القديس ذيونيسيوس الذي في جزيرة زاكنثوس*

 

 

كانون الأول 1580

لقد مضى أسبوعان منذ أن ساءت حالة الطقس. بالرغم من طبيعة المكان المُشْمِسة، عادةً، وطقسه اللطيف، إلا أن المطر لم يتوقف لعدة أيام؛ كانت تمطر في الجبال وفي الأودية. كان المطر يهطل لساعتين ونصف ثم يتوقف لنصف ساعة. والآن، فقد تقلَّد الشتاءُ الرهيبُ الصولجانَ في برودته. توشَّحت أشجارُ الصنوبر بردائها الثلجي الأبيض، بينما كانت أشجارُ الجَوز، أميراتُ الغابة المنعزلة، تُبدي إعجابَها بالجليد المتكسِّر.

كان قد انتهى لتوِّه من صلاةِ الغروب في كنيسة أنافونيترا. لقد حان الوقت بالنسبة له لكي يدلف إلى قلاَّيته في العلّية. كان تلميذُه وكاهنان آخَرَان قد أخذا إذناً للبقاء في الدير المجاور خلال فترة صوم الميلاد، لذا فقد كان بمفرده. كان الوقت متأخراً في ذلك العصر، والعاصفةُ الثلجية على وشَك أن تبدأ. عند الساعة الخامسة كان الظلام قد حلّ. في خروجه من الكنيسة رسم، كعادته، إشارةَ الصليب ثلاثاً. لكنَّ الرياحَ العاصفة ضربته على صدره، فأُجبِر على التراجُع والعودةِ إلى الكنيسة لإصلاحِ وشاحِه.

للحظةٍ، لاح له أن قنديلَ الزيت الذي أمام أيقونة القديسَين قسطنطين وهيلانة ينطفىء. عندما دنا منه، أصدرَت الشعلةُ صوتاً وانطفأتْ. تجشّم عناءَ إصلاحها طويلاً. بعد أن غطّى نفسَه جيداً بوشاحه توجه خارجاً. كان في حماسٍ كبير، فبعد قليل سوف يعود لدراسة بعض النصوص القديمة. آه، أفضل أصدقاء الإنسان هي الكتب، فهي هادئة، مطيعة، لا تتذمّر. إنها تَمضي بك في رحلة إلى الحقائق الداخلية، ثم لا تطلبُ ولو حتى نصف كلمة شكر. كان يدرسُ كتابَ “العظات النسكية” للقديس أفرام السرياني. لقد حفر في قلبه خمسةَ أسطر من النَّص: “هل تريدُ أن تُبطِل الوقيعةَ والنميمة؟ ضع باباً على فمك بنعمة الله، وتوجَّه بناظريك بعيداً، فلا ترى الأمور الباطلة”.

آه، حتماً أنه قد وجد الفرح في تلك الكنوز الآبائية. يا لَلفرح الحلو وغيرِ المنقطع الذي يَحلُّ على النفس. لن تستطيعَ آلافُ الأصوات وآلافُ الأنوار أن تَطغى على ولو نصف كلمة من… البارحة، مثلاً، عندما كان الطقسُ أكثر هدؤً، كان مأخوذاً كلّيّاً. تناول عشاءه في نصف الليل، وبعد قليل، تلا خدمة السحرية. صعد درجات قلايته، وكان على وشَك فتح الباب حين حاولت الريحُ سلبَه وشاحَه. فرفع يدَه اليمنى ليُمسكه، حينها سمع وقْعَ خطواتٍ مندفعةٍ على بُعدِ مئةِ قدمٍ من قُنّ الدجاج. تساءلَ: “هل هناك مِن حيوان يطارد الدجاج؟”  لكن، لم يكن هناك حيوانات متوحِّشة في تلك الناحية، فقد حرص الرئيسُ السابق للدير على إبعادها. في تلك الأثناء، أصبح وقْعُ الخطوات أعلى، ثم سُمع أحدُهم يصرخ: “النجدة… أيها الراهبُ افتح لي، النجدة”. ترك مقبض الباب واندفع إلى أسفل باتّجاه البوابة المصنوعة من خشب السَّرو حيث كان الزائرُ الغريب واقفاً يصرخ.

_ “مَن أنت، وماذا تريد؟”، سأل بهدوء.

“افتَحْ الباب! ارحمني، أنهم يطاردونني؛ يريدون قتلي. أنقذني، خَبِّئني، بحق أحبّائك”.

لماذا يُطاردونك؟”

“افتح لي وسوف أعترفُ لك”.

فتح الراهبُ قفلَ الباب، فبدأت بوابةُ السَّرو بالإنزلاق. في لحظة، كان الغريب قد اندفع داخلاً. كان غيرَ حليق ومُتَّسخاً وعاري الرأس، يحملُ هراوة، وفي جيب سرواله كان سكِّينٌ غليظٌ يلمعُ.

“خبِّئني، سوف يأتون سريعاً”، كان يصرخُ بألم.

“ماذا فعلْتَ أيها المسيحي؟ لماذا هم وراءك؟”

“لقد قتَلْتُ…”

أصبح وجهُه أصفراً. وَقَعَ الفانوسُ من يده، وفي الرياح القارسة تجمَّدَتْ العينان: “يا لَلرجل البائس… هل تغلَّبَ عليك الجحيمُ يا قايين؟”

“خبِّئني بلا تأخير. سوف يَصِلون في أية دقيقة…”

في تلك اللحظة سُمعَ صوتٌ آتٍ على مبعدة من المكان: “هلمَّ، إنه الطريقُ الوحيد، ليس مِن مكانٍ آخر يذهبُ إليه”. وقف مُتردِّداً، هادئاً كندى الصباح المتجمِّد. كانت يداه ترتجفان، والريحُ لتَوّها قد سلبَتْه وشاحَه. “لنذهبْ”، وشوشَتْ شفتاه.

“إلى أين؟”

“إلى القلاية الجانبية، إلى الأعلى جهة اليمين”.

سرعان ما أصبحا أمام الباب. كان على وشك أن يفقد توازُنَه ويهوي عندما كان يلتقطُ حجراً. لم تُستعملْ القلايةُ الجانبية منذ الخريف، وكان المقبضُ قد علاه الصَّدأ. لم يكد ينتهي من إقفال الباب وراءهما وإضاءة قنديل الزيت حتى وقع القاتلُ على رجليه راكعاً، وقد بدت نقطتان من الدم على قميصه. “ارحمني”، وبدأ ينتحب.

“ليرحمْكَ الله أيها الرجل البائس. من ناحيتي فإني في غاية الإشفاق عليك. ولكن، هل يعود الأمواتُ إلى الحياة… ابْكِ وتفجَّعْ. أُطلُبْ حنوَّ الله”.

كان الرجل، في ذلك الحين، يبكي بيأس.

“هل تتوب؟”

“لآلاف المرَّات. فليحمل عائلة المونديني اللوم فهم وعدوني بترتيب الأمر.

ارتعد رئيس الكهنة لتلك الكلمة. لكنه هدأ عندما فكر بالمطاردة التي حدثت. كان من المؤكد بأنهم، إذا ما ألقَوا القبضَ عليه في تلك الليلة، فسيقومون بإعدامه. تذكَّرَ لصَّ اليمين، وبدون أن يَنبُس بشَفَة، فتح الدُّرْجَ وتناول البطرشيل، ثم قبَّله ولبسه ورسم علامة الصليب قائلاً:

“إذاً، من أجل المال، أيها المثير للشفقة، وافقتَ على ارتكاب جريمة؟”

“أجل أيها الأب القديس، ولتحُلَّ اللَّعنةُ على ذلك اليوم الذي أعماني فيه رجلُ الستة أقدام لأفعل هذا. أه، يا لَوقاحتي وغبائي! من أجل أن يتم انتخابُ زعيماً في الجماعة دون الرجل الآخَر، يا لَلسيد المنكود الحظ سيغوروس… “.

كانت الأيدي تصطك. البطرشيل كمثل مخمل أسود غطى صورته الظلية. قنديل الزيت بدا كما لو أنّ الرياح استهلكته، عاصفة الشتاء … “أيّاً من خدّام سيغوروس قد قتَلْتَ؟”

“الخادم؟! أيها الأب القديس، لقد قتلتُ السيدَ كونستانتي نفسَه. لقد نصبتُ له كميناً وأرديتُه عند زاوية القلعة. تركتُه ميْتاً. تضرَّعْ إلى الله من أجل النفْس، من أجل النفس التي سوف أتخلَّى عنها”.

الزلازل تُلقي الذعر، البرقُ ينشر الرعب، النار المحيطةُ تُرهبُ القلوب وجيشان البحر يبلبل البحار، لكن كلمات قاتل تائبٍ يركع أمام البطرشيل تتجاوز كلَّ هذا، وتذوبُ في النحيب كما لو أنها تخرج من صدر أسد جبار طُعِن في الظّهر… “آه!”

“لماذا تنتحبُ يا أبت؟ أَشفق علي. هل كان السيدُ أحد أقربائك؟”.

“كان… كان أخي. أخي قسطنطين… قسطنطين… قسطنطين”.

انهمرت الدموعُ مباشرةً فوق رأس القاتل.

هل للدموع ثِقَل؟ إلا أنها كانت تنزل كالحجارة على رأسه المتأرجح في مهب الريح. وللتوّ سقط مرتطماً رأسُه بالأرض. كان يلثمُ نَعلَي الكاهن وهو يرتجف كالسمكة وعيناه تطفحان بالدموع.

“أنتَ… السيد… صاحب السمو… فخرُ البلاد؟ يا لَلمصيبة التي لا تُحتمَل قد حلَّتْ عليّ… اضربني… هنا، تناول السّكّين واقتُلني”.

فجأة حلَّ الصمت. صمْتٌ مُشبعٌ بالغموض والرهبة. تُرى مَن مِنَ الأرواح الملائكية كان يشاهد هذه الأحداثَ المأساوية؟

كان الكاهنُ مُحَمْلقاً في السماء والدموع من مقلتيه كالصخر تنهمرُ وتنهمر…

“ربي وإلهي… ربي وإلهي…”، كان يَهمس.

“اضربْني. اضربْني”، صرخ الزائرُ الغيرُ المتوقَّع.

كم من الوقت دامت هذه اللحظات المأساوية؟ لا أحد يَذكُرُ؛ وحدَه المصلوبُ يعرف.

“إنهَضْ”، قال أبُ الإعتراف، “أسمعُ أصواتاً وأحصنة”.

قفز الرجلُ ناهضاً كبقرة ذبحها الجزَّار.

“هل ستُسلمني؟”

“كلا”.

“وماذا قرَّرتَ بشأني؟”

“غادِرْ. اذهبْ إلى الجبال”.

“هل أستطيعُ؟”

“لا أدري. اذهب حيث ينير المصلوبُ لك الدربَ”.

“لكنهم… سيشاهدونني”.

“اذهب إلى الحظيرة. اختبىء في المرج. أو انحدِرْ في الجرف نحو الصخور الخضراء”.

كانت اللحظةُ حَرِجَة. كل ذلك حدث في غضون خمس أو ست دقائق؛ ربما في دقيقتين. في تلك الأثناء كانت أصواتُهم مسموعةً بوضوح: “الشقي! أين اختبأ؟ لن يستطيع الإفلات”، “سوف أقطع عنقه”، “لقد سَلَبَنا أنفاسَنا”.

كانت يداه ترتجفان. أعاد البطرشيلَ إلى الدُّرْج. إذا لم يمسحْ دموعَه فسيثيرُ الشكوك. “آه! لَمْ أَسقُطْ. أظنُّه قد تاب…” كانت شفتاه تهمسان. “على الأقل لن تتوه نفسُه…” لم يكدْ يُنهي تفَكُّرَه في تلك الأمور إلا وكانت عيونُ خمسةِ أشخاصٍ تحَدِّقُ به.

“هل مَرَّ أحدٌ من هنا أيها الشيخ؟”، سأله الأطولُ بينهم بصوت مرتفع.

“أجل”.

“وأين هو الآن؟”

“لقد غادر”.

“في أي اتّجاه؟”

“لم أنتبهْ”.

“وكيف ذلك؟”

“كنتُ قد بدأتُ بالتحضير لصلاتي المسائية. لم أنتبهْ. …ربما باتجاه الحقل”، وقام بحركة غامضة كما لو أنه يريهم أين.

“بسرعة، في هذا الاتّجاه”، صرخ الرجلُ الطويلُ. “لقد فهِمتُ، إنه يتَّجه     غَرباً”. وبلمح البصر غادر الخمسةُ قافزين كالبرق على أحصنتهم ومتوارين في الظلام. سرعان ما أصبح الصوتُ الوحيد الباقي هو عويلُ الريح…

بدأتْ أفكارٌ غريبةٌ تُعَذِّبُه. “إني أحتقرُه. لكنه…”، كان يبكي طالباً الصَّفحَ. “لكنني قدَّمتُ نُذوراً… كأسقف… اغفُرْ له… إذا سلَّمتَه إلى التنّين الأزلي… (أي إبليس)  لا… لا. امنحني القوة، يا إلهي، لكي أتخطّى هذه التجربة”.

وقف في الصقيع منتظراً إياه. لكن لم يظهرْ له أثَر. بدأ بصعود الدرَجات. إلى أين هو ذاهبٌ؟ إليها؛ إلى ملجأ الحزانى، أيقونة عذراء أنافونيتريا (منطقة في زاكنثوس). كانت مصابيحُ الزيت تنثُرُ أنوارَها الباهتة على أيقونات المسيح والعذراء والقديس يوحنا ورئيس الملائكة. انتصب أمام “الباب الملوكي”؛ ثم ركع وصار ينتحب. يُقالُ أنه، في مثل تلك الحالات المأساوية، يكون الوقتُ مُستبِدّاً قاسياً. مع ذلك، فإن الوقت اختفى في تلك الليلة. الثلجُ والريح والغيوم والنجوم؛ كل شيء انسحب تراجع، حتى نحن، لكي تستطيعَ الدموعُ الوصولَ إلى السماء. حل الفجرُ أخيراً، فرآه، عندها. كان مختبئاً في إحدى الزوايا، وقد كشفَتْ عيناه الضاريتان المعاناةَ والألمَ في نفسه.

“أنت قتلْتَ أَخي. لقد أصبحَتْ أُختي، الآن، وحيدةً وبلا حماية…”

“أنت قرِّرْ. ماذا تريدُني أن أفعل؟”

“غادِرْ”.

“ماذا..؟”

“أجل، اذهب. خد مركباً وغادر عن طريق البحر”.

“لماذا… لماذا لم تَقُم بتسليمي؟”

“لقد اعترفْتَ لي”.

“لم أفهم”.

“سوف تفهمُ لاحقاً. إن أبَ الاعتراف هو اللُّجَّةُ حيث يُدفَنُ فيها سرُّ الخطيئة. عندما تجد الملجأ، اطرحْ نفسك تائباً أمام قدمي المصلوب. اعمَلْ من أجله حتى الرَّمَق الأخير، وسلِّمْهُ نفسك بشُكر”.

“لقد فهمتُ. الآن…”.

يداه، أصابعُه، أصابعُه الملطَّخةُ بالجريمة كانت تفتِّشُ عن اليدين الأُخريين، تلك اليدان اللتان كثيراً ما كانتا، على المائدة المقدسة، تشابهان الجلجلة. حينها، ومن أعماق قلبه خرجت الصرخةُ كالرعد: “لستُ مستحقاً لهذا المعروف”.

 

هذه القصة تُرجِمت عن الكتاب اليوناني: “القديس ذيونيسيوس الذي لم يَبْلُ جسدُه” لسوتوس خوندروبّولو.

Leave a Reply