السنة الرابعة عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2018

السنة الرابعة عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2018

مختارات آبائية

الشيخ صوفروني آسكس، عن الأرثوذكسية والمسكونية

رعائيات

جوزيف مانغوس فرانجيباني، النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

مسكونيات

شركة جبل آثوس المقدسة، حول الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية

الأب أنطوان ملكي، بين الأرثوذكس والأقباط: الالتباس اللاهوتي وامتداده الرعائي

***

بعد انتهاء المرحلة التجريبية لما يقارب السنة أُنجز تحميل كافة أعداد التراث الأرثوذكسي إلى قواعد بيانات EBSCO، وبهذا انضمّت التراث الأرثوذكسي إلى مجموعة تزيد عن 6000 مجلة علمية وبحثية من مختلف الدول واللغات يمكن الوصول إليها من كافة مكتبات الجامعات والمعاهد الدراسية والمكتبات العامة والمدارس والمستشفيات والمؤسسات الطبية والشركات والمنظمات الحكومية التي تستفيد من خدمات ابيسكو (EBSCO).

عن الأرثوذكسية والمسكونية

عن الأرثوذكسية والمسكونية

الشيخ صوفروني آسكس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

اغفروا لي؛ ربما كل هذا غير ضروري. في هذه المرحلة، أود أن أقول القليل عن واقع أن جزءًا كبيرًا من العالم المسيحي في الوقت الحالي يميل إلى قبول واحدة من أخطر الهرطقات. وهي قول الناس أنّ في أيامنا هذه لا توجد كنيسة واحدة تحتفظ بتعليم المسيح الحقيقي، أو تمتلك معرفة كاملة بسرّ الحياة المسيحية المقدسة المليئة بالنعمة على المستوى الأخلاقي والنسكي. هذا على افتراض أن الكنائس الكثيرة المسمّاة مسيحية تملك نعمة متساوية، ولهذا يجب أن نمضي نحو وحدة الكنائس على أساس برنامج مشترك ما. واحد من أكثر الأسئلة تكرراً هو مَن يخلص ومَن لن يخلص. يعتقد هؤلاء الناس عادةً أن ليس فقط الأرثوذكس سيخلصون (بحسب تعليم الأرثوذكس)، وليس فقط الكاثوليك (وفقاً للتعليم الكاثوليكي)، بل كل البشر الفاضلين الذين يؤمنون بالمسيح. وجهة النظر هذه قد انتقلت من البروتستانت إلى مؤمني الكنائس الأخرى. هناك الكثير من الأرثوذكس الذين يحملون هذا الرأي.

يعتقد البعض أنه لا يمكن لأيّ من الكنائس الموجودة أن تحصل على ملء المعرفة والنعمة، لأن كل واحدة منها قد انحرفت عن الحقيقة إلى درجة ما. إنهم يعتقدون أنه الآن فقط في نهاية الأزمنةفَهِم هؤلاء الحكماءتماماً روح تعليم المسيح، وأن العالم المسيحي بأسره كان ضالاً طريقه لعدة قرون حتى الآن. إن الوقت قد حان الآن وعلينا أن نوحّد كل الأجزاء المنفصلة في كنيسة عالمية رسولية واحدة، وهي ستمتلك ملء الحقيقة بكلّ جوانبها، على الرغم من أن هذه الوحدة ستضمّ فقط ما هو مشتَرَك بين جميع الكنائس. ما هو أسوأ من ذلك، أن البعض منهم يفكّر في قلبه بمنطق فوق الكنسي، باطني، في فهمه للدين المسيحي ، الذي لن أقول المزيد عن هذا.

أردت مناقشة هذا لسبب واحد فقط: لأخبركم بأنني أريدكم بشدة (وأدعو الله لهذا) أن لا تنخدعوا بكل ذلك، بل أن تقتنعوا بحزم في قلبكم وعقلكم بأن على هذه الأرض كنيسة وحيدة وصحيحة أسّسها المسيح. وأن هذه الكنيسة تحفظ تعليم المسيح غير معابٍ، وأنها في كليّتها (وليس في أعضائها كأفراد) تمتلك ملء المعرفة والنعمة والعصمة. (أريدكم أن تكونوا مقتنعين) أن ما يبدو بالنسبة للعديد من الناس نقصاً في تعاليمها ما هو إلا إمكانية بعض التفصيل العلمي لثرواتها التي لا تنضب ولا حصر لها – ومع ذلك، هذا لا يتناقض بأي قياس مع ما قلته أعلاه عن امتلاكها لملء المعرفة.

لا يمكن أن يخضع شكل تعليم الكنيسة النهائي كما تمّ التعبير عنه في المجامع المسكونية لأي تغيير. يجب أن تتفق جميع الأعمال الأكاديمية المستقبلية مع ما تمّ تقديمه في الوحي الإلهي وفي تعليم المجامع المسكونية. وينطبق الشيء نفسه على النعمة: وحدها الكنيسة الواحدة والفريدة من نوعها يمكن أن تحمل ملء النعمة. الكنائس الأخرى لديها نعمة بسبب إيمانها بالمسيح، ولكن ليس لديها الملء. علاوة على ذلك، يمكن أن نؤمن أنه في أيامنا هذه لا يزال هناك أناس، بنعمة الروح القدس، مساوون للقديسين العظماء في كنيسة العصور القديمة. (أنا أقول هذا على أساس ما سمعته عن عدة أشخاص في روسيا). [هذا] لأن المسيح هو بالأمس واليوم وإلى الأبد (عبر. 13: 8). كل هذا هو الحقيقة. كل من يغادر هذا الإيمان لا يستقيم.

* “الجهاد من أجل معرفة الله”. رسالة 11. قيد الترجمة

النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

النار الكامنة: رؤية أرثوذكسية لليوغا

جوزيف مانغوس فرانجيباني

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

لا تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟” (2 كور 6: 14- 18).

   نشأتُ كاثوليكيّاً. أحببتُ الصّلاة. تمشّيت في الغابات، لعبتُ في الجداوِل، وكنت أركض عبر سهول الخَيال الرَّحبة. هذه الأشياء كانت كالصَّلاة بالنسبة لي: السُّكون والهدوء والهدوئيّةالتي وَجَد الأولادُ أنفسَهم فيها، تقريباً، بالطبيعة. لم أبقَ، دائماً، في حالة الورع هذه، لكنني أدركتُها وسلّمْتُ بها على أنها عملٌ بسيطٌ في القلب.

كلُّنا نختبر ذلك بدرجات متفاوتة. نستعمل كلمات مختلفةأو لا كلمات على الإطلاق، كونها جميعُها تبدو غير مناسبةللتعبير عن حركة القلب نحو الله. يبدو أننا، عندما نكون بسطاءَ في القلب، خاصةً في طفولتنا، يكون هناك إدراك ملموسٌ لأمرين اثنين في ما نختبره: المُحِبُّ والمحبوب، الآخَر. كوني صبياً يافعاً لم أربط هذا الحضوربالمسيحتماماً كعدم ربطي والدَيَّ بإسميهما، فقد كنت أعرفهما وحَسْب.

* * *

في المرحلة الدراسية الثانوية، أردت ان أصبح راهباً ترابّيست trappist” (رهبان من الممتنعين عن الكلام!- المترجم)، إذ أن جَدَّيّ أدخلاني إلى ثانوية كاثوليكية للصبيان. كنت أحضَر الخدم الكنسيّة بانتظام، وغالباً ما كنتُ أقرأُ الكتابَ المقدّس. إن الكتاب المقدس، بالحقيقة، هو كالباب، فأنتَ تستطيع الدخولَ عبْرَه، والروحَ القدس يقودك إلى أماكن، حتى دون أن ترفع قدمكَ عن الأرض. لكنني علمتُ أن هناك شيئاً أكثر من ذلك، إنه كالفرق بين القراءة عن الخبرة والخبرة نفسها.

يكتب الدكتور هاري بوساليس في مجلة التسليم المقدس: “لسنا مدعوّين إلى أن «نتبع» التسليم أو أن «نقلّدَه»، نحن مدعوّون أن نختبرَهتماماً كما فعل القديسون، ولا يزالون“. إننا نعلَمُ أن هناك شيئاً مفقوداً في العالم حولنا. بعض الغنى، شيءٌ من العُمق الذي ندركه ونلاحقه بطريقة غامضة. إنه، بالطّبع، غنى محبة الله ونوره ونعمته. إلا أنني، في تلك الفترة من حياتي، لم أمتلك الكلمات لكي أُعَبِّرَ عن ذلك. وكالعديد من الناس، كنت أنسب عدمَ الرِّضا والقلق إلى أمور أخرى.

ثم قام أستاذٌ لعلم النفس في الثانوية بتوجيه صفِّنا نحو التنويم المعناطيسي الذّاتي (self-hypnosis)، وسرعان ما تلا ذلك انخداعي بالتّأمُّل(meditation). شعرت بالاسترخاء، وكنت أدَعُ نفسي تنقادُ إلى خبُرات جديدة، وأحسستُ كما لو أن باب قلبي الخلفي قد فُتِح على مصراعيه بشكل دائم. رفضتُ الله لأنطلق متّكلاً على ذاتي. واختبرتُ، بشكلٍ جَليّ، أن ضوءاً قد انطفأ في داخلي. احترمَ الحضورُ، الآخَر، الصديقُ هذا القرار. كان شعوراً كما لو أنه قد غادر بهدوء. لقد احترم الإرادة الحرة، ولم يفرض نفسَه أبداً. لقد كان يقرع على باب القلب وينتظر.

* * *

وهكذا بدأت بممارسة التَّأَمُّل بانتظام. في البداية، وخاصّة لكوني مراهقاً، كان الأمر صعباً: الجلوس لساعات بصحبة بوذيِين كبار السِّنّ من التّيبت، بصمت كلّي، حاملاً أفكاري إلى الحائط الفارغ وتمثال بوذا البرونزي الذي أمامي. بدأتُ بدراسة التَّقَمُّص، والكارما والسامسارا [1]. لم أكن قد انتبهتُ، بعد، لأصول البوذية في الدين الشاماني الذي يطلَق عليه اسم بون، ولا لعلاقته بالتنجيم والسحر وممارسات وثنية أخرى [2].

لقد أردت تَعلُّمَ كيفيةِ تهدئة القلق والاكتئاب، وإزالة الأفكار المشتّتة. في زياراتي لقاعات التّأمّل البوذية والآشرام البوذيين( وهو مكان كالديرالمترجم) افتتنتُ بـ الألعاب النارية الرُّوحيةكالانخطافات والانتشاءات والمشاعر والرؤى. هذه كلُّها مرتبطة بالتّأمُّل واليوغا في كافة مستوياتهما، وهي تتزايد مع الممارسة. هذه الخبرات وغيرها يُشار إليها على أنها سيدهيس (siddhis)” أو قوى اكتُسِبت عن طريق الـسادهانا” (تطبيقٌ عملي للتأمّل واليوغا). فالخديعة تحوّلت إلى افتتانُ، والفاتن صار بدوره مألوفاً. ومن دون أن أنتبه، حشريَّتي الأولى غير المؤذيةنحو اليوغا قويَت لتصبح عادة. أمضيتُ أكثر من عَقدٍ غارقاً في هذا البحر الروحي.

خلال تلك السنوات، كانت تُطرح الكثير من الأسئلة. مثلاً، هل يعرف الرّهبان والكهنة الكاثوليك إذا كان المسيحيون الأوائل يؤمنون بالوجود المُسبق للنفس وبالتَّقَمُّص؟ أجابوا بأنهم لا يعلمون، إضافةً إلى أنهم تساءلوا: ما المهم في هذا الأمر؟ في قراءاتي المتزايدة عن مبادىء ومعاني أديان الشرق الأقصى، وبسبب توقي إلى اختبار الـباردوس (bardos)”، وهي أبعاد متوسطةٌ للعالمين المادّي والروحي، قمتُ بدراسة كتاب الموت والحياة من التيبت“.

لقد قرأت كلِّ الأدب الروحاني والباطنيّ الذي استطعتُ الوصول إليه، واحتفظتُ بنسخةٍ مغلّفة من الـبْهاغافاد غيتا، في جيبي الخلفي، وقرأتُ كتابات الـباراماهانسا يوغاناندا(باراماهانسا يوغناندا هو يوغي هندي ومعلم (غورو) أدخل الملايين من الهنود والغربيين إلى تعاليم التأمل واليوغا من خلال جمعية تحقيق الذات (Self-Realization Fellowship) – المترجم). أغرقتُ نفسي في كتابات الـأوشوOsho (اسمه أشارايا راجنيش، وهو غورو هندي مثير للجدل وقائد لحركة راجنيشالمترجم)، وقرأتُ الـرام داس(معلّم روحاني أميركي صار بوذياً وأسس جمعيات المترجم) والـرامانا ماهارشي(معلّم هندي كتب الكثير عن حالات الروح وإخضاعها والتأمّل والحكمة الذاتية المترجم)، فصرت مقتنعاً بأنه لا يوجد كائنٌ مقدَّس أكثر من نفسي. كان الأمر يعود إليَّ لتحطيم نظرتي المشوبة بالوهم حول نفسي. واستناداً إلى أغلبية ما قرأتُ وسمعتُ، لم يعد بالامكان البقاء على علاقة شخصية مع الإلهي (Divine)، ممّا وضعني في صراع داخلي، فتلاشى ما فُطرتُ عليه من طبعٍ طفولي هادئ وسلاميّ. كلّما كنت أغوص في لُبّ التّأمل واليوغا، كنت أختبر دوافع فجائيّةً وغيرَ متوقّعةٍ لأؤذيَ نفسي. كانت روحي تتعرّض لهجوم عنيف، تلك كانت فترة من حياتي مُفعَمةً ظلاماً وقُحطاً.

في بحثي عن الهدوء، أخذتُ نذر بودهيساتفا (نذر يتّخذه البوذيون ويتعهدون بتحرير القلوب الحساسةالمترجم) وجدَدتُ باحثاً، داخل البوذية، عن نظام ديري للعلمانيين ذي طابعٍ هاديء تأمّلي، في محاولة مني للارتباط بمكانٍ أو بشيء ما. بعد فترةٍ أوليّة من السَّلام النسبي، نشأ فيّ الجسارة، وحتى الاهمال فيما يخص النشاطات الروحانية. كنت أدخل في نوعٍ من السّكْر الروحاني، لكنني لم أدرك ذلك.

* * *

أكل الابنُ الشّاطرُ من طعام الخنازير في بلدٍ بعيد. لكنه، عندما تذكّر طعْمَ الخبز في منزل أبيه، عاد إلى البيت. ذلك أنني، ولعقدٍ من الزّمن، عشتُ في هذا البلد البعيد أتناول من طعامه.

عاينتُ الكثيرَ من الناسبعضُهم أصدقاء والبعضُ الآخَر غرباءوهم يسعَون وراء فَناء الذات. كان لديهم نهَمٌ لا يَشبع لإضاعة أنفسهم، لا في حياة ونور الله، بل في الظلمة والفراغ، حيث الانفصالُ عن المحبةِ التي تتجاوز كلَّ شيء“. ما هذا الانفصال سوى الجحيم نفسِه. يسعى العديد من الرجال والنساء والأولاد إلى هذا الجحيم، وهم يدورون حول علاقات مشوَّشة، فيقعون في براثن المخدرات.

لكنني درستُ ومارستُ الـكونداليني يوغاوالشامانية [3]، حيث تعرّفت إلى الخوف والصّقيع. اشتهرت بقراءتي للـ تاروت” (ورق اللعب) وهو أسلوب سرّي للعرافة. علَّمتُ اليوغا، وأرشدتُ مجموعات من الناس إلى التأمّل والإنشاد في صحارى الحكماء. لقد جرّبنا الإسقاط الأثيري (تفسيرٌ افتراضيّ لحالَةِ الخروجِ من الجسد وذلك بافتراضِ أنّ هُناكَ هيئةٌ نجميّة تنفصل عن الجسد الفيزيائي قادِرة على السفر خارجه – المترجم)، وخبرات الخروج من الجسد الموجّهة، عن طريق الـ باردوسبحسب ما تم وصفها في الكتب التيبيتية. لم أحمل معي، فقط، نسخاً من بهاغافدا جيتا، بل من الـ أوبانيشادوالـ سوتراالبوذية، أينما ذهبت[4]. كلُّ واحدٍ من هذه المساعي كان ضرباً من السباحةٍ بعيداً عن جبل المسيح المقدس. دع قطرات الماء تتساقط على حجر لمدةٍ كافية وسوف تفتته. كنت أمسحُ الليمونَ الملتصق بجبهتي وأنا أقرع الجرس مقدّما الفاكهةَ والنار كعبادةٍ لـكريشناومتجوّلاً حافيَ القدمين في شوارع مدن أوجين وسياتل، وأخيراً في ريشيكاش وهاريدوار ودهارامسالا، في شمال الهند.

* * *

يقول الأرشمندريت زخريا في كتاب إنسانُ القلب المستترُ“: “في انفصاله عن الله الذي هو نبع الحياة، يستطيع الإنسانُ فقط أن ينسحب إلى داخل نفسِهويصير، شيئاً فشيئاً، منعزلاً غارقاً في الملذّات“.

ترفضُ البوذيّةُ الذاتَ والنفسَ والشخص. إنها تفرد ذراعيها بصمت ضد الله. لا يتجلّى الألم. في البوذية هناك صلبان لكن لا قيامة البتّة. نستطيع القول بأن البوذية تجد القبر الفارغ وتُقِرُّ بوجود هذا الفراغ وبطبيعة الأشياء وحتى بأن هذا الفراغ هو هدفها. كل شيء بالنسبة للبوذية– الفردوس والجحيم والله والذات والنفس والشخصهو ضلال بانتظار أن يتم تَخَطّيه والتخلص منه وتدميره. هذا هو الهدف. الإلغاء الكامل. حقيقة هذا القرن التاسع عشر البديهية تُلخِّصُ مبدأَ البوذية هكذا: “إذا ما شاهدت بوذا اقتله“.

لا تعترفُ البوذية، ولا هي تستطيع، بشفاء النفس والجسد. يجب تَخَطّي كلا النفس والجسد وإهمالهما. في الكنيسة الأرثوذكسية، النفس والجسد يُفتَرَض أن يشفيا. تُعلّمُ البوذية أن لا شيء ذو قيمة بذاته. بينما تعلّم الكنيسةُ أن الله جعلَ لكلِّ شيء قيمةً في ذاته، وهذا يتضمّنُ الجسدَ الإنساني. نحن كائناتٌ معقّدة التّكوين. إن أداء أجسادنا وعقولنا وأنفسِنا مترابط. وهذه الأفعال المترابطة مرتبطة بعلاقتنا بالله وبالحيّز الروحي.

بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكسيين، كلُّ شيءٍحتى الألمهو باب خفيٌّ عبره نلاقي المسيحَ، ويعانقُ واحدنا الآخر.

* * *

ذاتَ خريف، سافرتُ إلى ريشيكاش، في الهند. يعود اسمُ هذه المدينةِ إلى الإله الوثني فيشنو إله الحواسّ“. ريشيكاش هي عاصمة اليوغا في العالم“. من المتعارف عليه، عامّةً، أنها منشأ اليوغا على الأرض. لأربعين يوماً، درستُ ومارسْتُ ما يُعرَف بالطريق السّرّي الرّوحيّ لليوغا المتكاملة[5] على سفوح الهيمالايا. لم يشمل هذا، فقط، رياضة اليوغا الأميركية، بل كان كلُّ صف يبدأُ وينتهي بصلاة موجّهة لـ شيفا، إله العاصفة المزمجرة، في حين كنت أدرّس الإنكليزية للّاجئين التيبيتيّين، وأعمل محرّراً لدى حكومة التيبت المحلية. تعود جذورُ اليوغا، تاريخياً، إلى الهندوسية. مدفوعاً بفضولي، أجريتُ حديثاً مع رينكوش، في دير الدالاي لاما[6]. سألته عمّن تكون هذه الآلهة الهندوسية بحسب الكوزمولوجية البوذية، فجاء جوابُه مفاجئاً: “إنها كائناتٌ مخلوقةٌ، لديها «أنا» (ego)… وهي أرواحٌ عالقةٌ في الجو“[7].

* * *

ما هي اليوغا؟ وما هي طاقةُ الكونداليني؟

المعنى الحرفيّ لليوغا هو النِّير، إنها تعني تقييدَ إرادتِنا بأفعى الـ كوندالينيورفعها نحو شيفا واختبار ذاتِنا الحقيقية“. كل طرق اليوغا مربوطةٌ ببعضها كما ترتبطُ فروعُ الشجرة بجذورها الضاربة نزولاً في مساحة العالم الروحي. إنه أمر جليٌّ في كتب البهاغافدا غيتا والسوترا اليوغية القديمة لباتانجالي. أدركتُ بأن الهدف النّهائي لليوغا هو إيقاظ طاقةِ الكونداليني الملتفّة في أسفل العمود الفقري على صورة أفعى، حيث تُوصِلُك إلى حالة تستطيع بها معرفة الـ تات تْفام آشي” [8].

ممّا لا شك فيه أن اليوغا ربما تُسَهّلُ الوصولَ إلى اختبارات استثنائية للجسد والعقل، لكن هذا ما يفعلُه تناولُ العقاقير المسببة للهلوسة والسمومُ التي لا تُلاحَظ ولا طعم لها. شيئاً فشيئاً، ومن خلال اليوغا، يقوّي الإنسان الـ شاكتيالتي يشيرُ إليها اليوغيون بـالأُم المقدسةوهي إلهة الظلاموعلى علاقة بآلهة هندوسية رئيسية أخرى. هذه الطاقة ليست الروح القدس، المسببة للهلوسة كما أنّ هذا ليس رياضة أيروبيك ولا أي نوع من الرياضة. يتّصل هذا النظام بالـ بهاجناسوكيرتانس“- وهي ممارسات وثنية تشبه المديح في المسيحية الأرثوذكسية، إلا أنها موجّهة للآلهة الهندوسيةإضافة إلى الـ مانتراالتي هي صيَغ مقدسة، لا بل بمثابة أرقام وبطاقات الهواتف، لمختلف الغورو والآلهة الوثنيين.

* * *

كيف ترتبطُ اليوغا بالهندوسية؟

لنكن واضحين. لا تشير الهندوسية إلى أيّ دين معيّن. إنها عبارة أطلقها الإنكليز على طوائف عديدة من الفلسفات والأديان الشامانية في الهند. إذا سألتَ هندوسياً عمّا إذا كان يؤمن بالله، ربما يجيبك بأنك أنت الله. لكن لو سألت آخراً فسيُشير إلى حجر أو تمثال أو شعلة نار. هذه هي القطبية في الهندوسية: إمّا أن تكون أنت الله، أو أي شيء آخر يمكن أن يكون إلهاً.

تنضوي اليوغا تحت هذه المظلّة الهندوسية كما ينضوي أيضاً قطب هذه المظلة بعدة طرق مختلفة أيضاً. إنها تقوم بوظيفة الذراع التبشيرية للهندوسية والعصر الجديد، خارج الهند[9]. تشبه الهندوسيةُ الدّميةَ الروسيّة (وهي دمى خشبية مفرغة تحوي كلٌّ منها دميةً أصغر حجماً في داخلهاالمترجم): تفتحُ فلسفةً فتجدُ داخلَها عشرات الآلاف، إضافة لها. وكل التي لم يتم فتحُها هي مخاطرة بذاتها. من الممكن أن تسبح بسهولة وبدون اهتمام في المياه التي لا تعرفها، لكنك، بعدم إدراكك للتيارات والظلال في الموقع، ربما تكون في خطر. من الممكن أن يجرَّك التيار السفلي بعيداً. من الممكن أن تجرح نفسك بالصّخور غير المرئيّة أو تلتقط عدوى خفيّة أو تُصاب بالتسمّم. هذا ما يحدثُ في الحياةِ الرّوحيَّة.

عندما نغوصُ في المحيط، من المحتمل أن تجذبَنا سمكةُ لامعة وملوّنة ومخادعة، لكن الأشياء المزدانة بالألوان والغريبة غالباً ما تكون فائقة السُّمّيّةِ ومميتة.

عندما زرتُ الهند للمرة الأولى، نزعتُ حذائي وجواربي وصرت أمشي عبر الماء وجوز الهند والحلوى المرميّة ونار معبد كالكاجيالمتوهجة. إنه واحد من أكثر المعابد شهرةً والمكرّسة لـكالي، إلهة الموت. لم أكن أعرف ذلك، إلا أنني كنت في خضمّ أكثر أعيادها أهمية في السنة. كانت الفوضى تعمُّ المعبد، والطاقةُ كانت ظلامية وفي أوجِها.

تجمّع آلافُ الرجال والنساء والأولاد في معبد ريشيكاشهذا لكي يقدموا العبادة للشيطان. بقربي، كانت هناك امرأة تتقلّب عيونها في محجريها، أما يداها فكانتا تتحركان جيئة وذهابا، ولسانها ذو اللون الزّهري يتأرجح في فمها، وكانت رِجلاها تتحرَّكان صعوداً وهبوطاً كدُميةٍ مربوطة بخيطان. من الواضح أن ذلك كان مَسّاً شيطانياً.

مرّةً، قمتُ بالسجود لأيقونةَ والدة الإله في سيتكا فأختبرتُ دفئاً هائلاً ودموعَ فرحٍ ومحبة وصفاءَ ذهن وسلاماً. كان الأمر كالمشي أمام نافذة تفيض بنور الشمس العَطِر والدافىء. أما في معبد كالكاجيفقد اختبرتُ العكس.

تُصَوَّرُ كاليبشكل آلهة مخيفة متعدّدةِ الأيدي جلدها زهري اللّون، ترفعُ رأساً بشريّاً مقطوعاً ومن فمها يتدلّى لسانٌ دمويّ. ترتدي عقداً من رؤوس بشرية وتتمنطقُ بزنّارٍ من الأذرُع.

تناولتُ القهوة مع أناسٍ مؤثّرين في حركة اليوغا والهندوسية والعصر الجديد في أميركا، الذين، من أجل أن يصبحوا أعضاء في طائفتها، دُفِعوا لكي يأكلوا جثثاً بشرية من مدافن في نيبال. منذ زمن ليس ببعيد، ورد تقريرٌ في الغارديان“- الصّحيفة البريطانية الواسعة الانتشاريقول بأنه، حتى يومنا هذا، يتم تقديم أضاحي بشرية من الأولاد في عبادة الشيطان كالي“. كلُّ هذا مرتبط بالهندوسية، وله علاقة باليوغا كون وضعياتها الجسدية ليست محايدة من الناحية الدينية. كل الـ أساناالكلاسيكية لها مدلولاتٌ روحانية. فقد ورد، على سبيل المثال، في تقرير مراسل صحفي بأن تقديم التَّحية للشمسربما هي مجموعات الـ أساناالأكثر شيوعاً أو وضعيات الـ هاثا يوغا“- وهي النوع الأكثر ممارسةً في أميركاهي، حرفياً، طقوس هندوسية.

لم تكن تحيةُ الشمس ، مطلقاً، تقليداً من الـ هاثا يوغا‘”، هذا ما يقوله سوبهاس رامبرسود تيواري الأستاذ في فلسفة اليوغا والتّأمّل في الجامعة الأميركية الهندوسية في أورلاندو، فلوريدا، بل هي مجموعات كاملة من طقوس تبجيلية للشمس، كتعبير عن الشكر لذلك المصدر للطاقة” [12].

***

إن اعتبار اليوغا مجرّد حركةٌ جسدية يعادلُ القول بأن المعمودية هي مجرّد تمرين تحت الماء“. هذا ما يكتبه سوامي بارام من الأكاديمية الهندوسية لليوغا الكلاسيكية وأشرم دهارما يوغا في ماناهاوكين في نيو جيرسي.

إن الإلهة كالي تحاولُ، عبر اليوغا، توحيد الممارسين عبر الـ شاكتيمع شيفا. في معبدها الواقع خارجَ نيو دلهي، شاهدت صنماً يصف ذاته وهو كنايةٌ عن صخرةٍ مستدقّة ذات عيون من الخرز مغطّاة بالطّين الأصفر والطعام المتخثّر. في الهندوسية، يتم إيقاظ الأصنام وإلباسهم وإطعامهم والغناء لهم، ثم يتم جعلهم ينامون. كنت قد شاركت في المئات من تلك المراسيم.

إن مجلة اليوغاهي من أكثر مجلات اليوغا مبيعاً في العالم، بعددٍ من القرّاء يناهز الخمسة ملايين. في لحظةٍ من البَوح حول تَفَوُّقِ اليوغا كعلاج نفسي، تكشف مجلةُ اليوغاالفلسفةَ الهندوسية التي وراء هذه الممارسة: “من وجهة النظر اليوغية، كل الناس قد<وُلِدوا مقدَّسين>، وكل منهم يمتلك في جوهره روح الـ أتمانالتي تُقيمُ أبدياً في الحقيقة الثابتة واللانهائية والكليّةِ السّيادة، ألا وهي الـ براهمان“. يعرض باتانجاليوجهةَ نظره الكلاسيكيةنحن ما نفتش عنه. نحن الله متنكّراً. إننا كاملون بالوراثة، وفي كل لحظةٍ لدينا القوةُ الكامنة لنستفيق مدركين هذه الطبيعة الحقيقية الواعية المستنيرة“.

يُحَيّي المعلّمون والتلاميذُ بعضَهم البعض بشكل نموذجي بالعبارة السنسكريتية ناماست، التي تعني: “إنني أُجِلُّ الكائن المقدس الذي فيك“. هذا تأكيد على الحلوليّة وإنكارٌ للإله الحقيقي المتجلّي في الكتاب المقدس. نشأت تحيَّة الشمس، أو سورا ناماسكارا، من العبادة الهندوسية لـسورياإلهة الشمس.

في سير القديسين وفن الأيقونات المقدس، نكرّمُ القديسين الذين هم أشخاص حقيقيون عاشوا باستقامة أمام الله وقد دخلوا، ولا يزالون، في شركة مع نوره ومحبته، ونطلب شفاعتَهم. بالمقابل، فإن الأصنام هي صوَرٌ لآلهة كاذبة، وعبادتُها هي عبادة للشياطين، أو لكائنات متخَيَّلَة لا وجود لها. فهي، من حيث المبدأ، عبادة لأشياء لا حياة لها15، كما يكتب الأب مايكل بومازانسكي.

لقد شاهدتُ سواميعديدين في هذا البلد، في أميركاينقلون هذه الطاقة الشيطانية التي هي الـ كونداليني، فقط عبر نظرهم في عيني الشخص. وإذا ما كان الإنسان منفتحاً على ذلك، من الممكن أن يرتعش الجسمُ ويهتز كلعبة تُدار بالزّنبرك.

رغم ذلك، عندما حان وقتي لتَلَقّي هذه الطاقة الملعونة عبر شاكتيبات، اجتاحني خوفٌ كالماء المكهرب البارد، فرفعتُ سيفي وترسي وبدأت بصلاة يسوع. المجد لله! لقد تمَّ صدُّ هذا الحضور بواسطة اسمِ يسوع. علينا أن نتذكر، كما يقول القديس بولس الرسول: “ بأنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ ٱلرُّؤَسَاءِ، مَعَ ٱلسَّلَاطِينِ، مَعَ وُلَاةِ ٱلْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا ٱلدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ ٱلشَّرِّ ٱلرُّوحِيَّةِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ” (أفسس 6: 12). بهذه الصلاة، التي هي تُرسي وسيفي، سبحتُ شوطاً عائداً إلى المسيح. لقد قمتُ بخطوةٍ خارج البلد البعيد، خطوةٍ داخل منزل أبي.

* * *

هل من علاقة بين اليوغا بالأرثوذكسية؟

اليوغا هي ممارسةٌ نفسجسدية، إنها تَفاعلٌ بين العقل والجسد والروح (أو الأرواح). يجب ألّا يغيبَ عن بالنا بأن كلمة يوغا تعني النير، وهو قطعة خشبيةٌ متعارضة مشدودةٌ إلى رقاب الحيوانات ثم إلى المحراث. يحذّرنا القديسُ بطرس قائلاً: ” لا تَشْتَرِكوا مَعَ الكَفرةِ تَحتَ نِيرٍ واحد؛ إِذْ أَيُّ شِرْكةٍ بَيْنَ البِرِّ والإِثْم؟ وأَيُّ مُخالَطَةٍ للنُّورِ مَعَ الظُّلْمَة؟” (2كور 6: 14).

ليست اليوغا من الكتاب المقدس، ولا هي جزءٌ من تسليم كنيستنا المقدس. كلُّ شيء نبحثُ عنهأقول: “كلّ شيء“- يمكننا إيجاده في الكنيسة الأرثوذكسية. لذا، ما الذي نريده من اليوغا؟

من المهم أن نعرف أنه، في اليوغا، كما في العديد من المذاهب الروحانية، من الممكن أن ترافقَ ممارسيها أنوارٌ غريبةٌ، إلا أنه غالباً ما يكون مصدرها الشياطين أو ما يتولّد من العقل، ذلك أن :”الشيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور” (2 كور 11: 14). الكثيرون تابعوا، ولا يزالون يتابعون، الألعاب النارية الروحية” spiritual fireworks لما يسمّى بالـ عصر الجديد“. ليس هذا، بالطبع، النورَ غيرَ المخلوق الذي اختبره موسى والتلاميذ، على جبل ثابور. وليس أيضا النور المقدس الذي دافع عنه القديس غريغوريوس بالاماس، في القرن الرابع عشر، ضدَّ السكولاستيكية الغربيّة. معرفةُ الله المباشِرة مُمكنة، وكذلك الاختبار المباشر، لكنَّ معرفة الشيطان واختباره المباشرين مُتاحان، دون أدنى شك. لدينا كاملُ الحرية لاختيار ما ومَن نفتش عنه، وهو ما يتطلّبُ، بالطّبع، تمييزاً وخبرة، حيث من الضروري بمكان العودة إلى كاهن أو شيخ ذوي خبرة. أيضاً، لا غنى عن المساهمة الخلاصية في القدسات. من الأحسن النظر في خفيّات قلوبنا بدل إمتاع أنفسنا بتلك التَّخيّلات التي من رأسنا.

إضافة لذلك، فهناك ما يجب قولُه بخصوص الادّعاء بأن أشكال فرقعات رياضة اليوغا لا تشكل أيَّ خطرٍ أو تهديد لمن يمارسها. صاحب هذا الرّأي إما قد فاتته، أو قصَدَ أن تفوتَه، التحذيرات المتعدّدة التي تَرِدُ في كتيّبات اليوغا الشرقية بخصوص الـ هاثا يوغاالتي تُمارَس في صفوف كهذه. هل المدرِّبُ على درايةٍ بتلك التحذيرات، وهل هو قادرٌ على أن يضمن عدم حدوث أي ضررٍ للتلميذ؟

في كتابِه مدارس اليوغا السّبع، يبدأ إرنست وود وصفَه للـ هاثا يوغابقوله: “عليّ أن لا أعود لأيٍّ من تمارين الـ هاثا يوغا تلك دون الالتفات إلى التحذيرات الصّارمة. لقد جلب العديدون على أنفسِهم أمراضاً لا شفاء منها أو حتى حالات جنون، دون تأمين ظروف مناسبة لجسدهم وعقلهم. إن كتبَ اليوغا مليئةٌ بتحذيرات كهذه…”. على سبيل المثال، يُعلنُ غيراندا سامهيتا بأنه إذا ما بدأ أحدُهم بالتمارين في طقس حار أو بارد أو ماطر، فسوف يصاب بأمراضٍ، والحال نفسُه إذا لم يكن هناك اعتدال في نظام الطعام، فعلى معدتِه أن تكون نصفَ مملوءة بالطّعامجاء في الـ هاثا يوغا براديبيكابأن التّحكّم في التنفّس يجب أن يأتي تدريجيّاً كما الأمر في ترويض الأسود والفيلة والنمور، وإلا فإن الممارِسَ قد يُقضى عليه، فبوقوع أيِّ خطأ سيحدثُ سعالٌ أو ربو أو أوجاع في الرّأسِ أو العين أو الأُذُن، أو أمراضٌ أخرى عديدة“. يختمُ وودتحذيرَه حول الوضعية والتنفّس في اليوغا بقوله: “أرغب في إيضاح أنني لا أوصي بتلك التّمارين، كما أصرُّ على أن كل الـ هاثا يوغاخطرة للغاية“. [20]

إذا ما رغب المسيحي الأرثوذكسي بالقيام بالتمارين، فبإمكانه – أو بإمكانهاالسّباحة أو الهرولة أو التّنزّه أو المشي أو القيام بتمارين تمديد (stretching) أو الرياضة أو الـ بيلاتيس[21]، فهذه بدائل مأمونة لليوغا. نقترح أيضاً السجدات أمام الله. فالكنيسة لا ترغب بأن يكون أحدُنا مريضاً أو متضايقاً. علينا الوثوق بوصفات أُمِّنا الكنيسة، وبأن نطبّقها بقدر ما نستطيع، وبقدر ما تسمح به نعمةُ الله. على الجميع أن لا يحاولوا إطالةَ عمر الجسد على حساب الروح. وفوق ذلك كلّه، علينا أن لا نثِقَ بحُكمنا الشخصي، بل علينا الرجوع إلى شخصٍ ما. “تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ[22].

إننا نَعلَمُ، كمسيحيين أرثوذكسيين، بأن حركات أجسادنا، كالانحناء والسجدات ورسم إشارة الصّليب، لها صِلةٌ بحالتنا الروحية أمام الله الحقيقي. فلماذا نُجازفُ بتقليد حركات جسدية ارتبطت، لقرونٍ، بعبادة الشياطين؟ أن لهذه الحركات عواقبُ خطيرة على جسدنا وروحنا اللذين هما للمسيح. “لنكن حكماء كالحَيّات وودعاء كالحمام[23].

[1] التقمّص هو حلول النفس في شخص آخَر أو حيوان أو جسد روحاني، بعد الموت الجسدي. الكارماعقيدة أساسية لدى الهندوسية والبوذية، كالتقمُّصهي مبدأ حيث تؤثّرُ نوايا وأفعالُ الشخص على حالته المستقبلية. تُزيل الكارما اللهَ من الصورة مركّزةً على أنك أنت مخلّصُ نفسِك الوحيد. أما السامسارا فهي تكرار دورة الولادة والحياة والموت.

[2] الشامانية هي ممارسة خطرةٌ تنطوي على التَمَلّك من قِبلِ أرواح خيّرة وشريرة، وهي تستخدم المخدرات للدخول في غيبوبة وتستحضر أرواحاً وتقرأ الطّالع والبخت مستخدمة عظام البشر والحيوانات. أما الـ بونفهي ديانةً حلولية قديمة مُشبعة بمعاني الأعداد السحرية والتنجيم والعُرافة والأضاحي الحيوانية والسّحر. لا تزال هذه العناصر موجودةً ضمن مدارسَ بوذيةٍ عديدة.

[3] الـ كوندالينيهي عنصر أساسي، لكن خَطِر، لليوغا. يُصَوَّرُ كأفعى مُلتفّة في أسفل العمود الفقري، يتم إيقاظها عبر التّأمّل ووضعيات يوغيّة. إن وجود الـكوندالينيالموقَظَة يطلَقُ عليه اسم الـشاكتي، الذي يُزعَمُ أنه يوَحّد من يمارسُه مع شيفا“- مبدأ وإله اليوغا. إن فتح الـشاكراعلى اختلافهاأو نقاط الضغط الروحيةفي الجسد عن طريق أوضاع جسدية (هاثا يوغا) والتّأَمُّل (راجا يوغا) يُسَهّلُ حلّ هذه الأفعى. الأعراض المرتبطة بإيقاظ الـكوندالينيتتضمّنُ حالات متغيّرة من الوعي وضغطاً متزايداً في الجمجمة ووخزاً وارتفاع ضغظ الدّم ورغبة جنسية جامحة وتخدّرا في المشاعر وأموراً أخرى كثيرة.

[4] الـبهاغافاد غيتاأو أغنية اللههي حوار بين الإله الهندوسي كريشنا ومحارب بخصوص بهاكتي” (اليوغا التعبدية)، جنانا” (‘التحرّرعبر المعرفة) ودهارما، أو مسؤوليات الشخص الروحية. الـأوبانيشادهي كتاباتٌ فيديّة سرّيّة حول طبيعة الحقيقة والإدراك الأقصى. “سوتراهي تعاليم يعطيها، عادةً، الحكماءُ البوذيون أو الهندوس.

[5] ثمّةَ العديدُ من مدارسأو شُعَباليوغا تتناسب مع اختلاف الممارسين وتنوُّعِّهم. مثلاً، أربعةٌ من أنواع اليوغا الرئيسية أو الكلاسيكية تتضمّن: الـجانا يوغا” (يوغا المعرفة المباشرة) والـبهاكتي يوغا” (يوغا التكريس) والـكارما يوغا” (يوغا العمل) والـراجا يوغا” (الطريق الملكيالذي من ضمنه الـهاثاوالـتانتراوالـكونداليني، وأشكال أخرى من اليوغا).

[6] الـرينبوشيُعرف بأنه معلّم متقمّص بارع للبوذية.

[7] يتكلّمُ القديس بولس عن الشيطان قائلاً أنه رئيس سلطان الهواء” (أفسس 2: 2).

[8] من السنسكريتية وترِد في اﻷوبانيشاد تعني الجملةُ بأن الممارس يتماهى مع الحقيقة القصوى، او مع الله أو مع إله ما.

[9] من الصَّعبِ تحديد حركةُ العصر الجديد، كما الهندوسيّة، لكنها، عامّةً، ترتبط، دون أن تنحصر، بالغنوصيّة والسِّحر والـويكا” (ديانة وثنية سحريّةالمترجم) والنشوة والكشوفات الناتجة عن المخدرات، والشامانية والكائنات الفضائية والبلورات وحركة تعدد الآلهة الأمومية والمثلية، لكنها تتحاشى المسيحية الأرثوذكسية.

[10] هدية من عُمّال كاتدرائيّة القديس ميخائيل رئيس الملائكة في سيتكاالاسكا، وتُعتبَرُ،حقاً، هذه الأيقونة العجائبية المميَّزة بجمالها أنها نافذة إلى الملكوت.

[11] مجلة الغارديان، السبت، 4 أيار 2006.

[12] درو سافتون، هل ممارسة اليوغا من قبل العلمانيين تَحطُّ من قدْرِها؟ Newhouse News, July 15, 2005, http://www.freerepublic.com/focus/f-religion/1445950/posts.

[13] المصدر نفسه

[14] Stephen Cote, “Standing Psychotherapy on Its Head,” Yoga Journal, May/June 2001, p.104. http://michaeltalbotkelly.com/standing-psychotherapy-on-its-head/.

[15] Orthodox Dogmatic Theology, p. 323.

[16] الـشاكتيباتهي منح الطاقة الشيطانية الروحية بكلمة أو نظرة أو فكرة أو لمسة.

[17] أفسس 12:6

[18] 2 كورنثس 14:6

[19] 2 كورنثس 14:11

[20] تقدّمُ الـسانديليا أوبانيشادتحذيرات مشابهة. أنظر المدارس السبعة لليوغالإرنست وود، ص: 78- 79.

[21] الـبيلاتيسبديل مثاليّ ومناسب لليوغا. وهو نظام تمارين ذهنية يساعد على المرونة والقوة والتركيز. الـبيلاتيسهو نمط تَكَيُّف يشدِّدُ على التّنسيق والتوازن والتنفُّس. بيَّنت الدّراسات، أيضاً، بأن تمارين المرونة تُعتَبرُ بديلاً فعّالاً لليوغا في علاج آلام أسفل الظَّهر.

[22] أمثال 5:3.

[23] متى 16:10

حول الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية

حول الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية

مذكرة من شركة جبل آثوس المقدسة

نقلها إلى العربية الأب انطوان ملكي

كتب الرئيس المشارك للجنة المشتركة للحوار اللاهوتي بين الكنائس الأرثوذكسية وغير الخلقيدونية، الجزيل الاحترام دمسكينوس، أسقف سويسرا، مقالاً بعنوان الحوار اللاهوتي للكنائس الأرثوذكسية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية: خواطر ووجهات نظر “[Episkepsis # 516 / March 31، 1995]. ساهم هذا المقال برفع مستوى القلق لدى الجبل المقدس فيما يتعلق بتطوّر هذا الحوار اللاهوتي.

أمام هجمة العديد من الأرثوذكسيين نحو الحوار العشوائي مع غير الخلقيدونيين رأينا من الضروري ترجمة هذه الرسالة ووضعها بين يدي المؤمنين الأنطاكيين [المترجم]

من المعروف أن اتحادًا متعجلاً يتمّ فرضه على الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين على الرغم من الاختلافات العقائدية القائمة حاليًا والمشاكل الكنائسية المتنازع عليها، كمثل قبول غير الخلقيدونيين غير المشروط لقرارات المجامع المسكونية وقدسيتها وعالميتها.

عبّر مجلس الشركة المقدسة، في تقريره حول حوار الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين بتاريخ 1 شباط 1994، عن تحفظاته حول مسيرة هذا الحوار اللاهوتي. باختصار، لا يقود هذا الحوار إلى وحدة في الحقّ، أي وحدة مقبولة من وجهة النظر الأرثوذكسية. هذه التحفظات عبّر عنها أيضاً أساتذة بارزون في المعاهد اللاهوتية وغيرهم من رجال الكنيسة في دراسات خاصة بهذه المسألة المحددة.

من المفروض وجود نقاش واسع ضمن جسد الكنيسة حول أمور مهمة مثل هذه للإعلام وحتى يتحرّك وعي الكنيسة بحرية ومن دون عوائق.

غير أن أسقف سويسرا قد وصف هذه المناقشة في مقالته المذكورة أعلاه بأنها انتقادات أعرب عنها بعض الأوساط الدينية لإثارة الشكوك حول القضايا التي يغطيها تماماً اللاهوت المعبَّر عنه في البيانين المشتركين‘” [ص. 15]. يبدو من هذا الوصف أنه يفهم الحوار اللاهوتي كموضوع خاص فقط ببعض اللاهوتيين، خبراء العقائد، الذين لا يهتمون تمامًا بقلق الأتقياء. إذا كان بالحقيقة شعب الله غاضبًا من لاهوت الإعلانات المشتركة، أليس من المفروض أن تتخذ الكنيسة قراراً مجمعياً حول أرثوذكسيتها؟ وينبغي اتخاذ مثل هذا القرار في وقت قصير جداً، خشية أن يستمر التطور المقلِق لهذا الحوار اللاهوتي القائم على لاهوت الزائف.

بعد أن علمنا بمثل هذا الخطر، أي الاتحاد مع غير الخلقيدونيين على أساس افتراضات غير أرثوذكسية، نحن في حالة عدم ارتياح دائم وسخط مقدّس. الإيمان في خطر، ونحن لا نستطيع أن نعبث بأشياء لا يُعبَث بها. نحن على علم بمسؤوليتنا في حماية عقيدة الكنيسة المقدسة وكنسيّتها وحفظها من دون ابتداعات كما تلقيناها من الآباء القديسين.

لهذا نحن نتوجّه من:

صاحب القداسة برثلماوس، البطريرك المسكوني ومجمعه المقدس

الرؤساء الفائقو البركة للبطريركيات القديمة والبطريركيات الأخرى ومجامعها المقدسة

الرؤساء الفائقو البركة للكنائس الأرثوذكسية المستقلّة ومجامعها المقدسة

كل الإكليروس الأرثوذكسي المقدس والشعب المؤمن في كل العالم

لشجب اللجنة المشتركة لهذا الحوار بسبب الانحرافات التالية التي لاحظناها فيما بعد وتحققنا منها، وفي عملنا هذا، نحن نعترف بأن ما يحرّكنا هو الشعور بالمسؤولية فقط.

أولاً) تشكيك اللجنة المشتركة بوعي كنيستنا المستمر بأنها الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، عندما قبلت اللجنة ما يرد في البيان: “على الدوام حفظت كلتا العائلتين بصدقٍ الإيمانَ الأرثوذكسي الخريستولوجي نفسه والتسلسل الرسولي غير المنقطع“. [II البيان المشترك ، الفقرة 9]

ثانياً) مهاجمة صلاحية وسلطة المجامع المسكونية المقدسة في قرار اللجنة المشتركة بأن رؤساء الكهنة غير الخلقيدونية ديوسقوروس ويعقوب وسفيروس، وغيرهم، لا يعتبرون هراطقة بل أرثوذكسيين في تفكيرهم. إن وعي الكنيسة الأرثوذكسية يدرك أن العصمة والسلطة في الروح القدس هي في المجامع المسكونية وترفض قبول إمكانية إعادة النظر في قرارات أيّ مجمع مسكوني في ايّ مجمع مسكوني آخر من دون اعتبار المجمع الأخير محفلاً هرطوقياً، كمثل مجمع أفسس اللصوصي.

ثالثاً) قرار اللجنة المشتركة المتعلّق بإمكانية رفع الحرم الذي وضعه مجمع مسكوني. هذا قرار غير مقبول وغريب على فكر الكنيسة السليم، وهو يسيء إلى وعي الكنيسة الأساسي لسلطة المجامع المسكونية.

رابعاً) مخالفة اللجنة المشتركة جذرياً لتعاليم الآباء القديسين عن خريستولوجيا غير الخلقيدونيين. إن الآباء (مكسيموس المعترف، صفرونيوس أورشليم، أناستاسيوس السينائي، يوحنا الدمشقي، فوتيوس الكبير، ثيوذوروس الستوديتي، ثيوذوسيوس رئيس الأديرة، وغيرهم) يصفون خريستولوجية غير الخلقيدونيين بالهرطقة، لكن اللجنة المشتركة تعتبرها أرثوذكسية واستمرارًا لإيمان الكنيسة الرسولي القديم.

خامساً) قبول اللجنة المشتركة بأن غير الخلقيدونيين المعاصرين يؤمنون بنفس خريستولوجيتنا. ومع ذلك، هذا غير واضح في البيان المشترك (1989 ، 1990)حيث يوجد العديد من التعبيرات القابلة للتفسير المونوفيزي الشبيه بتعليم سفيروس، الطبيعة الواحدة المتّحدة” [البيان المشترك 1] والطبيعتان تختلفان فقط في الفكر “[البيان المشترك 2]. فقد طُلب من غير الخلقيدونيين توضيح هذه المصطلحات لتبديد أي حالة من عدم اليقين حتى نكون متأكدين من أنهم يفهمونها بالمعنى الأرثوذكسي. للأسف لم يتم الحصول على إجابة.

سادساً) حصر اللجنة المشتركة طلب الإدانة بتطرف أوطيخا في الاعتقاد بالطبيعة الواحدة. بحسب تعاليم الآباء القديسين وضمير الكنيسة المتعبّد، حتى المونوفيزيتية المعتدلة عند ديسقوروس وسفيروس هي بدعة. إن المقارنة بين بعض الصيغ في البيانات المشتركة وتعبيرات معاصرة للبطاركة واللاهوتيين غير الخلقيدونيين المعاصرين تثبت تمسكهم بالمونوفيزيتية المعتدلة.

سابعاً)إعلان مطران سويسرا المضلّل بأنّ غير الخلقيدونيين يقبلون تعاليم مجامعنا المسكونية [Episkepsis # 5/16، March 31، 1995، p]، على الرغم من رفضهم قبول التفسير الأرثوذكسي لتحديدات المجامع المسكونية الرابع والخامس والسادس والسابع، على أنها تفسيراتهم. سوف نقدم كلمة بكلمة نص البيان المشترك الذي يفترض أنه يدعم قبولهم لتعاليم هذه المجالس المسكونية: “أما بالنسبة لمجامع الكنيسة الأرثوذكسية الأربعة اللاحقة، فإن الأرثوذكس يصرحون بأن بالنسبة لهم، النقاط المذكورة أعلاه من واحد إلى سبعة هي أيضاً تعاليم المجامع الأربعة اللاحقة للكنيسة الأرثوذكسية، بينما في نفس الوقت يعتبر الأرثوذكس الشرقيون هذا التصريح بمثابة التفسير الخاص بالأرثوذكس. بهذا التفهّم المتبادَل تجاوب الشرقيون“. نحن نسأل: أيمكن أن يُستنتج من هذا الإعلان أن غير الخلقيدونيين يقبلون بدون تحفظ تعاليم مجامعنا المسكونية؟

ثامناً) نظرية اللجنة المشتركة الجديدة بأن إعلان غير الخلقيدونيين الرسمي عن مسكونية المجامع المسكونية الرابع والخامس والسادس والسابع، كان يعتبر عمومًا نتيجة طبيعية لاستعادة الشركة الكاملة أو أنه يمكن تقييمه في المستقبل“. [Episkepsis # 516 / March 31، 1995، p. 15]. بعبارة أخرى، إن الوحدة سوف تتمّ من دون الاعتراف بالمجامع المسكونية. ولكن بعد الوحدة، سيتمّ قبولها على الأرجح أو سيتمّ طرح مسألة تقييمها. نحن نسأل: أي أسقف أرثوذكسي وقد أقسم على أن يدافع عن المجامع المسكونية والمحلية، سيقبل بالمناولة المشتركة مع أساقفة يناقشون مسكونية المجامع المسكونية؟

إن الشك في قبول غير الخلقيدونيين لمسكونية المجامع، تثبّت في إعلان البطريرك القبطي شنودة الثالث أمام اللجنة الأرثوذكسية في شامبيزي: “أما بالنسبة للمجامع المسكونية، فنحن نقبل الثلاثة الأولى نحن نرفض مجمع خلقديدونيةأستطيع أن أقول بصراحة شديدة أن كل المشرق لا يستطيع قبول مجمع خلقيدونيةلديكم سبعة مجامع مسكونية. إذا اضطررتم أن تخسروا واحداً، فلن يكون خسارة كبيرة بالنسبة لكم” [من المتروبوليت خريسوستوموس كوستانتينيدس مطران ميرا، حوار الكنيسة الأرثوذكسية مع الكنائس الشرقية القديمة، في دورية Theologia، أثينا 1980، Vol. 51، Issue 1، page 229-230].

تاسعاً) ميل اللجنة المشتركة إلى إخفاء الأحداث وإعطاء معلومات مضللة إلى الجسم الكنسي ما يُعتَبَر أعمالاً مثيرة للغاية لحساسيات الكنيسة، وهو يثبت في ما يلي:

أ) يجب نشر محاضر الاجتماعات الرسمية للجنة المشتركة للحوار بهدف إعلام رؤساء الكنيسة والإكليروس والشعب المؤمن وتوعيتهم.

ب) بأوامر من الكنائس المحلية، عقدت اللجنة المشتركة اجتماعها الرابع، وعلى أساس ما تمّ قبوله والاتفاق عليه في البيانات المشتركة، واتخذت قرار إمكانية رفع الحروم. [إعلان الاجتماع الرابع ، Episkepsis 498 ، 30 تشرين الثاني 1993 ، ص. 4 ، 6]. نحن نسأل: أيٌ من المجامع المحلية أعطى هذا الأمر أو على أساس أي قرارات مجمعية وافق رؤساء الكنائس على نصوص البيانات المشتركة وباركوا قرار رفع الحرم، أعلى أساس لاهوت البيانات المشتركة كما لو أنها تقوم على قاعدة أرثوذكسية قوية؟ فلتُنشر مثل هذه القرارات الصادرة عن المجامع المقدسة. وإلا فسيُفهَم أن اللجنة المشتركة ستقوم باتخاذ قرارات متتالية دون أن تؤمّن أولاً موافقة مجمعية على تشريعاتها السابقة وقراراتها.

ج) يؤكّد أسقف سويسرا الفائق الاحترام: “كل الكنائس الأرثوذكسية والشرقية المحلية المذكورة أعلاه رحّبت بحماسة، لا بالنتائج الإيجابية للحوار اللاهوتي وحسب، بل أيضًا باحتمال استعادة الشركة الكنسية بعد انفصال دام خمسة عشر قرن؛ لقد وصفوا الاتفاق الكامل على العقيدة الخريستولوجية بأنه حدث تاريخي.” [Episkepsis # 516 / March 31، 1955، p. 14]. هذا التأكيد هو تناقض مدوٍّ مع إجراءات ملموسة اتخذنها الكنائس وهي تشهد على عكس ذلك. نشير على وجه التحديد إلى:

1) توصية المجمع المقدس للكنيسة اليونانية، في 2 شباط 1994، إلى اللجنة المجمعية حول القضايا العقائدية والقضائية، حيث تقترح اللجنة أن لا تسارع الكنيسة اليونانية إلى قبول هذه ’البيانات’ وأن تعتبر ما يلي كشروط عقائدية أساسية لاتحاد غير الخلقيدونيين مع الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة :

أ) قبول غير الخلقيدونيين بتحديدات المجمع المسكوني الرابع

ب) الاعتراف بالمجامع المسكونية الرابع والخامس والسادس والسابع على أنها مسكونية بالإضافة إلى تحديداتها العقائدية ومن دون بيانات تفسيرية

ج)عدم التشجيع على الصلوات المشتركة أو غيرها من مظاهر العبادة المشتركة“…

إذا لم تُستوفى هذه الشروط، فإن غير الخلقيدونيينيبقون… غير أرثوذكسيين[Ecclesia، January 1-15، 1995، issue 1، p. 31]

2) في كانون الأول 1994 قدمت اللجنة اللاهوتية المجمعية لكنيسة روسيا تقريراً إلى مجمع رؤساء الكهنة المقدس، وعليه قرر مجمع الرؤساءما يلي:

1) الموافقة على تقرير اللجنة اللاهوتية المجمعية؛

2) تحديد أن البيان المشترك الثاني ومقترحاته إلى الكنائسلا يمكن اعتباره نصًا نهائيًا

3) وجوب أن تجري اللجنة اللاهوتية المجمعية دراسة إضافية لمحاضر الاجتماعات السابقة للاهوتيي الجانبينومن ثمّ، ستقوم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بإبلاغ اللجنة المشتركة للحوار اللاهوتي برأيها…

4) مع الأخذ في الاعتبار ضرورة مشاركة شعب الله في هذا الأمر من أجل تأسيس الوحدة بثبات، حيث أن الشعب بحسب رسالة بطاركة الشرق، هوحارس التقوى القديمة، فإن المجمع يرى أن الوقت مناسب لتنظيم مناقشة لكل الكنيسة حول هذا الموضوع المحدد” [Episkepsis، 516، March 31، 1995، p. 16].

ألم يكن هناك خداع فاضح في المعلومات المقدّمة إلى شعب الله؟

د) لقد أعلن لنا أساقفة من كنائس أرثوذكسية مختلفة أنه لم يتم إطلاعهم أبداً على الأحداث في هذا الحوار اللاهوتي وأنهم لن يقبلوا أبدًا الوحدة ما لم يقبل غير الخلقيدونيين المجامع المسكونية.

نحن نسأل: أيمكن تبرير مثل هذا الإغفال في إعلام أساقفة الكنيسة أصحاب الاهتمام المباشر، خاصة وأن الموافقة المجمعية المسبقة هي شرط لا غنى عنه عند التعامل مع مثل هذه القضايا الخطيرة؟

عاشراً) قرار مجمع الكنيسة الرومانية المقدس الغريب عن فكر الكنيسة، لكونه:

أ) يعتبر أن المجامع المسكونية وضعت الحروم على الهراطقة بروح تفتقر إلى المحبة، بينما اليوم، بوجود المحبة، يمكن إنجاز الوحدة. إن هذه الطريقة بالتفكير هي تجديف عميق ضد الروح القدس، الذي بإلهامه اتُخذَت هذه القرارات، كما ضد ذكرى الآباء القديسين المقدسة، الذين تدعوهم الكنيسة متوشحين بالله، أفواه الكلمة، قيثارات الروح، إلخ

ب) يقترح استبدال سلطة المجمع المسكوني بإجماع المجامع المقدسة المحلية أولٌ جديد في تاريخ الكنيسة.

ج) يوافق على تنظيم برامج لنشر قرارات اللجنة المشتركة بين الشعب دون أن يكون هناك قرار سابق بالإجماع. هذه الظروف الحالية هي بالتأكيد مؤلمة وضارّة للشعب الروماني التقي.

لهذا السبب ، تمتلئ قلوبنا بحزن لا يوصف لكنيسة رومانيا.

حادي عشر) قرار اللجنة المشتركة المثير للقلق للغاية بتطهير الكتب الطقسية من النصوص التي تشير إلى غير الخلقيدونيين كهرطقة. إن هذا القرار سوف يشوّه الخدم المقدسة لكثير من القديسين المعترفين بالإيمان والعديد من الآباء الأبرار، ولا سيما آباء المجمع الرابع في خلقيدونية وعملياً سيتمّ إسكات سينوذيكون الأرثوذكسية كما سوف يتوقف شعب الله عن قراءة سيَر العديد من القديسين.

نحن نسأل: هل النصوص المشار إليها أعلاه هي مجرّد عناصر زخرفية من الترتيل الأرثوذكسي بحيث يمكن إزالتها بدون ألم وبدون ضرر، أم أنها عناصر أساسية للأرثوذكسية، سيؤدي عزلها إلى استئصال فهمنا للأرثوذكسية؟

بقدر ما نحن معنيون، هذا سيكون ابتداعاً غير مقبول له عواقبه على هوية الكنيسة الأرثوذكسية ذاتها.

إننا بشجبنا لكل ما سبق، أمام البطريركية المسكونية المبجلة ورؤساء الكنائس الأرثوذكسية المحترمين والإكليروس المقدس والشعب المؤمن، نسعى إلى إعادة تأسيس الحوار اللاهوتي بأسرع ما يمكن على المبادئ الصحيحة، حتى يحفظ الأرثوذكس لأنفسهم الإيمان الأرثوذكسي غير معاب، ولكن أيضًا حتى يكون لغير الخلقيدونيين إمكانية العودة إلى كنيسة المسيح الحقيقية، التي انقطعوا منها لمدة خمسة عشر قرناً.

نحن نؤمن أنه بنعمة المسيح ستحقق مساعي كافّة أعضاء الكنيسة الدؤوبة نتائج إيجابية.

وفي حال، لا سمح الله، أتت الوحدة خارج الحقيقة الوحيدة، نعلن صراحة وبشكل قاطع أن الجبل المقدس لن يقبل مثل هذا الاتحاد الخاطئ.

بين الأرثوذكس والأقباط: الالتباس اللاهوتي وامتداده الرعائي

بين الأرثوذكس والأقباط: الالتباس اللاهوتي وامتداده الرعائي

الأب أنطوان ملكي

إن العلاقة بين الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين ملتبسة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وقد عملت دوائر حوارية عديدة في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة على تسخيف الخلاف العقائدي الخريستولوجي الذي دام خمسة عشر قرن، ببثّ الاعتقاد بأنّ الخلاف مع غير الخلقيدونيين هو خلاف لفظي وحسب. لطالما شكّل هذا الكلام التباساً يأخذ بعداً أكبر في أيامنا هذه، خاصةً مع الفوضى الناتجة عن سهولة النشر والتواصل الإلكترونيين.

في مكتبتنا العربية دراسة، هي الأهمّ في العالم الأرثوذكسي، حول الفرق اللاهوتي بين الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين، كتبها العلّامة الآبائي جان كلود لارشيه، نقلها إلى العربية الأب الدكتور يوحنا اللاطي، راجعها ودقق فيها الأرشمندريت توما بيطار، هي في الأصل مقال منشور في Le Messager Orthodoxe العدد 134 منشورات ACER في باريس، وقد صدرت بالعربية عن عائلة الثالوث القدوس، أوراق ديرية 7، سنة 2004، بعنوان المسألة المسيحيانية في شأن مشروع اتّحاد الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس غير الخلقيدونية: مشكلات لاهوتية وكنائسانية معلّقة“. يؤكّد الكاتب في خاتمته: “ليس الحوار بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس اللاخلقيدونية بجديد… أنشئت مشاريع اتحاد عدة على مرّ القرون إلى أيامنا هذه. يبيّن التاريخ لسوء الحظ أن المناهضين لخلقيدونيا (باستثناء الكنيسة الأرمنية) ما غيّروا قط في مواقفهم، وأن كل الخطوات إلى الأمام باتجاههم قامت بها الكنيسة الأرثوذكسية، الأمر الذي أدّى في حالات كثيرة إلى أن يقترب عدد ليس بقليل من رؤساء الكهنة من الهرطقة…”

إن حجم الدراسات والمواقف الأرثوذكسية الرزينة والمستندة إلى الآباء القديسين كبير، لكنه لا يحظى بالدعم السياسيالكافي لنشره بين المؤمنين وتحصينهم ضد العواطفية التي تجعلهم يعتقدون بإمكانية الوحدة أو التقارب من دون العقيدة والحق. يزيد هذا الواقع من الالتباس في هذه العلاقة، خاصةً عندما ينتقل الالتباس من المستوى اللاهوتي إلى المستوى الرعائي، فيتحوّل الالتباس خطراً. وما يزيد الخطر هو تمسّك غير الخلقيدونيين بمواقفهم التاريخية بمقابل التراخي الأرثوذكسي.

كمثال على أن الأقباط لم يتزحزحوا عن تعاليمهم عدد من الفيديوات المنتشرة للبابا شنودة وغيره يشرحون فيها عقيدتهم. في واحد منها بعنوان شرح مجمع خلقيدونية وطبيعة السيد المسيح، 1989″ يشرح شنودة تعليم الأقباط عن الطبيعة المركّبة مستعملاً عبارات تخالف بشكل لا لبس فيه تعليم الأرثوذكسية عن الطبيعتين فيقول: ” لا نستطيع من بعد الاتحاد أن نتكلّم عن طبيعتين. إنما طبيعة واحدة بعد الاتحاد… لما اكتمل الجنين اصبح طبيعة واحدة…” [1] هذا الكلام يردّ عليه حرفياً تعليم القديس يوحنا الدمشقي لا سبيل للكلام عن طبيعة واحدة في ربنا يسوع المسيح… فإننا نقول بأن الاتحاد صائر من طبيعتين كاملتين…” (المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، منشورات المكتبة البولسية، ص. 156).

عليه، سوف نتطرّق إلى موضوع هذا الالتباس عبر ملاحظات رعائية نضعها تحت ثلاثة عناوين: 1) أثر شبكات التواصل الاجتماعي، 2) مساعي التقارب المستمرّة، و3) الحوارات الشعبية.

1) أثر شبكات التواصل الاجتماعي

تنتشر عظات وأقوال الأنبا شنودة وغيره من اﻷنبايات كالنار في الهشيم. وما يشير إلى الخطر الرعائي أن العديد من الكهنة الأرثوذكسيين يساهمون بقوة في نشرها. ففيما تظهِر الإحصائيات ضعف المشاركة في المنشورات الإلكترونية ذات المصدر الأرثوذكسي، تظهِر تفوقاً كبيراً في المشاركة في المنشورات ذات المصدر القبطي. إن قواعد الاتصال الجماهيري (mass communication) تؤكّد خطأ هذه الممارسةحيث أن مشاركة تعاليم من مصادر غير أرثوذكسية تشرّع هذه المصادر. فعلى سبيل المثال، إذا شارك أحد الكهنة مع رعيته فيديو لكاهن غير أرثوذكسي يتحدّث صواباً عن موضوع ما، ولم يرفِق مشاركتَه بتعليم واضح حول صحة الكلام الوارد في الفيديو حصراً من دون أن يشرّع مصدره، فإن أبناء الرعية، أو أقلّه بعضهم، سوف يشاركون فيديوات أخرى من المصدر نفسه لأنه صار محسوباً مصدراً شرعياً. كمثالٍ نورد خبراً من إحدى الرعايا، حيث شارك كاهنها رعيتَه فيديو لكاهن قبطي يتحدّث بدقّة عن موضوع أخلاقي، فأُعجب بعض أبناء رعية هذا الأب بالكاهن القبطي الذي كان متحدثاً لبقاً وصاروا من الزوار الثابتين لموقعه، وبعد فترة صاروا يتكلّمون لغة الأقباط حول طبيعتي المسيح.

فيما تمثّل هذه القصة خفّةً غير مقصودة في التعاطي إلا إن الخفّة بشكل عام تجرّح كنيستنا على أكثر من مستوى. كمثال وفي إطار مشابه، عندما يرى المؤمنون أنّ مطارنة يشاركون في صلوات مشتركة بملابس الخدمة الكهنوتية، فإنهم يعتبرون أن المشاركة مع غير الأرثوذكس شرعية، فلا يتوانون عنها.

2) مساعي التقارب المستمرّة

يقوم اليوم مسعى للتقارب مع الأقباط غير متّضح الملامح بعد. فعلى موقع حركة الشبية الأرثوذكسية بعنوان التقارب بين الكنيسة القبطية وكنيسة الروم الأرثوذكس خطة الاتحاد العالمي المسيحي للطلبة، بتاريخ 24 أيلول 2018، يرد الخبر التالي: <بدعوةٍ من الاتّحاد العالمي المسيحيّ للطلَبة في الشرق الأوسط، وتحت عنوان “الكنيسة والتربية: تحدّيات معاصرة (منطلقات من فكر كوستي بندلي المفكّر الكبير)”، أُقيمت 3 ندوات في مصر حاضر فيها الأخ الدكتور نقولا لوقا وذلك في 20، 21 و22 أيلول في خطوة تقارب بين الكنيسة القبطيّة والكنيسة الأرثوذكسيّة> [2]. هذا الخبر يطرح مجموعة من التساؤلات: مَن يأخذ قرار التقارب، أهو المجمع الأنطاكي أم الاتّحاد العالمي المسيحيّ للطلَبة في الشرق الأوسط؟ هل وافق المجمع على هذا التقارب؟ ما هو الأساس العقائدي لهذا التقارب؟ ما هو الثمر الرعائي الذي سوف ينتج عن هذا التقارب؟ إذا كان هناك مشكلات لاهوتية وكنائسانية معلّقة بين الكنيستين، هل يكون علاجها وتخطيها بالحوار التربوي وبفكر كوستي بندلي أم بحوار لاهوتي دقيق يقوم به لاهوتيون مُنتَدَبون؟

هذه المجموعة من الأسئلة، وطبعاً هناك غيرها، إنّما تظهِر عدم الوضوح والالتباس في العلاقة.

3) الحوارات الشعبية

فيما الحوارات الشعبية قد تقرّب الناس من بعضها إلى أنها متى تطرّقت إلى الأمور اللاهوتية تعمّق الالتباس المذكور أعلاه. نورد الحَدَث التالي لتأكيد ضرورة أن يكون الموقف الأرثوذكسي ثابتاً في أرثوذكسيته، وإلا فإن أصحابه يساهمون من حيث لا يدرون في انتشار الخطأ.

نشرت مجموعة محبو كوستي بندليعلى صفحتها في 1 أيلول 2018، القول التالي للأستاذ بندلي، مأخوذاً من فتات من نور“: <ما يؤكد هذا الخفر الإلهي، الذي رأينا أنه سمة أساسية في تعاطي الله مع الكون، هو أنه، لما انحدر اليه، لم يتّخذ شكلاً فائقاً، بل شكل إنسان كسائر الناس، آخذا صورة عبد ، صائراً بشبه البشر، وكأنه أفرغ ذاتهمن ألوهته (فيليبي 7:2). هكذا تواجد لديه أقصى الحضور، نتيجة حبه للكون، وأقصى التواري، نتيجة الحب عينه> ومن ضمن مساهمات القرّاء الطبيعية، جرَت المحادثة التالية حيث كتب أحد المشاركين واسمه مارتن رأفت: “افرغ ذاته من الوهته.. الكلمة دي صعبةفردّ المسؤول عن الصفحة: “لهذا من الضروري أن نقرأها مع كلمة كأنهالتي أثبتها الكاتب قبل هذه العبارة ونصِلها بالفكرة السابقة آخذا صورة عبد‘…فكان رد مارتن رأفت: “يعني فالحقيقه هو لم يفرغ ذاته“. بنتيجة هذا الحوار، حذف المسؤول عن الصفحة المحادثة، لكن يمكن الوصول إليها من محفوظات فايسبوك. جدير بالذكر أن زيارة صفحة مارتن رأفت تظهِر أنه قبطي ملتزِم.

ما معنى هذه المحادثة؟ يعبّر بندلي عن التعليم الأرثوذكسي حول إفراغ السيّد لذاته واتّخاذه الطبيعة البشرية، استناداً إلى تعليم الرسول بولس في الآية المذكورة التي تقول حرفياً: “لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ“. زيادة كلمة كأنهغير الواردة في الآية أصلاً هي خطأ. إن كانت هذه الزيادة مقصودة نستنتج أن بندلي يعلّم غير ما تعلّمه الكنيسة. وإن كانت هذه الزيادة هفوة لغوية، فيعني أنه يفتقد للدقة في أمور حساسة لا تتحمّل الهفوات.

لا يهدف هذا المقال إلى مناقشة فكر بندلي بل الأكيد هو أن فكر بندلي، أو غيره، لا يمكن أن يكون مادة للتقارب في اللاهوت إلا إذا اعتمده وجدان الكنيسة الجامعة مرجعاً. أما في الأمور الأخرى، كالتربية وعلم النفس وغيره، فالحكم هو لأصحاب الاختصاص، مع التشديد على أن لا مجلس الكنائس ولا اتحاد الطلبة المسيحيين ولا حركة الشبيبة الأرثوذكسية، ولا أي كاهن أو علماني يتبرّع للمساهمة في هذا التقارب منفرداً هو مَن يختار.

من جهة أخرى، تظهِر المحادثة أن الأقباط متمسّكون بنظرتهم المسيحانية التي تخالف التعليم الأرثوذكسي وهم يعلّمون أجيالهم هذا التعليم، بما يؤكّد أن القول بأن الخلاف بين الأقباط والأرثوذكس هو خلاف لفظي غير صحيح. فوق هذا، إن عملية الحذف عن فايسبوك تؤكّد خطورة أن يتعاطى الحوار اللاهوتي مَن هو غير مؤهّل ومتدرّب لذلك. واضح أن عبارة وكأنهتعني أن الأمر فعلياً لم يحدث، وهذا ما وجد فيه القبطي دعماً لنظرته، وما وجد فيه القائم على الصفحة إحراجاً واتّهاماً لكوستي بندلي بالافتقاد إلى التعبير الدقيق عن العقيدة الأرثوذكسية فلجأ إلى الحذف. لكن مَن يعرِف كم من الناس قرأ هذا الحوار قبل حذفه؟

في الختام، نعيش في أنطاكيا فوضى لاهوتية سببها الأساسي عدم الاهتمام باللاهوت من جهة وغياب المجمعية من جهة أخرى. لا لجان تدرس ولا أساقفة تراقب ولا معاهد تبحث ولا أديار تسهر، فيما شبكات التواصل الاجتماعي تفتح شهية الجميع على اتّخاذ دور التعليم بغضّ النظر عن النوايا. من جهة أخرى، انفتاح بعض الأنطاكيين على المؤسسات الكونية التي يهمها تسجيل اللقاءات بين الكنائس على أنها إنجازات في سِيرِها، يزيد من قابلية التأثّر والإصابة في الكنيسة. يُضاف إلى هذه التوهّمُ الذي يعيشه البعض، ومنهم من الرؤساء، بأن الوحدة المسيحية الشكليّة تزيد من مناعتهم في الوضع السياسي والاجتماعي القائم.

[1] https://youtu.be/ZUzzqdRj0hY ابتداءً من الثانية 2:50

[2] http://mjoa.org/archives/30004

السنة الرابعة عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2018

السنة الرابعة عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2018

مختارات آبائية

الشيخ سرجيوس الذي في فاف

القديس يوحنا مكسيموفيتش، حول رسم الأيقونات

لاهوت

جان كلود لارشيه، كيف توقّف عالمنا عن كونه مسيحيًا: تشريح الانهيار

د. نيقولاوس كويوس، الخطيئة والمرض: نظرة أرثوذكسية

رعائيات

الأب أنطوان ملكي، حريق في اليونان ونار في أنطاكية

آريك هايد، محاربة الوحدة في عالم غير شخصي

الأب الرئيس تريفن، إنهاء العزلة والوحدة

قصة

الاعتراف ينقذ الأرواح“: قصة حقيقية

حياة روحية

الأب أنطوان ملكي، الإنسان المخدوع والرحمة

الشيخ سرجيوس الذي في فاف

الشيخ سرجيوس الذي في فاف (Vanves)

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كان الشيخ سرجيوس الذي في فاف أحد الشخصيات الأكثر مواهبية في القرن العشرين في أوروبا الغربية. وُلد في هولندا سنة 1903 لكنه قضى غالبية حياته في فاف (Vanves) التي هي إحدى ضواحي باريس. كان تلميذاً روحياً للشيخ خاريطن آخر رئيس لدير برلعام قبل أن أغلقه الشيوعيون.

صحيح أن الشيخ سرجيوس قضى حياته في بلد ليس فيه إلا القليل من الأرثوذكسيين إلا إن تعليمه كان كثير المنفعة لأبنائه الروحيين في أوروبا الغربية العلمانية. كان رجلاً اجتمعت فيه تقاليد برلعام القديمة مع الغرب ما بعد المسيحي. كان أباً روحياً لعدد من الأشخاص اللامعين في القرن العشرين ومنهم فلاديمير لوسكي ونيقولا برداييف وراسم الايقونات الراهب غريغوري كروغ.

الشيخ سرجيوس كان مغموراً بروحانية الشرق الأرثوذكسي المنيرة. من أعماله أنه جمع كتاب فن الصلاة“. كان على اتصال مباشر بالقديس سلوان الأثوسي وقد أخذ في قلبه كلماته الأخيرة له: “اذهب وأخبر الناس على قدر استطاعتك: توبوا“.

في فرنسا كان المجاهدون من أجل الأرثوذكسية قليلون واللامبالاة بالدين كبيرة. إرشاداته لأبنائه الروحيين نافعة جداً لنا، نحن الذين نشترك معهم بالعيش في المجتمع الدهري، إذ هو يحمل شهادة لتقاليد الآباء. يذكّرنا الشيخ بأن الله ليس خياراً في حياتنا. إن أردنا الحياة فليس بإمكاننا أن نوقف الصلاة كما أنه لا يمكننا أن نوقف التنفّس. إنه يعلّمنا أن عالمنا، بالرغم من أنه يقدّم لنا الكثير من وسائل الراحة والرفاهية، وبالرغم من أن علم النفس يقدّم الكثير للتخلص من اضطراباتنا، يبقى أنه ما من سبب لاستمراريتنا سوى الله وما من شافٍ لجراحنا النفسية إلا الله وما من حافز للعيش إن لم يكن هناك أبدية.

الصلاة

لا ينبغي أن تعتمد الصلاة على مزاجنا أو نيتنا الطيبة. إذا كنا في حال محدد فهو أننا ممتلئون بالخطايا. لذا علينا أن نتوب. كل يوم افحصوا ضميركم وتوبوا. اجبروا أنفسكم على الصلاة يومياً. إن لم تريدوا ذلك، فعليكم أن تتوبوا على هذا. يجب أن تفهموا مدى ضرورة هذا الأمر. اعلموا أن الشيطان يتربّص ويريد أن يبيد نفوسكم، وأنكم دوماً في خطر. وحدها الصلاة تمنح نفسكم القوة للمقاومة.

لكي تربّوا عضلات روحية عليكم أن تذهبوا إلى النادي الروحي.

لا ينبغي أن تتحوّل الصلاة إلى طقس بالمعنى السيء للكلمة. وإن صارت عندنا طقساً فعلينا أن نتوب عن ذلك. يجب أن تكون الصلاة منتظمة بشكل مطلَق. تماماً كما تسقط الماء على صخرة وشيئاً فشيئاً تقطعها، كذلك الصلاة تخترق داخل نفوسكم.

من خلال صلاة يسوع، يدخل فكركم في قلبكم. إن الصلاة تتيح لنا أن نفهم الأمور بقلبنا.

صلاة يسوع من دون اتضاع هي كارثة.

التوبة

التوبة هي بداية ووسط ونهاية الحياة الروحية.

هناك نوعان من التوبة: 1) عن خطيئة محددة و2) عن حالة الخطيئة عامةً.

النوع الأول هو الأكثر حيوية.

هناك ثلاث مراحل نحو التوبة عن خطايا محددة. 1) التوبة عن الخطيئة في الفكر ما أن نرتكب الخطيئة. 2) في آخر النهار، عندما نفحص ضميرنا، نتذكّر الخطيئة ونطلب من الله المغفرة مجدداً. 3) اعترف بخطيئتك وتبْ عنها في سر الاعتراف.

المرحلة الأولى تتيح لنا الحصول على المغفرة من الله عندما نتعامل مع خطايانا الأخف وأفكارنا غير الطاهرة. إذا جاءك فكر شر وتبت عنه بالرغبة في أن تفكر أو تعمل بخلافه، فإن خطيئتك تُمحى مباشرة.

للتوبة في آخر كل يوم أهمية كبرى. في هذا الوقت علينا أن نشرَع بنقد روحي لكل ما قمنا به في ذلك اليوم مراجعين الشر والخير اللذين قمنا بهما. بعد تفحصنا لضميرنا علينا أن نطلب المغفرة من الله بإخلاص وندامة عن كل ما لم نكن فيه مخلِصين لله. يجب أن يكون ضميرنا حاداً حتى أننا في كل ليلة يمكننا أن نتفحّص ذواتنا وما قمنا به خلال النهار وأن نتوقف عند ما قمنا به من الخطأ، أيّ خير لم نعمله، وما هو الذي عملناه بشكل سيء. من ثم يجب أن نطلب المغفرة من الله على كل هذه الأشياء.

اثبتوا دائماً في التوبة ليس لأنكم بالضرورة قد قمتم بعمل خاطئ بل لأن طبيعتنا ضعيفة. علينا أن نتوب على ما نحن عليه. عندما نتوب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ليس ما قمنا به خطأً وحسب، بل كل الخير الذي لم نقم به.

الاعتراف أمام كاهن، أي المرحلة الثالثة، ملزِمة لأنها تؤهّلنا لتلافي البقاء مُثقَلين نفسياً وروحياً بالخطايا التي اقترفناها في الماضي.

النوع الثاني من التوبة يتعلّق بشخصيتنا. هناك خطايا كثيرة لا نعِيها وصارت جزءً من طبيعتنا. في الاعتراف، يجب أن نسأل الله: “اغفر خطاياي التي لا أعرفها والتي من دون وعي“.

يجب أن نتوب عن كل فشلنا وقلة كفاءتنا. لا ينبغي أن نعطي أنفسنا أعذاراً إذ لا يوجد أي سبب خارجي يمكن أن يبرر ضعفاتنا.

التوبة ضرورية للجميع إذ لا يوجد إنسان من دون خطيئة. مَن يعتقد أنه غير خاطئ يعيش في الوهم. التوبة هي موقف داخلي من خوف الله وذِكر الموت وقبل كل شيء التواضع. إنها مفتاح الحياة الروحية.

يفضّل الله شخصاً يخطأ ويتوب على شخص يظن أنه لا يخطأ أبداً ولا يتوب.

الذين لم يتوبوا منذ زمان، عليهم أن يطلبوا الغفران من الله على قدر توبتهم. الله يعرف جهادنا الخاطئ وحالتنا القابلة للموت وهو يغفر برحمة لامتناهية للذين يتوبون باستمرار.

إن موقفنا من ملكوت السماوات يجب أن يكون كمثل مسافر لا ينبغي به أن يكون مذعوراً من كل ما عليه فعله عند وصوله إلى مقصده، بل عليه أن يتابع مخططاً لرحلته الحالية. علينا أن ندرك أننا لا نعرف متى يأتي القطار الذي سوف يأخذنا إلى الملكوت حتى نكون مستعدين عند مجيئه. علينا أن نكون مثل العذارى العاقلات وأن نحمل الزيت دائماً في مصابيحنا. علينا أن لا نعتقد أن حالتنا الساقطة غير قابلة للإصلاح. بل أن نكون على ثقة بأن دائماً هناك مغفرة لنا. كل ما نحتاجه للغفران هو أن نطلبه.

التوبة كحالة دائمة هي حالة المسيحي الثابتة، وهي حالة جميع القديسين. لذا علينا أن نسعى نحو هذا الهدف بكل قدرتنا وبكل صلاتنا. ومن ثمّ سوف تكشف ذاتها لنا كقوة خارقة من التقدّم الروحي.

التوبة هي مفتاح الحياة الروحية. إنها تؤهّلنا للباس العرس الذي من دونه نُطرَح خارجاً.

* Elder Sergei of Vanves: Life and Teachings

حول رسم الأيقونات

حول رسم الأيقونات

القديس يوحنا مكسيموفيتش

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الأيقونة هي رمزُ غير المرئي. إن رأينا المظهر الخارجي للمسيح والقديسين، فعلى الأيقونة أن تكشف المظهر الداخلي، والقداسة أيضاً. حتى الرسوم الدهرية غالباً ما تشخصن بعض أنواع الأفكار. لنأخذ مثلاً، نُصب بطرس الأكبر في بتروغراد: إنه مصوّر على حصان منطلق إلى الأمام، رافعاً راكبه إلى فوق. هذا يعبّر عن كم رفع بطرس الأكبر روسيا في أوجه كثيرة. الأنصاب الأخرى تمثّل ايضاً أفكاراً من أنواع أخرى. إذا كان هذا ممكناً في الفن الدهري فلا بد أنه ممكن في الفن الديني، حيث يُمثّل ما هو أسمى أي السماوي والروحي. ليست الأيقونة صورة فنية تصف مظهر الشخص الأرضي وحسب، بل هي أيضاً تمثّل حالته الداخلية ايضاً. حتى تصويرات المظاهر الخارجية وحدها تختلف عن بعضها في مختلف الأوقات. اعتاد الميتروبوليت أناستاسيوس المبارك أن يخبر أنه عندما كان طالباً في الأكاديمية اللاهوتية انضمّ هو وزملاؤه في كرونشتادت إلى خدمة كان يقيمها الأب البار يوحنا، الذي عندما قارب نهاية القداس أخذ مظهراً لامعاً منيراً على شبه موسى أثناء نزوله من جبل سيناء. لاحقاً، عندما استقبلهم في قلايته كان مظهره كأي شخص عادي. إن ربنا يسوع المسيح نفسه أرانا مجده مرة على طور ثابور بينما في الأوقات الأخرى كان مظهره إنساناً عادياً، حتى أن الناس كان يتساءلون حول مصدر قوته والمعجزات التي كان يقوم بها.

يجب أن تصوّر الأيقونة المظهر الخارجي ولكن أيضاً الحياة الداخلية والقداسة والقرب من السماء. الوسيلة الأساسية لتحقيق هذا هي الوجه، التعبير والمظهر المصوّر على الأيقونة. أيضاً، ما تبقّى من الأيقونة يجب أن يكون منسجماً مع هذا التعبير. لقد ركّز كاتبو أيقوناتنا الأرثوذكسيون انتباههم على تصوير حالة النفس الداخلية التي يخفيها الجسد. وبقدر ما استطاعوا تحقيق ذلك كانت الأيقونات أفضل. غالباً ما يكون هناك نقائص في طريقة تصوير أجزاء الجسم المختلفة، ليس لأن الرسامين يقومون بذلك عن وعي، بل لأن جهودهم لإنجاز هدفهم الأساسي لا تسمح لهم دائماً بإعطاء الانتباه الكافي للأوجه الثانوية في عملهم. بالمناسبة، ما من شك في أنه حتى في اللقطات العادية، لا سيّما اللقطات الصريحة، فإن الكثيرين سيظهرون الجسد البشري في مواقف غير طبيعية، لكن هذا شيء لا نلاحظه عادة.

من المستحيل أن نكتب أيقونة تصوّر المظهر الخارجي للجسم فقط؛ يجب أن تعكس الجهادات الروحية غير المرئية ويجب أن تشع بالمجد السماوي. هذا شيء يمكن أن يبلغه بالكامل مَن يعيش حياة روحية ويفهم ويعتزّ بحياة القديسين. وهذا هو سبب أن راسمي الأيقونات في العصور القديمة، دائماً ما كانوا يعدّون أنفسهم للرسم بالصلاة والصوم. منح الرب قوة المعجزات العاملة للعديد من الأيقونات المكتوبة بهذه الطريقة.

بالطبع ، ينبغي منح أي أيقونة جرت مباركتها التوقير وعدم معاملتها بلا مبالاة وقلّة احترام. لهذا يجب أن نتجنّب الحكم على الأيقونات الموجودة في الكنائس، وبدلاً من ذلك يجب أن نسعى دومًا نحو الأفضل. الأمر الأساسي هو الانتباه ليس إلى الجمال الخارجي للأيقونات بقدر الانتباه لروحانيتها. لا ينبغي وضع أيقونات لا تستوفي بوضوح متطلبات الأيقونات الأرثوذكسية في الكنائس؛ وفي بعض الأحيان لا ينبغي أن توضع حتّى في المنازل.

ليس لأي شخص على دراية بالفن وقادر على الرسم أن يكتب أيقونة. غالبًا ما يكون لموقف راسم الأيقونات ورغبته في خدمة الله أهمية أكبر من فن الرسم الفعلي. بالإضافة إلى الخير الذي تمّ جلبه من الغرب بعد بطرس الأكبر، كان هناك أيضًا العديد من التأثيرات الجديدة الغريبة عن روح الأرثوذكسية. جزء كبير من الطبقة المتعلّمة في روسيا وقع تحت تأثير تلك التأثيرات، ما أدى إلى ظهور العديد من الابتكارات السيئة وغير الصحية في أعمالهم. إلى حد ما، انعكس هذا في فن الايقونات كذلك. بدلاً من محاكاة راسمي الأيقونات الروس القدامى، سادت مضاهاة الفنانين الغربيين الأجانب عن الأرثوذكسية. على الرغم من أنها جميلة للغاية، إلا أن الصور الجديدة لم تتوافق مع روح فن الأيقونات. بدأت روح أجنبية عن الأرثوذكسية تتجذّر في روسيا، وتهزّها تدريجياً.

الآن كلام النبي موجه إلينا: “لا تتخلّوا عن مجدكم لآخر، ولا لشعب أجنبي ما هو نافع لك.” كما في الحياة، كذلك في عادات الكنيسة، يجب أن نعود إلى تلك الأسس الراسخة والصلبة التي بنيت عليها روسيا والتي تقوم على أساسها. فن الأيقونات عندنا هو أيضاً انعكاس لتلك الأسس. لا ينبغي أن تكون أيقونات كنائسنا مكتوبة بروح غريبة عن الأرثوذكسية. إن الذين يؤكدون أن الأيقونات الأرثوذكسية يجب أن تُكتب بطبقات داكنة، وأن ترتيب الجسم يجب أن يكون غير طبيعي، مخطئون. في العصور القديمة، كانت الأيقونات تُكتَب باستخدام ألوان مشرقة إشعاعية. لقد تحولت إلى داكنة مع الزمن ومع تراكم الغبار على مر القرون. ومع ذلك، ينبغي في الوقت نفسه أن يتذكر الإنسان أن في الواقع العديد من القديسين الذين قضوا حياتهم في الصحارى الحارة، كانوا ذوي بشرة داكنة، وفي الواقع كان الكثيرون منهم يعانون من الجفاف بعد سنوات طويلة من النضال الروحي. لقد كانوا مشهورين ليس لجمالهم الدنيوي بل السماوي. بصلواتهم فليساعدونا لكي تكون كنائسنا انعكاسات للمجد السماوي، ولأن يتّحد قطيعنا في السعي وراء ملكوت الله، في كنيستهم كما في حياتهم ، ليبشّروا بحقيقة الأرثوذكسية.

كيف توقّف عالمنا عن كونه مسيحيًا: تشريح الانهيار

كيف توقّف عالمنا عن كونه مسيحيًا: تشريح الانهيار

جان كلود لارشيه

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

هذا النص هو مراجعة جان كلود لارشيه لكتاب غويوم كوشيه (Guillaume Cuchet) “كيف توقّف عالمنا عن كونه مسيحيًا: تشريح الانهيار” (Comment notre monde a cessé d’être chrétien. Anatomie d’un effondrement) منشورات Seuil، باريس 2018, 276 صفحة.

هذا النص وإن يكن يحكي عن الكثلكة في فرنسا إلا أن فيه الكثير للتعلّم في أنطاكية.

على مدى نصف قرن ، لاحظ العديد من المؤلفين الانهيار المذهل للكثلكة في فرنسا وعلى نطاق أوسع في أوروبا، وقد أثار الأمر قلقهم: لويس بويير في تحلل الكثلكة” (1968) ، وسيرج بونيه في تجسيدات الإكليروسية في الجمهورية الخامسة” (1973) ، ميشيل دي سيرتو وجان ماري دوميناخ في المسيحية انفجرت(1974) ، بول فيجنرون فيتاريخ أزمات الكهنة الفرنسيين المعاصرين” (1976) ، جان ديلومو فيهل سوف تموت المسيحية؟” (1977) ، إميل بولا في عصر ما بعد المسيحية” (1994) ، المطران سيمون فينحو فرنسا وثنية؟” (1999) ، دينيس Pelletier في الأزمة الكاثوليكية” (2002) ، دانييل هيرفيو ليجي الكثلكة: نهاية العالم” (2003) ، إيف ماري هيلير في هل سوف تختفي الكنائس؟” (2004)، دينيس Pelletier في الأزمة الكاثوليكية: الدين، المجتمع، السياسة في فرنسا (1965-1978)” (2005) ، عمانوئيل تودوهرفيه لوبرا في “السرّ الفرنسي” (2013)، إيفون ترانوفويه في “تحلل المسيحية الغربية” (2013). [1]

يلعب عنوان هذا الكتاب على عنوان كتاب بول فاين متى أصبح عالمنا مسيحيًا، لكنه يعلن انقلاب العملية التي حللها هذا الأخير. فغيوم كوشيه، وهو أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة باريس آست كريتاي، متخصص في تاريخ الكثلكة، يقترح في كتابه إظهار اللحظة التي بدأ فيها هذا الانحطاط وتحديد أسبابه. واحدة من الأدوات العلمية الرئيسية التي يستخدمها هي التحليل الإحصائي، فيما يعتبر معدل حضور الفرنسيين المنتظم إلى الكنيسة يوم الأحد أحدَ المعايير الموضوعية. هذا المعدل انخفض من 27٪ في 1952 إلى 1.8٪ في 2017. يمكن التساؤل حول هذا المعيار لأنه وفقاً لمقالٍ نُشر مؤخراً في صحيفة لا كروا (La Croix) الكاثوليكية الفرنسية ، يمكن للمرء أن يكون كاثوليكياً ممارساًولكن إلى جانب التزامات أخرى. من الصحيح أن بغياب هذه الممارسة يوم الأحد يمكن أن تستمر الثقافة المسيحية لفترة من الوقت. لكن فقدان الاتصال بالحياة الليتورجية لا يؤدي إلا إلى ضعف هذه الثقافة التدريجي واختفائها في نهاية المطاف.

يحدد الثلث الأول من الكتاب الالتزام بالكثلكة كما يظهر من كتلة من البيانات الإحصائية التي جمعها الإكليروس بين عامي 1945 و 1965، وعلى وجه الخصوص الإحصائيات التي وضعها كانن بولارد بعناية وانتظام على مدى فترة أوسع (1880-1965) بواسطة فرناند بولارد (Canon Boulard)، وهو عالم اجتماع ومؤلف كتاب من أربعة أجزاء عنوانه مواد التاريخ الديني للشعب الفرنسي، القرنان التاسع عشر والعشرون”[2].

وفقًا لكوشيه ، فإنه يمكن تأريخ التمزق الذي يفتتح عملية الانحطاط الكاثوليكي في فرنسا في الستينيات وبشكل أكثر دقة في عام 1965. يتزامن هذا القطع مع المجمع الفاتيكاني الثاني، وفي هذا الأمر تناقض، لأن المجمع صُمّم على يد منظميه كتحديث لإحياء كثلكةٍ تواجه العالم الحديث. ومع ذلك، يشير المؤلف، بعد دراسة فرضيات مختلفة، لا نرى ماذا يمكن أن يكون الحدث الآخر الذي ولّد مثل هذا التفاعل. فبمجرد وجوده، إلى الحد الذي فجأةً جعل إصلاح المفاهيم القديمة ممكناً، كان المجمع كافياً لزعزعة هذه المفاهيم، خاصة وأن الإصلاح الليتورجي وهو في الدين الجزء الأكثر ظهوراً لغالبية الناس قد بدأ تنفيذه في وقت مبكر منذ عام 1964″.

في النصف الثاني من كتابه، يحلل المؤلف بشكل دقيق ما يتعلّق بالمجمع من أسباب التمزق وعملية الانحطاط المستمرة إلى اليوم في جميع أنحاء العالم.

لقد تسبب المجمع بفقدان المؤمنين لمراجعهم. النص الذي نُشر في عام 1965 حول الحرية الدينية (Dignitatis humanae) ظهر كنوع من التفويض غير الرسمي للاعتماد على حكم الفرد فيما يتعلق بالمعتقدات والسلوك والممارسة، ما يتناقض بقوة مع النظام السابق“. هذا أثار ملاحظة الأب لويس بويير الحزينة: “لا أحد يؤمن بعد الآن. كل واحد يفعل فقط ما يريد“.

في ما يختص بالتقوى، يشير كوشيه إلى أوجه من الإصلاح الليتورجي التي قد تبدو ثانوية، ولكنها لعبت دوراً مهماً ولم تكن أبداً على المستوى النفسي والأنثروبولوجي. من هذه الأمور التخلي عن اللاتينية، المناولة باليد، والاستنسابية في الفروض القديمة. إلى هذه، يمكن إضافة انتقادات المناولة الرسمية التي تضاعفت منذ 1960 وبخاصةً منذ 1965، كما الممارسات الرعائية الجديدة في المعمودية (منذ 1966) والزواج (منذ 1969-1970)، والتي اتجهت نحو زيادة مستوى إتاحة الأسرار بطلب المزيد من التهيئة والانخراط الشخصي من الراغبين بالحصول عليها.

في حقل المعتقدات، المهم كان وجود التغيير بحد ذاته. التغيير في التعاليم الرسمية جعل المؤمنين البسطاء مشككين، إذ استنتجوا بأنه إذا كان النظام مخطئاً في الأمس بإعلانه ثبات ما لم يعد ثابتاً، لا يستطيع المرء أن يبقى واثقاً بأن هذا الأمر لن يتكرر في المستقبل. إن سلسلة كاملة من الحقائقالقديمة سقطت فجأة في الاندثار، وكأن الإكليروس أنفسهم توقفوا عن الإيمان بها أو لم يعرفوا ماذا يقولون عنها بعد أن كانوا تكلّموا عنها لزمان طويل على أنها شيئ أساسي.

من جهته، يشير الكاتب إلى أن هذا الوضع كان قادراً على زعزعة المؤمنين في حقل آخر هو صورة الكنيسة وبنيتها التراتبية والكهنوت.الأزمة الكاثوليكية في سنوات 1965-1978 كانت في البداية أزمة الإكليروس والمجاهدين الكاثوليك. إن التخلي عن القلنسوة (منذ 1962) والزي الكهنوتي، وتسييس الإكليروس (نحو اليسار)، عدول الكهنة والرهبان والراهبات، بَدَت للكثيرين على أنها خيانة كهنوتية لا موازٍ لها منذ الثورة الفرنسية التي كان لها نفس الآثار المفقِدَة للاستقرار“.

فوق هذا، شقّ المجمع الطريق إلى ما يمكن تسميته خروجاً جماعياً من الممارسة الإلزامية تحت ألم الخطيئة المميتةالتي احتلّت موقعاً مركزياً في الكثلكة القديمة.[…] هذه الثقافة القديمة حول إلزامية الممارسة كان يُعبّر عنها بشكل رئيسي في حيّز وصايا الكنيسةالتي يتعلّمها الأولاد عن ظهر قلب في التعليم الديني والذي يتمّ التحقق من الحفاظ عليه خلال فحص الضمير عند التهيئة للاعتراف. هذا تضمّن أيضاً واجب حفظ قداسة أيام الآحاد والأعياد، الاعتراف بالخطايا، والمناولة على الأقل مرة في السنة، صيام أيام الجمعة، وأمسيات قبل الأعياد الكبرى، وخلال ما يسمّى الفصول الأربعةمن الفترات الصيامية. كل هذه المتطلبات أُرخيَت إلى نقطة الاندثار ما عدا المناولة التي صارت منتظمة ويمكن الحصول عليها من دون أي تهيئة، لأن الاعتراف والصوم عملياً قد اختفيا. إن حلّ الصوم الإفخارستي تمّ على عدّة مراحل تحضيرية: في 1953 قرر بيوس الثاني عشر أن شرب الماء لا يكسر هذا الصوم مع الحفاظ على إلزامية الصوم منذ منتصف الليل قبل المناولة. في 1957، رسالة البابا المعنونة سر المناولة” (motu proprio Sacram communionem)[3] اختصرت الصوم قبل المناولة إلى ثلاث ساعات للأكل الجامد وساعة واحدة للسوائل. في 1964، أفتى بولس السادس بأن ساعة واحدة تكفي في الحالتين، ما عنى عملياً اختفاء الصوم الإفخارستي، لأن ساعة واحدة هي مدة الانتقال إلى الكنيسة والقداس قبل المناولة.

خلال هذه الفترة المجمعية وما بعد المجمع، يشير الكاتب إلى أنه من الصادم ملاحظة إلى أي مدى حذف الإكليروس طوعياً نظام الأصول القديم الذي عانوا صعوبات جمّة لوضعه، مثيرين في الشعب، بشكل لا يمكن تلافيه، شعوراً بأنهم غيّروا دينهمومحرّكين في البعض منهم انطباعاً بالنسبية المعممة.

يخصص الكاتب فصلَين كاملين لأسباب الانحدار التي تبدو له جذرية: أزمة سر الكَفّارَة وأزمة التعليم عن الأمور الأخيرة.

1) بحسب كوشيه، ازمة الاعتراف هي إحدى الأوجه الأكثر إعلاناً وصدماً للأزمة الكاثوليكية لسنوات 1965-1978”. “إن تراجع الاعتراف هو بحد ذاته حقيقة اجتماعية وروحية لم يعطِها المؤرّخون وعلماء الاجتماع الاعتبار المناسب: فهي ليست أقل من التحوّل الغامر من خلال التخلّي الكثيف في فترة لم تتعدَّ بعض السنوات عن ممارسةٍ لطالما تحكّمَت بعمقٍ بالمواقف الكاثوليكية لفترة طويلة من الزمن. في 1952، 51 بالمئة من البالغين الكاثوليك أقرّوا بأنهم يعترفون على الأقلّ مرة في السنة (في الفصح، إذ كان هذا إلزامياً منذ نشر القانون 21 من المجمع اللاتراني الرابع سنة 1215). في 1974، تراجع هذا الرقم إلى 29 بالمئة، وفي 1983 إلى 14 بالمئة. بحسب الكاتب، نقطة التحوّل هي في 1965-1966 حين لم يعد يُقَدَم الاعتراف على أنه سر الكفّارةوصار يُقَدَّم على أنه سر المصالحة“. هذا جرى يداً بيد مع التالي:

انتهاء الممارسة الإلزاميةالمذكورة أعلاه وإنهاء تجريم الامتناع عن الممارسة الدينية، وقد كان هذا الامتناع يُعتَبَر سابقاً خطيئة بقدر ما هو خرق لوصايا الكنيسة التي كانت تُطرَح كواجبات على المرء تطبيقها.

فقدان الحس بالخطيئة في ضمير الكثير من المؤمنين، وأيضاً بين الإكليروس الذين باتوا يخشون إثارة هذا المفهوم، كما فكرة الأمور الأخيرة. يلاحظ الكاتب في هذا السياق: “لقد امتنع الكهنة بغتةً عن التكلّم عن كل هذه الأمور الحساسة، وكأنهم لم يعودوا يؤمنون بها، فيما انتشر الكلام عن صورة إله كإله روسو إله الحبوليس إله المحبةفي الستينيات والسبعينيات. وكما لخّص أحد الفلاحين البريتانيين (من بريتون) في مطلع السبعينيات في مقابلة مع عالم الاجتماع فانش آلاغوا ( Fañch Élégoët) “لقد عبّد الكهنة الطريق إلى الملكوت“. هذا الطريق الذي كان جُرفاً وضيقاً فيما مضى صار طريقاً سريعاً يستعمله أي كان تقريباً. مع هذا الطريق، وإن لم يعد هناك أي خطيئة وأي جحيم، أو أقلّه لم يعد هناك خطايا جسيمة ممكن أن تحرمك الملكوت، فإن فاعلية الاعتراف بتحديده التقليدي صارت بالحقيقة أقلّ وضوحاً“.

الانفكاك بين الاعتراف والمناولة. “في النظام القديم، كنا نعترف أكثر مما نتناول، وكان الاعتراف نوعاً من طقوس التطهير التي تحدد الوصول إلى الإفخارستيا“. إن تطور المناولة المتواترة مرفوقاً بفقدان الحس بالخطيئة، كما الفكرة المنتشرة بين الكهنة، بتأثير من التحليل النفسي، بضرورة تحرير المؤمنين من الشعور بالذنب وبتحريرهم من الاعتراف، أنتجَت أن المؤمنين صاروا مدعوين إلى المناولة من دون الحاجة لأن يعترفوا. فمن ثمّ صارت المناولة مبسّطة، فيما إمكانية الاعتراف الفعلية صارت عملياً معدومة، وتمّ استبدال الاعترافات الفردية المنتظمة، منذ 1974، بالطقوس التكفيريةالتي تُقام مرةً في السنة قبل الفصح. في هذه التجمّعات، لا يعترف المؤمنون بأي شيء (يسمّي الكاتب هذه الطقوس أشكال كفارةٍ من دون اعتراف“) بل يحصلون على حلّ جماعي بعد الاستماع إلى عظة مبهَمَة غالباً ما يتمّ خلالها إغفال مفهوم الخطيئة. وعندما بقيت إمكانية الاعتراف قائمة أو استعيدَت في بعض الرعايا فإن المؤمنين لم يعرفوا جيداً كيف يعترفون أو حتّى ما إذا كان الاعتراف ما زال نافعاً“.

الفصل الأخير مخصص لأحد أسباب التدهور والذي يبدو على نفس الدرجة من الأهمية بالنسبة للكاتب: أزمة التعليم عن الأمور الأخيرة“. في عنوان الفصل يتفكّر الكاتب بأن ذلك لا يعني بالخلفية نهاية الخلاص، ويشير إلى أن في مجموعات التعليم الديني والمقالات القديمة أُعطي مكانة مهمة للموت والدينونة والوجهتين النهائيتين لما يلي، أي الفردوس والجحيم. في وقت مبكر، في كانون الأول 1966، إذ أقلق أساقفة فرنسا أن يروا هذه الأمور تختفي من التعليم والوعظ، فلاحظوا: “الخطيئة الأصلية… كما الأمور الأخيرة والدينونة هي نقاط في العقيدة الكاثوليكية مرتبطة بالخلاص في يسوع المسيح وعرضها للمؤمنين يجعل بالفعل تعليمها صعباً على الكثيرين من الكهنة. نحن لا نعرف كيف نحكي عن هذه الأمور“. قبل هذا بوقت قصير، لاحظ الكاردينال أوتافياني رئيس لجنة عقيدة الإيمان أن الخطيئة الأصلية اختفت بشكل شبه كامل من الوعظ المعاصر. يلاحظ كوشيه أن مشكلة تقديم العقيدة لم تكن رعائية وتربوية وحسب بل أيضاً بالحقيقة، كانت مسألة إيمان وعقيدة، وعدم ارتياح يتقاسمه الكهنة والمؤمنون. كل شيء يتمّ كما لو أن بغتةً عند نهاية عمل كامل من التهيئة الباطنية، أجزاء كاملة من العقيدة القديمة والتي كانت فيما مضى تُعتَبَر أساسية، كالدينونة والجحيم والمطهَر والشيطان صارت كلها غير قابلة للتصديق عند المؤمنين وغير ممكن التفكير بها لدى اللاهوتيين“. يحدد الكاتب مكان هذه الأزمة (بالغم من وجود العديد من الإشارات المنذِرة لبعض الوقت) في الستينيات، إلى جانب أزمة الاعتراف، مشيراً إلى أن الأولى مرتبطة بشدة بالأخيرة: “إن انهيار ممارسة الاعتراف تتبع تسلسلاً زمنياً مماثلاً. فخلال سنوات قليلة، لا بل حتّى أشهر قليلة، اختفت فعلياً مجموعة من الأمور التي كانت في وقت ما معروفة جداً لدى الذين يعترفون بتواتر. إن الأمر مرتبط بشكل مباشر، حتى لا نقول حصري، بحذف مفهوم الخطيئة المميتة (بمعنى أنها خطيئة تعرّض مرتكبها للعنة). لكن هذا كان له مفاعيله على الأسرار الأخرى المرتبطة بالأمور الأخيرة. في طقس المعمودية الجديد، تمّ اختصار الاستقسامات بشكل كبير (إذ لم يبدُ مرغوباً بالتشديد على دور الشيطان، الذي لم تخلّى عن الإيمان بوجوده عدد غير قليل من الكهنة، والذي بدا وكأنه ينتمي إلى ميثولوجيا ينبغي تحرير المؤمنين منها على اعتبار أنهم ساذجون). لقد كان هناك استهزاء واضح بالخطيئة الأصلية التي يُفتَرَض أن المعمودية تحرر منها وتؤمّن الحياة الأبدية“.

أما بخصوص المعمودية، فإن إصلاحاً آخراً سبّب تنفير الكثير من المؤمنين: ابتداءً من كانون الأول 1965، الهمّ الأول إلى الآن كان أن يعمّد الأطفال بأسرع وقت، لكن خدمة معمودية رعائية جديدة هي على العكس الآن حيث لا يحدد التاريخ بهدف انخراط الأهل أكثر في التحضير“. ينبغي إضافة أن الأمر بلغ ببعض الكهنة أن يتخلّوا عن تشجيع معمودية الأطفال واضعين الأمر في إطار أن المعمودية يجب أن تكون عملاً حراً طوعياً واعياً بالكامل، وشجّعوا على تأجيل مناقشة المعمودية إلى أن يبلغوا المراهقة.

مقترباً من الخاتمة، يشدد الكاتب مجدداً على التأثيرات الكارثية للستينيات على وعي المؤمنين العقائدي، الذي صار بشكل ما بروتستانتياً: “غالباً ما تمّ تفسير تكريس حرية الضمير من قبل المجمع في الكنيسة، بشكل غير متوقع في البداية، كحرية جديدة للضمير الكاثوليكي، مما يسمح ضمنيًا بالتمييز بين العقائد وممارسات الواجبات. لقد تحوّل مفهوم العقيدة (كاعتقاد ملزِم في الضمير) إلى مثير للمشاكل. هذا القرار الكبير للمجمع، مقروناً بمفهوم تراتبيةالحقائق، يبدو أنه اشتغل في عقول الكثيرين كنوع من رفع الجرم عن المؤمن الذي يصنع إيمانهما يغاير النظام السابق بشكل كبير، حيث كان ينبغي تبنّي الحقائق جميعاً وليس انتقائياً. كان يُتوقّع أن الأكثر سماجة من هذه المبادئ، أو تلك الأكثر مخالفةً للحدس، سيدفع الثمن، وهذا لم يفشل في الحدوث”.

مهما كانت العوامل الخارجية القادرة على لعب دور في انهيار الكثلكة (كالمقاربات الحديثة والضغط الاجتماعي وغيرها) فبحسب الكاتب، الظاهر هو أن العوامل الداخلية هي صاحبة الدور الحاسم.

تحمل الكثلكة مسؤولية جسيمة في إبطال مسيحية فرنسا (وبشكل أوسع أوروبا، لأن تحليلاً مماثلاً للوضع في الدول الأخرى سوف يؤدّي إلى نتائج مماثلة). إن العصرنة التي تحققت في مجمع الفاتيكان الثاني والتي اقترحت مواجهة تحديات العالم الحديث، لم تحقق سوى التأقلم مع هذا العصر؛ وإذ افترضت أنها تجذب العالم إلى جهتها انتهت في الاستسلام للعالم، وبالرغم من رغبتها في أن تكون مسموعة في المدى العلماني، صارت الكثلكة دهرية. في خوفها من تأكيد هويتها، صارت الكثلكة استنسابية إلى درجة أن عدداً كبيراً من المؤمنين فقد اللافتات التي كان معتاداً عليها أو التي كان يتوقعها، ولم يعد يرى معنى لأن يطلب في الكثلكة ما يقدمه له العالم بطريقةأقل التواءً.

تسعى السلطات الكاثوليكية إلى تخفيف الانهيار الموصوف في هذا الكتاب عن طريق حجج مختلفة (عدد كبير من الفرنسيين ما زال كاثوليكياً ويعمّد أطفاله؛ الممارسة الدينية تُقاس بالتزامات أخرى غير حضور القداديس؛ حلّت النوعية مكان الكمية؛ وغيرها). ومع هذا، إنهم يجاهدون ليكونوا مُقنِعين. لطالما قُدِّم يوحنا بولس الثاني على أنه هَندَس إبراءً من الفظائع التي تبعت الفاتيكان الثاني، لكن ينبغي ملاحظة أن التزام يوم الأحد الديني تراجع من 14 بالمئة عند انتخابه إلى 5 بالمئة عند وفاته في 2005. إذا كان صحيحاً أن الجماعات الحيّة الموجودة في المدن يمكن أن تقدّم مثالاً خاطئاً (كما كانت الحال في الكنائس القليلة التي بقيت مفتوحة خلال الفترة الشيوعية في الكتلة الشرقية حيث كانت مكتظة لأن غيرها كان مغلقاً)، كما اجتماع الشباب الاستعراضي خلال أيام الشباب العالمية، فإن الجنوب الفرنسي يظهِر حقيقةَ تصحرٍ مأساوي: تضاعُف الكنائس غير المستعملة (أي الكنائس التي لم تعد تعمل كأماكن للعبادة)؛ كهنة يهتمون بعشرين إلى ثلاثين رعية ويقيمون قداساً إقليمياًكل أحد لعدد صغير من المؤمنين بغالبيتهم من العجزة وأحياناً من القادمين من عشرات الكيلومترات بعيداً؛ غياب الجنانيز المُقامة من كهنة وغالباً لغياب المشاركين؛ انعدام التواصل بين الكهنة والمؤمنين بسبب المسافات الفاصلة بينهم وعدم توفّر الأخيرين لانشغالهم بالاجتماعات الكهنوتية أكثر من الزيارات الرعائية…

إن تطور الكنيسة الكاثوليكية البائس ما بعد الفاتيكان الثاني، كما يصفه كوشيه في كتابه، يجب أن يخدم كإنذار للأساقفة واللاهوتيين الأرثوكسيين الذين حلموا وما زالوا يحلمون بالدعوة إلى مجمع أرثوذكسي عظيممشابه بذاك الذي أرادت الكثلكة من خلاله تحقيق عصرنتها (aggiornamento)، لكن فعله الأول كان تحريك تحللها الداخلي والنزف المأساوي لعدد ضخم من مؤمنيها.

[1] Louis Bouyer, La Décomposition du catholicisme, Paris, Aubier, 1969

Serge Bonnet . A Hue Et A Dia. Les Avatars Du Cléricalisme Sous La Ve République. Cerf, 1973

– Michel de Certeau et Jean-Marie Domenach, Le christianisme éclaté. Un vol. 21 x 14 de 128 pp. Paris, Le Deuil, 1974

– Taveneaux René. Histoire des crises du clergé français contemporain. In: Revue d’histoire de l’Église de France, tome 63, n°171, 1977

– Jean Delumeau , Le christianisme va-t-il mourir?, Paris, Hachette,. 1977.

– Émile Poulat, Ère post-chrétienne, Paris, Flammarion, 1994.

– Bishop Simon Towards a Pagan France? 1999

– Denis Pelletier, La crise catholique. Religion, société, politique en France (1965-1978), Payot, 2002

– Danièle Hervieu-Léger, Catholicism: the End of a World, Bayard, 2003

– Yves-Marie Hilaire, Will the Churches Disappear? 2004

– Hervé Le Bras & Emmanuel Todd, Le mystère Français, Seuil, Paris, 2013

– Yvon Tranvouez, La décomposition des chrétientés occidentales (1950-2010), Centre de Recherche Bretonne et Celtique, 2014

[2] Fernand Boulard. Matériaux pour l’histoire religieuse du peuple français, XIXe-XXe siècles. Broché, 1982

[3] Motu Proprio عبارة تستعمَل لإشارة إلى الرسائل التي تصدر عن البابا نفسه

الخطيئة والمرض: نظرة أرثوذكسية

الخطيئة والمرض: نظرة أرثوذكسية

د. نيقولاوس كويوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

في أحد أكثر الأمثلة جمالاً في التربية الكنسية، تقول الأخت ماجدالين من دير القديس يوحنا المعمدان في آسكس، أنه لا يمكننا أن نتحدّث بشكل جاف عن هذا الموضوع الحسّاس، وأن لا نشعر بأننا معنيون. وحتّى لو اعتقدنا بأننا غير معنيين بالمرض عندما نكون في صحة جيدة، إلا أننا مع القليل جداً من معرفة الذات المسيحية فلن ندّعي بأننا لا نحسّ بأننا معنيين بالخطيئة.

هناك خطر عظيم كامن للذين يبذلون جهداً لينظروا إلى العلاقة بين الخطيئة والمرض من زاوية لاهوتية: فهم سوف يغلقون الموضوع بأفكار نمطية قاسية غالباً ما نسمعها حتّى من الباب الملوكي وهي تقدّم اللاهوت والكنيسة وكأنهما صارمين ولا بل قاسيين في الحالتين اللتين تنطبقان بشكل مطلَق على الشخص البشري: الخطيئة والمرض. هنا بالضبط حيث الإنسان المجروح، الخاطئ والعليل، في حاجة قصوى للكنيسة والكاهن واللاهوتي وكل مسيحي.

إن الأمر يتطلب خبرة روحية أصلية وتمييزاً عظيماً إن أردنا مقاربة هذا الثنائي الشديد الترابط، الخطيئة والمرض، من خلال حقيقة الإيمان واللاهوت ومن دون غض النظر عن لبّ الإيمان واللاهوت، أي المحبة والإحسان.

بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، إن الذين لم يحققوا أي خبرة مباشرة فإن الطريق الأكثر أماناً هو العودة إلى الآباء القديسين والشيوخ المتميزين الذين يقودهم الروح القدس. ينبغي أن تكون نقطة انطلاقنا دوماً ما تؤكّده النصوص الإنجيلية التي، بحسب الشيخ صوفروني آسكس، تحفظنا من ارتكاب جهود طائشة ورديئة.

سوف نحاول إذاً أن نضع هذا الأمر ضمن إطار الرواية الكتابية، مع بعض الاسترداد التاريخي ومن ثم التقدّم نحو اﻹشارة إلى بعض الأوجه التي نعتقد أن لها قيمة خاصة ليس بسبب ثقلها اللاهوتي بل بوجه خاص بسبب ملاءمتها الرعائية.

لطالما طرح المرض والألم مشكلة دقيقة عبر العصور، خاصةً من جهة فهمهما. في العالم القديم، أراد الناس لا أن يشفوا الألم والمرض وحسب بل أيضاً أن يفسّروهما. قد يكون أنّ البشر في العصور القديمة جداً، حين وسائل الشفاء كانت قليلة وعديمة الفعالية، كانوا يميلون إلى تبنّي تفسيرات غيبية أكثر من التوجّه نحو الأسباب البيولوجية. في الشرق القديم، الأقصى والأدنى، رأى الناس المرض كبليّة تطلق عنانها الأرواح أو الآلهة لخطأ في العبادة أو كحركة تعكس العجرفة. كانت الأرواح والآلهة تغضب وكنتيجة لذلك ترسل المرض الذي كان البشر يحاولون إزالته بالتعاويذ والتضرعات والضحايا. ليس من باب الصدفة أنّ في الديانات القديمة كان الكاهن أو الشامان يأخذ دور الطبيب كوسيط بين العالمين المادي والروحي.

تغيرت الأمور كثيراً من الزمن حين أوجد اليونان القدامى فن الطب وعلمه وطوروهما، عبر الملاحظة المنهجية. يعرف أغلب الناس استمرارية التاريخ منذ أبقراط، إلى جالينوس المسيحي، نزولاً إلى أيامنا. جدير بالإشارة عند هذه النقطة أنّ الطب لم يولد فقط في الحضارة اليونانية بل ازدهر فيها عبر عصور كثيرة. بحسب المصادر، الأطباء اليونان تفوقوا جداً على الرومانيين، لكن كان لدى البيزنطيين دائماً أطباء استثنائيون. خلال الحكم التركي، أنتج الشتات اليوناني شخصيات طبية مهمة. حتى أول حاكم لليونان الحر، يوحنا كابوديسترياس، درس ليكون طبيباً. إلى اليوم، يبرع اليونانيون في الطب، في بلادهم وخارجها. في هذه اللحظة، في أكثر بلدان الاتحاد الأوروبي تقدماً، اليونانيون مطلوبوم جداً كأطباء. إذا اعتبرنا دور الأساطير الحضرية في التقدم المهني، فقد يكون خلف هذا التقدم التقليد اليوناني بتمنّي رؤية الناس يعيشون أصحاء ومعافين من جراحهم.

نأتي الآن إلى طريقة تعاطي الكتاب المقدس مع ظاهرة المرض. يكمّل الوحي الإنجيلي التقليد القديم المذكور أعلاه في الشرق وبين النهرين. نقطة تركيزه شبه المطلقة هي على المعنى الديني للخطيئة والشفاء، ضمن إطار المخطط الإلهي للخلاص. بمعزل عن أي شيء آخر، المرض هو تعبير عن سلطة الموت على الجنس البشري (1كورنثوس 28:11-32).

في العهد القديم، الصحة – والحياة بكل مظاهرها بشكل عامتفترض مسبقاً وجود قوة محيية. من النادر أن يكون سبب المرض طبيعياً والملاحظات الطبية محدودة بشكل خاص. كل شيء يتوقّف على الله ولا يشذ المرض عن هذه القاعدة. لذا يوجد كثرة من الإشارات حيث الله يسمح بالمرض، ما يستتبع عادةً وجود قوى روحية تتدخل، كملاك الهلاك والشيطان في حالة أيوب.

الارتباط بين الخطيئة والمرض شديد وشبه تلقائي في الروايات الكتابية. ليس المرض ضمن نطاق قوة الخلق التي بها خلق الله العالم والبشر. إنه يأتي كنتيجة للخطيئة. في الوقت عينه، إنه إشارة لغضب الله الذي يضرب الخطأة، إسرائيل الخاطئة والعالم الخاطئ. إلى هذا، يوجد أيضاً وجه تربوي في خبرة المرض حيث تهدف إلى شحذ وعينا لإثمنا. إنه لنموذجي أن في المزامير، طلب الشفاء هو دائماً مصحوب بالاعتراف بالخطيئة نحو الله: “لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي.لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِيلأَنِّي لَكَ يَا رَبُّ صَبَرْتُ” (مزمور 38). وهناك المرض الذي يضرب شعب الله كله، دون أن يكون المتلقّون دائما مذنبين. هنا يأتينا السؤال العظيم المستعصي حول العدالة الإلهية: من أين يأتي الشر (Unde malum)؟ مَن يُلام عليه؟ فلنترك هذه الفكرة إلى وقت لاحق. إن الورطة التي يخلقها هذا السؤال في زمن اليوم العقلاني هي أكثر شدة مما كان عليه في زمن إسرائيل القديم، وطريقة تعاطينا معه في عملنا الرعائي هي بشكل مساوٍ تحدٍ عظيم.

لدينا أيضاً حادثة أخرى حيث البارّ يعاني من دون ذنب، كما في أيوب وطوبيا. في هذه الحالات يقدّم الكتاب المقدس الجواب: الهدف هو إظهار أمانة المؤمن وتمجيد اسم الرب ليكن اسم الرب مباركاً“.

كما يوجد منظور نبويأخروي للمرض. إن عبد يهوه في أشعياء يحمل مرض شعب الله ويتألّم بهدف التكفير عن خطايا شعبه (أشعياء 4:53).

يجب أن نشير إلى أن في العهد القديم لم يكن محرّماً في أي مكان اللجوء إلى العلم الطبي لشفاء المرض. على العكس، في حكمة سيراخ، الطبيب هو شخصية مكرّمة، ليس لمنفعته المهنية وحسب بل أيضاً كحامل لبراعة مفضلة لدى الله نفسه (“لأن الرب جعله فيها“). في أي حال، يوجد أفضلية واضحة لإحالة المرض إلى الله وطلب الشفاء ممَن هو معروف على أنه سيّد الحياة. يعترف الشعب بخطئهم بتواضع، يندبون البؤس الذي سقطوا فيه وينتظرون النعمة والرحمة من الله. بهذه الطريقة، الشفاء هو إشارة إلى حضور الله.

بالرغم من طبيعته التربوية، لا يتوقف المرض عن أن يُعتَبَر بموضوعية كشيء شرير وأن يُنظَر إلى إبادته الشاملة عبر منظور أخروي. في آخر الأزمنة، عندما يجدد الله العالم، سوف تمحى العلة ونتيجتها، أي الخطيئة والمرض معاً.

لقد استمر اليهود في العيش في زمان العهد الجديد في الحالة التي وصفناها. حادثة المشلول عند بركة الغنم وسؤال التلاميذ عن الرجل الأعمى: “مَن الذي أخطأ؟تؤكّد بشكل أكثر أو أقلّ هذه النظرة لهذه الثلاثية المؤلّفة من الخطيئة والمرض والتدخل الإلهي.

إن حضور المسيح يبرهن تحولاً نحو اختلاف في الممارسة كما في الرؤية. يستجيب المسيح مباشرة لمَن هم في المرض. إنه يشفق عليهم ويشفيهم ويحررهم من قيود المرض. من المهم الإشارة أن هناك حالات حيث المرض يتعلّق بباثولوجيا الجسد، أو بمرض النفس كالمسّ الشيطاني أو مزيج من الإثنين كما في حالة المرأة المنحنية. هذا المزيج من الخطيئة والمرض يبدو حاضراً في الحوادث التي فيها المسيح يشفي وبالحقيقة هو يشير إلى هذا المزيج. هنا يصير عندنا عامل آخر لا نستطيع إغفاله. المسيح يشفي أولاً ومن ثمّ يناشد الإنسان لا تعد تخطئ“. ما يريد رؤيته أولاً هو الإيمان والثقة بشخصه لا التبكيت. التوبة كابتعاد عن حياة الخطيئة نحو الحياة الحقيقية كانت مطلوبةً بعد أن يعطي نعمته وموهبته. كان يشتهيها كنتيجة للاشتراك في محبته، وكشرط ملهِم لا كفرض أو ضرورة. بالنسبة للمسيح، هؤلاء المرضى قد عانوا قدراً كبيراً من العذاب، وليس بنيّته أن يزيد على هذا. إنه يرغب بتحريرهم، بإعطائهم أجنحة، بملء روحهم بالرجاء والإصرار، حتّى تكون التوبة نتاجاً للحرية.

في حوادث كحادثة المرأة الكنعانية أو والد الصبي الممسوس، يبدو المسيح وكأنه يصعّب الأمور ليس على المرضى أنفسهم بل ليعلّم الآخرين من الحضور وبالتحديد أولئك الذين في دائرة تلاميذه. وينبغي أن نلحظ هنا أمراً آخراً وهو على نفس القدر من الأهمية. تشير الرواية الإنجيلية إلى أن المسيح كان يرغب بشفاء المرضى حين يطلب منه ذلك طرف ثالث. بتعبير آخر، حين كان الطلب يأتي من قريبٍ، خصوصاً مع شعور متواضع بالمجاملة، كما في حالة قائد المئة التي حيث فوق هذا يأتي القريب من مستوى اجتماعي آخر أو من أمة أخرى أو من عرق آخر وغيره. بتعبير آخر، يمرر المسيح شيئاً من قوته الشافية إلى الأشخاص الذين يطلبون المعونة، إذ يقلّدونه في التعبير عن وصية المحبة المزدوجة بالتواضع نحو الله والمحبة للإخوة من البشر.

بالطبع، هذا كله لا يعني أن المرض أزيل مع مجيء المسيح إلى العالم، بالرغم من أنه في إعلانه شفاء المريض يشير المسيح إلى حضور الله في شخصه هو. إلى جانب طلبه منهم ألاّ يعودوا يخطئوا ينذر المسيح نبوياً لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ“. هذا الإنذار ليس ذا طبيعة شخصية فقط للمريض المعني بل هو أيضاً تألّم نبوي على البلايا التي سوف تصيب الجنس البشري. إن سر الإبراء الإلهي هو الآن حقيقة تاريخية مكتملة، من خلال التجسد والصلب والقيامة. إن الطبيعة الإلهية اتّخذت طينَنا علاجياً واتحادياً وهو الآن يجلس عن يمين الآب. لكن بُنية الخلاص كلها لا تستطيع استئصال حقيقة الحرية البشرية الكلية القوة التي مُنِحَت لكل واحد منا عندما وُضِعَت صورة الله فينا، بشكل لا يمكن انتزاعها. وهكذا، بالرغم من لطف الله وتحذيره في الملكوت كما من خلال المسيح في الأناجيل، ما زلنا نعود إلى الخطيئة ونسبب لأنفسنا ما هو أشرّ“. في هذه الحالة بالتحديد، الأشرّليس أن يصير الإنسان أكثر مرضاً مما كان عليه، بل هو قساوة القلب التي تقع عندما ينسى البشر الهبة الإلهية، أو ما هو أسوأ عندما يزدرون بها. عندما لا يؤدّي الشفاء من المرض والخطيئة إلى حمد الله وتمجيده، ولا إلى التوبة، عندها يحوّل الناس الشفاء، بطريقة أنانية ومتمحورة حول ذواتهم، من سبب للخلاص إلى فرصة للخطيئة.

هنا أحد أوجه العملية الشفائية المهمة بشكل خاص يصير ظاهراً: اكتمال العملية يتطلب القبول والمساهمة البشريين. الله، بعمله كفائق القدرة ولكن ليس كديكتاتور ينتظر ردّ الحرية البشرية على هبته، حتّى بمعزل عن مرض الجسد يستطيع أيضاً ان يشفي الإرادة. إنه قادر على أن يجعلنا نطلبه ونحبه بحرية، إنه قادر على جعل الصورة المخلوقة تعود بشكل دائم إلى الأصل.

إذاً، واضح في الرواية الإنجيلية، أن المسيح يعتبر أن الخطيئة هي المرض الرئيسي في الطبيعة البشرية. لهذا السبب هو غالباً ما يبدأ شفاءه بإعطاء الحلّ من الخطايا. كخالقٍ، إنه يعرف أحكام طبيعتنا أكثر من أي آخَر كان. إنه يعرف تماماً انه من الصعب تنوير البشر سواء من خلال الخوف من المرض أو بنعمة الشفاء. إنه يقدّم موته على الصليب على أنه الشفاء الحازم والنهائي لمركز المرض، أي الخطيئة. هناك، يكتسب المرض والألم البشري معنى مختلفاً. يعلن المسيح متى ارتفعتُ، أجذب الكل إليّ“. هذا الجذب يطبع منظوراً مختلفاً نوعياً على الوجود البشري وهو إلى حد كبير يمثّل انقلاباً. إن نبوءة أشعياء تتمّ وما يعمله المسيح لنا لا يستطيع الناس أن يعملوه لأنفسهم، وهو ما يصفه الرسول بولس بلغة مأساوية في رسالته إلى أهل روما: “وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟الخطيئة تنغلب بشكل كامل مرة واحدة مع الصليب والموت والقيامة.

في النهاية، كل هذا هو سر غير مفهوم عندنا في جوهره مع أنه متاح لنا من خلال حياة الكنيسة. إن تغيرنا الأسراري بالمعمودية والميرون والمناولة الإلهية والميرون المقدّس يمنحنا إمكانية رؤية المرض كاشتراك في الصليب الذي يقود إلى القيامة، ليس بعد الآن كوسيلة للتنوير، بل كحالة من النعمة التي تقود إلى التألّه. هكذا يُنظَر إلى المرض من منظر الفداء الخلاصي.

حتى ولو نجحنا في تقديم رسم تقريبي للعلاقة بين الخطيئة والمرض عبر منظور لاهوتي، يبقى عندنا أسئلة متّقدة نطرحها على ذواتنا كما على الذين يتوجّهون إلينا بشكل لا يمكن تلافيه:

1. كيف يختبر عملياً كلٌ منا العلاقة بين الخطيئة والمرض؟

2. كيف يمكننا أن نصنّف ونشرح وننقل هذه الثنائية إلى الآخرين القريبين منّا والبعيدين؟ كيف يمكننا أن نتعامل مع الحالات الصعبة كالأمراض الخطيرة عند الشباب، أو موت أحد الأحباء الفجائي؟

3. كيف يمكننا أن نتحدّث إلى الآخرين عن كل هذا؟ هل هم جميعاً في موقع يسمعون ويستوعبون نفس الكلمات؟

قد لا يكون هناك منظار من خلاله نعالج هذه الأسئلة أفضل من الأدب النسكي في تقليدنا الهدوئي. عبر تحليله الجراحي للشخصية البشرية، يمكن لهذا التقليد الهدوئي أيضاً الولوج إلى سر كائننا النفسجسداني (psychosomatic) بروح من التمييز الخيّر وبهدف تقديسنا وشفائنا الكلي. هناك الكثير من الإشارات في نصوص الآباء النسّاك القدماء، وبدلاً من العودة إليهم للمساعدة في تقديم نظرتي هنا، قد اخترتُ أن أعود إلى كتابات القديسين المعاصرين والشيوخ المتميّزين، كالقديس باييسيوس والشيخ صوفروني من آسكس والشيخ أميليانوس من سيمونوبترا. إن فهم تعليم هؤلاء القديسين والشيوخ أكثر سهولة لجيلنا. علينا أن نتذكّر أنه حتّى عندما يتوجّه هؤلاء الشيوخ إلى الرهبان وليس إلى العلمانيين، فإنهم يعرفون جيداً أن مستمعيهم هم أشخاص وُلِدوا وترعرعوا في هذا الجيل، جيل العقلانية والتشكيك في كل شيء والاستهلاك على كل المستويات، والمكننة حتى للجسد البشري، والسعي إلى السهل من الأمور. عندما كان خريسوستوموس أسقف رودوستولون رئيساً للمدرسة الأثوسية كان يقول: “في الجبل المقدس نحن نصدِر شهادات وفاة فقط، لا شهادات ولادة“. ما كان يعنيه هو أن كل الرهبان هناك يحملون معهم إلى حد ما خبراتهم ومشاكلهم وخطايا العالم خارجاً.