لا تحكموا بحسب الظـّاهر!

اﻷرشمندريت توما بيطار

إنجيل اليوم، يا إخوة، له عنوان رئيسيّ واحد، وهو: “لا تحكموا بحسب الظّاهر“. في القسم الأوّل من الإنجيل، الكلام هو على الكتبة. مَن هم الكتبة؟! الكتبة هم جماعة المتخصّصين بتداول الشـّريعة. يُفترَض بهم أن يكونوا معلِّمين للشـّريعة. الرّبّ يسوع يحذّر منهم. لماذا؟! لعدّة أسباب:

أوّلاً، لأنّهم يطلبون أن يمشوا بالحُلَلِ؛ بكلام آخر، عندهم حبّ الظّهور. يهتمّون بأن يكون لباسهم فاخرًا، مرتّبـًا. وطبعًا، محبّتهم للظّهور تقترن بروح الزّنى الّذي فيهم. الآباء القدّيسون يعلّموننا أنّ مَن يهتمّ بلباسه فوق الحدّ يكون الدّافعُ إلى فعلته هو الزّنى. الإنسان يُفترَض به أن يهتمّ بلباسه ليؤمّن لنفسه الدّفء. لكن، لا يليق بالإنسان المؤمن أن ينفق مالاً فوق الحدّ، أو وقتًا فوق الحدّ، على اللّباس. المهمّ للإنسان أن يستتر، وأن يستدفئ. هؤلاء، إذًا، يمشون بالحلل؛ وفي أعماقهم يحبّون الظّهور، وهم مائلون إلى روح الزّنى.

ثانيًا، لأنّهم يحبّون التّحيّات في الأسواق، وأن يقول لهم النّاس: “سيّدي، سيّدي؛ بكلام آخر، يحبّون التّفخيم، والتّعظيم، وأن يكونوا بارزين في القوم.

ثالثًا، لأنّهم يحبّون صدور المجالس في المجامع، وأوّل المتّكآت في العشاء“. مَن هو الّذي يجلس، عادة، في المجمع، في المقاعد الأولى؟! ومَن هو الّذي يجلس، عادة، في العشاء، في المقاعد الأولى؟! طبعًا، علّيّة القوم. الكتبة يهمّهم، دائمًا، أن يقدّموا أنفسهم باعتبارهم من علّيّة القوم.

رابعًا، لأنّهم يأكلون بيوت الأرامل“. ما معنى ذلك؟! في ذلك الحين، كانت الشـّريعة تطلب أن يكون لكلّ أرملة من الأرامل كفيل. والأرملة، الّتي كان زوجها غنيًّا، كان العديدون يشتهون أن يكفلوها. لماذا؟! لأنّ مَن يكفلها كان يضع يديه على ما عندها من مال. الكتبة كانوا يأكلون بيوت الأرامل، وبعلّة يُطيلون صلواتهم“. طبعًا، كان للأرملة الحقّ في أن تختار الكفيل المناسب لها. وبطبيعة الحال، كانت تختار مَن ترى فيه تقوًى، مَن ترى فيه استقامة، مَن ترى فيه أمانة. والكتبة كان يهمّهم أن يتظاهروا بأنّهم أتقياء. لذلك، يقول السّيّد عنهم إنّهم بعلّة يُطيلون صلواتهم“. السّبب أنّهم كانوا يريدون أن يراهم النّاس يصلّون، لكي يقولوا عنهم إنّهم أتقياء. وهذا، طبعًا، يجعلهم ذوي سمعة جيّدة، ويصوّرهم على أنّهم قوم محبّون لله. بهذه الطّريقة، كان الكتبة يخدعون الأرامل، لكي يأكلوا أموالهنّ. لذلك، الكتبة الّذين كانوا يحبّون المظاهر، وكانوا مرائين، قال عنهم السّيّد: “ستنالهم دينونة أعظم، لأنّهم كذبة، ومخادعون. ولهذا السّبب، لا يمكن، أبدًا، أن يثق المرء بهم. إذًا، على المرء أن يحذر الحُكـْمَ بحسب الظّاهر، وأن ينظر إلى الأعماق، ما أمكن؛ والأعماق تظهر، في العادة، من خلال الثّمار. إذا كانت الثّمار جيّدة، فإنّ الأعماق تكون نقيّة. لكنّ ثمار الكتبة ملؤها التّعظّم، والتّفخيم، والمجد الباطل، والكبرياء، والرّياء، والسّرقةلذلك، على التّلاميذ أن يحذروهم؛ وأن يحذروا، أيضًا، كلَّ مَن يبدو أنّه تقيّ، أو مَن يبدو أنّه سخيّ ويحبّ الفقراء. الفضائل، في الحقيقة، نتعاطاها في الخفية، ما أمكن؛ ولا نتعاطاها في الظّاهر. الإنسان، بسهولة، يمكن أن يستخدم ظاهرَ الفضائل لكي يخدع بسطاء القوم. هذا بالنّسبة إلى القسم الأوّل من إنجيل اليوم.

بالنّسبة إلى القسم الثّاني، لاحظ يسوع أنّ الأغنياء كانوا يلقون تقادمهم في الخزانة“. الخزانة عند الهيكل كانت المكان الّذي يضع فيه النّاس مساعداتهم. إلى أين تذهب هذه المساعدات؟! عمومًا، تذهب إلى الهيكل، إلى خدّام الهيكل، وربّما إلى بعض الفقراء. إذًا، هناك أغنياء كانوا يلقون تقادمهم. طبعًا، كانوا يلقون، عمومًا، بوفرة. يتصوّر الإنسان، في السّياق الّذي يتكلّم فيه يسوع، أنّ الأغنياء كانوا يلقون تقادمهم بطريقة ظاهرة، حتّى يمجِّدهم النّاس. في مقابل ذلك، جاءت امرأة أرملة مسكينة. الكلام في القسم الأوّل هو على الأرامل، والكلام في القسم الثّاني هو على الأرملة المسكينة. الأرامل، بعامّة، إمّا كانت تُنهَب أموالهنّ، أو كنّ يعـِشن في الحاجة، في الفقر. إذًا، هذه صورة عن أرامل فلسطين: أرملة مسكينة، فمَن يهتمّ لها؟! مَن يبالي بها؟! وماذا ستضع في الصّندوق، في كلّ حال؟! ألقت هذه الأرملة الفقيرة فلسَيْن. كلّ النّاس، في الحقيقة، يهتمّون، أوّلاً، بقيمة ما يُلقى، في الخزانة؛ حتّى في الكنيسة! وكلاء الكنيسة، مثلاً، بِمَ يهتمّون، في الدّرجة الأولى؟! يهتمّون بأن يكون المبلغ الموجود في الصّندوق مبلغًا كبيرًا! مَن يبالي بالمبلغ الصّغير؟! مَن يبالي بمئتين وخمسين ليرة لبنانيّة، مثلاً؟! إنّها لا تعني شيئًا لمعظم النّاس. لكن، هنا، الرّبّ يسوع يشير، بوضوح، إلى وجوب عدم الاهتمام بكمّيّة المال الّتي تُلقى في الخزانة، أو في الصّندوق. اهتمامنا، في الدّرجة الأولى، ينبغي أن يكون بمَن أعطى. ومَن يعطي، يحكم، في الحقيقة، على نفسه إذا كان يعطي من فضلاته؛ فمَن يعطي من فضلاته، فقيمة ما يعطيه تكون بخسة، قليلة، ولو كان المبلغ، نقديًّا، كبيرًا! قيمته، في عين الله، تكون قليلة. المهمّ أن يعطي الإنسان من حاجته، لا من فضلاته، إذا أراد أن يعطي. طبعًا، ليس أحد ملزَمًا بأن يعطي. الإنسان يعطي من فيض قلبه، لا من فيض جيبه! فإذا كان قلبه قويمًا، ومحبًّا؛ فإنّه يعطي في كلّ الأحوال، ولو كان هو في حاجة إلى ما يعطيه. إذًا، المهمّ في العطاء قصد القلب. إذا كان الرّبّ الإله يحكم على العطاء على هذا النّحو؛ فعلينا، نحن أيضًا، أن نحكم بالطّريقة نفسها، وأن نتعاطى العطاء بالطّريقة ذاتها. ليس سيّئًا، طبعًا، أن يعطي الإنسان القليل، وله وفرة من المال. هذا لا بأس به. لكنّ العطاء الحقّ، العطاء الكبير هو أن يحرم الإنسان نفسه ممّا عنده، لكي يعطي مَن ليس عنده. هذا يرى الرّبّ الإله قلبه، يرى محبّته، يرى اتّكاله عليه. وهذا ينال نعمة فوق نعمة.

إذًا، لا نهتمّنّ بما هو بحسب الظّاهر. ليكن همّنا مركَّزًا، أوّلاً وأخيرًا، على نيّة القلب؛ على الّذي يسلك بمحبّة مع الفقراء، وبسخاء من جهة بيوت الله؛ وعلى مَن عطاؤه في الخفاء، وباتّضاع؛ على مَن لا يطلب ما لنفسه: لا مجدًا، ولا عظمةً؛ على مَن يطلب، فقط، رحمة الله. مَن يعطي، في الحقيقة، يطلب رحمة الله. لذلك، قيل، في المزمور، إنّ مَن يعطي الفقراء يعينه الرّبّ الإله على سرير ألمه (مز40: 3). إذًا، نحن، من خلال العطاء، نسأل رحمة الله، ونسأل بركته، ونسأل غفران خطايانا، إذ يقول الكتاب: “المحبّة تستر جمًّا من العيوب” (أم10: 12؛ 1بط4: 8). ومن ثمّ، المحبّة، في العطاء النّابع من القلب، تستر جمًّا من العيوب. على هذا النّحو، حتّى الأمور الّتي تُعتبَر، وفق مقاييسنا، عاديّة تتحوّل إلى آنية للخلاص، وإلى أسباب للتّقديس.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول لو20: 46- 47؛ 21: 1- 4، في السّبت 19 شباط 2011