الحياة برسم التـّفكـّك

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، لا نعرف، تمامًا، عن الحروب والقلاقل الّتي يتحدّث عنها الرّبّ يسوع. هل هي الحروب والقلاقل الّتي حدثت في العام سبعين للميلاد؟! هل هي الحروب والقلاقل والعلامات في الشـّمس والقمر والنّجوم، الّتي تأتي قبل مجيء الرّبّ يسوع؟! لا نعرف، ولا ينبغي لنا أن نهتمّ بمعرفة الأوقات؛ لأنّ تلك السّاعة، الّتي يأتي فيها الرّبّ يسوع، ليست مكشوفة لنا. علينا، بالحريّ، أن نكون مستعدّين، في كلّ حين، لمجيء الرّبّ يسوع. حياتنا، على الأرض، فيها الكثير من الحروب والقلاقل والضّيقات، سواء على صعيد النّاس بعامّة، أم على الصّعيد الشـّخصيّ. كلّ إنسان له حروبه. والحروب، أوّلاً وقبل كلّ شيء، هي حروب الأهواء فينا. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ الحروب والقلاقل والعلامات المادّيّة، الّتي تظهر في الشـّمس والقمر، لها علاقة مباشرة بخطايانا، لها علاقة مباشرة بأهوائنا. بكلام آخر، إذا لم نقاوم ما فينا من نزعة إلى الخطيئة، فإنّنا نتسبّب بالأذيّة لأنفسنا وللآخرين. أهواء الإنسان تبثّ، دائمًا، قوّةً سالبة، في العالم. وهذه القوّة السّالبة تتكثّف، بحيث تؤثّر في النّاس، كما تؤثّر في الخليقة جمعاء. الطّريقةُ الّتي يحيا بها النّاس، انحطاطُ الأخلاق بين النّاس، الحروبُ الّتي تندلع بين الأمم، ازديادُ العنف، تأثُّر البيئة بجشع الإنسان… كلّ هذا مردّه أهواء الإنسان وخطيئته. الإنسان الّذي يبثّ السّلام من حوله، هذا يؤثّر في كلّ شيء إيجابًا، بحيث إنّه يجعل نعمة الله تفعل في حياة الآخرين، وفي سائر المخلوقات.

لهذا، لا يظنّنّ أحد منّا أنّ هذه الكوارث والعلامات، الّتي يتكلّم عليها الرّبّ يسوع، هي، بالضّرورة، من الله. الله لا يحتاج إلى هذه العلامات والكوارث ليأتي. هذه كلّها تحدث بسبب تراكم خطايا البشريّة، وكثافة أهوائها؛ فتصبح الحياة معها على الأرض قاسية وصعبة، بحيث لا يبقى هناك تماسك بين العناصر على الأرض، كما لا يبقى هناك تماسك بين البشر، سواء في البيت الواحد، أم في القرية الواحدة، أم في الوطن الواحد، أم في العالم بأسره. الخطيئة تفكّك حياة الإنسان، وتفكّك النّاس في علاقتهم بعضهم ببعضهم الآخر، وتفكّك الطّبيعة. كلُّ ما نعانيه في الطّبيعة، اليوم، انعكاسٌ لِما يحدث في قلب الإنسان. هذا اﻻنحلال الحاصل في قلب الإنسان ينعكس على كلّ شيء في عالم الإنسان. هناك علاقة وثيقة بين الإنسان والإنسان، وبين النّاس والبيئة الّتي يعيشون فيها. البيئة تؤثّر في النّاس، والنّاس يؤثّرون في البيئة. ارتفاعُ الحرارة، مثلاً، في العالم، مردُّه، في الدّرجة الأولى، إلى أنّ خطيئة الإنسان لم تعد تحت الضّبط. الإنسان لم يعد في وارد ضبط خطيئته، وضبط أهوائه! على العكس، صار يعتبر أنّ الخطيئة مسرًى طبيعيّ، في حياته؛ وأنّ الأهواء نفسها، أهواء الإنسان الّتي هي وراء الخطيئة، هي من الله! الإنسان طبّع الخطيئة! جعلها أمرًا طبيعيًّا! جعلها أمرًا عاديًّا! قلّةٌ قليلةٌ، اليوم، تحسّ، بعدُ، أنّ في الكذب شيئًا غير مقبول! الكذب بات عاديًّا جدًّا! بات شيئًا مُطَبَّعًا جدًّا! الإنسان يكذب، اليوم، بسهولة كاملة، ولا يتحرّك ضميره أبدًا، في أكثر الأحيان، لموضوع الكذب، ولا لموضوع اﻻحتيال، أو السّرقة، أو حتّى القتل! ولا شكّ في أنّ وسائل الإعلام، بعرضها المتواصل لتفاصيلِ قتلِ النّاس، وموتِهم، والعنفِ فيما بينهم، تقتل الإحساسَ بأنّ في العنف شيئًا غير مقبول! صرنا نشاهد النّاس يُقتَلون ويُقطَعون، وكأنّنا بإزاء عرض سينمائيّ. وقد صارت قلوبنا لا تتحرّك، في العمق، لهذه المشاهد.

إذًا، خطيئة الإنسان تزداد، وتتكثّف، وتتطبّع؛ والإحساس، في الإنسان، يصير ضامرًا. الإنسان بات يقبل الأمور غير الأخلاقيّة باعتبارها سُنَّةَ الطّبيعة. هذا كلّه يجعل حياة الإنسان تتغيّر في العمق، ويجعل واقعه مأسويًّا جدًّا. الإنسان ينتحر، بكلّ معنى الكلمة! الضّمير يموت، والفضيلة باتت تُعتَبَر ضعفًا! النّاس قلّما يحسّون بأهمّيّة الفضيلة بينهم. هناك تَدَهْورٌ كبير جدًّا في فكر الإنسان، وقلبه، وأخلاقه، وإحساسه. الإنسان، بشكل متزايد، يتحوّل إلى آلة صمّاء! ولا شكّ في أنّ وسائل الإعلام “تلعب” على وجدان البشر، وعلى قلوب النّاس، وتحرّكها على نحو رديء، بحيث تزداد الآليّة في حياة البشر. لكن، تبقى هناك قلّة، يبقى هناك قطيع صغير يحافظ على الأمانة، يحافظ على البركة. كلّ ما نعانيه، اليوم، نعانيه بسبب خطايانا. كلّ ما يحدث هو بسبب خطايانا. لكنّنا نقول إنّ القدّيسين، الّذين يحبّون الله، الّذين يحفظون الأمانة لله، ما زالوا يحفظون العالم من التّفكّك. ومع ذلك، عالمنا ينشدّ إلى التّفكّك، بشكل متزايد. لهذا السّبب، نعاني ما نعانيه. وبإزاء كلّ ما يحدث، الوصيّة هي: “اسهروا، وتضرّعوا، في كلّ حين؛ لكي تستأهلوا أن تنجوا من جميع هذه المزمعة أن تكون، وأن تقفوا بين يدي ابن البشر”. التّدهور بلغ حدًّا لم يعد بإمكان أحد أن يوقفه. العالم كلّه يعرف أنّ هناك أخطارًا حقيقيّة في البيئة، بسبب سوء استعمال الإنسان لها. ومع ذلك، جشع البشريّة لا يشاء أن يقف عند حدّ، ولا يشاء أن يضع حدًّا للتّدهور الحاصل. الإنسان بات مُدمِنًا الخطيئةَ إلى أبعد الحدود! بات مدمنًا أهواءَه دون رقيب! والإنسان المدمن يُؤْثـِر أن يموت ولا يتغيّر. أذكر إنسانًا كان سـِكّيرًا، وقد تأثّر كبدُه جدًّا، وبات مُشرِفًا على الموت. فكانت زوجته تركع قدّامه، وترجوه أن يتوقّف عن شرب الكحول لأجلها ولأجل أولاده. وكانت تقول له: “إذا استمررت على هذه الحال، فإنّك ستموت”، فيجيبها: “لا بأس إن مُتُّ. فَلأمُتْ”! هكذا البشريّة كلّها، اليوم! البشريّة، اليوم، لا تريد أن تتغيّر! البشر معتادون على الملذّات، على التّفلّت، على تعاطي الطّمع، على حبّ المال! البشر مستعدّون لأن يستغلّوا بعضهم بعضًا إلى المنتهى، ولا يشاؤون أن يتوقّفوا عند حدّ، وهم يعرفون أنّ ما يفعلونه سوف يرتدّ عليهم، وهو يرتدّ عليهم الآن! ومع ذلك، لا يريدون أن يتوقّفوا؛ لأنّهم باتوا مدمنين الخطيئة! وتموت إرادتهم، ولا يشاؤون أن يتغيّروا!

لهذا السّبب، عالمنا، من الآن فصاعدًا، سوف نرى أنّه سيتفكّك أكثر فأكثر. العائلة تتفكّك! الإنسان يتفكّك! المجتمعات تتفكّك! القرى تتفكّك!… التّفكّك بات عنوانَ الحياة العامّة والخاصّة. وبإزاء ذلك، ماذا يمكننا أن نفعل؟! نسهر، ونتضرّع، وننتظر خلاص إلهنا. نسعى، ما قدرنا، للمحافظة على استقامة نفوسنا، ومساعدة الآخرين، وتفتيح عيونهم على أهمّيّة مخافة الله، واستقامة القلب. لكن، على الرّغم من كلّ شيء، نجد أنّنا لا نستطيع الكثير. لقد باتت قوى الظّلمة مهيمـِنة على حياة الإنسان، وعلى حياة المجتمعات، إلى درجة أنّ الإنسان بات يرى العالم أمام عينيه ينحلّ، يتدهور، ولا يستطيع الكثير. مَن يصلح نفوس النّاس، اليوم؟! نفوس النّاس “مضروبة” إلى حدّ صار معه الإصلاح غير ممكنٍ كما نشتهي، وكما نتمنّى. حالتنا هي كحالة الشـّعب العبريّ قديمًا. التّدهور، في زمن إرمياء النّبيّ، بلغ حدًّا صار الرّجوع عنه غير ممكنٍ. لكنّ إرمياء بقي يشهد، وبقي يصرخ كلمةَ الله، وكانت النّتيجة أن سُبي الشـّعب إلى بابل. ونحن نُسبى، اليوم، لا إلى مكان، بل إلى الظّلمة العقليّة. في نهاية المطاف، كلّ هذا يُعـِدّ لمجيء المخلّص؛ لأنّ مجيء المخلّص، وفق الكتب، لا يرتبط بالنّهضة الكبرى الّتي تحدث في العالم، بل بالانحطاط الكبير الّذي يحدث. من هنا القول: “متى جاء ابن الإنسان، فهل يجد الإيمان على الأرض؟!” (لو18: 8). آباؤنا دائمًا ما كانوا يتحدّثون عن التّدهور الحاصل، عن اﻻرتداد الكبير عن الله. وهذا نعاينه بأمّ العين، اليوم.

لهذا السّبب، يا إخوة، علينا، نحن الّذين يعرفون الله، أن نسهر، ونتضرّع لأجلنا ولأجل العالم أجمع؛ لأنّنا، بالمحبّة، ملزَمون بالعمل على تخفيف وطأة آلام البشريّة، لا آلام أنفسنا فقط. بعد ذلك، نتوقّع أن يأتي الرّبّ الإله في أيّة لحظة. هذا هو معنى السّهر. قد يأتي الرّبّ الإله بعد قليل، وقد يأتي بعد حين. هذا غير مهمّ. المهمّ أنّ واجبنا ومحبّتنا وإيماننا، بإزاء حالة التّفكّك الحاصلة في العالم، تفرض علينا أن نكون، دائمًا، في وضع المستعـِدّ. في كلّ حال، قد لا يكون الزّمان بعيدًا؛ لأنّ التّدهور، الآن، يحدث بسرعة فائقة. في التّاريخ، كان هناك، دائمًا، تدهور. لكن، في هذا الزّمان، باتت عندنا وسائل تساعد على التّدهور بسرعة هائلة! المهمّ أن نسأل الرّبّ الإله الرّحمةَ من أجل أنفسنا والآخرين. هذا، إن فعلناه، نكون قد حفظنا به الأمانة للرّبّ الإله، وعبّرنا عن التزامنا الآخرين، عن التزامنا العالم، عن التزامنا محبّة الرّبّ يسوع بين النّاس، والرّبّ الإله المعين.

آمين.

* عظة في السّبت 6 شباط 2010، حول لو21: 8-9، 25- 27، 33- 36