النسك الصيامي

النسك الصيامي

الأب جون بريك

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

في كتاب صغير مميّز عنوانه “جسد الموت والمجد”، يتحدّث اللاهوتي والمؤرّخ الأرثوذكسي الفرنسي أوليفيه كليمان عن السبب الأساسي للنسك المسيحي. “النسك يمكن فهمه فقط ضمن منظار الجسد الليتورجي القائم. النسك يعني المجهود لرفع أقنعتنا، تلك الهويات العصابية التي تغتصب نداءنا الشخصي. إنه مجهود مبني ليس على قوة الإرادة بل على تنازل لا يتوقّف عن الذات للنعمة… النسك هو الصراع، أي التخلي عن الذات بالانفتاح والإيمان، الذي يسمح للروح بأن يحوّل جسد جنسنا إلى جسد من “لغة” تعبّر عن الشخص وعن الشركة بين الأشخاص. بفضل هذا الصراع النسكي نتحوّل تدريجياً من جسد متلقٍّ، يتعامل مع العالم كفريسة له، إلى جسد من الاحتفال يوحّد نفسه لليتورجيا الكنسية ومن هناك لليتورجيا الكونية”.
هدف الممارسات النسكية في الكنيسة هو تحقيق هذا التغيير، التحول الجذري للشخص، من جسد الموت إلى جسد ممجّد، جسد التقديس. عالقاً في معركة محتدمة بين رغبته بالرب و”ناموس الخطيئة” الذي يأسره، يصرخ الرسول بولس: “وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟” (روما 24:7)، ويجيب على هذا السؤال بالشكر: “أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا!”
لقد هيّأنا الله، خلقنا وباركنا، “للمجد” (روما 23:9). “يقول بولس للكولوسيين: ” قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ.” (3:3-4). مع أننا عالقون في عالم الخطيئة، سالكون في “جسد الخطيئة” خاضعون للموت والفساد، إلا إننا مدعوون، “مقدّر لنا”، أن نشترك بشكل كامل في مجد المسيح القائم. من خلال الممارسة النسكية، كما من خلال الشركة الإفخارستية، تصير هذه المشاركة حقيقة راهنة، حقيقة تغيّر شيئاً فشيئاً جسدنا المائت إلى جسد تقديسي حقيقي.
هذه هي النظرة التي تستخرج المعنى من نسكنا الصيامي. عكس هذه النظرة، يوجد إغراء ماكر وقوي بتحويل هذا “الصوم العظيم” إلى غاية بحد ذاته. فنتبنّى الممارسات الصيامية كالسجدات الجسدية بسبب منفعتها الجسدية؛ نمتنع عن اللحم ومنتجات الحليب لكي ننظف الجسد من السموم أو لنخسر وزناً أو لكي نكون قادرين على قول “لقد صمنا”.
هذا التحريف الشعبي لسبب النظام الصيامي يتشابه ويترافق مع حاجة مفرطة لأن تكون الأمور صحيحة، وهذا يتمثّل في تفحصنا لكل علبة نشتريها في محل البقالة، للتأكّد من خلوّها من أي اثر للحم أو الحليب. نحن نتفاخر بقدرتنا على التضحية ببعض الملذات (الأفلام، المشروبات الروحية، الممارسة الجنسية، البوظة)، أقله في الأسبوعين الأول والخامس من الصوم الكبير. على الرغم من ذلك يبقى آدم القديم ناشطاً جداً. غالباً ما تترجم تضحيتنا حباً ذاتياً. نحن ما نزال نأوي الأحقاد القديمة ذاتها، ما نزال نهمل المجهولين غير المرغوب فيهم في نواحينا، وما نزال ننتقم عندما تسنح الفرصة. بحسب تعبير القديس باسيليوس، نمتنع عن اللحم لكننا ننهش أخانا.
الهدف الحقيقي لكل الممارسة الصيامية هو السماح للنعمة لأن تعمل فينا. إنها لكي نترك الروح القدس يحوّل ذاتنا المائلة إلى الكسب، “جسد الموت” الذي لنا، إلى جسد تقديسي. كما يشير كليمان، هذا التحول يتطلب أن نوحّد ذواتنا مع “الليتورجيا الكنسية”، أي العبادة المستمرة. وهذا بدوره يوحدنا مع “الليتورجيا الكونية”، أي العبادة الأبدية لكل الذين مروا في شركة القديسين.
إذا امتنعنا عن بعض المأكولات، زدنا وعمّقنا صلواتنا الفردية والجماعية، خصصنا المزيد من الوقت والانتباه للكتاب المقدّس وكتابات الآباء، وتقاسمنا طوعياً مع الآخرين الخيرات التي باركنا الله بها، فكل هذا لسبب واحد: لكي نسمح للروح القدس لأن ينجز هذا التحوّل فينا، من جسد للموت إلى جسد ممجّد. إلى هذا، وما هو أكثر أهمية، هذه الممارسات الصيامية التي نسمّيها بشكل سطحي وبكبرياء “تضحيات”، يمكن أن تتحوّل تدريجياً إلى أعمال يومية تَسِم حياتنا كاملة.
النسك الصيامي، بتعبير آخر، ليس شيئاً استثنائياً نتّخذه بسبب تقليد (“طالما قمنا بهذا العمل”) ولا بسبب اضطرار ما (“نشعر بالذنب إن لم نقم به”). النسك الصيامي هو دعوة، نداء إلى شيء ما أكثر عظمة، أكثر جمالاً وأكثر إشباعاً من كل ما يمكن أن تقدمه خبرتنا المألوفة. إنّه مناشدة من الله نفسه لأن نعترف بأنه وحده موضوع كل رغبة وكل تشوّق حقيقي قد نعرفه.
بقدر ما نلتفت إلى هذه المناشدة نكتشف أنه بإمكاننا أن ننظر فعلياً إلى كل يوم من حياتنا وأن نعيشه في حزن الربيع الصيامي المفرح. نجد، بما يثير دهشتنا وبهجتنا، أن كل حركة وكل موقف يمكن أن يتكيّف بتوقّع يصعب فهمه وبتوق عميق إلى تحول جسد تواضعنا إلى جسد يسوع المسيح الممجد (فيليبي 21:3).

Leave a comment