موقف الكنيسة الأرثوذكسية من تشريع زواج المثليين

الأب أنطوان ملكي

حكمت المحكمة العليا للولايات المتحدة بأن زواج المثليين هو حق دستوري. وقد حصل هذا الخبر على تغطية إعلامية واسعة جداً في كل العالم، حتّى أنه أخذ أيضاً حيزاً من النقاش على شبكات التواصل الاجتاعي في بلادنا. أصدرت الكنائس الأرثوذكسية عدداً من البيانات الموجهة إلى رعاتها وشعبها لأن من الضروري أن يفهم الإكليروس والعلمانيون موقف الكنيسة من هذا الأمر. لذا وجدنا من المفيد عرض نظرة الكنيسة الأرثوذكسية للزواج ونقل أحد هذه البيانات إلى العربية للفائدة.

سرّ الزواج اﻷرثوذكسي (عن شبكة أورثوذكس أونلاين [1])

ليس لحب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (يوحنا13:15). تختصر هذه الكلمات القليلة سر الفداء بأسره، لأنه سر الحب، النابع من محبة الله للبشر، وبهذا تختصر علاقة المسيح بالكنيسة. يكرر الرسول بولس هذه الصورة في رسالته إلى أهل أفسس (الاصحاح الخامس) عند حديثه عن الزواج، فيشبّه علاقة الرجل بالمرأة، أي الزوجين، بعلاقة المسيح بالكنيسة: “أيها الرجال أحبوا نسائكم كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها، لكي يقدسها مطهراً إياها” (أفسس5: 25-26). هدف الحب هذا هو القداسة، فالزواج يشكل أحد دربي القداسة والدرب الآخر البتولية، لأن الحب هو الركيزة الأساسية فيهما. لذلك وبحسب مفهوم لكتاب المقدس، إذا أردنا أن نتعلم معنى الحب، وبخاصة الحب الزوجي، علينا أن ننظر إلى حب المسيح للكنيسة ونتعلّم منه كيف يكون الحب الأعظم. عندما أحب المسيح الناس مات من أجلهم على الصليب ولم ينظر إلى ضعفاتهم وعيوبهم. هكذا في الزواج، يعلن الواحد أن الآخر مبتغاه بكل عيوبه، وانه مستعد أن يبذل نفسه لأجل من يحب لذلك اقبلوا بعضكم بعضاً كما أن المسيح قبلنا لمجد الله” (رومية7:15). على هذا الأساس يضع الكاهن اكليلي الشهادة على رأسي العروسين.

الحب هو حركة الخروج من الأنانية والفردية نحو الوحدة التي لا تذيب الأشخاص ولكن تؤكدهم (كاتحاد الألوهة والبشرية في شخص يسوع المسيح).الزواج في جوهره محاولة لتحقيق هذه الوحدة حيث الاثنان يصيران ليس فقط روحاً واحداً بل جسداً واحداً. هذا كان في البدء عندما خلق الله الإنسان ذكراً وأنثى على مثاله عمله. الله أرادهما واحداً عندما خلقهما.

الزواج مؤسسة إلهية منذ فجر الخليقة وليس مجرد عقد اتفاق بين شخصين كما يقول البعض. وحدة الحب هذه انكسرت بالسقوط في الخطيئة وصار الحب مشوباً بالنزعة نحو امتلاك الآخر والسيطرة عليه. لكن المسيح عبر سر الفداء الذي أتمّه أعاد الزواج إلى أصالته، عبر الحب الذي أفرغه فينا أعاد إلينا النموذج الثالوثي الأول للحب (علاقة الحب بين الآب والابن والروح القدس). هكذا في الزواج المسيحي عندما يتقدم الزوجان للآب السماوي ويقدّمان له في المسيح حياتهما كلها، عندما يجتمع اثنان باسم يسوع المسيح ويكون المسيح بينهما، يُطعّم الحب البشري بالحب الإلهي ويتحقق الاتحاد الأصيل فيصير الاثنان واحداً في المسيح الذي يجمعهما بالروح القدس.

نحن نؤمن أن الزواج المسيحي سرّ مقدس يقام في الكنيسة حيث يأتي الحبيبان ويقدّمان لله حبهما بيسوع المسيح. فيبارك الله زواجهما ويجمعهما ويجعلهما جسداً واحداً. العلامة التي تميّز الزواج المسيحي هي هذه البركة التي يسعى إليها الزوجان اللذان يرضيان بالعيش معاً قبل تقديم حبهما عبر الكنيسة والحصول نعمته عبر السر المقدس. فالزواج المسيحي ليس مجرد عقد يتم بين شخصين. إنه مؤسسة إلهية يدخل الله فيها شريكاً، وهي أبدية لا تزول. فالموت نفسه لا يفرّق بين الزوجين المسيحيين. ولكي تحل بركة الله على العروسين، يجب أن يكون المسيح حالاً في قلبيهما، كما يجب عليهما أن يعيا معنى المحبة الكاملة التي علمها يسوع للبشر قولاً وفعلاً والتي ستجمعهما.

بيان حول زواج المثليين (صادر عن أبرشية شيكاغو ووسط أميركا للكنيسة الروسية خارج روسيا)

كوننا نعيش في مجتمع حرّ، علينا أن نكون أولاً شاكرين إذ عندنا فرصة ممارسة إيماننا الأرثوذكسي من دون تدخل جامح من الحكومة. في التاريخ الحديث، لم يكن الوضع على هذه الحال في الكثير من البلدان. في المجتمع الحر، يمكن تبادل كل النظرات في الحقل العام، ومنها ما نتفق معه كأرثوذكسيين ومنها ما نرفضه. لهذا ندعو شعبنا ﻷن يكون مرشده الأول تقليد الكنيسة المقدس في تمييز ما إذا كان أيّ من المسائل المعاصرة المطروحة يتوافق مع اﻹيمان اﻷرثوذكسي أو ﻻ. إذا اختار أحد الأرثوذكسيين أن ينخرط في الجدال السياسي العام فينبغي أن يكون ذلك باعتدال وبنيّة أكيدة وانتباه لعدم الوقوع في التطرف. التطرف لا يفضي إلى تليين قلوب الآخرين أو جلبهم إلى الإيمان. العلمانيون الذين يختارون الانخراط في الخطاب السياسي لا ينبغي أن يعلنوا أنهم يتحدثون نيابة عن الكنيسة. بالمعنى الدقيق للكلمة، لا يصدر أيّ بيان رسمي إلا من الأسقف أو ببركة خاصة منه.

ينبغي أيضاً أن يكون واضحاً أن سلوك نمط الحياة المثلي الجنس أو غيره من اﻷشكال الخاطئة هو غير متوافق مع المسيحية، وهذا كان دائماً تعليم الكنيسة. وعليه، فمن المهم أيضاً أن نذكر أن الكنيسة هي مستشفى روحي، وجميع الذين يرغبون في الحصول على الشفاء من الله، من خلال توبتهم ونعمة الله، هم موضع ترحيب كامل. هذا يشمل الذين شاركوا في أعمال غير أخلاقية أو غير طبيعية من أي نوع، إضافة إلى المُجرَّبين من مثل هذه الآثام. الكنيسة حنونة على الذين يعانون على هذا الشكل وهي تقدم لهم الدعم وتضميد الجراح والمحبة المسيحية. إن الناشطين في أي الممارسات غير الأخلاقية أو غير الطبيعية لا يمكن أن يعيشوا حياة الأسرار الكاملة داخل الكنيسة. ولكن هذا لا يعني أن نسعى إلى استبعاد الذين أثموا على هذا النحو أو نبذهم. بدلاً من ذلك، يجب علينا بذل كل الجهود لجذب الذين في مثل هذا الوضع المؤسف من جديد إلى العفة، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة مرة أخرى في أسرار الكنيسة المحيية وتعهّد السعي من أجل خلاصهم ضمن جماعة الرعية.

إن حكم المحكمة العليا اليوم يجعل الزواج المثلي قانونياً في الولايات المتحدة. ينبغي أن يكون واضحاً أن الكنيسة لن تعترف تحت أي ظرف من الظروف بالزواج المثلي، ولن تمنحه مكانة الزواج التقليدي، أو تبارك هذا اﻻتحاد. ومع ذلك، وهذا لا يعني بأن الذين دخلوا في مثل هذا الاتحاد قد تخطوا بعض الخطوط ولا يمكن أن يعودوا. لطالما حاربت الكنيسة البدع التي رفضت إمكانية توبة الذين وقعوا في بعض الخطايا (كالنوفاتية والمونتانية والدوناتية). من الأهمية بمكان، أن لا يخجل الكهنة بموقف الكنيسة من إثم الشذوذ الجنسي وغيره من التعبيرات غير الطبيعية عن الجنسانية البشرية التي هي هبة من الله، ولكن من المهم أيضاً أن يُقَدّم هذا الكلام بمحبة ومع الدعوة إلى التوبة والمصالحة مع الكنيسة.

ندعو جميع للصلاة من أجل بلادنا لكي يغفر لنا الرب خطايانا المجتمعية الجماعية كما خطايانا الشخصية ويمنحنا ملاذاً آمناً يسمح لنا بالعمل من أجل خلاصنا في سلام.

[1] https://www.orthodoxonline.org/theology/الإيمانواللاهوتالأرثوذكسي/الأسرارالكنسية/سرالزواج/الزواجالمسيحي-613