الأب أنطوان ملكي

قراءة رعائية من واقعنا

ورد في نشرة رعيتي، 30 كانون الأول 2001، العدد 52: “البدعة (secte ) هي “ممّا أُحدث على غير مثال سابق”، أو هي، بمعنى آخر، أمر جديد غير مألوف. والبدعة، باللغات اللاتينيّة، تعني الانفصال عن الأصل. أمّا في علم الاجتماع الدينيّ فتتضمّن معاني سلبيّة، فيُقصد بها كلّ جماعة منغلقة على نفسها تمارس في داخلها طرق “غسل دماغ” وتلاعباً فكريّاً عند الآخر، ممّا يؤدّي إلى تحطيم المرء تحطيماً جسديّاً وروحيّاً واجتماعيّاً، فتمنع عنه حرّيّة التعبير أو النقد أو مجرّد النقاش. وتقتصر مسيرة المنتمين إلى هذه البدع على تقبّل الأجوبة الجاهزة والانتقائيّة والتلفيقيّة التي يفرضها النظام العقائديّ المُنزل، والتي غالباً ما تخلو من العمق والمنطق السليم. وتكون هذه الجماعات، في أغلب الأحيان، تحت سلطة “غورو” (ما يوازي المرشد الروحيّ) الذي يتصرّف مع جماعته كإله يتحكّم بمصير كلّ فرد فيها.”

أول تعليق حول هذا النص هو لغوي: كلمة sect تعني الطائفة أو الشيعة أو الفرقة، لكنها لا تعني البدعة في أي من المعاجم. إلى هذا، مفهوم البدعة الوارد في هذا النص يتّكل بشكل أساسي على علم الاجتماع الديني وليس على الآباء أو الكتناب المقدّس كما سوف يظهر في هذا النصّ. فالواضح أولاً أن اللغة التي يستند إليها التفسير هي اللغة اللاتينية وليست لغة الكتاب المقدّس اليونانية، من هنا أن في هذا التحديد اقتصرت البدعة على الشيعة (sect) وما من أي إشارة إلى الهرطقة، أي ما من أي إشارة إلى علاقة البدعة بالإيمان. هذا التعريف ينطبق فعلياً على الدين الجانبي (parareligion).

إذاً، ما الهدف من إثارة الموضوع؟

الهدف من الكتابة حول هذا الموضوع هو الإجابة على عدد من الأسئلة التي تنطبق على واقعنا: أما زال هناك هراطقة أن أن الهرطقة من الماضي؟ هل مجرّد كون الإنسان أرثوذكسياً يعني أنه ليس هرطوقياً؟ هل الكاثوليك والبروتستانت هراطقة؟ هل ما زال مسموحاً توصيف أيّ من المسيحيين بالهرطقة أو البدعة؟ هل يتّفق هذا التحديد مع التقليد؟

في الكتاب المقدّس

بداية كيف يحدد الكتاب المقدس البدعة. نقرأ في العهد القديم عن الكثيرين من الأنبياء الكذبة الذين تواجد البعض منهم حتّآ في أيام السيد المسيح. واضح في الكتاب المقدس تحذير رجال الله من الأنبياء الكذبة، في العهدين القديم والجديد وكيفية تعاطي شعب الله معهم.  أما تحديد البدعة على أنها ما نسمّيه في العربية الهرطقة أي التعليم الخاطئ أو النبوءة الكاذبة، فيعود إلى الرسالة إلى تيطس حيث يقول المصطفى بولس: «الرجل المبتدِع أعرِض عنه» (10:3). باليونانية، الرجل المبتدِع هو  Αιρετικόν άνθρωπον. الصفة هنا تشتقّ من الفعل αιρέω   الذي يعني “أختار”، أي أن الابتداع هو اختيار ما لا يتوافق مع الإيمان المسلّم، ومن هذا الفعل تشتق كلمة αίρεση التي تعني الهرطقة. هذه الكلمة تختلف عن كلمة  sect اللاتينية الأصل التي تعني الفرقة أو الشيعة، وهي تنطبق على أي مجموعة، واليوم تُطلَق على بعض الفرق الموسيقية. الفرق المهمّ بين الكلمتين هو ارتباط الهرطقة بالانحراف عن الإيمان.

وصف الهرطقة

في دراسة تاريخ الهرطقات يمكن التوصّل إلى عدد من الصفات المشترَكة ما بينها. أهمّ هذه الصفات أن الهرطقة هي اختيار جزء من الحقيقة لدعم نظرة ما ورفض كل ما تبقّى. الأمثلة كثيرة. أريوس تمسّك بجزء من الكلام عن المسيح وأهمل الآخر، وبالتالي انتهى إلى رفض وجود المسيح قبل الزمن. هذا ينطبق في كل زمان ومكان على كل انحراف فكري. فكما ينطبق على أريوس ينطبق على رفض الكثلكة لقول السيد “أنت الصخرة” وليس “أنت بطرس”، رفضاً لا يليق بما تختزنه الكثلكة من علماء لغة وألسنيات. لكن هذا الاجتزاء هو للبناء عليه، وهذا ما يجعل “اولوية البابا” هرطقة.

إن تجزئة الإيمان والاستنسابية في الاختيار منه تخلق مشاكل خطيرة روحياً، لأنّ التلاعب بالإيمان يؤدّي إلى خسارة طريقة الحياة الصحيحة التي تقوم على علاج الأهواء وتطهير القلب وتقود إلى معرفة الله. فقد رأى الآباء أنّ الهرطقة بالنسبة للكنيسة هي مثل المرض القاسي للجسم. إنها سرطان يعرّض كل الأعضاء للخطر إن لم يُستأصَل. لهذا يلعب قديسو الكنيسة والتقليد الكنسي الصحيح دور جهاز المناعة في الكنيسة.

ففي تقليدنا أن البدعة تشق الكنيسة لأن الهرطقة تقسّم وتفرّق. من الأمثلة المعروفة قصة رؤيا القديس بطرس الإسكندري حيث ظهر له السيد أثناء القداس الإلهي في ثوب مشقوق ولمّا سأله مَن شقّ ثوبك أجاب أريوس، أي هرطقة أريوس.

في تعداد الرسول بولس لثمار الروح يشدد على أنّ البدعة ليست من هذه الثمار بل هي من أعمال الجسد، إذا غالباً ما يتمسّك المبتدعون بآرائهم لغايات ليست بالضرورة إيمانية بل مرتبطة بالسلطة وتقويم الرأي وما شابه: ” وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ، عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ، حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ.” (غلاطية 19:5-21).

الإدانة للبدعة وليست للمبتدعين

يشدد الآباء القديسون على أن ما تدينه الكنيسة هو البدعة. أما المبتدعون فهم يدينون أنفسهم في تمسكهم بهرطقتهم. في هذا الإطار يقول القديس مكسيموس المعترف في تعليقه على اضطهاد الهراطقة: «أنا لا أكتب هذه الأشياء رغبة في التضييق على الهراطقة أو فرحاً لتعرضهم لسوء المعاملة – لا سمح الله؛ فالأحرى هو الابتهاج والسعادة بعودتهم. … أريد وأصلّي أن تكونوا قساةً بالكامل وعنيدين مع الهراطقة فقط بعدم التعاون معهم بأي وسيلة قد تدعم اعتقادهم المختلّ.» فموقف الكنيسة الفعلي هو أنها ترى في الهراطقة مرضى، لهذا تعطيهم فرصة العودة عن هرطقتهم.

وحري بالذكر هنا أنّ مَن يصدر الحكم بالهرطقة ليس أشخاص مهما علا شأنهم بل المجمع هو الذي يدين. الأفراد يشيرون إلى انحرافات عن الإيمان. لكن المؤسف في زماننا الحالي أن مَن يشير إلى الانحراف يُتّهَم بقلّة المحبة وبضيق الرؤية والتزمّت.

فالتدبير εκονομια الذي هو وسيلة عند الضرورة القصوى بيد الأسقف صار مشاعاً لكل الأفراد حتّى لم يعد هناك جعهة تشير إليها بوصلة الإيمان إلا التقوى التي هي أكثر الأمور تأثّراً بالجو العام، وبما تمليه وسائل الإعلام والدعاية التي يبرع فيها غير الأرثوذكس.

واقعنا الأرثوذكسي الأنطاكي

أبرز ما يميّز الواقع الأنطاكي هو الغربة عن الفكر الآبائي التقليدي. وتظهر هذه الغربة في أمرين: الشركة مع غير الأرثوذكس، على كافة المستويات والأشكال، وسوء استعمال التدبير.

القديس يوحنا الرحوم يعلّم:”كيف لنا أن نهرب من الاشتراك في العقوبة التي تنتظر الهراطقة في العالم الآتي، إذا كنا ننّجس الإيمان الارثوذكسي المقدس بالتواصل الزاني مع الهراطقة؟… لهذا أناشدكم بجدية، أيها الأبناء، لا تقتربوا من خطابات الهراطقة ولا تشتركوا معهم.” أمّا القديس ثيودوروس الستوديتي فيعلّم بأنّه “حتى لو تخلّى الإنسان عن كل ممتلكاته في العالم وبقي على شركة مع الهرطقة فلا يستطيع أن يكون صديقاً لله، لا بل هو عدوٌ له”. ويشير القديس يوحنا الذهبي الفمّ بصوت عالٍ إلى الهراطقة على أنهم أعداء الله، لا لوحدهم بل ومعهم كل الذين يحفظون الشركة معهم.

إن التراخي في موضوع الشركة مع المبتدعين يؤدّ إلى قبول الكثيرين بوجود أكثر من إيمان فيما الآباء لم يؤمنوا إلا بوجود إيمان واحد. في إحدى رسائل القديس ثيودوسيوس من دير الكهوف في كييف كلام واضح حول هذا التعليم : “يا بني، لا يليق الثناء على دين آخر. مَن يشيد بإيمان غريب هو كالذي يذمّ بايمانه الأرثوذكسي. مَن يثني على دينه كما على دين آخر، هو رجل مزدوج الإيمان وقريب من الهرطقة. إذا جاءك مَن يقول لك: “إيمانك وإيماننا هو من عند الله”، عليك أن تردّ: “مبتَدِع! أتعتبر أن الله إيمانان؟ ألم تسمع ما يقول الكتاب المقدس: “رب واحد، إيمان واحد ومعمودية واحدة” (أفسس 4،5). وبالتالي، حذار يا بنيّ من مثل هؤلاء الناس ودائماً دافِعْ عن إيمانك. لا تتآخَ معهم، بل اجتنبهم والتزِم بإيمانك مع العمل الصالح!”

أما في موضوع التدبير، فأساس المشكلة أنّ كثيرين يرون عند القديسين آراء وليس تعليماً، والآراء تتغيّر مع الزمن. من هنا أن ما كان الوضع عليه أيام هذا القديس أو ذاك لم يعد نفسه، وبالتالي يعطي كل أسقف أو كاهن أو شماس نفسه الحق في استنساب ما يطبّق. من هنا نرى أن انحرافات كثيرة تنتشر، ليست السيمونية إلا واحدة منها.

الأب جورج فلوروفسكي، بنظر الكثيرين من الأرثوذكس وغيرهم، هو مهندس المسكونية الأرثوذكسية في القرن العشرين. من أجمل ما وُصِف به فلوروفسكي من قِبَل أحد “علماء” المسكونية، أنّه جمع بين الشهامة نحو غير الأرثوذكسيين والالتزام الراسخ بالأرثوذكسية الآبائية، “مظهراً الشجاعة لتحدي أيّ محاور، سواء كان رئيساً أرثوذكسياً أو حتّى الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي. لقد حافظ فلوروفسكي على التزامات مسكونية ثابتة لكنّه حذّر من أيّ مسعى مسكوني من شأنه أن يرسّخ التبسيط العقائدي أو يمنح امتيازاً للعمل المشترك على حساب المواجهة اللاهوتية.”

إن الكلام عن البدع والهرطقات يتطلّب مثل هذه الشجاعة التي تفتقدها كنيستنا اليوم.  لقد كثُر المجامِلون بين الكهنة واللاهوتيين المستفيدين من غير الأرثوذكس اللاهثين وراءهم. إن مسالمة الخطأ في الكنيسة، سواء بلغ حدّ الهرطقة أو لا، هي دليل ضعف ناتج عن تغييب النعمة “التي تكمّل كلّ ضعف” (من أفشين السيامات) فيما حمل النعمة يحتاج إلى شجعان.