لماذا السجود؟

لماذا السجود؟

الأب جون بريك

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

قد تبدو سجدات المسيحيين ممارسة لافتة للنظر ومثيرة للشكوك. مع هذا، فإن لها مكان حيوي في الرحلة الروحية التي تقود عبر نسك الصوم الكبير إلى فرح القيامة.
اعتادت أستاذة في إحدى مدارس اللاهوت البروتستانتية أن تجلب بعض طلابها إلى معهد القديس فلاديمير لتعرّفهم على العبادة الأرثوذكسية. لقد كانوا دائماً مُرَحَّباً بهم كمجموعة من الشبان والشابات الذين يأتون فيما الكلّ مجتمعون في كنيسة المعهد. من المثير للاهتمام أن هذه الأستاذة كانت تختار أن يعطى طلابها هذه المقدمة في مساء أحد أيام الأربعاء في الصوم الكبير، أثناء الاحتفال بالقداس السابق تقديسه. كما يُتوقَّع، ردات فعل الطلاب كانت متفاوتة. ومع تكرار السجدات خلال الخدمة، تضمّنت ردّات الفعل شيئاً من المفاجأة، التسلية وحتّى الفضيحة.
ينظر الكثيرون إلى حركات الجسد بكثير من الازدواجية. على سبيل المثال، لا يتفاجأ الناس ولا ينزعجون في أوروبا الغربية إذا رأوا مراهقين يسلّمون على بعضهم بقبلة على الخد مرتين أو ثلاثة أو أكثر. إذا دخلتُ إلى مطعم والتقيتُ صديقاً أرثوذكسياً، أسلّم عليه وأضمّه بهذه الطريقة. نظرة الآخرين (خاصةً في أميركا) قد تكون نظرة صدمة أو انذهال مفتكرين بأنهم لا يفعلون ذلك في مجتمعهم. نحن الأرثوذكس نفعل.
نحن أيضاً نسجد، في صلواتنا الفردية كما في خِدَمنا الليتورجية، وبشكل خاص في الصوم الكبير. لماذا نفعل ذلك؟ أهي بعض الموروثات العَرَضية من الروحانية الرهبانية التقليدية مع تشديد على النظام النسكي الصارم؟ أم هي ممارسة ذات قيمة عند كل مَن يرغب في دخول الحياة في المسيح جدياً وبعمق؟ أهي، بتعبير آخر، تمرين خاص يُمارَس لشيء من المنفعة الصحية، أو نوع من اليوغا المسيحية؟ أهي تدريب، جسدي وروحي، يساهم في التحوّل الفعلي الإيجابي في حياتنا؟
صور المسلمين الذين يسجدون في صلاتهم مألوفة للناس اليوم إذ يرونها بشكل يومي في وسائل الإعلام. الكثيرون يجهلون أن الأرثوذكس يمارسون النظام نفسه، فيركعون في أماكن الصلاة ملامسين الأرض برأسهم، من ثمّ يقومون ليتابعوا الصلاة. قد يُفاجأ البعض عند مشاهدتهم الرهبان الذين يقومون بمئات السجدات خلال صلاة الغروب العادية. كما قد تكون مفاجأتهم على القدر نفسه عندما يرون العلمانيين يكررون السجدات في الأسبوع الأول من الصوم عند صلاة قانون القديس أندراوس الكريتي. ومجدداً هذا العمل يقوم به الأرثوذكسيون، لكن لماذا؟
يرد الجواب الدقيق على هذا السؤال عند الهدوئي العظيم الأسقف ثيوليبتوس الفيلادلفي (+1322)، إذ يتوجّه إلى أبنائه الروحيين: “لا تنسَوا السجدات… إنّها تصوّر سقوط الإنسان في الخطيئة وتعبّر عن الاعتراف بقابليتنا للخطيئة. من جهة أخرى، النهوض يعني التوبة والوعد بحياة الفضيلة. فليترافق مع كلّ سجدة استدعاء ذهني (نوسي) للمسيح، حتى متى نزلتم أمام السيّد بالنفس والجسد تكتسبون نعمة إله الأرواح والأجساد”.
أهمية السجدات، من وجهة نظر ثيوليبتوس، روحية أكثر منها جسدية. في إحناء ركَبِنا نتّخذ موقف التواضع أمام الله الذي نقدّم إليه. بالركوع، ومن ثمّ ملامسة الأرض بجبيننا نحن نعترف بقابلية الخطيئة عندنا. نخلق صورة حيّة عن سقوطنا في الخطيئة. إن وضعيتنا الفعلية تمثّل اعترافاً بتلك الحالة، استذكاراً في الفكر لفقرنا، وقابليتنا لأهواء التكبّر والغضب والخبث. عندما ننزل بالجسد والروح، نعترف بالإسم الذي هو فوق كل إسم، الإسم الذي يرفع العالم بحسب تعبير راعي هرماس، كما يرفع بيده عالمنا الخاص: “يا ربي يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ”.
من ثم، عندما نقف على قدمينا، يصير هذا الاعتراف المزدوج، بالمسيح وبخطيئتنا، رمزاً جسدياً ووعداً فعلياً بأن التغيير سوف يتمّ في حياتنا. نحن نلتزم بالتوبة، بالتحوّل من آدم القديم إلى آدم الجديد. التحوّل الداخلي المُعَبّر عنه بهذه الحركة بالطبع لا يأتي كنتيجة لسجداتنا، ولا حتى كنتيجة لقرارنا بالتوبة. كمثل كلّ أوجه حياتنا المسيحية، هذا التحوّل – أي القدرة على العمل على التزامنا – هو عطية النعمة التي تأتي “من فوق، من لدن أبي النوار”. هذا المقطع من رسالة الرسول يعقوب (17:1)، ينبغي قراءته في سياقه: “مَا الْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، هَلْ يَقْدِرُ الإِيمَانُ أَنْ يُخَلِّصَهُ؟.. أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ، وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي… لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ بِدُونَ رُوحٍ مَيِّتٌ، هكَذَا الإِيمَانُ أَيْضًا بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ.”
عندما نتأمّل بالقوانين النسكية كالصوم والسجدات، من الأساسي أن نتذكر كلمات مثل هذه. هذه القوانين قادرة فعلياً على فعل تحول داخلي، بتطهير فكرنا وروحنا وتوجيههما نحو الواحد الذي هو الحاجة (لوقا 42:10). لكن هذه القوانين ليست أهدافاً بحد ذاتها. كما يعلّم الروح القدس بترداد، إنها موجودة لغاية واحدة هي قيادتنا إلى المسيح الذي هو وحده يشفي تهشيمنا، ويغفر خطايانا، ويجذبنا إلى الشركة الأبدية مع الله ومع بعضنا البعض.
الكلمة الأخيرة، عندما نتّخذ قراراً بالالتزام بقانون الصوم، يُعطى لنا القانون من الرب نفسه. مندداً برياء القادة الدينيين الذين اتّبعوا حرف القانون وأعملوا روحه، يقول: “وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ.” (متى 23:23).
الممارسات النسكية، خاصة في فترات الصوم، حسنة وضرورية, إذا أردنا فعلاً الدخول في روح العيد، والسماح للروح نفسه بأن يصنع نعمته المحوِّلة وقدرته في حياتنا. لكن هذه الممارسات لا تستقيم أبداً لوحدها. أحد أكثر غاياتها جوهرية، إلى جانب القيمة الروحية التي تقدمها لنا، هو أن تقودنا إلى أعمال العدل والرحمة بالذين حولنا. فهذه الأعمال علينا أن نقوم بها من دون إهمال الأخرى.

Leave a Reply