا يكون الموت عدوّ البشريّة، إذ إنّه يدمّر هذه الوحدة. يموت الجسد وترحل النفس إلى حيث تعيش النفوس. إلاّ أنّ المسيح سوف يبيد الموت وسيقوم الإنسان من جديد. سيقوم الجسد وحده لأنّ النفس لا تموت. حينئذٍ، ستتّحد النفس والجسد من جديد. وسيصير الجسد غير فاسدٍ مثل جسد المسيح بعد قيامته. وسوف يستعيد الإنسان وحدته النفسيّة-الجسديّة

إنّ تدنيس النفس والجسد هو أيّة خطيئة يقترفها الجسد أو النفس. لنجاهد إذًا بمخافة الله من أجل تقديس نفوسنا وأجسادنا. القداسة عملٌ روحيّ. كلّ شيء يظنّ الإنسان أنّه يفعله من أجل الله، هو في الحقيقة يفعله من أجل نفسه. على سبيل المثال، نقول: “أصوم محبّةً بالمسيح”، “أعمل الإحسان من أجل المسيح”، “أذهب إلى الكنيسة من أجل المسيح”. إنّ المسيح لا يحتاج إلى هذا كلّه. إذا لم نَصُم اليوم، بماذا يؤثّر ذلك على الربّ؟ أو ماذا سينال الله حين نصنع الإحسان؟ في الحقيقة، نحن الذين سنستفيد من جرّاء أعمالنا الروحيّة، سننال بركة، سنقدّس ذواتنا. أمّا الربّ فلن ينال شيئًا من ذلك. إنّنا نجاهد من أجل أن نكون مع المسيح. نسعى لكي ننقّي ذواتنا من أجل أن نصير المكان الذي يمكن للربّ أن يأتي ويسكن فيه. يجب فقط أن نفعل كلّ هذه الجهادات بمخافة الله، لكي نحصل على النقاء الداخليّ

ما معنى “بمخافة الله”؟ غالبًا ما نقول ذلك في الكنيسة، أو نصف شخصًا بأنّه يملك مخافة الله. يجب أن نفهم أنّ مخافة الله هذه لا تشبه مطلقًا خوفنا النفسيّ، مثلاً حين نخاف من الكلاب أو القطط أو الطائرات أو الأتراك أو الكورونا. نحن لا نخاف على هذا النحو. عندما تدعو الكنيسة قائلةً: “بمخافة الله، وبإيمانٍ ومحبةٍ تقدّموا…”، لا تعني أنّنا يجب أن نصاب فورًا بالخوف والقلق، ونبدأ بالارتجاف رعبًا. مخافة الله تعني شعورنا بالإجلال، بالمهابة المقدّسة، أي الشعور بأنّ الله قدّوس، وبأنّه أبونا ويحبّنا، وبأنّه الأقدس والأثمن في العالم. وحين يشعر الإنسان بالمهابة والمحبّة والإجلال في قلبه، هذه كلّها مجتمعة تكون مخافة الله

إنّ مخافة الله أساسيّة لبناء علاقةٍ مع الله. هذا هو العمل الأهمّ في حياتنا. كيف نبني هذه العلاقة؟ من خلال حفظ الوصايا، من خلال التوبة عن خطايانا والندم عمّا فعلنا، وذلك عبر الجهاد اليوميّ، وعبر الاشتراك في الأسرار الكنسيّة المقدّسة التي هي عنصرٌ ضروريٌّ في الحياة في المسيح. بالطبع، يجب أن يفعل كلّ إنسانٍ ذلك بحسب قدرته. ثمّ بجهادنا بمخافة الله، نقتني النعمة الإلهيّة في قلوبنا

عندما كنتُ رئيس دير ماخيراس، منذ قرابة الثلاثين سنة، ذهبنا إلى مؤتمر في جورجيا نظّمته الكنيسة الأرثوذكسيّة الجورجيّة. كانت في بداية استعادتها لنشاطها بعد سنواتٍ من الاضطهاد. كلّ شيء كان مدمّرًا. وعندما هبطنا في المطار في تبيليسي، لم أصدّق أنّه مطار. بدا وكأنّنا هبطنا في حقلٍ مفتوح: كان هناك قمحٌ ينمو وأبقار ترعى في أرجائه. وكان مبنى المطار عبارة عن غرفةٍ صغيرةٍ واحدة، فيها خزانةٌ خشبيّةٌ كُتب عليها “السوق الحرّة”، حيث كانوا يعرضون للبيع جرار المربّى وغيرها من المعلّبات! كانت الحالة صعبةً جدًّا في جورجيا في ذلك الحين. وكانت الكنيسة في تراجع. كانت الكثير من الكنائس مدمَّرة، ما يشبه كثيرًا ما نراه اليوم في الأراضي القبرصيّة التي يحتلّها الأتراك. ذهبنا نهار الأحد إلى الخدمة التي يترأّسها البطريرك. إنّ البطريرك الجورجي رجلٌ قدّيس، ما زال حيًّا ولكنّه متقدّمٌ في السنّ. بحسب التقليد، يرتدي البطريرك حلّته الكهنوتيّة خلال الخدمة في وسط الكنيسة. ويساعده الشمامسة ومساعدو الشمامسة. كنتُ واقفًا هناك أراقب الاحتفال متسائلاً: “لمَ كلّ هذا؟” (مَن كان يعلم أنّ الأمر نفسه سوف يحصل لي لاحقًا (كمطران)؟). سمع أفكاري كاهنٌ راهبٌ كان يقف بقربي وقال لي:ـ

“أترى كيف يُلبسون البطريرك؟”

أجبته قائلاً: “نعم”

“أتعلم لمَ يلبسونه كذلك؟”

“لا فكرة لديّ. ألا يمكنه أن يرتدي حلّته بنفسه؟”

“أسبقَ لك أن رأيتَ كيف تجري العمليّة الجراحيّة؟”

” لم يسبق لي أن كنتُ في عملية، ولكنّني رأيتُ واحدةً على التلفاز حين كنتُ صغيرًا”

“عندما يُجري الطبيب عمليةً صعبة، حيث من الممكن أن تكون أيّة حركةٍ من قبله مميتة، لا يجول في غرفة العمليات باحثًا عن مبضعٍ وإبرٍ وغيرها من الأدوات. هو فقط يرفع يده ويجب أن يفهم معاونوه ما الذي يحتاجه، أو في أقصى الحالات قد يقول رقم الأداة. يجب أن يركّز الطبيب كليًّا على العمليّة. والأمر نفسه ينطبق على الكاهن أو الأسقف حين يقيم القدّاس الإلهي – يجب ألاّ يتشتّت بما سيرتدي أو بأيّ شيء آخر. ولهذا يدعى الشمامسة شمامسة (المعنى في اليونانية “خادم” أو “معاون”)، إذ إنّهم يخدمون الأسقف ويساعدونه، حتّى يتمكّن من تكريس نفسه بالكليّة للصلاة والقداس الإلهي من دون تشتّت

يقول بولس الرسول نفسه لنا: “تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ” (في 2: 12). ويعني ذلك أنّ علينا أن نتمّ خلاصنا، وعلاقتنا بالله، وعملنا الروحيّ كلّه بخوفٍ وارتجاف. لا نفعلنّه بعجلةٍ أو تهاون، ولا كنوعٍ من النشاط الجانبيّ، بل بوصفه أهمّ أمرٍ في حياتنا. على سبيل المثال، عندما نقود سيّارة، نثبّت عينينا على الطريق، ولكن ما إن نبدأ بالنظر إلى جانب الطريق حتّى يحصل حادث. يجدر بنا أن نسلك طريق الله على النحو ذاته، مرتقين إلى القداسة بمخافة الله

الأخطر من الكورونا

الأخطر من الكورونا

الخورية د. أفيانيا كونستانتينو[1]

نقلتها إلى العربية اسرة التراث الأرثوذكسي

في مقالته بتاريخ 25 أيار 2020 ، “حول ملعقة المناولة المشتركة” [2]، حاول الأب ألكيفياديس كاليفاس تقديم بعض المبررات للتخلّص من استخدام الملعقة المشتركة في المناولة المقدسة. ما قدّمه في نهاية المطاف كان قِيَم العالم أو منطق المسيحية الغربية تحت عباءة اللاهوت الأرثوذكسي

لطالما كانت الأرثوذكسية مَرِنة، لكنها كانت أيضًا لا تهاود في بعض المجالات، بما في ذلك معتقدنا الأساسي حول المناولة والفكر الأرثوذكسي، أي عقليتنا التي تختلف عن عقلية كل الجماعات المسيحية الأخرى. استخدم كاتب المقالة أمثلة معزولة من الممارسات التاريخية الماضية والحجج العقلانية لتبرير عدم استعمال ملعقة المناولة المشتركة. ولكن نفس الحجج يمكن استخدامها لتبرير أو عقلنة القضاء على كل الممارسات التقليدية والمواقف الأخلاقية للكنيسة. يوجد تهديد أكبر من فيروس الكوفيد 19: تقويض قناعاتنا والإضرار بالإيمان. ما نحتاجه من رؤساء كهنتنا وكهنتنا في هذه اللحظة هو القيادة الروحية، بدلاً من تقديم الحجج “المنطقية” التي تخضع لـ”عبودية فكرنا البشري”، كما تنص صلاة المناولة إلى والدة الإله

نحن نعلم أن في الأصل كان جميع المؤمنين يأخذون الجسد يأيديهم ويشربون الدم مباشرة من الكأس المشتركة. اقترحت المقالة أنه نظرًا لأن استخدام الملعقة المشتركة لم يكن دائمًا ممارسة الكنيسة الوحيدة، يمكن للكنيسة المحلية أن تقرر بمبادرة منها استبدال بعض الممارسات الأخرى. وأشارت المقالة إلى أن استخدام الملعقة قد بدأ منذ حوالي ألف سنة لحماية جسد الرب المقدس الغالي من السقوط من يد المؤمنين عن لا مبالاة ولتسهيل المناولة من العنصرين عندما يقيم السرّ كاهن واحد. من المهم أن ندرك الأساس المنطقي لإدخال الملعقة المشتركة: فهي تحمي السر من التدنيس وتسهّل توزيعه. هذا التغيير عزز في أذهان المؤمنين القدسية الفائقة للقرابين. لكن هذه الأساليب الجديدة المقترحة كبدائل محتملة للملعقة المشتركة – كالملاعق المتعددة أو ذات الاستعمال لمرة واحدة – لا تتبع تلك العقلية على الإطلاق. وبدلاً من ذلك، يتم اقتراحها للتخفيف من المخاوف بين بعض العلمانيين، وهذا سيؤثر بالفعل سلباً على المؤمنين من خلال تأكيد مخاوفهم من أن المناولة المقدسة يمكن أن تنقل المرض. لطالما اعتبرت الكنيسة أن المناولة المقدسة لا يمكن أن تكون مصدر المرض أبدًا، وتقويض هذا الاعتقاد الأساسي هو أكثر خطورة وأكثر فتكًا من الكوفيد 19، لأن تنمية هذه الشكوك تؤثر على خلاصنا الأبدي. إن الشرير يرقص فرحاً لأنه بالإيحاء بأن المناولة قد تنقل المرض من خلال الملعقة، تكون الكنيسة نفسها تغرس الشك الذي سوف ينمّيه الشيطان ويسعى بفارغ الصبر إلى مدّه إلى نواحٍ أخرى من الإيمان

وأشار المقال إلى أن القانون 101 من المجمع البنثكتي (الخامس-السادس) منع المؤمنين من إحضار أوعية ذهبية صغيرة للمناولة بدلاً من أخذها مباشرة على أيديهم. اعتقد الناس أنهم كانوا يحترمون القرابين عن طريق وضعها على مادة “ثمينة” مثل الذهب. نهى القانون عن هذه الممارسة، ليس لأن المجمع كان يؤكد أنه لا ينبغي لنا استخدام ملعقة أو أي “أداة” أخرى. كانت الفكرة من وراء القانون التأكيد على أنه لا يوجد شيء أغلى، أو وعاء أكثر جدارة بالمناولة المقدسة، من الإنسان. لا يُكرَّم المسيح بذهبِنا أو ملاعقِنا بل باستقباله بالسلوك الصحيح، “بخوف الله وإيمان ومحبة” كما تذكّرنا الدعوة بالكأس

أكد القانون قيمة الإنسان الفائقة. بالنسبة لنا أصبح الله بالفعل إنسانًا، وبالتالي لا يمكن أن تكون المناولة المقدسة عاملًا للمرض، سواء تمّت المناولة بالملعقة، أو في اليد ، أو مباشرة من الكأس. أصبح الله إنساناً – ليس فقط ليموت على الصليب أو يقوم من بين الأموات. أصبح إنسانًا ليصير لحمًا ودمًا حتى نتمكن من استقبال جسده ودمه جسديًا. من سابع المستحيلات، أن نمرض عن طريق المناولة نفسها أو من خلال الأداة التي نتناول بها. عندما أصبح الله إنساناً، قدّس طبيعتنا البشرية بتوحيدها مع طبيعته الإلهية. إلوهيته لم تتغيّر باتحاده مع الإنسانية. كيف إذاً لا تتقدّس الملعقة التي تناول المؤمنين؟ إذا كنا نحن البشر، مع ذنوبنا وإخفاقاتنا، نتقدّس بالمناولة، فكيف لا تتقدّس الملعقة وهي شيء جامد بدون ذنوب وكيف تكون عاملاً للمرض؟

يصوّر المقال الذين يدافعون عن الإيمان الأرثوذكسي، بتمسكهم بالملعقة المشتركة، على أنهم غير حساسين. ويصفهم بأنهم “رافضون” وينشرون “جواً من التعالي” لأننا نصر على أن المناولة لا يمكنها نقل المرض لأنها “دواء الخلود”. يعترف الأب كاليفاس بأنه “قد يكون صحيحاً” أن المناولة لا يمكنها نقل المرض، ولكن “دواء الخلود” وعبارات مماثلة “ليست كافية لتهدئة مخاوف وهموم” بعض الناس. لكن هذه ليست تصريحات حديثة لأوغاد يمارسون “جواً من التعالي”. مثل هذه التصريحات هي ما علّمته الكنيسة والكتب المقدسة والآباء والقديسون دائمًا وما تعلنه ترانيم المناولة: “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب”، “جسد المسيح خذوا. وطعم ينبوع الحياة الأبدية”، “كأس الخلاص أقبل وباسم الرب أدعو”. إن تراتيل المناولة ليست مجرد أحاسيس شعرية يمكن تجاهلها كأنها لا معنى لها لأن بعض الناس خائفون. لقد تمّ برهان صحة تأكيدنا على أن المناولة المقدسة لا يمكن أن تكون أبداً وسيلة لنقل الأمراض، بغض النظر عن الطريقة التي تتمّ بها، من خلال تاريخ الكنيسة البالغ ألفي عام. هذا ما يتم “استبعاده” هنا! ما الذي يجب أن تشجعه الكنيسة؟ على ماذا يجب أن تبني الكنيسة موقفها: على الايمان أو الكفر؟ على التقليد المقدس أو الخوف الإنساني؟

لسوء الحظ، يقترح الأب كاليفاس أن المناولة يمكن أن تنقل المرض، “كما لو كان فعل المناولة خالٍ من … ’حدود النظام المخلوق’”. يعبّر المقال عن تعاطفه مع الأشخاص الذين لا يريدون أن يتعرضوا لـ “مخاطر لا داعٍ لها” وأن “الناس يريدون أن يشعروا بالأمان والاستماع إلى الكنيسة وحمايتها”. الخوف البشري حقيقي ويجب أن نكون حساسين تجاه مخاوف الناس. تهتمّ الكنيسة دائمًا بالمؤمنين وترغب في حمايتهم. أغلقت الكنائس لأسابيع ونحن مستمرون في اتباع ممارسات النظافة الصحية، كارتداء الأقنعة والتباعد الاجتماعي، لكن الكنيسة لن تبدد كل المخاوف لذا لا ينبغي أن نساوم على إيماننا المقدس في محاولة خاطئة للقيام بذلك

يحاول المقال التمييز بين السرّ نفسه والطريقة التي يتمّ بها، مما يشير إلى أنه لا يمكن للمريض أن يمرض من السرّ بل من الملعقة. هل نعتقد أن مَن أفرغ الجحيم من الموتى غير قادر على السيطرة على الفيروس لأنه على ملعقة؟ ما هذا الهراء! سواء تناولناه على ملعقة مشتركة أم لا، فإن سر الكنيسة الأكثر قدسية لا يمكن أن يكون أبداً وسيلة للمرض. عند تأسيس الإفخارستيا، كان المسيح على دراية بالتأكيد بالفيروسات والجراثيم. كان يعلم أنه سيكون هناك وباء في المستقبل، ولكن مع ذلك، فإن الرب إذ يبدو متهوراً، غير محبٍّ أو مهتمّ للإنسانية، وضد كل التوجيهات العلمية أو الفكر العقلاني، تجرأ على تمرير كأس مشترك! هكذا كان المسيحيون يتناولون السر لمئات السنين قبل استخدام الملعقة المشتركة: من كأس واحد

بعد أن يتلقى المؤمنون القرابين المقدسة، يتناول الكاهن ما تبقى في الكأس. أشار الأب كاليفاس إلى أنه تناول القرابين المتبقية آلاف المرات خلال أكثر من ستين عامًا ككاهن. بهذا قوّض حجته: لم يمرض أبداً من هذه الممارسة على الرغم من أنه استهلك الكأس بعد مناولة الآلاف من الناس بملعقة مشتركة. في الواقع، لم يوجد ولا حالة واحدة يمكن أن يثبت فيها إنسان أنه أصيب بأي مرض من المناولة المقدسة. في مناسبات قليلة، شاهدتُ زوجي يلعق أرض الكنيسة عندما كانت تسقط قطرة عن غير قصد. لقد رأيته حتى وهو يمتص قطرة من المناولة بقوة من السجادة إذ كانت أرضية الكنيسة مغطاة بالسجاد، حيث مرّت مئات الأحذية الآتية من عالم مليء بالجراثيم. تخيلوا ذلك! الكاهن، بثيابه، على ركبتيه، يمتص السجادة أو يلعق القرابين عن أرضية صلبة. لم يمرض أبداً. هذا ليس مجرد عمل تقوى عاطفي بل عمل إيمان وتوقير، إيمان نحتاج إلى رعايته ودعمه في هذا الوقت، وليس البحث عن إجراءات بديلة من شأنها تقويضه

ظهرت هذه المسألة منذ وقت ليس ببعيد خلال الثمانينيات عندما أثيرت مخاوف بشأن إمكانية انتقال فيروس الإيدز. أتذكر المناقشات التي أجريناها في الكنيسة في ذلك الوقت. أتذكر محاضرات أخصائيي الأوبئة الذين بحثوا في مسألة ما إذا كان من المعروف أن المناولة المقدسة تنقل الأمراض من قبل: قالوا أن ذلك لم يحدث من قبل. لم نكن نعرف سوى القليل عن الإيدز وكان قاتلاً بنسبة 100٪ في ذلك الوقت. كان لدى الجميع مخاوف، لكن أحداً لم يستبعد الملعقة المشتركة بحجة أن الناس كانوا خائفين. كم تضاءل إيماننا ونما موقفنا الدهري منذ ذلك الوقت! إذا كان قرارنا سيعتمد على النظافة أو العلوم، فلماذا لم يتم الاستشهاد بالدراسات العلمية؟ لا، بدلاً من ذلك، نردّ ونعمل بخوف. صاحب السيادة نيكولاوس خادزينيكولاو مطران ميسوغيا ولافريوتيكي (اليونان)، وهو عالم متقدّم من جامعتي هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومؤسس لمعهد أخلاقيات علم الحياة في أثينا، نشر توجيهاً أسقفياً للكنيسة يقول إن المناولة لا يمكنها نقل المرض. لقد لاحظ بشكل ذكي أن الخطر الحقيقي في عالم اليوم ليس العدوى بل “فيروس قلة الورع ونقص الإيمان”

إن الأب كاليفاس مخطئ إذ يكتب أن “الكنيسة المحلية في حكمتها وسلطة الجماعة فيها لها الحرية في التكيّف وتعديل وإدارة الطريقة التي تتمّ بها المناولة المقدسة.” من المناقض للعقلية الأرثوذكسية أن كنيسة محلية واحدة بمبادرة منها تحدِث تغييراً في مسألة مهمة كالمناولة المقدسة عن طريق استبدال الممارسة الثابتة في الكنيسة في كل أنحاء العالم لمئات سنوات [تظهر العقلية الأرثوذكسية في تبادل الرسائل الذي باشره بطريرك القسنطينية وأصدر في نهايته رسالة أكّد فيها عدم تغيير طريقة المناولة: المترجم]

يسخر المقال من الذين يتمسّكون بالملعقة المشتركة كرد فعل على “القلق” من “التغيير”. لنتذكر أن إيمان المسيحيين الأرثوذكس العاديين البسيط هو الذي حافظ على الكنيسة وحفظ الإيمان حتى عندما كان معظم الناس شبه أميين. في كثير من الأحيان، كان اللاهوتيون والأساقفة في الجانب الخطأ من التاريخ. إن موقف “التعالي” الذي تهاجمه المقالة موجود لدى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم “متعلمين” و “علميين” وأكثر دراية من بقيتنا، الذين يصِلون إلى تفسيرات متذاكية لتبرير موقفهم. “وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ” (رو 1: 22). إن الذين يعارضون الاستغناء عن الملعقة المشتركة لا يشعرون بـ “القلق” من التغيير بل هم قلقون من فقدان عقليتنا الأرثوذكسية التي لا تقدّر بثمن، والتزامنا التقاليد الذي حافظ على إيماننا لأجيال من عدد لا يحصى من الأخطار وهجومات من أعداء لا حصر لهم. هل نكون نحن من يقوّض إيماننا بدلاً من الاعتراف بأن هذه اللحظة هي اختبار لإيماننا؟ واجه أجدادنا وأمهاتنا مخاطر لا حصر لها، بما في ذلك التعذيب والاستشهاد بدلاً من إنكار المسيح، فهل ننكره باتهامه بترك الكنيسة تستخدم أداة – الملعقة – من شأنها أن تجلب لنا المرض؟

يؤكد المقال على أن استبدال الملعقة المشتركة مقبول لأن استخدامها هو مجرد ممارسة وليس انتهاكًا لعقيدة الكنيسة المقدسة. لكن هذا غير صحيح. ليس التغيير بحد ذاته انتهاكاً للعقيدة بل سبب التغيير هو الانتهاك. إن اقتراح أن يصاب المرء بالمرض من المناولة المقدسة والسامية هو في الواقع انتهاك لعقيدة الكنيسة المقدسة على مستوى شامل وعميق. إن التأكيد على أن الملعقة المشتركة “ليست عقائدية” يكشف عن السطحية التي تتمّ بها معالجة هذه القضية

إن تغيير الملعقة المشتركة لن يكون بمثابة إدلاء ببيان عقائدي حول طبيعة المناولة المقدسة نفسها وحسب بل حول ما تمثله الملعقة المشتركة وهو أيضًا عقائدي، وهذا ما ينبغي أن يعرفه عالم الليتورجيا. هناك سبب لاهوتي للملعقة واحدة: فهي توحدنا بنفس الطريقة التي تحققها الكأس المشترك والخبز المشترك. فبينما قال الأب كاليفاس أن تغيير هذه الممارسة لا ينتهك أي “عقائد”، إلا أنه في الحقيقة ينتهك الممارسة الإفخارستية الأساسية في الأرثوذكسية والتي تعبّر عن وحدة الكنيسة: خبز واحد، كأس واحد، مذبح واحد، ليتورجيا واحدة، رب واحد، إيمان واحد ومعمودية واحدة

ذكرت المقالة أن الملعقة هي “أداة مادية ناقصة… لا تشترك في عدم قابلية جسد المسيح للفساد”. من البديهي أن الملعقة لا تساوي جسد المسيح ولا هي غير قابلة للفساد. لكنها ليست مجرد “إناء”، “كرامته مشتقة من استخدامه” في المناولة، كما وَرَد. إنها الوسيلة التي تُعطى بها المناولة للمؤمنين. قوانين الرسل 72 و 73 من 85 تحظّر بشدة بيع أو صهر الأشياء أو الأقمشة الليتورجية المقدسة وتحظّر استعمال أشياء الكنيسة في الاستخدام الدنيوي. هذا الأمر مستنكَر على أنه “انتهاك” في القوانين وجزاؤه القطع (الحَرم). لماذا يكون تدنيس الملعقة “انتهاكاً” إذا كانت الملعقة مجرد “أداة” ذات “كرامة”؟ لقد أصبح أداة مقدسة، وبهذه الصفة نتقبّل أنها لن تنقل المرض أبدًا

قال القديس يوحنا الذهبي الفم في العظة 25 حول إنجيل يوحنا: “لأنه لا شيء أسوأ من إحالة الأشياء الروحية إلى المنطق البشري… نحن أنفسنا نُدعى ’مؤمنين’ لهذا السبب بالتحديد: لكي نضع جانباً ضعف المنطق البشري، فنصل إلى سمو الإيمان، فنولي الجزء الأكبر من خيرنا لتعليم الإيمان”

لم تتخذ الكنيسة يوماً قرارات على أساس الخوف، بل على أساس الإيمان فقط. ولا تتخذ الكنيسة أيضًا قرارات أو تتوصل إلى استنتاجات لاهوتية قائمة على المنطق البشري. لذا دعونا نتّبع خط المنطق البشري الذي يوظفه الأب كاليفاس ونرَ إلى أين سيأخذنا في النهاية. يتناول الكهنة والأساقفة والشمامسة من الكأس قبل مناولة المؤمنين. يضاف الماء إلى النبيذ مرتين – مرة خلال التقدمة ومرة خلال القداس الإلهي. هل يبقى في الكأس ما يكفي من الكحول لقتل الفيروس بعد إضافة الماء؟ هل سنبدأ بالتوجّس من هذا الخوف أيضًا؟ عند أي نقطة لن نبقى مرتاحين لذلك؟ يتناول الكاهن أيضًا من الكأس مباشرة قبل أن يقدمها إلى الجماعة. عند أي نقطة سنتوجّس من المناولة من نفس الكأس التي تناول منها الكاهن ونستسلم لهذا الخوف؟ هل ينبغي أن يكون لدينا كؤوس منفصلة للجميع؟ هذا تفكير مثير للسخرية، لكنه امتداد منطقي للحجج المقدمة لرفض الملعقة المشتركة. أصيب عدد من الكهنة الأرثوذكس بفيروس كورونا. هل أصيب أي من المؤمنين الذين تناولوا من الكأس نفسها بعد أن أُصيب هؤلاء الكهنة بالفيروس؟ بالتأكيد لا

علّق القديس غريغوريوس اللاهوتي على المساومة على الإيمان ليتوافق مع قيم هذا العالم: “لأننا لسنا كالكثيرين المستعدين لتخريب كلمة الحق ومزج الخمر التي تفرح قلب الإنسان بالماء، أي مزج عقيدتنا مع الرخيص والرائج والمزغول والمبتَذَل والصليف (لا طعم له: المترجم) لكي نحوّل الخداع إلى مصلحتنا… ولكي نكسب رضا الجمهور، مجرّحين على درجة عالية لا بلّ مخربين ذواتنا ومريقين دمَ النفوس البسيطة البريء الذي سوف يُطلَب من أيدينا” (العظات 46:2)

سنموت جميعاً موتاً جسدياً، لكن هل سنموت طوعاً الموت الثاني أي موت الروح؟ ليس الكورونا مرضًا مميتًا جدًا مقارنة بالأمراض الرهيبة التي أصابت البشرية في الماضي. نحن لم نساوم على إيماننا في الأوقات الصعبة حتى عندما كانت تلك الأمراض أكثر فتكًا ولم يكن لدينا أدوية حديثة كما لدينا اليوم للمساعدة في تهدئة مخاوفنا وشفائنا. يا لها من مفارقة! الآن لدينا الطب الحديث للمساعدة في علاجنا وإطالة حياتنا جسديًا، وهذا ليس عزاءً. لا يمكن للتقدم الطبي والعلمي أن يساعد عللنا الروحية لأن لدينا الآن المزيد من الشك والخوف. هناك شيء أسوأ من فيروس كورونا: غرس الشك بين المؤمنين بإفساد صوت الكنيسة. حتى أصغر اقتراح بأن الأسرار المقدسة يمكن أن تجلب المرض، هو تشويه رهيب للإيمان الأرثوذكسي وقد يؤثّر على الخلاص الأبدي لعدد لا يحصى من الأرواح البريئة

كتب الرسول بولس إلى الكورنثيين عن المناولة المقدسة مذكّراً إياهم بما علمّهم حول الطابع المقدس للإفخارستيا. لم يكونوا ورعين خلال الخدمة الإلهية، “غير مميزين جسد الرب”، وبالتالي كانوا يتناولون”بدون استحقاق”. لذا كتب: “مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ” (1 كو 30:11). هذا قول مدهش! إذا كان المرء يمكن أن يمرض أو يموت حتى بسبب عدم تمييز الجسد والدم، فماذا يقول ذلك عنا وعن وضعنا، ونقص إيماننا، ومخاوفنا؟ كل “الملاعق التي يمكن التخلص منها” أو “الملاعق المتعددة” أو طرق أخرى لا تعني شيئًا إذا بقيت إمكانية الإصابة بالمرض قائمة. إن موقفنا ذاته يثبت عدم استحقاقنا للمناولة

مَن كان خائفًا لا يتناولْ. لا يليق أن نسعى للتخفيف من “مخاوف” البعض بإيهان إيمان عدد لا يحصى من الآخرين. تغيير الممارسة الكنيسة في كل العالم منذ مئات السنين هو إدخال لفيروس أكثر سوءاً بكثير: التوافق مع عقلية “العالم”. اليوم لدينا فيروس كورونا. غداً سيكون هناك مرض آخر أو عذر آخر لتمويه الإيمان. لقد نجت الكنيسة من عدد كبير من الأوبئة. الخوف يأتي من ضعفنا وسقوطنا وانكسارنا التي تتواجد الكنيسة والأسرار المقدسة لشفائها وليس لإدامتها

فليرحمنا الثالوث القدوس وينيرنا

الخورية الدكتور في اللاهوت أفيانيا كونستانتينو هي حاليًا أستاذة العهد الجديد والمسيحية الأولى في جامعة سان دييغو والكلية الفرنسيسكانية للاهوت في سان دييغو وكلية القديسين أثناسيوس وكيرللس القبطية للاهوت في أنهايم، كاليفورنيا. سبق لها أن علّمت في معهد الصليب المقدس اللاهوتي في بوستن ومعهد البطريرك أثيناغوراس الأرثوذكسي. هي معروفة لدى آلاف المستمعين بـِ”دكتور جيني” إذ على مدى أكثر من اثني عشر عامًا هي تبثّ برنامجاً إذاعياً في “إذاعة الكتاب المقدس”، وتستضيف أيضًا بثًا صوتيًا مباشرًا أسبوعيًا “ابحث في الكتاب المقدس مباشرة!”. لها عدة كتب من أهمها “التفكير الأرثوذكسي، حول مهمة اللاهوت وعلم الكنيسة”. هي خورية الأب كوستاس كوستانتينو وهو كاهن أرثوذكسي تقاعد بعد أربعين عامًا من الخدمة

كتب المتقدّم في الكهنة الأب ألكيفياذيس كاليفاس، وهو أستاذ شرف في مادة الليتورجيا، مقالاً بعنوان “ملحوظة حول ملعقة المناولة المشتركة” يبرر فيه قرار الميتروبوليت البيذوفوروس استعمال ملاعق ممكن التخلص منها في المناولة، لكل مؤمن ملعقة. هذا القرار أثار اعتراضات الأساقفة اليونان الآخرين الذين كتبوا رسائل رفض للالتزام بقرار الميتروبوليت والتزام بالممارسة الكنسية المعتَمَدة في كل العالم. تعليق الخورية آفيانيا على مقال الأب كاليفاس في هذا المقال، ممتاز إذ يجمع الللاهوت والرعائيات في نص واحد، وهو يجيب على كل ما كُتِب من الفذلكات التي ضجّت بها وسائل التواصل الاجتماعي

مقالة الأب كاليفاس موجودة على هذا الرابط

https://www.goarch.org/-/a-note-on-the-common-communion-spoon–2020

الأبوة الروحية

الأبوة الروحية

المتقدّم في الكهنة باسيليوس كالياكمانيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

1. مدخل

في هذه الأيام، عندما نتحدث عن أب روحي، فإننا نعني عادةً كاهناً معرّفاً. ولكن في تقليد الكنيسة، فإن معنى الأبوة الروحية أوسع بكثير. الله وحده هو الآب [1]. المسيح، الذي هو ابن الله، يظهر أيضًا كأبينا، بإظهار محبة الآب للعالم. إن المسيح بصفته الأبوية أكثر وضوحا عند الصعود. لقد هجس تلاميذه باليتم الروحي وغمرهم ألم لا يوصف. لكن الرب لا يتركهم يتامى، بل أرسل الروح القدس، الذي يقودهم إلى “كل الحق” [2]

بالروح القدس، ولد الرسل أولاداً روحdين ونقلوا مواهبهم إلى الأساقفة، الذين نقلوها بدورهم إلى خلفائهم. نسمّي العديد من هؤلاء آباءً. الكنيسة الأرثوذكسية رسولية، لكنها أيضًا كنيسة الآباء [3]. في الآونة الأخيرة، لم يستخدم مصطلح “الأب الروحي” كثيرًا بمعنى شخص مستنير بالروح القدس، يساهم في تنمية النعمة ويؤسس الحياة الروحية للمسيحيين في شخص المسيح. عادة، يُنظر إلى الأب الروحي على أنه دليل للسلوك الخارجي، أو مستشار، أو “طبيب نفساني ديني”، أو وصي على القوانين والشرائع، أو مجرد معترف يمنح مغفرة الخطايا

2. الأبوة الروحية

ولكن فلننظر إلى المعنى الأعمق للأبوة الروحية، في التقليد الإنجيلي الكنسي. يكتب القديس بولس: “وأِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ” [4]. في نقطة أخرى يشدد: “يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ” [5]. إذًا، يلد القديس بولس الأولاد بالإنجيل وبألم يرى المسيح يتكوّن في الإنسان

بحسب قوانين الرسل (القرن الرابع) أن الله يمنح التبني الإلهي عِبر الأساقفة. لهذا السبب، ينبغي محبة الآباء الروحيين كمحسنين وسفراء لدى الله، إذ هم أعادوا تكوينكم بالماء [المعمودية]، وأشبعوكم بملء الروح القدس [الميرون ووضع الأيدي]، وأطعموكم بالكلمة كما بالحليب، وغذّوكم بالعقيدة [التعليم]، وثبّتوكم بوصاياهم [التعليم الشخصي]، ونقلوا إليكم جسد المسيح المخلص ودمه الثمين، وحلّوكم من خطاياكم [التوبة والغفران]، وجعلوكم شركاء في الإفخارستيا الإلهية المقدسة [الشركة] “[6]

نجد مواقف مشابهة في نصوص إغناطيوس الأنطاكي. لذا ينسب كل من النص الرسولي وما بعد الرسولي الطابع الكنسي إلى الأبوة الروحية. الأسقف هو “صورة الآب” [7]. إنه ليس مسؤولاً فقط عن “ربط الخطايا وحلّها”، ولكنه يعيد التوليد بالمعمودية؛ يغذّي بتعليمه ووعظه؛ ويقدم سر الافخارستيا. في تلك السنوات، كانت التوبة، في الغالب، تسبق المعمودية

يمكننا أن نرى تطورًا متناسبًا للأبوة الروحية ترافق مع ازدهار الرهبنة. صارت تُستخدَم كلمة “أبّا” المأخوذة من اللغة السنسكريتية والتي كانت تعبّر عن العلاقة الجديدة بين المسيحيين والله، بالاقتران مع مصطلح “الشيخ”، خاصةً للنساك والرهبان أصحاب الموهبة. في التقليد الرهباني، “الأب” هو راهب اقتنى التمييز، يتعلّم من الله، هو شيخ ، أبّا، أو ستاريتز. هو شخص أُعطي الاستنارة الإلهية والتمجيد من خلال التطهّر. لا تنبع هذه الأبوة من أي وظيفة تراتبية بل هي مواهبية وبالعادةِ ذات طبيعة شخصية. إلى هذا، تتطوّر هذه الموهبة داخل الكنيسة. ليس غريباً أن يتوجه الأساقفة إلى هؤلاء الرهبان لطلب مساعدتهم ونصيحتهم [8]. وينطبق الشيء نفسه على النساء اللواتي كنّ أمهات في البريّة متميّزات بمواهبهن الروحية. لقد ساعد سكان الصحراء الآخرين على سلوك حياة في المسيح وكانوا يُعرَفون بـ “أبّا” أو “أمّا”

في القرن الرابع كان البعض يعتقدون أن الأسقف والكاهن متساويين من جهة الأبوة الروحية. في الرد على هذا الوهم وإدانته، كتب إبيفانيوس القبرصي أن “رتبة” الأسقف هي “نظام تولّيد الآباء”. الأسقف مكرّس، “لأنه يولد في الكنيسة”، في حين أن تكليف الكاهن، حيث أنه لا يستطيع أن يلد الآباء، هو “توليد أبناءً للكنيسة بإعادة الولادة في الجرن”[10]. وبعبارة أخرى، الكهنة يعمّدون المسيحيين ويجعلونهم أبناء الله. في ظروف استثنائية، كأثناء اضطهاد ديسيوس، أدخَل الأساقفة عملية “التوبة إلى كاهن” (عن الخطايا العقائدية، كالارتداد، والتي تُحال إلى الأسقف في الظروف العادية] مع أن هذا سقط من الممارسة بعد ذلك

يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث (956-1036) أن السلطة الروحية للربط والحلّ أعطاها الرسل القديسون أولاً إلى الأساقفة. مع مرور الوقت، انتقلت من الأساقفة إلى الكهنة الذين تميزوا بقداسة حياتهم، وبعد ذلك، إلى الرهبان. عاملان مهمّان ساهما في انتقال النعمة إلى الرهبان: أولاً، الانتشار السريع للمسيحية وازدياد عدد المسيحيين. وثانياً، التراجع والتهاون في حياة الأساقفة والكهنة. ولكن بحسب القديس سمعان، فإن المرض نفسه أصاب الرهبان وأصبحوا “إجمالاً رهبانًا غير رهبانيين”[11]. إن الانتقاد القاسي من جانب القديس سمعان اللاهوتي الحديث وأوساط تلاميذه لا يعني أي تحدًّ أو انتقاص للبعد المؤسسي للكنيسة. الهدف منه كان تجديد الحياة الرهبانية وحياة الكنيسة بشكل عام، وتنمية الأبوة الروحية كما يمنحها الروح القدس

مواقف القديس سمعان اللاهوتي الحديث حول قدرة الرهبان على ممارسة الأبوة الروحية تعرّضت للانتقاد، خاصةً فيما يتعلق بـالربط والحلّ. وهكذا، بعد قرن من الزمان، وضع فالسامون [ثيودوروس فالسامون، بطريرك أنطاكية وأحد أوائل الخبراء البيزنطييين بالشرع الكنسي] تمييزاً واضحاً بين الرهبان الذين يستمعون إلى أفكار الآخرين من ناحية ويقدّمون الإرشاد، ومن ناحية أخرى سلطة حلّ الخطايا، التي يمنحها الأساقفة فقط للكهنة المأذون لهم [12]. سمعان التسالونيكي (1429) كان أكثر صرامة: “إلى هذا، لا ينبغي منح رتبة الأبوة الروحية للرهبان العاديين غير المُسامين. هذا لأن الأمر مقدس لدرجة أن القوانين تحدد أنها مهمة خاصة بالأساقفة، وليس الكهنة. يمارس الكهنة هذا الخدمة عند الضرورة فقط وعندما لا يكون الأسقف حاضرًا بل غائباً. في الواقع، يجب إحالة أكبر الخطايا، أي إنكار الإيمان والقتل وتعدّي الكهنة، إلى الأسقف، وكذلك كل ما هو خارج معرفة المعرّف. يجب أن يتمّ كل شيء بموافقة الأسقف، لأن التوبة تقع ضمن مجاله الخاص، أي مجال الأسقف. هذا واضح من نشر رسالة وعظية “[13]

على الرغم من ذلك، تشدد مجموعة القوانين البدائية من زمن الحكم التركي على الأساقفة أن يصدروا كتب تفويض للرهبان للقيام بخدمة الأب الروحي. يختلف القديس نيقوديموس الأثوسي مع وجهة النظر أعلاه. مستشهدًا بالتقليد الكنسي السابق، فيكتب ما يلي: “لا ينبغي أن يعترف العلمانيون عند الرهبان، ولا الراهبات، لأن هذا يتعارض مع القوانين” [14]. إلى جانب ذلك، يشير “دليل الاعتراف” الذي وضعه القديس نيقوديموس بشكل مفصّل إلى مهمة الأب الروحي، في ما يتعلق بالامتثال للقوانين المقدسة وتطبيقها. يجب الاضطلاع بممارسة الأبوة الروحية وممارستها فقط من قبل أولئك الذين بلغوا اللاهوى من خلال جهادات النسك. هذه هي السياسة الصارمة في الكنيسة. ولكن في الوقت نفسه، لأن القديس نيقوديموس يعرف احتياجات عصره وأوجه قُصوره، يوصي الأساقفة على الأقل بتكليف الكهنة الأكثر خبرة من كبار السن وجعلهم آباء روحيين، لأنهم، بسبب العمر، أكثر خبرة في المعرفة وبطريقة ما قد روّضوا الأهواء”[15]. إنه لا يستبعد الكهنة الأصغر سنا إذا كانوا فاضلين وقد اقتنوا فكر الشيوخ. حتى أنه يطرح فكرة أن “إلى جانب الكهنة المتبتّلين وغير المتزوجين، فإن المتزوجين الذين يستحقون ذلك” يجب أن يصيروا آباء روحيين [16]

[1] “وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (متى 9:23)

[2] أنظر يوحنا 13:16

[3] أنظر جورج فلوروفسكي: “الكتاب المقدس والتقليد: نظرة أرثوذكسية”

[4] 1كورنثوس 14:4

[5] غلاطية 19:4

[6] قوانين الرسل 33:2

[7] إغناطيوس الأنطاكي، الرسالة إلى أهل مغنيسية، 1،6، PG 5, 669AB؛ إلى تراليان 3، PG 5, 677AB

[8] P. Evdokimoff, Le monachisme intériorisé.

[9] Palladios, Lausaic History, vol. 1

[10] Against Heresies, 3, 1 55, 4 PG 42, 508CD

[11] V. Christoforidis, Ἡ πνευματικὴ πατρότης κατὰ Συμεὼν τὸν Νέον Θεολόγον, Thessaloniki 1977, pp. 52-53.

[12] Ibid, p. 57.

[13] On Repentance [Περὶ μετανοίας, μτφρ. Ἰ. Φουντούλη, Τὸ ἱερὸν μυστήριον τῆς μετανοίας, Εἰσηγήσεις-Πορίσματα Ἱερατικοῦ Συνεδρίου τῆς Ἱερᾶς Μητροπόλεως Δράμας ἔτους 2002, Drama 2002, p. 407].

[14] البيذاليون [Πηδάλιον, p. 313].

[15] دليل الاعتراف، ص. 12

[16] Ibid, p. 13.

حقيقة الله: أهمية اكتشاف الله شخصياً

حقيقة الله: أهمية اكتشاف الله شخصياً

الشيخ تريفن

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

قبل بضع سنوات، وصلت إلى الدير امرأة تجرّ معها ابنها البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا تقريبًا. كانت مستاءة لأن ابنها أعلن أنه ملحد وكانت تخشى أنه في خطر التعرض للعقاب الأبدي. جلستُ مع الصبي وقلت له أن على كل واحد منا أن يتعرّف على حقيقة الله بنفسه. قلت له إن الشك في وجود الله هو جزء من بناء علاقة شخصية معه. إذا مررنا ببساطة عبر الأفكار دون البحث عن علاقة حقيقية، فقد نكون أيضًا ملحدين. عرفتُ في شبابي جهاداً روحياً عظيماً، إذ كنت أسعى لملء الفراغ الذي شعرت به في قلبي

يجابه معظم الشباب أسئلة حول الأمور الأبدية. إنه جزء من بناء العلاقات. مثل الشاب الصغير الذي زارنا مع والدته، قد عانيتُ من الشك. الفرق الوحيد هو أن جهادي جرى خلال أيام دراستي الجامعية. لقد كانت فترة زمنية كنت فيها ممتلئاً من القلق بشأن المستقبل، وخائفاً من اتخاذ قرارات خاطئة

لعلمي أهمية الصدق، أخبرت الأم أن تسمح لابنها باستكشاف حقيقة الله بنفسه. كان من الأفضل له أن يشكك في وجود الله من أن يدّعي الإيمان ببساطة. في الوقت نفسه، أخبرت الصبي أنه بحاجة إلى مرافقة عائلته إلى الكنيسة لأن من المهم أن يطيع والديه ويدعم أخاه الأصغر. بعد كل شيء، لا يخبر أحد والديه أنه لن يذهب إلى المدرسة لمجرد أنه لا يرى أن دراسته مهمة

إن الإله الذي رفضه هذا الصبي كان الصورة الخاطئة عن الله التي لطالما رفضتُها. الله الذي توصّلت إلى معرفته شخصياً ليس الإله الذي رفضته في شبابي. الله المتجلّي في يسوع المسيح هو الواحد الذي اختبرتُه شخصياً والذي سعى إليّ أولاً. إذا أردنا علاقة شخصية مع المسيح علينا أن نكون منفتحين وصادقين ولا نخاف من أن نسأل. يريدنا الربّ أن نكون حقيقيين معه. كمثل العلاقة الصحيحة التي يراها الإنسان في النجاح المستمر والناجح، كذلك العلاقة مع الله يجب أن تقوم أولاً وقبل كل شيء على الصدق والحقيقة. المحبة والثقة تأتيان مع الوقت والتجربة. علاقتنا مع الله هي شيء يتكوّن مع الوقت، كمثل كل العلاقات الحسنة ينتهي بحسّ من السلام

هذا هو السلام والفرح اللذين أريد أن أنقلهما للشباب. علاقتي الشخصية مع المسيح هي شيء أريد مشاركته، وليس فقط مع الشباب الأرثوذكسي. أعلم أن الله موجود لأنني اختبرت محبته الكبيرة بطريقة شخصية، وهذا اليقين لحقيقة الله هو الذي يقودني للتواصل مع محبة المسيح. هؤلاء الأفراد الذين ألتقي بهم في الحياة اليومية، مثلي، يحتاجون إلى اكتشاف الله بأنفسهم، والبناء على علاقة بدأت منذ الحَبَل بهم

انتظروا المسيح لا ضدّه

انتظروا المسيح لا ضدّه

الأرشمندريت نكتاريوس موروزوف

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

لن تجدوا في الكنيسة مؤمناً واعياً واحداً لا يعرف أن العالم الذي نعيش فيه لن يدوم إلى الأبد، ولم يقرأ رؤيا القديس يوحنا الإنجيلي ولا فكرة لديه عن الأحداث التي ستسبق نهاية التاريخ البشري على الأرض والمجيء الثاني المجيد لربنا يسوع المسيح. ومع ذلك، هناك جزء من الجماعة الكنسية لا يتذكر أن نهاية العالم ستأتي وحسْب بل يترقبّها بلهفة

لا شك في أننا مدعوون إلى الاهتمام ليس فقط بما يحدث في قلوبنا بل وبما يحدث في العالم من حولنا. بحسب المخلّص، يجب أن نميّز علامات الأزمنة (متى 16: 3). وكما كتب القديس أغناطيوس (بريانشانينوف)، من الضروري تمييز روح الزمن واستشعارها حتى لا نستسلم لتأثيرها المعادي للمسيحية، وللبقاء أحراراً من تأثيرها المعادي للمسيحية قدر الإمكان. لكن أود أن أذكّر بشيء آخر مهم: كونوا أناساً تسيطرون على ذواتكم وعقلانيين، حافظين دعوة الرسول بولس: “ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ… أنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعًا عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا، لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ وَلاَ بِرِسَالَةٍ كَأَنَّهَا مِنَّا: أَيْ أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ” (2تسالونيكي 1:2-2)

لا يزال معظمنا يتذكر جيدًا “العاصفة” التي “احتدمت” منذ وقت ليس ببعيد: لا في “فنجان شاي” ولكن في مساحات شاسعة من روسيا. كان الأمر يتعلق بأرقام تعريف دافعي الضرائب على أنها “ختم ضد المسيح”. تحطمت الكثير من الرماح حول هذه المسألة. كم عدد “الشهداء” و”المعترفين” الذين ظهروا وهم يناضلون ضد رئاسات الدولة والكنيسة! وأي قدرٍ من الحماقة تجلّى! مجلدات قيلَت عن مفهوم “ما قبل الختم” [أي ختم مبدئي مع عدد الوحش كما يرد في كتاب الرؤيا]. في الوقت الذي هدأت فيه الأهواء، لم يبقَ إلا مصطلح “المقاتلين ضد أرقام التعريف الضريبي” (أي مجموعة من الأشخاص الذين يبدون كأنهم في الكنيسة ولكنهم ليسوا فيها بشكل كامل)

والآن اندلعت “عاصفة” جديدة حول فكرة حقن الرقائق في البشر، والإشعاع، وتطعيم الناس من خلال “زرع الرقاقات” و”معسكر الاعتقال الإلكتروني”، كما يتكهن البعض، حيث جميعنا سيكون محكوماً علينا بالدمار. هذا الوضع، على الرغم من أن وباء الكورونا أثاره، إلا إنه كان يختمر لفترة طويلة

سأكون صريحًا: أنا متأكد من أن إمكانية زراعة الرقائق في الناس حقيقية، لذا فإن هذه الزراعة على المستوى العالمي هي مسألة وقت ومواصفات فنية. أنا متشكك جدًا بشأن التطعيم العالمي، ومدى ملاءمته وسلامته، خاصة وأن العديد من التطعيمات، وفقًا للعديد من الخبراء، هي وهم أو خيال، أو، بعبارة أدق، انخداع. يبدو “معسكر الاعتقال الإلكتروني” كتهديد، ولكن تم بناؤه تقريبًا من نواح كثيرة

ولكن هذا ليس المهمّ. المهمّ هو أنني لا أريد أن أعيش في رعب في وجه كل هذا. أريد فقط أن أعيش حياة مسيحية، دون خوف من أي شيء ودون أن أموت قبل موتي. كالعديد من الكهنة الآخرين، عليّ أن أجيب كل يوم على العديد من الأسئلة، مثل: “ماذا يجب أن نفعل إذا حدث ذلك قريبًا؟ إنه يحدث بالفعل الآن!” أجيب الناس ولكن قبل كل شيء أجيب نفسي

أولاً وقبل كل شيء، علينا أن نفهم أن هذا لم يحدث بعد. صحيح، هناك ظروف مواتية للغاية لحدوث ذلك، ولكن لا أحد يعرف ما إذا كان سيحدث الآن أم لا. لذا لا يستحق الأمر الصراخ طلباً للمساعدة في الوقت الحالي، وإلا فإننا سوف نجعل الجميع يضحكون ومن ثم لن يصدقنا أحد. دعونا نلقي نظرة على التاريخ: إنها فرصة رائعة لمقارنة أحداث الماضي مع ما نشهده الآن. وسنرى أن العالم شهد مرات عديدة أحداثًا جعلت الناس يعتقدون أنهم كانوا آخر العالم، أي أنهم غرقوا في حالة “نهاية العالم الآن”. الكوارث الطبيعية والأوبئة (بما في ذلك تلك الأكثر خطورة بكثير من الكوفيد 19، وانهيار العالم القديم وولادة عالم جديد، والحروب الدموية، وأخيراً، أفظعها – الحرب العالمية الثانية التي عطلت حياة عشرات الملايين من الناس. يبدو أن يوم القيامة كان في متناول اليد… ولكن لا، لم تأتِ نهاية هذه الأرض بعد ولم يتم استبدالها بأرض جديدة

مما لا شك فيه أن العصر الحديث يختلف جوهريًا عن الماضي القريب، ناهيكم عن الماضي البعيد. لقد خطت التكنولوجيا خطوات رائعة إلى الأمام. تعمل تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية على إعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والسياسي أمام أعيننا. يتغير البشر بسرعة أكبر، ومع ذلك يظلون بشرًا. هذا يجلب فرصًا جديدة لضد المسيح المستقبلي وفريقه الذي يشبهه بالتفكير، ويشرح الآليات التي سيحقق من خلالها النتائج التي نقرأ عنها في سفر الرؤيا، بمثابة توضيح لهذا الكتاب

لكننا ما زلنا لا نستطيع أن نقول أن ضد المسيح سيأتي غدًا أو حتى بعد غد. يمكننا فقط أن نقول أننا اليوم اقتربنا من هذه النقطة وقد تكون قريبة جدًا الآن. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا في الأمر؟ لماذا يجب أن يؤدي إدراكنا لهذا الواقع إلى إثارة الارتباك وتسريع الذعر؟ لماذا هذه الفكرة بأنّ علينا أن نتوقف عن فعل كل شيء فوراً ونكرّس طاقتنا بالكامل لمقاومة بيل غيتس وأبراج جيل الاتصالات الخامس في جميع أنحاء العالم؟ من أين يأتي هذا الخوف الذي يشلّ إرادتنا ويتحوّل إلى عدوانية ثم إلى ذهول عقيم؟

المجد لله أن هذه ليست حالة معظم الناس في الكنيسة. لكن المشكلة هي أن التهويل مُعْدٍ، وممثليه نشطون وصاخبون، ويقلقون راحة بال بعضهم البعض ومَن حولهم. بالنظر إليهم من الخارج، يتكوّن لدى الناس انطباع قوي بأن هذا هو حال جميع المسيحيين. ونحن المسيحيون بالفعل نصاب بفيروس الخوف واليأس هذا تدريجياً. عند نقطةٍ ما سوف نجد أنه يتأكلنا من الداخل

إلى هذا، أريد أن أذكّر الآخرين ونفسي بأن علينا أن نعيش اليوم بغض النظر عن كيف نتخيّل غدَنا، بشعاً وثقيلاً ومرهقاً أو واعداً وباهراً. هذا الغد لم يأتِ بعد، فيما اليوم موجود بكل حاجاته وعمله، مع الحاجة إلى اتخاذ القرارات وتنفيذ الأعمال ومجابهة الصعوبات واحتمال الأحزان بشجاعة وتقديم الشكر لله من أجل كل هذا، كما من أجل الأفراح الوفيرة. لطالما كانت كلمات المسيح التالية صائبة وسوف تبقى: “يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ” (متى 34:6)

لا تنتظروا ضد المسيح، ولا تهيؤوا لمجيئه. بالمقابل انتظروا الربّ وتعلّموا أن تحيوا معه هنا وفي هذه اللحظة. هذا الخوف والألم والتشوّش يشيرون إلى كم نحن بعيدون عن الرب الآن وكم أن شَبَهَنا بتلاميذه ضعيف! وإلا لما كان هناك هذا الخوف

وإذا كان علينا أن نشغل أنفسنا بالأحداث الجارية و”علامات الأزمنة” التي تهددنا وتشوّشنا، فالأحرى إزالة كل ما يمنعنا من أن نكون مع المسيح ويقف في طريقنا إليه؛ علينا أن نفتح قلوبنا له ونتركه في أعماقها. وبعد ذلك سيعلّمنا هو نفسه ما ينبغي فعله ويرينا كيف نجتاز العديد من المحاكمات القاسية دون أي ضرر على أرواحنا

إن هذا بمقدورنا. فهو شيء يعتمد علينا. أما ما تبقّى فوهْمٌ وخيال مثل “اللقاح العجيب”. إنه الخديعة نفسها

العنف والتقوى

العنف والتقوى

الأب أنطوان ملكي

أوردت شبكة بي بي سي خبراً في 18 حزيران تحت عنوان “الكاهن الذي ينكر الفيروس التاجي الأب سيرجي رومانوف يستولي على دير روسي”. وفي التفاصيل أن الكاهن المذكور أوقفته الكنيسة الروسية عن الوعظ ومن ثمّ عن تعليق صليبه لأنه كان يحرّض الشعب على عدم طاعة السلطات الكنسية والمدنية، اقتناعاً منه بأن لا وجود للكورونا وأنها جائحة مفتَعَلة. أثناء جلسة محاكمته انسحب من القاعة ومضى واحتلّ الدير الذي انسحبت منه الرئيسة وبعض الراهبات، وقد رافقته مجموعات مسلحة. لاحقاً أوقِف الكاهن مع أنه شدد على أنه لن يترك الدير وأن على الكنيسة في حال أرادت ذلك أن تقصفه لأنه اختير للتعليم. هو يخضع الآن للمحاكمة في الكنيسة والدولة

ما أهمية هذه الحادثة؟ إنها مثال واضح على أن التطرف يؤدّي إلى أعمال تتنافى كلياً مع الغيرة التي قد تكون المحرّك الأول للعنف. فوق هذا، العنف يلفت النظر إلى أن بين جنون العظمة والغيرة خيط رفيع من السهل انقطاعه. غياب اليقظة الروحية الفعلية يسهّل العبور من الغيرة إلى الغرور، والغرور يستسهل اللجوء إلى العنف

هل هذه الحادثة وحيدة من نوعها؟ قطعاً لا ولا يهمنا هنا من الموضوع إلا ما ارتبط منه بتأثير جائحة الكورونا على المؤمنين وفي بلادنا تحديداً. منذ بداية الجائحة، رأينا أشكالاً مختلفة من العنف. على سبيل المثال هدد أحد مطارنة الموارنة باستدعاء القوى الأمنية ضد مَن يفتح كنيسته من كهنته. هذا عنف. دعا أحد المرتعبين من الكورونا إلى تحويل أحد رؤساء الأديار الذين لم يغلقوا أديارهم إلى القضاء. طالبت إحدى الجمعيات بمحاكمة الكهنة الذين لم يلتزموا توصية المجمع بحصر الخدم بالكاهن والمرتّل والخادم. كتب أحد الذين وجدوا في الكورونا فرصة للانقلاب على عدد من الأمور في الكنيسة أن مطران طرابلس الذي لم يوصِ بإغلاق الكنائس جزئياً إلا متأخراً هو مجرم وحمّله مسؤولية كل الإصابات التي سوف تنتج عن إجرامه، والتي لم يظهر منها شيء إلى الآن. اتّصل أحد “المتنوّرين” بكاهن رعيته وهدده برفع دعوى ضده لأنّه يناول بالملعقة المشتركة كعادته. ألزم أحد رؤساء البلديات كاهن رعيته على إغلاق الكنيسة ثم تراجع. تحمل كل هذه الحوادث، التي لا شك أن هناك الكثير غيرها، عنفاً حرّكه الخوف من الكورونا، أو مواقف سابقة رأت في الكورونا فرصة لعرض ما لدى أصحابها

هذا عنف اليسار قابله عنف اليمين على المقلب الآخر، من نوع عنف الكاهن سيرجي رومانوف. العظات التي لم تخلُ من الحدّة في تحدي الدولة والرئاسة الكنسية هي عنف حتى ولو كان محرّكها الغيرة. اتّخذ البعض حادثة طرد التجار من الهيكل ليسمح لنفسه باعتبار مَن لا يماشيه تاجراً أو مارقاً أو عميلاً لضد المسيح. انتشر الكلام عن ارتباط الرئاسات بضد المسيح. هذا كلام كبير ما من كلام آخر يضاهيه في إسعاد ضد المسيح. أن يهاجم كاهن مطرانه وجهاً لوجه مكيلاً الكلام غير اللائق للمطران والمجمع هو عنف ثابت، لا بل هو جرم

أين المشكلة؟ إنها في التقوى. غالباً ما نحكي عن الإيمان والعقل وننسى التقوى. تقليدنا مليء بالقصص التي تحكي عن التقوى كحافظة للإيمان حين يخونه العقل. لكن التقوى قد تنقلب تقوية فترفض العقل وتجرح الإيمان. انحراف الغرب قد يكون بدأ مع العقل، لكنه ما كان ليبلغ الحدة التي هو عليها لولا التقوية. التقوية تتحكّم بظهورات مريم وتضع كلاماً في أفواه القديسين وتقرّب المجيء الثاني وتبعده وأسوأ ما فيها أنها تجعل الإدانة أمراً سهلاً وبالتالي تحوّل العنف شهادة. من الجهة الأخرى، غياب التقوى يجعل الكتاب المقدّس مجرد أدب، والأيقونات مجرّد فن، والجسد والدم مجرد خبز وخمر قابلَين لحمل المرض والموت، والآباء مجرّد أدباء، وحتى يسوع يصير إنساناً قابلاً للأهواء والتسييس. التقوى هي التي تصنع الاعتدال بين الإيمان والعقل وغيابها يطيح بالإثنين معاً

القديس الجديد كالينيكوس مطران إذيسا

القديس الجديد كالينيكوس مطران إذيسا

إعداد أسرة التراث الأرثوذكسي

في اجتماعه في 23 حزيران 2020، أضاف مجمع كنيسة القسطنطينية كالينيكوس أسقف إذيسا، بيللا وألموبيا في اليونان إلى سنكسار القديسين

وُلد القديس في 1919، سيم راهباً في 1957 ثم كاهناً في السنة نفسها، في 1967 سيم مطراناً، رقد في 8 آب 1984. في قرار إعلان قداسته تمّ تحديد عيده في الثامن من آب

بعض الكلمات عنه لإبنه الروحي الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس الذي عاش إلى جانبه خمس عشرة سنة، كان فيها واعظاً في الأبرشية

كان المتروبوليت كالينيكوس أسقفًا زاهدًا، وشخصية كنسية عظيمة، وقائدًا مباركًا وجذابًا، ورجلًا أمينًا شفافًا، عاش اللاهوت ممارسةً في حياته. كرئيس كهنة مصلوب ومُقام، تخلّى عن نفسه من أجل قطيعه وضحى بنفسه من أجل مجد الله. بحبه النبيل، أعطى يقين الحياة الحقيقية. وإذ تجلّى، انتصر على الموت وصار زينة لكنيسة المسيح

فكره الكنسي، روحه الزاهدة، حماسته التبشيرية، إخلاصه لله والكنيسة، كلامه المتجدد ووعظه، خدمته الرعائية بأكملها التي قضاها “بخوف ورعدة”، محبته لله وللآخرين، الطريقة التي واجه بها مرضه، وتسليمه الكامل لنفسه إلى العناية الإلهية، كل هذه أثارت إعجابنا. الكلمات التي قالها قبل وفاته بقليل، “أنا أسقف خاطئ ، لكني أحب الله والكنيسة” تظهر حالته الروحية

لقد كان أسقفًا قديسًا اقتنى كل معايير وشروط القداسة. يبقى موجوداً كما على قيد الحياة حتى بعد وفاته. يشهد العديد من الأساقفة والكهنة والعلمانيين على قداسته. المعجزات التي جرت بصلاته من إخراج شياطين وتدخلاته العجيبة في علاج المرضى توضح أن الله مجّده

كان المتروبوليت كالينيكوس مطران إديسا، بيلا وألموبيا شخصية مقدسة عاشت حياة قداسة وكان له نهاية مقدسة، نافس آباء الصحراء والنساك في نسكه وحبه لله. طوال حياته، حقق انتصارات عظيمة لمجد اسم الله وظهر، كما يعني اسمه، شهيداً منتصراً. شهادات كل الذين عرفوه تقول بأنه كان رئيس كهنة مبدعًا ينجز بهدوء أعمالًا رائعة ومهمة، ويبقيها مخفية كما يخفي نفسه

السنة السادسة عشرة، العدد الثامن، أيار 2020

السنة السادسة عشرة، العدد الثامن، أيار 2020

مختارات آبائية

البطريرك بافل الصربي، عن السذاجة والحكمة

القديس يوحنا ماكسيموفيتش، ما من شيء يخيف مَن رجاؤه في الله

لاهوت

جورج منتزاريذس، الهدوئية واللاهوت

رعائيات

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، التلقيح وفيروس التضليل

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، الأمراض النفسجسمية

المطران ثيودوسي (سنيغيريف)، الكورونا افتقاد من الله

رسالة من أم أرثوذكسية في أزمة الكورونا

الأب بيتر هيرز، رسالة إلى المحبوبين مطارنة وكهنة الكنائس الأرثوذكسية في أميركا وكل مكان

الأب أنطوان ملكي، واقع “المجموعات” في الكنيسة الأنطاكية