من رسائل القديس أنطونيوس من دير أوبتينا

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

بالطبع كان الوصول إلى الملكوت أمراً سهلاً لو أنه ممكن بمعدة ملأى، في سرير ناعم من الريش، لكن ما هو مطلوب هو حمل الصليب طول الطريق، لأن الملكوت لا يُبلَغ لمجرد احتمالنا مشكلة أو اثنتين، بل الكثير منها.

بقدر ما تصلّي إلى الله في أوقات الحزن، تستعجل الإحساس بتعزيته اللطيفة.

بغض النظر عن المرارة التي حلّت بك، وبغضّ النظر عن البغض الذي أصابك، قًلْ: “يجب أن أحتمل هذا من أجل يسوع المسيح”، فيصير الأمر أكثر سهولة عندك. لأن اسم يسوع المسيح ذو قوة، به يهدأ البغض، وتختفي الأبالسة. خيباتك أيضاً تهدأ وجبنك يخبت.

لا ينبغي أن تخاف من الكوليرا، بل من الخطايا الجدية، لأن منجل الموت يقطع الإنسان كالعشب حتّى من دون كوليرا. لهذا، ضعْ رجاءك في الرب الإله الذي من دون مشيئته حتّى الطيور لا تموت فكم بالحري الإنسان.

لقد رتّب الرب الإله ترتيباً حسناً لاهتمامه بخلاص نفوسنا، بأنّ لكل إنسان في هذه الحياة صليب يحمله باتّضاع إلى الآب السماوي منذ حداثته، منادياً إليه من أعماق نفسه: “أيها الآب! لتكن مشيئتك في كل شيء، لكن فقط لا تحرمني من ملكوتك السماوي”.

في ما يختص بطلب والدك بألا تتهرّب من تعيينك في الخدمة المدنية، عليك أن تأخذ بعين الاعتبار هذه النصيحة المستحقة الثناء من أبيك وتسير بها، لكن فقط إذا كنت قد قررت بشكل نهائي أن تهب ذاتك للحياة في العالم. على الإنسان أن يقدّم دعوة الله على كل النصائح، بحسب قول داود: “إن سمعتم اليوم صوته فلا تقسّوا قلوبكم” (مزمور 8:94) لأن إلهنا مفعَم بمحبة جنس البشر ورحوم جداً بعدم استحقاقنا وهو يريد أن الكل يخلصوا وإلى معرفة الحق يقبلوا، وهو يدعو الكلّ إلى العشاء الإلهي ليحكموا معه في حكمه الذي لا ينتهي. لكن المدعوين كانوا حمقى جداً وجاحدين حتى أنهم إذ شغل كل واحد نفسه في بعض الأعمال راحوا  جميعاً يرفضون الدعوة، لأنهم شغلوا أنفسهم بسبب أو بآخر متخذين أعذاراً للرفض كاتخاذ زوجة وشراء أرض أو ثور. أما أنتَ أيها الحبيب فليس عندك زوجة ولا أملاك ولا ثور. أنت ما تزال حراً، لهذا، ليس عندك سبب للاعتذار، لذا عليك، بحسب كلمات القديس سمعان اللاهوتي الحديث “لا يكنْ لديك أي رغبة بالاحتفاظ بأي تعلّق بهذا العالم، ولا حتّى بالدوافع الحسنة، إذ لن يكونوا سوى ذرائع تافهة. إذا ما دُعيت أطِعْ فوراً، إذ ما من شيء يرضي الله مثل الاستجابة السريعة”. إن كلمة “مدعو” تشير إلى الدعوة من الله إذ إنه وحده مَن ينير الجنس البشري ويهبه الفهم ويقوده على طريق الخلاص.