لغة الثـّالوث!

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، يسوع هو شمس العدل؛ يسوع هو الّذي تدور الخليقة في فلكه؛ يسوع هو العالَم الجديد. لذلك، الكنيسة، في فهمنا، هي جسد المسيح. وحين نقول عن الكنيسة إنّها جسد المسيح، فهذا يعني أنّها العالم الجديد، أنّها يسوع؛ ويسوع، في آن، هو رأسها. يسوع هو الكنيسة، وهو رأس الكنيسة. الكنيسة ليست، عندنا، مؤسّسة أو منظّمة، وليست جماعة المؤمنين. الكنيسة تمتاز، عندنا، بكونها ذات طبيعتين: طبيعة بشريّة، وطبيعة إلهيّة. كلّ شيء، فيها، هو من طبيعة إلهيّة بشريّة. لذلك، كلّ شيء، فيها، هو أسراريّ الطّابع. والسّرّ، عندنا، هو تجلّي غيرِ المنظور في المنظورات، تجلّي الإلهيّاتِ في البشريّات. الكلمة الّّتي نتفوّه بها، في كنيسة المسيح، هي، في آن، كلمة الله وكلمة النّاس. وكلمة الله يتجلّى الله فيها من خلال ما هو مسموع، أو من خلال ما هو مقروء. هكذا، حين نصلّي، في كنيسة المسيح، نتعاطى أمرًا إلهيًّا بشريًّا، في آن. نطلب إلى الله بكلام بشريّ، نسأله، نلتمس منه البركة؛ وفي آن، يأتينا، ينزل علينا كحضور روحيّ إلهيّ، بكلّ معنى الكلمة.

إذًا، إذا كنّا نحن أبناءَ الكنيسة المقدّسة، فهذا معناه أنّنا بتنا، أيضًا، ذات طبيعة إلهيّة بشريّة. ما هو فينا، ما أُعطي لنا هو إلهيّ وبشريّ. صحيح أنّنا ننتمي، من جهة البشرة، إلى هذا العالم. لكنّنا، من جهة الطّبيعة الإلهيّة، ننتمي إلى يسوع؛ نحن نأتي من يسوع؛ نحن نأتي من روح الله. لذلك، حين نسمع القول أنتم هيكل الله، وروح الله ساكن فيكم” (1كور3: 16)، فهذا يوضح، بجلاء، أنّنا نجمع ما بين السّماء والأرض، نجمع ما بين الإلهيّات والبشريّات. نحن نقطة الالتقاء بين ما هو من فوق وما هو من هذا العالم، بين ما هو مخلوق وما هو غير مخلوق. لقد أُعطي لنا كنز في آنية خزفيّة، وهذا الكنز هو روح الله. على هذا، يا إخوة، نحن، بانتمائنا إلى كنيسة المسيح، بتنا أبناء الملكوت، بالإضافة إلى كوننا أبناء هذه البشرة؛ ونتعاطى كلّ شيء على هذا النّحو. نحن لا نتعاطى شيئًا، في حياتنا، إلاّ تحت هذا العنوان الإلهيّ البشريّ. إذا أكلنا، مثلاً، فالأكل، بالنّسبة إلينا، ليس، أبدًا، موضوع طعام من هذا الدّهر وحسْب! لا شكّ في أنّ ما نأكله هو طعام من هذا الدّهر. لكنّ هذا الطّعام، الّذي هو من هذا الدّهر، من هذه الأرض، قد صار حمّالةً لطعام سماويّ. لهذا السّبب، نحن لا نأكل إلاّ إذا بارَكـْنا المائدة. لماذا نبارك المائدة؟! نحن لا نبارك المائدة، فقط، لأنّنا نلتمس من الرّبّ الإله أن يُكثّر لنا الخيرات والبركات؛ بل نبارك، في الحقيقة، لأنّنا نعرف أنّ الطّعام، من بين كلّ ما له علاقة بحياتنا، هو مدخل إلى الملكوت، وهو محَطٌّ للحضور الإلهيّ. الرّبّ يسوع يأتينا ويقيم في كلّ ما له علاقة بحياتنا. هو مقيم فينا! من هنا، يا إخوة، إنّه لَخطأ جسيم أن نتعاطى المادّيّات، في هذا الدّهر، باعتبارها مادّيّات وحسْب. نحن نتعاطى المادّيّات أسراريًّا! نتعاطى المادّيّات كسِرّ، أي كحضرة لله تأتينا من خلال هذه المادّة. لذلك، كلّ شيء، عندنا، برسم البَرَكَة، إلاّ الخطيئة. وكلّ شيء نتعاطاه دخل في السّرّ الإلهيّ الّذي انكشف لنا، والّذي أقام فينا، والّذي بتنا نحن امتدادًا له. طبعًا، هذا يشكّل صعوبة في تعاملنا مع الّذين لا ينتمون إلى سرّ المسيح وسرّ الإنجيل. الّذين لا ينتمون إلى المسيح، ينتمون إلى هذا الدّهر وحسْب. نحن لسنا من هذا الدّهر! يسوع قال ذلك بوضوح: “أنا لستُ من هذا العالم“. وهذا ليس، فقط، كلامًا ليسوع لأنّه ابن الله؛ بل هو كلام لكلّ واحد منّا. على كلّ واحد منّا أن يقول: “أنا لستُ من هذا العالم، أنا في هذا العالم، ولكنّني من المسيح، من روح الله“! المؤمن بيسوع لا يحقّ له، إذًا، ولا يليق به أن يتعاطى شيئًا من مفاهيم هذا الدّهر؛ لأنّ عنده بعدًا جديدًا أُعطي له، وهو الملكوت. وهذا لم يُعطَ للّذين لا يؤمنون بيسوع، وللّذين لم يعتمدوا باسم الرّبّ يسوع.

من هنا، يا إخوة، إنّ الكنيسة، بالنّسبة إلينا، عالمٌ جديد، بكلّ معنى الكلمة! عالم روحيّ بشريّ! هذا ما ننتمي إليه. وهذا العالم الجديد ليس كعالمنا. في عالمنا، هناك، دائمًا، مكان. نحن، الآن، في مكان. أمّا في العالم الجديد، أي في كنيسة المسيح، فلسنا في مكان. الكنيسة ليست مكانًا. جسد المسيح ليس مكانًا، بالمعنى المحسوس للكلمة. طبعًا، هناك تعابير محسوسة للكنيسة. ما دمنا نحن ههنا، فلا بدّ من أن يوجَد، دائمًا، تعبير محسوس عن الكنيسة. وكما قلت، الكنيسة حقيقة بشريّة، إنّما إلهيّة، أيضًا. في العمق، نحن، في الكنيسة، في حالة جديدة، حالة حقيقيّة جدًّا، لكنّها لا تمتاز بكونها ذات بُعد مكانيّ، بل تمتاز بكونها ذات بُعد روحيّ، وإلاّ ما كان الرّسول بولس قال عن الكنيسة إنّها جسد المسيح! ما دام هناك جسد، فهناك علاقة عضويّة. نحن في المسيح، والمسيح فينا. طبعًا، الرّبّ يسوع مميَّز فينا كشخص؛ ونحن، كأشخاص، مميَّزون عنه؛ لكنّه بالرّوح فينا، ونحن بالرّوح فيه. هذا ما يجعل الكنيسة كنيسةً. لهذا السّبب، لا يمكننا أن ندرك ما هو من الكنيسة بالعقل البشريّ، لأنّ الكنيسة ليست حقيقة عقلانيّة. نحاول أن نعبّر عنها بطريقة عقلانيّة على نحو تقريبيّ، كما نحاول أن نعبّر عنها بطريقة محسوسة، بكلّ ما هو بشريّ. لكن، تبقى الكنيسة، دائمًا، أكثر من التّعبير الّذي نلتزمه لنعبّر عنها. الحقيقة، يا إخوة، أنّنا، في الكنيسة، بإزاء وضع جديد كلّيًّا. يسوع حاضر، والرّوح القدس يجعله فينا، ونحن فيه. حين قال الرّبّ يسوع: “مَن رآني، فقد رأى الآب” (يو14: 9)، هذا، في الحقيقة، قاله بالجسد، قاله كإنسان، وهو إله، في آن معًا! نحن، أيضًا، بإمكاننا أن نقول، لا بل يجب علينا، في كلّ حين، أن نقول إنّ مَن رآنا فقد رأى يسوع، إنّ مَن رآنا فقد رأى الآب، إنّ مَن رآنا فقد رأى روح الرّبّ القدّوس! روح الرّبّ القدّوس لا يُرى، لكنّنا نحن أيقونته. والرّبّ يسوع، أيضًا، لا يُرى. وإن كنّا عرفناه بالجسد، في وقت من الأوقات، إلاّ أنّنا لسنا نعرفه، بعد، كذلك. ونحن، أيضًا، أيقونته. والآب، أيضًا، لا يُرى. لكن، ما دام الرّبّ الإله قد ارتضى أن يقيم فينا، لا فقط يسوع، ولا فقط روح الرّبّ، بل الآب السّماويّ أيضًا؛ فنحن أيقونته. وهذا قاله الرّبّ يسوع، بوضوح، في إنجيل يوحنّا: “آتي أنا وأبي ونسكن فيه” (يو14: 23)، أي في الّذي يؤمن ويكون عنده روح الرّبّ.

إذًا، يا إخوة، في الكنيسة، بإمكاننا أن نوجز ديناميّة الحياة الكنسيّة بكوننا، دائمًا، بروح الرّبّ القدّوس، على علاقة مستديمة بالرّبّ يسوع، وبالآب السّماويّ، أيضًا، أي بالثّالوث القدّوس. الموضوع، إذًا، ليس، أبدًا، موضوعَ تعاليم، أو عقائد، أو قوانين، أو ما شابه ذلك، مع أنّ هذه موجودة. لكن، هذه كلّها ليست سوى خارطة تشير إلى طبيعة العلاقات الحيّة، في كنيسة المسيح، بين المؤمنين والثّالوث القدّوس. الموضوع يكمن في هذه العلاقة الحيّة الدّائمة بيننا وبين الله. الكنيسة هي المكان غير المحسوس الّذي نكون فيه في علاقة دائمة مع الثّالوث القدّوس. وما دامت هناك علاقة، فلا بدّ من أن تكون هناك لغة مشتركة. الرّبّ يسوع كلّمنا بلغتنا. ونحن علينا أن نتكلّم بلغة الله. لا يكفي، أبدًا، أن يتكلّم يسوع بلغتنا. هذا مهمّ، طبعًا. نحن لا يمكننا أن نفهم، إن لم يكلّمنا يسوع بلغتنا. لكن، في آن معًا، نحن مدعوّون إلى أن نكلّم الثّالوث القدّوس بلغته هو! الثّالوث القدّوس عنده لغة. وهذه اللّغة علينا أن نتعلّمها، في كلّ حين. ما هي هذه اللّغة؟! هي لغة الصّلاة والعبادة. لهذا السّبب، سأل التّلاميذُ الرّبَّ يسوع قائلين له: “علِّمنا أن نصلّي“! علِّمنا“! هو علّمهم كيف يصلّون، أي علّمهم كيف يكونون في صلة مع الله، كيف يكونون في علاقة مع الله. الصّلاة لها علاقة بالصّلة. من دون صلاة، لا علاقة بيننا وبين الله. مَن لا يصلّي، فلا يمكنه أن يكون في علاقة مع الله. لهذا السّبب، صلّوا في كلّ حين، صلّوا ولا تملّوا” (لو18: 1)؛ أي ما دمنا في كنيسة المسيح، فعلينا، بصورة مستديمة، أن نكون في حال العبادة. هو يعلّمنا؛ المزامير تعلّمنا! كتاب المزامير هو كتاب الصّلاة بامتياز. الصّلوات الّتي نتعاطاها، في كنيسة المسيح، من أين أتتنا؟! أتظنّون أنّها أتتنا من الشـّعراء؟! أتظنّون أنّها أتتنا من أصحاب المواهب البشريّة؟! الصّلوات، عندنا، في الكنيسة، وضعها القدّيسون، وقد وضعوها بوحي من روح الرّبّ، أي إنّ روح الرّبّ هو الّذي علمّ ويعلّم النّاس، في كلّ حين، كيف يصلّون. وما يُقال عن الصّلاة يُقال عن الأيقونات، مثلاً. الأيقونات، عندنا، عمل إلهيّ بشريّ. اليوم، بكلّ أسف، نعتبر أنّ أيّ رسّام بإمكانه أن يقوم برسم أيقونة، وكأنّ الموضوعَ موضوعُ فنٍّ كنسيّ، وهو ليس كذلك، أبدًا. موضوع الأيقونة هو موضوع التّجلّي الإلهيّ في المنظورات. وما دام موضوعَ تجلٍّ إلهيّ في المنظورات، فالله هو الّذي يُظهر ذاته. لهذا السّبب، يُفترَض برسّامي الأيقونات أن يكونوا قدّيسين، أيضًا. وهكذا دواليك. نحن لا يمكننا، أبدًا، أن نقبل بهذا المنحى الدّهريّ في تعاطي الكنسيّات. “القدسات للقدّيسين“! كلّ ما له علاقة بالقدسات يتعاطاه القدّيسون، الّذين يعمل فيهم روح الرّبّ القدّوس. إذًا، عملُنا، في كلّ حين، في كنيسة المسيح، هو عمل عبادة. حين نرسم الأيقونة، نصلّي، نعترف بخطاياناطبعًا، يُفترَض برسّام الأيقونات أن يكون، قليلاً أو كثيرًا، صاحب موهبة بشريّة. ونحن قلنا، في كلّ حال، إنّنا، في كنيسة المسيح، بإزاء حقيقة بشريّة إلهيّة، لا فقط إلهيّة. إذًا، هناك شيء بشريّ، لا شكّ في ذلك. لكن، نحن لا نقف عند حدود البشرة، أبدًا. أندريه روبلوف، مثلاً، هو الرّسّام عندنا، أو هو نموذج الرّسّام عندنا؛ لأنّه سلك في القداسة، وفتح داخلَه على نور الرّبّ، والرّبُّ تجلّى له، وبتجلّي الله عبّر بهذه الطّريقة البشريّة الّتي عبّر بها. ولا شكّ في أنّه كان يتحلّى بمواهب خاصّة بشريّة؛ لكنّ الموهبة الأهمّ الّتي كانت له هي الموهبة الّتي أُعطيت له من فوق. في كنيسة المسيح، لا قيمة لشيء، أبدًا، إلاّ إذا كان من روح الله! كلّ ما تحت الشـّمس باطل! ما يجعلنا في الحقّ هو روح الحقّ. لهذا، الإيمان عندنا، يا إخوة، مرتبط بالعبادة، والعبادة مرتبطة عندنا بالإيمان. لا يمكننا أن نكون مؤمنين، إن لم نسلك في العبادة، بصورة متواترة؛ إن لم نلهج بالعبادة؛ إن لم نتنفّس عبادة. وفي آن معًا، لا يمكننا أن نعبد بالرّوح والحقّ، ما لم يكن إيماننا قويمًا، أي ما لم يكن يسوع فينا. الإيمان القويم، في الحقيقة، ليس، فقط، فكرةً تستقرّ في ذهن الإنسان وتكون فكرة صحيحة! الإيمان القويم، عندنا، هو أن نتحوّل إلى مسكن لروح الرّبّ. إذ ذاك، يكون إيماننا قويمًا.

إذًا، هناك علاقة محبّة بيننا وبين الله. الله مقيم فينا؛ الثّالوث مقيم فينا؛ ونحن مقيمون فيه؛ ونحن، دائمًا، نتكلّم لغة الله بالسّعي في العبادة الدّائمة؛ كما أنّ الله يكلّمنا، دائمًا، بلغتنا من خلال ما هو بشريّ، من خلال المحسوسات، من خلال الخليقة. هكذا، تتحقّق العلاقة، وتكتمل، بين الله وبيننا، في كنيسة المسيح. وهكذا نحيا في كنيسة المسيح. إذًا، الموضوع موضوع جديد كلّيًّا، علينا أن نعتاد عليه. لهذا السّبب، علينا أن نتمسّك، دائمًا، بما يُسمّى تراثًا في كنيسة المسيح، ما يُسمّى تقليدًا في كنيسة المسيح. التّقليد، في الحقيقة، هو أن نسلك في خطى الّذين سبقونا؛ وفي آن معًا، أن ننفتح على ما انفتحوا هم عليه، أي على روح الرّبّ، حتّى يكون التّقليد لا مجرّد أمور فاتت نستعيدها، بل يكون أمورًا حدثت في الأمس، ونحياها اليوم؛ لأنّ روح الرّبّ الّذي فعل في الأمس هو نفسه يفعل اليوم. وروح الرّبّ هو روح التّقليد، عندنا، وما يجعل التّقليد قيِّمًا، وقيِّمًا جدًّا وحيًّا. إذا فهمنا هذه الأمور، يا إخوة، يصير بإمكاننا أن نتعاطى الكنيسة، ونتعاطى الإلهيّات في كنيسة المسيح، بطريقة جديدة بالكامل، وإلاّ نجد أنفسنا نعتبر الكنيسة مجرّد منظّمة، أو عُصبة من هذا الدّهر، وهي ليست كذلك، أبدًا.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى9: 18- 26 في السّبت 18 تمّوز 2009