رسالة إلى المجمع الكبير

الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول – قبرص

بسبب اختلاط اﻷمور على المؤمنين في ما يتعلّق بتوقيعي على وثيقة علاقة الكنيسة اﻷرثوذكسية بباقي العالم المسيحيأو عدمه، أرغب بإعلام كل المهتمّين بهذا اﻷمر ﻷسباب ضميرية، بأنّي لا أوافق على النص بشكله اﻷخير ولم أوقّع عليه.

ما يلي هو رأيي المقدّم كتابةً إلى المجمع الكبير. أنا أكتب هذه اﻷمور فقط لوضع اﻷمور في نصابها بتوقير كبير واحترام نحو الجميع.

الميتروبوليت أثناسيوس

ليماسول في 30 حزيران 2016

رأي للميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول، قبرص

موجّه كتابةً إلى المجمع اﻷرثوذكسي العظيم المقدّس

أصحاب الغبطة والقداسة، أيها الرؤساء القديسون واﻹخوة القديسون

في ما يتعلق بالنص الصادر عن الاجتماع التحضيري الخامس الذي جرى في شامبيزى جنيف من 10 إلى 17 تشرين اﻷول2015، والذي يحمل عنوان علاقات الكنيسة الأرثوذكسية مع بقية العالم المسيحي، من واجبي أن أوضح ما يلي:

أنا اتّفق تماماً مع المواد الثلاث الأولى من النص. ومع ذلك، الملاحظات التالية على المادة 4 وما بعدها: “إن الكنيسة الأرثوذكسية تصلّي دائمالاتحاد الجميع“- أعتقد أن هذا يعني أن كل الذين انفصلوا ونأوا بأنفسهم عنها، من الهراطقة والمنشقين، يعودون إليها ويتّحدون بها بعد أن يكونوا قد تخلوا عن بدعهم وانشقاقهم وهربوا من هذه اﻷمور بالتوبة واندمجوا وانضمّوا متحدين بالكنيسة الأرثوذكسية وفقاً لتعاليم القوانين المقدسة.

كنيسة المسيح الأرثوذكسية لم تفقد أبداً وحدة الإيمان وشركة الروح القدسولا تقبل نظرية استعادة الوحدة بين الذين يؤمنون بالمسيح،لأنها تعتقد أن وحدة الذين يؤمنون بالمسيح قائمة بالفعل في وحدة جميع أبنائها المعمّدين، فيما بينهم ومع المسيح، في إيمانها الصحيح، حيث لا يوجد أي هراطقة أو منشقون، ولهذا السبب هي تصلي لعودتهم إلى الأرثوذكسية في التوبة.

أعتقد أن ما يرد في المادة 5 بشأن وحدة المسيحيين المفقودةغير صحيح، لأن الكنيسة كشعب الله، متحدين فيما بينهم ومع رئيس الكنيسة الذي هو المسيح، لم تفقد هذه الوحدة، وبالتالي ليست بحاجة إلى إعادة اكتشافها أو السعي للحصول عليها، لأنها كانت دائماً، وما زالت، وسوف تكون كنيسة المسيح التي لم تتوقف ولن تتوقف عن الوجود. ما جرى هو أن جماعات أو شعوباً أو أفراداً غادروا جسد الكنيسة، وهي تصلّي، كما أنه مطلوب منها العمل عن طريق البشارة، لعودتهم جميعاً في التوبة إلى الكنيسة الأرثوذكسية عبر الطريق القانوني. ببساطة، إذا أردنا أن نكون دقيقين في تعريفنا، لا توجد كنائس أخرى، هناك فقط بدع وانشقاقات.

إن عبارة نحو استعادة الوحدة المسيحيةليست صحيحة ﻷن وحدة المسيحيين، أعضاء كنيسة المسيح، لم تنقطع يوماً، طالما هم متّحدون بالكنيسة. إن الانفصال عن الكنيسة والابتعاد عنها تكرر للأسف مرات عديدة بسبب الهرطقات والانشقاقات، لكن لم تخسر الكنيسة وحدتها الداخلية في أي يوم من اﻷيام.

إن هذا النص يقودني إلى التفكير في سبب تعدد اﻹشارات إلى كنائسوطوائف“. ما هو الفرق؟ ما هي العناصر التي تميّز بعض الجماعات ككنائس بينما اﻷخرى تُسمّى طوائف؟ ما هي الكنيسة مقارنة بجماعة هرطوقية أو طائفة؟ بالنسبة لنا، نحن نعترف بكنيسة واحدة وبأن كل المجموعات الباقية هي هرطقات وانشقاقات وحسب.

أنا مقتنع بأن إعطاء الجماعات الهرطوقية والمنشقّة اسم الكنيسةخطأ بالكلية من منظار لاهوتي وعقائدي وقانوني، ﻷن كنيسة المسيح هي واحدة، على ما يرد أيضاً في البند 1، ولا يمكننا أن نشير إلى جماعة هرطوقية أو منشقّة أو جماعة خارج الكنيسة اﻷرثوذكسية، على أنها كنيسة“.

لا يشير هذا النص في أي نقطة إلى أن السبيل الوحيد للاتحاد بالكنيسة هو عودة الهراطقة والمنشقين إلى كنيسة المسيح المقدسة الجامعة الرسولية، التي بحسب المادة اﻷولى هي كنيستنا اﻷرثوذكسية. إن اﻹشارة إلى فهم تقليد الكنيسة القديمةيعطي الانطباع بأن هناك فرق أنطولوجي بين الكنيسة القديمة، كنيسة المجامع السبعة، واستمرارها الأصيل إلى اليوم الحاضر، أي الكنيسة اﻷرثوذكسية. نحن نؤمن بأنه في المطلق ما من فرق بين كنيسة القرن الحادي والعشرين وكنيسة القرن اﻷول، ﻷن إحدى صفات الكنيسة هي حقيقة نعترف بها أيضاً في دستور اﻹيمان وهي أنها رسولية.

يذكر البند 12 بأن الهدف المشترك للحوارات اللاهوتية هو استعادة الوحدة بشكل نهائي في إيمان ومحبة صحيحين“. هذا يعطي الانطباع بأننا نحن اﻷرثوذكس نسعى للعودة إلى اﻹيمان الصحيح ووحدة المحبة، وكأننا خسرنا اﻹيمان الصحيح ونطلب اكتشافه عبر الحوارات اللاهوتية مع غير اﻷرثوذكس. أنا مقتنع بأن هذه النظرية مرفوضة لاهوتياً عندنا جميعاً.

إن إشارة النص إلى مجلس الكنائس العالميتعطيني الفرصة لتسجيل شكوى ضد بعض الأحداث التي تجري بين الحين واﻵخر وهي تلفيقية وغير قانونية، وأيضاً ضد العنوان، لكونها تنظر إلى الكنيسة اﻷرثوذكسية وكأنها إحدى الكنائسأو فرع من الكنيسة التي تسعى وتجهد لتتحقق في مجلس الكنائس العالمي. بالنسبة لنا، في مطلق الأحوال، كنيسة المسيح هي واحدة وحيدة، بحسب ما نعترف في دستور الإيمان، وما من تعددية كنائس.

إن النظرة القائلة بأن الحفاظ على الإيمان اﻷرثوذكسي الأصيل مضمون فقط من خلال النظام المجمعي على أنه لوحده السلطة المؤهّلة واﻷخيرة في شؤون اﻹيمانمبالَغ فيها وهي تهمل حقيقة أن العديد من المجامع عبر تاريخ الكنيسة علّموا و تبنّوا عقائد غير صحيحة وهرطوقية، وأن الشعب المؤمن رفض هذه التعاليم وحفظ اﻹيمان اﻷرثوذكسي ودافع عن الاعتراف اﻷرثوذكسي. لا المجمع من دون الشعب المؤمن الذي هو ملء الكنيسة، ولا الشعب من دون مجمع اﻷساقفة، يستطيع أن يعتبر نفسه جسد المسيح وكنيسة المسيح والقادر على أن يعبّر عن خبرة الكنيسة وعقيدتها.

أنا أفهم يا أصحاب القداسة وإخوتي المجتمعين في هذا المجمع، أن استعمال العبارات القاسية أو المهينة غير لائق في النصوص الكنيسة من هذا النوع، ولا أظن أن أحداً يرغب باستعمال هذا الشكل من التعبير. مع هذا، يجب التعبير عن الحقيقة بدقة ووضوح، وبشكل طبيعي بتمييز رعائي ومحبة أصيلة نحو الجميع. نحن ندين ﻹخوتنا الذين يجدون أنفسهم في هرطقة أو انشقاق بأن نكون صادقين نحوهم بالكامل، وبمحبة وألم نصلي ونعمل كل ما هو ممكن للتوصّل إلى عودتهم إلى كنيسة المسيح.

أنا أشدد على أن نصوصاً بأهمية وهيبة هذه التي في مجمع الكنيسة اﻷرثوذكسية الكبير يجب أن تُصاغ بتأنٍّ كبير وبدقة لاهوتية وقانونية حتى أن أي إبهام أو عبارة لاهوتية غير مدققة لا يثير عبارات غير صحيحة قد تؤدّي إلى مفاهيم خاطئة وانحرافات في موقف الكنيسة اﻷرثوذكسية الصحيح. إلى هذا، حتى يكون مجمع ما صحيحاً وقانونياً، عليه ألا يحيد، بأي شكل من اﻷشكال، عن روح وتعليم المجامع المقدسة التي سبقته ولا عن تعليم الكتاب المقدس واﻵباء القديسين وينبغي ألا يكون فيه أي إبهام في التعبير الدقيق عن اﻹيمان الصحيح.

لم يحدث أن لدى أيّ من الآباء القديسين أو في أيّ من قوانين المجامع المسكونية أو المحلية أن أشير إلى الجماعات الهرطوقية أو المنشقة بالكنائس. إذا كان الهراطقة كنائس بالفعل، أين هي كنيسة المسيح والرسل الواحدة؟

إني باتّضاع أعبّر عن عدم موافقتي على إلغاء الممارسة التي طالما كانت موجودة في كل المجامع المقدسة بإعطاء كل أسقف صوتاً في التصويت. لم يكن نظام صوت واحد لكلّ كنيسةموجوداً يوماً، فهو يحوّل أعضاء المجمع الكبير، ما عدا رؤساء الكنائس، إلى مجرّد عناصر زخرفية بحرمانهم من حق التصويت.

عندي عدد من الاعتراضات واختلاف في الرأي تتعلّق بنقاط أخرى في وثائق المجمع، لكني لا أرغب بإتعابِكم أكثر من هذا القدر، ولهذا أتوقف عند هذه الأمور التي أعتبرها في غاية اﻷهمية وأنا بتواضع أعبّر عن عدم موافقتي وعن رؤيتي وعن إيماني.

في ما كتبت، لا أتمنّى أن أجرح أحداً ولا أرغب بأن أبدو بمظهر الذي يعلّم أو يقاضي إخوتي وآبائي في المسيح. ببساطة، أشعر بضرورة التعبير عن ما يمليه عليّ ضميري. أطلب تسجيل ما عبّرت عنه في أعمال المجمع اﻷرثوذكسي الكبير.

طالباً صلواتكم

اﻷخير بين اﻹخوة في المسيح