الواقع الأنطاكي على ضوء الدليل الرعائي

الأب أنطوان ملكي

أعدّ المجمع الأنطاكي المقدّس الدليل الرعائيونشره سنة 2012 ، وهو مؤلَّف من كتابين وملحق. الكتابان هما دليل الكاهن والدليل الرعائي إلى الأسرار. وضع الميتروبوليت جورج خضر الكتاب الأول وتبنّاه المجمع، كي يكون مرشداً في الفهم ولبحيلة الروحية والنمو في روح العائلة الواحدة آباءً وأبناء، وقد تبنّاه المجمع المقدّس، على ما يرد في تقديم المثلّث الرحمات غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع.

في الفصل ما قبل اﻷخير من الكتاب الأول وعنوانه الرعايا غير الأرثوذكسية وأهل الأديان، في الصفحة 88، يرد التوجيه التالي: “تقضي بعض المناسبات الاجتماعية أن يحضروها عندنا، ولا سيّما المآتم. أكرمْ حضورهم بيننا، وأعطِ قساوستهم الكرامة التي تليق بهم، ولا سيّما إذا كانوا من الكنائس الرسولية. لا مانع من أن يرتّلوا مع مَن يرتل عندنا إذا رأوا أن هذا تكريم لهم. غير انك تعرف أنّ المشاركة بالقدسات غير مباحة في تعليمنا وتعليمهم، بمعنى أن كهنتهم وكهنتنا لا يقيمون قدّاساً معاً، ولا يتناولون معاً“.

في هذا التوجيه قسمان. الأول حول التصرّف في المناسبات الاجتماعية والثاني حول المشاركة في القدسات. ما يلي قراءة تحليلية لهذا التوجيه على ضوء التقليد كما الممارسة القائمة.

حول القسم الأول

يحمل النصّ بذور أكثر من مشكلة.

أوّلها استعمال عبارة مآتم والمآتم هي مناسبة اجتماعية. أما صلاة الجنّاز فهي عمل (ليتورجيا) كنسي. نحن لا نسأل مَن يحضر المآتم وأصلاً لا داعٍ للسؤال. لكن ماذا عن الاشتراك في صلوات الجناز، خاصةً بالشكل الحالي.

القول بإعطاء قساوستهم الكرامة التي تليق بهم هو كلام مطاط. فبعضنا يرى أن جلوس الكاهن غير الأرثوذكسي في مكان قريب من الهيكل منفصل عن العامة هو الكرامة المقصودة. بينما يرى بعضنا الآخر أن عدم اشتراك الكاهن غير الأرثوذكسي في الخدمة هو قلة احترام. وفي الاشتراك بالخدمة يرى البعض أنّ ما من داعٍ لأن يلبس غير الأرثوذكسي أيّ بطرشيل، فيما غيره لا يرى في لبسه بطرشيله أي مشكلة، ويذهب البعض إلى إعطائه بطرشيلاً من عندنا. البعض يرى أن قراءة الطروبريات (أرِحْ يا مخلصنا وما يتبعها) كافية ﻹظهار الاحترام، بينما البعض الآخر يعطي الكاهن غير الأرثوذكسي دوراً مساوياً لأي كاهن آخر وبالتالي له أن يقرأ ما يصل إليه من الطروباريات أو قطع اﻹفلوييتاريا أو المكارزمي، حتّى أن البعض يسمحون له أو يطلبون منه أن يقرأ أفشين الحل الصغير في التريصاجيون، أو الإنجيل في الجناز.

اﻷسوأ من كل هذا، أن الناس باتت معتادة على هذا التذبذب في الممارسة ولم يعد يستفزّها أن ترى مطراناً كاثوليكياً في كامل حلته يشارك المطارنة اﻷرثوذكس الوقوف في الباب الملوكي، وبالتالي يعطي البركة ويقرأ الإنجيل ويعظ.

هذا الوصف القصير يظهر مدى الأذى الناتج عن أن يكون التوجيه في الدليل مطاطاً. والمؤسف أن هذه المطاطية تعمل ضد مَن يبتغي الدقّة من الكهنة وتشجّع على اضطهاده ونبذه ووصمه بالتعصّب والتقوقع والانتماء للقرون الوسطى.

حول القسم الثاني

يذكر الدليل أنّ المشاركة بالقدسات غير مباحة في تعليمنا وتعليمهم، بمعنى أن كهنتهم وكهنتنا لا يقيمون قدّاساً معاً، ولا يتناولون معاً“. أيضاً هنا عندنا سيل من الأسئلة التي تترَك لكل كاهن ومؤمن ليجيب عنها ويسلك على أساسها.

هل بإمكان علمانيينا وعلمانييهم المناولة معاً. على أي أساس؟ البعض يجيب بنعم ومن دون أساس ويبيح الكأس، وقلة نادرة تتحفّظ وتتألّم.

لماذا لا تصحّ مشاركة الكهنة وتصحّ مشاركة العلمانيين؟ في تقليدنا الذي يصوغه الشرع الكنسي بشكل قوانين، يرِد عند كل مخالفة أنّ مَن قام بها إذا كان كاهناً ينطبق عليه هذا الدواء للتوبة ومَن كان علمانياً ينطبق عليه دواء آخر. إذاً، المخالفة مخالفة بعض النظر عمَن يرتكبها. هذا الفصل بين الكهنة والعلمانيين حدوده عندنا أن يعتبر الكاهن تقوياًنفسه خاطئاً أما الشعب فمخطئ بسبب الجهل. كلام الدليل المَشار إليه أعلاه يبقي الشعب في جهلهمما يشدّ الكهنة نحو هذا الجهل ويغرقهم فيه.

يرد أيضاً في التوجيه نفسه تذكير بأنّ كنيسة أنطاكية اتفقت مع سريان أنطاكية على المناولة المشتركة، ما الأساس اللاهوتي لهذه الوحدة؟ هل تخلّى السريان عن أيّ فكرة أو مبدأ أو شخص مدان من الأرثوذكسية؟ هل تفكّرت أنطاكية بتأثير هذا القرار على الوحدة المسيحية الحقّة وبوحدة الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة قبل اتخاذ هذا القرار؟

لماذا أثير هذا الموضوع اليوم؟ طبعاً، إن شاء الدارس أن يكتب عن كل الانحرافاتالأنطاكية لكثرَت الصحف المكتوبة“. لكن محرّك هذا المقال هو هذه الفوضى في إقامة الصلوات المشتركة، خاصةً ما أظهرته الصور على شبكات التواصل الاجتماعي وفي الإعلام في الشهرين اﻷخيرين. فاشتراك كاهن فرن الشباك في زياح شعانين الكاثوليك وخروجه إلى الشارع ببدلته كاملة ملفت للنظر. تحوّل كرنفال توحيد الفصح في ضهور الشوير إلى مادة إعلانية وميدان للتباهي بأن البلدية عملت ما لم يعمله غيرها، وأعلنت وحدة من عندها، أيضاً مثير للكثير من الأسئلة حول الغاية من كل هذا ومَن يقف وراءه ومَن يسكت عنه. همروجة الخميس العظيم في قلعة الأرثوذكسية أميون حيث، وليس للمرة اﻷولى، يشارك مجموعة من كهنة الموارنة في قراءة الأناجيل لابسين حلل كاهن الرعية الكثيرة ويباركون ويتبدّلون على حمل الصليب في الزياح.

كل هذه انحرافات وما من اسم آخر لها، مهما كثُر الذين يصفقون لها أو يديرون وجوههم حتى لا يروا. دلالة الموت السريري الأولى في أنطاكية أن أحداً من الذين حملوا النعمة التي تكمّل كل ضعفلا يعلّق على هذه المناظر من ذاته. وعند السؤال، يسكت هذا بحجة أنه لا يريد أن يزعّل المطران أو الحاكمين من حاشيته، وذاك بحجة الطاعة، وآخر خوفاً من المتنمّرين في رعيته.

أمام هذا الواقع في الممارسة، من حقنا أن نسأل: هل من الفكر اللاهوتي ناشط في أنطاكية؟ أيكفي أن يكون نشاط هذا الفكر محدوداً بالمقالات وبعض المنشورات والتدوينات التي لا رقيب عليها ولا مصحّح؟ هل فعلاً المطارنة قاطعون باستقامة كلمة الحق؟ أين كلمة الحق؟ مَن يعمل على إيقاف تبادل الإدانات؟ ماذا يعمل المجمع لرفع التراكمات؟ أين اللجان التي تراقب وتصحح وتنصح وتحسّن؟ ما قيمة إصدار دليل رعائي أوّل مَن يخالفه هم الأساقفة؟ ما قيمة دليل ليس من جهاز وراءه يراقبه ويقيّم حسن تطبيقه؟ أيّ غدٍ ينتظرنا؟ مَن يرفع إحباط الغيارى؟ مَن يداوي خيبة الذين طال انتظارهم؟ مَن يخبرنا أنّه متى جاء المسيح يجد الإيمان الحقيقي في أنطاكية؟

إن هذا السيل من الأسئلة الوجودية يزداد قوة من حدث إلى آخر وكأن أنطاكية تستعجل المجيء الثاني: “«إنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ. مَنْ يَظْلِمْ فَلْيَظْلِمْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ نَجِسٌ فَلْيَتَنَجَّسْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ بَارٌّ فَلْيَتَبَرَّرْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ مُقَدَّسٌ فَلْيَتَقَدَّسْ بَعْدُ. وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ.أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ»… آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ”.(رؤيا 22)