صلاة الصغيرات

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع، دده – الكورة

 إنّهنّ أربع فتيات في عمر الورود، إذ لم تتجاوز أعمارهنّ الثانية عشرة، ومع هذا عرفن السجن والألم كمجرمين كبار يهدّدون أمن البلاد. ففي صباح أحد الأيّام، دخلت المدرّسة الصفّ وهي تزمجر متهدّدة: “من منكم يؤمن بالله؟”. ولمّا لم تجد ردًّا على سؤالها هذا، غضبت جدًّا، وراحت تتوعّد التلاميذ بأنّهم إن لم يجيبوا على سؤالها فسوف تشكوهم إلى مديرة المدرسة لتأخذ في حقّهم العقوبات اللاّزمة.

– هيّا، أجيبوني، أيّها التلاميذ الجهلاء، من منكم يعبد الله؟

– أنا، أيّتها الآنسة.

– أنت، يا أديل؟ أنت؟ كيف تؤمنين بمن لا وجود له.

– نعم، أؤمن بأنّ الله موجود، وأؤمن بأنّ يسوع المسيح هو المخلّص الحقيقيّ.

وقبل أن تجيب المدرّسة وقفت إلى جانب أديل ثلاث فتيات تطفح وجوههنّ بالبراءة  والوداعة، وقلن بصوت تملأه الثقة والإيمان الوطيد: “ونحن، أيضًا، نؤمن بالله، لا بل إنّنا نصلّي مساء كلّ يوم: أؤمن بإله واحد…”. وهنا شرعت الفتيات الصغيرات يتلين دستور الإيمان: أؤمن بإله واحد آب ضابط الكلّ… وكانت المفاجأة غير المتوقَّعة لهذه المعلّمة أن بدأ الصفّ بجملته يتلو أؤمن بإله واحد آب… فوضعت المدرّسة يديها على أذنيها، وهي تصرخ: “كفى، كفى، لا أريد أن أسمع هذا منكم أيّها البؤساء”. ثمّ ما لبثت أن خرجت من الصفّ باتّجاه غرفة المديرة.

وبعد دقائق معدودة، أتت المديرة تصحبها المعلّمة وقد اصفرّ وجهها وشحب. فالتفتت المديرة وقالت بلطف شديد:

– يا أولادي، أنتم تعرفون بأنّ عقوبات فظيعة تنتظر من يعترف بإيمانه بالله، وأنتم أولاد صغار لا تستطيعون تحمّل العذابات. هذا بالإضافة إلى أنّه لا وجود حقيقيّ لهذا الإله الذي تؤمنون به، فحديث جدّاتكم وأمّهاتكم ما هو إلاّ قصص أطفال وأوهام كأيّ قصّة ترويها الأمّ لطفلها قبل أن ينام، أليس كذلك؟

– (لا جواب)

– والآن، يا أديل، أما زلت مصرّة على رأيك مع رفيقاتك؟

–  أجابت الصغيرات بصوت واحد: نعم، نعم.

–  ألا تخشين العذاب؟

– (بثبات): كلا، كلا.

 – سوف أرسل أسماءكنّ إلى السلطات العليا، وسوف يرسلوكنّ إلى السجن.

–  هذا لا يهمّنا.

حارت المديرة أمام ثبات هؤلاء الصغيرات، وخرجت من الصفّ وهي ترتجف، فهي لا تريد أن تسيء إلى هؤلاء الصغار، ولكنّها، في الوقت نفسه، لا تستطيع أن تبقى لا مبالية أمام إعلانهنّ، وإلاّ تنال أفظع العقوبات. وبعد أسبوع عرفت مديرة المدرسة بأنّ الفتيات الصغيرات نُفين وسُجنّ. وبعد أيّام قلائل، تسلّمت المديرةَ ظرفًا مُعَنونًا باسمها، ففضّته، وأخذت تقرأ:

 حضرة المديرة المحترمة

إنّنا نكتب إليك من غرفة سجننا المظلمة والباردة جدًّا، ولكنّ النور الإلهيّ يضيئنا ومحبّة يسوع الصغير تدفئنا. إنّ رائحة الغرفة كريهة جدًّا بسبب القاذورات الكثيرة الموجودة فيها، ولكنّ هذا لا يهمّ، فنقاوة قلوبنا تعوّض لنا عن هذه الأوساخ. إنّنا نركع، مساء كلّ يوم، على الأرض الباردة أمام أسرّتنا المهترئة القديمة، ونرفع أيدينا إلى العلاء ونصلّي:

يا ربّ، بارك نومنا، فلقد أغمض النهار عينيه، وأغمض التعب عيوننا،

جفّت مشاعرنا، وفارقتنا قوّتنا.

نشكرك، يا ربّ، على جميع النِعم التي أعطيتنا إيّاها اليوم. نشكرك على الصحّة والقوّة، وعلى الرجاء الذي زرعته في قلوبنا. نشكرك على هذه المعاناة، والكراهية والإهمال، التي سمحت لنا أن نتذوّقها. إنّنا نحتاج إلى طبيب، وإلى من يعزّينا، إلى أب يحتضننا، لكنّنا نعلم، يا يسوع، أنّك الطبيب والمعزّي والأب العظيم الحنون. يا يسوع، ربّنا، لقد كنت، دائمًا، معنا. إنّنا نشتاق إليك، نشتاق أن نتّحد بك. فيا يسوع، تعال إلينا، شجّعنا على تحمّل العذاب، عزّينا لنتقوّى.

يا يسوع، من وسط عذاب اليأس، ومن شفاه جمّدها البردُ نصرخ إليك،

فاقبل صلواتنا وتضحيتنا، واقبل دموع أهالينا وامسحها لهم بمحبّتك.

اقبل حزننا ذبيحة محبّة لك. وامنحنا شجاعة الشهداء وقوّتهم.

يا يسوع، افتقد الذين هم بعيدًا عنك، الذين يضطهدونك. وبارك، معلّمتنا ومديرتنا اللتين لا تعرفانك، عرّفْهما ذاتك، ليحبّاك ويؤمنا بك. بارك، يا يسوع، من نحبّهم ويكرهوننا، وكلّ من يعاني من أجل الحقّ، فأنت الرجاء الذي لا ينطفئ، والمحبّة التي لا تعرف حدودًا، آمين.

 تلميذاتكِ اللواتي يحببنكِ ويحترمنكِ ويصلّينَ لك في الربّ يسوع

أديل، ليوني، فالا، ليفوتا